غيابُ القراءة… واغتيالُ العقل النّقدي الحُرّ!

0 98

  هذه ليست فكرة سقطت من عابر سبيل، أو مجرّد قول طيّب يتردّد دون سند علميّ موثوق. هي، على العكس تماماً، خلاصة ما انتهت إليه مئات البحوث العلميّة الأكاديميّة، في عشرات الجامعات ومراكز البحث العلمي المرموقة حول العالم. هناك الآن ما يقارب الإجماع على أنّ التطوّرات السريعة التي حدثت في قطاع «السوشيال ميديا» في العشرين سنة الماضية، على مستوى العالم، كما على المستوى المحلِّي الذي نعرفه جيداً، قد انتهت حتى الآن إلى نتيجتين خطيرتين مترابطتين: الأولى، تسارع التحوّل الكارثي الجاري منذ عقدين عن الكِتاب، والصّحافة الورقيّة، نحو الكتاب الإلكتروني والصحافة الإلكترونية، أي الموت الفعلي للكتُب والمجلّات الرّصينة، الثاني، التدهور السريع في الحاجة إلى العقل، والعقل النّقدي الحُر خصوصاً، والقبول دونما اعتراض بالإملاءات والتّنميط وفرض القِيَم والمعايير المُستوردة، والغريبة غالباً عن ثقافتنا وسُلّم قيمنا الاجتماعية والأخلاقية.

  في المسألة الأولى، يقول البحّاثة إنّ التحوّل عن الكتاب الورقي والصحافة الورقيّة إلى البديل الإلكتروني هو تحوّل عن الأصل إلى التقليد، وعن الماء العذب إلى الماء المقطّر والمُصَنّع والمُكَرّر الذي لا يشبه الأصل إلّا في اللون. لقد دمّرَ التحوّل ذاك فعل القراءة – وما فيه من متعة وشَغف وسعادة ومشاركة للنّصّ وللمؤلف – كما دمّر صناعة الكتاب والمكتبات العامَّة، فقضى في عشرين أو ثلاثين سنة على ما أنجزته البشرية في خمسة آلاف سنة على الأقل.

  يريد المُروّجون لهذا التحوّل، بل لتلك الجريمة التاريخية، أن يزرعوا فينا الوهم أنّ النّص هو المعلومات فقط ويمكن بالتالي نيلها بسرعة، بلمحة بصر، وبغير فعل القراءة الهادئة المُتَبصِّرة التي تعوّدناها منذ آلاف السنين. ويريد هؤلاء أن يحجبوا الأبعاد الأُخرى لفعل القراءة وبكل المعاني التي صَنعت عبر التاريخ المُتعلّم والمُثقف والمواطن الصالح والطّبقات الوسطى، فَصَنع الحضارة والثقافة وجعل الارتفاع عن مستوى الحواس وغرائزها أمراً مُتاحاً، مُمكناً، وجميلاً. لقد فات هؤلاء ما بات يؤكّده العلماء، بل الأطبّاء، في عشرات البحوث ومؤدّاه أنّه حين نتوقَّف عن القراءة تصاب فاعليات الدّماغ ونشاط التفكير في العقل بالكسل والانحطاط التدريجي ليصل أخيراً إلى ما يشبه الموت العقلي (رمزيّاً)، تماماً كما يحدث الموت الفعلي للجسد وأعضائه ووظائفه حين تتوقّف عضلات هذا الجسد عن كلّ حركة.

  صحيحٌ أنّ القراءة، حسب تعريف الموسوعات المتخصّصة، هي: «استقبال معلومات من الكاتب أو المُرسِل للرسالة، واستشعار المعنى المطلوب….»، لكنّها أيضاً وسيلة للتواصل مع الثقافات والحضارات الأُخرى. كما أنّ للقراءة، وبعد خمسة آلاف سنة من المُمارسة، عوائد أُخرى تُضاف إلى مجرّد فهم النص المكتوب واستشعار معناه. تلك هي وظيفة أوّلية «رسميّة» للقراءة، بينما هي تمتلك، إلى ذلك، فوائد أُخرى جَمّة وتُنتج عوائد في كلّ اتجاه لا تُقدَّر بثمن، على المستوى الفردي والنفسي والشخصي، كما على المستوى الاجتماعي والحضاري والإنساني. انتهت البحوث العلمية المتخصصة إلى أنّ للقراءة، على المُستوى الفردي والشخصي الفوائد الستّ التالية على الأقل، إضافة إلى الوظيفة الأوّلية للقراءة أي فَهم المكتوب. الفوائد الستّ هي كما يلي:

1- تقوية الوصلات العصبيّة وبخاصة لدى اليافعين فـ «القراءة من أكثر الأنشطة التي تُحَفّز الدماغ للقيام بمهامه وتطوّر القدرات الدماغية التواصلية والتحليليّة».
2- تعزيز التّركيز، ولا يخفى أنْ لا عملية تعلّم منتجة دون حدٍّ مقبول من التركيز، وهو ما يعمل عليه المدرّسون والمربّون دون هوادة. القراءة هنا تعزّز هذه المَلَكة، وتجعلها تلقائيّة في الذهن، يلجأ إليها العقل على نحو اعتيادي ودونما صعوبات أو مشقات تُذكر.
3- تنشيط الذاكرة. القراءة تقلّل حتماً وبعد مئات الاختبارات من وتيرة تباطؤ فاعليّة الذاكرة، وتحد من خطر الإصابة بمرض الزهايمر، فقد ثبت أنَّ «القرّاء المُصابين بمرض الزهايمر ظهرت عليهم الإصابة بالمرض في وقت متأخّر مقارنة بغيرهم من غير القرّاء».
4- مقاومة الاكتئاب والتوتُّر. تبيّن بعد تجارب ومراقبة أنّ القراءة تمنح صاحبها آفاقاً رحبة جديدة فتخرجه من سجن التوتّر وعادات الاكتئاب، وإلى ذلك «هي مقاومة للأمراض العصبيّة البسيطة مثل الصداع والأرق».
5- تحفيز الذّهن؛ من فوائد القراءة والمطالعة تحفيز عمليات الذّهن ووظائفه، إذ «يحتاج العقل إلى تحفيز دائم، وقد تختلف هذه المحفِّزات من شخص إلى آخر، ومن عقل إلى آخر، ولكن يبقى أنَّ القراءة هي من دون شك على رأس هذه المُحفِّزات».
6- فرصة إضافية للإبداع. تقدّم القراءة كفعل تقَنيّ، وكإطلالة على حقول شاسعة متنوّعة، باباً إضافياً للإبداع. هي تقترح موضوعات جديدة، مسارات جديدة، ودوافع لن تكون متاحة، أو حتى معروفة، دون فعل القراءة، واكتناه عادتها.

  وبسبب هذه الفوائد المُباشرة الشخصيّة، ركّز التربويّون، والحكومات في أنحاء العالم المُتقدِّم على تنمية فعل القراءة لدى الشباب والكبار، من خلال تخصيص أيام وبرامج وجوائز للقراءة. وركّزوا أكثر على ضرورة زرع عادات القراءة في شخصيّة الأطفال الآخذة بالنّمو واكتساب العادات المعرفية، لما في ذلك من نتائج خَيّرة على المستويات الأخلاقيّة والتربويّة والسيكولوجيّة. وعليه، يجب أن يدرك الآباء والأمّهات، أنّ تعوّدهم القراءة أمام أطفالهم، وإحاطة هؤلاء بالكتب والمجلات، وشرح أهميّتها، سيتركان آثاراً إيجابيّة مستقبليّة على توجّهات أطفالهم، وميولهم، وعاداتهم، وعلى نوع الأهداف التي يضعونها نُصب أعينهم. وليس غريباً بالتالي أن يتضمّن مقياس تَحَضُّر أية جماعة معدّلاً وسطيّاً بعدد الساعات التي يصرفها الفرد يوميّاً أو أسبوعيّاً في القراءة. ولا لزوم للقول، وقد بات معروفاً في الإحصاءات الدوليّة، أنّ معدلات القراءة في العالم العربي بعامة هو متدنٍّ جدّاً ولا يتناسب مع الدور البارز الذي لعبه العرب قديماً في الثقافة العالمية، ولا مع امتلاكهم حافزاً دينيّاً كي يقرأوا، ليس له مثيل، إذ إنَّ أول ما خاطب به جبريل محمَّد(ص) قال له: إقرأ.

  أمّا إذا أردنا التماس أسباب تدنّي معدّلات القراءة عموماً في العالم العربي، لوجدنا في طليعتها مستوى الأُميّة العالي الذي لا يزال مُهيمناً على النّساء في العالم العربي (أُميّة قراءة تبلغ الثّلثين)، كما على شرائح اجتماعيّة كثيرة في الأرياف والأطراف وبين الجماعات المُهَمّشة.

  يُضاف إلى السبب البنيوي أعلاه انتشار الاضطرابات وفقدان الأمان وحالات التّهجير والتسرّب المُبكر من المدرسة وعمالة الأطفال في معظم أجزاء العالم العربي، ما يجعل القراءة بما تعني الإقبال على الكتاب مطلباً ثانويّاً وفرعيّاً قياساً بما هو أكثر خطراً، ماديّاً ووجوديّاً.

  يُضاف إلى السّببين الكبيرين، أعلاه، المانعين لاكتساب عادة القراءة عند الفرد العربي، سبب ثالث بات ملموساً في مُعظم المجتمعات العربية، لدى الأطفال واليافعين على وجه الخصوص، كما لدى الكبار عموماً وهو التحوّل عن الكتاب الورقي والمطبوعة الورقية إلى شاشات مُضيئة مُسطّحة (أو مُقعّرة) تحت مسمّيات عدّة: من التلفزيون إلى الإنترنت وساعات البث طوال النهار والليل، وما يسمّى وسائط التواصل الاجتماعي (وهي غير اجتماعية كُليَّاً لأنَّها تُحيل الطفل واليافع إلى فرد شديد العزلة وأحياناً إلى فرد عدواني). الصورة هي التي تهيمن على هذه الشاشات الخادعة. والصورة المسطحة التي تُقدَّم للمشاهِد لا تحتاج في الغالب معرفةً أو علماً أو مهارة قراءة، بل سلسلة طويلة متداخلة من الصُّور والتطبيقات الخادعة، الوهميّة، والآسرة للطفل أو لليافع.

  السبب الأخير يضعنا مباشرة في المسألة الثانية وهي اجتياح ما يُسمَّى بـ «السوشيال ميديا» للعقل البشري، وتجريده فعليّاً من أهمّ ما حققه عبر التاريخ: حُرّيته وقدرته على الاختيار.

  هذا الدّفق غير العقلاني، وغير المعقول من الإقبال على الشاشات المُضيئة الرَّخيصة (عمداً وعن سابق تصوّر وتصميم) يكاد يُدَمّر أجيالنا الشابّة، بتدميره لملكة العقل الحُرّ والنقدي فينا. لقد بات البشر أشياء، لا ذواتاً، موضوعات تتلقّى، لا كائنات تفكّر، «روبوتات» تجري برمجتها بمئة طريقة، مباشرة وغير مباشرة، فتصبح ببَّغاوات بائسة تنطق بما لقّنها إياه مُصَمِّمو البرامج – تُجّار العولمة ومهندسو الشرّ في العالم؛ كائنات تتكلّم، ترتدي، تشتهي، تميل، تستسلم، وفق إرادة مُبرمجيها في الغُرَف المُغلقة. هوَ ذا ما يحدث حين يُحْرَم اليافع من القراءة المُمتعة والتفكير بحرّية لصالح دفق المَشاهِد والصُّور: ويظنّ وسط ذلك أنّه أمام خيارات في التطبيقات لا حدّ لها، بينما هي في الحقيقة تكثيرٌ أو تكرارٌ لخيار واحد إلزامي أمام اليافع، وحدّث بعد ذلك بما شئت عن الأضرار النفسيّة والاجتماعية وحتى الجسدية اللاحقة. وخير سند عمليّ لما نقوله لجوءُ أكثر من عالِم وتقَنيّ في مجال برامج اليوتيوب وتطبيقاته إلى منع أطفاله من استخدامها.

  هذا هو الواقع الأسود الذي لم تتمكن كلّ الدعايات الملوّنة من التَّغطية على لائحة الانحرافات الكارثيّة التي قاد إليها (وصولاً إلى حد طلب الانتحار من المُشاهِد وفق بعض التّطبيقات)؛ كما لم تتمكّن بالتأكيد من تغطية طبيعته الفاسدة والمؤذية، فرديّاً واجتماعيّاً، أخلاقياً ومدنياً، ولنا في مجتمعاتنا أكثر من شاهد على ما نقول (وقد دَلّت إحصائيّات حديثة إلى أنّ 46% من مُستخدمي الإنترنت في العالم العربي إنّما يفعلون ذلك لأجل التّرفيه لا أكثر!).
وحتى لا نُرمى بالغُلوّ والأحكامِ المُطلقة، نستدرك فنقول: إنّه ربّما نجد في تقنيّات التواصل والإعلام السائدة قدراً من الفائدة، الفرديّة والجمعية ولكن شرط أن يُحسنَ الآباءُ والأمّهات والمُربّون على وجه الخصوص، ضبط استخداماتها وحصرها بما هو نافعٌ وخَيّر.

  وبعد، فَلْنُداوِ الجهلَ بالمعرفة، والتأخُّرَ بالعلم، والتّهوّرَ بالحكمة، والمفاسدَ الكثيرة بطلب الخير والنّصح والرُّشد، من حكيم وراشد إذا توفّرا، ومن قراءة الكتاب أوّلاً وأخيراً: فهو خيرُ جليسٍ في جَمْعتنا، وأمتعُ أنيسٍ في وحدتنا. أمّا إذا سُئِلتَ عن فعلٍ فيه الخيرُ التّام والنأيُ عن كلّ شرّ فقلْ: القراءة.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader