جائزة البحث
للعام 2018 من الأكاديمية الفرنسية للباحث الاقتصادي والاجتماعي اللبناني جورج قرم عن كتابه “المسألة الشرقية الجديدة” الصادر سنة 2017 عن دار “لاديكوفرت” يستعيد فيه القدر المأساوي للمجتمعات الشرقية في المتوسط والعالم العربي
جائزة البحث
للعام 2018 من الأكاديمية الفرنسية للباحث الاقتصادي والاجتماعي اللبناني جورج قرم عن كتابه “المسألة الشرقية الجديدة” الصادر سنة 2017 عن دار “لاديكوفرت” يستعيد فيه القدر المأساوي للمجتمعات الشرقية في المتوسط والعالم العربي
في 29 آب 1978 أسلم الفنان والمناضل الفلسطيني ناجي العلي الروح بعد غيبوبة لشهر أو يزيد تلت إطلاق الرصاص عليه من مسدس كاتم للصوت في 22 تموز. أغتيال ناجي العلي كان الانتقام من رسام الكاريكاتير العالمي المبدع الذي قاوم بلوحاته الاحتلال الإسرائيلي لوطنه، والغزو الإسرائيلي للبنان، واحتج ب”المواطن العربي الفقير الحزين” الذي يدير ظهره في زاوية كل لوحة من لوحاته على حال الأكثرية الساحقة من أفراد الشعوب العربية.
أفاضَ الجلالُ بدفْقِ العِلَلْ
تجلّى البهاءُ بفيضٍ أضاءَ
بحُبٍّ أَشاحَ كنوزَ الخفاءِ
تبدَّى الهيامُ بكونٍ فَتيقٍ
بقُدسِ انبثاقِ جَلالَ السَّناءِ
وغنَّتْ شُموسٌ بسحرِ الجَلاءِ
بعُشقِ التَّجلِّي خُلِقنَا نفوساً
بجذوةِ نارٍ تَشِفُّ اتّقَاداً
وغنَّى الكِيانُ سُموّ الجمَالِ
وهَسَّ ابتهَالاً شِغَافُ الفؤادِ
سَكِرْنا لكأسٍ طهورَ المزاجِ
وُشقَّ حِجابُ وشاحِ النُضَارِ
وجُلنا ثنايا مرايا الوجود
غدونا نطوفُ مَحجَّ البُروجِ
هذيُّ اللآلئُ تسمو انجذاباً
تسامَى الفؤادُ بسبْعٍ طِباقٍ
هو الحُبُّ حقّاً صلاةُ القديرِ
هو الحُبُّ دوماً بُراقُ القلوبِ
هو الحُبُّ خمرٌ وطِيبٌ هَرِيقٌ
هو الحُبُّ أَنَّى تراءَى الشُّهودُ
فهَلاَّ ذَكرتِ بقبْسِ النشوءِ
خُلِقْتِ ضَياءً يُنادِي صفائي
هَلُمِّي يا نفسُ نُعِيدُ الحياةَ
هَلُمِّي نُثيرُ هُجُوعَ الأَمَانِي
هُوذا الحَّنِينُ يعودُ إلينا
فعَمَّ الوجـــودَ بنـــورِ الأَزلْ
مرايــــــــا الــوجـودِ دِراراً أُوَلْ
بنبْضِ الهُيولى وخفْقٍ جَلَلْ
وَباحَ الإلهُ بسرِّ العُقَلْ
تهادَى الوجودُ بأبهَى الحُلَلْ
وهامَ السَّديمُ بسرِّ المُقل
ببدءِ الزَّمَانِ وحُكْمِ الأَجَلْ
تُسَبِّحُ فينا حُضورَ الأَمَلْ
فتُهْنَا نَطوفُ بُروجَ الجَذلْ
سُجوداً لثَمنَا تُخومَ القِبَلْ
بروْحٍ ورَاحٍ يُديمُ الثَمَلْ
رُقِيّاً عرجنا سماءً كُحَلْ
نُحِيلُ غُبارَ الضِّواءِ كُتَلْ
تُحِفُّ بنا نيِّراتٌ شُعَلْ
وشوقاً تدورُ ابتغاءَ الكمَلْ
ترنَّمَ في قُدْسِها وابتهَلْ
بكافٍ ونونٍ يصُوغُ الجُمَلْ
لِواحٍ الحبيبِ يسوقُ القَفَلْ
أراقَ العَليُّ، فكان المَثَلْ
خِبَاءُ الحُضورِ وسِرُّ الجَدَلْ
ببدءِ الزَّمانِ ذُهِلنَا وَجَلْ
وروحاً تُناجِي مَعينَ المَسلْ
لوَجْدٍ توانَى كَبَدرٍ أَفَلْ
ونُحْيي الهَّيَامَ برغَدِ العَمَلْ
فهَيَّا نَؤوبُ لعُشْقٍ أَثَلْ
فلسطينُ لا وعدٌ سلاك ولا عهدُ
تربّعتِ فوق الدهر شعبًا وموقعًا
فلسطين ما عقّ البنون وكم سموا
فأنّك بحرٌ لا تجفّ مياهُهُ
فليس لبحرٍ أن يَمِلَّ مقامَهُ
فلسطين ما زال المحبّون مثلما
ألا أنت إسمٌ فاعلٌ ومضارعٌ
ومملكةٌ للحبّ أنتِ وللإبا
ولولا سنا كوفيّةٍ عُرِفتْ بهم
فلسطين أضناك الزمان بخُدعةٍ
فما لدخول القدس كانت وصيةٌ
فما هو إلّا وعد بلفورهم لهم
ألا لمْ يزل للقدس وجهُ عروبةٍ
ترقُّ بيوت القدس حين نزورها
بأحجارها شوقٌ وعطف أمومةٍ
فلسطينُ بعض العشق يولده الأسى
تفرّعتِ في الأرض انْتظارًا وموعدًا
دنا منكِ قلب الحرّ حتّى كأنّما
وكم منْ شهيدٍ في ترابكِ قد ثوى
فلسطينُ إنّ الدهر ذو دُوَلٍ وما
ولا ملّ لحدّ من هواكِ ولا مهدُ
وشمسًا تعادى تحتها الحرّ والبردُ
بعشقٍ تساوى عنده الجمع والفردُ
إذا ما اسْتقرّ الموج فيه ولا يبدو
إذا شدّهُ جزرٌ وقلّ به المدُّ
عهدت، ندامى أدمنوكِ وما ارْتدّوا
به حركات الدهر ليس لها حدُّ
ومن ثورة القسّام ثوّارك امْتدّوا
لما ميّزتهم عن جماعاتها الأسدُ
وسطرٍ به اسْتقوى على ضادك الضدُّ
بما جاء، إذ قال ادْخلوها، ولا وعدُ
وأوهامهم في كلّ أرضٍ لها شدّوا
نقبّلهُ خدًّا، ونحن له خدُّ
ويهفو إلينا من نوافذها الودُّ
ونحن يتامى نحو أحضانها نعدو
وبعض الأسى مولوده الصبر والكدُّ
وأصبحتِ رمزًا للحداد لمَنْ حدّوا
مسافة بُعدٍ عنكِ ليس بها بُعدُ
تسابق لِاسْتقبالِهِ المجدُ والخلدُ
تضيعُ بلادٌ ذُخرُ أبنائها الرشدُ
نبذه عن الشاعر مفيد قويقس:
مفيد قويقس
من مواليد قرية يركا الفلسطينية الجليلية، قضاء عكا، هذه البلدة التي احتضنت أكثر من خمسين ألف لاجئ من شعبنا الفلسطيني ايام النكبة والتشريد. ومع أن عدد سكان يركا لم يتجاوز الالفي نسمة بتلك الفترة فقد أعلن سكان يركا التحدي وأقرّوا أن لا نزوح عن هذا الوطن. وصمدت يركا واستطاع معظم اللاجئين العودة لديارهم وبلداتهم والبقاء في أرض فلسطين (تاريخ فلسطينيّ موثّق) وما زال الكثيرون من ابناء شعبنا يروون الرواية تلك.
مفيد قويقس كان له الظهور المتواصل عبر المنابر والصحف والمسيرات الشعبية في اواخر السبعينيات والثمانينيات وكان مشاركًا وبكثافة بالنشاطات الادبية مع شعراء المقاومة آنذاك.
وكان له الاصدار الاول في تلك الفترة (على ضفاف جرحي نما الزيتون والغار).
عاد للساحة الادبية وبقوة منذ سنوات وأصدر ديوان ” الغضب ” الذي كتب مقدمته الشاعر سامي مهنا رئيس الاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين 48.
ومما كُتب في المقدمة
مفيد قويقس من الاسماء الوطنية الصادقة قولًا وفعلًا، وهو سليل عائلة عريقة قدمت للوطن والقضية الفلسطينية الشهداء والسجناء السياسيين ومنهم المبعدون عن الوطن مدى الحياة.
وفي المقدمة ايضًا كتب سامي مهنا:
مفيد قويقس لا يترك مجالاً للشك بعد اي قصيدة او حتى بيت شعر يكتبه انه أحد الشعراء المبدعين المتمكنين العارفين المتعمقين بالأصول والجذور العميقة للشعر العربي الاصيل، وهو أحد فرسانه اصالةً وتجديدًا ورغم تمسكه المقصود بالشعر العربي الكلاسيكي الذي يجيده كأحد جهابذته القدامى، الا انه اثبت تمكنه العالي بقصيدة التفعيلة بصيغتها الحداثية بل استطاع ان يكون حداثيًا بامتياز.
وفي المقدمة أيضًا
مفيد قويقس شاعر قومي بامتياز، وممن يرون الوطن العربي مجاله الانتمائي الطبيعي، فينشد دمشق وبغداد كما يرتّل لفلسطينه، ويفرح وينشد ويغنّي لكل المساحات الممتدة من التاريخ الى الجغرافيا ومن الجغرافيا الى دروب المستقبل الذي يتوخاه كشاعر حالم بمستقبل عربي أفضل.
أطلق على مفيد قويقس شاعر الجماهير لقوة القصيدة ولجمال الإلقاء فله إلقاء مميز بايقاعه وكأنه ينشد الشعر غناء.
هو عضو في الاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين 48 حاز على عدة أوسمة وشهادات تقدير من كثير من المنتديات الادبية العربية في فلسطين.
صدر للشاعر
֍ على ضفاف جرحي نما الزيتون والغار
֍ الغضب
֍ ذاكرة وانتظار
֍ العشريات (لم يوزّع بعد)
֍ مذاقات ملونة (لم يوزّع بعد)
֍ الشعر بعض من وطن (ديوان يحوي قصائد مختارة منها ما نشر ومنها لم ينشر بعد).
معظم قصائد مفيد قويقس للأرض والوطن العربي الكبير والانسان اينما كان، وكلها متوجة بفلسطين بقدسها بزيتونها بكامل ترابها.
مفيد قويقس – الجليل، يركا، فلسطين
الأعمال الشعرية الكاملة لأنور سلمان (1938 – 2016)
صدر حديثاً كتاب: “الأعمالُ الشعريّةُ الكاملة” للمرحوم الشَّاعر أنور سلمان، عن المؤسّسة العربيّة للدِّراسات والنّشر، الطّبعة الأولى، سنة 2018. وفيه “مُقَدَّمةً” كتبها الدّكتور وجيه فانوس أمين عام اتّحاد الكتَّاب اللبنانيين، ونائب الأمين العام للاتّحاد العام للأدباء والكتّاب العرب.
له مؤلَّفات شعريّة نشرها في حياته، هي التَّالية: سمَّيته الملك الآتي – بطاقات مُلوّنة لزمنٍ بلا أعياد – أبحث في عينيك عن وطن – القصيدة امرأة مُستحيلة – إليها – مرايا لأحلامٍ هاربة.
رحل عنّا هذا الشاعر الذي كان شاعراً مُمَيَّزاً بكلِّ معنى الكلمة. المجموعة الكاملة لأشعار أنور سلمان في 528 صفحة، قطعاً وسَطاً.
محطات في مسيرة حياتي!
د. مفيدة عابد
يتوخّى المؤلِّف في هذه الدِّراسة، قدر المستطاع، وضع معلومات جديدة وموثَّقة ومفيدة أمام القارئ، مُتوخِّياً الوصول إلى الحقيقة في ذكر الأعمال السياسيّة أو العسكريّة أو الاجتماعيّة أو العلميّة أو الأدبيّة التي قام بها بعض أفراد هذه العائلة، لقد تعرّف على بعضهم فكتب عنهم بصِدق وصراحة وأمانة، وكان بعضهم الآخر قد رحل عن هذه الدّنيا فلم يتمكّن من الوصول إلى معلومات عنهم، فكانت غايته في كلّ ذلك وطنيّة واجتماعيّة وإنسانيّة، وأن يكشف عن الجانب المُضِيء السّاطع لدى كلٍّ منهم. الكتاب في 480 صفحة قطعاً وسطاً..
حتى لا يضيع وطني كتاب جديد:
د. عمر مسيكة “رئيس مجلس أمناء المركز الثقافي الإسلامي في بيروت”
ألَّف هذا الكتاب د. عُمَرُ مسَيكة أمين عام مجلس الوزراء ونائب سابق، ورئيس مجلس أمناء المركز الثّقافي الإسلاميّ في بيروت، الذي أتحفنا بهذا الكتاب الذي يحدِّد فيه هُويّة هذا الوطن حتى لا يضيع فأسماه: “حتى لا يضيع وطني”، مرسلاً صوته عالياً مع قلقه الدّائم على هذا الوطن، ومُجريات الأحداث التي تقع فيه بين وقت ووقت من هزّات وعواصف تجعله بشكل طبيعيّ مُحاطاً بالمخاوف والمخاطر والسّياسات البّعيدة عن القِيَم والمبادئ والمُثل العُليا. فمنذُ فترة الاستقلال والسِّيادة والحُرّية ونَحن في خِضَمِّ هذه التدخُّلات والوصايات الدوليّة.
طائراً حول العالم “مذكرات طيّار”
الكابتن توفيق العود
كتاب “طائراً حَوْلَ العالَم” هي مُذَكّراتُ طيّارٍ: مُخاطِرُ وأسرار، صدر حديثاً عن دار نلسن للطّباعة والنّشر والتّوزيع، في بيروت. من الكتب النّفيسة، يضمُّ بين دفَّتيه سيرة حياة إنسان كان طيّاراً ماهراً وربّاناً ذكيّاً، قاسى الصّعوبات والمخاطر والعقبات. لعلَّه أوّلُ كتابٍ من نوعه يظهر في المَكتبة العربيّة التي هي بحاجة ماسّة إلى كتاب من هذا النّوع في أسلوبه السّهل المُمْتنع وفي فصوله الشائقة التي يرتاح إليها القرّاء وإلى ما كتبه هذا الطيار خلال رحلاته وجولاته في بلدان عربيّة وأوروبيّة ومشاهداته وذكرياته وانطباعاته التي تركت أثراً في نفسه، فأحبَّ أن ينقلها بأمانة ومحبة وإخلاص إلى نفوس قارئيه وعارفيه ومُحِبّيه. الكتاب في 226 صفحة، قطعاً وسطاً.
تتقدّم أسرة مجلة الضحى من فضيلة الشيخ الدكتور سامي أبي المنى رئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز وأحد كتّاب المجلة الدائمين بأحر التعازي القلبية بالفقيد الغالي ريبال سامي أبي المنى.
راجين من الله سبحانه وتعالى أن يتغمّده بالرحمة والرضوان وأن يُلهم ذويه الصبر والسلوان.
الشّاعرُ الشَّيخ سامي أبي المُنى شاعرٌ غزير الشّاعرية تتميّز معظم قصائده بعمود شعريٍّ عالٍ وبِغنًى فكريٍّ حافل بالمعاني التّوحيديّة والوطنيّة اللبنانيّة والعروبيّة والإنسانيّة الشّاملة، وببلاغة فِطريّة، وبالصور الفنّيَّة التي تأتي عفوا بلا ما تكلّف أو تصنّع…
هو رئيس اللجنة الثقافيّة في المجلس المذهبي لطائفة الموحّدين الدّروز وأمين عام مؤسّسة العرفان التّوحيديّة وعضو في أكثر من هيئة للحوار منها هيئة الحوار الإسلاميّ المسيحيّ …
فُجِعَ الشاعر الشيخ بابنه ريبال (25) سنة في 19 نيسان 2018 بعد صراع مرير مع مرض عُضال لأكثر من سنة؛ ولما كان الشّعر وليدًا للمشاعر والعواطف على تنوّعها فقد كتب الأب قصائد عديدة في المناسبة الأليمة قبل وفاة الابن وبعدها… هنا سنتناول إحداها قبل الوفاة بنحو شهرين. في تلك الفترة من شهر شباط حيث كان الشّاعر يلازم ابنه في ساهرًا إلى جانبه في مَشفى عَيْن وزَيْن…
في هذه القصيدة التي اختار لها الشاعر عنوان “حُلُمٌ تَجَلّى” نَجِدُهُ الأبَ الذي يحلُم بشفاء ابنه الشاب من المرض العضال الذي ألمّ به، هذا الشاب الشيخ التقي النّقي الذي يحلم الأبُ الشّاعر له أن يراه يكمّل مسيرة الرّجولة في حياته معافًى ومميّزًا “قولًا وفكرا” يرعى والده في خريف العمر، سندًا له .. ويمضي الوالد في حلمه، فيتفاءل بشفاء ولده “غدًا تشفى وربّ الكون شافٍ…، غدًا ترتاح من داءٍ…” لكنّه من جانب آخر يرى التّراجُع والذبول المُتنامي يعصف بجسم الابن الذي أنهكه الدّاء الوبيل؛ فيرى ما يُشير إلى إنّ روح ابنه تحاول التفلّت من الجسد الشّفيف؛ ذلك الماعون الدنيويّ الذي يتهاوى يوماً بعد يوم، بل وساعة بعد ساعة، يقول ” هَنيئاً بانتصار الروح راحت تحلّق في فضاء الحقّ نَسرا” ولكنّه ينوس متأرجحا بين اليأس والأمل؛ فيخاطب الابن المريض قائلًا “لَئِنْ وَهَنَ القَميصُ فَثِقْ بِرَبٍّ يعينك للشّفاء…” غيرَ أنّه يؤوب أخيراً إلى التّسليم بقضاء الله المحتوم وقَدَرِهِ، إذ يُيْقِنُ باستحالة شفاء الابن الحبيب فَيَخْتُم بقوله “هنيئاً نِلْتَ بالتّوحيد عِزًّا وبُشرى يا حبيبَ القلبِ بُشرى”.
القصيدةُ غنيّةٌ بالعاطفة الأبويّة الجيّشة، ومُفْعَمَةٌ بالمعاني التّوحيديّة التي تنطوي على ثقافة الأب المُشبعة بمفاهيم التّوحيد والرّضى والتّسليم بقضاء الله وقدره…
وفما يلي نصّ القصيدة:
حلم تجلى
حَـبيـبي أَنْـــتَ يـا رِيبـــالُ صَــبْرا
قـَضى الرّحمنُ أن تــحظى بِــداءٍ
فَــكَمْ مِــنْ مِحنَةٍ تــــأتي اختيـــارًا
علــى أَمَـــلِ الشّــفاء أراك تَــدعو
بُـنَـيَّ حَــلِـمْتُ أَن أَلــقـاكَ وجْــهًا
بُنيَّ حَلِمتُ أنْ أُعْطـــاكَ نَجْـــــلًا
بُـــنَيَّ حَلِمْتُ أن تَــرعى خَريـفي
بُنَــيَّ حَــلِمْتُ أنْ تَبــــقى وَتَـرقى
بُـنَيَّ رَجَـــوْتُ مُنْــذُ الـبدء طفـلًا
وفي رَيْعـــــانِ عُمْرِكَ في شبابٍ
حَبيبي أيُّــــــها الغــالي الــمُفَــــدّى
نشـأتَ على المبـــــادئ مُطْمئنًّــــا
وكُنتَ المُــــرْتجى مُذْ كُنتَ غُصناً
رأيْتُـــكَ في هُـــــــدوء واتّـــــزانٍ
وصِرْتَ لأصــــدقائِكَ خَــيْرَ خِــلٍّ
وَعِشْـتَ مُوَحِّـــــدًا والإنسُ بـــــادٍ
حَبيبي كَم نَرى الأحلامَ وَمْضًا
تُرى كـمْ كُنتَ تَحْلُمُ يـا حـبيبي
هُـــوَ القَدَرُ المَريرُ قَضاه رَبّي
فصارَ شفاؤكَ الحُلُمَ المُرَجَّــى
وصِرْتَ الفِضَّةَ البيضاءَ تَزْهو
وَوَحْهًـــــا بالخُسُوفِ بَدا ولَكِنْ
أيـــا ريبــــال قَدْ مُيّـــــِزتَ فينـا
متى الجَسَدُ اصْطَلى بالنّار حِيْنًا
وقد يُبْري الجُسومَ الـداءُ يومـــاً
غَــــدًا تَشفى وربُّ الكون شافٍ
غـــدا تـرتـــاح مِـنْ داءٍ وتَرقـى
وتـلبِـسُ بالسّــعادة ثـَوْبَ نُـــورٍ
هَنيئًا أنتَ في أَرقى اتّصــالٍ
هنيئًا بانتصار الرُّوحِ راحتْ
لَئِن وَهَنَ القَميصُ فَثِقْ بِرَبٍّ
ولا تَيْأَس فَقَــــدْ نـاجيت ربًّا
هنيئًا نِلْتِ بالتَّوحيـدِ عِـــــزًّا
لـقد أُهْـــدِيتَ مـن باريــك أَمْرا
فَـــلَمْ تَسـخَطْ وقُــلْتَ اللهُ أَدرى
فَتَــغدو مِنْحَـــةً أَولى وأحرى
رَضِـيًّـا طائــعًا سِـــرًّا وَجَـهْرا
نَــدِيًّــا مُـنْصِـــفًا قَـــوْلًا وَفِكْرا
يُتــــــَوِّجُ سِيرَتي عِزًّا وَفَخرا
أخًا يَحْنــــو إذا أَسْنَدْتُ ظَهْرا
لِتَكْتُبَ مَجْدَنا سَطْرًا فَسَطْرا
صَبِيًّـــا يافِعًـــا وفتًى أَغَــرَّا
رَبيعيٍّ رَجَـوْتُ النُّــورَ بَدْرا
أيا كَبِدي لكَ الأكبــاد تُشـرى
فَكُنْتَ طُموحَنا وازددتَ قَــدْرا
نَمَوْتَ على التُّقى شِبرًا فشبرا
رَزينًـــــا عاقلًا صلبـاً وحُـرّا
وقُـــدوتَهُمْ ولَو سَبقوكَ عُمْرا
وزادَكَ مَصْهَرُ الآلامِ سـِـحْرا
قُبَيْــلَ الفَجْــر ثُمَّ تَضِيع فَجْرا
وكَم كُنَّا وَفاضَ الشَّوق نَهــرا
وَنَحْــنُ لمـا قَضاه الله أَســرى
وصارَ طُموحُنـا شَهْراَ فَشَهْرا
صَــفاءً كُلّمــا واجهتَ جَمْــرا
يُـضـيء كَرامَـــةً ويَشِعُّ بِشرا
ونِلْتِ بِما اصطفاك الله أ جْرا
فإنّ الـــرّوح بالأنوار تُبرى
ويَبـرأُ منــه مَنْ داواهُ سِـــرّا
يُحوّل ترب هذا الكون تبرا
إلـى حيث المشيئة أن تُسرّا
وذا حُلُمٌ تَجلّى صـارَ نَصْـرا
وَلَيْلُ الخَوْف يُوشِكُ أنْ يمُـرّا
تُحَلّقُ في سماءِ الحَقِّ نَسْـــرا
يُعِيْنُك للشّفاء فَكُنْ مُصِــــرَّاّ
رحيمًا قادرًا إنْ شــــاءَ أَبْــرا
وبُشْرى يا حبيبَ القلبِ بُشْرى
لا تبــــــع نفســـك رخيصـــــاً وأنــت نفيـــسٌ جــدّاً فــي عيـــــن الحـــقّ!
