0 287

مائة سنة على إعلان “دولة” لبنان الكبير. “الدولة” التي تواجهُ اليوم ساعة الحقيقة القاسية. تواجهها مؤسَّساتها الدستوريَّة بكلِّ “المُنتَخَبين لتحمُّل أعباء المسؤوليَّة. يواجهها “شعبُها”، الذي يعيشُ داخل أراضيها (وخارجها) في حالة “شتات” مروِّع. ذلك أنَّه موزَّع على الطوائف والأحزاب والحركات “الثائرة” بشكل يقربُ أن يكونَ حالة “بابليَّة”، حيث تشظَّت اللغة فباتت كلّ فئة تحكي لغتها لا غير، فيما آذانها صمَّاء عن لغة الآخَرين. ويواجهها قرارُها الذي غادر “طاولة الحوار والعقلانيَّة” فاشتدَّت عواصف الخارج في الميادين الداخليَّة بكلّ الذرائع والوسائل المُتاحة.

لقد عبَّر الانفجارُ الرَّهيب في مرفأ بيروت عن هذه الساعة بشكل ملحميّ-مأساويِّ مُرعِب. وها هي تداعياته بكلِّ وجوهها تكشف عمق الهوَّة التي بات وطنُنا المسكين في جوفها. السؤال الكبير الآن: هل بعدُ بالإمكان من سبيل إلى الإنقاذ؟

نحتاج، أكثر ما نحتاجُ إليه، إلى الرُّوح الوطنيَّة العابرةِ للمصالح الصغيرة نحو المصلحة العُليا للشعب اللبناني الواحد. لقد بات هذا الأمرُ مُلحّاً وبمستوى الضَّرورة اللازمة حتماً. إنَّ الانكشافَ المُعيب للفجوات الهائلة التي سبَّبها الفسادُ والإهمالُ واستباحة الإدارات إلخ. وانتشار المعلومات بصدده عموماً، سيّما دوليا كما يعبَّر عنه في المواقف الرسميَّة والصحافة العالميَّة، هو أمرٌ لا يمكن علاجه إلَّا بتغيير أنماط التحكُّم بأدوات السلطة، آن الأوان ليقظةٍ أخلاقيَّة وجدانيَّة حقيقيَّة. وكم كان مُحقّاً شوقي في قوله:

وإنَّما الأممُ الأخلاقُ ما بقيَت         فإنْ هُمُ ذهبَتْ أخلاقُهُمْ ذَهبُوا 

إنَّ الأمثولةَ التي يُعطيها القادةُ لشعوبهم في أوقات المحن الكبرى، بالتضحيات والشجاعة ونكران الذات، كانت عبر مجرى التاريخ العامل الأصل في تقدُّم الحضارات في ما عهدناه. أمَّا ما نراه اليوم، في عالمنا المعاصر عموما، من اندفاعات متسارعة نحو التخاصُم وتعطيل آليَّات الاحتكام الدولي الذي ترعاه هيئة الأمم (وشعارها حقوق الإنسان والإنسانيَّة)، فهو الأمر الذي يفاقمُ حتماً مسارات التوتُّر والاضطرابات، ناهيك عن عاصفة الوباء التي، عدا كونها جائحة مؤلمة للأوضاع البشريَّة، فقد عرقلت على نحو خطير دورة الاقتصاد العالمي وباتت الدول المتقدِّمة تضع خطط الإنقاذ والنهوض لسنوات قادمة.

في لقاء مع سيادة مطران بيروت السابق المطران بولس مطر الذي نكّن لشخصه كلّ التقدير والاحترام أعاد سرد حادثة حصلت في أثناء بناء دير مار جرجس الناعمة. ومما قاله إن الارض التي شيّد عليها الدير هي هبة من بني معروف، من آل نكد الذين قدّموا مليون متر مربع للرهبانية اللبنانية المارونية (سنة 1756).  وكان لهم شرط واحد ان يسمى الدير بإسم مار جرجس.

أمّا الحادثة فهي التالية:

في أثناء أعمال البناء وتحديد الأرض حصل سوء تفاهم على ترسيم الحدود بين القيّم على الدير والمسؤولين من آل نكد. أبدلت الرهبانية المارونية القيّم على الدير الذي وقع معه الخلاف وعيّنت بديلاً منه. اتصل القيّم الجديد بآل نكد وذكر لهم فضلهم وأن هذه الأرض هي تقدمة منهم وليضعوا الحدود أينما أرادوا فكان جوابهم انهم يتركون الأمر للرهبانية المارونية والقيّم الجديد وهكذا حُلّت المسألة.

هذه الحادثة تختصر مشكلة لبنان ليس فقط بين طائفتين كريمتين بل مع جميع مكونات الشعب اللبناني، وتختصر أيضاً الطريق لحل معظم مشكلاتنا. ألا تواضعوا، حدّثوا وتخاطبوا بالكلمة الطيّبة، أحسنوا النوايا، واعتمدوا مصلحة لبنان. وإلّا فلبنان الى زوال – لا قدّر الله

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader