نجيب البعيني….

المُثَقّف العُضوي المُلتزم

جانب من الحضور في احتفال تكريم (المرحوم) الأديب نجيب البعيني.
0 2

انعقد في المكتبة الوطنية في بعقلين، نهار السبت في ١٦ حزيران ٢٠١٩، حفل تكريم للمرحوم الأديب الأستاذ نجيب البعيني بحضور شعبي وثقافي حاشد. عرّف بالمتحدثين الشاعرة زلفا أبو علي، وكانت كلمات للأستاذ غازي صعب، الدكتور ميشال كعدي، الدكتور رياض غنام، الأستاذ فادي الشامي، ورئيس تحرير مجلة الضّحى، الدكتور محمد شيّا.

وفي ما يلي أجزاء من كلمة رئيس تحرير مجلة الضّحى.

السيّدات والسّادة،

تأتي مُبادرة الاحتفال بذكرى الأديب الأستاذ نجيب البعيني في مَحَلِّها الصّحيح وزمنها الصّحيح؛ فلطالما شكّلت المكتبة الوطنيّة في بعقلين للمرحوم الأستاذ نجيب مكاناً أثيراً على قلبه، وفسحة ثقافية يعود إليها باستمرار لمتابعة آخر ما وصلها من مؤلفات، أو ليهديها أعماله، أو ليشارك في ندوة أو احتفال. والمكتبة الوطنيّة على ما أعرف، وكما عبّر مديرها بُعَيْد وفاة الأستاذ نجيب، كانت تعتبره من أصدقائها المُقرّبين، بل ربما الأكثر قُرباً.

أمّا بخصوص زمن هذه اللفتة التكريمية لذكرى الأستاذ نجيب فهي أكثر من ضروريّة، ليس فقط لإعطاء نجيب البعيني الشخص حقّه من التكريم والتقدير، وإنّما أكثر من ذلك لأخذ العِبرة الصّحيحة من عطاءات الأستاذ نجيب الواسعة، ومن نوعيّة إنتاجه، والقيمة المُضافة الكامنة في إنتاج المرحوم الصديق الأستاذ نجيب.

في هذا الباب حصراً، رغبتُ أن أُسهمَ بشيء يُضاف إلى كل ما قيل على أهميته في نجيب البعيني وإنتاجه.

من هذه الجهة بالذات سأقرأ سيرة المرحوم نجيب وإسهامه الثقافي من منظارين مُتكاملين: منظار أنطونيو غرامشي، الفيلسوف الإيطالي اليساري في ثلاثينيّات القرن الماضي، ومنظار المُعلِّم الخالد الشهيد كمال جنبلاط في ستينيّات وسبعينيّات القرن الماضي أيضاً.

