لا لكلِّ تفكيرٍ طائفيّ،

نعم لمشروعٍ وطنيٍّ عروبيٍّ ديمقراطيٍّ جامع

ثورة جبل الدروز
0 11

لم أكن في تاريخي الثّقافي والسياسي يوماً غير وطنيّ عروبيّ إنسانيّ، عقلانيّ التفكير، بعيداً عن كل مرض طائفي أو عنصري؛ وعليه فما أخطُّه في هذه الكلمة ليس دفاعاً عن الدروز كطائفة – هذه ليست مهمّة رئيس التحرير – وإنَّما دفع بالكلمة لظلم فادح وقع عليهم منذ حين؛ دفاع عن الحقوق الإنسانية والوطنية ومطلب العدالة لكل جماعة إنسانية، وهو واجب أخلاقي قبل أن يكون حقّاً من حقوق الإنسان.

لم يخطئ شوقي أمير الشعراء حين دافع عن الدروز سنة 1925 في ما أصابهم من عَسفِ الفرنسيين المحتلِّين لسوريا آنذاك وعنفهم، إذ فقدوا بين سنتي 1925-1927 ما يقارب ربع رجالهم في جبل العرب جَرّاء الغارات التدميرية لطيران الجيش الفرنسي ودباباته ومشاته، وكان يومذاك جيش البرّ الأوّل في أوروبا، في ذلك يقول شوقي:

وما كان الدروزُ قَبِيلَ شَرٍّ            وإنْ أُخِذوا بما لم يستحقُّوا

تلك عَيِّنَةٌ فقط من تضحيات العشيرة المعروفيّة في المشرق، وبخاصة في لبنان وسوريا، طوال تاريخها اللّافت الذي أمتدّ لألف سنة، منها 800 سنة في إمارة جبل لبنان، لم تعرف البلاد فيها فتنة طائفية أو مذهبية واحدة، بفعل الحكم الرَّشيد لأمراء جبل لبنان من الموحِّدين الدروز – والذي ما إن آل الحكم فيه إلى بشير الشهابي الثاني حتى غرقت البلاد سريعاً في كل أنواع الفتن، من الطائفي والمذهبي والعشائري المَحلِّي، إلى اصطفافات إقليميّة متقلّبة، جَرَّت الويل على البلاد فأدخلتها سياساتُه الرعناء في فتن لم تنتهِ إلّا بمغادرته على بارجة بريطانية إلى منفاه في مالطة. لكنَّ فساد سياسته استمرَّ مع خليفته الضعيف، بشير الشهابي الثالث، فدخلت البلاد – وسط عالم متغيّر عنواناه: ضعفٌ عثمانيٌّ متمادٍ مقابل هجوم أوروبيٍّ سياسيٍّ واقتصاديٍّ بالغ القوَّة، بل غير مسبوق منذ الغزوات الفرنجيَّة في القرن الحادي عشر ميلادي. وكانت النتيجة الطبيعيَّة لفقدان التوازن ّ وقوّة التدخّلات الخارجية أن اندلعت أحداث 1841، 1842، 1845، وذروتها أحداث 1860 المشؤومة: أحداثٌ أُسميت طائفية وهي ليست كذلك إلّا شكلاً، فيما هي في حقيقتها حروب سياسيَّة واقتصادية واجتماعية مُعَقّدة متداخلة، برداء طائفي خادع. لقد أُدخل اللبنانيون، دون استشارتهم في حروب وفِتَن لا يدَ لهم فيها، ولم تكن لهم القدرة على منعها، فحدَث ما حدَث. ومع ذلك جرى تحميل الدُّروز ظلماً، وكانوا قلَّة قليلة، خسائر تلك الحروب التي فقدوا فيها أكثر من 4000 رجل، وسيق المئات منهم إلى المنافي في الأناضول وطرابلس الغرب والبلقان، عدا النَّهب الواسع الذي جرى لممتلكاتهم وأرزاقهم وأوقافهم.

كما أنّ تضحيات العشيرة المعروفية في جبل العرب لم تكن أقلّ من ذلك، بل أكثر فداحة بكثير. إذ أشبع الولاة العثمانيون الجشعون الجبل غزوات وغارات طمعاً بمحاصيله الزراعية، أو لكسر شوكة وكرامة أبنائه، وهي أغلى لدى المعروفيين من الرزق والمال وحتى الأرواح. ولمعرفة فداحة ما تحمّله جبل الدروز من عسف أولئك الولاة وغزواتهم.

