الأحد, شباط 23, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الأحد, شباط 23, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الحوار الاسلامي المسيحي

قراءة في كتاب الدكتور الشيخ سامي أبي المنى

الحوار الإسلامي المسيحي في لبنان
رؤية الموحِّدين الــدّروز1

مرجع لفهم قضية مركزية في العلاقة الإسلامية المسيحية
ودليل إلى فهم الموحِّدين الدروز وتاريخهم وثقافتهم الحوارية

يعتبر الحوار الإسلامي المسيحي في لبنان من أبرز المواضيع التي يشارك فيها مثقفون ورجال دين وسياسة من مختلف الطوائف المنتمية إلى الجماعتين الروحيتين في لبنان. وهناك شخصيات حوارية ومجالس حوار وندوات حوار تشكّل في مجموعها بيئة مميزة في لبنان. ويعتبر الشيخ سامي أبي المنى الشاعر والأديب من الشخصيات الحوارية المعروفة بسبب ما يتميز به من شخصية هادئة ولباقة وأسلوب راق في التعبير عن الاختلافات، وهو من الشخصيات التي تدعى بإستمرار للمشاركة في الندوات الثقافية أو في الحوارات التلفزيونية، وقد ساهم بمداخلاته المتَّزِنة في تقديم صورة إيجابية ومضيئة عن الموحِّدين الدروز خصوصاً من خلال الأقنية الفضائية التي تصل إلى قسم كبير من الجمهور اللبناني والعربي.
نهج الشيخ سامي أبي المنى الحواري والتوفيقي طبع بوضوح مؤلفه الجامع حول موضوع الحوار، لكن الكتاب متأثر أيضاً بوظيفته الأصلية كأطروحة للدكتوراه الجامعية، والتي لا بدّ من اتباع منهجية معينة في إعدادها وفق المعايير السائدة في الوسط الجامعي، لذلك جاء جيد التبويب، شديد التفصيل، مدعَّماً بلائحة من مئات المراجع استغرقت 12 صفحة، بل إن من الممكن وصف الكتاب باعتباره عدة كتب في مجلد واحد، وهو لهذا يحمل فوائد عدة ويترك للقارئ خيار التوقف أكثر عند الموضوع الذي يرتدي أولوية بالنسبة له. خذ مثلاً الفصل الوافي عن الموحِّدين الدروز الذي قصد الشيخ أبي المنى من خلاله تقديم دفاع عقلاني عن موقف طائفته من خلال البحث بعمق في هويتها الروحية الإسلامية والعربية ودورها التاريخي في الدفاع عن الدولة الإسلامية وتنظيمها الاجتماعي ومسلكها الروحي والأخلاقي وتسامحها الشهير، وهو يقدّم دليلاً موجزاً عن الموحِّدين الدروز لمن ليس له إلمام كاف بحقيقتهم أو من يحمل أفكاراً مغلوطة عنهم متأثرة بالأغراض السياسية وتاريخاً طويلاً من التكاره بين الفرق في الإسلام، وهو يصف قومه بأنهم “أهل تسامح وعرفان وتصوف” وهم قبل كل ذلك مُوحِّدون وأتباع مذهب يدين بالإسلام.
وفي ما يحمل الموحِّدون الدروز هوية ثقافية وروحية يتمسكون بها وهي متأصلة فيهم فإنهم من الناحية الاجتماعية منفتحون يتقبلون الآخر بسهولة بل يتفاعلون معه ويأخذون من نواحي تميزه كما يظهر من العلاقة التاريخية مع الطوائف الإسلامية ثم وبصورة خاصة مع الموارنة الذين استقدم العديد منهم من قبل أمراء الدروز لأهداف اقتصادية لكنهم أُعطوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم من ممارسة شعائرهم والتعبير عن هويتهم. وفي هذا السياق، يلفت وصفه للمثقفين الدروز بأنهم “ينسجمون مع فكرة الحوار والانفتاح، فهم ذوو عقل ليبرالي متحرر يميل إلى العلمانية في التفكير، وبذلك ينسجون علاقات فكرية ووطنية واجتماعية مع نظرائهم من اللبنانيين، وهذا ما يفسر انخراط العديد منهم في المنظمات والأحزاب اللاطائفية، وفي الحركات النضالية على مستوى البلاد والوطن العربي (وهو هنا يشير على الأرجح إلى دورهم في الثورة العربية وفي الجهاد في فلسطين ثم الثورة السورية الكبرى وفي غيرها من أعمال النهضة العربية، والأهم من ذلك اهتمامهم الفعلي بالحوار، ولعب دور فاعل ووسطي وتقريبي بين جميع المواطنين”.
وفي سياق عرض تقاليد التسامح والحوار لدى الموحِّدين الدروز يضيف الشيخ أبي المنى فصلاً خاصاً عن المعلم كمال جنبلاط، إذ يعتبره النموذج الأكمل على التنوع والغنى في مصادر ومقومات التوحيد الدرزي وعلاقته التقدمية والإنسانية مع الآخر.
وهو يورد شرح المعلم الشهيد للأسس التي يقوم عليها تلاقي المسيحية والإسلام على ثلاثة أركان هي: 1- ملتقى العقائد 2-منحى التجمّع البشري والاجتماع الحياتي 3- مستوى الحضارة العربية الشرقية الواحدة.
ويزيد المؤلف هذا الوصف البليغ من قبل المعلم كمال جنبلاط لأبرز معوقات الحوار والتعايش الحقيقي (لا “التكاذبي”) والتي يصفها على هذا النحو في كتابه “في ما يتعدى الحرف” إذ يقول: “إن أزمة لبنان غير المعلنة هي في ازدواجية التعاطي والأخذ والردّ، والقول والعمل، وهو عقدته النفسية العميقة التي تمنع المواطنين من التوحّد والتكامل والانصهار في بوتقة الخليّة الاجتماعية والوطن والدولة” (كمال جنبلاط: “في ما يتعدى الحرف” – ص 14).
ويبرز الشيخ سامي في الفصل الخاص عن كمال جنبلاط رؤية المعلم المتقدمة لتكامل المسيحية والإسلام فيورد أولاً تأكيد كمال جنبلاط على أن الرسول محمد بن عبد الله (ص) هو مؤسس الحضارة العربية وهو ذاته مؤسس الإسلام.. لكن الحضارة العربية لم تقتصر على الشعب العربي وحده أو على المسلمين لأن النصرانية أسهمت إسهاماً ضخماً في الحضارة العربية الإسلامية لهذا، فإن النصرانية حسب كمال جنبلاط هي “وديعة الإسلام الحقيقي، وهو بدوره وديعتها في ما يتحلى به من قيم وحضارة في بلاد المشرق” داعياً الجميع لأن يدخلوا “في سياق مجرى تطور الجماعة نحو علمنة الدولة واشتراكية الاقتصاد وازدهار الفن والأدب وتنمية روح الكشف عن الكنوز الدفينة وتجاوز حدود المكان والزمان لنرى الحقيقة على الدوام كما هي” (في ما يتعدى الحرف).. والاشتراك الحقيقي بين النصرانية والإسلام بحسب كمال جنبلاط هو في النهاية “الاشتراك في التوحيد الحكمي والفلسفي والمعرفي والإنساني والعرفاني”.
يقدّم الشيخ سامي في خواتيم الكتاب مجموعة اقتراحات تتعلق بترسيخ مناخ الحوار ومفهوم المواطنة عبر إصلاح التعليم مثلاً وعدم التدخل في كتابة التاريخ وتعليمه بتأثير العقائد والأهداف السياسية حتى ولو كانت نبيلة مثل دعم فكرة الوحدة الوطنية، لأن التاريخ علم قائم بذاته يعتمد بالكلية على الوقائع والموضوعية في العرض والتحليل.
نعود إلى القول إن كتاب الشيخ سامي أبي المنى واسع وغني بالتفاصيل وهو مكتوب كرسالة طويلة في الإقناع وفي تبيان أسس الحوار وقواعده وغاياته، لكن المؤلف لا يترك القارئ قبل أن يضع لكتابه خاتمة يمكن اعتبارها بمثابة “مانيفستو” يتضمن مجموع القواعد التي يجب أن يقوم عليها الحوار والتضامن الوطني والاجتماعي بين اللبنانيين ومنها بصورة خاصة:
1. إن تلاقي الأديان هو السبيل الوحيد لإنقاذ البشرية وإنقاذ الإنسان

الكتاب
الكتاب

2. إن لبنان لا يمكن أن تحكمه طائفة واحدة على حساب الآخرين وإن النزاعات المكلفة التي قامت من حين لآخر بين اللبنانيين تفرض عليهم أن يتوجهوا نحو الدولة المدنية أو “دولة المواطنة الجامعة”.
3. إن تطبيع العلاقات بين المسلمين أنفسهم أصبح اليوم أكثر إلحاحاً وإن المصالحة الإسلامية-الإسلامية ضرورة أساسية لإنقاذ الحوار الإسلامي المسيحي نفسه.
4. إن المسالمة الحقيقية لدى الموحِّدين الدروز هي مسالمة داخلية مع الذات ومسالمة مع الآخر وهم منفتحون على المستقبل وقابلون بإجراء النقد الذاتي، وهم لذلك يعتبرون أن الحوار يجب أن يبدأ مع الذات وتنقيتها لكي يصحّ مع الآخر.
5. إن الموحِّدين الدروز يعتبرون أن مسلكهم الإسلامي التوحيدي العرفاني هو نقطة الاشتراك مع كلّ الأديان والمعتقدات
6. إن رسالة الموحِّدين الدروز الجديدة يجب أن تشمل في نظر العديد من مثقفيهم المشاركة في تجديد الخطاب والفكر الإسلاميين ومقاومة التطرف.
ر.ح.

مقابلة مع المفكر

مقابلة مع المفكر الفرنسي الراحل تزفيتان تودوروف

«العيش خلف جدار يشوهك من الداخل»

الجدار الإسرائيلي إغتصب أراضي إضافية تعود إلى الفلسطينيين
وسياسة فصل الأراضي عن بعضها تذكر بجنوب أفريقيا العنصرية

الجدران الدفاعية فقدت فعاليتها بسبب إختراع المتفجرات
لكن حلّت محلها جدران معادية للمهاجرين الساعين لحياة أفضل

يعتبر تزفيتان تودوروف المفكر الفرنسي البلغاري الأصل من أبرز الكتّاب الإنسانيين الذين عاشوا في أوروبا وكان له تأثير كبير في الأوساط الأكاديمية وأوساط المثقفين كإنسان منفتح وذي نزعة علمانية.
إهتم بعلم الأنتروبولوجيا والفلسفة والنقد الأدبي وعلم الإجتماع، وشغل منصب مدير المعهد الوطني للأبحاث العلمية في باريس العام 1968 قبل أن يصبح مديراً فخرياً له. عمل كأستاذ زائر في عدد من الجامعات الدولية والأميركية منها جامعة هارفرد وييل وكولومبيا وجامعة كاليفورنيا وجامعة بركلي، نشر 21 كتاباً من بينها كتابه عن “شاعرية النثر” و”غزو أميركا”، كما نشر كتاباً حول أخلاقيات معسكرات الإعتقال النازية والستالينية وكتاباً عن “الخوف من البرابرة”: La Peur des barbares (2008) وكتاب”الأثر الإنساني” La Signature humaine (2009)، وهو عضو في هيئة تحرير مجلة Books.
ولد تودوروف في بلغاريا في العام 1939 أول آذار وتوفي مؤخراً في 7 شباط 2017 عن عمر يناهر 77 عاماً. وبهذه المناسبة نعرض هنا لمقابلة أجرتها معه مجلة Books تناولت رأيه في الحواجز المتزايدة بين الإنسانية والجدران الفاصلة وكره الأجانب. وفي ما يلي نص المقابلة كما ترجمها الأستاذ نبيل أبي صعب.

> منذ سقوط جدار برلين في عام 1989، فإن العديد من الجدران الهادفة للفصل بين السكان جرى بناؤها أو هي قيد الإنشاء في العالم. هذه الجدران ألا تشهد جميعها، بطريقة أو بأخرى، على هذا “الخوف من الأغراب” الذي هو عنوان كتابك الأخير ؟
في الواقع، لست متأكداً من أن لنا مصلحة في توحيد جميع الأسئلة التي تطرحها الجدران المختلفة التي، هنا أو هناك، تفصل السكان في ما بينهم. الأهداف المادية من الجدران تشمل وظائف متنوعة جداً. حائط برلين، إذا ما بدأنا به، ينتمي إلى فئة نادرة. فبينما كانت معظم الجدران تهدف إلى منع الأجانب من الدخول إلى البلد، كان ذلك الجدار يهدف على العكس من ذلك إلى منع سكان البلاد من الذهاب إلى الخارج. هذا الجدار كان الجزء المجسد، المحسوس من الستار الحديدي، سور سجن أقامته الحكومات الشيوعية حتى لا تتمكن شعوبها من الهرب، لم يستخدم لحماية السكان المدنيين بل لحبسهم.
فئة أخرى من الجدران، تمثلها تمثيلاً جيداً الجدران الحدودية بين البلدان التي كانت في حالة حرب، هذه هي اليوم حال الأسوار التي تفصل بين الكوريتين، وبين الهند والباكستان في كشمير، أو بين الجزءين اليوناني والتركي من قبرص. لقد توقفت المعارك، ولكن لم يتسنّ بعد إقامة السلم، فكل فريق يحتمي إذاً خلف حاجز منيع.

> جميع الجدران الأخرى، مع ذلك، ألا تعكس الخوف من الغريب، أو حتى من الآخر؟
جدران الحماية هي في الواقع أكثر انتشاراً وقد لعبت دوراً بالغ الأهمية في الماضي البعيد، في ذلك العصر حيث تدمير جدار كان عملاً صعباً. من هنا جدار هادريان الحامي للإمبراطورية الرومانية أو سور الصين العظيم، وكذلك أيضاً التحصينات المحيطة بالمدن في القرون الوسطى. هذه الجدران، التي خدمت الدفاع العسكري، هُجرت تدريجياً لأن التقدم التقني (وعلى الأخص المتفجرات) جعلها غير مجدية.
لكن ظهر نوع جديد من الجدران منذ بضعة عقود باتت السمة المميزة لعصرنا: وهذه هي الجدران المعادية للمهاجرين، المخصصة لمنع الفقراء من دخول البلدان الغنية للحصول على حياة أفضل. أضخم تلك الجدران هو ذلك المبني بين الولايات المتحدة والمكسيك فهو يقطع القارة الأميركية إلى نصفين، ثم هناك الجدار العازل حول الجيوب الإسبانية في شمال أفريقيا، حول سبتة ومليلية.
إلى هذه القائمة ينبغي إضافة جدران ذات قياسات أصغر تهدف إلى حماية حي ما، لأسباب عسكرية (كما المنطقة الخضراء في بغداد) لكن أيضاً بسبب الخوف المتولد عن القرب من حي فقير وسيىء السمعة، كما هي الحال في بادو. أسوار الحماية المقامة حول بعض المساكن الفاخرة تشكّل تبايناً مثيراً ضمن هذه الفئة الأخيرة: إنها غيتوهات ذهبية، حيث السكان أنفسهم هم من اختاروا سجن أنفسهم داخلها.

لماذا لم تذكر الجدار الذي كثيراً ما يُحكى عنه، الجدار الذي بنته إسرائيل في الضفة الغربية؟
ذلك لأن هذا الجدار لا يشبه أي جدار آخر، من حيث إنه يقوم بالعديد من المهام في نفس الوقت. فهو، أولاً، ورسمياً، حاجز حماية من الهجمات التي يشنّها مقاتلون قادمون من فلسطين. لا بدّ أن نأسف بالطبع لأنه لم يتم إيجاد أية وسيلة أخرى لحلّ النزاع بين الشعبين، ولكن يجب أن نقرّ أيضاً أن الهجمات انخفضت منذ إنشاء هذا الجدار بنسبة 80 %، مع ذلك، فإن دور هذا السور لا يقتصر على ذلك فهو مثلاً، لم يبنَ على الحد الفاصل بين المنطقتين، أي فوق ما يسمى “الخط الأخضر”، بل فوق أراض فلسطينية مغتصب منها في بعض الأماكن عشرات الأمتار، إلى عشرات الكيلومترات في أماكن أخرى. هذا الجدار، الذي بني من مواد صلبة، يستبدل إذاً الحدود القديمة (لا يسمح للفلسطينيين بالانتقال إلى أراضيهم في الجانب الآخر)؛ وظيفته الثانية كانت ضم جزء من الأراضي الفلسطينية، ولكنها ليست الأخيرة، لأن بناء هذا الجدار لا ينفصل عن سياسة احتلال الأراضي، التي تقوم على ربط المستعمرات التي أقيمت داخل فلسطين في إسرائيل، بواسطة الطرق المخصصة، ومناطق الفصل ومراكز المراقبة باتت الآن قطع الأرض الفلسطينية المختلفة، حيث يجد السكان الصعوبة القصوى في التواصل في ما بينهم، تشبه البانتوستانات التي تمّ إنشاؤها في عهد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. ما كان من المفترض أن يكون مجرد جدار حماية أصبح في الوقت نفسه منظوراً إليه من الجانب الآخر، جداراً للفصل، وجداراً للسجن، وله بالتالي وظيفة سياسية أيضاً: جعل موضوع إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وصالحة للعيش، جنباً إلى جنب مع إسرائيل، امراً غير قابل للتحقيق.

الجدار المرئي لا يكون أحياناً إلا الجزء “الصلب” من جدار غير منظور أو افتراضي. وهكذا، فإن الجدران المقامة حول الجيوب الإسبانية في سبتة ومليلية هي نقطة تثبيت لما يدعوه الأوروبيون الشرقيون “جدار شنغن”، وهو إجراء يهدف للسيطرة على الهجرة إلى أوروبا. ألا تلعب الجدران الافتراضية (أو القانونية) دوراً هاماً مثل الجدران المرئية؟
الجدران غير المرئية هي الحدود التي يُراد منها ألا تكون قابلة للإجتياز؛ وهي أطول بكثير من الجدران المبنية من الطوب أو الحجر أو المعدن. هكذا كانت الحال حول الكتلة السوفياتية قبل عام 1989: جدار برلين لم يكن إلا جزءاً صغيراً فقط من الستار الحديدي، الذي، مع أنه كان غير مرئي، لم يكن أقل قسوة. في الوقت الذي كنت أعيش في بلغاريا (حتى عام 1963)، لم يكن أيّ من السكان قادراً على اختراق الستار من دون إذن: كانت دوريات الحدود تطلق النار فوراً. جميع الأنباء الواردة من الجانب الآخر كانت تخضع للمراقبة، كان من غير الممكن تصور الاتصال بالخارج، لم يكن أحد يستطيع أن يقرأ من الصحافة الغربية إلا الشيوعية (حصراً)، أما المحطات الإذاعية الأجنبية فقد كان يتمّ التشويش عليها عندما كانت تبث باللغة البلغارية.

“موجات الهجرة الجديدة هي من أهم نتائج العولمة والفارق الهائل في الأجور بين الدول الفقيرة والغنــــيّة”

سبتة ومليلية
الجدران الصغيرة المحيطة بمدينتي سبتة ومليلية يجري إطالتها بوسائل أخرى. لماذا تبني جداراً عندما تكون أرضك يحدّها البحر؟ وبالمثل، ألا تضاعف الولايات المتحدة الجدار الحدودي مع المكسيك مع أنه يمكنها أن تعتمد على نهر ريو غراندي أو صحراء أريزونا لثني المرشحين عن الهجرة. الأفارقة الذين يسعون إلى الدخول إلى أوروبا يحاولون اليوم النزول في جزر: جزر الكناري، لامبيدوزا، مالطة. الدول الأوروبية تستثمر في أجهزة الرصد، من قوارب وطائرات، ورادارت وكاشفات بالأشعة تحت الحمراء أكثر مما تستثمر في بناء الجدران. إجراءات المراقبة الدقيقة التي تجري في مطار رواسي تشارك أيضاً في هذا الجدار غير المرئي، ولكن إذا ما أصبحت الهجرة القادمة من الشرق، عبر تركيا، وأوكرانيا، وبيلاروسيا أو روسيا، أكثر كثافة، أي من الجهة التي لا تحيط البحار بأوروبا، فمن غير المستبعد أن نشهد بناء جدران مادية جديدة ، جدران جديدة من الأسلاك الشائكة.

الجدار العازل في فلسطين - فصل عنصري وغطاء لاغتصاب الأرض
الجدار العازل في فلسطين – فصل عنصري وغطاء لاغتصاب الأرض

أليس من الغريب أن نرى إقامة هذه الجدران الحقيقية والافتراضية، في حين أننا نعيش وقت “العولمة” بإمتياز؟
من بين جميع الفئات التي تحدثنا عنها، ثمة فئة واحدة حديثة حصرياً: الجدران المناهضة للمهاجرين. والحال فإن هذه الجدران متعايشة جوهرياً مع العولمة: ولا توجد أية مفارقة هنا. في السابق، لم يكن فلاح مالي يخطط للذهاب إلى باريس، وفلاح هندوراس لم يكن يفكر في الانتقال للإقامة في لوس أنجلوس: كانا لا يعرفان أن هذه الأماكن موجودة أصلاً. اقتضى أن يحدث هذا الترابط الحالي الملحوظ بين أجزاء مختلفة من العالم من أجل أن يولد الحلم. في الوقت الحاضر، المنتجات المصنوعة في الشمال تنتقل بحرية إلى الجنوب، وأكثر من ذلك المعلومات والصور. الجدران المناهضة للمهاجرين هي ردّ فعل الأغنياء على نتائج العولمة على الفقراء. ردّ الفعل هذا، هذا “الخوف الجديد من الأغراب”، أمر مؤسف. إنه غير فعّال، لأنه يتصرف ضد الآثار من دون أن يهتم بالأسباب. . ولكن السبب واضح: إنه الفرق في أجر العمل، الذي يصل، بين الجنوب والشمال، من 1 إلى 10 أو من 1 إلى 100.
طالما سيظل هذا التفاوت قائماً، فإن الفقراء سوف يحاولون بكل الوسائل، المجيء إلى بلاد الأغنياء لأنها فرصتهم الوحيدة للبقاء على قيد الحياة. وسيكونون مستعدين لتحمل كل المخاطر – السير على الأقدام لمدة أسابيع فوق رمال الصحراء الحارقة، وأن تتقاذفهم لأيام وأيام أمواج البحر في قوارب الحظ… ولأنهم يقامرون بشرفهم: فإن هؤلاء الرجال مضطرون للبحث عما يطعم نساءهم وأطفالهم الذين ظلوا في البلد. فإذا لم ينجحوا بإحدى الطرق، فسوف يبحثون عن أخرى، أكثر خطراً بالنسبة لهم ولكن أيضاً، وفي نهاية المطاف بالنسبة لنا، بسبب زيادة الإستياء الناجم عن ذلك. ينبغي إذاً أن نبذل قصارى جهدنا للمساعدة على رفع مستوى المعيشة في بلادهم، لأن ذلك من مصلحتنا: سواء أحببنا ذلك أم لا، فإننا نعيش في عالم واحد. لن يكون الأمر سهلاً (فالفساد غالباً ما يسود بين النخب الحاكمة في البلدان الفقيرة)، لكنه يستحق المحاولة. المال الذي ننفقه على مراقبة الحدود وفي تشييد الجدران سيُثمر أضعافاً مضاعفة من خلال التعاون.
وبالإضافة إلى ذلك، يجب أن نحاول تغيير علاقتنا مع الأجانب في بلادنا، لأنهم إذا ما تمتعوا بحرية حركة أوسع، فإنهم ربما سيعودون في أغلب الأحيان إلى بلدهم الأصلي، ويفيدونه من معارفهم المكتسبة في أماكن أخرى. أولئك الذين يبقون لا يهددون بقاءنا: فالهوية الثقافية لشعب ما لا تظل إطلاقاً غير قابلة للتغيير، وحدها الحضارات الميتة فقط تتوقف عن التغيير. أوروبا الشائخة تحتاج إلى مدد من فئة سكانية فتية ونشطة.
عمل كبير يجب إذاً المبادرة إليه: التعاون مع الآخرين عندما يكونون في بلادهم، والتكامل عندما يستوطنون في بلادنا- لأن العولمة حركة لا رجعة فيها. ينبغي الشروع في عمل مشترك على مستوى الاتحاد الأوروبي، على أمل أن تكفّ شعوبه عن الإصغاء لشعارات التخويف التي يروجها أقصى اليمين الذي يزدهر هنا أو هناك، بما في ذلك في فرنسا، كما تدلّ على ذلك وزارة الهوية الوطنية وتشريعاتها المضحكة التي تريد أن تحول إلى جريمة عدم الوشاية بالأجنبي أو إكرام وفادته.

عند قراءة التاريخ الطويل، نرى أن الجدران آيلة للسقوط، كما جدار برلين، أو سيتم الإلتفاف حولها كما حصل لخط ماجينو إبان الحرب العالمية الثانية، أو لفقد مبرر وجودها، كسور الصين. هل ترى سبباً للتفاؤل بشأن مصير الجدران الحالية؟
معرفة أن جميع الجدران آيلة للسقوط يوماً ما هو عزاء هزيل لأولئك الذين يعانون منها. ينبغي قياس أثرها بمقياس الوجود البشري، وليس بمقياس التاريخ، وأقل من ذلك بمقياس التآكل الطبيعي. سقط جدار برلين بعد أربعة وأربعين عاماً من قيام الاتحاد السوفياتي ببناء الستار الحديدي حول البلاد التي احتلها في الحرب العالمية الثانية. أربعة وأربعون عاماً من الإختناق داخل سجن بسماء مفتوحة. والحال فإن كلاً منا له حياة واحدة فقط! لا يمكن أن نتظاهر كما لو أن السجن غير موجود وأن نعيش بإنتظار التغيير- ولاسيما وأن النظام العالمي القائم مبني ليستمر قروناً وقروناً، والجدران، حتى لو كانت قابلة للسقوط، تعيش أطول بكثير من الأشــخاص.
إضافة إلى ذلك، أن تكبر وراء الجدران يشوهك من الداخل، سينتهي بك الأمر في نهاية المطاف إلى نسيان أن هناك ما هو خارج السجن؛ أو، نادراً، أن تغذي كراهية لهذا السجن لدرجة يمكن أن تجتاح كيانك وأن تفقد كل إحساس بالفروق الدقيقة وأن لا ترى في ما حولك إلا الأبيض أو الأسود. ليس هناك ما يدعوك للطمأنينة: فالجدران، حتى لو كانت قابلة للسقوط، تعيش أطول بكثير من الأشخاص.

كتاب تودوروف حول التجربة التوتاليتارية
كتاب تودوروف حول التجربة التوتاليتارية

> عند قراءة التاريخ الطويل، نرى أن الجدران آيلة للسقوط، كما جدار برلين، أو سيتم الإلتفاف حولها كما حصل لخط ماجينو إبان الحرب العالمية الثانية، أو لفقد مبرر وجودها، كسور الصين. هل ترى سبباً للتفاؤل بشأن مصير الجدران الحالية؟
معرفة أن جميع الجدران آيلة للسقوط يوماً ما هو عزاء هزيل لأولئك الذين يعانون منها. ينبغي قياس أثرها بمقياس الوجود البشري، وليس بمقياس التاريخ، وأقل من ذلك بمقياس التآكل الطبيعي. سقط جدار برلين بعد أربعة وأربعين عاماً من قيام الاتحاد السوفياتي ببناء الستار الحديدي حول البلاد التي احتلها في الحرب العالمية الثانية. أربعة وأربعون عاماً من الإختناق داخل سجن بسماء مفتوحة. والحال فإن كلاً منا له حياة واحدة فقط! لا يمكن أن نتظاهر كما لو أن السجن غير موجود وأن نعيش بإنتظار التغيير- ولاسيما وأن النظام العالمي القائم مبني ليستمر قروناً وقروناً، والجدران، حتى لو كانت قابلة للسقوط، تعيش أطول بكثير من الأشــخاص.
إضافة إلى ذلك، أن تكبر وراء الجدران يشوهك من الداخل، سينتهي بك الأمر في نهاية المطاف إلى نسيان أن هناك ما هو خارج السجن؛ أو، نادراً، أن تغذي كراهية لهذا السجن لدرجة يمكن أن تجتاح كيانك وأن تفقد كل إحساس بالفروق الدقيقة وأن لا ترى في ما حولك إلا الأبيض أو الأسود. ليس هناك ما يدعوك للطمأنينة: فالجدران، حتى لو كانت قابلة للسقوط، تعيش أطول بكثير من الأشخاص.

كل هذه الجدران التي نتحدث عنها، الحقيقية أو الافتراضية، ترمز دائماً الى الخوف من الآخر. أليس هذا الخوف جزءاً مما يسمى طبيعة الإنسان؟ أليست الإنسانية محكومة إذاً بعقلية بناء الجدران؟
طبيعة المجتمعات البشرية نفسها، وكذلك أيضاً طبيعة الحيوانات العليا، هي أن تقيم علاقات مع المجتمعات الأجنبية من نفس النوع، والخوف أحد ردود الفعل المحتملة في ظل هذه الظروف، إلا أنه أبعد من أن يكون الوحيد فقط. عندما تتلامس اثنتان من المجموعات البشرية، وتتباين مصالحهما، فإنهما تستطيعان، بطبيعة الحال، أن تختارا الانفصال: سواء بالتباعد، أو بتشييد جدار ما، ويمكنهما أيضاً، وهذا أسوأ ما في الأمر، الدخول في حرب قد تكون نتيجتها إبادة الخصم أو خضوعه الكامل (هنا فرض علاقة السيطرة هو الذي يسمح بوقف الحرب)، ولكن انطلاقاً من تباين المصالح نفسها، يمكنهما أيضاً الإنخراط في تفاوض ما، وهو أمر ينطوي على تقديم تنازلات متبادلة من الجانبين، والتفاوض يأخذ ألف شكل وشكل، المشترك بين كل أنواع التفاوض هو تجنّب الانزلاق إلى القطيعة، أو الحرب أو الخضوع، بسبب الخوف من الآخر، والتفاوض هو من طبيعة الجنس البشري، لأنه يفترض مسبقاً استخدام اللغة والأخذ في الاعتبار عامل الزمن، سواء في ما يتعلق بالماضي أم بالمستقبل.

مقابلة أجرتها مجلة Books.
ترجمة : نبيل أبي صعب

لبنان يدخل ببطء عصر الطاقة الشمسية

لبنان يدخل ببطء عصر الطاقة الشمسية
والعقبة الأساسية غياب الرؤية الحكومية

لبنان ملتزم بخفض غازات الانحباس الحراري بنسبة 30%
ورفع الطاقة من المصادر المتجددة إلى 12% قبل العام 2020

مصرف لبنان: دور رائد في توفير التسهيلات المدعومة
وقروض الطاقة المتجددة فاقت الـ 500 مليون دولار

في لبنان نهضة متنامية في قطاع الطاقة المتجددة تحفّزها بالدرجة الأولى الأسعار التنافسية للطاقة الشمسية وروح المبادرة الشهيرة للقطاع الخاص في لبنان. من مظاهر هذه النهضة التوجه المتزايد لتركيب سخانات المياه على الطاقة الشمسية مع نحو 150 شركة عاملة في هذا المجال في مختلف مناطق لبنان، وهناك انتشار متزايد للشركات المتخصصة في تركيب الطاقة الشمسية وباتت وسائل الإعلام تحمل في كل يوم أخباراً عن تنفيذ مشاريع للطاقة الشمسية سواء على نطاق المؤسسات الخاصة أو الأفراد أو البلديات، وبدأ قطاع الطاقة المتجددة بذلك يخلق فرص عمل واسعة للمبادرين والعاملين مما يعد بجعله قطاعاً اقتصادياً مهماً ومساهماً بقوة في النشاط الاقتصادي.
الجدير بالذكر أن قطاع الطاقة المتجددة في لبنان يتحرك حتى الآن إلى حدّ كبير بزخم القطاع الخاص والمبادرات الفردية، لكن في غياب سياسة وطنية شاملة ومتسقة على مستوى الدولة، والاستثناء الوحيد هنا هو مصرف لبنان الذي تميز في السنوات الأخيرة بمبادرات عدة استهدفت التعويض عن الجمود الاقتصادي والشلل الحكومي كان من أهمها مبادرة تشجيع الأخذ بتقنيات الطاقة المتجددة من خلال توفير قروض من دون فائدة ولمدة قد تصل إلى 14 سنة. وقد تخطت الاستثمارات في “القروض الخضراء” المدعومة من مصرف لبنان في السنوات الثلاث الماضية الـ 500 مليون دولار، وأمّنت حسب بعض التقديرات نحو عشرة آلاف وظيفة عمل مباشرة وغير مباشرة في القطاع.

نتائج معاهدة باريس
لكن أحد الحوافز غير المتوقعة التي قد تساهم بتطوير قطاع الطاقة المتجددة قد يأتي من انضمام لبنان إلى معاهدة باريس لمكافحة التغيُّر المناخي والتي تفترض من كل دولة الالتزام بأهداف طوعية في نطاق تخفيف انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون والغازات الأخرى المتسببة بالاحتباس الحراري كما تتطلب أيضاً التزاماً من الحكومات الموقعة (ومن بينها لبنان) بوضع برامج للتحول إلى الطاقة المتجددة وتخفيف الاعتماد على الوقود الأحفوري (النفط والغاز) في توليد الطاقة الكهربائية أو غيرها من القطاعات.
وبالفعل فإن لبنان إلتزم، كدولة موقِّعة لمعاهدة باريس، بخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري (خصوصاً ثاني أوكسيد الكربون) بنسبة 30% بحلول العام 2030 ثم تمّ بعد ذلك وخلال منتدى للطاقة المتجددة عقد في بيروت في العام… إطلاق “ الخطة الوطنية للطاقة المتجددة للعام 2016 -2020” والتي وضعت هدفاً هو التوصل إلى إنتاج 12 في المئة من إجمالي استهلاك الطاقة في لبنان من الطاقة البديلة بحلول العام 2020، وهذه النسبة تعتبر متواضعة جداً بالمقارنة مع ما التزمت به دول متقدمة وصناعية، لكنها ستمكّن لبنان من تأمين نحو 20 في المئة من الطلب على الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة ولاسيما الطاقة الشمسية مما يرفع بعض الضغط عن مؤسسة كهرباء لبنان التي سيصبح عليها تأمين الكهرباء الـ 80 في المئة الباقية من الطلب الإجمالي، كما إن الهدف الأولي الذي وضع له أفق زمني قريب هو العام 2020 يمكن أن يتبعه وضع أهداف أكثر طموحاً ولاسيما مع تزايد الجدوى الاقتصادية كل يوم من الاستثمار في الطاقة المتجددة وهذا ما حصل فعلاً في الكثير من الدول لأن الإندفاعة نحو الطاقة المتجددة لا يمكن وقفها الآن وهي إندفاعة تتغذى من الوعي المتزايد بالخطر على المناخ والحياة على الكرة الأرضية، كما تتغذى بواقع أن الطاقة المتجددة باتت رخيصة الثمن إلى حدّ يجعل منها منافساً حاسماً لمصادر الطاقة المولدة من المصادر التقليدية.
ولبنان، إذا أراد أن يظهر بمظهر العضو المسؤول في المجتمع

نمو الاستثمار في الطاقة الئمسية في لبنان
نمو الاستثمار في الطاقة الئمسية في لبنان

الدولي والدولة التي يمكن الاعتماد عليها في الجهد الإنساني المشترك لإنقاذ مناخ الأرض، يحتاج لأن يجد الوسائل لتنفيذ إلتزاماته حول البيئة ولاسيما وأنه سيكون أحد أكبر المتضررين من تدهور المناخ الأرضي، وفي هذا الإطار يمكن أن نجد حافزاً خارجياً مهماً لدفع ملف الطاقة المتجددة إلى صدارة الأولويات السياسية في لبنان.

مؤسسة رعاية الأيتام في صيدا حوّلت سطح مبانيها إلى محطة لتوليد الطاقة الشمسية الرخيصة
مؤسسة رعاية الأيتام في صيدا حوّلت سطح مبانيها إلى محطة لتوليد الطاقة الشمسية الرخيصة

غياب حكومي
هذه التطورات الإيجابية المهمة في قطاع الطاقة المتجددة تواجه مع ذلك عقبة أساسية يمكن أن تؤخر تنفيذ الأهداف الوطنية والخطط الموضوعة وهي غياب الأطر القانونية والتنظيمية الواضحة التي تنظم العلاقة بين القطاع الخاص المنتج للطاقة وبين الدولة، وبالتحديد الأطر التي تسمح لأي مشروع خاص لإنتاج الطاقة الكهربائية سواء من المصادر المتجددة أم التقليدية ببيع الكهرباء لمؤسسة كهرباء لبنان. إن توضيح هذا الإطار يمكن أن يحدث فورة غير مسبوقة في الاستثمارات الخاصة في قطاع الطاقة المتجددة ويمكن أن يكون مقدمة حقيقية لحل أزمة قطاع الطاقة في لبنان. إن العديد من المؤسسات التجارية والمصانع اليوم لديها مولدات أكبر بكثير من حاجتها، لذلك فإن توافر الإطار القانوني الذي يسمح للمنتج المستقبل ببيع الكهرباء لمؤسسة كهرباء لبنان بحيث تحوِّل الشركات فائض الطاقة لديها إلى مؤسسة كهرباء لبنان التي تضعه بدورها على الشبكة، وهذا النقص يعتبر عقبة كبيرة لأنه يحول دون قيام مشاريع كبيرة للطاقة المتجددة على مستوى الصناعات أو المؤسسات، وحتى الاستخدام المنزلي للطاقة الشمسية يمكن أن ينمو في حال أمكن للأفراد بيع فائض الطاقة لديهم إلى الشبكة الحكومية.
يذكر أن مؤسسة كهرباء لبنان بدأت سلسلة من مشاريع الاستثمار التجريبي في الطاقة الشمسية أهمها مشروع نهر بيروت الذي يستهدف إنتاج 10 ميغاواط من الطاقة الكهربائية من الألواح الفوتوفولطية المركبة على شكل غطاء بمساحة 11 ألف متر مربع فوق نهر أصبح مشهوراً بكونه مكباً للنفايات، وهذا المشروع يهدف أولاً الى حماية مجرى النهر وتنقيته كما يهدف بالدرجة الأولى الى الاستفادة من القيمة العقارية لمساحة مجرى النهر المكشوفة على الشمس لإنتاج الطاقة الشمسية، وقد أنجز القسم الأول من المشروع وهو بطاقة 1 ميغاواط على أن يتم إنجاز الأقسام الباقية في المدى القريب.