يُعتبر جلال الدين الرُّومي مؤسِّس الطريقة المولويَّة، أحد أعظم مشايخ الصوفية؛ كما أنه يُعتبر شاعرها الأكبر وهو الذي خلَّف السفر النفيس «مثنوي»، و«ديوان كبير» و«شمس تبريز» وغيرها. لكن الرومي كان في الوقت نفسه مُرشِداً تتحلَّق حوله نخبة السالكين والباحثين عن الحقيقة. وقد جُمعت حواراته مع مُريديه في كتابٍ نفيس أُطلق عليه اسم: «فيه ما فيه»، وأصبح أحد أبرز المؤلَّفات التي تشرح حِكمَة الرومي وخُلاصة تعليمه. ويتطرَّق جلال الدين في هذه الحوارات _ التي ننشرها _ إلى أهمية الإخلاص في العبادة وإلى التقرُّب من الصالحين وأهل السرّ؛ كما يتناول «علماء زماننا الذي يفلقون الشَعرَة في العلوم»، وبينما ما هو أهمّ وأقرب إلى الإنسان من كلِّ تلك الأشياء، وهي النفس أو الذات، فلا يعرفونه.
سأل أحدهم جلال الدين الرومي: هل هناك طريق أقرب إلى الله من الصّلاة؟
أجاب: الصّلاة أيضاً؛ ولكن الصلاة ليست هذه الصورة الظاهرة فقط. فهذه هي قالب الصلاة، لأنَّ لهذه الصلاة بدايةً ونهاية. وكلُّ شيءٍ له بداية ونهاية يكون قالباً. لأنَّ التكبير بداية الصلاة، والسلام نهايتها. مثل ذلك الشهادة، فإنَّها ليست الصيغة التي تُقال باللسان فقط؛ لأنَّ تلك الصيغة أيضاً لها بداية ونهاية. وكلُّ شيء يُعبّر عنه بالحَرف والصوت ويكون له أول وآخر يكون صورة وقابلاً؛ أما روحه فغير محدَّدٍ ولا متناهٍ، وليس له أول ولا آخر.
ويروي جلال الدين هذه الحكاية للتأكيد على أهمية الإخلاص وحضور القلب في العبادة، مقارنة مع صورة العبادات. فيقول: “يُحكى أنَّ سلطان العلماء، بهاء الحق والدين، كان في أحد الأيام بين أصحابه لكن في حال من الاستغراق التام. ولمَّا حان وقت الصلاة نادى بعض المريدين هذا العارف الربَّاني أن: “حان وقتُ الصلاة”.
لم يلتفت الشيخ إلى قولهم، فنهضوا وانشغلوا بالصلاة، لكنّ اثنين من المريدين وافقا الشيخ فلم ينهضا للصلاة وكان واحد من أولئك المريدين المنشغلين بالصلاة يسمى خواجكى، وقد كشف له بعين السرِّ أنَّ كلَّ الأصحاب الذين كانوا في الصلاة كانت ظهورهم إلى القبلة، وأنَّ ذينك المريدَين اللذين كانا قد وافقا الشيخ كان وجههما إلى القبلة. تفسير ذلك أنَّ الشيخ عندما غاب عن (نحن) و(أنا) وفنيت هويته وتلاشى واستهلك في نور الحق “موتوا قبل أن تموتوا”، صار نور الحق. وكلُّ من يدير ظهره إلى نور الحق ووجهه إلى الجدار لا بُدَّ أن يكون قد جعل ظهره إلى القبلة. ذلك لأنَّ نور الحق هو روح القبلة.
تمسَّكوا بأذيال أهل الحق
قال أحد الملوك لدرويش: “في تلك اللحظة التي يكون لك تجلٍّ وقرب من الحق تذكَّرني”، فأجاب الدرويش:”عندما أصل إلى تلك الحضرة ويسطع عليّ ضياء شمس ذلك الجمال لا أعود أتذكَّر نفسي. فكيف أتذكَّرُك؟ ولكن إذا اختار الحق عبداً، وجعله مُستغرقاً فيه تماماً، فإنَّ كلَّ من يتمسَّك بأذياله ويطلب منه حاجة، يُلبِّي له الحق مطلبه من دون أن يذكره ذلك العظيم عند الحق ويعرضه عليه.
يُحكى أنه كان هناك مَلك وكان له عبدٌ خاص جداً، وعندما كان ذلك العبد يتوجَّه ناحية قصر الملك، كان أهل الحاجات يُسلِّمونه التماسات أو رسائل طالبين منه أن يعرضها على الملك. كان يضع تلك الالتماسات والرسائل التي فيها حاجات القوم في محفظته، لكنه كُلَّما دخل في حضرة الملك كان لا يستطيع أن يتحمَّل ضياء جماله، فيقع مغشياً عليه. وكان الملك يُدخِل يده في جيبه ومحفظته على سبيل الدعابة، قائلاً: “هذا العبد المندهش فينا المستغرق في جمالنا، ماذا لديه؟ كان يأخذ تلك الرسائل ويأمر بتنفيذ الحاجات المطلوبة فيها كلَّها بالكتابة على ظهورها، ثمَّ يُعيدها إلى محفظة عبده. وهكذا كان يلبّي حاجات الجميع من دون أن يعرضها العبد عليه، على نحو لا يرفض فيه أياً منها، بل كانوا يحصلون على مطلوبهم مُضاعفاً وأكثر من ذلك الذي كانوا يطلبونه. أمَّا العبيد الآخرون الذين كانوا واعين وقادرين على عرض التماسات أهل الحاجات على جناب الملك، فنادراً ما تُقضى حاجة واحدة من مئة حاجة أو مسألة من تلك التي كانوا يعرضونها.
يتابع جلال الدين الرومي القول: “هناك شيء واحد في هذا العالم لا ينبغي أن يُنسى، وإذا نسيت الأشياء كلها ولم تنسَ ذلك الشيء فلا داعي للخوف؛ ولو أنك أنجزت الأشياء كُلَّها وتذكرتها ونسيت ذلك الشيء، فكأنك ما فعلت شيئاً البتَّة. وهذا تماماً مثلما لو أنَّ الملك أرسلك إلى قرية من أجل عمل مُعيَّن، فذهبت وأدَّيت مئة عمل آخر، فإن لم تؤدِّ ذلك العمل الذي بعثك الملك من أجل تأديته، فكأنك ما أدَّيت شيئاً”. وهكذا، فإنَّ الإنسان جاء إلى هذا العالم من أجل عملٍ مُعيَّن، وذلك مقصوده وهدفه، فإن لم يؤدِّ هذا الذي جاء من أجله، فإنه لا يكون قد فعل شيئاً. وعندما يفعل ذلك العمل ُينفى عنه الظلم والجهل. وإذا قلت: “صحيح أنني لم أؤدِّ ذلك العمل، لكنِّني قمت بأعمال كثيرة غيره”؛ فإنَّ الإنسان لم يخلق من أجل تلك الأعمال الأخرى. كما لو أنك أتيت بسيف فولاذي من سيوف الهند التي لا تُقدَّر بثمن كتلك التي تتواجد في خزائن الملوك، ثمَّ جعلته ساطوراً لقطع اللحم الفاسد، أو كما لو أنك أتيت بقِدر مصنوعة من الذهب واستخدمتها آنية للطبخ في الوقت الذي تستطيع بحبة واحدة من ذلك الذهب أن تشتري مئة قدر، أو كما لو جعلت خنجراً مُرصَّعاً بالجواهر مسماراً لتعليق قرعة مكسورة قائلاً: “استفيد منه وأُعلِّق القرعة عليه”. أَلاَ يكون ذلك مُحزناً ومُضحكاً؟ عندما يمكن تعليق القرعة بمسمار من خشب أو حديد؟
الحق تعالى جعل لك قيمة عظيمة، إذ يقول:
{ إنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهُمُ الجَنَّة } (التوبة:111)
أنتَ في القِيمةِ أَسمى من العالمين فما حيلتي إِن لم تكن تعرف قدرك؟
لا تبع نفسك رخيصاً وأنت نفيس جداً في عين الحق!
يقول الحق تعالى: “لقد اشتريتكم أنتم وأوقاتكم وأنفاسكم وأموالكم وحيواتكم. إذا ُصرِفت كلها في سبيلي وإذا أعطيتموني إيَّاها فإنَّ ثمنها جنَّة الخُلد. قيمتك عندي هي هذه”. لو بعت نفسك لجهنم لكنت قد ظلمت نفسك، مثل ذلك الرجل الذي دقَّ خنجراً قيمته مئة دينار في الجدار وعلَّق عليه جرّة أو قرعة”.
لنعد إلى ما كُنَّا قد بدأناه: “أنت تقدِّم تبريرك، قائلاً: “استنفذ طاقاتي في أداء أعمال عالية نبيلة. أدرس علوم الفقه والحِكمة والمنطق والنجوم والطب وغير ذلك، لكنك تفعل كلّ هذا من أجلك أنت. فإذا كنت تدرس الفقه فإنَّ ذلك من أجل أن لا يسرق أحد الرغيف من يدك، أو ينزع عنك لباسك أو يقتلك. باختصار من أجل أن تكون في أمان. وإذا كنت تدرس النجوم وأحوال الفلك وتأثيرها على الأرض من خِفَّة وثقل، فإنَّ هذه الأشياء من أجلك أيضاً”.
عندما تتأمَّل جيِّداً تجد أصل الأشياء كلّها نفسك. وهذه الأشياء جميعاً فرع لنفسك. وعندما يكون لفرعك الكثير من التفاصيل والعجائب والأحوال والعوالم العجيبة التي لا نهاية لها، فتأمل ما يكون لك، أنت الأصل من أحوال. عندما يكون لفروعك عروج وهبوط

الصلاة ليست الصورة الظاهرة فقط، بل في الإخلاص وحضور القلب مع المولى
وسعدٍ ونحس، فتأمل نفسك أنت الأصل ماذا يكن لك من عروج وهبوط في عالم الأرواح، من سعد ونحس ونفع وضر!
إنَّ لك غذاءً آخر غير هذا الغذاء من النوم والأكل. قال النبي (عليه الصلاة والسلام):
“أَبيتُ عند رَبِّي يُطعمني ويسقيني”.
في هذا العالم الوضيع نسيتُ الغذاء السماوي، وشغلت بهذا القُوتِ المادي. وأخذت ليلاً ونهاراً تغذي جسمك. والآن فإنَّ هذا الجسم هو جوادك وهذا العالم الوضيع إصطبلك. إنَّ غذاء الفرس لا يكون غذاءً للفارس، إذ إنَّ للفارس نوعاً خاصاً من النوم والطعام والتنعّم. ولكن لأَّن الحيوانية والبهيمية غلبتا عليك فقد تخلَّفت عن جوادك في إصطبل الخيل، ولم يكن لك مقام في صفّ ملوك عالم البقاء وأمرائه. قلبك هناك، وعندما غلب عليك الجسد صرت خاضعاً لحُكمِهِ، وبقيتَ أسيراً له.
وهذا مثلُ ما يحكى من أنَّ أحد الملوك أَسلم ولده إلى جماعة من أهل البراعة حتى يعلِّموه علوم النجوم والرمل وغير ذلك، حتى غدا أستاذاً كاملاً، على الرغم من غبائه المُطبق وبلادته. وفي يوم من الأيام أمسك الملك في قبضته خاتماً وامتحن ابنه.
“تعال، قل ماذا في قبضتي؟”
قال الأمير: “الشيء الذي تمسكه مدوَّر وأصفر ومجوَّف”.
قال الملك: “أمَّا وقد قدَّمت العلامات الصحيحة، فقرِّر الآن أي شيء ذلك؟”.
أجاب الأمير:”ينبغي أن يكون غربالاً”.
قال الملك: “حقاً، أعطيت كلّ هذه العلامات الدقيقة الكثيرة ما يحيِّر العقول، وإذ لك كلّ هذا القدر من قوَّة التحصيل والعِلم، كيف فاتك أنَّ الغربال لا تتسع له قبضة اليد؟”.
ومثل هذا الآن حال علماء زماننا الذي يفلقون الشَعرَة في العلوم وقد عرفوا غاية المعرفة أشياء عديدة لا تَعلّق لها بهم، وصارت لهم إحاطة كاملة بها؛ وأمَّا ما هو مهمٌّ حقاً وأقرب إلى الإنسان من كلِّ تلك الأشياء، أي نفس الإنسان، فلا يعرفه ذلك العالم؛ لا يعرف نفسه. يحكم على الأشياء كُلَّها بالحِلّ والحرمة قائلاً: “هذا جائز وذلك غير جائز، هذا حلال وذلك حرام. لا يعرف نفسه إن كانت حلالاً أم حراماً، جائزة أم غير جائزة، طاهرة أم غير طاهرة”.
المصدر: “فيه ما فيه” لمولانا جلال الدين الرومي

حتلُّ المعلم الأكبر سقراط موقعاً محورياً في وجدان أهل التوحيد ومعتقدهم. وهذا الموقع الأساسي الذي يحظى به بين مشايخهم وزُهَّادهم والسالكين الجَّادين منهم، له بالطبع أساسه المتين في ما نُقِلَ عبر التاريخ، وخصوصاً عبر مؤلَّفات معاصريه أو تلامذته (أفلاطون وزينوفون وغيرهما) من أخباره وحِكمته وزُهده وإِبائه وتعليمه وأثره الهائل الذي طبع كافة التيَّارات الفكرية والفلسفية بعده؛ كما أنَّ تعظيم الموحِّدين الدروز لـ سقراط الحكيم، هو في الوقت نفسه دليل بين دلائل كثيرة على الجذور الكونية لمسلك التوحيد، كما أنه برهان على الصلة بين التعليم السقراطي وبين ما انطبع عليه الموحِّدون الدروز من نسق خاص في العبادة والتأمُّل والمجاهدة والمراقبة، وما تاق إليه شيوخهم التقاة على الدوام من فقر واحتقار للدُّنيا واستقامة وصدق وتسليم وخضوع تام للخالق العلام. ولهذا السبب وجدنا أنَّه من الفوائد الكبرى للموحِّدين أن يطلعوا بصورة أفضل على حقيقة سقراط وأن يحيطوا جيداً بشخصيته وسلوكه وشمائله وتعليمه، ليروا فيها إعزازاً للمسلك وتوضيحاً للطريق ورفعاً للأوهام وحثّاً على الجِدِّ والاستقامة في العبادة، اقتداءً بهذا المُعلِّم وبإرشاده السامي للطالبين والمجاهدين في كلِّ زمان ومكان.
بعد مضي أكثر من 2480 عاماً على ولادته لا تزال حياة الحكيم سقراط لغزاً كبيراً، لكن المعروف عنه أنَّه وُلِدَ وترعرع وعاش وعَلَّم الأثينيين الحِكمة في ما اعتبر العصر الذهبي لأثينا، وهي الفترة التي امتدَّت بين العامين 469 و399 قبل الميلاد والتي تمكّن اليونانيون خلالها، ليس فقط من صد توسُّع الفرس في معركة ماراثون في العام 490، بل إلحاق هزيمة كبيرة تالية بهم في العام 480 ق.م. في معركة سالاميس، ثم في بلاتاي في العام 479 ق.م. وقد نجم عن هاتين المعركتين ردُّ الفرس على أعقابهم وتمتَّع اليونان بمرحلة طويلة من الأمن والازدهار.
وكما يحصل دائماً فإنَّ البحبوحة والسلام يجلبان معهما المتناقضات. فهناك من جهة مظاهر البذخ والإسراف والتعلّق بزينة الحياة مثل المال والجاه والتسابق على الفوز بمغانمها، لكنه وبالنظر لتحرّر الناس من جهد العمل (وقد كان الاقتصاد اليوناني قائماً على جهود العبيد)، فإنَّ العديد منهم ستتاح له فرصة الإطلاع والبحث في الفلسفة والفنون والترقِّي بنفسه في معارج العلوم. وليس صدفة أن تكون المدرسة الأثينية ازدهرت في تلك الحقبة بالذات لتُخلِّف للبشرية إرثاً هائلاً ما زلنا إلى اليوم ننهل من نفائسه.
في هذه الحقبة الخاصة بالتاريخ اليوناني عاش سقراط، ويمكن القول مع بعض أهل الحقّ أنَّ وجوده في أثينا كان في حدِّ ذاته رحمة جلبت لها ولليونانيين المِنعة والقوَّة والازدهار، رفعت عنهم السيف المُسلَّط للتوسّع الفارسي. وقد عاش سقراط في أثينا 70 عاماً تقريباً، وعَلَّم فيها بلا انقطاع طوال أربعين عاماً ممَّا يعني أنه كان بلغ أعلى مراتب الحِكمة وهو بعد في سن الثلاثين.
ينقل أفلاطون عن معلمه سقراط أنه «كرّس حياته كلها لمعرفة الحِكمة وأنه لم يصرف أيّ وقت للهو أو المِتع أو لشؤون البيت، وإنه لهذا السبب كان في فقر دائم بسبب تكرّسه لخدمة ربَّه. وفي كتاب فيدو لـ أفلاطون يشرح سقراط تطوّر تعلّقه بالعِلم ومسيرته كالتالي:
«عندما كنتُ شاباً كان لديّ شغف كبير باكتساب الحِكمة، إذ بدا لي أنَّ من أروع الأمور أن تعرف أصل كل شيء. لماذا يخلق الشيء ولماذا يختفي من الوجود، أو لماذا ظهر إلى الوجود». يضيف سقراط أنه قلَّب الأمور على كل الوجوه، وحاول إيجاد تفسير للوجود عن طريق علائق الأشياء وقوانين الأسباب، لكنه لم يصل إلى نتيجة. لكن حدث أن كان في جمع واستمع لأحدهم يقرأ نصاً لـ «أناكزاغوراس» يقول فيه أنَّ الفكر هو الذي يرتِّب
ويتسبَّب بظهور كل شيء. و«عندها شعرت بالرضى لهذا القول، وبدا لي مقنعاً بالفعل القول بأنَّ الفكر هو في أساس وجود كل شيء لأنني كنتُ في قرارة نفسي أعتقد ذلك». هذه الشهادة لـ سقراط ساهمت مع غيرها في اعتقاد العديد من أهل عصره، بأنه أخذ الحِكمة على يد أناكزاغوراس بينما ذكرت أنباء أخرى وبعض المقاطع في كتابات أفلاطون أنَّ سقراط تعرّف على بارمنيدس، أحد أشهر فلاسفة التوحيد في عصره، عندما كان في يفاعه. وقد ذكر سقراط في ما بعد أنه لاحظ استخدام بارمنيدس لأسلوب السؤال والجواب (الديالكتيك)، بينما قال ديوجين لـرتيوس أنَّ سقراط تعلَّم على يد أناكزاغوراس ودايمون وأرشيلاوس.