طَوّر أنطونيو غرامشي، الفيلسوف والمفكّر الإيطالي اليساري، والذي مات تحت التعذيب في سجون الديكتاتور موسوليني سنة 1937، نظريّة البراكسيس الثقافي، وهي تعني الممارسة الصحيحة المستندة إلى نظريّة أو إطار نظري صحيح. المُمارسة هنا هي الأفكار وقد أصبحت قيد الإنجاز. جوهر البراكسيس هو وحدة النظريّة والممارسة، أي وحدة الأفكار وتجلّياتها على أرض الواقع، في سياق الانتماء لهموم وقضايا أوسع الشرائح الشعبية الأكثر حاجة وفقراً. وترجمة النظرية والأفكار على الوجه الصحيح إنّما تكون بالالتزام الداخلي العميق بنشر الوعي بين الشرائح الشعبيّة تلك، وتعميقه جذرياً برفعه من مستوى الوعي اليومي الحدثي الآني والعارض إلى مستوى الوعي الجذري الذي بات في وسعه أن يلتقط ويدرك ليس فقط تعاقب الأحداث السياسيّة والاجتماعيّة وإنّما ترابطها وأسبابها ومكمن الأزمة فيها؛ وإذ ينجح المثقّف في إداء رسالته فهو يسهم في جعل ردّ الجماهير على أزماتها ردّاً شاملاً عميقاً، لا سطحياً، مُجتزءاً، أو متفرّقاً. وعلى أساس هذه المرجعيّة الفكرية يصبح بمقدور الشرائح الشعبية الأكثر فقراً وحاجة أن تكتشف – وهو الأهم – نوعية المشاريع والقادة الذين يحملون همومها بصدق ويتحمّلون في ذلك ما يتحملون من تضحيات، ونوعية الساسة الآخرين المعادين للقضايا الشعبيّة عند كلّ مفصل حقيقي، والمدافعين بطرق مختلفة عن مصالحهم الفئوية أو الطبقية أو الشخصيّة لا أكثر. وبسبب من إدراك غرامشي العميق لأهميّة الثقافة والمثقّف فهو يميّز بين نمطين من المثقّفين: الأوّل هو المثقّف التقليدي الذي يعيش في برجه العاجي ويعتقد أنّه أعلى من كلّ الناس، أمّا الثاني فهو المثقّف العضوي المُنخرط في هموم عصره والمرتبط عضوياً بقضايا شعبه، وبخاصّة هموم الطبقات الكادحة وسائر المظلومين والمُهمّشين فيه. كان غرامشي يؤمن بالأهمّية القصوى لفئة المثقفين، وكان له نقده لنظريات ماركس ولينين، وبخاصة ستالين، تلك النظريّات الحتميّة التي تقول إنّ في وسع العمّال أن ينجزوا ثورتهم على نحو حتمي حين تصل البروليتاريا إلى حافة المجاعة. رأيُ غرامشي أنّ الأمر لن يكون كذلك فعليّاً، وأنّ الثورة، والبروليتاريا، بحاجة دائماً للمثقّف الثوري العضوي المُنتمي.

وظيفة الثقافة، ووظيفة المثقف، أن يقوما،إذاً، بهذا التمييز؛ وحين لا يفعلان ذلك فهما وفق غرامشي لا يستحقّان عنوان الثقافة والمثقّف الحقيقيين وينزلقان بسرعة ليتحوّلا إلى ثقافة رجعيّة ومثقف رجعي – وما أكثرهم في أيامنا هذه رغم اللبوس الخادع الذي يرتدونه.

هذا هو دور، بل تعريف، المثقّف العُضوي المُندمج والمُنتمي حسب غرامشي. وإذا أمعنتم النّظر جيّداً في سيرة الأديب نجيب البعيني اليوميّة، وفي إنتاجه على وجه العموم، لاستنتجتم من دون صعوبة أنّ المرحوم الأديب نجيب البعيني كان مثقّفاً عضويّاً منتمياً بامتياز؛ هكذا عاش قضايا مجتمعه وشعبه مدافعاً عن مصالحه ومطالبه دون هوادة ومن على كل المنابر، وهكذا مارس قناعاته تلك حتى لحظات عمره الأخيرة معنا من على صفحات مجلّة الضّحى، كما في منابر ومُنتديات ثقافيّة أُخرى عدة؛ له نرفع القُبَّعة هذه الأمسية وفي كلِّ حين تقديراً واحتراماً.

المقارنة الثانية والأخيرة التي سأجريها باختصار شديد هي مع تعريف كمال جنبلاط للمثقّف الحقيقي، المُثقّف الملتزم، المثقف الذي يستحق شرف حمل رسالة الثقافة في المجتمع، وذلك من أجل فَهم أفضل لحقيقة الوظيفة التي تمثّلها وقد أدّاها فقيدنا الأديب الأستاذ نجيب البعيني.

إذا راجعنا كتابات المعلم كمال جنبلاط بعامّة، وبخاصّة محاضرته التي افتتح بها اجتماع كتّاب آسيا وإفريقيا في بيروت سنة 1967، لرأيناه لا يملّ من التأكيد أنّ للأدب دائما وظيفة ودوراً بالغ الأهميّة في حياة الجماعات؛ وأنَّ للأدب رسالة مُحدّدة حدّدها جنبلاط بأنّها «التزامٌ ما أمكن، لا إلزام»؛ وأنّ للأدب قضيّة، إذ لا يمكن لأدب حقيقي إلّا أن يحمل قضية سامية يدافع عنها، وقضيّة الحريّة برأي جنبلاط هي القضيّة الحقيقيّة في كلّ أدب حقيقي، يقول في محاضرته تلك: «قضيّة الحريّة التي نجتمع لمناقشتها… هي قضيّة الإنسان منذ أن وُجد…. والأدب استثارة لهذه المعرفة الحقيقيّة الدائمة، وليس هو تغشية للواقع أو تخيُّلاً أو خلقاً من عدم، أو إبداعاً من الخواء الفارغ، أو تقليداً أجوف للحرف والخطّ الميت» ونصح جنبلاط المؤلّفين عمليّاً بالتنقيب عن كنوز حضارتنا وثقافتنا المعنويّة والروحيّة والتي نكاد ننساها من فرط أخذنا بالمعايير الغربيّة وتركْنا لحضارتنا وثقافتنا ورموزنا التي صَنعت عبر التاريخ ثقافتنا وحضارتنا. يقول جنبلاط: «يجب أن ننظر إلى فنونها وآدابها وعلومها الدّفينة وعاداتها بعين شعوبها، أي ببصيرة فتوّة الإنسان فينا، لا بمنظار مدنيّتنا الغربيّة التي هي في معظم الأحيان سطحيّة في نظرتها للغير وغروره وتبتعد بنا عن الطبيعة».

لهذه الفئة المُتغرّبة من المثقّفين، يوجّه جنبلاط النقد القاسي، فقد انقطعت الفئة تلك عن جذورها وحيّدت نفسها عن قضايا مجتمعها وأمّتها وباتت غريبة عنه وعن شعبها، وتخلّت عن شرف قيادة مجتمعها وشرف الخدمة العامّة فيه، ويضيف جنبلاط على نحو لا يُصَدّق: «.. لقد كان همّ معظم هؤلاء التعلّم لأجل بلوغ وظيفة أو تحصيل أو التميّز بجاه…وهكذا تحوّل أكثر المثقفين»، يضيف جنبلاط، «إلى طبقة ارستقراطية برجوازيّة جديدة.. وانفصلوا بشعورهم وبتفكيرهم وتوجُّههم عن الشّعب ومصالحه الأساسية». وينهي المعلّم بملاحظة ميدانيّة ثاقبة ولافتة، ومُحزنة، إذ يقول: «قليل من المثقفين في بلادنا من يستطيع أن يكون مُختاراً في قريته أو عضواً في بلديّة بلدته، نتيجة هذا التأفّف والانفصال والابتعاد».

أكتفي بهذا القدر من المعايير التي وضعها الشهيد كمال جنبلاط للتمييز بين المُثقّف الحقيقي والمثقف الزائف، المثقّف الذي يبذل كلّ ما يستطيع لخدمة قضايا مجتمعه وشعبه، والآخر الذي لا يعنيه غير طموحاته الشخصية الصغيرة، الماديّة والمعنويّة.

لن استرسل أكثر لضيق الوقت، إلّا أنّ ما أوردته مُختصراً هو كاف كما أعتقد لإظهار المعدِن الحقيقي الذي تتكوّن منه شخصية الأديب المرحوم نجيب البعيني، شخصيّة المثقف العضوي المُلتزم قضايا الناس؛ وكما تعرفون فقد بادلته الناس في غير مناسبة في بلدته ومنطقته وفي لبنان بعامّة الحبَّ نفسه، والتقدير والاحترام في كلّ مناسبة.

المرحوم الأستاذ نجيب البعيني، مثقَّف حقيقي، سنفتقد باستمرار عطاءاته وكتاباته وأنشطته الثقافية الواسعة؛ وسنفتقد أكثر شعوره الإنسانيّ العميق وتواضعه الجمّ وحبّه لأصدقائه، وإخلاصه للقضايا العامة، وعلى نحو يكاد ينسى فيه نفسه ومصلحته…. لم يعمل يوماً لمنفعة شخصيّة أو لجاه أو لمركز… على ما بات سائداً هذه الأيام مع الأسف.

رحمة الله لروح فقيدنا الأديب الكبير الأستاذ نجيب البعيني، وهو باق فينا وفي أسرته ومجتمعه بالتأكيد.

تعليقات
Loading...
preloader