توجّه-متزايد-من-البلديات-لإنارة-الطرقات-بالطاقة-الشمسية
توجّه-متزايد-من-البلديات-لإنارة-الطرقات-بالطاقة-الشمسية

فرص استثمار
وقدرت أوساط خبيرة أن لبنان في حاجة لإستثمارات لا تزيد على مليار و400 مليون دولار للحصول على 12% من الطاقة الكهربائية من الطاقة المتجددة على أن يساهم القطاع الخاص بنحو 50 إلى 60% من تلك الاستثمارات بينما يغطى الباقي منها بالتمويلات المسهلة والمدعومة التي يقدمها مصرف لبنان من خلال الآلية الوطنية لكفاءة الطاقة والطاقة المتجددة. وقد ساهمت التسهيلات التي يقدمها لبنان عبر المصارف بلا فائدة ولمدة تصل إلى 14 عاماً لتمويل الطاقة المتجددة في نمو مطرد في استخدام الطاقة الشمسية على نطاق الأفراد والمؤسسات. ومن أبرز مبادرات المؤسسات الخاصة في مجال الطاقة المتجددة مشروع تحويل كل محطات محروقات “IPT” وعددها 168 محطة إلى محطات خضراء تؤمن حاجتها من الكهرباء بواسطة الطاقات الشمسية، ومن شأن هذا المشروع أن يوفر عن طريق كهرباء لبنان حوالي 2 ميغاواط ونصف ميغاواط.
تعتبر الطاقة الشمسية المصدر الواعد الأول للطاقة المتجددة في لبنان بالنظر الى أن الشمس تسطع فوق لبنان لمدة تبلغ في المتوسط 300 يوم في العام، كما إن جو لبنان نقي نسبياً لا يشكو من مشكلة الغبار التي يشكو منها الخليج وتجعل استخدام الألواح الشمسية في حاجة إلى صيانة دائمة أو إلى وسائل للغسل الذاتي لتخليص سطح اللاقط الشمسي من الغبار الكثيف الذي يعطل طاقته على توليد الطاقة. أما طاقة الرياح فتأتي في ترتيب متأخر لأن لبنان لا يحتوي على مجاري رياح قوية تعزز جدوى مشاريع طاقة الرياح، فتيارات الهواء القوية والمتحركة بشكل دائم محصورة في منطقة في شمال شرقي لبنان وبالتحديد في عكّار وقرب الهرمل وفي منطقة جنوب نهر الليطاني.

“ميزات حاسمة للطاقة الشمســية
طاقة نظيفة صامتة مستمرة ومكفولة وخفيفة التكلـــفة و الصيانة ومصــــاريف التشـــــــغيل”

نمو مستمر
بلغ النمو السنوي في قطاع الطاقة المتجددة نحو 41 في المئة العام 2011 ليرتفع إلى 149 في المئة العام 2015. في المقابل حققت المشاريع الجديدة المعتمدة على الطاقة الشمسية نمواً بنحو 27 في المئة العام 2011 إلا أن معدل النموّ قفز إلى 72 في المئة العام 2015 وهذه القفزات الملفتة في معدل نمو استخدامات الطاقة الشمسية تعتبر في حد ذاتها مؤشراً على التحول المستمر – وإن المتواضع حتى الآن- في لبنان نحو الطاقة المتجددة.
إن الاستثمار في الطاقة المتجددة ولاسيما الطاقة الشمسية يقدم ميزات كبيرة في لبنان أهمها:
1. تحقيق الاستقلالية في الطاقة الكهربائية وبالتالي تخفيف الآثار الضارة للتقلبات التي يصعب التنبؤ بها في توافر التيار الكهربائي من الشبكة الحكومية.
2. توفير تيار كهربائي مستقر يؤمن الحماية للتجهيزات المنزلية والصناعية والزراعية لأن التيار الذي يمكن الحصول عليه من مشروع للطاقة الشمسية يتمتع بإستقرار تام على خلاف التقلب الشديد في الدفق الكهربائي على خطوط الدولة.
3. مشروع الطاقة المتجددة يمكن معرفة تكلفته الرأسمالية وفترة استرداد رأس المال منذ اليوم الأول، فهو مشروع من دون مخاطر ويمكن تصميمه وفق الحاجات المحددة للمنزل أو للمؤسسة والتنبؤ بتكلفته والمردود الذي يحققه لمدة 20 سنة.
4. يوفر قطاع الطاقة المتجددة في لبنان الفرصة للاستفادة من أشكال الدعم المتوافرة والمقدّمة من مصرف لبنان أو من مصادر عون خارجي، وهذا أيضاً يعزز الجدوى الاقتصادية من الاستثمار في الطاقة المتجددة.
5. من المتوقع أن يساهم ازدهار قطاع الطاقة المتجددة في خلق قطاع اقتصادي جديد يتمتع بتقنيات عالية ويحتاج إلى خبرات هندسية ومهارات، وهو لذلك سيفسح في المجال أمام قيام شركات عديدة تعمل فيه وتوفير فرص عمل بالألوف للشباب اللبناني وخصوصاً لأصحاب المهارات الهندسية.
6. تعتبر الطاقة الشمسية طاقة صامتة وغير ملوثة على الإطلاق فهي لا تصدر أي انبعاثات لغازات الاحتباس الحراري كما يحصل من خلال استخدام المولدات الخاصة أو التجارية.
7. يحتاج نظام العمل بالطاقة المتجددة إلى عمليات صيانة منخفضة الكلفة.
8. تتمتع معدات مشروع الطاقة الشمسية بكفالة طويلة على الألواح الشمسية تصل الى 25 سنة وبعض الألواح تستمر في إنتاج الطاقة لمدة 40 سنة، لكن الأمر المعروف هو أن قدرة الخلايا الفوتوفولطية على امتصاص الطاقة الشمسية تضعف تدريجياً مع الوقت مما قد يخفض تدريجياً طاقة التوليد النظرية المفترضة فيها، لكن مع التراجع الكبير في أسعار الألواح الفوتوفولطية فإن المستثمر يمكنه بتكلفة بسيطة تجديد الألواح أو الزيادة عليها بألواح جديدة بما يعوض النقص الناجم عن تراجع طاقة التوليد للألواح القديمة.
9. صُمِّمت بطاريات الخزن المعدة للاستخدام في نظام الطاقة الشمسية بحيث يمكنها أن تخدم لمدة خمس إلى سبع سنوات بكفاءة ممتازة وهذه البطاريات تباع بأسعار معقولة تقل عن دولارين للأمبير وأسعارها في انخفاض مستمر بسبب جهود الأبحاث الجارية على تطوير البطاريات الكهربائية، لذلك فإنه من المتوقع أن يستمر سعر بطاريات التخزين للطاقة المتجددة بالانخفاض المتسارع بحيث ستكون أسعارها في متناول الجميع وعمرها الزمني أطول فأطول وهو (إضافة إلى التراجع الكبير في أسعار الألواح الشمسية) سيمثل أحد أهم الحوافز الإضافية للاستثمار في الطاقة المتجددة في لبنان.

رسم يظهر لماذا يتحول العالم إلى الطاقة الشمسية
رسم يظهر لماذا يتحول العالم إلى الطاقة الشمسية

مشروع الطاقة الشمسية للحصول على طاقة كهربائية غير منقطعة أي 24 ساعة على 24 ساعة وسبعة أيام في الأسبوع، لكن يحتاج ذلك إلى الاستثمار الإضافي في بطاريات التخزين مما قد يرفع تكلفة المشروع. لكن يمكن في الوقت نفسه الجمع بين الحصول على التيار الكهربائي من مؤسسة كهرباء لبنان وبين تشغيل نظام للطاقة الشمسية بحيث يمثل النظامان نظاماً متكاملاً يؤمن الطاقة بلا انقطاع ويحقق الاستقرار في عمل المؤسسات كما إنه يخفض بصورة عامة التكلفة العامة لفاتورة كهرباء المؤسسة والتي تصبح مجرد ملاذ أخير في حصول عطل في نظام الطاقة الشمسية، وبهذا فإن نظام الطاقة الشمسية يحتاج الى دعمه بمصدر إحتياطي قد يكون التيار الكهربائي لمؤسسة كهرباء لبنان وقد يكون أيضاً مولد ديزل بطاقة مناسبة.

مشهد أصبح مألوفا في لبنان - الطاقة الشمسية بدأت تدخل مرحلة الاستخدام المنزلي
مشهد أصبح مألوفا في لبنان – الطاقة الشمسية بدأت تدخل مرحلة الاستخدام المنزلي

نهضة “شمسية” في الجبل
في بعقلين الشوف، برز بصورة خاصة مشروع شركة النهضة لتصنيع الرخام الذي تضمن تركيب 250 لوحاً فوتوفولطياً على سطح الشركة، الأمر الذي ساعد على خفض فاتورة الكهرباء بنسبة 50 في المئة مع توقع أن يصبح الوفر أكبر على المدى الطويل بعد استرداد التكلفة الرأسمالية للتجهيزات. وهناك في المناطق الجبلية في لبنان تسابق من البلديات لتركيز أنظمة إنارة لشوارع القرى والمدن بالطاقة الشمسية، وقد نفذت شركة الحلف الأخضر التي يرأسها برنار عمون مشاريع عدة للطاقة الشمسية في الشوف وعاليه والمتن وبالأخص في دير القمر، وبتلون، وعين زحلتا، وباتر وبحمدون وحمانا، وفي منطقة المناصف، ومعظم هذه المشاريع تمّ بالتعاون مع البلديات ، فضلاً عن العديد من المشاريع الخاصة.
في الوقت نفسه، تولى المهندس سامي عبد الباقي تنفيذ مشروع شركة النهضة وعدد من مشاريع الطاقة الشمسية في الجبل وهو يعمل في البقاع للمساعدة على استخراج مياه الآبار الارتوازية بواسطة مضخات تعمل على الطاقة الشمسية.
على صعيد آخر، تمّ ربط البئر الارتوازية في الشاوية في مرستي بالطاقة الشمسية تلافياً لانقطاع الكهرباء المتواصل، وتأميناً لعملية الضخّ الدائم للمياه من البئر التي تغذي قرى مرستي والخريبة وبعذران بمياه الشفة، فيما يذهب قسم من المياه إلى المزارعين. كما تمّ تزويد مشروع الآبار الارتوازية التي تمّ تدشينها مؤخراً في بلدات قرنايل وكفرنبرخ وديركوشة بالطاقة الشمسية، وهذا المشروع يغذي جميع قرى المناصف.
كما دخلت الطاقة الشمسية في العديد من المشاريع السكنية الجديدة في مناطق الجبل، كما هو الأمر في سائر المناطق اللبنانية، وزاد الاهتمام بها بعد توسّع استخدامها في إنارة الشوارع الرئيسية في العديد من قرى الجبل وخاصة مدن وقرى الاصطياف في عاليه والمتن الأعلى.
وتولت وزارة الأشغال العامة تنفيذ مشروع طموح لإنارة طريق قبر شمون- جسر القاضي، وأوتوستراد ديركوشة- كفرحيم في منطقة المناصف وأغلب طريق بيروت– دمشق، في منطقة ضهر البيدر بالطاقة الشمسية وتتولى فرق الصيانة التابعة للوزارة المراقبة الدائمة للخطوط وإصلاح الأعطال في حال وجودها.

مستقبل قطاع الطاقة

مستقبــل قـطاع
الطاقة في لبنان

الطاقة المتجدّدة باتت الخيار الاستراتيجي لدول العالم
لكننا ما زلنا نحاول تمديد صلاحية التخلف والفساد

لبنان ملزم بموجب اتفاقية باريس بخفض انبعاثات الغازات الملِّوثة
وزيادة حصة الطاقة المتجدّدة في إنتاج الكهرباء قبل العام 2020

يُعتبر الفشل الحكومي اللبناني في ملف الكهرباء من أوضح الأمثلة على مزيج التخبط والحسابات السياسية وسوء الإدارة والفساد المتفشي في القطاع العام. نتيجة لهذا الفشل المستمر، تحوّل لبنان من بلد مكتفٍ ذاتياً بالطاقة بل مُصدِّر لها إلى البلدان المجاورة في سبعينيات القرن الماضي إلى بلد لا يستطيع أن ينتج نصف كمية الطاقة التي يحتاجها اقتصاده ومؤسساته ومواطنوه، وهو ما انعكس بتراجع معدل التغذية بالتيار الكهربائي باستمرار إلى ما يقارب الـ 14 ساعة يومياً في المناطق الواقعة خارج العاصمة، كما انعكس في حالة عامة من سوء الإدارة وضعف الجباية وانتشار سرقة التيار من الشبكة وهدر الموارد وضعف الخدمات، وبرغم حلول القطاع الخاص بوسائل متعددة محل الدولة في سدّ الفجوة الكهربائية، فإن قطاع الكهرباء لا يزال المصدر الأكبر لعجز الميزانية الحكومية وتنامي عبء الدين العام بصورة مطردة على الأجيال المقبلة. ويُقدّر أن الدولة اللبنانية تكبدت ما بين العامين 2010 و2015 نحو 10 مليارات دولار نتيجة العجز المالي السنوي لمصلحة كهرباء لبنان، كما تقدّر الخسائر المتراكمة لقطاع الكهرباء منذ العام 2000 بنحو 29 مليار دولار أي ما يقارب نصف حجم الدين العام في ذلك التاريخ.
نتيجة لاستمرار الأزمة وتفاقمها سنة بعد سنة فقد اتجه اللبنانيون أفراداً ومؤسسات إلى ابتكار شتى أنواع الحلول من أجل سدّ النقص والتعويض عن الفشل الحكومي وتوفير وسائل لاستمرار الحياة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يعتبر مستحيلاً من دون التيار الكهربائي الذي يعتبر بمثابة شريان الحياة لأنظمة الاتصالات والاقتصاد الرقمي وأنظمة التعليم والصحة والأمن والصناعة والسياحة والخدمات والحياة اليومية، وقد تمّ حتى الآن سد النقص من خلال عدد يكاد لا يحصى من الحلول والمبادرات من أهمها نشوء قطاع كهربائي خاص بكل معنى الكلمة هو عبارة عن مولدات كبيرة أو متوسطة تتولى تأمين التيار الكهربائي في ساعات التقنين، أو مولدات خاصة وأنظمة تغذية مستمرة UPS استثمر فيها المواطنون من أجل تعويض نقص الطاقة الكهربائية. وحسب دراسة لمنظمة غرين بيس Green Peace فإن معدل انقطاع الكهرباء في لبنان يوازي 40 إلى 45% من الطلب العام، وهذا النقص تعوّض المولدات التجارية الخاصة نحو 70% منه، مما يعني أن النسبة الباقية يتم التعامل معها بواسطة مولدات الشركات والصناعات والمولدات المنزلية. ويكاد لا يخلو حيّ من أحياء المدن أو قرية لبنانية من المولدات التي ترتبط بشبكة

تطور انبعاثات الغازات الحرارية في لبنان
تطور انبعاثات الغازات الحرارية في لبنان
رسم يظهر لماذا يتحول العالم إلى الطاقة الشمسية
رسم يظهر لماذا يتحول العالم إلى الطاقة الشمسية

 

 

 

 

 

 

 

تغذية موازية من الكابلات ومن العدادات ومن خدمات الجباية والصيانة.. وبرغم انتشار المولّدات الخاصة ذات الهدف التجاري فقد تنامت مع الوقت المبادرات التي استهدفت تأمين مولدات للقرى عن طريق البلديات أو بعض الوجهاء المتبرعين أو الجمعيات أو الهيئات السياسية أو مصادر العون الخارجي، ونتيجة لذلك فقد اتسع قطاع المولدات ذات الغرض العام بصورة كبيرة على حساب المولدات التجارية الباهظة الكلفة.
لكن بغض النظر عن أهمية المبادرة الخاصة في التخفيف من أزمة الكهرباء فإن الحقيقة الأهم هي أن كل هذه المبادرات ما زالت تنتمي إلى العصر الآفل للطاقة المولدة من خلال حرق الفيول أو مشتقاته مثل المازوت، فلبنان ما زال متأخراً جداً في مجال استخدام الغاز الأقل تلويثاً في إنتاج الطاقة الكهربائية، كما إنه لا يزال في مرحلة البداية المتواضعة بالنسبة الى استخدام مصادر الطاقة المتجددة ولاسيما الطاقة الشمسية بمختلف تطبيقاتها الصناعية والمنزلية.
وبينما يتطلع العالم إلى يوم لا يعود فيه للطاقة الملوثة المستخرجة من النفط والغاز أو من الفحم الحجري سوى دور بسيط بالمقارنة مع الطاقات المتجددة، فإن الجدال في لبنان لا يزال محتدماً في الدوامة نفسها للنظام الكهربائي البائد الذي ما زلنا نحاول إحياءه أو تمديد صلاحيته، والسبب البديهي لهذه الغيبوبة هو بالطبع المصالح الكبيرة التي أصبحت متركزة في النظام الكهربائي المتخلف والعالي التكلفة، والجهات الكثيرة التي استثمرت فيه، وهذا يرشدنا إلى جواب على السؤال الدائم الذي يطرح وهو ما السبب في استمرار فضيحة الكهرباء طيلة ثلاثين عاماً منذ الطائف؟ وهذا الجواب البسيط هو أن التحالف الخفي الذي يستفيد من الأزمة وعلى رأسه السياسيون لا مصلحة له على الإطلاق في حل الأزمة وتنظيم القطاع على أسس التحديث والفعالية والشفافية. وعلى سبيل المثال، فإن الحلول المطروحة ما زالت تتراوح بين استئجار المزيد من البواخر التركية لتوليد الكهرباء أو تحديث المعامل الحالية التي عفا عليها الزمن لكن من دون أن نرى في السياسة الحكومية، سواء على مستوى مجلس الوزراء أو وزارة الطاقة، توجهاً جديداً يواكب التحولات الهائلة التي يشهدها العالم على صعيد الاستثمار في الطاقة المتجددة، فنحن في لبنان نعيش في زمن آخر.

المرحلة الإنتقالية
برغم أن التوجه الاستراتيجي للبنان يجب أن يكون نحو الطاقة المتجددة، وهو ما سنأتي عليه في الفصل التالي، إلا أن هذا التحول سيحتاج بالتأكيد إلى وقت لا يمكننا تقديره، لأن إنجاز هذا التحول يحتاج إلى بلورة الإرادة السياسية أولاً ثم إلى وضع الاستراتيجية المتكاملة للطاقة وبلورة الأطر القانونية والتنظيمية والهيئة الناظمة على المستوى الوطني وسياسات الاستثمار وأنظمة التشغيل والشراكات المحتملة بين القطاع العام والخاص أو بين البلديات والمناطق والقطاع الخاص وغير ذلك من الخطوات التحضيرية.
إن الخطة الانتقالية لتطوير وترشيد قطاع الطاقة في لبنان لا بدّ وأن تمرّ بإعادة هيكلة القطاع بمختلف مكوناته مع تعزيز التوجه الحالي الذي يدعو إلى خصخصة عمليات التوليد والتوزيع مع بقاء الدولة مالكة للبنية التحتية المتمثلة بالشبكات واضطلاعها بدور الناظم المسؤول عن التوفيق بين تحفيز المستثمرين للاستثمار في الطاقة وبين حماية المستهلكين. إن الهدف من الخصخصة هو قيام القطاع الكهربائي على أسس الفعالية والشفافية وحسن التشغيل التي يتميز بها القطاع الخاص، ورفع عبء كبير عن ميزانية الدولة اللبنانية يعتبر مكوناً أساسياً في النمو الكارثي للدين العام، علماً أن الدولة يمكنها ضمن أي خطة جدية للإصلاح أن تحصل على التشجيع والدعم على شكل قروض ميسرة تقدمها صناديق التنمية العربية ومؤسسات التمويل الدولية. أخيراً، فإن الاتجاه نحو خصخصة قطاعات الطاقة والمياه وغيرها ينسجم مع ما يتم العمل به اليوم في مختلف دول المنطقة بما في ذلك دول الخليج وكذلك مع النمط المعتمد أكثر فأكثر على النطاق العالمي.
إن إصلاح منظومة الكهرباء في لبنان يمكن أن يأخذ في الاعتبار زيادة الطاقة المولّدة محلياً عن طريق المحطات العاملة بالغاز، وهي الأقل تلويثاً مع تجديد القائمة حالياً على نفس الأسس أي على أساس التحول إلى الغاز الأرخص تكلفة والأقل تلويثاً، كما إن من بين الحلول المطروحة زيادة عدد بواخر توليد الكهرباء التي تتولى سد قسم من النقص الكبير في الطاقة المنتجة في لبنان كحلول مؤقتة بهدف وضع حد للتقنين وتوفير الطاقة الكهربائية بصورة دائمة للاقتصاد وللمجتمع. إن تنفيذ هذه الخطوات يمكن أولاً أن يضع حداً لعمل المولدات التجارية والمولدات الخاصة التي تساهم بصورة هائلة بإنبعاثات ثاني أوكسيد الكربون وغيره من الغازات الملوثة، لكن هذه الإصلاحات يجب أن لا يكون هدفها تكريس العمل بالنظام الباهظ التكلفة والملوِّث الحالي بل التمهيد للتحول بصورة حاسمة نحو الطاقة المتجددة ولاسيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

لماذا الطاقة المتجددة؟
إن الاستثمار الكثيف في الطاقة المتجددة ولاسيما طاقة الرياح والطاقة الشمسية في لبنان هو استثمار في نفط لبنان الحقيقي الذي لا ينضب، وهو استثمار في المستقبل يجب أن يتحول إلى أولوية وطنية حقيقية ويجب العمل بالتالي لجعله أولوية حكومية وسياسية وشعبية وإعطاء المشاريع الخاصة به طابع الأهمية التي لا تقبل التأجيل أو التسويف. إن هذا التوجه المستقبلي ليس وليد أحلام أو طوباوية سياسية أو اقتصادية بل هو يستند إلى عوامل اقتصادية وتكنولوجية كما يستند إلى ميزات لبنان المناخية وإلى

صاحب مولِّد فتح شركة كهرباء خاصة والأرجح أنه يديرها بأفضل مما هي عليه الحال في المؤسسة الحكومية
صاحب مولِّد فتح شركة كهرباء خاصة والأرجح أنه يديرها بأفضل مما هي عليه الحال في المؤسسة الحكومية

طاقات شعبه ومؤسساته وإلى الخبرة الدولية المتنامية في هذا المجال. أهم الاعتبارات التي تجعل من الاستثمار الواسع النطاق في الطاقة المتجددة الخيار الاستراتيجي الوحيد لحل أزمة الكهرباء وتعزيز البنية التحتية للاقتصاد اللبناني هي التالية:
1. التقدم الهائل لتقنيات الطاقة المتجددة: شهدت السنوات الخمس الأخيرة قفزات مدهشة في تطور تقنيات الطاقة الشمسية وحجم الاستثمارات التي تستقطبها في العالم، وأدت القفزات التقنية إلى مضاعفة فعالية الطاقة الشمسية مثلاً مرات عدة مع خفض تكلفتها باستمرار بحيث بات متوقعاً أن تصبح قريباً جداً منافساً لا يضاهى لمختلف أنواع الطاقة التقليدية (الملوِّثة) ويظهر الرسم البياني أعلاه كيف أن تكلفة اللاقط الشمسي أو اللوحة الشمسية انخفضت في السنوات الأربعين الماضية بنسبة 99% عما كانت عليه في العام 1975، إذ كان اللاقط الشمسي يكلف أكثر من 20 ألف دولار عندما كانت تكنولوجيا الخلايا الفوتوفولطية في بداية تطورها، بينما أصبح هذا اللاقط (بطاقة 200 واط) لا يكلف في العام 2015 أكثر من 122 دولاراً، وتشير الإحصاءات الأخيرة إلى أن أسعار الطاقة الشمسية مستمرة بالهبوط بحيث وصلت تكلفة اللاقط إلى 0.49 سنت للواط (أي نحو 100 دولار للاقط بطاقة 200 واط) وقد باتت كل التوقعات تشير إلى أن الطاقة المتجددة ولاسيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح باتت خيار المستقبل للبشرية باعتبارها الأفضل للبيئة وفي الوقت نفسه الأكثر جدوى من الناحية الاقتصادية لذلك فإن جميع البلدان (المتقدمة والنامية) بدأت التحول إليها كبديل لمصادر الطاقة التقليدية المكلفة والملوثة على حدّ سواء.
2. فجوة الطاقة البديلة في لبنان: إن لبنان من البلدان الأكثر تعرضاً للشمس في العالم (نحو 300 يوم في السنة) كما إن في إمكانه توليد الطاقة من الرياح على امتداد شواطئه وبتكلفة تقل عن تكلفة المشاريع المتداولة لإنشاء محطات توليد جديدة تعمل بالفيول أو بالغاز. لكن لبنان هو من أقل البلدان استخداماً للطاقة الشمسية، ولم تضع الدولة اللبنانية حتى الآن استراتيجية تستهدف إحلال الطاقة المتجددة بصورة تدريجية محل الطاقة الملوثة التقليدية. وبرغم التوفير الذي تحققه في مصروف الكهرباء فإن الدولة لا تطبق سياسة فعالة لتعميم استخدام الطاقة الشمسية في تسخين المياه سواء على مستوى المنازل أو الأبنية السكنية أو المؤسسات. ولا توجد في لبنان أنظمة تجعل تركيب هذه السخانات بنداً إلزامياً للحصول على رخصة البناء، وعلى سبيل المقارنة فإن الجارة الصغيرة قبرص بدأت باستخدام أنظمة تسخين المياه على الطاقة الشمسية في العام 1961 وهي تعتبر اليوم من أكثر بلدان العالم استخداماً لهذه التقنية نظراً الى أن 95% من بيوتها مزودة بأنظمة تسخين المياه على الطاقة الشمسية في مقابل نسبة تغطية ضعيفة للمنازل في لبنان.
ويظهر تقرير أعدّه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في لبنان ضآلة الاستثمارات في قطاع الطاقة المتجددة، إذ لم تتجاوز الاستثمارات الإجمالية في هذا القطاع 30 مليون دولار في العام 2015 ولهذا السبب، فإن لبنان ما زال يأتي في مرتبة متأخرة جداً على صعيد استخدام الطاقة المتجددة في توليد الطاقة الكهربائية. ويعود هذا التأخر بالدرجة الأولى إلى عدم جديّة الالتزام السياسي للدولة اللبنانية بهذا الهدف كما يعود إلى غياب التوعية الواسعة التي تبيّن للمواطنين الجدوى الاقتصادية من التحول إلى أنظمة الطاقة الشمسية، وعدم تشجيع الاستثمار الخاص في قطاع الطاقة المتجددة عبر توفير الإطار القانوني والحوافز التشجيعية اللازمة مع توفير أنظمة تمويل تتجاوز من حيث الحجم والآليات برنامج الحوافز المحدود المقدّم من مصرف لبنان، أم من خلال إنشاء وكالة وطنية للطاقة المتجددة تعطى صلاحيات واسعة وميزانية كافية للعمل على إدخال لبنان عصر الطاقة المتجددة ونادي الدول الرائدة في هذا الميدان.
يبقى القول إنه وبرغم تأخير الدولة في تبني خيار الطاقة المتجددة فإن عوامل السوق نفسها ولاسيما تراجع تكلفة الطاقة الشمسية باتت في حدّ ذاتها محفزاً أساسياً لتحول الأفراد والمؤسسات في لبنان إلى أنظمة الطاقة الشمسية، وإحدى الظواهر الملفتة هو توجّه البلديات في العديد من

باخرة توليد الطاقة الكهربائية التركية أورهان باي التي تغذي معمل الجية
باخرة توليد الطاقة الكهربائية التركية أورهان باي التي تغذي معمل الجية

“المواطن في لبنان أسرع بكثير من الدولة في الأخذ بثورة الطاقة المتجددة وبلديات كثيرة أخذت المبادرة في تبني الطاقــة الشمسية للإنارة العامة”

المناطق إلى إنارة الطرق بواسطة الطاقة الشمسية بدعم من جهات العون الدولية. إن كل ذلك يظهر أن المواطن في لبنان أسرع بكثير من الدولة في الأخذ بثورة الطاقة المتجددة، كما إن الاستثمار في أنظمة التوليد بالطاقة الشمسية يعتبر أهم وسيلة لتحقيق “الاستقلال الكهربائي” من قبل المواطنين والمؤسسات والهيئات المدنية وبالتالي تأمين مصادر تغذية دائمة وفعالة بالتيار الكهربائي.
3. حماية البيئة: إن التبني الشامل لسياسات التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة تفرضها أيضاً إلتزامات لبنان البيئية كبلد موقِّع على معاهدة باريس للحد من إنبعاثات ثاني أوكسيد الكربون وغيره من الغازات التي تساهم في تسخين جو الأرض، وبموجب هذه الاتفاقية فقد التزمت كل دولة بأهداف كمية على صعيد خفض الانبعاثات وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة ومن هذه الدول الاتحاد الأوروبي الذي التزم بأن يتوصل بحلول العام 2020 إلى خفض انبعاثات الغازات الحرارية بنسبة 20% (بالمقارنة مع معدلات 1990) ورفع الطاقة الكهربائية المستخرجة من المصادر المتجددة إلى 20% من المجموع وكذلك زيادة فعالية استخدام الطاقة الكهربائية بنسبة 20%. وبناء على معاهدة باريس فإن على لبنان أن يحدد لنفسه أهدافاً تتعلق بخفض تلك الانبعاثات وزيادة حصة الطاقة المتجددة وزيادة فعالية استخدام الطاقة ووقف الهدر. وكل هذه الالتزامات البيئية لا يمكن تنفيذها من دون سياسة وطنية شاملة لدخول عصر الطاقة المتجددة والخروج من مستنقع التقنيات البالية والهدر والفساد. والواقع فإنه وبالنظر إلى حجم اعتماد قطاع الكهرباء على الفيول وضعف السياسات المتعلقة بالحدّ من انبعاثات السيارات والمصانع والمولدات فإن لبنان أصبح من الدول الأكثر تلويثاً في العالم كما يظهر أعلاه التالي:
تحول استراتيجي: إن تبني لبنان للتوجه العالمي نحو مصادر الطاقة المتجددة لا بد وأن يقطع بصورة تامة مع النظام البالي الحالي لمفهوم احتكار توليد وتوزيع الطاقة من القطاع الحكومي، وهذا الاحتكار هو أحد أهم أسباب تخلف القطاع وتقادم التكنولوجيا وارتفاع التكاليف وتدهور الخدمات سنة بعد سنة. على العكس من ذلك، فإن قطاع الطاقة المتجددة يستند إلى مبادرات القطاع الخاص وإلى مهارة المستثمرين في الاستفادة من أحدث تقنيات الطاقة المتجددة التي تضمن لهم الميزة التنافسية للبيع بأفضل الأسعار مع تحقيق العائد على الاستثمار. إلا أن أهم ميزات الطاقة المتجددة هي في كونها نظاماً مثالياً لتطبيق اللامركزية في توليد وتوصيل الطاقة الكهربائية بحيث يمكن تصور قيام العشرات من الشركات الخاصة التي تتخصص كل منها في خدمة ناحية جغرافية ضمن القوانين الناظمة التي تصدرها الدولة، وهذا النوع من التوزيع الجغرافي لأنظمة الطاقة يساعد على بناء العلاقات بين المنتج وقاعدة العملاء وعلى تحسين الخدمات وترشيد الإدارة كما إنه ينهي مشكلة التسيّب والاعتداء على الشبكات في ظل النظام المركزي للكهرباء الذي نعيش في ظله حالياً.

 

 

الانقلاب القطبي

حَصلَ آخرَ مرّة قبل 780,000 سنة

قُطبا الأرض سيتبادلان موقِعَيْهما والنتيجةُ مُخيفة للحضارة البشريّة

القطـــبان يبتعدان بسرعة عن مكانهما المُعتاد
والخوف الأكبر هو زوال الغلاف المغناطيسيّ للأرض

زوال «الدّرع المغناطيسيّ» جَرَّاء الإنقلاب القطبي
قد يبيد الحضارة ويعود بالبشر إلى العصر الحجريّ

{يوم تُبدّلُ الأرضُ غير الأرضِ}
(إبراهيم: 48)

كتب المحرّر العلمي
كأنّ المخاطر المتزايدة للتغيّر المناخي وذوبان الغطاء الجليدي للمناطق القطبيّة وارتفاع منسوب المحيطات والبحور وغير ذلك من الكوارث المناخية ليس كافيا،ً فقد برز للعالم في الفترة الأخيرة موضوع جديد…
إذ تركّز إهتمام العالم وعلماء الفضاء والمناخ فجأة على موضوع لم يخطر في بال أحد وهو اتّجاه القطبين الشمالي والجنوبي لتبادل موقعيهما بحيث ينتقل القطب الشمالي إلى طرف الكرة الجنوبي وينتقل القطب الجنوبي إلى ما يسمى الآن القطب الشّمالي. علميّاً هذا التبادل بين القطبين لموقع كلّ منهما ليس جديّاً على الكرة الأرضية، إذ هو حصل مئات المرات منذ تكوّن الأرض قبل ما يزيد على ثلاثة مليارات سنة ويقدّر العلماء، بناء على دراسات الخصائص المغناطيسية للتّرسبات الجيولوجية ولفلزات البراكين أنّ ما يمكن تسميته الانقلاب القطبي Pole shift يحصل كل 200,000 إلى 300,000 عام، علماً أنّ آخر انقلاب لموقعي القطبين حدث قبل نحو 780,000 عام وهي مدّة أطول من المعتاد. فما الذي يعنيه تبادل القطبين لموقعيهما على الكرة؟ كيف ومتى سيتمّ ذلك؟ وما هي النّتائج المتوقعة على الحضارة البشرية والحياة على وجه الأرض نتيجة لهذا الحدث العظيم بكل مقياس؟

لماذا انشغل العالم فجأةً بموضوع الإنقلاب القطبيّ؟
لأنّ الدلائل تتزايد على أنّ انقلاباً قطبيّاً يمكن أن يحدث للأرض في وقت قريب وربّما في حياتنا كأفراد، وأهمّ الدلائل على اتّجاه الأرض نحو حدث من هذا النّوع هو أن القطبين الشّماليّ والجنوبيّ بدآ يبدّلان موقعيهما: الشّماليّ يتجه تدريجيّاً نحو الجنوب والجنوبيّ باتّجاه الشمال والأهمّ من ذلك هو تزايد سرعة إنزلاق القطبين عن مكانهما بصورة مُلفتة، فقد سجّل العلماء في أواخر القرن التّاسع عشر انزلاق القطب الشّماليّ نحو الشّرق والجنوب بمسافة لم تكن تزيد على سنتمترات معدودة في السّنة، ثم ازدادت سرعة إنزلاق القطب الشّمالي بحيث بات العلماء يقدّرون أنّه يبتعدُ عن مكانه الأصليّ بمعدّل 40 كلم في السّنة (في مقابل 15 كلم في السّنة في مطلع القرن العشرين).
ونتيجة لتلك الظّاهرة، فإن القطب المغناطيسيّ الشّماليّ إبتعد عن محوره الجغرافيّ التّاريخيّ أكثر من 920 كلم حتى الآن وهو يتّجه شرقاُ وجنوباً نحو سيبيريا في روسيا.
بالطّبع هذه المعلومة ستفاجئ الكثيرين لكنّها صحيحة، فالقطب الشماليّ الفعليّ لم يعد في مكانه وقد بلغ حجم التّغيير في الحقل المغناطيسيّ وموقع القطبين أن اضطُرّت أكثرُ مطارات العالم لتغيير الإحداثيّات والتّعليمات المتعلّقة بعمليّات الهبوط والإقلاع لأنّها لم تعد صحيحة بالنّسبة إلى حركة الطّائرات.

متى سيحصل التّبادل القطبيّ؟
العلماء متّفقون ووكالة الفضاء الأميركيّة (ناسا) يؤكّدون جميعاً أنّ الأرض دخلت في مسار الإنقلاب القطبيّ منذ عقود لأن المؤشّرات على ذلك تتزايد كلّ يوم، لكن متى سيحصل هذا الإنقلاب فهذا ما لم يستطع العلماء الجواب عليه بالتّحديد، لأنّ التّبادل القطبيّ يحصل في البدء بصورة تدريجيّة لكن عند نقطة معيّنة يبدّل كلٌّ من القطبين الشّماليّ والجنوبيّ موقعيهما فجأة، وعندها يكون التّبادل القطبيّ قد أصبح ناجزاً فينقلب القطب الشّماليّ إلى القطب الجنوبيّ والعكس بالعكس.
بعض التوقّعات تشير إلى أنّ هذا الأمر قد يتمّ في غضون المئة سنة المقبلة، بينما يعتقد علماء آخرون أنّ التّبادل القطبيّ قد يفاجئنا وأنّه أصبح أقرب إلينا من أيِّ وقت سبق ممّا يعني أنّه قد يحدث في حياة هذا الجيل ويشهد عليه أهل الزّمان أنفسهم.

” لا توجد معلوماتٌ أو آثارٌ مؤكّدةٌ يمكن أن تنبئنا بالذي حدث للأرض وللحياة قبل 780,000 عام وما الذي يمكن أن يحدث قريباً، لكن الجميع خائفون  “

تآكلُ الغلافِ المغناطيسيِّ
بناءً على الأبحاث والبيانات العلميّة المُجَمّعة بواسطة نظام أقمار وكالة الفضاء الأوروبية المسمّى Swarm، فإنّ الغلاف المغناطيسيّ للأرض دخل مرحلة من الضّعف المتسارع، ومن بين الأدلّة على ذلك، الطيور التي تفقد حسّ الإتجاه في هِجرتها وتغيّر اتجاهها فجأة في السماء أو تموت بالألوف نتيجة فقدها لخطّها الملاحيّ، أو تزايد عدد النّيازك التي تتساقط على الأرض، أو موت بعض الدلافين بسبب ما يبدو أنّه نتيجة لإضاعة الاتّجاه.. وأبرز ما في نتائج أبحاث الوكالة الأوروبية أنّها وجدت نقاط ضَعف كبيرة في الحقل المغناطيسيّ للأرض خصوصاً فوق الجانب الغربيّ للكرة في الوقت الذي زادت قوة الحقل المغناطيسيّ فوق مناطق مثل جنوب المحيط الهندي. وأحد التّفسيرات التي أعطيت لهذه الظّاهرة هي أنّ القطبين الشماليّ والجنوبيّ يقتربان من لحظة تبادل المواقع أو ما يمكن تسميته “الإنقلاب القطبيّ” ونتيجة لذلك، فإنّ البوصلة التي كانت إبرتها تشير إلى الشّمال ستشير بعد ذلك إلى الجنوب، كما أظهرت أبحاث وكالة الفضاء الأوروبيّة أنّ تراجعَ كثافة وفعاليّة الغلاف المغناطيسيّ للأرض (نتيجة للإنزلاق القطبيّ الحاليّ) أصبح الآن أسرع بعشَرَة أضعاف ممّا كان الحال عليه في مطلع القرن.
من جهة ثانية، أعلن عالمان من جامعة كاليفورنيا هما غاري غلاتسمايراند وبول روبرتس أنّهما توصّلا إلى الاستنتاج بأنّ التّبادل القطبيّ سيحصل في حياتنا أي قبل مضيّ وقت طويل بينما حذّر عالم سابق في وكالة الفضاء الأميركيّة في مقابلة خاصّة نُشرت على اليوتيوب من أنّ الانقلاب القطبيّ أصبح وشيكاً وأنّه سيؤدّي إلى نتائج كارثيّة على الكرة الأرضيّة.

القطبان الشمالي والجنوبي يتهيّئان لتبادل مواقعهما
القطبان الشمالي والجنوبي يتهيّئان لتبادل مواقعهما

سيناريوهاتُ الكارثةِ!
إنّ حادثاً طبيعيّاً هائلاً بحجم انقلاب القطبين لا بدّ وأن يترك المجال واسعاً للتكهّنات بنتائجه، وهناك تباين واسع في الآراء بين من يقلّل من خطورته وبين من يعتبره مقدّمة لنهاية الحضارة الإنسانيّة. لكن نظراً إلى أنّ آخر انقلاب في القطبين المغناطيسيّين للكرة الأرضيّة حصل قبل 780,000 عام فإنّه لا توجد حقيقة أيّة معلومات أو آثار مؤكّدة يمكن أن تقول لنا ما الذي حدث وما الذي يمكن أن يحدث عند حصول الانقلاب القطبيّ القادم. ومن الواضح أنّ آخر انقلاب قطبيّ حدث ربما قبل ظهور البشر كما نعرف وحتماً قبل وجود المجتمع البشريّ، كما بدأنا نعرفه منذ ستة أو سبعة آلاف عام وهذا زمن “قصير” جدّاً بالنّسبة إلى حياة الأرض (أكثر من ثلاثة مليارات عام) وبالنّسبة إلى آخر انقلاب قطبيٍّ حصل عليها. وأيّة آثار قد تكون رافقت آخر انقلاب قطبيٍّ لم تصادف مجتمعات بشريّة وحضارات متطّورة كما هي حالنا اليوم، لذلك فإنّ تلك النتائج لا بدّ كانت محدودة بسبب حياة الإنسان الأوّل البدائيّة جدّاً على الأرض، أمّا الآن وبسبب التطوّر الهائل في الحضارة البشريّة والتّزايد السكّاني وقيام المدن الهائلة والاعتماد الشبه التّام للحياة الأرضية على الأقمار الصّناعية وشبكات الكهرباء والاتّصالات فإنّ الانقلاب القطبيّ المقبل يعتبر حادثاً خطيراً وغير مسبوق وهو بالتالي سيفسح في المجال لكافة التّكهّنات والنّظريات.
وكالة الفضاء الأميركيّة (ناسا) حرصت في بيان مفصّل على موقعها الشّبكيّ على تهدئة المخاوف من الآثار المحتملة للتّبادل القطبيّ، وقد استندت إلى ما أسمته تحليل الطّبقات الرّسوبيّة وفلزات البراكين القديمة الهامدة تحتَ البحر للقول بأنّ تلك الأبحاث لم تقدّم أدلّة على أنّ الانقلاب القطبيّ ترافق مع أحداث كارثيّة للحياة على وجه الأرض. لكن في المقابل حذّر علماء آخرون ومواقع علميّة من أنّ الانقلاب القطبيّ سينعكس بنتائج بعيدة على الحياة الأرضيّة نتيجة لجملة من الأحداث التي سترافقه على شكل زلازل غير مسبوقة في قوّتها وموجات تسونامي هائلة تغرق إلى الأبد قسماً كبيراً من اليابسة في أنحاء كثيرة من العالم تقع أراضيها على مستوى محاذ أو غير مرتفع عن سطح البحر. وهناك من يذهب إلى أبعد فيعتبرُ أنّ الانقلاب القطبيّ المقبل سيؤدي إلى نهاية معظم أشكال الحياة على سطح البسيطة.

الدّرع المغناطيسي
لكن بينما تتضارب التّنبّؤات حول الظواهر الكارثيّة التي سترافق الانقلاب القطبيّ فإنّ هناك على الأقلّ أمراً أساسيّاً يتّفق العلماء عليه وإنْ بنسب متفاوتة، وهو أنّ الانقلاب القطبيّ سيتسبب في ضعف شديد للغلاف المغناطيسيّ الذي يحيط بالأرض وهذا الغلاف الذي يسمّى أحياناً “الدّرع المغناطيسيّ” للأرض (أو “حزام فان بلت” ) هو الذي يحمي الحياة على وجهها من الأشعّة القاتلة التي تندفع باتجاه الأرض نتيجة للإنفجارات الشّمسية التي تحدث على سطحها الملتهب بإستمرار.
حتى وكالة (ناسا) مثلاً التي طمأنت إلى أنّ الانقلاب القطبيّ لن ينعكس بكارثة على الإنسانيّة اعترفت في البيان نفسه الذي نشرته على موقعها عبر الإنترنت بأنّ انزلاق القطبين عن موقعيهما الجغرافيّين المعتادَين سيترافق بضعفٍ “ملموس” في الغلاف المغناطيسيّ للأرض، لكنّ الملفت هو أنّ الوكالة التزمت الغموضَ حول النتائج المتوقّعة على الحياة جرّاء ضعف الغلاف الجويّ الحامي للأرض وما يعيش عليها من كائنات حيّة أو نباتات، علماً أنّ هذه النتائج تدخل ضمن الأمور المتّفق عليها بين العلماء وهي في حدّ ذاتها تحمل مخاطر وجوديّة على الحياة البشريّة بل على الحياة الأرضيّة في الإجمال.

كيف يحمي الغلاف المغناطيسي الأرض من الأشعة القاتلة للانفجارات الشمسية
كيف يحمي الغلاف المغناطيسي الأرض من الأشعة القاتلة للانفجارات الشمسية

7 حقائق حول الانقلاب القطبي

1. القطب الجنوبيّ إبتعد عن موقعه الأصليّ في المحيط المتجمّد الجنوبيّ بينما ينزلق القطب الشماليّ بدوره بعيداً عن موقعه عبر المحيط المتجمّد الشماليّ
2. القطبان المغناطيسيّان للأرض (الشّمالي والجنوبيّ) في طريقهما لتبادل موقعيهما على الكرة، بحيث ينتقل القطب الشماليّ إلى مكان القطب الجنوبيّ وينتقل القطب الجنوبيّ إلى القطب الشماليّ، وذلك حسب البيانات المجمّعة من نظام الأقمار الصّناعية الثّلاث لوكالة الفضاء الأوروبيّة المسمّى SWARM
3. الغلاف المغناطيسيّ للأرض بدأ يضعف في القرن السابع عشر وهو ضعف بنسبة 10% عن كثافته الأصليّة ما بين العامين 1800 و2000.
4. تآكُل الغلاف المغناطيسيّ أصبح يتسارع بقوّة، إذ بينما كان هذا الغلاف يضعف بنسبة 5% كل 100 سنة فإنه أصبح الآن يضعف بنسبة 5% كل عشر سنوات أي إنّ سرعة تآكُل الغلاف المغناطيسيّ للأرض زادت عشر مرات منذ العام 2000 وإذا استمرّت هذه الوتيرة (وربّما تتسارع أكثر مع اقتراب لحظة تبادل المواقع بين القطبين) فإنّه لن يبقى الكثير من الغلاف المغناطيسي للأرض في غضون عقود من الآن.
5. بالفعل ابتداءً من العام 2014 بدأ الغلاف المغناطيسيّ للأرض يضعف بسرعة.
6. يقدّر العلماء أنّ الانقلاب القطبيّ سيحصل في حياتنا أو في غضون عقود لاحقة لكن هذا الوقت عند قياسه بعمر الأرض فإنّه يعني أنّ الحدث أصبح وشيكاً.
7. الانقلابُ القطبيّ قد يؤدي في حال ترافق مع عواصف شمسيّة إلى فناء نسبة كبيرة من الكائنات الحيّة والنباتات وإلى زوال الحضارة كما نعرفها اليوم.

هذه الأرض ليست ملاذا !

الموضوع حول احتمالات تبديل القطبين الشمالي والجنوبي لموقعيهما يجب اعتباره دليلاً آخر من الأدلة المتزايدة على هشاشة موقع الإنسان على هذه الكرة وخطأ النظر للأرض كثابت كوني وإلى الحياة عليها كأمر مغرق في القدم ومهيّأ للإستمرار لآلاف السنين القادمة. وقد أصبحت هذه النظرة “العلمية” أساس الثقة الواهمة التي تغذي المعتقدات المادية والإلحادية التي تعتبر الإنسان مركز الكون وتحلم بمستقبل تعتقد أن البشر يمتلكونه بأيديهم بفضل العلوم والتقنية والإبداع البشري.
المفارقة هي أننا بفضل المعارف المعاصرة بتنا نعلم أن هذه النظرة هي مجرد غرور واهم كما إننا وبفضل ما أصبح بين يدينا من معلومات عن الأزمة الخطيرة التي يعيشها كوكب الأرض بتنا مدركين أن وجودنا عليه محفوف بمخاطر كثيرة،كما إننا عندما نقيس عمر البشر على الأرض بمقياس الزمن الفلكي نجد أن عمر الإنسانية هو فعلاً مجرد “برهة” بالنسبة لعمر الأرض. ولقد تعرض كوكبنا إلى عشرات الأحداث الكبرى التي بدّلت وجه الكرة أكثر من مرة، وآخر هذه الأحداث الكونية مثلا العصر الجليدي الذي استمر ملايين السنين وانحسر عملياً قبل 10 آلاف سنة فقط مما يعني أن المجتمع البشري يبدو طفلاً بمقياس حياة الأرض التي تقدّر بمليارات السنين. وها هو خطر الانقلاب القطبي الذي يحدث لأول مرة منذ 780,000 عام مع ما قد ينجم عنه يقدّم الدليل على أن وجود البشرية على هذه الأرض تمّ لحكمة ربانية وأنه قد يتغير أيضاً لحكمة ربانية
}وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا { (الأحزاب: 63)

الخطرُ الحقيقيُّ
هذه الآثار المتوقّعة على صحّة البشر جرّاء ضعف الغلاف المغناطيسيّ للأرض تحدّث عنها جانيس ل. هاف العالم في برنامج الإشعاع الفضائيّ في وكالة ناسا بالقول إنّ عمليّة تبادل القطبين الشّماليّ والجنوبيّ لموقعيهما ستترافق مؤكّداً مع انكماش كبير في الغلاف المغناطيسيّ المحيط بالأرض، وبالنّظر لأنّ العمليّة قد تأخذ وقتاً فإنّ الانكماشَ أو حدوث فجوات كبيرة في الغلاف المغناطيسيّ سيجعل الأرض عمليّاً بلا حماية من الإشعاعات الشّمسيّة أو مقذوفات لهب الهالة الشّمسيّة Coronal Mass Ejections التي تنجم عن الانفجارات المستمرّة على سطح الشمس، وهذه الانفجارات تُنْتِج أيضاً ما يسمّى بالرّياح الشّمسيّة وموجات الطّاقة التي تصيب جوّ الأرض وسيكون لها (من دون حماية الدّرع المغناطيسيّ) تأثير كبير على الكائنات الحيّة التي ستكون مكشوفة للآثار القاتلة للإشعاعات الشّمسيّة وهذه الطاقة الهائلة تتفاعل مع جوّ الأرض وكذلك مع قشرتها. لهذا السّبب، وحسب العالم الأميركيّ فإنّنا سنشهد مع اقتراب الانقلاب القطبيّ مزيداً من العواصف والتقلّبات المناخيّة والزلازل والتسونامي وانفجار البراكين التي قد تكون خامدة منذ زمن.

” وكالةُ الفضاء الأميركيّة تهدّئ الخواطر :
لا أدلّةَ على أنّ الانقلابَ القطبيَّ سينعكس بنتائج كارثيّة لكنّه سيضعف الغلافَ المغناطيســــيَّ الحامـــــي للأرض  “

جيمس فان ألن يشرح نظريته حول الغلاف المغناطيسي للأرض والذي سمي باسمه
جيمس فان ألن يشرح نظريته حول الغلاف المغناطيسي للأرض والذي سمي باسمه

لكنْ ما هي الآثار التي يُخشى منها أكثر من غيرها على الإنسان؟
يجيب العالم “جانيس هاف” إنّ تعرّض الكائنات الحيّة ولاسيّما الإنسان لهذا المزيج من الإشعاعات الشّمسية دون حماية من الغلاف المغناطيسيّ أمر غير مسبوق في الذّاكرة البشريّة، لكن بالإستناد إلى الأبحاث العديدة المتوافرة، فإنّ أحد الأخطار الكبرى هو ما سيصيب جسم الإنسان ودماغه من ضرر فادح نتيجة اختراقه من تلك الإشعاعات. ومن هذه المخاطر مثلاً احتمال فقد الذاكرة لأنّ دماغنا يعمل على الطّاقة الكهربائيّة وكذلك دم الإنسان يعمل على الأيونات الكهربائيّة الموجودة في الدّم. والضّرر المتوقّع هنا لا يقتصر على التّأثير الخطير للأشعّة ما فوق البنفسجية UVA لأنّ اندفاعات اللّهب الشّمسيّ CMEs تُنتِج أيضا أشعّة إكس X rays وأشعة المايكروويف Microwave وموجات الراديو التي تنبعث عند الانفجارات الشّمسيّة من سطح الشّمس.
كلّ هذه الأشعّة المدمّرة ستجد فضاءنا مفتوحاً بالكامل لدخولها جوّ الأرض عندما يتلاشى الغلاف المغناطيسيّ الحامي للكرة التي نعيش عليها. وحتى قبل حدوث الانقلاب القطبيّ (المتوقع) فإنّ صحّة الإنسان تتأثّر بصورة ملحوظة بالتحوّلات الجارية في جوّ الأرض بسبب ما يجري على سطح كوكب الشمس. فقبل أعوام ضربت الأرض موجة رياح شمسيّة صغيرة نتيجة انفجارات على سطح الشمس؛ وعلى الأثر قامت الحكومة الأميركيّة بالتعاون مع وكالة الفضاء الأميركيّة وعدد من المؤسسات العلميّة بتقييم الأثر المحتمل لتلك العاصفة الشمسيّة على المسافرين بالطّائرة الذين تعرضوا بسببها إلى أشعة اللّهب الشمسيّ الخفيفة في الطبقات العليا للجوّ، وتوصّل الباحثون إلى أنّ ما بين 4 و6 من ركاب الطائرات الذين كانوا في الجوّ في تلك اللّحظة زاد احتمال إصابتهم بسرطانات قاتلة خلال السّنوات الأربع التّالية لوجودهم في الطائرة على ارتفاع شاهق.
وحسب العالم “هاف” فإنّه لو كانت العاصفة الشّمسيّة أقوى من ذلك فإن ركّاب الطائرات الذين سيتعرضون لخطر الإصابة بالسّرطانات في تلك اللّحظة سيكون بالمئات وربما بالألوف، وبصورة عامة، فإنّ جميع المسافرين بالطّائرات على ارتفاعات شاهقة سيكونون في خطر وكذلك ركّاب المحطّات الفضائيّة، وفي حال التعرّض لعواصف شمسيّة قويّة فإن انعدام الحماية الكافية من الغلاف المغناطيسيّ للأرض سيضع جميع سكّان الأرض في

دائرة الخطر وخصوصاً سكّان المرتفعات العالية.
ويشير العالم هاف إلى أنّ الاحتمال المخيف هو أن ينزلق القطب الشماليّ جنوباً في اتجاه البرازيل بينما ينزلق القطب الجنوبي شمالاً باتجاه أندونيسيا على الجهة المقابلة لكن دون أن يعود القطبان إلى حيث كانا فإنّ الأرض ستكون عمليّاً ولسنوات طويلة من دون درع مغناطيسيّ على الإطلاق، مما سيجعلها هدفاً يوميّاً للإشعاعات الشمسيّة القاتلة التي تنبعث بإستمرار من الشّمس لكن يتم حرفها والتصدّي لها من قبل الغلاف المغناطيسيّ الذي يحيط بالأرض مثل “فقاعة هائلة” وهو يمثل بالتالي حاضنة الحماية التي يوفّرها الله تعالى للأرض وللحياة البشرية منذ فجر التّاريخ المعروف.
لكنّ الخطر الأكثر فداحة، والذي لم يحصل أبداً للبشر أن تعرضوا له في السابق، حسب جانيس هاف، هو الموجات القاتلة المسمّاة النبض الإلكترومغناطيسي Electromagnetic Pulse وأي موجه منها تفوق في قوّتها ما يمكن أن تنتجه القنابل النّووية، وعلى سبيل المثال، فإنّ أيَّ انفجار على سطح الشّمس يفوق في حجمه عادة حجم الأرض ويمكن أن ينتج بسبب حجمه الهائل “شموسا” مصغَّرة داخله. رغم ذلك فإنه وبوجود الدّرع المغناطيسيّ فإنّ هذه الموجات تقوم الأرض بحرفها عن مسارها ومنعها من دخول أجوائها، لكن في حال أدّى الانقلاب القطبيّ إلى ضَعف شديد في هذا الغلاف الحيويّ فإنّ عاصفة شمسيّة من هذا النّوع يمكنها وحدها أن تقضي على الحضارة الإنسانيّة وتعود بالبشر -أو ما يتبقّى منهم فعلاً- إلى العصر الحجريّ.

الأرض بحجمها الحقيقي بالنسبة للشمس هدف جاهز للعواصف الشمسية التي سيطلقها الانقلاب القطبي
الأرض بحجمها الحقيقي بالنسبة للشمس هدف جاهز للعواصف الشمسية التي سيطلقها الانقلاب القطبي

العاصفةُ الشمسيّةُ هي المسألة
لا أحدَ يعرف الكثير عمّا سيحصل في حال الانقلاب القطبيّ، والكثير مما يقال عن النتائج الكارثيّة لسيناريو نهاية العالم لا يستند إلى سوابق موثّقة، فالموضوع وهو بمجمله “تكهّنات علميّة” وليس علماً، لكن مع ذلك، فإن الانكشاف المحتمل للأرض للعواصف الشّمسيّة نتيجة تآكل الغلاف المغناطيسيّ الذي يحمينا هو المسألة الحقيقيّة التي قد تجعل من الانقلاب القطبيّ كارثة على البشريّة وهذه العواصف الشّمسيّة ليست في حاجة إلى تبدّل موقع القطبين الشّماليّ لأنّ مجرّد حدوث عاصفة شمسيّة قويّة (من عيار X20 مثلاً) أو أكثر كفيل بتدمير البنية التّحتيّة للكهرباء وأنظمة الأقمار الصّناعيّة والاتّصالات ومعها عمل الأسواق الماليّة والحكومات والجيوش والطّيران والملاحة وعمليّاً كافّة وجوه الحياة المعاصرة. ويتّفق العلماء على أنّه لو أُصيبت الأرض بعاصفة شمسيّة بقوة “عاصفة كارنغتون” التي حصلت في العام 1859 فإنّها ستدمّر أسس الاقتصاد العالميّ والحياة المعاصرة وقد تُكبِّد العالم أضراراً لا تقلّ قيمتها عن 10 تريليونات دولار ويحتاج إصلاحها إلى ما لا يقل عن 10 سنوات أو 20 سنة ولاسيّما شبكات الكهرباء والأقمار الصناعيّة وشبكات الاتّصالات، لأنّ الكثير من الأعمال التي تتطلّب إصلاح شبكات الكهرباء أو شبكات الاتّصالات في حدّ ذاتها تتطلّب وجود الطاقة الكهربائيّة.
يقول العلماء: إنّ الأرض تمكّنت بوجود الغلاف المغناطيسيّ الحامي من أن تتحمّل عواصف شمسيّة بقوة X5 أو حتى بقوة X10 لكنّ الأرض يصعب أن تتحمّل عاصفة شمسية بقوة X20 مثلاً، وفي حال حصلت تلك العاصفة في وقت يكون الغلاف المغناطيسيّ فيه قد تلاشى أو أصيب بضعف (كنتيجة للانقلاب القطبي) فإنّ ذلك قد يؤدّي إلى نتائج مخيفة لا يمكن تصوّرها. وقد أبدى أحد علماء ناسا ملاحظة قال فيها: إنّ الخطر هو أن تُصاب الأرض بعاصفة شمسيّة مُميتة ثم تصاب بعد ذلك بسلسلة من الكوارث الطبيعيّة التي يتوقع أن ترافق الانقلاب القطبي مثل الزلازل والبراكين والعواصف المدمَّرة.

مصادر

2008 – NASA Magnetic Breach: http://science.nasa.gov/science-news/science-at-nasa/2008/16dec_giantbreach/
2011 European Space Agency Magnetism Article: http://www.esa.int/Our_Activities/Observing_the_Earth/The_Living_Planet_Programme/Earth_Explorers/Swarm/Overview/
Magnetic Field Animation: http://wdc.kugi.kyoto-u.ac.jp/igrf/anime/index.html
2003 NASA Pole Shift Article: http://science.nasa.gov/headlines/ y2003/ 29 dec_magneticfield.htm/
2008 Kyoto Pole Shift Animation: http://geomag.org/info/Declination/magnetic_lines.avi
2010 Kyoto Pole Shift Visual: http://wdc.kugi.kyoto-u.ac.jp/poles/figs/pole_ns.gif
2011 Discovery Pole Shift Article: http://news.discovery.com/earth/weather-extreme-events/earth-magnetic-field-north-110304.htm

اوقاف الموحدين

أوقاف الموحدين
الــــــــــــــــــــــــدروز

النشــوء . الإدارة . الواقــع والمرتجــى

الموحِّدون الدروز أقل الناس وقفا لأملاكهم
والكلام عن ثروة هائلة للوقف يخالف الواقع

يَعتبر الموحِّدون الدروز الوقف من الواجبات الدينية والاجتماعية، ومن الضرورات لخدمة المجتمع وتقديم العون للفقراء والمحتاجين، وأحد الأدلّة على التعاطف الإنساني، وعلى التضامن الأخوي الذي يحرصون عليه؛ وخصوصاً رجال الدين منهم. ومجال الصدقات عندهم واسع لأنهم أحرار بالإيصاء لغير وارث كما لوارث، وبكل التركة أو ببعضها في جميع سبل الخير والمنفعة العامة. وتخضع شؤون الوقف عند الموحِّدين (الدروز) لأحكام الشرع الإسلامي، وهم متمشُّون على الحديث النبوي الشريف بشأن أهمية الصدقة الجارية في دوام ذكر الإنسان بعد وفاته، وهذا الحديث مدرج في وصايا الواقفين إِمَّا بنصِّه الحرفي أو بمضمونه.
لكنّ الموحِّدين (الدروز) هم أقلُّ الجماعات الدينية الرئيسية وقفاً، وأن أكثرية أوقافهم هي من أشخاص لا ورثة لهم، وأنها تتنوَّع تبعًا لمقاصدهم، فمنها ما هو وقفٌ على ذرِّيّتهم، ويخصّ أعقابهم وأعقاب أعقابهم، وأعقاب أعقاب أعقابهم. ومنها ما هو وقفٌ للخير العامّ، ومنها ما يخصَّص للمجلس والخلوة.

قدسية الوقف
يعتبر الموحِّدون (الدّروز) الموقوف من المحرَّمات التي لا يجوز المسُّ بها، والتطاول عليها، لأن في ذلك إثماً كبيراً ومدعاةً لإنزال غضب الله على الفاعل. والوقف، في نظرهم، هو بحماية الله أكثر مما هو بحماية الناس، وهو تعالى يدافع عنه، ويعرِّض المعتدي عليه لعقابه السماوي إضافة إلى العقاب الأرضي. والدّروز يستشهدون في ذلك ببيوت وأُسَر انقرضت، أو افتقرت، أو تدنَّى شأنها، لأن الأجداد من أبنائها تعدَّوا على الوقف. لذا يحاذر الكثيرون الانتفاع مما يتلف من الوقف كأغصان أشجار حطّمتها العواصف أو الثلوج، ولو بمقابل ثمن، ولذا يحرص أكثر الأمناء والوكلاء والنظَّار على الأوقاف، على التقيُّد بشروط الواقف بحذافيرها وتفاصيلها، والمحافظة على عين الوقف، والعمل على زيادة ريعه وحسن توزيعه، وذلك تبرئةً للذمَّة وإراحةً للضمير وطلباً لرضا الله تعالى.

الوقف في الشَّرع والقانون
قوام الوقف في الشرع ركنان هما الحبس والتأبيد. فمتى حبس الواقف العين عن التملُّك، وأبَّد الحبس بالتقييد إلى جهة لا تنقطع أصبح الوقف مبرماً، وأضحت العين محبوسة شرعاً، ولا يمكن تحريرها من قيد الوقف ورجوعها ملكاً صرفاً كما كانت، لأن الشرع صانها للجهة الموقوفة عليها من تصرُّف الانتقال والتمليك. وبمجرد أن توقف العين للمنفعة العامة تخرج من ملكية الواقف ولا تدخل في ملكية ورثته، ولا في ملكية أحد من الناس، وتصبح في حكم ملك الله، إلاَّ أن هذا لا ينطبق على الوقف الذرّي واقعاً وقانونا.
وحكم الوقف في القانون “أنه عمل قانوني صادر عن فريق واحد، ويُدعى في اللغة إسقاطاً. وهو تامّ بمجرد صدوره عن إرادة الواقف مستوفياً الشروط، فلا حاجة لقبوله من أحد لكي يصبح صحيحاً”1. وقد اختلف الفقهاء في مختلف العصور على الشروط العشرة العامة للوقف، وهي الزيادة، والنقصان، والإدخال، والإخراج، والإعطاء، والحرمان، والتغيير، والتبديل، والبدل، والإستبدال، ويلحق بها التخصيص والتفصيل.
إن مسائل الوقف الإسلامي متشعِّبة جداً نظراً لاختلاف المذاهب والفتاوى فيها، وللاختلاف حتى في المذهب الواحد، لأنه ليس هناك نصٌّ على الوقف في القرآن الكريم. وقد ازدادت مسائل الوقف تشعُّبًا مع اختلاف الأيام والأحوال، وظلَّ الاعتماد الأوّل فيها على مصادر الشرع الإسلامي، وعلى اجتهادات الفقهاء وأعمال الخلفاء والأمراء وسابقاتهم التي بقيت بعض آثارها إلى يومنا الحاضر. ثم تجاوُباً مع مقتضيات التطبيقات العملية للأوقاف صدرت في العصور اللاحقة المختلفة قوانين وأنظمة، وقرارات ومنشورات، وتعديلات عديدة “ففي لبنان، مثلاُ، نرى إلى جانب الفقه الحنفي أنظمة عثمانية، ثم قرارات انتدابيّة فرنسية، ثم لبنانية رسمية، ثم استقلالية صادرة عن المجلس الشرعي الإسلامي”2.
كانت شؤون الوقف عند الموحِّدين (الدروز) خاضعة للشرع الإسلامي قبل أن توضع القوانين المنظِّمة له، وظلَّت تخضع له في كل ما لم تنصَّ عليه هذه القوانين. والوقفيات التي وصلت إلينا منذ القرن الخامس عشر الميلادي مصدَّقة عند قضاة الشرع الإسلامي في دمشق وبيروت، الذين كان يحقُّ لهم النظر في المسائل والنزاعات المتعلِّقة بها. وحين غدا القضاء الشرعي في جبل لبنان في عهدَي الإمارتَين: المَعنيَّة والشهابية، بأيدِي قضاة من الدروز، كان هؤلاء يحكمون في النزاعات اعتماداً على المذهب الشافعي والمذهب الحنفي في ما يتعلَّق بأهليَّة المتولِّين على الأوقاف والشروط التي يجب أن تتوافر فيهم.
تمتَّع جبل لبنان بإستقلال إداري في عهد المتصرفيَّة فانعكس هذا على وضع الموحِّدين (الدروز) القضائي، فبات عندهم قضاء مذهبي مختص بهم. وبعد أن استقلَّ لبنان صدر قانون الأحوال الشخصية المتعلِّق بهم، في 24 شباط 1948 فبات قضاتهم يحكمون بموجبه وبموجب الشرع الإسلامي في كل ما لم ينصَّ عليه ، أو تنصّ عليه قوانين القضاء المدني.
نصَّت المادة (170) من قانون الأحوال الشخصية للطائفة الدرزية، على ما يلي:
“يرجع في حكم الوقف ولزومه واستبداله واستغلاله والولاية عليه وتعيين مستحقيه وتوزيع ربحه إلى صكوك الوقف أو التعامل الجاري منذ القدم، وإلى الأحكام الشرعية والقوانين النافذة”.
ونصَّت المادة (171) من القانون المذكور على ما يلي:
“في جميع المسائل الداخلة في اختصاص قاضي المذهب، والتي لم يرد عليها نصٌّ خاص في هذا القانون، يطبِّق القاضي المشار إليه أحكام الشرع الإسلامي، المذهب الحنفي، وجميع النصوص القانونية التي لا تتعارض مع الشرع الإسلامي”. وتجري تصفية الوقف الذُّرِّي بحسب المادة (27) من قانون الوقف الذُّرِّي الصادر في 10 آذار 1947، وهذه المادة تنصُّ على ما يلي:
“يفرز عند تقسيم الوقف الذُّرِّي المحض ما يقابل خمسة عشر في المائة لقاء جهة البرِّ المشروطة في الوقف والتي لولاها لما صح الوقف وتُسلَّم إلى الدائرة الوقفية المحلية لتُصرف في وجوه البرِّ العامَّة”، وتوجد أمثلة عديدة عن هذا النوع من الأوقاف.

مقام-النبي-ايوب
مقام-النبي-ايوب

الولاية على الوقف
إن الوقف شخص معنوي يحتاج إلى شخص طبيعي يمثِّله، ويرعى عينه، ويحسن استثماره للمنفعة التي وُقف من أجلها، فيشرف على أملاكه، ويتناول غلاله ويوزِّعها على المستحقين وفق شروط الواقف، وهذا الشخص الطبيعي يُسمَّى المتولِّي، كما يُسمَّى أيضاً الناظر والقيِّم والوكيل.
إن المتولِّي على الوقف هو أوَّلاً واقفه نفسه، ثم الشخص الذي يعيِّنه أو الأشخاص الذين يعيِّنهم، في حجَّة وقفِه. وقد يعيّن الواقف متولِّياً ومشرفاً، وفي هذه الحال لا يحقُّ للمتولِّي أن يتصرَّف في مال الوقف دون أخذ موافقة المشرف. وإذا مات الواقف وله وصيٌّ اختاره، قام هذا الوصي بعد موته بشؤون الوقف. ويحقُّ لكلٍّ من الوصيّ والمتولِّي أن يعيِّن خلَفًا له يدير الوقف بعد موته.
لا يجوز بقاء الوقف دون من يتدبَّر أمره في حال عدم وجود الوصي والوكيل، وفي هذه الحال تعود إدارة الوقف إلى القاضي بما له من الولاية العامَّة. وصلاحيّة القاضي في التولية أضيق من صلاحيَّة الواقف، لأنه لا يحقُّ له تولِيَة أجنبي إذا وُجد بين أقارب الواقف من يصلح للولاية، فيما يجوز ذلك للواقف.
أمَّا أهليّة الولاية على الوقف، أي الشروط التي يجب أن تتوفَّر في الوليِّ، فهي، حسبما تضمَّنَته كتب الفقهاء: أن يكون عاقلاً، أميناً، قادراً، بالغاً (راشداً) إذ لا تجوز تولية المجنون، وإنما تَولِية سليم العقل. ولا تجوز تَولِيَة الخائن، وإنما تولية المشهود له بالأمانة. ولا تجوز تولية العاجز عن القيام بشؤون الوقف، وإنما القادر المُؤهَّل للإشراف عليه، والمحافظة على عينه. ولا تجوز تولية الصغير القاصر لعدم قدرته على التمييز، وإنما تجوز تسميته على أن يتولَّى الوقف حين يبلغ سن الرشد3.
إن الأمور التي ورد ذكرها عن الولاية على الوقف، وشروطها، هي ذاتها عند الموحِّدين (الدروز). وفي وقفيّة الأمير السيد عبد الله التنوخي(ق) –وهي أقدم وقفيَّة وصلَتْنا- دليل على معظم ما ورد عن الوقف والولاية عليه، وشروطها، فقد جاء في وَقْفيّته ما يلي:
“أنشأ الواقف- أي الأمير السيد عبد الله (ق)- وقْفَه هذا على نفسه أيام حياته أبداً ما عاش، ودائماً ما بقي، لا يشاركه فيه مشارك، ولا ينازعه فيه منازع، ولا يتأوَّل عليه متأوِّل، ثم من بعده لمن سيذكرهم، وهم حضرة الجناب العالي المولوي الشريفي الزعيمي الأمير سيف الدين أبي بكر، والشيخ الجليل فخر الأفاضل العالم العلاَّمة الشيخ زين الدين جبرائيل من قرية المعاصر، والشيخ الفاضل مولانا العلاَّمة عماد الدين إسماعيل من عين داره، والشيخ الرئيس الجليل الفضيل أَوْحَد المعتبرين وقدوة العارفين شرف الدين عليّ من قرية الفساقين. فجملة السادة المذكورين جعل لهم النظر في أمر وَقْفِه هذا والتكلُّم عليه والإدخال والإخراج فيه ما جعل لنفسه، ثمَّ من بعدهم جعل النظر للأرشد فالأرشد من مشايخ بلاد الغرب لا ينازعهم فيه منازع، ولا يتأوَّل عليهم متأوِّل”4.
إنَّ لِلَفظَتَي “الراشد والأرشد” –وهما من مشتقات لفظة الرشد الذي هو أحد شروط الولاية على الوقف- مدلولاً مختلفاً عند الموحِّدين (الدروز) عن سائر المسلمين، إذ إنَّ الراشد عندهم هو الرجل العاقل البالغ الدَّيِّن، أي هو المُنضمُّ إلى سلك رجال الدين، والمواظب على القيام بالواجبات الدينية مع أخوانه. والمقصود بلفظَتَي “الراشد فالأرشد” من مشايخ بلاد الغرب: البارزون من رجال الدِّين في هذه البلاد.

نهج الأمير السيد
تمشَّى الموحِّدون (الدروز) على نهج الأمير السيد(ق) في تولية البارزين من رجال الدين على الأوقاف، ذلك أنهم في نظرهم هم، على العموم، أجدر من يتحمَّل الأمانة وينفِّذ شروط الواقف. وظلَّ هذا مرعِيّاً حتى أوائل القرن العشرين حيث أخذ رجال الزمن يحلُّون مكان رجال الدِّين في الولاية على الأوقاف. وفي حال عدم وجود المتولِّي، فإن الولاية تعود إلى قاضي المذهب إلى أن صدر قانون المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز عام 1962.
إنَّ بعض متوَلِّي الأوقاف تَجاوزوا شروط الواقف، فباعُوا ورهنوا ما هو محرَّم بيعه ورهنه، وبعضهم وظَّفوا مال الأوقاف في مشاريع أثارت اعتراض رجال الدين كإنشاء عارف النكدي مثلاً، سينما في عاليه، فكان ذلك أحد اعتراضات شيخ العقل محمد أبو شقرا على إدارته للأوقاف. وإن التطور بشكل عامّ وتطوُّر حاجات الدروز بشكل خاص، فرض وضع الأوقاف في وجوه من الخير العامّ لم تكن في زمان الواقف.
كان بعض الناس يتهيَّبون التعاطي في شؤون الوقف بما في ذلك الولاية عليه، ولا يقبلون بها إلاَّ عند الضرورة، أو نزولاً عند طلب الآخرين منهم، وإلحاحهم عليهم، فيما يرى غيرهم ذلك سبيلاً إلى الشهرة والنفوذ ورفعة الشأن، ومنهم من يراه فرصة للاستفادة المادية، وهؤلاء هم الذين أساؤوا الأمانة، وسطَوا على عين الأوقاف وريعها.
إنَّ النظارة العموميّة العليا على الأوقاف هي لشيخ العقل والقاضي، ويتم إشرافهما عليها عبر الوكلاء أو المتولِّين الذين عليهم أن يعودوا إليهما ويقدِّموا كشف حساب، وأن يأخذوا الموافقة على كل إجراء يريدون القيام به كالبيع والشراء والرهن والاستبدال وقد منع القانون الأخير بيع الأوقاف. وظلَّت النظارة العامة على الأوقاف لمشيخة العقل بعد إنشاء المجلس المذهبي، ذلك أنَّ رئيس هذا المجلس هو شيخ العقل الذي من مهامّه الإشراف على عمل لجان المجلس بما في ذلك لجنة الأوقاف ومديرية الأوقاف. وقد بدأ تنظيم الإشراف على الأوقاف منذ سنة 1862، وتَتَالَى لجاناً وهيئات ومجالس ومديرين.

أنواع الوقف
الوقف، بشكل عامّ، أنواع عديدة يختلف بعضها عن بعض بحسب القصد منها، والجهة الموقوفة عليها، ووضعها القانوني، وطبيعتها المادية، ووجوه الانتفاع بها، وأصول التولية عليها، وإدارتها. والأنواع الأساسية للوقف هي، بحسب ما نصَّت عليه المواد: الأولى والثانية والثالثة من قانون الوقف الذُّرِّي الصادر في 10 آذار 1947، ما يلي:
1. الوقف الخيري: وهو ما وقَفَه أصحابه من أملاكهم وأموالهم الخاصة ليُصرف ريعه في وجوه البر والخير والإحسان، كالمساجد والمعابد، والمستشفيات والمعاهد والمدارس ودُور الأيتام والعجزة، والملاجئ والجمعيات. وهذا الوقف بمثابة مُلك لله تعالى من حين إنشائه، لا يُباع ولا يُورث ولا يُوهب ولا يُرهن ولا يُحجز وهذه الامتيازات التي يختصُّ بها تحصّنه ضد مجالات العبث فيه.
2. الوقف الذُّرِّي: وهو ما وقَفَه أصحابه من أملاكهم وأموالهم على ذرِّيّتهم. وهو وقفٌ على الذرِّيَّة، وعلى الغالب على الذكور منهم. وهو لا يصير وقفاً عاماً إلاَّ إذا انقرض المستحقون، وهذا قليلاً ما يحصل. كما أنه، بعكس الوقف الخيري، كان على الصعيد الواقعي معرَّضًا للتصفيات من ذرّيّة الواقف. وقد جاء قانون الوقف الذّرّيّ المشار إليه أعلاه يمنع تأبيده على أكثر من طبقتَين، وأجاز إعادته إلى الواقف وتمليكه وتقسيمه.
3. الوقف المشترك: هو الذي يكون بعضه خيريّاً وبعضه ذرّيّاً، أي إنه وقفٌ مشترك بين الخيري والذرّيّ، تُصرف غلّته على جهة برٍّ محدَّدة كمسجد أو معهد أو ملجأ، وما تبقَّى منها يُصرف للذرّيّة. إنه وقفٌ لم يرد ذكره في كتب الشرع، وتنطبق عليه أحكام قانون الوقف الذرّي.
أمَّا الأوقاف الدرزية، فيمكن تقسيمها إلى قسمين رئيسيَّين، هما الأوقاف الخاصة، والأوقاف العامَّة.
1. الأوقاف الخاصة: ويُقال لها أيضاً الأوقاف الأهليّة، وهي قسمان: الأوقاف الذُّرِّيَّة، والأوقاف العائليَّة.
أ. الأوقاف الذّرّيّة: هي التي يوقفها المرء على ذُرِّيَّته الخاصة من ذكور وإناث، وأقدمُ ما وصل إلينا منها وقفيَّة الشيخ ناصر الدين حمدان المدوَّنة في سنة 1575 5.
ب. الأوقاف العائلية: هي التي يوقفها المرء لصالح عائلة ما بمفهومها الواسع. وهناك نوع جديد من الأوقاف العائليَّة، نشأ مؤخًَّراً،هو بيوت العائلات المخصَّصة للمناسبات العامَّة، وحكمها حكم الأوقاف العامّة، إذ تبقى مخصَّصة لمنفعة أبناء العائلة الذين أُوقِف البيت لمصلحتهم، ولمنفعة ذرياتهم إلى أن يرث الله الأرض وما عليها. وتعود إدارة البيت إلى أشخاص أو لجنة تنفق العائلة عليهم أو عليها، أو إلى جمعية أو رابطة عائلية.
2. الأوقاف العامة: ويُقال لها أيضاً الأوقاف الخيرية، مع العلم أن جميع الأوقاف خيرية. إنها موقوفة للمنفعة العامّة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها. وأنواعها البارزة أربعة، هي:
أ. الأوقاف العامَّة للطائفة الدرزية: إنها جميع الأملاك من العقارات والأبنية الموقوفة لصالح الطائفة الدرزية.
ب. الأوقاف التابعة للمقامات الدينية: وهي متعددة، والأموال التي تدخل في صناديقها هي تبرُّعات ونذورات.

• وقْف مقام النبي أيوب:النبي أيوب(ع) من الأنبياء المكرّمين عند الدروز. أُقيم له مقام على هضبة فوق بلدة نيحا (الشُّوف) متفرِّعة من جبل نيحا. حوله مساحة قليلة من الأرض. وهو ومقام النبي شعيب(ع) في فلسطين، ومقام النبي هابيل(ع) في سورية، أهم مقامات الأنبياء عند الدروز. كان دروز نيحا يتفقون على وكيل عليه، ثم بات هذا الأمر من اختصاص مشيخة العقل.
• وقْف المقام الشريف: ويقع في منطقة “شمليخ” عند بداية الطريق الذاهبة من بلدة العزُّونيَّة إلى بلدة شارون وتُشرف عليه عائلات شارون: الصايغ، والأحمدية، والبنَّا، وقد مُسح باسمها. وهي تنفق ما يتجمَّع في صندوقه من التبرُّعات والنُّذورات على تحسينه وصيانته والإشراف عليه، وعلى المساعدات الاجتماعية لأبناء شارون.
• وقْف الأمير السيد عبد الله: سنتكلم عنه لاحقًا خلال الحديث عن أقدم الأوقاف.
• وقْف الست شعوانة: إنها فتاة مؤمنة، هَرَبَت من والدها الظالم، وعاشت متستِّرة بثياب الرجال مع عُبَّاد منقطعين لعبادة الله. عُرفت حقيقتها بعد موتها، وصار الناس يضعون النُّذورات على حجارة قبرها البسيط في محلَّة “الصّعلوك” في السفح الشرقي لجبل الباروك، إلى الجنوب من بلدة قب الياس. أقام لها الشيخ ملحم قبلان كرامي مقاماً دشَّنه شيخ العقل محمد أبو شقرا في 29 أيلول 1967، واهتمَّ به في البداية الشيخ ملحم مع الشيخ خطار زهر الدين. ثم زِيد البناء، وقدَّم النائب جوزف سكاف قطعة أرض محيطة به، وجرى مؤخَّراً شراء قطعة أرض واسعة بجانبه، وهو اليوم بإشراف لجنة الأوقاف ومديريَّة الأوقاف في المجلس المذهبي.
ج. الأوقاف العامَّة لصالح القرى: وهي ما أُوقف لصالح دروز قرية من القرى المأهولة بالموحِّدين (الدروز)، ومنها مؤخَّراً بيوت القرى المشادة للمناسبات العامّة، وحكمها حكم بيوت العائلات التي جرى الحديث عنها. وأشهر الأوقاف العامة لصالح القرى:
• وقْف الست زهر أبو اللمع (1737- 1813م): هي ابنة الأمير منصور ابن الأمير مراد أبو اللمع. ظلَّت على مذهب التوحيد بعد تنصُّر أقربائها. وقفت كل ما تملكه في صليما والبقاع لعائلتَي المصري وسعيد في صليما. وقد تقاسمت هاتان العائلتان مناصفةً الأملاك الموجودة في صليما بعد زوال الأملاك في البقاع، وشُكّلت لجنة من كلٍّ منهما تضمُّ وجوه العائلة للإشراف على الوقف.
• وقف دروز بلدة المتين ويوجد وثائق تشير انه وقف مسجد المتين: هو من الأملاك التي وقفتها لصالحهم إحدى الأميرات من آل أبو اللمع، فيما وقفت شقيقتها أملاكها، الموازية في مساحتها لما وقفَتْه هي، إلى دير مار مخايل في بنابيل. ووقْف دروز بلدة المتين كان كوقْف صليما من أوسع أوقاف القرى. أُقيم عليه مؤخَّراً بناء “الخلية” المخصَّصة للمآتم، والصالة المخصَّصة للأفراح، ويتبعه عقارات موجودة في الزعرور (محلَّة الحبش).
د. الأوقاف المحدَّدة لغاية معيَّنة، مثل وقْف نبيهة وعبد الله النَّجّار للتعليم العالي.
ه. كما يوجد العديد من الوقوفات على معابد القرى.

مبنى معهد العلوم والتكنولوجيا في عبيه
مبنى معهد العلوم والتكنولوجيا في عبيه

أقدم الأوقاف العامة (وقْف الأمير السيد عبد الله)
الأمير جمال الدين عبد الله، الملقَّب بالأمير السيد (ق) ،هو من الأمراء البحتريين التنوخيين، المتسلسل في نسبه “إلى الأمير جمال الدين حجى ابن أمير الغرب التنوخي الجميهري اللخمي” حسبما جاء في وصيته. وهو أهمّ علماء وأولياء ورؤساء الموحِّدين (الدروز) الروحيِّين. وقد وقف ما يملكه بوصية أو وقْفيَّة، مؤرَّخة في 21 جمادى الآخرة من سنة 820 هـ (5 آب 1417م) مصدَّقة بحضوره من قاضي الشّرع في دمشق في 6 صفر 822 هـ (4 آذار 1419م) ومن قاضي الشرع في بيروت في شهر شوال 822 هـ (تشرين الأول 1419م)6.
وقَفَ الأمير السيد (ق) ما عنده من أبنية في بلدته عبيه، وهي الحارة تحت العين والمساكن، والحارة الكبيرة الفوقا، وأملاكه البعلية، والمروية، والمشجَّرة، وهي في مدينة “بيروت المحروسة”، ومزرعة خلدة، وعرمون، ومنطقة اليهودية التابعة حاليّاً لبشامون، وعبيه، وعين درافيل، والبون (المشرف حاليّاً)، وجسر القاضي، وبعورته، ورمطون، وكفر زبيد.
وخصّص الأمير السيد ما ورد ذكره من أوقاف إلى “الفقراء والمساكين والأرامل المنقطعين من المسلمين أهل الصلاح والعفَّة والدين، من أهالي قرايا بلاد الغرب”. أمَّا وجوه الإنفاق، فهي إطعام طعام، وتفريق خبز، وفكّ أسير، وخلاص مسجون، وعمارة سبيل، والقيام بمصالح الجوامع في بلاد الغرب، والإنفاق على الفقهاء وعلى الكتَّاب الذين “يعلِّمون الكتاب والسُّنَّة وتلاوة القرآن”. ثم خصَّ الأمير السيد في وصيَّة خاصَّة أشخاصاً محدَّدين بصدقات من ماله ومقتنياته وغلال أملاكه.
سمَّى الأمير السيد أربعة نظَّار على وقْفه، وقد تَوالى النظَّار على وقْف الأمير السيد وفْق شروطه فكانوا من الأرشد من بلاد الغرب، وحافظ الأوائل منهم على الوقف لكن من خلفوهم تهاونوا في ذلك أو عجزوا عنه، وربما امتدَّت أيادي بعضهم إليه، كما امتدَّت إليه أيادي الأمراء الشهابيِّين. وهذا موجز عنه أورده متسلِّمه عارف النكدي في مجلة الضحى:
“الوقف الذي وقفه سيدنا الأمير استولى عليه الشهابيون في جملة ما استولوا عليه من أملاك التنوخيين، أمَّا ما تسلَّمناه نحن فليس فيه شيء من الوقف الأصلي، وإنما هو يتألف:
أ. من مجموعة قطع متفرِّقة أوصى بها بعض المحسنين.
ب. مما اشتراه جدُّنا سليم بك في ولايته الطويلة على الوقف ، ومن قطعتين اشتراهما بعده جدّنا سعيد بك.
ج. مما بيَّنَّاه نحن واشتريناه بإسم هذا الوقف”7.
وفي مكان آخر يقول عارف النكدي ما يلي: “الوقف التنوخي، بالتسمية التي أطلقناها عليه مؤخَّراً، أو “وقف السيد” كما كان معروفاً من قبل، وقفٌ أنشأه الأمير السيد ونُسب إليه”. ثم يعيد النكدي ما ذكره عن استيلاء الشهابيين على هذا الوقف وعلى أملاك التنوخيين، ويضيف قائلاً: “ثم عاد بعض المحسنين، من الفقراء الأتقياء، فأوصَوا لمقام الأمير السيد، بقطع من الأرض، كانت غلَّتها، مع ما يجتمع إليه من النُّذور، تقوم على ضآلتها بنفقات المقام”8.
وفي رأينا أن عارف النكدي قلَّل من أملاك الوقف التنوخي عند إنشائه، وقلَّل منها بعد ذلك ، كما يبدو من وقوعات المجلس المذهبي المنشأ في سنة 1962.

أكبر الأوقاف العامَّة (وقْف الشيخ أحمد أمين الدين)
كان الشيخ أحمد أمين الدين (…- 1809) شيخ عقل الموحِّدين (الدروز)، وهو يعود في النسب إلى الشيخ بدر الدين حسن العنداري، شيخ مشايخ الدروز زمن الأمير فخر الدين المعني الثاني. وقد تميَّز بالتقوى وإشاعة الخير والوفاق بين الناس، ولقَّبه الأمير بشير الشهابي الثاني بـ”الشيخ الرضي”. كانت أملاكه منتشرة في تسع قرى، وقد وقَفَها كلها مع سائر ما يملك للخير العام في وصيته (وقْفيّته) المؤرَّخة في العشر الأخير من رجب سنة 1218 هـ (تشرين الأول 1803م). وجاء في هذه الوقفية أنّ ما وقَفَه هو “وقْف مؤبَّد كلما مرَّ عليه زمان أكَّده، وكلما أتى عليه عصر ثبَّته، لا يغيِّره مرور الأيام والشهور، ولا الأعوام والدهور”.
وقفَ الشيخ أحمد أمين الدين حارته (بيته) “وقفاً مثبَّتاً لأهل الخير، مستمرًّا جريانه كما هو في وجوده إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، منهلاً إلى كل من يلفي إليها من أجاويد [رجال الدين] عبيه وغيرها، غريباً أم قريباً”، على أن يكون ما فيها وقف يتبع المجلس. ووقَفَ لحارته وللمجلس وللخلوة غلالَ عقارات كثيرة، ووزَّع ماله وأملاكه وغلالها بشكل لم يسبقه أو يعقبه مثيل، إذ شكَّلت خيراً عاماً مستداماً، ولا تزال، لجميع الموحِّدين (الدروز)، وشملت حسناته ما يلي:
• القرى: عبيه- البنّيه- عين عنوب- عاليه- بعذران- الرملية- بشامون- كفرمتى- بعورته. وهي القرى التي كانت توجد أملاك الشيخ أحمد فيها.
• الخلوات: 27 خلوة.
• المجالس: 42 مجلساً.
• المقامات: (مقامان).
• مجموعات الإخوان، أي أخوان الشيخ أحمد أمين الدين من رجال الدين: 42 مجموعة.
• الأشخاص: 144 شخصاً.
سمّى الشيخ أحمد أمين الدين الوكلاء على الحارة والمجلس والخلوة والأملاك وجعل الوكلاء من نخبة رجال الدين، وأوصى أن يكون نظر الشيخ بشير جنبلاط على الوكلاء للذبِّ عنهم. فالولاية على الوقف لا ينهض بها إلاَّ القوي الأمين، وهذا بدوره يحتاج إلى نظر مقاطعجي المنطقة أو أهم مقاطعجيّي الدروز، الذي كان في زمن الشيخ أحمد قريبه الشيخ بشير جنبلاط، وهو الزمن الذي كثرت فيه مصادرة الأمراء الشهابيين لأملاك الدروز لأسباب مختلفة.
ومن المعروف أن بناء مدرسة الداودية الأساسي التي عرفت في ما بعد بـمدرسة الحكمة تمّ بناؤه من أموال وقف الشيخ أحمد أمين الدين، وضُمّت إليها أراض سجلت بإسم وقف المدرسة الداودية. كما يوجد في بلدة عبيه مقام وخلوة الشيخ أحمد أمين الدين، أما أراضي بلدة البنية فقد مُسحت في عهدة لجنة الأوقاف الحالية مشيرة إلى وصية الشيخ أحمد أمين الدين.

أوقاف خلوات البيَّاضة
تقع خلوات البيَّاضة في خراج بلدة حاصبيا، وإلى الجنوب منها، وإسمها مشتق من بياض عمائم الشيوخ الكثيرين الذين يقيمون فيها. تعود نشأتها إلى أواسط القرن الثامن عشر حين أسَّس الشيخ سيف الدين شعيب أوّل خلوة لتدريس المريدين الذين يرغبون بالإنضمام إلى سلْك رجال الدين. وقد اختار مكان الخلوة على سفح إحدى التلال البعيدة نسبيّاً عن حاصبيَّا، ليتاح له التعبُّد وتعليم المريدين بعيداً عن ضوضاء الناس، وفي أجواء السكون والهدوء. ومع الزمن صارت الخلوة خلوات، وغدت منذ أواسط القرن التاسع عشر “أشهر أماكن الدروز المقدَّسة” حسبما قال عنها الرحَّالة الأوروبي إدوار روبنصون9. وغدا عددها مؤخَّراً 52 خلوة، ذات بناء متواضع جدّاً، موزَّعة على الشكل التالي: 31 خلوة بأسماء الأشخاص المتبرِّعين بالبناء، 11 خلوة بأسماء العائلات، 3 خلوات بأسماء القرى، 7 خلوات بأسماء مناطق لبنانية وسورية وفلسطينية.
أُوقِفَت لخلوات البيَّاضة العقارات التي كثر عددها مع الزمن حتى بلغت 278 عقاراً، أكثرها ريعاً تلك التي أوقفها الشيخ أمين شمس وزوجته الست نايفة جنبلاط، ابنة الشيخ بشير جنبلاط، التي لها خلوة بإسمها. وهذه العقارات تغطِّي قسماً قليلاً من النفقات فيما تغطِّي القسمَ الأكبرَ منها نذوراتُ المؤمنين، وتبرُّعاتهم المدرجة في وصاياهم.
تَوالَى على إدارة الشؤون الدينية للخلوات سُوَّاس عديدون، وتَولَّى شيخ مسؤول الإدارة العملية الممثَّلة باستقبال الضيوف والمريدين والاهتمام بشؤونهم وإدارة الأملاك والتصرُّف بالموجودات. وتمثَّلَت الإدارة الدينية خلال عقود عدَّة بشيخ واحد، لكنها حاليّاً ممثَّلة بهيئة دينية 10 وقد استطاعت هذه الإدارة، بوحدانيتها أو بتعدديتها، تجديد نفسها بناءً على الأعراف والتقاليد، والكفاءة، وبطريقة تحفظ التوازن المطلوب.
مما ورد ذكره يظهر أنّ لخلوات البيَّاضة خصوصيَّة معيَّنة جعلَتْها تتميَّز عن سائر أماكن العبادة عند الموحِّدين (الدروز)، لذا استُثْنِيَت أوقافها من إشراف المجلس المذهبي المنشأ بموجب القانون الصادر في 13 تموز 1962، وأُبقيت بيد شيوخها، ثم استُثنِيَت في جميع مشاريع القوانين المطروحة لإنشاء المجلس المذهبي ولانتخاب شيخ العقل.
ثم استُثنِيَت أوقاف خلوات البيَّاضة في جميع مشاريع القوانين المطروحة لإنشاء المجلس المذهبي ولانتخاب شيخ العقل. واستُثنِيَت من إشراف اللجنة المعيَّنة من مقام مشيخة العقل بتاريخ 17 آب 1999، ومن إشراف مجلس أمناء الأوقاف المنشأ بموجب القانون الصادر في 18/12/1999. كما استُثنِيَت أخيراً من إشراف المجلس المذهبي ومشيخة العقل في قانون تنظيم شؤون طائفة الموحِّدين الدروز، الصادر بتاريخ 9/6/2006 ثم استُثنِيَت أوقاف خلوات البيَّاضة في جميع مشاريع القوانين المطروحة لإنشاء المجلس المذهبي ولانتخاب شيخ العقل، واستُثنِيَت من إشراف اللجنة المعيَّنة من مقام مشيخة العقل بتاريخ 17 آب 1999، ومن إشراف مجلس أمناء الأوقاف المنشأ بموجب القانون الصادر في 18/12/1999. كما استُثنِيَت أخيراً من إشراف المجلس المذهبي ومشيخة العقل في قانون تنظيم شؤون طائفة الموحِّدين الدروز، الصادر بتاريخ 9/6/2006.
الأوقاف الدرزية في بيروت
الأوقاف الدرزية في بيروت هي 11 عقاراً، مجموع مساحاتها 41.657 متر مربّع، منها عقار جعل مجلساً لدروز جبل لبنان بعد الحوادث الطائفيّة التي جرَت في سنة 1860، وهو معروف بإسم “مجلس القنطاري”. أصغر هذه العقارات عقاران، مساحة الأول 29 متراً مربّعاً، والثاني 32 متراً مربّعاً. وأكبرها عقار بقي من مساحته، التي كانت كبيرة، 36426 متراً مربَّعاً، الواقع في محلَّة “المصيطبة” رقمه 2046، وهو معروف بعدَّة أسماء هي: مقبرة الدروز، وتربة الدروز، وتلّة الدروز، ودار الطائفة الدرزية. والإسم الأخير هو المتداول حين اكتمل بناء دار الطائفة، ودُشِّن في سنة 1965، وصار مقرّاً لمشيخة العقل والمجلس المذهبي وبعض الهيئات، ومكاناً للإستقبالات والاجتماعات.
وبالرغم من صغر مساحة “تربة الدروز”، فإنها تستأهل بحثاً خاصاً يتناول كيفيّة نشوئها، والنزاعات حولها، ورمزيتها، وأهمية عقارها الذي هو اليوم أفضل العقارات في مجال الاستثمار، إضافة إلى أهمية دار الطائفة التي قامت على هذا العقار.
يلي هذا العقار عدة عقارات تعرف بإسم المدرسة المعنية مساحتها حوالي 5000 متر مربع.

إدارة الأوقاف العامَّة
الأوقاف العامّة شأن مهمّ من شؤون الموحِّدين (الدروز)، جرى الإشراف عليها بحسب الأعراف والتقاليد، كما بدأ تنظيمها منذ سنة 1862 بشكل مستقل أحياناً عن سائر الشؤون، وأحياناً أخرى في إطار تنظيم مشيخة العقل والمجلس المذهبي حيث وُضعت بإشرافهما. لقد كانت الأوقاف أحد عناوين الصراع في الأوساط الدرزية، كما كانت في الوقت نفسه أحد أسلحة هذا الصراع. ويمكن تلخيص أبرز الخطوات التنظيمية لها بما يلي:
• نظام داود باشا الموضوع في سنة 1862، وهو يتضمَّن اثني عشر بنداً تنصُّ على تغطية نفقات المدرسة الداودية، المنشأة في السنة نفسها، من إيرادات الأوقاف العمومية، وخاصة وقف الشيخ أحمد أمين الدين كما ذكرنا، باستثناء أوقاف المعابد.
• نظام رستم باشا الموضوع في سنة 1880، والمتضمِّن 37 مادة. وقد حلَّ مكان نظام داود باشا، الذي لم يفضِ إلى تسيير المدرسة الداودية والإشراف على أوقافها كما يجب.
• محاولة إنشاء مجلس ملّيّ في سنة 1921 للاهتمام بشؤون المدرسة الداودية وأوقافها، وذلك بعد تعثُّر المدرسة وإقفالها لسنوات كثيرة جرَّاء عجز ريع الأوقاف المخصَّصة لها عن تغطية نفقاتها، ومردّ ذلك إلى سوء إدارتها والإشراف عليها.
• تولّي عارف النكدي الوقف التنوخي في سنة 1921، وتوليته في سنة 1931 على الأوقّاف العامة من قبل شيخي العقل حسين حماده وحسين طليع، وقاضي المذهب الدرزي ملحم حمدان.
• إنشاء المجلس المذهبي في سنة 1962، برئاسة شيخ العقل، بموجب القانون الصادر في 13 تموز 1962، ومن صلاحياته الإشراف على الأوقاف باستثناء أوقاف خلوات البيَّاضة، وهو يتضمَّن لجنة للأوقاف ومديراً عاماً لهذه الأوقاف، لكن هذا المجلس الذي كان مطلباً لعارف النكدي من أجل إراحته من مهمّة الولاية على الأوقاف، دخل مع النكدي نفسه في نزاع حول إدارة الأوقاف وحول ملكيّة بعضها.
• إدارة خالد جنبلاط للأوقاف لسنتين زمن عمل المجلس المذهبي، بعد المُديرَين محمود أبو خزام ومحمود خليل صعب، واستمراره في إدارتها، بعد انحلال المجلس المذهبي في سنة 1970، حتى وفاته في سنة 1992. ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو إنشاؤه قبل وفاته بخمسة أيام لجنة لتدير الأوقاف من بعده، لكن هذه اللجنة لم تمارس عملها بسبب المعارضة لإنشائها.
• اللجنة المؤقَّتة المشكَّلة في سنة 1994 بقرار من محكمة بيروت المذهبية، للحلول مكان دائرة الأوقاف التي كان يرأسها سلمان عبد الخالق، بعد حصول النزاع بينه وبين القائم مقام شيخ العقل الشيخ بهجت غيث.
• إدارة سلمان عبد الخالق للأوقاف بعد وفاة خالد جنبلاط، بصفته أكبر موظَّف في دائرة الأوقاف، واستمراره في ذلك حتى سنة 1994، ثم إدارته لها من سنة 1995 إلى سنة 1999 بصفته مكلَّفاً من رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري بتسيير شؤون مشيخة العقل والأوقاف، وذلك بعد عزل الحريري القائم مقام شيخ العقل الشيخ بهجت غيث عن تسلُّم هذَين الشأنين بموجب القرار الرقم 69/95 بتاريخ 25/10/1995. واستمر بإدارة العديد من أوقاف قضاء عاليه حتى انتخاب المجلس المذهبي عام 2006.
• اللجنة المؤقَّتة المشكَّلة في سنة 1999 بقرار من الشيخ بهجت غيث.
• مجلس أمناء الأوقاف المنشأ في سنة 1999 بموجب المرسوم الرقم 1767 بتاريخ 25/10/1999 بناءً على القانون الرقم 127.
• لجنة الأوقاف ومديريّة الأوقاف المشكَّلتان بموجب قانون تنظيم شؤون طائفة الموحِّدين (الدروز) الصادر في 9/6/2006. وقد تسلَّمَت الأكثرية الساحقة من الأوقاف التي يجب أن تكون بإشرافها.
ومما يجدر ذكره هنا هو أنَّ بعض هيئات الإشراف على الأوقاف هي من نتائج انقسام الدروز حول تنظيم شؤونهم وإدارتها، وأفضل مثال يُعطَى عن ذلك هو إنشاء الإدارة المزدوجة للأوقاف في سنة 1999، والممثَّلة باللجنة المؤقَّتة وبمجلس أمناء الأوقاف. وقد أضاع انقسام الدروز حول تنظيم شؤونهم ومنها الأوقاف الكثير من الفوائد، وكانت خسائرهم تلك كخسائرهم من عدم تنظيم شؤونهم، وخسائرهم من غياب الإشراف الفعَّال على أوقافهم الذي أضاع عليهم بعض مساحاتها وبعض إيراداتها.

أحراج-جسر-القاضي-جزء-من-الإرث-الغني-للأوقاف-الدرزية1
أحراج-جسر-القاضي-جزء-من-الإرث-الغني-للأوقاف-الدرزية1

إحصاء الأوقاف العامَّة
إحصاء الأوقاف حتى سنة 2006: إنَّ أولى المقاربات لعدد عقارات الأوقاف العامّة حصلَت من خلال مقاربة عدد القرى التي توجد فيها، وجاءت في دفاتر ناظر أوقاف المدرسة الداودية: ملحم تقي الدين، ثم في بيانات متولِّي الأوقاف العامة: عارف النكدي.
وعندما تسلَّم الشيخ محمد أبو شقرا مشيخة العقل في صيف 1949 كلَّف المسؤول عن مكتب مشيخة العقل، الشيخ أبو علي سليمان تاج الدين، بتفقُّد المعابد والأوقاف في القرى لجمع المعلومات عنها، وعمَّم بياناً بتسهيل مهمته التي تنحصر بالإطِّلاع والدرس والإحصاء فقط. وأرسل ونظيره الشيخ محمد عبد الصمد رسالة بتاريخ 19/11/1951 إلى قاضي المذهب، الشيخ علي زاكي، يطلبان فيها إحصاء الأوقاف في قضاء راشيَّا وضبطها، وتسليمها لمن يرى أنهم من أهل الأمانة والاستحقاق، بعد أن كثرت الشكاوى الواردة إليهما من قضاء راشيَّا عن الأوقاف11.
وبدأت مجلة “الضحى” بدءاً بعدد تموز 1970، وبتوجيه من الشيخ محمد أبو شقرا، نشر بعض أرقام عقارات الأوقاف الدرزية، في ضوء المعلومات المتوافرة عنها، إضافة إلى ما جرى نشره قبل ذلك وبعده من أرقام عقارات متنازع عليها بين المجلس المذهبي وعارف النكدي.
بعد تكليفها في آب 1999، قامت اللجنة المؤقَّتة للإشراف على الأوقاف بإحصاء سريع لها، أوردتْه في كتيِّب صدر عنها في سنة 2000، وأعادت طبعه في سنة 2005 بعد إضافة عقارات ومعلومات جديدة، وهو يتضمَّن أرقام العقارات وأماكنها، موزَّعة بحسب القرى والمحافظات المأهولة بالموحِّدين (الدروز) كما يتضمَّن جدولاً عاماً بها، وقد بلغ عددها 940 عقاراً، وهو دون العدد الحقيقي.
إحصاء الأوقاف في سنة 2015: أجرت لجنة الأوقاف في المجلس المذهبي، المنتخب بموجب قانون سنة 2006، إحصاءً لعقارات الأوقاف نشرتْه في كتاب بعنوان “أوقاف الموحِّدين الدروز. واقع وحقيقة 2015”. وقد بلغ عدد العقارات في المحفظة الوقفيّة، باستثناء عقارات أوقاف خلوات البيَّاضة وعقارات قليلة لأوقاف غيرها، 1173 عقاراً، موزَّعة على الأقضية والقرى، مع ذكر أرقام العقارات، ومساحة معظمها، الحقيقية أو التقريبية، ومشتملاتها، وإيجاراتها، ونوع استثمارها، والإشكاليَّات حولها، كالنزاعات والدعاوى مثلاً، وذلك بناءً على الواقع وعلى القيود الرسمية والأوراق الثبوتيّة.
إنَّ الإحصاء المذكور هو أيضاً إحصاء غير نهائي، بدليل القول في نهاية كتاب “أوقاف الموحِّدين الدروز”: إنه إحصاء أوَّلي. وهو يشتمل على نوعين من الأوقاف، أولهما أوقاف القرى والعائلات والمعابد والمزارات والمجالس، وعددها 796 عقاراً موجوداً في 73 بلدة وقرية من البلدات والقرى المأهولة بالموحِّدين (الدروز)، وللجنة الأوقاف ومديريّة الأوقاف الإشراف عليها فقط، وثانيهما أوقاف بإدارة لجنة الأوقاف ومديرية الأوقاف ، وعددها 377 عقاراً موجوداً في مدينة بيروت وعشر بلدات فقط، بحسب ما يظهر في الجدول التالي12:

يتبيَّن من الجدول المذكور، الذي يضيء على ثروة الأوقاف وأماكنها، أنّ بلدة البنّيه هي الأولى بعدد عقارات الأوقاف وبمساحاتها، تليها بالعدد والمساحة بلدة عبيه، وتليهما بالمساحة بلدة كفرمتى فبلدة بعورته، والسبب عائد إلى أنَّ الأملاك التي أوقفها الأمير السيد (ق)، المعروفة بالوقف التنوخي، والأملاك التي أوقفها الشيخ أحمد أمين الدين، والمعروفة بوقف المدرسة الداودية، موجودة بأكثريّتها الساحقة في البلدات المذكورة، كما سيتبيَّن لنا من خلال الحديث عن ثروة الأوقاف أنّ ثروة عقارات بيروت هي الأكبر.

ثروة الأوقاف
إن ثروة الأوقاف تختلف من زمن إلى آخر باختلاف الأسعار، واختلاف طرق الاستثمار، وهي لا تتعلَّق بأعداد العقارات وبمساحاتها بقدر ما تتعلَّق بمواقعها، وبمشتملاتها وخصوصاً الأبنية، وبإيرادات إيجارها واستثمارها التي تختلف بين عقود قديمة وعقود جديدة، وبين عقود قصيرة الأمد وعقود طويلة الأمد، كما تتعلَّق بنوع الاستثمار فيها وبوجوهه التي تختلف من سكنية إلى تجارية إلى صناعية إلى زراعية، فريع الأوقاف التي كانت تُستثمر في الزراعة سابقاً هو أفضل بكثير من استثمارها في هذا القطاع حاليّاً، وهي –أي ثروة الأوقاف- تتعلَّق أخيراً بضبط الموارد وعدم التطاول عليها.
جاء في دراسة عن أوقاف المدرسة الداودية، بناءً على دفاتر المحاسبة بين سنتَي 1873 و1889 “أنه يتبيَّن أنّ الأموال الأميرية المدفوعة عن أملاك هذه الأوقاف، كانت قيمتها من حيث المساحة الإنتاجية التقديرية تقارب دراهم أراضي وأملاك البطريركية المارونية خلال فترة عهد المتصرفية والبالغة حوالي 209 دراهم و17 قيراطاً وحبتين، وقد فاقتها في سنة 1880 بحوالي 10 دراهم و16 قيراطاً و8 حبَّات، فوصلت –أي دراهم إنتاج الأراضي الزراعية والمغالق التابعة لأوقاف المدرسة الداودية- إلى 220 درهماً و9 قراريط و10 حبَّات”13.
كان هذا التقدير في زمن انتعاش المدرسة الداودية، وفي زمن استغلال الأوقاف المخصَّصة لها في وجوه الزراعة، وفي زمن كانت فيه المغالق تدرُّ الأرباح، وقد تغيَّر هذا الوضع مع ضعف مردود القطاع الزراعي منذ عهد الانتداب، وانتعاش القطاعين: الصناعي والتجاري، ومع نزوح السكان من الأرياف إلى المدن واشتداد الهجرة إلى الخارج.
ظهر الدروز منذ أواخر القرن التاسع عشر أقل وقفاً من مُساكنيهم المسيحيين في جبل لبنان. فقد كانت أوقاف المسيحيين 25% من مساحة الجبل في أوائل الربع الأوَّل من القرن العشرين14، وبلغت نسبة أوقافهم 26% من مساحة لبنان. فأين هي مساحة أوقاف الدروز من المساحة المذكورة، وممَّ كانوا يملكون؟ إنها لا تبلغ مساحة أوقاف بضعة أديرة من أديرة الرهبانيات المارونية التي بلغت في أواسط القرن التاسع عشر 80 ديراً تمتلك في الفترة نفسها ربع مساحة جبل لبنان بحسب تقدير مبالغ فيه بعض الشيء فيما كانت لا تمتلك شيئاً عند تأسيسها في سنة 1700 15، مع العلم أن نشأة الأوقاف الدرزية تعود إلى ما قبل ذلك بكثير.
وإذا انتقلنا من الزمن الذي غابت فيه الإحصاءات الدقيقة والشاملة لعقارات الأوقاف والبيانات الصحيحة عن المداخيل والمصاريف، وصعُب فيه تقدير الثروة الواقعية والريع الحقيقي، إلى زمننا اليوم حيث أظهر الإحصاء الدقيق الذي أجرته لجنة الأوقاف مؤخَّراً عدد العقارات، وأظهرت البيانات المالية ريع الأوقاف، تتبيَّن لنا ثروة الأوقاف الحقيقية والواقعية، كما يتبيَّن لنا أن الدروز حاليًّا هم أيًًا أقلُّ الطوائف الدينية الرئيسة في ملكيّة الأوقاف وأقلُّها استفادةً منها.
إن عدد أوقاف القرى والعائلات والمقامات والمزارات والخلوات والمجالس هو 796 عقاراً، إيراداتها_ باستثناء القليل منها كالمقامات الشهيرة ومنها مقام النبي أيوب مثلاً_ هي إمَّا معدومة، وإمَّا قليلة بالنسبة إلى مساحتها، إذ من العقارات ما هو مدفن عام، أو خلوة، أو مجلس، أو بناء صغير جدّاً، أو بيت خرب، أو بركة ماء جمع، أو شجرة جوز، أو شجرة زيتون، أو شجرة تين، أو بضعة أغراس من الكرمة، إضافة إلى أن هذه العقارات موجودة في المناطق الجبلية، ومستثمرة في الزراعة، أو هي أراضٍ بُور وسليخ كالعقارات الثلاثة الموجودة في بلدة المتين، والتي هي أكبر عقارات أوقاف القرى، وأكبرها مساحته 55080 متراً مربَّعاً وهو مستَغلٌّ في الزراعة، وثانيها مساحته 53280 متراً مربَّعاً وهو أرض سليخ وبُور، وثالثها مساحته 44680 متراً مربَّعاً، وهو مستغَلٌّ في الزراعة.

عقارات بيروت
إن ثروة الأوقاف، المعوَّل عليها، هي الثروة الكامنة حاليّاً في الأوقاف المستثمرة أو التي معظمها قابل للاستثمار في الوجوه السكنيّة والتجاريّة. وتأتي عقارات مدينة بيروت القليلة العدد والصغيرة المساحة، في المرتبة الأولى ثمناً واستثماراً، وأوّلها العقار الرقم 2046 المعروف حالياً بدار الطائفة الدرزية، إذ تبلغ مساحته 36426 متراً مربَّعاً، وهو يقوم في وسط المدينة، وعلى تخوم منطقة فردان المصنَّفة حاليًّا أفضل المناطق التجارية في لبنان. إنَّ جزءاً صغيراً من هذا العقار أفضل في الوقت الحاضر وأجدى –من حيث الريع_من عقارٍ في كفرمتَّى مساحته 170000 متر مربَّع، هو قطعة أرض سليخ مشجَّرة صنوبراً وأشجاراً برِّيَّة، ضمنها أتونان، ومردودها السنوي الذي هو خمسة ملايين ليرة أقلُّ بكثير من إيجار شهر لمحلٍّ من محالّ العقار الرقم 2046، الواقعة على الشارع العامّ في الاستثمار الجديد.
وإن مجمل الإيرادات المتوقَّعة في ميزانيّة أملاك أوقاف بلدة البنَّيه، التي هي أكبر العقارات المستثمرة (729396 متراً مربَّعاً تقريباً) “تقارب خمسة وستين مليون ليرة سنويّاً”16 وهذا المبلغ يوازي فقط جزءاً قليلاً لا يُذكر من إيراد العقار الرقم 2046 المارّ ذكره بعد تطويره.
لم يبقَ من إيرادات الأوقاف المتواضعة، الواردة في جداول لجنة الأوقاف حتى سنة 2015، سوى نصف مليار ليرة هي مال احتياط غير تشغيلي، مودع في المصارف كأمانة. وبناءً على ذلك، وعلى ما ورد ذكره سابقاً، تظهر ثروة الأوقاف مختلفةً عن صورتها المزعومة عن جهلٍ أو عن تغرّض ضد متسلّميها، أو صورتها البرَّاقة المرسومة في أذهان الموحِّدين (الدروز) التي تظهرها غنيَّة.

المدينة أو البلدة عدد العقارات مساحة العقارات
(بالمتر المربع)

مساحة العقارات
(بالمتر المربع)
عدد العقارات المدينة أو البلدة
41657  11 بيروت
 53787 42 عاليه
 26936 14 الشويفات
 223535  14 بعورته
 363695  62 عبيه
348880 26 كفرمتى
 729396  164 البنّيه
230  1 عيناب
 78351 23 العبادية
222219 19 حاصبيّا
34896  1 راشيا الوادي
 2123582 مترا مربَّعًا 377 عقارًا المجموع

الواقع
مرَّت أوقاف الموحِّدين (الدروز) في مراحل جرَى التقيُّد خلالها بشروط الواقف من حيث التَّوليَة ووجوه الانتفاع، وبالأعراف والتقاليد، وقُيِّض لها مَن أَحسَن الإشراف عليها، وضبَط وارداتها وثمَّرَها، وحافظ على عينها، ومنع التعدِّي عليها، وحصَّل حقوقها. ومقابل ذلك مرَّت منذ القرن التاسع عشر في مراحل عدّة من الفوضى والتسيُّب والإهمال، مما أدَّى إلى هدْر ريعها والتطاول عليها وضياع فرص استثمارها وتحقيق الفوائد المرجوَّة منها، وكانت غالبًا في عهدة مسؤولين ضعفاء لم يستطيعوا الحفاظ عليها وضبْط وارداتها، أو مسؤولين أدخلوها في إطار المحسوبيّات والمحاصصات، أو مسؤولين غير محصَّنين في غياب الرقابة والمحاسبة فغلبت عندهم الأطماع والمصالح الشخصية على المصالح العامَّة، وتعدَّوا على عين الوقف وريعه، وضربوا بعُرض الحائط ما له من قداسة.
ودخلت الأوقاف منذ سنة 1962 مرحلة التنظيم القانوني، وآخرها قانون تنظيم شؤون طائفة الموحِّدين الدروز، الصادر في سنة 2006، وجرى إحصاؤها، وتسلَّم أكثرها، ووُضعت بإدارة لجنة الأوقاف وتحت إشراف المجلس المذهبي الذي يرأسه شيخ العقل، والذي يضمُّ قادة الدروز. لذا يمكن القول إنها دخلت مرحلة التنظيم المؤسَّساتي، ومرحلة الضمانة الأكيدة والموثوقة، التي يؤمّل فيها حُسن الإشراف وحسن الاستغلال، ومرحلة إيجاد الثقة الكاملة، وتوطيدها بين المسؤولين عن الأوقاف وجمهور الموحِّدين الدروز، بحيث تنتهي الإشكاليات والشكوك والشكاوى التي لطالما كثرت حول الأوقاف، وخصوصاً أنّ قانون 2006، وبعكس القوانين السابقة التي تناولت شؤون الموحِّدين (الدروز)، منَع بيع أو شراء أو رهن جميع أو بعض الأوقاف، وأخضَع الاستبدال والإيجار والاستثمار لموافقة المجلس المذهبي، وبشروط معيَّنة. وقد شاء واضِعُو قانون 2006 ذلك ليدحضوا اتهامات معارضيهم، وليزيلوا الشكوك، وليطمئنوا جميع الدروز إلى وضع أوقافهم من سنة 2006 وصاعداً.
جاء في رسالة سماحة شيخ عقل طائفة الموحِّدين الدروز الشيخ نعيم حسن، الواردة في أوَّل كتاب “أوقاف الموحِّدين الدروز. واقع وحقيقة 2015” الصادر عن لجنة الأوقاف برئاسة القاضي عباس الحلبي ما يلي: “نحن بدورنا نستطلع المؤشِّرات التي يمكن استخلاصها بعد مراجعة مضامين الكتاب لنقف بموضوعيّة وواقعيَّة على مآلات هذا المسار، أعني تقييم القدر الصحيح لقدرتنا على التأسيس القانوني السليم لكل نشاط وقفي بهدف العبور من مرحلة “المشاع” المجهول إلى مرحلة البناء في ضوء النهار التي من شأنها إدخال كل ما هو موقوف لدى الطائفة للخير العامّ إلى حيِّز الإنتاجيّة الكبرى التي تعود ثمارها بالنفع على كل مستحقٍّ وفق الأصول”.

المرتجى
لقد أظهرَت الإحصاءات بأرقامها الدقيقة أنَّ الأمر لا يتعلَّق فقط بريع الأوقاف، ولا بتحسينه من خلال حسن إدارتها وتثميرها، بل يتعلَّق أيضاً بحجم عينها ونوعها، وبعدد عقاراتها ومواقعها، وهذا ما يضع الدروز أمام التحدِّيَين التاليَيْن: زيادة العين وزيادة الريع. لقد استغلَّ الدروز مجموعةً من الأوقاف الخيريّة العامّة هي جزء قليل مما كانوا يملكون، فما هو المرتجى منهم في ظلِّ واقعهم وواقع الأوقاف اليوم؟ وهل يستطيعون زيادة عينها من القليل الذي بقي لهم بعد أن فرَّطُوا بالممتلكات الكثيرة ساحلاً وجبلاً، وغَدَوا أقلَّ الطوائف الدينية الرئيسة وقْفاً، وبعد أن تجزَّأ ما تبقى من ملكيات مقاطعجيهم الكبيرة عبر الأجيال المتعاقبة؟! ومما لا شك فيه أنه يبقى هناك مجال لزيادة ملكيات الأوقاف، ومجال أوسع في تقديم الخدمات التي تقوم بها ، وفي التخفيف عن كاهلها بعض الأعباء.
من الأمثلة البارزة على المساهمة في زيادة عين الأوقاف تبرُّع الزعيم وليد جنبلاط بمبلغ ثمانمائة ألف دولار أميركي، وجمعية التضامن الخيري الدرزي في بيروت بمبلغ مائتي ألف دولار، للمساهمة مع المجلس المذهبي في شراء العقار الرقم (18) في منطقة “المصيطبة” لإنشاء المركز المخصَّص لإقامة الطالبات الجامعيَّات الدرزيّات، كذلك تبرع وليد بك جنبلاط بأرض في مدينة الشويفات أنشأت عليها “جمعية الغد للتنمية والإسكان” المنبثقة عن المجلس المذهبي أربعة أبنية سكنية تحتوي على أربع وستين شقة سكنية وبدأت عملية تسويق وحداتها بطريقة التقسيط. ومن الأمثلة البارزة على المساهمة في تحسين وصيانة أبنية الأوقاف ما قام به السيد عدنان سليم الحلبي من إنجاز أعمال إعادة تأهيل وتجهيز مقام الأمير السيد عبد الله (ق)، وما قام به بعض أصحاب الأريحية بمبادرة من رئيس اللجنة الاغترابية في المجلس المذهبي الشيخ كميل سري الدين من إعادة تأهيل قاعات وغرف مبنى دار الطائفة الدرزية، وما يقوم به مجلس أمناء مجلة “الضحى” التي تصدر عن المجلس المذهبي، حيث يقوم منذ ست سنوات بتمويل إصدارها.

1.دار-الطائفة-في-فردان-أحد-أهم-إنجازات-الشيخ-محمد-أبو-شقرا
1.دار-الطائفة-في-فردان-أحد-أهم-إنجازات-الشيخ-محمد-أبو-شقرا

إنَّ ما يمكن أن يقوم به أغنياء الدروز في ما يتعلَّق بالأوقاف هو وقف عقار أو أكثر من العقارات الكثيرة التي يمتلكونها لتُوضع في سبيل الخير العامّ، أسوةً بالواقفين الأقدمين الذين درَّت ممتلكاتهم الموقوفة المنافع العامّة خلال عقود عديدة، ولا تزال تدرُّ هذه المنافع حتى اليوم.
كما إنَّ ما يمكن أن يقوم به أغنياء الدروز أيضًا هو المساهمة في الوقف المالي كبديلٍ عن الوقف العيْني، وذلك بالتبرُّع لمصلحة الأوقاف، أو بتزكية أموالهم من خلال دفع نسبة معيَّنة منها إلى أيّ صندوق مالي يقدِّم الخدمات من ريع أمواله لا من أصولها، كالصندوق الذي تأسَّس منذ بضع سنوات من قبل مجموعة من رجال الأعمال والمتبرعين الدروز تحت اسم “شبكة الأمان” والذي يُرجى دعمه وتفعيله لتزيد أمواله وتزيد خدماته.

الهوامش

1. سليم حريز: الوقف، دراسات وأبحاث، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت 1994، ص7.
2. صبحي المحمصاني: مقدمة كتاب عبد الرحمن الحوت: الأوقاف الإسلامية في لبنان، ص9.
3. للمزيد من المعلومات عن الولاية على الوقف وشروطها، انظر: سليم حريز: الوقف .. ص131- 148.
4. نصُّ وقفيّة الأمير السيد (ق).
5. انظر عن هذه الوقفيّة: مقالتنا في مجلة “الضحى” بعنوان: آل حمدان في تاريخ جبل لبنان، العدد 17، ص13- 14.
6. انظر نصّ الوقفيَّة والتصديق عليها: فرحان العريضي: مناقب الأعيان، الجزء الثاني، ص354- 377.
7. مقالة عارف النكدي بعنوان “من أين للأوقاف هذا؟” منشورة في مجلة “الضحى” عدد تشرين الثاني 1959، ص275 (هامش رقم 2).
8. البيان الثلاثون (سنة 1961) نشره عارف النكدي في مجلة “الضحى” عدد كانون الأول 1961، ص371- 372.
9. إدوار روبنصون: يوميات في لبنان، ترجمة أسد شيخاني، منشورات وزارة التربية في لبنان 1949، الجزء الأول، ص242.
10. للمزيد من المعلومات عن خلوات البيَّاضة انظر غالب سليقة: تاريخ حاصبيَّا وما إليها، طبعة 1996، ص252- 262.
11. رسالة الشيخ محمد أبو شقرا والشيخ محمد عبد الصمد.
12. استنتجنا الجدول من كتاب “أوقاف الموحِّدين الدروز 2015”، ص58- 79. وهو كتاب أصدره المجلس المذهبي لطائفة الموحِّدين الدروز. لجنة الأوقاف.
13. سليمان تقي الدين وآخرون: دراسات في تاريخ الشوف … ص427.
14. محمد كرد علي: خطط الشام، دار العلم للملايين، بيروت 1969، المجلد الخامس، ص100.
15. إيليا حريق: التحوُّل السياسي في تاريخ لبنان الحديث، الأهليّة للنشر والتوزيع، بيروت 1982، ص87- 88.
16. أوقاف الموحِّدين الدروز 2015، مرجع مذكور سابقًا، ص16.

تاريخ صلاح بن يحيى

تاريخُ صالحٍ بنِ يَحيى وتاريخُ ابن سباط

أضواءٌ على مرجِعيَن حَفِظا الكثيرَ من تاريخِ الدّروز

تقتصر المصادرّ التّاريخيـّة المعتمدة حول تاريـخ العصور الوسطي لجبـل لبنـان وجـواره، لِحِقْبة العصـور الـوسطى، على التّواريـخ الكاثوليكيّة المارونيّة وهي عـديـدة. والـوثائـق المـوجودة في محفوظات الفاتيكان، عـن العلاقـات بيـن الكنيسة الـرّومانيّة وطائفـة الموارنـة وهناك أيضاً منها ما يغطي علاقات الكنيسة مع طائفة الموحّدين الدّروز.
أمّـا المصـادر التّـاريخيّة الـدّرزية المتعلّقة بحقبـة العصور الوسطى، فتقتصـر على مؤلَّفيـن اثنيـن همـا: تاريـخ صالـح بـن يَحيـى، الأمير البحتـريّ المتوفّي في أواسـط القـرن الخامس عشـر. وتاريـخ حمـزه بن سباط بـن الفقيه أحمـد العاليهي أحد أتبـاع الأمـراء البحتريين، المتوفّي سـنة 1523م.
كان أوّل مـن قام بتحقيق تاريـخ صالـح بـن يَحيى، الأب لويس شيخـو اليسوعيّ. حيث عَثـر عليـه بينمـا كان يسـرّح النّظـر في أرفف خزائن مكتـبة باريـس الجامعية حيـث كان يستنـسخ بعـض مصنّفاتهـا، فبـادر إلى مطالعتـه وبـدأ بنقـله. والنّسخة الأصليّة تشتمل على 135 ورقـة، وفي كلّ صفحةٍ خمسةَ عَشًرَ سـطراً، مكتوبة بالخـطّ النسخيّ الـدّقيـق. كتبهـا المـؤلّـف وزاد عليهـا عـدّة إفـادات، وعلّـق عليهـا في الحـواشي، وجمـع فيـه مـا أمكنـه مـن الحـوادث عـن بيـروت وآثـارها وفتوحاتها. وتـاريخ بنـي بحتـر المعـروفين بأمـراء الغـرب، والذين تـولَّوْا زمنـاً طـويلاً على بيـروت ومـا جـاورها مـن قِبَـل ملـوك مِصـرَ في عهد دولـة الممـاليـك.
عمـل الأب لويس شيخو على نشـر الكتاب مـع بعـض التصرّف، وذلك تحـت عنـوان “تاريخ بيروت وأخبار الأمراء البحتـريين مـن بنـي الغـرب”. وصـدر عن المطبعة الكاثوليكيّة في بيروت سنـة 1920 ، ثـمّ صـدرت طبعـةٌ ثانيـةٌ منـه مُصَحّحـةً سنـة 1927.
أُعيـدَ تحقيـق هـذا الكتاب بعـد ذلك مـن قِبَـل الأب فرنسيس هـورس اليسوعيّ، والدكتور كمـال سليمان الصليبي، بالاشتراك مـع آخـرين. بالإشارة إلى العنوان الأصليّ وهـو “ أخبار السّلف مـن ذرّيّـة بُحتـر بـن علي أمير الغرب ببيروت “. وصـدر عن دار المشـرق – المطبعة الكاثوليكيّة في بيروت سـنة 1969.
وفي سـنة 2015، قامـت مـؤسّسة التـّراث الـدّرزي بطبـع وتـوزيع خمسمائـة نسـخة مـن هـذا الكتاب، بموجب اتّفاق مـع دار المشـرق، صاحبة الحـقّ بطباعـة الكتاب وتـوزيعه، وذلـك تعميمــاً لفـائـدة هـذا المـَرجِع التاريخيّ الهـامّ.
المـؤلَّفُ الثّاني هـو كتـاب “صِـدْقُ الأخبـار”. المعروف بتاريـخ حمـزه بـن الفقيه أحمـد بـن سبـاط العاليهي، المتوفّى سنة 1523م، وهـو مـؤرّخ مُخَضـرَم، عاصر سنوات التحوّل من حكـم دولـة المماليك إلى حكم الدّولة العثمانيّة. وتاريخ ابـن سباط هـو المكمّـل لتاريخ صالح بـن يَحيى.
يتـألّف كتاب “ صِـدْق الأخبار”، المعروف بتاريخ ابـن سباط، مـن جـزءين، ومـن أحَـدَ عَشَرَ باباً. كلّ بـاب يتضمّن وقائـع مئـة عـام، مـا عـدا الباب الأول والأخيـر، وأنّ الجـزء الأوّل مـن الكتاب فُقِـد بكاملـه، كمـا فُقـِد قسـمٌ مـن الجـزء الثّاني، وبقيَ القسـمُ الأكبر منـه. والأبواب الباقية هـي:
• الباب السّابع من حوادث سنة 526 هـ / 1172 م. حتى سنة 600هـ / 1203 م.
• الباب الثّامـن من سنـة 601 هـ / 1204 م. حتى سنة 700 هـ / 1300 م.
• الباب التّاسع من سنة 701 هـ / 1301 م. حتى سنة 800 هـ / 1397 م.
• الباب العاشر من سنة 801 هـ / 1398م. حتى سنة 900 هـ / 1494 م.
• البابُ الحادي عَشَرَ من سنة 901 هـ / 1495 م. حتى سنة 926 هـ / 1520م.

أهـمّ مـا في القسـم الأخير مـن الكتاب، الفتـرة المعاصرة للمـؤلّف، حيـث ذكـر أخباراً مفصّلـة لمجريات الأحـداث التي عاشها، وأثبـت في تدوينها مقـدرته التـأريخيّة، وصـدق تعامله مـع الخبــر والحـدث. والجـديد في الكتاب أيضاً، مـا أضافـه من تكملة لتاريـخ صالح بـن يحيى، عـن التّنـوخيّين وتراجم أعيانهم ووفيّاتهـم، وتـراجم جماعـة مـن وفيّـات الغـرب وساحل الشّـام.
جـرى تحقيق تاريخ ابـن سباط، مـن قبل الدّكتـور عمـر عبـد السّلام تـدمـري الذي عمـل على تحقيق الأبواب الباقية، والمـذكورة آنفـاً، تحـت عنـوان: “صـدق الأخبار تاريخ ابن سباط”. تأليف حمـزه بـن أحمـد بـن عُمَـر المعروف بابـن سباط الغربيّ. وصـدر عـن مؤسّسة جروس بـرس – طرابلس- لبنان سنة 1993، في مجلّـدَين.
وكانت الدّكتورة نائلة تقيّ الدّين قائدبيه، قـد قامـت قبل ذلك بتحقيق البابَيـن العاشـر والحادي عشـر مـن هـذا الكتاب، ووضعت عنـواناً للباب العاشـر”الفصل الأوّل”. وللباب الحادي عشَـرَ”الفصل الثّاني”. ووضَعت عنوانا للكتاب: “ تاريخ الدّروز في آخر عهد المماليك”، منشورات المجلس الدّرزي للبحوث والإنماء، طبعـة دار العَـودة – بيروت سنـة 1989. والكتاب في الأساس رسالة ماجستير قـدّمتها الدّكتورة نائلة إلى دائرة التّاريخ والآثار في الجامعة الأميركيّة في بيروت، ونالت بموجبها درجـة الماجستير في الآداب.
لقـد ورد في مجلّة “الضّحى“ الغـرّاء، في العـدد 16 شهر أيار 2016. وفي الصفحة 78 وتحت عنوان: “ مؤسّسة التّراث الدّرزيّ في إصدار جـديد، ( الكتاب الآخر هـو الذي وضعه حمـزه بـن سباط تحت عنوان” صدق الأخبار” وقـد تولّت تحقيقه الدّكتورة نائلة تقيّ الدّين قائد بيه).
والحقيقة أنّ الدّكتورة نائلة قائـدبيـه، قامت مشكورة بتحقيق الباب العاشر والباب الحادي عشر مـن كتاب صِدْق الأخبار، كما ذُكـر أعـلاه.

كارل يونغ

يُعتَبَرُ كارل غوستاف يونع من ألمع المفكّرين الذين أنجبتهم الإنسانيّة في القرن العشرين، فهو ليس فقط أحد أبرز المؤسّسين لعلم النّفس التحليلي بل هو أكثر المفكّرين المعاصرين تميّزاً في إدراكه للبعد الرّوحيّ للحياة وفَهمه للبنية المركّبة للنّفس البشريّة ولديناميكيّة تشكّل الجماعات والحضارات والعوامل التي تحدّد معارفها وسلوكها. ومن أبرز ما ميّز شخصيّته الخلّاقة انفتاحه بل انجذابه المبكر إلى الحضارات الآسيويّة والإرث الفلسفيّ والروحيّ الهندوسيّ بصورة خاصة، إذ رأى فيه مكمّلاً مهمّاً لعلم النّفس الحديث وعثر فيه على أدوات كثيرة تساعد على سبر الأغوار السّحيقة للنّفس البشريّة الفرديّة والجماعيّة وبالتّالي فهم المضامين الحقيقيّة للميثولوجيا والإرث الميتافيزيقيّ للحضارات. وكانت الرّؤية الكلّية التي تبنّاها يونغ لعلم النّفس ولما يمكن تسميته أيضاً “علم الإنسان” أحد الأسباب الأساسيّة التي دفعته للانفصال ومنذ وقت مبكر عن أستاذه وأبرز مؤسّسي علم النّفس سيغموند شلومو فرويد (1856-1939)،إذ اعترض على تحليله الضيّق الذي ربط أكثر مظاهر اللّاوعي الإنسانيّ بالغريزة الجنسيّة Libido وبما يسمّيه “الكبت” وهذه النّظرية اعتبرها يونغ تتضمّن تعريفاً دونيّاً ومَرَضياً للإنسان بينما نظر إليها العلماء الآخرون الذين عارضوها بإعتبارها وفّّرت أساساً مزيّفاً لدعوات الانحلال والتفلّت من القيود الاجتماعيّة والأخلاقيّة. ويُذكر أنّ النظريّة الفرويديّة لاقت رواجاً كبيراً في ستينيّات القرن الماضي إلا أنّها فقدت الكثير من تأثيرها في ما بعد خصوصاً بعد اتّهام فرويد بالتّلاعب بالتجارب المختبرية وتلفيق النّتائج لدعم نظريّته، وصدرت مجلة “تايم” الأميركيّة الواسعة النّفوذ قبل سنوات وعلى غلافها صورة لفرويد مع عنوان: هل فرويد عالم مُحتال؟

كارل يونغ
كارل يونغ

على عكس النهج الوحيد الجانب للتّحليل الفرويديّ فقد قدّم كارل يونغ بدائل أكثر نضجاً وإحاطة بالنّفس البشريّة والتّكوينات الاجتماعيّة وأماط اللّثام عن العديد من غوامض التّكوين الثّقافي الجمعيّ للشّعوب وخصائصها المميّزة من خلال النّظرية العبقريّة للّاوعي الجماعي، إذ اكتشف يونغ أنّه كما إنّ لكلّ فرد لاوعياً خاصّاً به هو نتيجة حياته وما يمرّ عليه من تجارب ومحرّضات وما ينتجه من خيالات وأعمال فإنّ لكلّ شعب أو مجموعة بشريّة أيضاً لاوعياً جماعيّاً هو نتيجة أسلوب عيش الجماعة والظّروف التي تمرّ بها عبر تاريخها واللّاشعور الجمعيّ هو بهذا المعنى “مخزن الخبرة الشّاملة لجماعة عرقيّة أو أثنيّة” وهو ما يطبع شخصيّتها وسلوكها ويجعل منها أثنيّة متميّزة عن الجماعات الأخرى. ويرتبط بهذه النّظريّة لـ يونغ صياغته لما يسمّى نظريّات المثالات الجمعيّة Archetypes وهي تعبيرات خارجيّة للّاوعي الجماعيّ يمكن استنتاجها من الصّور والرّموز والفنّ والأساطير والدّيانات أو الأحلام، وعرَّف يونغ المثالات الجمعيّة بأنّها صور نفسيّة مغرقة في القدم تنبع من اللّاوعي الجماعيّ وهي المرادف النّفسانيّ للغريزة بمعناها المُحدّد. وهذه المثالات هي احتمالات موروثة تتحوّل إلى فعل عندما تظهر إلى صعيد الوعي والعالم الخارجيّ، وهي بواطن سلوك فريدة بكلّ شخص أو جماعة ومستبطنة لكنّها تأتي إلى السّطح عندما تدخل صعيد الوعي فتأخذ تعبيرات محدّدة في سلوك الأفراد وثقافتهم. والرأي السائد هو أنّ نظريّة المثالات الجمعيّة لـ يونغ تأثّرت بالتّفكير الأفلاطونيّ حول “عالم المُثل” وبمفهوم مستويات الوعي Categories للفيلسوف الألمانيّ “كانت” Kant وأخيراً بالفيلسوف الألماني شوبنهاور الذي تحدّث عن المثالات السلوكيّة prototypes.
يبقى القول إنّ يونغ الذي كان سويسريّاً ناطقاً بالألمانيّة عانى بسبب نزاهته العلميّة وإصراره على فصل العلم عن النّزاعات السّياسيّة من مواجهات مع طرفين متناقضين، فهو أولاً اصطدم بالحكم النازيّ في ألمانيا كرئيس لأهمّ جمعيّة لعلم النّفس في أوروبا عندما رفض تطويع الجمعيّة لأغراض الحزب النازيّ وأصرّ على السّماح للعلماء اليهود بالنّشر في مجلّتها، لكنّه وبسبب استمراره في رئاسة الجمعيّة في وقت كانت النّزعات المعادية لليهود في ألمانيا قد أصبحت سياسة رسميّة فإنّه اتُّهم بمعاداة السّامية، لكنّ هذه الاتّهامات كانت بلا أيّ أساس وهي لم تحمِه على أيّة حال من إجراءات انتقاميّة اتّخذها المسؤولون الألمان بحقه بما في ذلك مصادرة مؤلّفاته ووضعه على اللّائحة السّوداء.
يبقى القول أخيراً إنّ التطوّرات العلميّة في علم النّفس وفي العلوم الإنسانيّة الأخرى عزّزت كثيراً من النّفوذ الفكريّ العالميّ للعالم يونغ في الوقت الذي تمّ الابتعاد عن الدّوغما الفرويدية والتي اتّضح أنّها بُنيت على أسس علمية واهية بل ومُلفّقة، كما سجّل عالميّاً ابتعاد الطبّ النفسيّ الحديث عن أسلوب المعالجة النفسيّة المستند إلى مدرسة فرويد وتحوّله أكثر فأكثر إلى مدرسة يونغ في التّحليل النفسيّ، وهذا بعد أن بات الكثير من الأطبّاء النفسيّين يَرَوْن أنّ الأسلوب الفرويديّ ليس فقط غير ذي فعالية في شفاء المرضى النّفسيين بل هو على العكس زاد في أغلب الحالات من أعراضِ المرض الذي يعانون منه.
نظراً إلى الأثر الهائل الذي تركه كارل غوستاف يونغ في الفكر الإنسانيّ وفي علم التّحليل النفسيّ رأت “الضّحى” أن تقدّم هذه الشّخصيّة الفذّة للقارئ المهتمّ وذلك في سياق عنايتها بنشر الإنتاج الفكريّ العالميّ وتوسيع اطّلاع القارئ على بعض أهمّ الأشخاص والأحداث التي وَسَمَت تاريخنا البشري.

يونغ شرحَ إيمانَه الصّوفيَّ بمصطلحاتِ علمِ النّفس
ومساهماته الكُبرى مهدّت لتراجعِ نفوذِ الفرويْديّة

التعدُّدَ في العالَم الإختباري يستند إلى وحدةٍ كامنة
وما يبدو مجزأ ينتمي إلى وجود أوحد لا يدرك بالحواس

أيُّ تشكُّكٍ في النّفس البشريّة حول “حقيقةِ الله”
يسبّب إضطراباً وشقاءً في الجسد والنّفس على حد سواء.

وضع تفسيراً نفسيّاً لقصّة الخُضرِ والنّبي موسى
اعتُبِر دليلاً على تضلُّعه بالإسلام والقرآن الكريم

كارل غوستاف يونغ Carl Gustav Jung (1875-1961) هو أحد الروّاد الكبار المؤسِّسين لعلم النفس، وقد كان لأعماله وحياته ومحاضراته الأثر الأكبر على التّحليل النفسيّ، لكن التّأثير الواسع ليونغ لم يتوقّف على علم النّفس والتّحليل النفسيّ بل تعدّاه إلى فتوحات مُلفتة في مَيدان علم السّلالات والحضارات (الأنثروبولوجيا) وعلم الرّموز والشّيفرات الثقافيّة وعلم الآثار والأدب العالميّ، كما إنّه تفرّد عن علماء عصره وعن بيئة العلمنة والإلحاد التي طبعت مجتمع العلوم الطبيعيّة والنّفسية في زمانه في أنّه تبنّى رؤية علميّة متصالحة مع مرتكزات التّفكير الرّوحي وتفهّم بقوّة أهميّة درس الجانب الآخر الغامض وغير المَرئي للحياة الإنسانيّة وهو الجانب الرّوحي، وكان يونغ يميل خلال فترة تعليمه ما قبل الجامعيّ إلى الجيولوجيا وعلم الحيوان والحفريّات وكان شديد الاهتمام بالعقائد الدينيّة المختلفة والحضارات الإنسانيّة والآثار خاصة ما تعلّق باليونان ومصر وعصور ما قبل التّاريخ مع ميل واضح للتأمّل والتّفكير خارج الأطر الرّائجة. ودرس يونغ الطبّ في مدينة بازل حيث تخرج طبيباً وبدأ حياته العمليّة عام 1900.
رغم اكتشافه لأهميّة البعد الرّوحي في حياة الإنسان والجماعات فإنّ يونغ حرص على استخدام لغة علميّة ورمزيّة خاصة للتعبير عن قناعاته أو قل حاول التّوفيق بين الروحيّ والعلميّ عبر استنباط مفاهيم جديدة في علم النّفس تفي بالغرض وتسمح له بالإشارة إلى الحقائق الروحيّة لكن بمصطلحات ابتدعها هو وقد ساعده ذلك على تجنب المواجهة مع التيّارات المعارضة للفكر الدينيّ، فكان بذلك يعيش بصمت وبنوع من التّورية على إيمانه الحقيقيّ وسعيه الدّؤوب لاستجلاء الأبعاد الخفيّة لعالم الرّوح واللّاوعي في النّفس البشريّة.

يونغ والبُعد الرُّوحيّ
لقد أثارَ البُعد الرُّوحي والصوفيّ لدى كارل يونغ فضول الباحثين الذين دُهشوا للطريقة التي كان يعرض فيها لغوامض الرّوح والنّفس البشريّة بأسلوب منطقيّ وبتعبيرات علميّة جديدة ومبتكرة. وهذا ما سَلَّط عليه الضّوء الكاتبُ الأميركي غاري لاشمان (Gary Lachman) في كتابٍ تحت عنوان “يونغ الصوفيّ: الأبعاد الرُّوحية الباطنيّة لحياة كارل يونغ وتعاليمه1”، حيث أولى اهتماماً خاصّاً بعددٍ من الأحداث والتجارب والعلاقات التي ساهمت في إرساء معتقدات يونغ ومقاربته، لا سيّما نظرياته الشّهيرة “المثالات الجمعية” (Archetypes)، و”اللّاوعي الجماعي” (Collective Subconciousness)، و”التكوّن الفردي” (Individuation)، و”الذات العُليا” (The Self)، و”العقدة النفسيّة” (Psychological Complex)، و”الماندالا” (Mandala) وهذا الكتاب هو معالجة مشوّقة في العمق حول حياة هذا العالم والمفكّر الكبير والمعتقدات التي كانت قد تكوّنت لديه في السّنوات المبكرة لانطلاق علم النّفس.
ويُناقش لاشمان الوحدة التي كان يعانيها يونغ طفلاً وبعض الرّموز التي استحدثها وأبقاها في أماكن سرّية، وهو ما استخدمه يونغ لاحقاً كإثباتٍ على آرائه حول مشاركتنا للّاوعي جماعيّ على مرّ العصور دون أن نعي ذلك. ويتحدّث الكاتب عن نشوء يونغ في جو محفوف بالظّواهر الرُّوحانية حيث كانت والدته إيميلي تختبر رؤى روحيّة تركت أثراً كبيراً على حالتها النفسيّة ومزاجها، وهذا الأثر وجَّه حياة يونغ من الناحيتَين الشّخصية والمِهَنية في وقتٍ لاحق.
وكان يونغ على قناعة منذ سن الثّانيةَ عشْرةَ بأنّ لديه شخصيّتَين: الأولى فتًى سويسريّ عادي، والأخرى رجلٌ نبيل وذو سلطة ونفوذ من الماضي. وكانت هاتان الشّخصيّتان في صراع دائم أثناء تطوّر حياته النفسيّة وكذلك الروحيّة.

.

اهتم يونغ كثيرا بالفلسفات الشرقية وها هو هنا يقدم تفسيره لرمز المندالا الروحي في الفلسفة الهندوسية
اهتم يونغ كثيرا بالفلسفات الشرقية وها هو هنا يقدم تفسيره لرمز المندالا الروحي في الفلسفة الهندوسية

يونغ وفرويد واللاّوعي الجماعيّ
الحَدَث الأبرز في انطلاقة كارل يونغ المِهنيّة كانت علاقته مع عالِم النّفس الشّهير سيغموند فرويد (Sigmund Freud)، حيث رافقه لعددٍ من السّنوات وتعاون معه في تطوير “التّحليل النفسيّ” (psychoanalysis)، بَيْدَ أنّ اهتمام يونغ بالأمور الرُّوحيّة أبعده عن تركيز فرويد العلميّ الماديّ المحض، ولو أنّهما تعاملا سويّةً مع سلوك الإنسان وحوافزه التي يمكن مراقبتها وتنظيرها، لكنّهما وصلا في النّهاية إلى خلاصتَين مختلفتَين.
هذه الصداقة بدأت في العام 1906 واستمرّت لفترة ستّ سنوات من التّعاون على مبدأ التّحليل النفسيّ، لكن في نهاية المطاف بدا واضحاً أنّهما على خلافٍ جوهريّ في آرائهما حول النّفس والعلاج النفسيّ وطبيعة الإنسان. فقد كان فرويد يرى أنّ النفسَ البشريّة هي أشبه بجبل جليدٍ، يُمثِّلُ جزؤه المرئيّ الصغير العقلَ الواعي، فيما يُمثِّلُ الجزء الأكبر المنغمس تحت الماء اللّاوعي. وكلّ ما يدفع الإنسان إنّما ينبعُ من عمق هذا الجبل الجليدي، المشاعر المكبوتة والذّكريات والنّزاعات. لكنّ يونغ في المقابل كان يرى أنّ ثمّة تأثيراً كبيراً على الطّبيعة البشرية لا ينبع من جبل الجليد هذا فحسب، بل من المحيط بحدّ ذاته – أَلا وهو اللّاوعي الجماعيّ للبشريّة. وإضافة إلى ذلك خرج يونغ من خلال عمله وتحليله لشخصيّات مرضاه بقناعة أنّ التحليل النفسيّ وجبَ أن يكون إيجابياً وذا هدفٍ راقٍ يُمكِّن الإنسان من إحراز إمكانيّاته العُليا. لكنّ فرويد على العكس كان ماديّاً ومُتَشكِّكاً بالطّبيعة البشريّة ويرى أنّ الحياة غير ذات مغزى وأنّ التّحليل النفسيّ يمكنه في أفضل الحالات أن “يُخفِّف من بؤس الإنسان”.
اختبرَ يونغ نظريّات التّحليل النفسيّ الفرويدي، الذي يهدف إلى العمل كعلم آثار للحياة النفسيّة، يستنبط الذّكريات القديمة المكبوتة والمنسيّة للطفولة المبكرة. لكنّه في ممارسته للتّحليل النفسيّ لمرضاه لم يجد ذكريات مكبوتة فحسب بل كنزاً من الصّور ذات المحتوى الرُّوحي، ورموزاً دينيّة وأسطورية كامنة في حنايا النّفس.
وفي العام 1912، اكتمل الانفصالُ النّظريّ والشخصيّ ما بين هذَين العالِمَين، حيث انتقد فرويد علناً اهتمامَ يونغ بالمسائل الرُّوحية العميقة واتّهمه جهارةً بـ “الصوفية”، لكنّ يونغ مضى في طريقٍ امتدّ لسنواتٍ عديدة لتطوير نظريّاته التي تُعطي للإنسان قيمة، وللحياة جدوى، وللوجود غاية.

“يونغ اختبر أثناء نوبة قلبيّة تجربة “مغادرة الجسد” فأيقن بوجود عالم الرّوح الأزليّ وحزن للعودة إلى الجسد”

كارل يونغ (إلى اليمين) مع سيغموند فرويد (أقصى اليسار) قبل الافتراق
كارل يونغ (إلى اليمين) مع سيغموند فرويد (أقصى اليسار) قبل الافتراق

المثاُلات الجمعيّة والصورة الأسمى
خرج كارل يونغ بنظريّته الشّهيرة حول “المثالات الجمعية” الأوّلية أو البدْئية Archetypes المتماثلة مع “اللّاوعي الجماعي”، وهي مصدر كلّ الأفكار بل ومصدر كلّ الوجود، وهي تُشبه إلى حدٍّ ما المُثُل العُليا الأفلاطونيّة، أي الصّور الأُوَل في ما أسماه “العقل الكونيّ” (Cosmic Mind)، التي تُؤثِّر في النّفس البشريّة وتتبدّى لها في الأحلام، وفي الرّموز، وفي التّجارب الرُّوحيّة. وبالنّسبة إلى يونغ، فإنّ المثال الأوّليّ الأقدس هو القيمة الأعلى للذّات، الحقيقة الأصليّة للنفس وغايتها، ألا وهو “صورة الله” (Imago dei)، وأيُّ تشكُّكٍ في النّفس البشريّة، حتى ولو في اللّاوعي، حول “صورة الله” إنّما يُحدِثُ اضطراباً وشقاءً في الجسد والنّفس على حدٍّ سواء.
إنّ أعمال كارل يونغ هي أكثر من علم نفس للصحّة العقليّة، أو للمعالجة النفسيّة، إنّها تُوفّر علماً نفسانيّاً لاهوتيّاً (Psycho-Theology) للتحقُّق الرُّوحي للنّفس البشريّة، التي تسمو وترقى لتُحقِّق “صورة الله” في يقينها، كحاجةٍ نفسيّة وهدفٍ أسمى لوجوده، حيث إنّ هذا المثال الأصلي البدئي يغرس في النّفس “توقاً لرؤية تجلٍّ لتلك الصورة” (Theophanic Vision) منطبعةً على مرآة العقل، على حدّ قول القدّيس أوغسطين (St. Augustine). فهذه الصّورة كما يقول يونغ: “القيمة الأرقى والغاية الأسمى في تراتبيّة النّفس”، وهي تُوجِّه نمو وتطوُّر الحياة النفسية.
وممّا يثير الاهتمام في هذا الصدد مخطوطةٌ وضعها يونغ بخطّ يده تحت تسمية “الكتاب الأحمر” (The Red Book)، الذي نُشِر مؤخّراً بعد أن احتفظت به عائلة يونغ بعد وفاته في العام 1961 في مكانٍ آمنٍ لعقودٍ من الزّمن. ويُثبت هذا الكتاب أنّ يونغ كان بكلّ معنى الكلمة “صوفيّاً معاصراً”، لديه “انجذابٌ إلى أداء دورِ تعليمٍ روحيّ”، على حد قول الكاتب مايكل تيتشينغز (Michael Teachings).

يونغ الصوفيّ
سعى يونغ إلى التستّر على المنحى الرُّوحي والصوفيّ لحياته،

خوف أن يتمّ التشكيك بنظريّاته العلميّة من خلال اتّهام خصومه له بأنّه يتبنّى مقاربة دينيّة “غير علميّة”، لكنّ يونغ الذي كان يتمتّع بنزاهة علميّة كبيرة وجد طريقة للتّعبير عن تفكيره الروحيّ المتسامي بلغة علم النّفس وبمفردات ومصطلحات أوجدها لتساعده على المواءمة بين الموضوعين العلميّ والصوفيّ، وقد تتوَّج ذلك المنحى بهذه التّحفة الأدبيّة الكبيرة، التي وضعها ما بين العامين 1914 و 1930 وزيَّنها برسوماتٍ أشبه بكتابٍ من القرون الوسطى. وبقي الكتابُ حتى العقد الأول من القرن العشرين محفوظاً في أحد المصارف السويسريّة بعيداً عن أنظار الباحثين، لكن بعد سنوات من التّفاوض مع العائلة وُضعِت ترجمة للكتاب ونُشِرَت في العام 2009، حيث تبدّى بُعداً روحيّاً شديدَ الوضوح، لاسيّما حينما يصف يونغ في أنحاء الكتاب الشخصيّات الروحيّة التي عايشها في عالمه الداخليّ، ومنها النبيّ إيليا، وشخصيّة مرشدٍ روحيّ أسماه “فيلمون” (Philemon)، ورسمه كرجلٍ مُسِنّ ذي لحية بيضاء، يعكس مثاله الأصليّ الشهير “الرّجل الحكيم”.
هذه الأفكار والتّجارب الرُّوحيّة حدثت بعد أن اختبر يونغ ما يُسمّى بتجربة “العودة من الموت”. ففي أحد أيام شتاء العام 1944، انزلق يونغ وهو في سن الـ 68 على الجليد وكسر قدمه، ودخل المستشفى، وفيما هو هناك تعرّض لأزمةٍ قلبية، وفقَدَ الوعي واختبر تجربة “مغادرة الجسد” وهو وجدَ نفسه مُحلِّقاً على علو مئات الأميال فوق الأرض. كانت البحار والقارات مغمورة بنورٍ أزرق، وأمكنَ ليونغ أن يُميِّز الصّحراءَ العربيّة وجبال همالايا المُكلَّلة بالثلج. وأحسَّ أنّه سيفلت من المدار، لكن عندها تراءى له نصبٌ هائل، كان نوعاً من الهياكل، وعند مدخله رأى يونغ حكيماً هندوسيّاً يجلس بوضعية اللوتس. وداخل الهيكل، تلألأ عددٌ لا يُحصَى من الشّموع، وأحسَّ بأنّ وجوده الأرضيّ على وشك التّلاشي. كان شعوراً يبعث على السّرور، فما تبقَّى كان “يونغ جوهريّ!”، هو جوهر وجوده. وأدرك أنّ داخل المعبد يكمن سرُّ وجوده، وغرضُ حياته. وكان على وشك اجتياز العتبة حينما انبثقت من قارة أوروبا أسفله صورةٌ لطبيبه في مثال أصلي على هيئة ملك “كوس”، تلك الجزيرة التي يقع عليها معبد “أشكليبوس الإغريقيّ”، شفيع الطب. وأخبره طبيبُه أنّ رحيله عن هذه الدنيا لم يَحِن بعد، وأنّ العديدَ يُطالبون بعودته. وما إن سمع يونغ ذلك حتى أُصيب بالإحباط، وسُرعان ما انتهت رؤيته واختبر “العودة إلى الحياة في الجسد”. وفي اليوم الذي تماثل فيه يونغ للشفاء، أُصيب طبيبُه بتسمُّم في الدّم وأُدخِلَ إلى المستشفى حيث توفّي بعد بضعة أيام على السّرير ذاته الذي رقدَ فيه، وكأنّما افتداه بحياته.
وبعد هذه التجربة أصبح البُعدُ الرُّوحيّ أو الصوفيّ عنصراً جليّاً في أعمال يونغ، الذي بات يؤمن بأنّ “الرُّوحانيّة هي ضروريّة لعافيتنا النفسيّة والجسديّة”، لا كما كان فرويد يعتقد بأنّ التجاربَ الرُّوحيّة ما هي إلا ضربٌ من الأوهام. وقد وضعت مجلة “التّايم” على غلافها في العام 1955، “يونغ: تحدٍّ لفرويد”.

كارل يونغ وعائلته
كارل يونغ وعائلته

“فرويد إنتقد اهتمامَ يونغ بالشأن الرُّوحي واتّهمه بـ “التصوّف” لكنّ يونغ أصرّ على اعتبار الرّوحي أساساً في فَهم الإنسان”

تفسيره لقصة موسى والخُضر
في خضمّ هذا الاهتمام الرُّوحيّ، سعى يونغ إلى تفسير سورة الكهف في القرآن الكريم بمقالة تحت عنوان: “في ما يتعلّق بالولادة من جديد” (ضمن أعماله الشّاملة، المجلّد التّاسع، الجزء الأوّل)، ويصل في تفسيره إلى شخصية الخُضر، “العبد الصالح”، الذي رافقه موسى ليتعلّم منه، واعتبره يُمثِّل رمزاً لـ “الذات العُليا”، والتحوُّل الرُّوحيّ أو “الولادة الرُّوحيّة من جديد”، وقد بدا من أسلوبه الغني والمبتكر أنّه كان على معرفة جليّة بالقرآن الكريم وبشخصيّة الخُضر النَّبويّة وبالتصوّف الإسلامي. فالخُضر يمثِّل رمزاً ليس فقط “للحكمة العُليا” بل أيضاً لطريقة العيش والتصرُّف “بما يتوافق مع تلك الحكمة والعقل الكونيّ”.

كارل يونغ والفيزياء الكوانتيّة
بعد أن تلقّف المتعطِّشون للمعرفة نظريّات يونغ بكلّ دهشة واحترام علميّ رزين، لفتَ الباحثان دييغو فالاداس بونتي (Diogo Valadas Ponte) ولوثر تشايفر (Lothar Schäfer) إلى أوجه الشّبه بين نظريات الفيزياء الكوانتيّة (Quantum Physics) وعلم نفس كارل يونغ. فعلى الرّغم من أنّ الفيزياءَ وعلمَ النفس يُعتبران على غير صلة، فإنّهما قادا إلى تغييراتٍ ثوريّة في المفهوم الغربيّ لنظام الكون، حيث إكتشفا عالَماً غير تجريبي (non-empirical) لا يتألّف من عناصر ماديّة بل “صور أو مُثُل”، وهذه الصّور حقيقيّة ولو كانت غير مرئية من حيث كونها لا تظهر في العالم التجريبيّ وتعمل فيه. وهكذا يبدو العالمُ التجريبيّ “انبثاقاً من عالمٍ من الإمكانيات”، حيث تتبدَّى الصورُ بُنَى مادية فيزيائية في العالم الخارجيّ، ومثالات جمعيّة Archetypes في العقل أو النفس، وهذه الصّلة تعني أنّ الفكر أو العقل البشريّ في جوهره هو “عقل صوفيّ”.
ومنذ أن أرسى الفيلسوفُ رينيه ديكارت (René Descartes) مستنداً إلى اكتشافات اسحق نيوتن (Isaac Newton) المفهومَ الماديّ للكون، أصبحت العلومُ الغربية شكلاً من أشكال الماديّة المحض، وقد نقل داروين تلك المادّية إلى علم الأحياء عبر نظريّته المثيرة للجدل لتصبح بالنسبة إليه أساسَ الحياة التي جرّدها من أيّ فضيلة أو دور للخالق. وغدت العلومُ الماديّة خالية من الأخلاقيّات، والفلسفة وكلّ نظريّة تتناول النّفس خالية من البُعد الرُّوحيّ والدينيّ. وفي ظل هذه البيئة المادية السائدة، كان لكارل يونغ الشّجاعة الكافية للتّأكيد بأنّ عقولنا يُوجِّهها نظامٌ من الصّور الأوّلية أو المُثُل الأصلية القوية والحقيقيّة حتى ولو كانت غير ذات كتلة أو طاقة. فهذه المُثُل بحسب يونغ توجد في “نظامٍ نفسانيّ ذي طبيعة جماعيّة، وكلّية، وغير شخصيّة”، ومن هذا النّظام يمكن لتلك الصّور غير المرئيّة أن تظهر في فكرنا وتُوجِّه “خيالنا وإدراكنا وتفكيرنا”.

يونغ أفرد بحثا لشرح قصة الخصر وموسى الواردة في صورة الكهف في القرآن الكريم
يونغ أفرد بحثا لشرح قصة الخصر وموسى الواردة في صورة الكهف في القرآن الكريم

وتبيَّن للباحثَين المذكورَين أنّ رؤية كارل يونغ هذه للفكر البشريّ هي على اتّفاق تام مع أحدث اكتشافات الفيزياء الكوانتيّة، التي شكّلت في القرن الماضي صدمةً للعلم المادي، لأنّها كشفت الأخطاء الجوهريّة للفيزياء الكلاسيكيّة وقادت إلى تغيُّرٍ جذري في وجهة النّظر الغربيّة للعالَم. فهي دفعت العلماء إلى التّفكير بأنّ أساسَ العالم المادّي هو غير مادّي، بل هو عالمُ صورٍ ومُثُلٍ “عقليّة روحيّة غير مرئيّة”، وكلّ الأشياء الملموسة هي انبعاثاتٌ من عالم الإمكانيّات هذا. وبدا العالَمُ بعد ذلك “كُلّاً غير متجزِّئ يرتبط فيه البشر والأشياء في ما بينهما”، ويظهر الوعي “كخاصّية كونيّة”.
ويؤكّد الباحثان أنّ تعاليم يونغ هي أكثر من علم نفس، إنّها “شكلٌ من أشكال الرُّوحانيّة”. وأوضحا كلمة “روحانيّة” بأنّها تعني وجهة نظر للعالَم “تعتبر الرُّوحانيّ السّامي الرفيع Numinous أساساً للنّظام الكونيّ”. وعلى هذا النّحو، فإنّ الفيزياء الكوانتيّة هي أكثر من فيزياء، إنّها شكلٌ جديد من أشكال الفكر الصوفيّ، ذلك الذي يرى ترابطاً بين كلّ الأشياء والكائنات، ترابطاً بين عقولنا و”عقلٍ كونيّ”.
ففي نظريّة الفيزياء الكوانتيّة (وتسمى أحياناً “الميكانيكا الكوانتيّة”) (Quantum Mechanics)، التي تتيح فهمَ خصائص الذرّات (Atoms) والجُزَيئات (Molecules)، ليست الإلكترونات (Electrons) جُزيئات ماديّة صغيرة، أو كُريّات صغيرة من المادّة، بل موجاتٍ من الطاقة أو صور على عكس ما تبدو عليه عند مراقبتها بالأجهزة العلميّة كنقاطٍ صغيرة ذات كتلةٍ محدّدة. ويُستنتَج من ذلك أنّ العالَم المرئي (أو الملموس) يستند إلى “ظواهر” وهذا ما يتجاوز ماديّة الفيزياء الكلاسيكية. ففي جذور المادّة على المستوى الذرّي والجُزَيئيّ، بتنا نجدُ عالَماً من الصّور والأرقام الرياضيّة، لا تكتُّلاتٍ مادية. وهذا تماماً ما تحدّث عنه الفيلسوف اليوناني فيثاغوراس في القرن السادس قبل الميلاد، حين كان يُعلِّم بأنّ “كلَّ الأشياء هي أرقام” و”الكون بأكمله أرقامٌ وتناغم”، وكذلك نجده في فلسفة أفلاطون، حيث الذرّات هي صورٌ أو مُثُلٌ رياضيّة.
وهكذا جاءت الفيزياء الكوانتيّة لتدعم علمَ نفس كارل يونغ، فاكتشاف عالَمٍ من الصّور أو المُثُل غير الماديّة في جذور المادّة، كأساسٍ لوجود العالم الماديّ المرئيّ، يجعل من الممكن تقبُّل نظرة أنّ المُثُل الصّوَريّة “هي حقيقةٌ تظهر في فكرنا أو عقلنا من عالمٍ كونيّ”. ووجهة النّظر الكوانتيّة لحقيقة كونيّة واحدة وشاملة هي على اتّفاق تامّ مع أحد أكثر مفاهيم يونغ أهمّية، وهو مفهومه المثاليّ “العالَم الأوحد” (Unus Mundus). ويقول يونغ: “ترتكز فكرة العالَم الأوحد دون رَيب على افتراض بأنّ التعدُّدَ والكثرة في العالَم الاختباري تستند إلى وحدةٍ كامنة .. وكلّ ما هو متجزّئ ومتفرِّد إنّما ينتمي إلى عالمٍ وحيد أوحد، وهو بالطبع ليس عالَم الحِسّ”، وبالتالي فإنّ هذا المثال الأصليّ، من ناحيةٍ وجوديّة (Ontological)، يعني “وجوبَ أنْ تتّحدَ النفسُ بتلك الحقيقة”.

صورة غلاف كتابه الشهير -الإنسان ورموزه
صورة غلاف كتابه الشهير -الإنسان ورموزه

التحقُّق الفرديّ
من ثمّ تأتي نظريّتُه الشهيرة عن “التحقُّق الفردي” (Individuation)، حيث يغدو المرءُ واعياً بـ “ذاته العليا”. ويقول يونغ في كتابه “المثالات الجمعيّة واللّاوعي الجماعيّ”2: “لقد استخدمتُ مصطلحَ التّحقُّق الفرديّ لتوصيف العمليّة التي يصبح بها المرءُ سيكولوجيّاً في حالة تحقُّقٍ مع ذاته، أي في وحدةٍ أو كلّيةٍ (Wholeness) غير قابلة للتجزُّؤ”. ولم يكن ثمّة مغزى لتحقيق هذه الكلّية أو الوحدة في عالَم نيوتن المُتَّسِم بالأشياء الماديّة المنفصلة، لكنّ هذا التحقُّق وجدَ أساساً له في العالم الكوانتيّ. ورأى يونغ أنّ عملية التحقُّق الفرديّ هذه هي “حافزٌ دينيّ بل مثالٌ أصليّ روحي يُوجِّه ويُنظِّم مسارَ حياة الإنسان”. فالجذر اللّغوي اللّاتيني لكلمة Religion المستخدمة في هذا السياق هي Re-Ligare وتعني “إعادة الوصل” أو “إعادة الرّبط أو الاتحاد”.
وتوضح الباحثة أنيللا جافي (Anniela Jaffé) في معرض تفسيرها لنظريّة يونغ: “ينبغي فهم التحقُّق الفرديّ باللّغة الدينيّة كتحقيقٍ لِمَا هو إلهي في البشريّ، كإنجازٍ لمهمّةٍ علويّة. وتصبح التّجربة الواعية للحياة تجربةً دينيّة، بل يمكننا القول أيضاً، تجربةً صوفيّة”.
وفي تحليله للرمزيّة في الفلسفة والكيمياء، يعتبر يونغ ما يُسمَّى “حجر الفلاسفة” كرمزٍ لعمليّة التحقُّق الفرديّ هذه، “الهدف الأسمى للذات”. ويقول يونغ بعبارة تُذكّرنا بما علّمه سقراط في محاورة “كارميديس” الأفلاطونية عن ضرورة أن تُعالَج النّفس أولاً كسبيلٍ لمعالجة الجسد: “الاهتمام الرّئيسي لعملي لا يتعلّق بمعالجة الاضطرابات العصبيّة، بل بمقاربةٍ لِمَا هو روحيّ وسامٍ، لكنّ الحقيقة هي أنّ المقاربة إلى ذلك الرُّوحي هي العلاج الحقيقيّ للعلل الجسديّة، وبقدر ما نكتسب من خبرةٍ روحيّة، بقدر ما نتخلّص من لعنة الأمراض”.
وكان عالِم الفيزياء والفلك البريطانيّ الشهير السير آرثر ستانلي إدينغتون (Arthur Stanley Eddington) قد أجرى بحثاً منهجيّاً في ثلاثينيّات القرن الماضي عن وجود الوعي في الكون، وخلُصَ إلى أنّ: “الكون هو من طبيعةِ أفكارٍ في عقلٍ كلّيّ”، ولو كره علماءُ الفيزياء الماديّون بأنّ أصل الموجودات هو ذو خاصيّة عقليّة، وذلك في توافقٍ تامٍّ مع تعاليم كارل يونغ والفيزياء الكوانتيّة.

يونغ في أوج عطائه عندما أصبح شخصية عالمية معترفا بفضلها على علم النفس والثقافة الإنسانية
يونغ في أوج عطائه عندما أصبح شخصية عالمية معترفا بفضلها على علم النفس والثقافة الإنسانية

خاتمة
فيما كان يونغ عاكفاً على درس النّفس البشريّة، اكتشف الخصائصَ العقليّة للكون، تماماً كما فعلت الفيزياء الكوانتيّة. فالمُثُل الأصليّة تتبدّى أفكاراً في العقل البشريّ، وبُنى ماديّة في العالَم الخارجيّ، وهكذا أخذت الفيزياءُ الكوانتيّة تبدو شكلاً من أشكال علم النّفس، علم نفس العقل الكونيّ. وفي المقابل بدا علمُ نفس كارل يونغ فرعاً من فروع الفيزياء، فيزياء النّظام العقلي للكون.
وأصبح الكونُ الكوانتيّ الكلّيّ ذو المنشأ العقليّ غير التجريبيّ مفهوماً صوفيّاً، وكذلك علمُ نفسِ كارل يونغ الذي تحدّث عن النّفس “المتّصلة بعقلٍ كونيّ ومَصدرٍ روحانيّ”. إنّه علمُ نفسٍ أكّد أنّ نكرانَ النّواحي العُلويّة للنّفس البشريّة قد يؤدّي إلى مشكلاتٍ كبيرة في الصّحَّة البدنيّة والنفسيّة على حدٍّ سواء. علمُ نفسٍ خَلُصَ إلى أنّ السعادة في هذه الحياة لا يمكن تحقيقها إلّا بفهم الخلفيّة العقليّة الرُّوحيّة للكون، والعيش بالتّوافق معها، وتقبُّل أهميّة الرُّوح في حياتنا.

كرامَةُ صاحبِ دكّانٍ ماتَ مظلوماً

حدّثني الشيخُ أبو نجيب محمود الخماسي، فقال: “روى أمامي والدي عن تاجر خضار في سوق حاصبيّا عاش منتصف القرن الماضي. وكان ذلك البائع، جليل القَدر، كبير النّفس، فقير الحال، متديّناً حقاًّ وحقيقة. نهاره عمل، وليله عبادة، بيعه معتدل، وحديثه مقتضب، لا يُجيب إلّا إذا سُئل، ولا يتفاصح ولا يحدِّث إلّا بما عرف وما يُلمّ. ومع هذا، حصل له ابتلاء لم تظهر الكرامة المقصودة منه إلّا بعد وفاته وذلك عندما ظهر إلى العلن السرّ الذي أخذه معه إلى القبر وأصبحت حكايته عبرة لمن اعتبر، ونبراساً لمن أراد الصّدق وإليه امتثل.
تقول الحكاية إنّ هذا التّاجر الورع أتاه يوماً رجل اشترى بعض الحوائج والخضار من دكّانه، وبعد أن نقده ثمنها، قفل الرجل راجعاً نحو منزله، إلّا أنه نسي كيس النّقود الذي أخرج منه ثمن ما اشتراه، إلى جانب إحدى السّلال، وبداخله خمسمائة قرش تركي.
قبالة دكّان التاجر، كان حلّاق يتابع جاره عندما انتبه إلى أنّ المشتري نسيَ الكيس، فما كان منه إلّا أن تسلّل على مهل وانتشل كيس النّقود الذي نسيَه الرّجل دون أن ينتبه التّاجر أو يدري ما حصل.
ما أن بلغ الرّجل المشتري منزله، حتى تذكّر فجأة ما نسي، فعاد أدراجه مُسرعاً من حيث أتى، لكنه لم يجد الكيس في موضعه، فضرب كفّاً بكفّ وسأل التاجر بلهفة وقلق عن الكيس، موضحاً أنّه يحتوي على مبلغ كبير من المال أضيف إليه في النّهار نفسه ثمن موسم القز الأخير.
دُهِشَ التّاجر الورع لسؤال الرّجل، لكنّه عرض على الرّجل أنْ يساعده على البحث عن الكيس، راجياً من الله أن يوفّق في العثور عليه، وبالفعل إنهمك الرّجلان في البحث والتّنقيب وقلبا الدّكان وسلال الخضار وكل ما يحيط بها رأساً على عقب، لكن لم يعثرا على شيء. عندها، وعندما فقد الرّجل الأمل بالعثور على ماله دبّ الشك في صدره من أن يكون البائع هو الذي أخفى الكيس طمعاً بالثّروة التي في داخله. لذلك صرخ في وجه التّاجر بغضب “إنّك أنت المسؤول عن المال”، ثم أمسكه بصدر سترته قائلاً: إنّك لن تأكل حقي وأنا حيّ، فإمّا إعادة الكيس وإمّا الموت!”. وعلا الصّوت بين الرّجلين، ثم تدافعا بالأيد،. عندها تدخل التّجار والمارّة بينهما، وأخذ الجميع يبحثون عن حلٍّ ينهي الخلاف ويُظهر الحقيقة.
تقدّم شيخ طاعن في السنّ من الاثنين، ثم قال: “المثل يقول البيّنة على من أدّعى، واليمين على من أنكر. فعليك أيّها الرّجل إثبات ادّعائك بشاهد يؤيّد دعواك حول ما أضعت، وأنت أيها التّاجر الكريم، ما عليك سوى قَسَم اليمين لرفع التّهمة عنك”.
الرّجل المشتري سارع فوراً، فاستشهد برجل كان يرافقه حيث شهد بأنّه شاهده وهو يخرج المال من الكيس الذي فقده. أما التّاجر التقي فإنّه رفض أن يقسم اليمين عملاً بسنّة الأولياء الصّالحين، راضياً بدفع التّعويض من جيبه لعلّ ذلك يهدّئ من رَوْعِ صاحب الكيس، وهذا رغم ثقة التّاجر التامة أن أحداً ما اغتنم فرصة وجوده داخل الدّكان فسرق الكيس خِلسة وظلماً.
من أجل إنهاء المشكل عمد التّاجر التقيّ إلى كرم زيتون لا يملك سواه، فباعه ودفع ثمنه بدل كيس النّقود المفقود، وكأن شيئاً لم يكن. ورغم ذلك شاع عندَ العامّة (وأن لم يقولوه جهرة) أنّ التّاجر ربّما هو الذي أخفى كيس النّقود، وعاب على نفسه إظهاره في ما بعد.
دارت الأيام دورتها التقليديّة، ومرّت الشّهور والسّنون، ومات التّاجر وأخذ السرّ معه، أمّا جاره الحلّاق الذي أخفى كيس النّقود فقد استعمل النّقود الحرام في شراء كرم زيتون جاره التّاجر المنكوب بخسارة المال وبشكوك أكثر العامّة من النّاس في أمانته وكان ذلك أقسى عليه من خسارة المال. لكن ما أن أُسدل الستار على هذه الحادثة حتى بدأ الزّمن يعاكس الحلّاق، إذ دب الخلاف داخل الأسرة وبلغ حدّ طلاق زوجته، وتشتت شمل أولاده، فخيّم الهمّ عليه وفوق منزله. ولم يكن هذا العقاب الربّاني سوى مظهرٍ لحكمة ربانيّة قصدت إظهار سرّ التاجر وكرامته عند ربّه وعبيده وكشف السّارق الحقيقيّ.
كيف تمّ ذلك؟
بعد طلاق الحلّاق لزوجته، عمدت المطلّقة إلى فضح أعماله القبيحة وذكرت منها كيف أنّها كانت شاهداً على إخفاء زوجها الحلّاق لكيس النّقود الذي فقده ذلك الرّجل عند التّاجر المتوفّى، بعد أن راقب كيف وضعه صاحبه، واشترى بقيمته كرم الزّيتون من التّاجر المذكور. وفي أقلّ من أسبوع كان سرّ الحلاق قد افتُضِح وشاعت قصته الشائنة في أنحاء المنطقة، كما برئت في الوقت نفسه ساحة التّاجر الورع وإن بعد وفاته. ولمّا علم المشايخ والمجتمع بأكمله بما فعل ذلك الحلّاق، أسرع أبناء التاجر لمقاضاته أمام الشّيوخ الثقات فاستدعي إلى خلوات البيّاضة لتبرير ما سُمع عنه. لكنّه أمام هيبة الشّيوخ ورهبة الموقف، تلعثم وبدت على محياه صورة المذنب، وعاد المشايخ ليطلبوا إليه أن يعترف أمامهم وأمام الله بالحقيقة وإذا كان له فعلاً دور في سرقة كيس النقود. أمام هذا الموقف الرّهيب، أحسّ الحلاق بأن ثقل الدنيا كلّه وقع على كاهله في تلك اللحظة، ولم يقوَ على الاستمرار في الكذب وأنّه لن يرتاح صدره إلا بعد أن يقرّ بما حدث فأقرّ فعلاً وأنبأ المشايخ بقصّة استيلائه خِفية على كيس الزّبون. بناء على ذلك أمره المشايخ بأن يعيد كرم الزّيتون لأسرة صاحب الدكّان، أو قل صاحب السرّ الدّفين الذي ظهرت كرامته للملأ لأنّ الله أراد أن يبيّض صفحته ويظهر تقواه، وقد تقاطر النّاس في الأيام التّالية لزيارة قبر الرجل الذي مات مظلوماً، وقرأوا الفاتحة أمامه، وترحّموا عليه وأثنَوْا على خصاله أمام أفراد عائلته والعموم.
أمّا الحلاّق، فقد هجر حاصبيّا إذ لم يعد قادراً على العيش فيها بعد افتضاح عمله، وتركَهُ أولاده إلى مكان آخر بينما حلّت الزّوجة بين ذويها، وصحّ بذلك القول المأثور: “إذا كان الحلال يَذهب، فالحرام يذْهِب ومعه أصحابه وأتباعه”.

العدالةُ السّماويّةُ عند المؤمنين نعمةٌ
وعند الفاسقينَ نقمةٌ

العدالةُ السماويةُ سيفٌ قاطع، ومهما يكن الإنسان قويّاً أو جباراً فإنّ العدالة السماويّة ستلحق به عاجلاً أم آجلاً، لكنّ العقاب السماويّ المُعجّل عبرة لأولي الألباب لأنّه يرهب العاصي ويثبّت المؤمن في إيمانه ويزيده ثقة بعدالة الخالق الجبّار، وبحكمته الخالدة: إنّما هي أعمالكم تُردّ إليكم.
في هذا الموضوع حدّثني أحدهم بموعظة حدثت في جبل العرب مع تاجر ذهب، يتنقّل عادة بهدف التبضّع لمحالِّه التجارية الواقعة في مدينة حلب. وفي يوم استقلّ التاجر الحافلة من دمشق عائداً إلى منزلة وأعماله، لكن بتأثير طول الطّريق وإرهاق العمل غلب عليه النّعاس، وأخلد إلى غفوة استغرقت قسماً من الطّريق الطويل.
كان يجاوره الجلوسَ في المقعد أحدُ الركّاب الذي كان يقظاً واستيقظت حواسّه أكثر عندما انتبه إلى إغفاءة التّاجر وغطّه في نوم عميق. بدأ الرّجل بفحص جاره النّائم فلاحظ محفظة النّقود التي كانت تبرز من جيب سترته، وعلى الفور وسوس له الشّيطان وأغرته المحفظة التي بدت محشوّة بالنّقود فمدّ يده على مهل دون إثارة شبهة المسافرين وأمسك بالمحفظة وسحبها بهدوء ووضعها على الفور في جيب سترته، وبعد أن تحسّسه ألقى نظرة سريعة على ما في داخله فإذا هي حزمة من النقود تفوق قيمتها المليون ليرة سورية (كما صرّح صاحب المال في ما بعد) وهذا بالطّبع كان ثروة كبيرة عندما كانت اللّيرة السورية في عز قوّتها.
لكن بعد أن قطعت حافلة الركّاب شوطاً من الطّريق توجّه السّارق إلى مُقدَّمة الحافلة وطلب من السائق التوقّف لأنّه بلغ مقصده على اعتبار أنّ قريته على مسافة قريبة من المكان. استغرب السّائق طلب الرّجل لعلمه أنّه لا توجد أماكن مأهولة أو سكنيّة في تلك المنطقة القاحلة، لكنه مع ذلك أوقف الحافلة ليهبط منها الرّجل وتابع سيره وهو يفكّر في ملابسات سلوك الرّجل ودوافعه الغامضة.
لكن ما أن وطأت رجلا السّارق أرض الطريق السّريع حتى جاءت سيّارة مسرعة فصدمته وقذفت به لأكثر من عشرة أمتار، فسقط أرضاً يتخبّط بدمه بعد أن تشوّه وجهه وتقاسيم جسمه وغطاه الدّم بأكمله، فبات من الصّعب التعرّف على هوّيته. أما السّائق الذي دهسه فقد تابع طريقه ولم يعبأ يأمر إسعافه، وبقي الرّجل ملقى على الطّريق إلى أن أتت دوريّة عسكريّة قامت بنقله إلى أقرب مستشفًى في تلك النّاحية.
وبعد إجراء الأمور القانونيّة للتعرّف على شخصه لم يعثر إلا على محفظة النّقود التي سرقها وبداخلها هويّة صاحبها، فتمّ الإتّصال بذوي التّاجر وإبلاغهم أن يحضروا إلى المستشفى المعيّن لاستلام الجثمان مع الجزدان والدّراهم.
أمّا التاجر فعند وصوله إلى مدينة حلب تفقّد المحفظة فلم يعثر عليها، فدبّ في قلبه الهلع من خسارة “تحويشة” العمر وتوجّه إلى سائق الحافلة مستغيثاً وطالباً منه مساعدته في العثور على المحفظة أو يكشف كيف اختفت ومن يا ترى استولى عليها، وقد اتّجه الشكّ بالطّبع إلى الرّاكب الذي كان يشاركه المقعد خلال قسم من الرّحلة قبل أن يغادر الحافلة فجأة ودون سبب وجيه.
وبالفعل فقد هزّ السائق برأسه قائلاً: ظنّي هو أنّ السّارق هو الشّخص الذي كان إلى جانبك لأنّني كنت أعتقد أنّه ذاهب إلى حلب، لكنّه بدّل خطّته وقرّر الترجّل من الحافلة بعد وقت قصير من بدء الرّحلة في مكان قاحل لا أثر لسكن أو لعمران فيه، وعبّر السّائق الخبير في هذه الأمور عن شكّه في أن يكون الرّجل الذي ترجّل في ذلك المكان من سكّان تلك النّاحية. وأردف بالقول إنّ من الصّعب العثور على الرّجل لأنّه اختفى على الأرجح مع الغنيمة سائلاً التّاجر أن يسلّم أمره إلى الله وأن يسأله تعويض ما خسره. لكنّ التاجر الملتاع ردّ على السائق بأنّه خسر كلّ شيء وأنّه لم يبقَ معه حتّى ما يكفي للعودة إلى منزله في حلب. فعرض السائق مساعدته وقدّم له من المال ما يكفيه لتأمين طريق العودة.
لكنّ التّاجر بعد عودته إلى بلدته وجد أبناء قريته يقيمون له مأتماً والجميع بادٍ عليهم علامات الحزن والأسى، والبعض الآخر مشتغل بتعداد حسناته ومزاياه الحميدة، وما أن أحسّ الجمع بوجوده بينهم حتى صُعِقوا وتحلّقوا حوله غير مصدّقين ما يشاهدون أمامهم، ومع هذا علت البهجةُ والفرحةُ وجوه الجميع وعانقوه مهنّئين ومستفسرين في الوقت نفسه عمّا يا تُرى حدث معه في سفرته.
وبعد أن قصّ عليهم كيف سُرقت محفظته من قبل من كان يشاركه مقعد الحافلة، وأخبرهم أيضاً أنّه علم من بعض الشّهود في طريق العودة إلى بلده أنّ السارق استحق عقاباً شديداً إذ مات دهساً تحت عجلات سيّارة مسرعة، ثمّ كيف استضافه صاحب حافلة الركّاب وزوَّده بالمال كي يتمكّن من العودة.
آنذاك اتّضح للجميع أنّ الجثمان المشوّه هو للسّارق وأن ما قامت به السّلطات الرّسميّة كان اعتمادها على البطاقة التي وجدت داخل المحفظة، وبعد أن تبيّن أنّ الجثمان المسجّى هو للسّارق الذي استحقّ العقاب حدث هرجٌ ومرجٌ ودعا بعض الحاضرين لإحراق الجثمان، غير إنّ التاجر رفض ذلك قائلاً: ليس هذا من شيمنا وأخلاقنا، وما عليكم سوى أخذه ودفنه في أي مكان ليظهر للجميع عفونا وفي الوقت نفسه ليبقى مثواه عنواناً لعدالة السّماء ودرساً يُنقل إلى الأجيال، ثمّ توجّه للحاضرين المتحلّقين حوله شاكراً حامداً أريحيّتهم سواء أكان بحضورهم للمأتم على موته أم سرورهم وفرحهم بعودته.
سؤال للقارىء الكريم: ما رأيكم بما أصاب السّارق..؟
أليس خلف هذا كلّه إرادة سماويّة كانت سريعة وفاعلة في إظهار عدالتها وأنّ الله لا يحبّ الفاسقين؟؟

بينزع الدّبس عن الطّحينة

بعض الذين يتميّزون بالذّكاء المفرط وبالدّهاء وسعة الحيلة يصحّ فيهم الوصف القائل: “بينزع الدّبس عن الطّحينة”، وقد بقي في ظنّي أن هذا الوصف مجرّد صورة مَجازية جميلة لأمر لا يمكن أن يحصل لأنّه من المستحيلات حتى سمعت هذه القصة الغريبة عن شابٍّ من عين جرفا عمل أجيراً عند أحد الفلّاحين الكبار الذي وبسبب انشغاله بموسم الحصاد واضطراره لتناول الطّعام في البيدر طلب من زوجته أن ترسل له طعامه ومع الطّعام قصعة من الدّبس والطّحينة وهو من أصنافه المفضّلة.
الشابّ الأجير كان أيضاً ذوّاقاً و”يموت” في دبس الخرّوب لكنّه لا يحبّه مع الطّحينة، ومن شدّة حبّه للدّبس لم يستطع مقاومة رائحته اللّذيذة وطعمه الألذّ فشحذ مخيّلته وتفتّق عقله عن حيلة جهنّمية تمكّن بواسطتها من أن يأتي على معظم الدّبس قبل أن يصل إلى البيدر لتسليم معلّمه طعام اليوم. لكن بدل الدّبس والطّحينة كان سيّده لا يجد إلّا الطّحينة بمفردها في قعر الوعاء ممّا أثار حنقه على زوجته التي اعتقد أنّها تقوم عمداً بإرسال الطّحينة له من دون الدّبس وبعد تكرار هذا الحادث قرّر مواجهة زوجته وتأنيبها بشدّة بسبب ما تقوم به من عدم تلبية طلباته. وقد ختم الرّجل تأنيبه لزوجته بالقول: إذا كانت الأمور ستبقى هكذا فما أمامنا سوى الطّلاق والفراق…
بُهتت الزوجة المخلصة لهذا التّهديد، لأنّها لم تكن على علم بما يحصل وأنّ زوجها لم يكن يجد في القصعة سوى الطّحينة، أمّا الدّبس فكان يختفي تماماً، وهي كانت دائماً تردّ على تهديد زوجها بالإنكار الشّديد وكانت تُقْسم أيْماناً مغلّظة بأنّها لم تغفلْ يوماً عن إرسال الدّبس مع الطّحينة، وإن كانت لا تعلم ما الذي يحصل قبل بلوغه مكان زوجها، وفي يوم قالت له: لِمَ نستمرّ في هذه المشاحنات إذ ليس عليك سوى التحقّق والبحث عن سبب ذلك بنفسك”.
الزّوج لم يقتنعْ، ولم يكترثْ لقَسَم ويمين زوجته وكان غالباً ما يخاطب أقرانه وأصحابه بالقول: هل بإمكان أحد أنْ ينزع الدّبس عن الطّحينة؟ فالاثنان سائلان ممزوجان فوق بعضهما بعضاً، لكن يبدو لي أنّ في الأمر مَكيدة ما.
المرأة بدورها أعملت فكرها في الأمر خصوصاً بعد اتّهام زوجها لها ولهذا فهي اقتربت منه وقالت: جُلّ ما أرجوه أنّ تتحقّق من الموضوع أوّلاً عن سبب اختفاء الدّبس وأنا أصبحت مقتنعة معك بأنّ هناك مكيدة لم نعرف ملابساتها حتّى الآن.
بدأ الزوج يفكّر وانتبه إلى أنّ أجيره كان كلّما “احتدمت” بينه وبين زوجته يترك موقعه وينسحب بهدوء بعيداً في الحديقة، وكأنّ في الأمر شيئاً يخصّه أو خوفاً من السّؤال والجواب. لهذا لحق به ثم استدعاه إلى غرفته ليسأله عن سبب هربه وابتعاده عندما يعلو الخلاف بينه وبين زوجته. وقد أتّبع سؤاله بقدر من التّهديد بأنه ما لم يُصْدِّقه أجيره القول فإنّه سيطرده على الفور.
الأجير وجد الأمر في غاية الجديّة وخاف على مسيرة عمله ورزق عياله، لذلك قرّر أن يُفصح عن سوء عمله مهما تكن النّهاية، فاقترب من معلّمه ثم قال: سيّدي حقّاً إذا كان الكذب حجّة فالصّدق منجاة، لعن الله هذه النّفس الدّنيئة ومن يتبعها، لكن كما أنتم تحبّون وترغبون أكل الحلويات بعد الطّعام كذلك فإنّني أشتهي الحلوى، ولم أستطع أن أمنع نفسي من تناول الدّبس وحده لأنه عندي ألذّ حلو اً لا يقاوَم ويفوق في قيمته عندي الطّحينة التي تمزج معه.
قال معلمه: فهمت لكن أخبرني كيف توصلت إلى نزع الدّبس عن الطّحينة؟
أجاب الأجير: لقد تفتّقت مخيّلتي عن حيلة لا تخطر على بال بشر إذْ عمدت إلى قشة “فاقوع” فارغة من قلبها فكنت أغرسها في الوعاء المليء بالدّبس وفوقه الطّحينة وبهذا أصبحت أشفط الدّبس بمفرده لتبقى الطّحينة..
الرّجل استراح في محله؛ بعد أن قلب على ظهره من الضّحك لحدّة ذكاء هذا الأجير وشيطنته ثم قال: “والله والله لا يُجاريك في عملك هذا سوى الشّياطين والعفاريت، لأنّك بنزعك الدّبس عن الطّحينة كِدْت تُفْسدُ علاقتي بزوجتي الوفيّة وتخرّب بيتنا بعد طول السّنين.

القرآن، ونشأة النحو العربي – شوقي حماده

القرآنُ الكريمُ
ونشأةُ النَّحوِ العربيِّ

نسخة نادرة من ديوان أبو الأسود الدؤلي تعود إلى صفر 380 وهي محفوظة في مكتبة جامعة لايبزيغ الألمانية copy
نسخة نادرة من ديوان أبو الأسود الدؤلي تعود إلى صفر 380 وهي محفوظة في مكتبة جامعة لايبزيغ الألمانية

لم يكن تأثير الدّين محصوراً في النّظم السياسية والاجتماعيّة وحدها، فللدّين تأثير جوهريّ على الحياة الفكريّة، ومن ثمّ يكون تأثيره على روحِ الحضارة فضلاً عن مقوّماتها. وتأثير الدّين في الثّقافة الإنسانية واضح في قول الشاعر والمفكر البريطاني توماس إليوت: “لا يمكن أن تظهر ثقافة أو تنمو، إلّا وهي متّصلة بدين”. وهذا الأمر صحيح الى حدٍّ بعيد، بالنسبة للإسلام، فإن مختلف ضروب العلم الإسلاميّ، قد تأثّرت – نشأةً وتطوّراً – بالعقيدة الإسلاميّة، وقد تأثّرت دراسة اللّغة – عند المسلمين – بالمنهج الإسلاميّ، كما تأثّرت المادّة اللّغوية بالإسلام، فنشأةُ الدّراسات اللُّغوية بدأت متأثّرة بحاجات دينيّة، وضرورات اجتماعية ناتجة عن الدّين، وإن كانت تختلف – في الأسباب المباشرة – عن غيرها من العلوم الإسلاميّة، ومصدر هذا الاختلاف، يعود، عندي، إلى محور الدّين، وهو القرآن الكريم، والقرآن نصٌّ عربي. وإذا كان لا بدّ من نقل الأمم الإسلاميّة، على تنوّع ألسنتها واختلاف لهجاتها، إلى القرآن والعربيّة، فكيف يتمّ هذا النقل ــ يا رعاكَ الله– بغير تناول اللّغة التي نطق بها القرآن؟ بيد أنّ نقل هذه الأمم-على امتداد الآفاق- إلى القرآن، يتطلّب أولاً توحيد النّصّ القرآني، ولم يتمَّ توحيد هذا النص إلّا في عهد الخليفة عثمان بن عفّان (ر) سنة 35 هـ / 655 م، حين جمع الناس على مُصحفٍ واحد، فمهّد بذلك الطّريق الى ضبط النَصّ ضبطاً دقيقاً، وهي الخطوة الأولى التي فتحتْ باب الدّراسات النّحويّة بأسرها.
وإذا كان الأمر كذلك، فإنّنا نشّك فيما ذهب إليه ابن فارس1، من أنّ النّحو في اللّغة قديم، ثمّ أتت عليه الأيّام، حتى جاء أبو الأسود الدّؤلي2، فأحيا ما اندرس منه.
كما أننا نشكّ في أن يكون ظهور اللَّحن أو شيوعه، هو السّبب الأساسيّ في نشأة الدّراسات النّحوية، وإلّا لظهرت محاولات نحويّة في العصر الجاهليّ، أو في عهد الرّسول (ص) وأبي بكر وعمر (ر) وهو ما لا نجد له أصلاً في ما ترويه كتب التاريخ ومصادر اللغة – باستثناء – نصٍّ يتيم وحيد، نسب نشأة النّحو إلى عهد عمر، وقد نقلها عن ابن الأنباري3 ابن قاضي شهبة4، ثمَّ نقلها عنهما السّيوطي5. وابن الأنباريّ من علماء القرن السادس للهجرة، وكانت وفاته سنة 577 ه / 1181 م، فانظر إلى الفترة الطّويلة التي تتجاوز خمسة قرون، لم ينسب، في خلالها، أحد وضع النّحو الى عهد عمر بن الخطاب (ر).
ومشكلة ابن الأنباري – رغم معرفته بأسرار اللغة – أنّه كان ضعيف الرّواية، فهو لا يذكر عَمّن روى، ولا ممّن أخذ، وهو – فوق هذا كلّه – ممّن لا يتحرّزون ولا يحللّون، إذ يذكر روايات كثيرة يناقض بعضها بعضاً دون أن يحفل بتحقيقها، فهو يضيف إلى هذه الرّواية التي تنسب وضع النّحو إلى أبي الأسوَد الدؤلي بأمرٍ من عمر (ر)، روايات أخرى تنسب السَّبب في وضع النّحو إلى الإمام علّي بن أبي طالب كرّم الله وجهه و إلى زياد بن أبيه6، كما يسند وضع النّحو في روايات لاحقة إلى عبد الرحمن بن هوفر ونصر بن عاصم7، دونما تحليل لسَنَد هذه الروايات، أو مادّتها، فإذا أيّدنا صحّة هذه الرّواية، فلأنها لا تتناقض مع ما تحتّمه الظروف الموضوعية، من استبعاد البدء في الدراسات النحوية – بأي وجهٍ من الوجوه– قبل عهد عثمان بن عفّان (ر)؛ إذ يمكن تفسير هذا النّحو الذي أمر الخليفة عمر أبا الأسود الدؤلي بوضعه، بأنه ليس هو ما يعنيه الباحثون من تناول الظواهر التركيبية بالتعقيد8 والدّرس، بل هو النّحو الذي ينبغي أن ينحوه قُرّاءُ القرآن الكريم، أي المنحى أو الاتّجاه أو الطريقة التي يجب أن يتّبعها معلمو القرآن في قراءته، يؤيّد ذلك ما نراه في أحد كتب الخليفة عمر إلى أبي موسى الأشعريّ، فقد استخدم فيه لفظ “الإعراب” لأوّل مرّة، دون أن يحمل مضمونه الاصطلاحي، إذ يقول: “أما بعد، فتفقّهوا في الدّين، وتعلموا السُنّة، وتفهمّوا العربية، وليعلِّم أبو الأسْوَد أهل البصرة الإعراب”

1.تمثال-للخليل-بن-أحمد-الذي-يعتبره-البعض-واضع-قواعد-اللغة-العربية
1.تمثال-للخليل-بن-أحمد-الذي-يعتبره-البعض-واضع-قواعد-اللغة-العربية

فالإعراب، هنا، بمعنى الإبانة، وعمر (ر) يقصد وضوح القراءة في كتاب الله. هذا، ولا يضيف أحد من علماء القرن السابع الهجري، أمثال ياقوت أو ابن الأثير أو القفطِيّ أو إبن خِّلكان شيئاً جديداً، وإذا كان علماء القرن السّابع الهجري هؤلاء، قد اكتفَوْا بترجيح وضع أبي الأسْوَد الدّؤلي للنّحو، مع حكاياتهم لما فيه من خلاف، فإنَّ علماء القرون التالية، قد خطا بعضهم خطوةً إذ استقرّت عندهم نسبة وضع النّحو إلى أبي الأسْوَد، دون أن يعتنوا كثيراً بما في هذه النّسبة من اختلاف، يؤكّد ذلك نصّ ابن مكتوم في تلخيصه9، و ابن نباتة في سرحه10، و اليافعي في مرآته11، و ابن كثير في كامله12، والعسقلاني في تهذيبه، وابن تعزي؟؟؟ (يرجى سؤال شوقي عن حقيقة الاسم هنا: أظنّه ابن تغري بردي وليس ابن تعزي، إذ لايجوز لنا أن نغلط في مجلّتنا)في نجومه13 ، وابن العماد في شذراته14، و البغدادي في خزانته15.
قلنا اهتمّ عمر بن الخطّاب (ر) بتعليم الإعراب لأهل البصرة، وهي أصلح مكانٍ في العراق لنشأة الدّراسات النّحوية، ذلك أنّ موقعها الجغرافي هو نقطة التقاء تتقاطع فيها الطّرق الصّحراوية الآتية من شبه الجزيرة والشّام، والمتجّهة من بلاد فارس بالطّرق البحرية الممتدّة من المجرى الأدنى للرّافدين، على ما في هذا التّلاقي الكثيف من تنوّع سكّانيّ وتعدّد ثقافيّ لألوانٍ من القبائل والبطون.
هذا العدد من العرب وسواهم من أبناء الشعوب غير العربيّة، لا بدَّ أن يُحِسّ بالمشكلة اللُّغَويّة إحساساً عميقاً، يدفعه إلى خلق “لغة مشتركة”، لتكون وسيلةً للتّفاهم بين ذوي اللّهجات المتعدّدة واللّغات المختلفة، ولا بدّ أن تصبح هذه “ اللّغة المشتركة “ مبّسطة القواعد الى أبعد الحدود ليتيّسر استخدامها في مجال الحياة اليوميّة، ولا بدّ لها أن تتجرّد من مراعاة الظّواهر الأصلية في اللّغة العربيّة، وأبرز هذه الظّواهر، الظّواهر التّركيبيّة. أمّا أوضحها دلالةً وأصعبها مركباً، فهي ظاهرة التصرّف الإعرابي، وفي مقابل هذا الدافع إلى خلق “لغة مشتركة”، لحلّ المشكلة اللُّغَويّة، لا بدّ أن يبرز حلٌّ آخر، وهو جعل العربية نفسها “اللّغة المشترَكة” ولا سبيل إلى ذلك، إلّا بوضع قواعد لها، لتصبح هذه اللّغة، أساس وحدة الفكر ودعامة لوحدة العقيدة، معنى هذا أنّ الظروف كانت مؤاتية في أواخر عهد عثمان بن عفّان (ر) للتصّدي لهذه العقبة الأساسيّة التي تواجه الفكر الإسلاميّ؛ ونحسب أنّ التحدّي اللُّغَويّ الذي واجه المسلمين، دفعهم دفعاً إلى أن يواجهوه، في مجالين متّصلين متكاملين، يتمثّل أوّلهما بالعلاج السّريع للمشكلة، ونعني به ضبط القرآن ضبطاً دقيقاً حتى لا يخطئ فيه قارئوه.. ويمثّل ثانيهما، حلّ المشكلة حلّاً جذرياً على المدى البعيد، وهو دراسة اللّغة العربيّة، وفهم ظواهرها، وصَبُّ هذه الظّواهر في قواعد كلّيّة تشير إليها وتدل عليها، لتُعرَف بها، وتُتَعلّم عن طريقها.
إنّ التصدي لهذا التحدّي اللُّغَويّ، يتطلّب وعياً عميقاً للقرآن وللّغة في وقتٍ واحد، ويستدعي أن يكون المتصدّي لحلّ هذه المشكلة، حافظاً جهد الحِفظ، ولُغَويّاً واسع الدّراية؛ ومن المؤكد أنّ أبا الأسْوَد الدّؤلي، هو الذي انبرى لعلاج الجانب العاجل من المشكلة اللُّغَويّة، فقام بضبط المُصحف، وتؤكد الحقائق التّاريخيّة أنّه كان أوّل من نقّط المُصْحَف، وليس هناك خلاف في دور أبي الأسْوَد الدّؤلي الرّائد في هذا المجال16، وهو عملٌ يكشف عن أصالةٍ في الفَهم وقدرةٍ على الابتكار، وبراءةٍ من التّبعية والتّقليد.
وإذا كان أبو الأسْوَد هو الذي قام بالعلاج السّريع للمشكلة اللُّغوِيّة، فهل هو أيضاً من قام بريادة الدّراسات النّحويّة فوضع بذلك الأسس الأولى للحلّ الجذريّ للمشكلة؟
ينبغي علينا أن نحدّد معنى الواضع الأوّل للنّحو ليكون تمهيداً طبيعيّاً لمعرفة أبعاد الدّور التاريخيّ.. وفي تصوّري أنّ “الواضع الأوّل” إنّما يعني الرّائد الذي ارتاد الطّريق إلى الدّراسات النّحويّة ولا يشترط أن يكون قد وضع قواعد نحويّة مُحَدّدة، وذلك يعني أنّ ريادة الدّراسات النّحوية، يمكن أن تكون بملاحظة الظّواهر اللُّغَويّة وحدها، دون محاولة تقعيد أيّ وضع قواعد لهذه الظّواهر.
فإذا نظرنا إلى الواضع الأوّل – بهذا المعنى – فسنجد أنّ شخصياتٍ ثلاثة هي التي تنسب إليها الأوّليّة، بصورة أساسيّة، إذا نحّينا شخصية رابعة، هي شخصيّة علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، ليس لوضوح الهدف السّياسي من نسبة هذه الأوّلية اليه، فحَسْب، بل لأّنّ طبيعة الظّروف السّياسية، وعمق التّحوّلات الاجتماعيّة التي جابهت أميرالمؤمنين، فَرَضَت عليه مواجهتها وشغلته عن الالتفات إلى غيرها، وهذه الشّخصيات التي تَنْسُبُ إليها الرّوايات التاريخية ريادة النّحو هي: أبو الأسْوَد الدّؤلي و نصر بن عاصم وعبد الرّحمن بن هرمز.
إنّ أوّل رواية نسبَت ابتكار النّحو إلى هؤلاء الثّلاثة العلماء، هي رواية السّيرافيّ17 المتوفّى سنة 368 ه / 979 م، أي بعد قرابة ثلاثة قرون، لم يذكر فيها أحد، شيئاً عن نصر بن عاصم أو عن عبد الرّحمن بن هرمز، وهذه الرواية لا تعدو أن تكون رأياً فرديّاً منسوباً إلى خالد بن مهران، وقد رجّح فيها اسم نصر بن عاصم، وكذلك هي الحال في رواية السّيرافيّ الثانية، التي استندت إلى رأيٍ فرديّ منسوبٍ الى أبي النضر وقد رجّح فيها اسم ابن هرمز رائداً في النّحو. وليست الآراء الفرديّة ممّا يُعّول عليها كثيراً في صحّة الحقائق التّاريخيّة، وبخاصّةٍ حين تتعارض مع روايات أكثر قوّةً، توافَرَ على دعمها العقل والنّقل معاً.
وإذاً، فهذه الرّوايات التي استند إليها السّيرافيّ، تحمل في نفسها بذور الشَكّ، وهي – بذلك – ترجّح كِفّة أبي الأسْوَد رائداً في علوم اللُّغة. فنصر بن عاصم، هو أحد القرّاء، وكذلك ابن هرمز، وإن كان ابن هرمز يضيف إلى القراءة علماً بأنسابِ قُريش، ومعنى هذا أنّ كُلّاً منهما ذو ثقافةٍ محدودة، لا نتصّور فيها ممارسة العمل الفكري إلّا متابعةً لا ابتكاراً، وأمّا أبو الأسْوَد، فهو إنسانٌ مُلِمّ، الى حدّ كبير، بثقافة عصره فهو يحفظ القرآن، ويروي الحديث، ويحيط باللُّغة، ويقول الشِّعر.
أمّا المعاصرون من الدّارسين، فيمكن أن نميّز بينهم ثلاثة اتجاهات:
الاتّجاه الأوّل، يكتفي بسرد الرّوايات التّاريخيّة المتعدّدة، دون تقديم تفسير لاختلافها، أو الخروج بترجيحٍ بينهما.
والاتّجاه الثّاني، يعترف بدَور أبي الأسْوَد، وهو الاتّجاه الشّائع بين الدّارسين.
والاتّجاه الثّالث، يرفض الاعتراف بدور أبي الأسْوَد، وأرى أصحاب هذا الاتّجاه، وإن اتّفقوا على نفي كلّ دورٍ لأبي الأسْوَد، فإنّهم يختلفون فيما وراء هذا الاتّفاق، إذ يحاول كلٌّ منهم أن يقدِّم من يعتبره المؤسّس الأصيل للدّراسات النّحْويّة، منطلقاً من وجهة نظر خاصة، ترفض – في كثير من الأحيان – الإلمام بالظّروف الموضوعيّة التي رافقت نشأة الدّراسات النّحْويّة، وفرضت اسم أبي الأسود الدّؤلي رائداً في هذا الميدان، وهكذا وجدنا أسماء جديدة أضافها الدّارسون المحدثون إلى اسم أبي الأسود وزميليه: نصر بن عاصم، وعبدالرّحمن بن هرمز، ونسبوا إليها التّأثير الحقيقيّ في نشأة البحث النّحْويّ وعلى رأس هذه الأسماء عبد الله بن اسحق18 والخليل بن أحمد 19و سيبويه20.

بناءً على هذه الدّراسة الموجزة المستندة الى عشرات المصادر والمراجع، يمكن القول باطمئنان علميّ، إنّ أبا الأسْوَد الدّؤلي، ليس أصلح شخصيّة يمكن أن ينسب اليها وضع النّحو فحسْب، بل هو بالفعل، الواضع الأوّل للنّحْو العربيّ، وأوّل من ارتاد الطّريق الى الدّراسات اللُّغَويّة بأسرها.

مصحف جامعة برمنغهام يعتبر أقدم مصحف في العالم، ويلاحظ أنه كتب بالعربية لكن من دون تنقيط للحروف
مصحف جامعة برمنغهام يعتبر أقدم مصحف في العالم، ويلاحظ أنه كتب بالعربية لكن من دون تنقيط للحروف

الهوامش

1. أحمد بن فارس: لغوي كوفّي المذهب. له كتاب “المجمل في اللغة” و”مقاييس اللغة” توفي سنة 1004 م
2. أبو الأسود الدولي: (605 – 688م) عالم في اللغة، وحافظ، وشاعر، اليه ينسب علم النحو
3. ابن الأنباري، هو أبو البركات (1119 – 1181) نحوي لغوي، له “نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء” “والأنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين”
4. طبقات النحويين واللغويين
5. الأخبار المروية في سبب وضع العربية (مخطوط)
6. نزهة الألبّاء
7.
8. أريد بالتعقيد: وضع القاعدة.
9. تلخيص أخبار النحويين واللغويين (مخطوط) ورقة 4 و 5
10. سرح العيون (158)
11. طبقات القرّاء (245 – 304)
12. تهذيب التهذيب 12 (10 – 11)، وانظر الاصابة (304 – 305)
13. النجوم الزاهرة 1/184
14. شذرات الذهب 1/76
15. خزانة الادب ولب لباب لسان العرب 1/136 – 138
16. وقع الخلاف، فقط في (العهد) الذي تّم فيه هذا الضبط، و(من) اسند الى أبي الأسْود القيام به.
17. الحسن السيرافي (897 – 979 م) نحوي وعالم بالأدب، له: أخبار النحويين البصريين، وشرح كتاب سيبويه”.
18. عبدالله بن أبي اسحق: هو أقدم النحاة الذين ذكرهم سيبويه، يعود اليه مدُّ القياس وشرح العلل في النحو، توفي سنة (735 م / 117 ه).
19. الخليل بن احمد: اشهر علماء اللغة وواضع علم العروض له كتاب (العين) وهو أول معجم عربي، توفي سنة (786 م / 170 ه)
20. سيبتويه: هو عمرو بن عثمان، إمام مذهب البصريين في النّحو، تعلّم على الخليل بن أحمد، توفي سنة (796 م / 180 ه).

الجوفيّة حازم ناصر النّجم

اجتماع المجاهدين في العام 1925 استعدادا لمعركة المزرعة ضد الجيش الفرنسي – الجوفيات لعبت دوما دورا أساسيا في رفع المعنويات وبث الحماسة فس المقات

الرجل داخل الحلقة دوره أساسي في إشعال الحماس في مجموعةالجوفية

العرضة السعودية تشبه في العديد من وجوهها الجوفية في جبل العرب

سلطان باشا وفريق من مقاتليه في صحراء الأردن

فرقة شعبية للجوفية تؤدي رقصتها في مدينة السويداء

الجَوْفِيّةُ في جَبل العرب

فـــــنُّ التّفاخـــــرِ وشَحْــــــذِ الهِمَــــــــم

معظمُ شعراءِ السّلف في الجبل ومن عاصرَهم
يكرهون إقحامَ الغَزَلِ في الجَوْفيّة أو يرفضونَه تماماً

في سياق تتبّعنا لنشأة الشّعر العامّيّ في جبل العرب وحركة تطوّره تستوقفنا مجموعة عناصر مهمّة في هذا الفولكلور الواسع، وقد قدّمنا في السّابق دراسة حول كيفية تحوّل لغة هذا الفولكلور في معظمها من الصّيغة اللّبنانية أو القرويّة المحلّيّة إلى الصّيغة البدويّة التي هي لغة المحيط الذي يضمّ المتمايزين في لوحة جغرافيّة واحدة ..
ومن أهمّ هذه العناصر التي نتناولها في هذا المقال “الجوفيّة” التي أخذت مساحة غير قليلة في الفولكلور قياساً إلى النّماذج الأخرى. فما هي الجوفيّة؟ومن أين جاءت تسميتُها ؟ وكيف تطوّرت خلال أكثر من قرنٍ من الزّمن في جبل العرب؟

الجوفيّة هي نموذج غنائيّ جماعيّ تندرج تحته عدّة أوزان شعريّة وعدّة ألحان، وهذا النّموذج مخصّص للأشعار الحماسيّة التي تصلح للغناء، ولا أقول إنّ كلَّ القصائد الحماسيّة تصلح للغناء بصيغة الجوفيّة وألحانها، فنحن نلمس من خلال القصائد الجوفيّة بكافة أنماطها أنّها مُختصرة، لا تتعدّى العَشَرةَ أبيات في غالبيتها العظمى، بل وإنّ أشهرها لم يتعدَّ الخمسة أبيات، وهي أيضاً تحمل الزّخم اللُّغَويّ الرّشيق والمتتابع، والذي ينضح بالحماس والتحدّي والفروسيّة وما إلى ذلك من مقوّمات القصائد الحربيّة ونلمس أيضاً أنّ معظم هذه الجوفيّات ارتبطت بالحدث أو المعركة التي قيلت فيها القصيدة، أي هي “قول على فعل”.
وقد دأبت العرب منذ القِدَم على استخدام هذا الأسلوب “الإعلاميّ” وهذا الفنّ الحماسيّ في كل وقائعها، فنجدهم يطلقون الأهازيج الحماسيّة أو الأراجيز قبيل معاركهم، ومنها ما يكون إلقاءً للشّعر ومنها ما يكون مُغنّى بشكل جماعيّ، وهذا الغناء رافقه إيقاع الطّبول والدّفوف بغية إثارة حماس المقاتلين، وزرع الرّعب في قلوب الخصم، ونلمس في تاريخ الشّعر العربي أيضاً قصائدَ نُظمت إثرَ الانتصارات السّاحقة التي عُرفت بوقائع وأيّام العرب، وكان لهذه القصائد دورٌ تاريخي في نقل ملامح بعض المعارك بل وتوثيق بعضها بشكلٍ كامل وهذا ما نجده في معظم (جوفيّات) جبل العرب من دورٍ تحفيزيّ وتوثيقيّ وإعلاميّ.
وقبل الخوض في الأمثلة لابدّ من البحث في سبب تسمية هذا النّموذج بالجوفيّة وفي منبعه الأساس.
كلمة “جوفيّة” مصدرها “الجَوْف” وهي منطقة في شبه الجزيرة العربيّة تحدّها الأردنّ من جهة الشّمال الغربيّ، ومن الجَنوب منطقة حائل وتبوك، ومن الشّمال والشّرق منطقة الحدود الشّمالية للسعوديّة، وكان لأهالي منطقة الجوف علاقات تجارة ورعي ماشية مع سكان جبل العرب، ومن خلال هذه العلاقات والاحتكاك الثّقافي الذي رافقها انتقل هذا النّموذج من الفنّ الغنائيّ الشعبيّ من الجوف إلى الجبل كما انتقل إلى سهل حوران والبادية الأردنية وعُرفَ بالاسم ذاته (جوفيّة)، وهو في الجوف (أو الجزيرة العربية بشكلٍ عام) معروف باسم (العَرْضَة)، ومع انتقاله إلى جبل العرب تغيّرت بعض معطياته الفنيّة وبالأحرى تطوّر هذا النموذج مع الزّمن، وفي الواقع فقد لعبت الجوفيّة دور وسيلة النّقل التي وثّقت الكثير من الأحداث التّاريخيّة والأسماء التي غيّبها ليل الزّمن، وهذه الأسماء تنوّعت ما بين قادة وجنود أبطال، وحتى نساء، كان لهنَّ دور مميّز في إثارة حماس المقاتلين أو المشاركة في المعارك، وأكثر ما وردَ توثيق أسماء هؤلاء النّسوة في صيغة “الاعتزاء” أو العزوة كما تسميها العامة وهذه الصّيغة تُعْتَبرُ جزءاً من الموروث البدويّ الشعبيّ، والمقصود بالاعتزاء اللّقب الذي دأبت العامة على إلحاقه بعائلة ما أو قبيلة أو حتى أفراد فيقولون “أخو نَوْضَة” وهي عزوة مسلط الرّعُوْجي أحد فرسان قبيلة العمارات، أو “أخو سميّة” وهي عزوة سلطان باشا الأطرش، أو “أخوة شيخة” وهي عزوة آل عامر في الجبل،.وهذه الأسماء جاءت من منطق الفخر بالنّسوة اللائي لعبنَ دوراً بارزاً وحماسيّاً في مسيرة الفرسان، وكان للشّعر العامّي وعلى رأسه الجوفيّة الفضل في توثيق هذه الألقاب ودلالتها. ومثال ذلك : بيت من جوفيّة لاسماعيل العبد الله في مدح أحد شيوخ الرّوله :
أخــــــــــو عَــــــــــذرا يـــــــــا صَـــــــــليــــــف العيالــــــي يــــــــــا زَبـــــــون مْدَهّنــــــــــــــات الجَديـــــــــــــــــــــلـــــــة
صليف العيالي: أي هوقائدٌ يتبعه رجال أشدّاء، زَبون : بفتح أولها تعني المُدافع الذي يذود عن الحمى ، مدهّنات الجديلة : كناية عن النّساء اللواتي يُعطّرنَ جدائلهن.
وأيضاً بيت من جوفيّة لثاني عرابي في مدح سلطان باشا الأطرش وذِكر معركة المزرعة الشّهيرة :
أخـــــــــــــــــــو سْميّــــــــــــة قــــــــــــايد الكِــــــــــــــــــــــــــــــــــــلِّ بـــــــــــــــــالمزرعــــــــــــــــــــــــــــــة عِلقـــــــــــــــت حْــــــــــروبَــــــــــهْ

الكلّ: تُلفظ “الكِلة” لتوافق القافية والوزن والموسيقى الداخليّة في الجوفيّة ذاتها

الرجل داخل الحلقة دوره أساسي في إشعال الحماس في مجموعةالجوفية
الرجل داخل الحلقة دوره أساسي في إشعال الحماس في مجموعةالجوفية

شكل وأسلوب الجوفيّة
الجوفيّة كنموذج غنائيّ جماعيّ لها شكلها وأسلوبها الخاصّان بها وهي تعتمد على الغناء المتناوب من قبل مجموعة من الرّجال حصراً ــ فهذا الغناء خاص بالرّجال دون النّساء ــ فترى مجموعة من الرّجال يشكّلون حلقة دائرية ليس لها عدد محدّد، ومن ثم يبدأ قِلّة منهم بغناء قسيم واحد من بيت الشّعر المطلوب كأن يبدأوا بالإنشاد مثلا:
هيه يــــــــــا اللي راكبين عْلَى اْلسَّلايــــــــــلْ
فيقوم باقي الرّجال في الحلقة بترديد هذا القسيم على اللحن ذاته ومن ثم تتكرّر هذه العمليّة بالتّناوب مرتين أو ثلاثة للقسيم الواحد ومن ثم تنتقل المجموعة التي بدأت الغناء إلى القسيم الثاني:
فوق ضُمّر يَمِّ طربــــــــــــــــــــا نَــــــــــــــــــــــــــــــاحِّرينـــــــــــــــــــــــهْ
وتستمر هذه العملية والانتقال من بيت إلى بيت حتى آخر القصيدة، ويرافق هذه الأبيات المُغنَّاة مجموعة حركات جماعيّة وفرديّة، فالحركة الجماعيّة متوافقة من قِبَل جميع المشاركين في الحلقة وهي عبارة عن انحناءة بسيطة إلى الأمام وانثناء في الرّكبتين يكون بسيطاً أيضاً ويحقق حركة توافقيّة بين أعلى الجسم وأسفله، لكن قد يصل الحماس بالبعض إلى ثني الجسم بكامله إلى حد ملامسة الأرض بالرّكبتين، وترافق هذه الحركة صَفْقِ الأكف في إيقاع واحد، وهذا الصَّفق يتسارع أو يتباطأ حسب تفاعل المجموعة وإيقاع الغناء.
وفي شكلٍ آخر لحلقة الجوفيّة – وهو المعتمد غالباً- تدور المجموعة ببطء باتّجاه اليمين أي بعكس عقارب السّاعة، أمّا الحركات الفرديّة فهي عبارة عن رقصة خاصّة يؤدّيها شخص بمفرده عندما يفترق عن الحلقة ليصبح داخلها، فيقوم عندها بأداء حركات حماسيّة يشجّع من خلالها جزءاً من رجال هذه الحلقة، ويتخلّل هذا الأداء الجماعي دخول شخصين يؤدّيان رقصة من نوع آخر تتوافق مع اللّحن المطروح، وهي تتطلّب رشاقة وإتقاناً فترى الشّخصين يتمايلان بشكل متوافق مع حركة الأيدي المصفِّقة التي تمتد وتنثني في تناغم مع حركة الجسد وغالباً ما يكون السّيْف حاضراً في هذه الرّقصة الفرديّة، مع الإشارة إلى أنّ الجوفيّة لها تنسيق آخر أيضاً وهو غير متداول حالياً في الجبل إلّا عند الفرِق الشّعبيّة، وهذا التّنسيق يعتمد على صَفّين متقابلين من الرّجال فيقوم صفٌّ منهما بالغناء والصّفّ الآخر يقوم بالرّد على المُغنّين القدوة

وسيلة للتعبئة الحربية
بالعودة إلى نشأة الجوفيّة في جبل العرب وقدوم هذا النموذج الحماسيّ من منطقة الجوف، فنحنُ أمام مسألة تاريخيّة مهمّة في واقع أمر هذه الجماعات التي جاءت إلى جبل العرب من لبنان وغيره وأثبتت وجودها ودافعت عن استقرارها بكل ما أوتيت من عزمٍ وفكر.
إنّ تقليد الجوفيّة يُعدّ أحد أركان هذا الدّفاع عن الوجود من المنظور الثقافيّ، فهذه الجماعات فُرِضت عليها حالة التأهّب الدّائم، ما يمكن أن نسمّيها “حالة التعبئة والاستنفار” فهي ضمن محيطها الصّحراويّ الجديد معرّضة للخطر في كلّ آن، وهذا الوضع أفرز بطبيعة الحال طقوساً للتّكتّل الجماعيّ وللوحدة المعنويّة في صفوفها ، وقد مرَّ معنا سابقاً كيف استطاعت هذه الجماعات أن تأخذ لغة المحيط المجتمعيّ الشّعريّة لتساجله فيها، وهذا الأمر لم يكن وقفاً على المواجهة الصداميّة بل كان أيضاً وسيلة للتقرّب من بعض عناصر هذا المحيط وبالسّلاح اللّغوي ذاته ، وهو الذي يشكل لُحمة المجتمع العربيّ الجامعة من حضر وبدو ..
والجوفيّة أخذت شكلها في الفولكلور الشّعبي الذي أصبحَ جُزءاً من حياة سكّان الجبل واستمرّت فيما بعد مُدوّية في أفراحهم ومناسباتهم الوطنيّة (أي في حالة الاستقرار والأمان) وأيضاً في المآتم الخاصّة بالشّهداء والأبطال فهم يعتبرون مأتم الشهيد أو البطل عرساً وطنيّاً .

آداب وطقوس الجوفيّة
من طقوس الجوفيّة وآدابها أنّه في مناسبات الفرح التي تُدعى إليها القرى تكثر الجوفيّات أثناء قدوم الوفود المشاركة، وما يثير الدّهشة في هذه الجموع التي تهزج التنظيمُ العفوي الذي أصبحَ عادةً متبّعة، فالجماعة التي تصل أولاً تدخل المناسبة هازِجةً بجوفيّة، ويستقبلها أصحاب المناسبة بالترحيب والرّد على الجوفيّة بجوفيّة مقابلة، ومن ثمّ ينتظم الجميع في حلقة واحدة، ويشتركون بجوفيّة واحدة…
وعندما يأتي وفد آخر ــ يهزج بجوفيّةٍ أخرى ــ تُنهي الجماعة الأولى جوفيّتها فوراً وتبدأ بالرّد على الجوفيّة القادمة إلى أن يندمج الوفدان وهكذا حتى تتكامل الوفود المدعوّة وذلك خلال فترة وجيزة، ومن ثم تبدأ المناسبة بكامل فولكلورها المتنوّع. وتُعتبر الجوفيّة المرافقة للوفد المشارك تحيّةً ومباركة لأصحاب المناسبة.
أيضاً نجد في أعراس الجبل ظاهرة التّحدّي (بالجوفيّة) بين أهالي القرى فكلّ قرية تتفاخر بما تحفظه من الجوفيّات النادرة أو الجديدة، وللجوفيّة في هذه الأجواء ما للضّيافة من قِيَم، فالوفد القادم من خارج القرية له الأولوية في المشاركة ويُرَد على تحيّتهِ (جوفيّته) بمثلها.
وقد أصبحت القصائد التي تُغنّى بأسلوب الجوفيّة معروفة بهذا الاسم حتى وإن لم تُغَنّى؛ أي عندما يُطلب من الشاعر إلقاء هذه الأبيات يُقال: أسمِعنا جوفيّة كذا .. وفي المناسبات المشار إليها وعندما تَهِمُّ مجموعة ما باختيار جوفيّة يَطلبُ أحدُ أفرادِها غناء جوفيّة بعينها فيقول مثلاً: (بحر) أي هو يريد جوفيّة (يا الله ويا اللي حاجزٍ موج البحر) أو يقول: (شوشة) أي يريد جوفيّة (يحلالي حمرا تحت ناثر الشوشة) ــ أي هو الفارس الشاب الفتيّ الذي يمتطي فرساً حمراء اللون، والناثر مقدّمة شعر رأسه ــ وهكذا، فتراهم يأخذون اسم الجوفيّة من قافية صدر بيتها الأول، وهذه الجوفيّات محفوظة عن ظهر قلب من قبل كلّ أفراد المجموعة بطبيعة الحال؛ فعندما يريدون الانتقال إلى الشّطر الثاني في خِضمّ الأهزوجة والأصوات الرّجولية والحماس يلمّحون بكلمة من الشّطر الجديد فتنتقل المجموعة بشكل عفوي إلى هذا الشّطر وهكذا حتى نهاية الجوفيّة .

اجتماع المجاهدين في العام 1925 استعدادا لمعركة المزرعة ضد الجيش الفرنسي - الجوفيات لعبت دوما دورا أساسيا في رفع المعنويات وبث الحماسة فس المقات
اجتماع المجاهدين في العام 1925 استعدادا لمعركة المزرعة ضد الجيش الفرنسي – الجوفيات لعبت دوما دورا أساسيا في رفع المعنويات وبث الحماسة فس المقات

أمثلة عن الجوفيّات في جبل العرب
لابدّ من التّنويه إلى أنّ بعض الجوفيّات نقلها واستخدمها أهلُ جبل العرب عن البدو كما هي بكلماتها وألحانها وربما زادوا عليها أبياتاً خاصّة بهم، ومن هذه المنظومة نورد بعض الأمثلة التي لم يزل أصحابها مجهولين إلى الآن :
كـــــــــــــلِّ مــــــــــــــــــا نــــــــــاضِ بــــــــــرقٍ ورعّــــــــــــــادِ شيوخنــــــــا فــــــــوق ذَروات يتلونــه
ربَّــــــــعَ الجيش مــــــــِن رِعيَ الاجــــــــوادِ كــــــــلِّ قَفْرهْ وِمْن العشب يــــــــــــــــرعونه
هَنَــــــــــــــــو مــــــــَن قــــــــلَّـط الصّــبــــــــح روّادِ بَيْــــــــــــــــــــــــرق العـــــــــزِّ يمشي على هونــــــــــه
ناض البرق: أي لمع، فوق ذروات: أي على إبلٍ قويّة، يتلونه: إشارة إلى تتبع البدو للمطر، ربّع: أي أقام في المرعى. الجيش: كناية عن مجموعة الإبل. من رعي الأجواد: يشير إلى رعاية أصحاب الإبل لإبلهم وحمايتها من الغزاة، هنو: كلمة تستخدم بمعنى غبط الآخر أي هنيئاً له، قلّط الصّبح روّاد: بمعنى مشى صباحاً ليرود المكان أي ليستطلعه قبيل وصول قومه .
وأيضاً هذه الجوفيّة :
حـــــــــيّ قُـــــــبٍّ لفـــــــــــــــــــــت بــــــــــــــــــــــــالعيــــالـــي فــــــــــــــــــَزْعِــــــــــــةَ المِــــــــــــــــــــــــطِــلْبــــــــــــــين الــــــــــــــــــــــرَّعـــايـــــــــا
هَنَـــوْ مَـــــــــــــــــــــن نــــــَـطّ روس الطـــــــــــــوالي واشْرَف علــــــــى البيوت القصـــايـــــــــا
يــــــــــوم حاطـــــــــــــــــــوا بــــــهـــــــــــــــــــــــــم بــــــالمفــالي خـــالط الطَرش عَــــــــــــــــــــــــــــــــــــجّ السبـــــايـــــــــا
يــــــا عشيـــري تــــــرى العمـــــــــــــر غــــــالي نــــــــــــرخصـــه عنــــــــــــد ســــــــــــــــــــــوق المنايــــــــــا
القُب: الخيل الضامرة، فزعة المطلبين الرعايا: إشارة إلى إغاثة طالبي المعونة والفزعة عند العامة: النّجدة؛ نطّ روس الطوالِ: أي ارتقى الأماكن المرتفعة، بالمفالي: المفالي: الأرض والمراعي المحيطة بالقوم، الطّرش: الماعز والغنم والمواشي (عامّيّة)، عجّ السبايا : الغبار الذي تحدثه الخيل في الغارة .

ومن الجوفيّات البدويّة التي أضاف إليها أهل الجبل أبياتاً خاصّة بهم جوفيّة مشهورة لعبيد الرشيد أمير حايل في نجد الملقّب بـ (أخو نُورة) ومن أبياتها الأساسية:
مِــــــــــــــــــــــــــــــــــــن قــفـــــارٍ لـحـايــــــــــــــــــل نشرنــــــــــــا واعتلينـــــا ظهـــــــــــــــــــــور النّجايــــــــــــب
نطْلبـــــــــــــــــــــــــــــــك لا تخيّــب ســـفـــــــــــــــــرنــــــــــــا نستجيـرك يــــــــــــا مْدير الهبايـــــــــــــب
مــــــــــــــــــــع مضيــق الشَّعيب انحدرنــــــــــــا تقـــــــل مــــــزنٍ حَدَته السحــايـــــــــــــب
حايل: مدينة جبليّه في نجد كانت عاصمة آل الرشيد قضى على نفوذهم آل سعود، نشرنا : بمعنى انتشرنا وانطلقنا هذه الأرض، النّجايب : الخيل والإبل الأصيلة، نطلبك: نرجوك وهو دعاء لله عز وجل، الشعيب: الوادي او المنفرج في الأرض، مزنٍ حَدته السحايب: المطر الغزير الذي جاء به السحاب .
أما عند أهل الجبل فهي تغنّى بروايةٍ أخرى مع إضافة أبيات عليها:
مـــــــــــــــن قفا روض حايـــــــــــــــــل نشرنـــــــــــــــا واعتلينا ظهــــــــــــــــــــــــور النّجــــايــــــــــــب
نَـــــــــــــــطْلبـــَك لا تغيّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــب سَعَدنـــــــــــــا نستجيرك يـــــــــــــــا مْدِيْر الهبايــــــــــــب
تــــــــــــــــــايـــــــــــــــه الشور ويـــــــــــــاللي تحاربنــــــا مَــــــــــــن حاربنا يذوق العطايــــــــــــب
أما الجوفيّات التي نظمها أهل الجبل فنختار أمثلة من أشهرها:
ــ أبيات من جوفيّة لثاني عرابي قيلت قبيل معركة الكفر الشهيرة (تموز 1925) وأثناء توافد بيارق الثوار إلى منطقة (العَيّن) التي كانت مكان التعبئة لخوض معركة الكفر آنذاك:
يــــــــــــــــا راكبَ اللي لو مَشَـت ما تندَرَكْ تِحِثّ حـــالَه وْ لا تحتاجِ ســوقــــــــها
مَوْرَدِها عُرمان و عــــــا جال البُــــرَكْ خيّالها ســبــــــــــع المْـزَمْجِــــــــــــــــــر فــوقــــــــــــها
جُوك الزّغابهْ يــــــــــــــــــــا رينو دوّر هـَـلَك في مــرجة العيّن انتصب سوقــها
سـُرْبَة مَلَـــــــــــح يوم اللّـــزايــــــــــــم تذهِلَك سَـــلّ السيوف تْقول لَمـــــــــْع بروقـــــــــها
ما تندرَك: لا يمكن إدراكها لسرعتها الفائقة، تحثّ حالَه ولا تحتاج سوقها: إشارة إلى أصالتها وطواعيتها العفويّة، موردها: أي مكان وِردها الماء ويريد المكان المُراد إيصال الرّسالة إليه وهو قرية عرمان، الزّغابة: صفة لازمت فرسان بلدة صلخد تشبيهاً لهم بالأبطال الزغبيين في تغريبة بني هلال، رينو (Renaud) الكابتن الفرنسي وكيل الكابتن كاربيه Carbillet حاكم الجبل آنذاك، دوّرْ هَلك: أي ارحل إلى أهلك، مرجة العيّن: بتشديد الياء هي مكان اجتماع الثّوار، سُرْبة ملح: أي جماعة قرية ملح من الثوّار.

العرضة السعودية تشبه في العديد من وجوهها الجوفية في جبل العرب =
العرضة السعودية تشبه في العديد من وجوهها الجوفية في جبل العرب =

جوفيّة من ثلاثة أبيات لجاد الله سلام
هيه يا اللي راكبين على السّــــــــــــــــلايل فوق ضُمَّر يـــــــــــمّ طَرْبـــــــــا نــــــــــــــــــاحـــرينهْ
سَلّمــــــــــــــــوا عَ ربوعنا وقـــــــــــــــــــــــــولوا لهايـــل بـــــــــالسـّــويدا ثــــــــــــــــــارنـــا حِنّــــــــــــــــــا خذينـــاْ
وامس ابـــــــــو صيــّاح دنّـــــــــى للّرحــــــــــــايل ســـــــــال دمّهْ خالط اسواق المدينــةْ
هيه : تستخدم للنّداء، السّلايل : الخيل الأصيلة، ضُمّر : الخيل الضّامرة السّريعة، يمّ طربا: أي: نحو طربا وهي بلدة الشاعر، ناحرينا: قاصدين، هايل: ابن عم الشاعر، حِنّا: أي نحن .

ومن جوفيّة لفارس حسن في مدح سلطان باشا الأطرش:
يــــــــا بــــــــاشا واظهَــــــــــــــر سَعَدنــــــــــــــــــــــــا مِـــــــــــــــــن طَــــــــبِّ عِلمَك علينـــــــــــــــــا
بــــــــالسّما يقصــــــــــــــــــــــف رَعَدنــــــــــــــــــــــــا بْـــــــــــــــــــــحُمر البيارق مشينــــــــــــــــــــــــــا
الجيــــــــــــــــــــــــــــــش تــــــــــــــــــــــــاه بْعَــدَدنــــــــــــــــــــــــا وحـــــــــول القـريّــــــــــــــــا حَـدَينــــــــــــــــــــــــــا
مِن طبّ عِلمك علينا : يريد عندما وصل نداؤك أو طلبك لنا، حَوْل القريّا حدينا: أي قمنا بغناء الحُداء على سبيل الاستجابة والتلبية..
والجوفيّات في الجبل تكاد لا تُحصى، ومن المُلفت للنّظر أنّ بعض هذه الجوفيّات أصبحت تُنسَب إلى بعض القرى كصفة ملازمة لها فيقال: (جوفيّة أهل حبران أو جوفيّة أهل حوط أو جوفيّة أهل أم الرمان.) وذلك لأنهم يعتمدون في غالب الأحيان جوفيّة محددة أثناء مشاركتهم في مناسبة خارج البلدة، فيدخلون هذه المناسبة وهم يهزجون بها وقد تكون من أشعار القرية أو لا.

مسار تطوّر الجوفيّة
لم تنقل لنا الحافظة الشّعبية أيّة قصيدة جوفيّة قيلت في المراحل الأولى من توطّن الدّروز في الجبل سوى أنّ القصائد (الشّروقية) وقصائد (الحُداء) والقصائد (الهلاليّة) كان لها حضور مميّز في عمليّة شحذ الهمم والاستنفار، وهذه يمكن اعتبارها الإرهاصات الأولى للشّعر (الشعبي) في الجبل، ولابدّ أنّ بعض هذه النّماذج وعلى رأسها الحداء استخدِمَ بشكلٍ مغنّى لأنّنا نعلم أنّ الأهازيج كانت حاضرة في مرحلة الاستعداد للحرب وفي مرحلة ما بعد الانتصار، وما وصلَ إلينا بشكل موثّق ومتداول بعض(جوفيّات) نهاية النّصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبشكلٍ كثيف وأوسع (جوفيّات) مطلع القرن العشرين. ولو أعدنا النّظر في مراحل تطوّر الشعر في الجبل فسنجدها متمثّلة بثلاث محطات رئيسة:
• المرحلة الأولى من الاستقرار في الجبل والمتمثّلة بمقارعة القبائل البدويّة أو التّحالف معها.
• المرحلة الثّانية المتمثّلة بمحاربة الاحتلال العثماني والتي تخلّلتها الحرب ضد ابراهيم باشا المصري.
• المرحلة الثالثة في مقارعة الاستعمار الفرنسي.
ومن الملفِت أنّنا لم نجد في قصائد الجوفيّات التي وصلتنا من تلك المراحل أي قصيدة جوفيّة غزليّة، وهذا الأمر يمكن اعتباره نتيجة طبيعيّة لحالة التأهّب والقتال الدّائم والتي لم تكن لتسمح بإدخال المعاني الغزليّة الرقيقة في فن الجوفيّة الحماسي بطبيعيته، وبالنّظر إلى الحِقبة الزمنيّة التي استمرّت فيها هذه الحال الفنّية الخاصّة فهي تمتدّ -حسب تقديرنا- من مطلع القرن التّاسع عشر حتى مطلع القرن العشرين أي نحو مِئة عام تقريباً، ولكنّنا نجد في خواتيم هذه المرحلة بدايةً لتسرّب القصائد الغزليّة إلى نموذج الجوفيّة وذلك من خلال قصيدة لمصطفى العبد لله قيلت على الأرجح في نهايات القرن التاسع عشر وجاء فيها :
والضّحـــــــــــــــى نطّيــــــــت انــــــــــــا المِسْتظلّي راسِ رجـــــمٍ بِهـــــــــــــا لَفــــــــــــــــــــــــــــــع الهبايـــــــــب
يـــــــــا علــــــــــــــــــي يـــــــــا بُعــــــــــــــــــد ديـــــــــران خِــــــــــــــلّي دون خِلّــــــــــــــــي بـــــــــَرَّكــــــــــــــــــــــنَّ النجايـــــــــــــب
يـــــــــا علـــــــــــــــــــــــــي يـــــــــا بكــــــــــــــــــرْتينٍ غَــــــــــــدن لــي حَدّرن عالســــوق راحــــن جلايب
يـــــــــا علــــــــــــــــــي هَـــــــــــــــــــــرج الحبيّب يِســــــــــــــــــــَلّي ســـَـلاّني هَرْجـُــكم يابو الذّوايــــب
حالــفٍ مــــــــــــــــا زِلّ عـــــــــن موقـــــــــَفٍ لــــــــــــــــــــــــــــــــــــي لو حَسرت الرّاس واضحيتِ شايب
فالشاعر هنا يشكو من بعد ديار الأحبّة، وهو يقسم يميناً أنه لن يتخلّى عن موقفه من الحبيب حتى وإن شاب شعره …
وفيما بعد هذه المرحلة بدأت القصائد الغزليّة تأخذ دورها في الجوفيّة، ذلك أنّ استخدام الجوفيّة في الأعراس مع الفنون الأخرى من (هُوْليَّة ودلعونة وقصيدة فن وغيرها) أصبحَ بحاجة إلى التّجديد، ونعزو هذه الحاجة إلى سببٍ رئيس وهو حالة الاستقرار والأمان التي سادت بعد استقلال الجبل عام 1946 أو لنقُل بعد سنوات من الاستقلال ومرحلة السّلم والاستقرار الاجتماعي، فإنّ الشعراء وأصحاب الفنون باتوا بحاجة إلى نظمٍ ومعنًى جديد يعكس تبدل نمط الحياة والظّروف، وهم وجدوا في الغزل ضالّتهم فانتشرت مجموعة جوفيّات غزلية في الجبل، مع الإشارة إلى أن معظم شعراء السّلف ومن عاصرهم لا يحبّذون إقحام الغَزَل في الجوفيّة بل إنّ الكثير منهم يرفضونه رفضاً قاطعاً إنّما بات هذا الفنّ متداوَلاً في الأعراس وهو يتمتّع برقيٍ في معناه ومبناه على كلّ حال.

العزف على الربابة أصبح عنصرا من عناصر الجوفية في الجبل
العزف على الربابة أصبح عنصرا من عناصر الجوفية في الجبل

بعض الأوزان المعتمدة في الجوفيّة
الجوفيّة كما تبيّن لنا نموذج وليست وزناً محدّداً، وقد أخذ سكّان الجبل غالبية هذه الأوزان من البدو وهم في الواقع اعتبروها ألحاناً أو ما يسمّونه (لَهواً) أي نموذجاً غنائيّاً ولم يعتنوا باسم البحر الخاص بالقصيدة أو بجوازاته وما إلى ذلك حتى مرحلة متأخّرة من تاريخ هذه النّماذج، ونشير هنا إلى بعض الأوزان المستخدمة في الجوفيّة ومنها: الرّجز ومثاله أبيات من جوفيّة لصالح عمار الشاعر الشعبي للثّورة السورية الكبرى، يقول:
يـــــــــــــا الله ويــــــــــــــا اللي حاجـــــزٍ موج البحر يـــــا خالقي يـــــا اللي دعــــــــــــــانــــــــــا تِســـمـــــــــــــعِ
تجعــــل سَـــعَدنـــــــــا عاليــــــــــــــاً فوق البشــــر قيـــــــــدومنــــا يشبـه شَبيب التُّبّـــــــعي
لَ صار حنّا نجوم وسلــــطان القـمر باربعْ طًعش نيسان يومِ انْ يطلعِ
غربِ السّجن بالمزرعة شرقي بُصُـــر دم الفـــرنســـي بــــــــــــــــالمواطــــــي مَنْـــــــــــــــــقَعِ
كــــــــــــــم فارسٍ منّـــا على الخصـــم انحدر مثل الصــّـواعق مـــــــــــــــــــع بــــــــــــــــــــــــــــروقٍ تشلعِ
ومن هذه الأوزان أيضاً: الهجيني الطّويل ( الموافق لبحر الرَّمَل ) ومثاله أبيات من جوفيّة للمجاهد زيد الأطرش :
من هضابٍ شاد اهـــــــــــــــــَلْنا فوق مِنّهْ موطنــــــــــاً للعــــزّ موفـــور الكـــــــــــــــــرامَهْ
مـــــــــــــــــــن جبل حــــــــــــوران بِيَعــرُب تِكَنّى يا المْشَكِّك دونك وشـاح الوســـامهْ
أبعَثـــــــــــَه منِّـــــــــــــــي تحيّــــــــــــــاتٍ ومِنّـــــا بالأصالة والنّيــــابة عْنَ النّشــامهْ
ربعنــــــــــــــــــــــا درع الوطن من يـوم كُنّــــــا ان قادنــــا سلطان نشفي لهْ مرامه
أبعثــــــــــــــــه لجيـــــــــــــــــــــــــوش تــــــــــــــدفع عن وطنّـــا عاديــــاتٍ من دَهَــرْنا بــــــــــــــــــالحســـامهْ
وأبيات لعيسى عصفور وهي من وزن المسحوب ( الشروقي ) :
لي ديرةٍ تَذْرِي علـى كــــــــــــــلْ ملـهوف نــــــــــــوِّخ وريِّـــــــــضْ لا تهــــــــــــــــــاب الرّزايـــــــــــا
حِنّا بها يا مَسْنَدي عيال معــروف الغُلمـْـــــــة الـــــــــــــــــــــلـي يرعبــــــــــــــــــــــــــون المـنايـــــــــا
كم سُربةٍ للصَدّ مــــــــــا تعرف الخوف حـــــــــــــامـــوا عليـها مْرَقّـعــــــــــــين العَبايــــــــــا
والمجال يقصر هنا عن ذكر كلّ الأوزان التي دخلت في مجال الجوفيّة فقد استحدث بعض الشعراء أوزاناً جديدة من خلال اختزال البحور أو إردافها بتفعيلة أو أكثر كما رأينا في جوفيّة (ذلول وياللي نشدّه) ومن هذه النماذج (نمط من الهجيني) كما يسمّى في الجزيرة العربية اشتهرت قصيدة لشاعرٍ اسمه (الصغيّر) شاعر القصيم من أبياتها :
نحمـــــــد الله جميــــله شــــيخنـــا صار منّا
نـــــــــــــــــــافـلٍ كـلّ جيــله من ســــــــــلايل مهنّـــا
هيه يـــــــــا بو جديــــله فــــــــوق متنـــه تِثنّـى
الرـــــــــّدي لا تجي له ذاك مـــــا هوب منّا

الجوفيّة الآن في الجبل
لابدّ أن التطوّر لعبَ دوراً مهمّاً في تغيير شكل الجوفيّة وطقوسها، ذلك أنّ بعض الآلات الموسيقية باتت ترافق الجوفيّة مثل الرّبابة ( في السّهرات التراثيّة ضمن المضافة وقد لعبت الرّبابة دوراً مهمّاً في الحفاظ على جزء كبير من الجوفيّات التي كادت أن تندثر ) والدَّف أو الطبلة (وهذا ما تنفر منه الذائقة السليمة) والعود وبعض الآلات الموسيقية الكهربائيّة التي أخرجت الجوفيّة بشكل أغنية حديثة مسجّلة في استديو، وقد دخل الصّوت النّسائي في بعض هذه التسجيلات، وأصبحت الجوفيّة الأصيلة مقتصرة على بعض القرى في الجبل وبعض الفرق الشّعبية التي أنقذت ما تبقّى من هذا الإرث الفنّي التاريخي وعلى رأس هذه الفرق ( فرقة العاديات ) التي تعمل على إحياء كافة الفنون الشعبيّة في جبل العرب.

فرقة شعبية للجوفية تؤدي رقصتها في مدينة السويداء
فرقة شعبية للجوفية تؤدي رقصتها في مدينة السويداء

تمثيليّة “السّحجة” في فن الجوفية
نزال وهياج وأسر وصلح وتهليل وشماتة

تعتبر تمثيلية “السحجة” ركنا أساسيا من فن الجوفية في جبل العرب وكما يتضح من مجرياتها فإنها مستوحاة من الحرب والقتال الحماسي وأسر العدو ثم فكّ الأسرى بالمناشدة أو الحيلة.. وتبدأ التمثيلية قُبيل إنهاء القصيدة الجوفيّة عندما يأتي أوان ما يدعونه “ربط الحاشية” كتكملة لِلّوحة الفنّية الفولكلورية للعرس وهذه “التمثيلية الشعبية النمطية تبدأ عادة بتمثيل معركة بين فارسين ينفصلان عن حلقة الجوفية إلى داخلها ويشرعان في مبارزة وهمية بالسيف أو بالعصا، وعلى وقع هذا النزال تتصاعد حماسة الحلقة فيشارك به الجميع في ما يسمى “السحجة” وهي قيام أفراد الحلقة بالتجاوب مع معركة الفارسين بصفق الأيدي بقوة مع إصدار نبرة صوت (الدّحيو) بحيث يتشكّل من مجموع هذه الأصوات صوت واحد راعب وتصبح الرقصة كلها مثل رقصة حرب..
وبعد أن يتعب المتبارزان من النزال والتهييج يتوقّف السّحج وما يرافقه من صخب فيقوم واحد أو أكثر ممّن هم في دائرة السّاحجين بالدّخول بين عنصري الحاشية فيمسكان بهمها تمثيلاً لعملية الأسر، وعندها تنتقل الجوفيّة إلى نموذج آخر بقصيدةٍ ولحْنٍ مخالفين غرضهما هذه المرة مناشدة الآسر فك أسر رهينتيه..
هكذا وبعد كل بيت من الإنشاد يردّد المتحلّقون لازمة لاتتغيّر هي:
هلا …هلا بك يا هلا وانت حليــــــــــــــــفي يـــــــــــــــــــــاولـــد1
ويتضمن الإنشاد الجماعي في هذه المرحلة عروضاً كلاميّة لدفع “الفِديَة” ونوعها من جمال وغنم وخيول ومال من ليرات فضّيًة وذهبيّة عثمانيّة وإنكليزيّة وغيرها لآسر المتبارزين (اللّذين كانا يهيّجان الجوفية بالرّقص العنيف داخل حلقة الساحجين) كي يطلق سراحهما وهو بدوره يرفض كلّ المغريات المادّية إلى أن يذعن بعد عروض طريفة في نهاية المطاف ويقبل بإطلاق سراح الأسير (الحاشي).
ويفترض أن يكون من ربط (أي أسر) الحاشي فارساً تناسى المنشدون أو هم نسَوْا ذكره والثّناء على فروسيّته أو كرمه فقام بربط الحاشي وهكذا فالمنشدون يسعون لاسترضائه بالسّؤال الملحّ نشيداً كقولهم:
وفي تلك اللحظات تدخل التَّمثيليّة مرحلة جديدة إذ ينقلب المنشدون الذين بالغوا بتقديم العروض المُغرية من الأعطيات للآسر الذي أطلق سراح الحاشي فيعلنون أنهم توصّلوا إلى غايتهم بالمخادعة والحيلة ولن يدفعوا لآسرهم شيئاً حتى ولا ليرة ولا (مِصّريّة)، ممّا كانوا قد وعدوا به هازئين. ويُبلغونه ذلك بالإنشاد المغنّى كأن يقولوا إثر تحرّر الحاشية وعودتهم متباهين واثقي الخُطى إلى رفاقهم في الحلقة مثلاً:
يا مِيْةْ حَيّا الله بالحاشي والـْ جـانـــــــــا يتــخطّم ماشـي
خَذِينا الحاشي بَلا شـي والله ما تشوف المصريّه!!

1. – يقصدون بـ “الولد” الشاب القوي البأس في لهجتهم المحلّيّة

المال بيجر المال

المال بيجر المال

جِدّي أبو عوّاد والكنز المفقود

عند الشدائد تعرف الرجال

مآثـــر وعبـــر

قِصصٌ عن الشّهامة والأمانة والطّمع الأحمق

جَدّي أبو عوّاد وصاحبُ الكَنزِ المَفقود

“كـــــلّ مستودِع تقبض منه وديعتــــه، وكل أمين لا يخون في ما ائتمن عليه”
(حكم توحيدية)
ما أحوجَنا في عصرنا الحاضر، عصرِ التّردّي الخُلُقيّ وعبادة المال، إلى التّمسك بقيم أجدادنا الأقدمين وعِفَّتهم وتقواهم، والتفاخر بالأجداد وبالقِيَم والعادات التّوحيديّة الشّريفة وهذا أصبح من أولى الواجبات هذه الأيام لأنّ أجيالَنا الشابّة في حاجة لأن تستخرج منها العِبرة وتتّخذها قدوة تنظّم سلوكها وتطهّر نفوسها. ولنا من عبرة جدّنا أبو عوّاد، ذلك الشّيخ التّقيّ الصّابر القانت درساً بليغاً في قِيَم العفّة والقناعة وحفظ الأمانة، وإليك الحكاية:
عاش في حاصبيا في النّصف الأوّل من القرن الماضي شيخ اشتُهِر بتسميته بين الناس (جدّي أبو عواد) لما كان له في نفوس الجميع من تقدير واحترام، لزُهده في دنياه، وتعلّقه بخالقه ورضاه.
عمله حراثة الأرض نهاراً، والانقطاع لعبادة خالقه ليلاً. يملك قطعة أرض تُعرَف (بالمقيل) نظراً لموقعها على الطّريق العامّ الذي يربط وادي التّيم بفِلِسطين جنوباً، وبلاد البقاع وسوريا شمالاً، حيث يرتاح بها المارّة قيلولة واستراحة.
كانت وسيلة النّقل الرّئيسة في تلك الأيّام هي الخيل أو الجمال أو الدواب وليس سواها. وذات يوم، بينما جدّنا أبو عواد يعمل في حراثة أرضه (المقيل)، إذ بأحد عابريّ السّبيل يترجّل عن جواده لأخذ قسط من الراحة، وما كاد يستلقي على الأرض حتى غلبه النّعاس تحت ظلّ شجرة زيتون وارفة الظّلال، فالهواء منعش، والرّجل مُتْعَبٌ من عناء السّفر الطّويل.
طالت فترة نومه، وإذا به ينهض مذعوراً ليجد الشّمس تميل نحو المغيب. اعتلى صهوة حصانه وحثّ الركب شمالاً نحو البقاع، لكن سرعته هذه، جعلته يغفل عن (خِرْج) يضمّ رأس ماله مع بعض الحوائج كان قد ألقاها بجانبه عند نومه.
غابت شمس ذالك اليوم، وانتهى الشّيخ من عمله، وبطريق عودته إلى بيته عثرَ على الخِرج المُلقى تحت الشّجرة فقرّر أنْ يحفظه في مكان آمن على أمل أن يظهر صاحبه في وقت قريب. وهكذا فقد ألقى بالخِرْج على بردعة دابته وعاد نحو منزله.
فور وصوله، أعلم زوجته بما وجد، ثم اتّفقا على وضع الخِرج ومحتوياته على الرّف، إلى أن يظهر صاحبه، طالت الأيام أم قَصُرت.
انقضى بعض الوقت، والخِرْجُ في مكانه الآمن، وصاحبه رغم مضي الوقت لم يظهر ولم يُعْرَف. لكن ذات يومٍ، وبينما شيخنا يعمل في أرضه، إذ به يسمع صوتاً ملهوفاً، التفت ليرى رجلاً لا يعرفه يندب حظّه، ضارباً كفاً بكف. سأله: “ ما بك أيها الرّجل؟
أجاب الغريب: لو عرفت قصّتي لزال استغرابك، وتأسّفت لحالتي، وعذرتني لما أنا فيه”.
– “ماذا بك يا أخي، تكلّم لعلّني أساعدك.”
قال الرجل موضحا قصّته: أنا رجل من التابعيّة التركيّة، ومهنتي تاجر غنم، أقضي السّنة في تسويق الغنم وجمعه من هنا وهناك، وفي فصل الّربيع آتي بها نحو فلسطين لأبيعها، وهذه السّنة وأثناء عودتي إلى بلادي بعد بيعها وجلب ثمنها، افترشت الأرض تحت هذه الشجرة لكنّي غادرت المكان دون أن أنتبه إلى أنّني نسيت الخرج الذي كان بجانبي مع محتوياته من مال وليرات ذهبية، وهي كلّ رأس مالي، فما عساك أن تفعل لمساعدتي وقد مضى على إضاعتي لمالي فترة من الزّمن؟”
رد عليه الشّيخ دون تردّد: كن مطمئنّ البال، فمالك محفوظ، وخِرْجك موجود.”
دُهش التاجر، وقال بلهجة غير المصدّق لما سمعه: “أصحيح مالي عندك كما تقول؟”
– “هوّن عليك يا أخي، نعم .. نعم”
تقدّم التاجر من الشّيخ بعد أن تيقّن من صدق حديثه وأمسك يده كي يقبّلها، لكنّ الشّيخ أبى قائلاً: “استغفر الله، نحن لم نفعل سوى ما يأمرنا به الدّين من حفظ العهود والأمانات” ثمّ دعاه إلى بيته ليستلم أمانته.
اعتلى كلّ منهما ظهر دابته واتّجها حيث أراد الشيخ. وكم كان تعجّب التّاجر عندما رأى بيتاً بسيطاً متواضعاً، مبنيّاً من الحجارة الخشنة (غير المقصوبة)، يسكنه الشّيخ وزوجته. دخل المنزل برفقة الشّيخ فاستقبلتهما الزّوجة بكل ترحاب، ثم قدّمت طعام العشاء بعد استئذان زوجها، ممّا حمل التّاجر على إكبار فعلهما متعجبّاً لكرمهما وحسن ضيافتهمها. لكنّه بات ليلته قلق البال حائر الفكر متسائلاً إلى ماذا ستؤول قصّة الخِرْج.
عند الصّباح، أتى الشّيخ بسلّم أسنده إلى حائط فوق رفٍّ، ثم طلب إلى التاجر ارتقاء السّلّم وإنزال الخِرْج الذي لم يزل في مكانه كما وُضع سابقاً.
تفقّد التاجر محتويات الكيس والدهشة بادية عليه بسبب ما رآه من الشيخ الفقير وزوجته من استقامة وفطرة سليمة. جثا على ركبتيه في ما بدا أنه محاولة لتقبيل الأرض بين يدي الشّيخ لكن الأخير استغفر الله واستنهضه قائلاً: “هذه أموالك، وهي ملكك، ونحن لم نفعل سوى ما يوحي به ضميرنا، وما يفرضه الواجب الدّيني”
كبُر ذلك الشيخ البسيط في عين التّاجر فإذا به يمسك بالخرج محاولاً أن يفرغ بعض محتوياته أمام الشيخ امتناناً وتقديراً، لكنّ الشّيخ بقي على إصراره ورفضه قبول أيّ شيء سواء كان كثيراً أم قليلاً ممّا جعل التّاجر يقع في حَيْرة من أمره، وكيف لا يكافىء من حفظ له هذا الكنز والثروة الكبيرة. ولمّا أعيته الحيلة ولم يجد سبيلاً إلى إقناع الشّيخ، ودّعه وانصرف مسرور البال، عائداً إلى بلاده محدّثا بقيم أهل المعروف وحفظهم الأمانات وصِدقِ حديثهم وكَرم ضيافتهم.

عند الشدائد والمُلمّات
يُعرف أصحاب الشّرف والمكرُمات

الأريحيّة والشّهامة، وحق الجيرة، تتأصّل وتُعْرَف عند الشّدائد والضّيق مع أصحاب الضّمائر وشرفاء النّاس، هذا كان مثل العديد من أبناء شِبعا، وفي مقدّمتهم ذلك المقدام السيّد شاهين هدلا، أرثوذكسي المذهب، شريف الأخلاق، كريم المحتِد والمعتقد. بعدما طلب منهم القائد العسكريّ الأرناؤوطيّ (إبّان حملات ابراهيم باشا المصري ضدّ الموحّدين الدروز)، وكان ذلك القائد يقيم في بيت إبراهيم قاسم الخطيب، جلب بعض النسوة الدرزيّات باعتبارهنّ “سبايا” مبرراً ذلك بأنّه قانون الحرب بعد اندحار وانكسار قومهم”!!
بادىء ذي بدء، حاول السيّد المذكور مع مختار البلدة ردعه وردّ طلبه باللّين والعطف والمسالمة، وحتى التّرجي، إلا أن القائد الوقح بقي على إصراره وأمرهم بالنّتيجة بإحضارَ النّسوة.
إذ ذاك، انتفض الرّجل الشريف شاهين هدلا وصرخَ في وجه القائد قائلاً: “تهون علينا أيّة تضحية على أن نجلب نساء من هم أهل الكرامة والشّرف لينلن الإهانة على أيديكم، فأنتم ذاهبون، ونحن وإيّاهم جيرانٌ باقون، إفعل ما تريد بنا، ولن نسمح أن تُمَسّ نساؤهم مهما كان الثمن وعظمت النّتائج”
شعر الضّابط الفظّ الطّباع بشيء من الحرج والارتباك لهذا الموقف البطوليّ، وممّا زاد في تردّده أن الجيش المصري رغم مظالمه كان يطبق سياسة صارمة في تحريم الاعتداء على الأعراض وذلك لمعرفته بشراسة الموحّدين الدّروز في حال المسّ بأعراضهم واستماتتهم في الدّفاع عنها. ومن حسن الحظّ أن وصل القائد إبراهيم باشا بذاته إلى شبعا، فانفرجت الأسارير، وفرض الأمن، وضبط العسكر ولم تمسّ كرامة أيّ إنسان بعدها.
وأثناء وجود ابراهيم باشا في شِبعا، قدم إليه الشّيخ حسن البيطار، نيابة عن قائد الثّورة شبلي باشا العريان، يُرافقه الوسيط بين الفريقين، السيّد جرجس الدّبس، لإتمام عقد الصّلح بين المتحاربين. وكانت النّتيجة، إنهاء الحرب وتسليم السلاح من قبل الثوّار، مقابل السلام والاطمئنان. وهنا أيضاً يروي المؤرّخ أسد رستم في كتابه “بشير بين السّلطان والعزيز” إنه بينما كان السيّد جرجس الدّبس ذاهباً لإبلاغ الثوّار الموجودين في جبل الشّيخ نتيجة الاتّفاق بين إبراهيم باشا والشّيخ حسن البيطار، شاهد بالقرب من قرية شِبعا اثنين من العسكر الأرناؤوط ممسكين بامرأة درزيّة فرجع مسرعاً وأخبر الباشا بما شاهد، وعندها طلب الباشا من البورجي (لقب عسكري مصري) أن يردعهما فلم يمتثلا، بعدها ساق السّر عسكر بغلته بنفسه نحوهما، وما أن أو وصل إليهما حتى قتلهما بيده”
(بعض معلومات هذه القصة مستوحاة من كتاب “شِبعا نافذة على التاريخ” للأستاذ مُنيف الخطيب)

المالُ يجرُّ المالَ
والقمل يجرّ السيبان

(الناس فيك إذا التقوا فثلاثة: مستعظم أو حاسد أو جاهل)

التّاجر والوجيه نسيب زَهوي، من كبار تجّار حاصبيا أوائل القرن العشرين. بعد أن كبُرت تجارته، وازدادت أرباحه، أصبح غناه حديث المجتمع، ينسجون حول ثروته قصصاً وأخباراً منها امتلاكه آلاف اللّيرات الذّهبيّة عدا المجوهرات واقتناء المزارع، واستخدامه الخَدم في منزله، وما شابه ذلك من ضروب الوجاهة وآفاق الزّعامة.
يجاوره في السّكن رجلٌ فقير الحال، معدوم التّدبير، مقطّب السّعي، مكسور الخاطر. ليله مع عائلته شجار ونهاره مع الأرض نقار.
ذات سهرة من سهرات كانون الطّويلة تفتّقت مخيّلة الزّوجة المُغَفّلة عن بِدعة ظنّت أنّها العلاج الناجع لفقرها وطريق قصير إلى الثّروة السّهلة. كانت تمتلك ليرة ذهبية واحدة قدّمها زوجها لها كمهرٍ يوم زواجهما. اقترحت أن يأخذ زوجها اللّيرة الذّهبيّة إلى دكّان جارهم الثّري فيربطها بخيط من المصّيص ويدفعها تحت الباب كي تصل إلى ليرات التّاجر الموضوعة في صندوق خشبي خلف الباب، علّها تجرّ وراءها بعض ليرات وفق المثل المعروف بأنّ “المال يجرّ المال”، وكانت مقتنعة، بفضل خيالها الواسع أنّ اللّيرات “ممغنطة” وأنها تجرّ بعضها البعض.
عمل الزّوج الذي لم يكن أقلّ حماقة برأي زوجته، فأمسك اللّيرة وثقبها بمسمار ثم ربطها إلى خيط من المصيص المتين، وذهب رغم الطّقس العاصف الممطر إلى دكّان جاره الغنيّ. تقدم من باب الدكّان الخشبيّ، والذي يرتفع مقدار سنتيمتر واحد عن البرطاش، ثم تفرّس ذات اليمين وذات الشمال، وعندما لم يجد من حسيس أو أنيس، دفع بليرته إلى داخل الدكّان. انتظر برهة وبدأ بشد الخيط متوقعا أن تعود اللّيرة الذذهبيّة اليتيمة بليرات كثيرة معها، لكنْ كم كانت خيبته صادمة عندما انقطع الخيط وعلقت اللّيرة الذهبية داخل الدكان.
عاد الخائب إلى داره وأخبر الزّوجة بما حصل موجّها لها اللوم على مشورتها البائسة.سألها:
– ما العمل؟ أكملي مشورتك، كيف سنعيد اللّيرة؟”
أجابته بعد ذهول وتفكير: “رأيي أن تذهب وتنام أمام باب الدّكّان حتى الصباح، وعندما يأتي صاحب الدكّان تروي له بكلّ صدق ما حدث معك، لعلّه يشفق علينا، ويرثي لحالنا، ويعيد إلينا ما فقدناه”.
التحف ذلك المسكين بقايا فروة من جلد الضّأن، ونام ليلته تحت قصف الرّعد ووميض البرق، وزخّات المطر، تقيه بعضاً منها سقيفة صغيرة تظلّل باب الدكّان. وما أن انبلج شعاع الصّباح، حتى نهض المسكين وجلس القرفصاء ينتظر قدوم التّاجر. حتى إذا ما أطلّ، ركض إليه متوسّلاً قائلاً: “يا عمي أبو زهير، قاتل الله الطمع، حقيقة أنّ النفس أمّارة بالسّوء. أقسم لك بالله العظيم إنّ هذا العمل ليس منّي ولا من تفكيري، لكنّ الفقر والتّعثير وطمع زوجتي وانقيادي لرأيها جعلني أُقدم على ذلك “
دُهِش التّاجر لهذا الاستقبال الصّباحي سأل أبا يوسف عمّا حدث له.
روى أبو يوسف وقد اعتراه شعور عارم بالعار قصّته الغريبة وكيف سعى لجرّ بعض ليرات الجار الغنيّ بواسطة ليرة ربطها إلى خيط مبرراً ذلك بفقره وبرأي زوجته وحاجتهم إلى شراء بعض الحاجيّات والثّياب للعيد. ثم أخبره كيف انقطع الخيط وعلقت اللّيرة الذّهبيّة اليتيمة داخل الدّكان. وختم أبو يوسف روايته بالقول: تصديقاً لقولي، فإنك ستشاهد اللّيرة وقد رُبِط الخيط بها، وهي مرميّة قرب الصندوق.
هزّ التاجر برأسه، ثم طيّب خاطره، وربّت على كتفه بعد أن برد فكره لما حدث، ثم تقدّم من الباب وفتحه، فإذا ما تفوّه به المسكين حقيقة واقعة، فاللّيرة مربوطة بخيط، وقد علقت بجانب الصّندوق المشار إليه. أخذها ثم راح يقلِّبها. حقاً إنها ليرة إنكليزية قديمة، ويعود سكّها إلى أكثر من مائة عام، وتحمل صورة الملكة فكتوريا على أحد وجهيها.
صاح أبو يوسف متلهّفاً: “ هل تأكدت يا سيدي؟؟”
أجابه : “نعم، لكنّ الليرة فقدت قيمتها التّجارية بثقبك لها، وخسرت كثيراً من ثمنها، وهي لم تعد تصلح إلّا للكسر أي لتحويلها إلى سبيكة”.
ندب المسكين حظّه التعيس، ولعن السّاعة التي أطاع فيها رأي زوجته، ثم أردف قائلاً: “المنحوس منحوس” وأكمل حديثه : “ ما العمل يا عم أبو زهير …؟؟”
أجابه أبو زهير: “سمعت منك أنّك بحاجة إلى طَحين وسكّر ورز وزيت وثياب، فهل تأخذ بها ما تحتاجه؟ وأنا بدوري سآخذ هذه اللّيرة إلى الصائغ في بيروت وأبيعها للكسر”.
وافق المسكين بعد أسًى، ثم أخذ ما يحتاجه بثمنها من الحوائج ومن الثّياب أذرعاً من الكتّان والخام، وبعضاً من الحوائج المنزليّة، وقبل مغادرته الدكّان استودعه صاحبها قائلاً: “يا صاحبي المثل القائل بأن “المال يجرّ المال” صحيح، لكن غرُب عن بال زوجتك أنّ لهذا المثل تكملة وهي: إنّ الكثير يجرّ القليل وليس القليل هو الذي يجرّ الكثير”.

ثقافة و آداب

حَصلَ آخرَ مرّة قبل 780,000 سنة قُطبا الأرض سيتبادلان موقِعَيْهما والنتيجةُ مُخيفة للحضارة البشريّة القطـــبان يبتعدان بسرعة عن مكانهما المُعتاد والخوف الأكبر …

أوقاف الموحدين الــــــــــــــــــــــــدروز النشــوء . الإدارة . الواقــع والمرتجــى الموحِّدون الدروز أقل الناس وقفا لأملاكهم والكلام عن ثروة هائلة للوقف يخالف الواقع …

تاريخُ صالحٍ بنِ يَحيى وتاريخُ ابن سباط أضواءٌ على مرجِعيَن حَفِظا الكثيرَ من تاريخِ الدّروز تقتصر المصادرّ التّاريخيـّة المعتمدة حول تاريـخ العصور …

إبتعدَ عن مدرسة فْرِوْيد المشكوك في أُسُسها وفعاليّة أسلوبها وشرح سرّ الإنسان بجوانبه النّفسيّة والثقافيّة والرّوحيّة

حدّثني الشيخُ أبو نجيب محمود الخماسي، فقال: “روى أمامي والدي عن تاجر خضار في سوق حاصبيّا عاش منتصف القرن الماضي. وكان ذلك …

القرآنُ الكريمُ ونشأةُ النَّحوِ العربيِّ لم يكن تأثير الدّين محصوراً في النّظم السياسية والاجتماعيّة وحدها، فللدّين تأثير جوهريّ على الحياة الفكريّة، ومن …

اجتماع المجاهدين في العام 1925 استعدادا لمعركة المزرعة ضد الجيش الفرنسي – الجوفيات لعبت دوما دورا أساسيا في رفع المعنويات وبث الحماسة …

المال بيجر المال جِدّي أبو عوّاد والكنز المفقود عند الشدائد تعرف الرجال مآثـــر وعبـــر قِصصٌ عن الشّهامة والأمانة والطّمع الأحمق جَدّي أبو …

صورة من التراث بائع الكعك يتحادث مع بعض الصبية في أحد شوارع بيروت في العام 1900

تمكن في ظل مناخ التسامح العباسي من تأسيس نواة علميّة ووضع أركان مدرسته الكبرى التي خرّجت الآلاف من الطلّاب والعلماء عالِمُ الأمّةِ …

المعالـــــــمُ الدّينيّةُ فـي منطِقـــــــــة حاصبيّـــــــــا علامــاتُ حضـارةٍ وتاريــــخٍ تستحـقُّ الزّيــــــــارة كتبنا في عددٍ سابقٍ من الضُّحى عن ميزة في منطقة حاصبيّا تفرّقها …

ما لا تعرفُه عن أسلافنا الذين هيمنوا على تجارة العالم لمـــــــــــــاذا يجــــــــب أن نحـــــبَّ الفينيقييّــــــن؟ الفنيقيّون سيطروا على تجارة العالم القديم دون …