وشكّلت ثورة جبل الدروز لثلاث سنوات 1925-27 ذروة مواقف العشيرة المعروفية في السياسة والوطنية والقومية. فقد عوقب جبل الدروز أشد العقاب لأنَّه رفض القبول بدويلة درزية على حساب وحدة أراضي الدولة السورية المُرْتجاة وكيانها الإداري، وكانت عاقبة رفضهم ذلك حرباً عسكريّة ثقيلة شعواء على جبل العرب، ردّ عليها المعروفيون بثورة وطنية قومية من الدرجة الأولى، بقيادة سلطان باشا الأطرش، وتحملوا في سبيلها ما لم تتحمله جماعة من عَسف وظلم وقصف وتهجير ومنفى. فقد هُزمت الثورة عسكريّاً نتيجة تواطؤ فرنسي-بريطاني، وأُجبر قائد الثورة سلطان الأطرش، ومعه المئات من مقاتليه – ونسائهم وأطفالهم – أن يغادروا إلى الأزرق في الأردن، ثم أَبعدَ من ذلك إلى صحراء وادي السّرحان شمال العربية السعودية حيث عاشوا لسنوات ظروفاً معيشية ومناخية قاسية أسطورية، صارت روايات على كل لسان، لما احتوته من جوع وعطش، ومن موت أطفال في هجير صحراء لا ترحم، وبعدما شاع خبر مجاعتهم، أرسل مفتي القدس الحاج أمين الحسيني ممثّله السيد أكرم زعيتر ليستقصي أحوالهم، فهاله ما رأى من شظف العيش وشاهد سلطان قائد الثورة لثلاث سنوات خلت؛ يحتطب من أمكنة بعيدة ليؤمن لعائلته الموقد والنار والدفء وسط قَرِّ الصحراء وقريرها. ولعل أكثر ما هال أكرم زعيتر أن يرى الثوار المنفيين لا يملكون إلا «ملاعق خشبية» صنعوها ليأكلوا هم ونساؤهم وأطفالهم بها. ولم يتردَّد الحاج الحسيني أن يضع الملاعق تلك، بعدما جاءه بها أكرم زعيتر، في رُكنٍ مميّز من المسجد الأقصى، وجعل فوقها عبارة: تلك هي عدّة كلِّ مناضلٍ حقيقي صاحب قضية مُحِقَّة.

أكرم زعيتر

أمّا جريمة المعروفيين الدروز، ثوّار 1925-27، فهو تصدِّيهم للاستعمار الفرنسي ورفضهم تقسيم سوريا إلى عدّة دويلات طائفية، بل رفضهم دولةً درزيَّةً عُرِضَت عليهم، لها علَمُها وكيانُها وحدودُها، ورئاستُها لآل الأطرش.

ذلك هو تاريخ المُوحّدين الدروز الحديث، من إسقاط مشروع الدولة الطائفية التقسيمية في سوريا، بقيادة سلطان باشا الأطرش، إلى إسقاط كل مشروع إسرائيلي في لبنان طوال حربهم الطويلة 1975-1990، وذروتها إسقاطهم حصراً وبفعل صمودهم في حرب الجبل لاتفاقية 17أيّار المُذلّة التي فُرضت على لبنان بُعَيْد الغزو الاسرائيلي سنة 1982.
ومقابل ذلك، وبكل صراحة: لا شيء تقريباً ممّا كان يجب تقديمه لِتُوفى العشيرة العربية المعروفية حقها، لاحتفاظها المُكلِف بشعلة الكرامة، وإشعالها لأوَّل حرب تحريرية في الشرق ضد الانتداب الأجنبي على سوريا ولبنان، وإسقاطها من ثمة كل مؤامرة تمس وحدة البلدين أو عروبتهما.
وبسببٍ من محدودية ما نال جبل العرب وجبل لبنان الجنوبي من خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، بدا التعليم هو الميدان الأكثر اتساعاً وديمقراطية أمام أبنائه، إلاّ أنّ العجز عن استيعاب مُخرَجات التعليم المتوسع ذاك أحال العملية إلى تخريج عاطلين عن العمل، أو موظفين إداريين هامشيين، وإلى مشروع هجرة ونزف في البلدين نحو الخارج. ولطالما جرى التحذير أن الفقر والبطالة والتهميش والإقصاء هي قنابل اجتماعية وسياسية موقوته، لا ينزع فتيلها غير التنمية المتوازنة والاندماج الوطني المواطني، والديمقراطية – صمّام الأمان لكل المجتمعات المركّبة.

ومع ذلك، وعلى المستوى الاستراتيجي، لا حلول طائفية حقيقية لأيّة طائفة، لا في لبنان، ولا في أي قطر عربي. الحل الطائفي وإن بدا مُغْرياً ليوم أو يومين فهو قاصر عن أن يؤمِّن الاستقرار والتنمية والديمقراطية على المدى البعيد.

كل الحلول الطائفية مآلها الإخفاق وكل حلّ طائفي لأيّة مشكلة هو مشروع مشكلة أكثر خطورة وأدهى نتائج وتداعيات. وعليه يجب إزالة هذا الوهم من الأذهان: لا حلول طائفية، ولا عدالة طائفية، كلُّها ألغام وأفخاخ أَدرك فشلَها وخطرها وحذّر منها روّاد العروبة الأوائل في نظريّاتهم القومية منذ ما يقرب من مئة سنة.
ومن لم تقنعه النظرية، فليقرأ وقائع السنوات الثلاثين الأخيرة في العالم العربي، حيث تراجع المشروع القومي الجامع لمصلحة الحساسيّات المحلية الطائفية والثقافية والعشائرية، فإلامَ قادت الحلول الطائفية المُرتجاة أو المزعومة في العالم العربي؟ لقد أوصلت المجتمعات العربية إلى الخراب، بكل أشكاله السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

لا مشروع حلٍّ طائفي يؤتمن لأيّة مشكلة تتعلّق بالمكوّنات الطائفية والإثنية…
المشروع الحقيقي الذي يمكن الوثوق به، والرّهان عليه، هو المشروع الديمقراطي، الوطني، العروبي الجامع.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader