وحدة الجبل، وحدة الوطن

0 94

  عاصر التـنوخيّون، أسلاف الموحِّدين الدّروز الأوائل، العبَّاسيّين والسَّلاجقة والفاطميّين والأيوبيّين والمماليك والعثمانيّين، وكانوا ولاة إمارة جبل لبنان. استطاعوا بحِكمتهم وحسِّهم السياسيّ الرَّفيع أن يكونوا عبر أكثر من سبعمائة عام على الأقلّ، حماة ثغور وموضع ثقة سلاطين وحكَّام كتبوا «المناشير» و»الكتُب» في تثبيت مواقعهم وإمْرتهم حتَّى باتت الإمارة تُعرف بـ «جبل الدروز» إلى زمن الشهابيّين كما هو معروف. حافظ التنوخيُّون الموحِّدون على «هويَّة» الأرض، وتمكَّنُوا بحنكةٍ بالغة، أن يجتازوا «محنة» تولية أمراء ترك وشركس على أجزاء كبيرة من جبل لبنان باعتبار أنَّ الأراضي التي يقيمون فيها ليست كلّها «مشاع السلطان»، وأنَّها بعهدتهم كوصايا من أجدادهِم وأسلافهِم الذين ما تخلَّفوا يوماً عن الِّدفاع عنها دفاعَ «المرابِطين» في وجهِ الغزاة وأعداء الأمَّة.

  وحافظَ المعنيُّون من بعدهم على «الأمانة»، بل ذهب الأميرُ فخر الدِّين مذهبَ القادة الكبار في تحصين الأرض، وتعزيز معنى الانتماء إلى المكان، وتوحيد الجيش في غير تمييز بين الطوائف. لُقِّب بالكبير، ليس على قاعدة التمرُّد على العثمانيين كما يحاول البعض من «المؤرّخين» المأخوذين بنزعة «العثمنة» تصويره بعيداً عن الصُّورة الشاملة، بل لأنَّه نافس ولاة طغاة، ولأنَّه استشعر بعمق معنى الحرِّيَّة الكامن في نفوس أهل الجبل كلّهم، بشكل يتجاوز قوقعات العصبيات الفئويَّة، والممارسات السلطويَّة لولاةٍ يشترون المناصب بالحيلة والمال المنهوب. وبات الأمير الكبير رمزاً وطنيّاً من حيث أنه زرع النواة الأولى لفكرة الوحدة الوطنيَّة التي حقَّقها بصورة شبه ملحميَّة في «الجبل».

  نحنُ في تلك الفسحةِ أدركنا هويّـتَـنا الحقيقـيَّـةَ كأبناء بلدٍ جمعتنا فيه أقدارُنا، وبرغم كلّ الصُّعوبات حقَّـقنا صيغةَ العَيش فيه، وظلَّلتنا إمارةُ الجبل عبر مئات السّنين فيما يُشبه استقلالاً ذاتيّاً، بنينا عبرهُ وطنًا جميلاً، وإمكانًا حضاريًّا، بل حُلمًا عشناهُ كان لبنان فيه درَّةَ الشَّرق، وأملَ النّهضةِ الموعودة التي أضاءَ أنوارَها كلُّ بَنيه، واستمرت فيما بعد في السياسة الوطنية الجامعة لمعالي الأستاذ وليد بك جنبلاط.

  قدرُنا أن ندخلَ أحياناً مصهرَ النَّار، لكنَّ قدرَنا أيضًا أن نجدِّد دائماً العهدَ، وأن نستلهمَ العبرةَ العظيمةَ التي يقدِّمُها لنا تاريخُنا، وجوهرها أنَّه بوحدتِنا، وإرادتِنا الجامعة، وميثاقِنا الوطنيّ، نصونُ لبنان، وندرأ عنهُ رياحَ الفتن والويلات. نعم، أن نعودَ إلى الله سبحانه وتعالى، وكلُّنا يقدِّسُه بإرثٍ هو من عين الحضارة الإنسانيَّةِ وينابيعِ خيرها. فكم من ردِّ فعلٍ على رزيئةٍ أصابتنا سمعنا صوتَ المؤذِّن وقرعَ الأجراس متلاحمَين. وكم من مناسبةٍ تجمعُ شملَ اللبنانيِّين في الأفراح والأتراح كلٌّ يحترمُ الآخرَ ويقدِّر الأصُول. البعض يقول خير لك أن تُحتَرم من أن تُحبّ، ونحن نقول في الجوهر والحقيقة هما مقاربتان لا تتناقضان. ذلك أنّ الاحترام الصحيح هو وليد المحبة العميقة. وإذا فُقدت المحبة فيجب ان يبقى الاحترام عنوان العلاقات الاجتماعية. ولمّا كانت محبة المؤمن بالله مصدرها في الحقيقة الرجاء وليس الخشية فقط لذلك فإننا نتوجه برجاءٍ إلى اللبنانيين جميعاً أقيموا على المحبة والتعاطف علاقاتكم وتحرروا من أحقادكم، فالخير لا يتأتى من رحمة ٍينعم بها انسان دون آخر، أو عبثٍ بنظام عام يجرّ إلى فوضى مدمّرة لا خير فيها ولا فائدة منها.

  رسالتنا لكم احفظوا وطننا يا أهل السياسة، لبنان القوي المعافى هو لبنان الموحد وهذه الوحدة لا تكون الا بشراكة وتعايش جميع مكوناته. لبنان لا يُحكم إلاّ بالتوافق ولا تبنى دولة ولا يعزز اقتصاد إلاّ بالإصلاح الحقيقي الجاد. ابعدوا التحالفات السياسية عن علاقاتنا الاجتماعية في الجبل. واحذروا الوقوع في مخططات تهدّد وطننا وسلامته واياكم والانجرار الى الفتن. تواضعوا بالكلمة الطيبة.

  أما على صعيد البيت الداخلي فلا بد من التلاقي، مجتمعنا أسرة واحدة، أخوة أو أبناء عم، مصاهرة، جيرة ورثناها عن آبائنا، بلدة واحدة، ما يضرّني يضرّك، وما يصيبني يصيبك، تربطنا رابطة الدّم الذي يقول المثل: «إنه لا يصير ماء». نمدّ يدنا للجميع دون استثناء، وداركم دار طائفة الموحّدين الدروز هي دار جامعة.

  نسألُ الله العليّ القدير أن يُلهمَنا إلى كلّ ما فيه الخيْر والفلاح، وأن يُنعم بظلال نعمتِه ورحمته وكرمه علينا جميعاً، إنه هو الكريم الحليم، السميع المجيب. 

تعليقات
Loading...
preloader