في جورجياس يشرح سقراط للحضور أنه كان مُتعلِّقاً بالحقيقة طوال عمره، «وأنّ من الأفضل لي أن يكون العَالم كلّه ضدِّي ويعارضني، على أن أكون أنا متعارضاً مع نفسي أو أن أناقضها» وفي دفاعه عن رفضه الهرب من السجن يقول سقراط أنَّ الحياة في حدِّ ذاتها ليست ثمينة إلى هذا الحدّ، بل الحياة السعيدة أو الفاضلة. لذا فإنه لن يقوم بما هو مذموم أو شرير ردّاً على ما قد يوقعه الآخرون به من شرٍّ. ولهذا قرَّر عدم الفرار من السجن وبالتالي قبول الموت.
على الرغم من إيمانه الراسخ، فإنَّ سقراط اتّبع سياسة كتم عقيدته بسبب طغيان العقائد الفاسدة لدى حُكَّام أثينا وعامتها. ومن مظاهر كتم الإيمان ما ذكره في دفاعه أمام هيئة المُحلِّفين من أنه يحترم عقيدة الدولة ويدعو الآخرين لاحترامها، وأنه كان يقدِّم الأضاحي في المناسبات الدينية اقتداءً بالكُهَّان وخادمات معبد دلفي. ومن مظاهر تكييف إيمانه حديثه عن الإله بصيغة الجمع (الآلهة)، لكن مع التأكيد لأهل أثينا أنهم «يعلمون الغيب وكل ما تخفي النفوس من أعمال أو خواطر وأنَّ وجودهم محيط بكلِّ شيء، وأنهم يوحون للإنسان بما يعينه على طاعتهم أو يهدونه بالوحي». ولو رفعنا صيغة الجمع التي كان سقراط مضطراً لاستخدامها ووضعنا محلها صيغة التوحيد التي كان يؤمن بها وأسرَّ بها دوماً إلى المُقرَّبين منه لكان كل وصفه لآلهة اليونان هو في الحقيقة وصف للحقِّ تعالى.
على العكس من تصريحه العلني، فإنَّ حديث سقراط في مجلسه الخاص أو مع مريديه الخلص كان يشير إلى الله دوماً بصيغة المفرد وليس بصيغة الجمع. وعلى سبيل المثال نرى سقراط يُعرب في كتاب أفلاطون «دفاعاً
تكرّس بكامله للمعرفة، ولم يصرف أيّ وقت للهو أو مشاغل البيت أو كسب ما يفوق حاجته، وعاش حياته لذلك في فقرٍ دائم
عن سقراط «عن شكِّه في المحاكمة وفي نتائجها المحتملة، لكنه يضيف القول كل ما أرجوه هو أن يكون في هذه المحاكمة مرضاة لربي لأنَّ مشيئته (شريعته) لا بُدّ من أن تُطاع. وأضاف سقراط القول إنه حتى ولو قرَّرت المحكمة تبرئته فإنه لا يمكن أن يتوقَّف عن حثِّ الناس على اتِّخاذ طريق الحِكمة والفضيلة والاعتناء بالروح، وأنه يُفضِّل الموت على أن يعصى الله لأنه مؤمن بأنَّ الله بعث به إكراماً لأثينا وأنَّ الأثينيين لم يحصلوا في حياتهم على قدر الخير الذي حمله إليهم بسبب طاعته وخدمته لربِّه. بل إنَّ سقراط أضاف القول أنه لن يغيِّر طريقه حتى ولو تعين عليه الموت مرات عدة. وحتى عندما كان يواجه الموت لم يكن في قلب سقراط أيّ ذرَّة خوف لاعتقاده بأنَّ الإنسان الصالح لا يمكن أن يمسّه سوء لا في الحياة ولا في الموت، لأنَّ الله لا يمكن أن يهمل عباده». وكان سقراط مؤمناً بأنَّ جميع الأشياء لها سبب إلهي وأنَّ هناك «وعياً كُلِّياً» أو «عقلاً كُلِّياً» يحرِّك جميع مظاهر الخلق نحو الخير والكمال.
من أبلغ الأدلَّة على توحيد سقراط هو أنه دفع حياته في النهاية ثمناً له. فالتهمة التي وُجِّهت إليه من قِبَل ثلاثة أشخاص هم: مليتوس، وكان يمثِّل الشعراء، وأنيتوس، وكان يُمثِّل الحِرفيين والسياسيين، وليكون، وكان يُمثِّل فئة الخطباء هي حرفياً التالية:
«سقراط لا يؤمن بالآلهة الرسمية التي تؤمن بها الدولة وهو أحلَّ محلَّها ربّاً جديداً، كما أنه وبسبب ذلك مُتَّهم بإفساد عقول الشباب في أثينا عبر زعزعة معتقداتهم».
وقد ذكر زينوفون في ما بعد أنَّ اهتمام هيئة المُحلَّفين التي حاكمته، كان منصباً على معتقد سقراط الديني وما كان يُردِّده من أنه يحمل رسالة ذات مصدر إلهي».
كان مؤمناً بأنَّ جميع الأشياء لها سبب إلهي وأنَّ هناك «وعياً كُلِّياً» أو «عقلاً كُلِّياً» يُحرِّك جميع مظاهر الخلق نحو الخير والكمال
يخبر زينوفون عن سقراط قوله أنَّه من الحماقة الاعتقاد بأنَّ العقل البشري يمكنه الإحاطة بكافة الأمور من دون معونة أو هدي من الله. لكن سقراط كان يعتبر أنَّ من الحمق أيضاً اللجوء إلى المشيئة الإلهية في كل شاردة وواردة، مثل أن يسأل إنسان ربًّه مثلاً هل يستأجر لرحلته قائد مركبة مجرب أم آخر لا خبرة له. أو كأن يسأل هل يركب سفينة يقودها قبطان ذو خبرة أم سفينة أخرى يقودها قبطان مبتدئ، أو أن يسأل في أمور الحساب أو القياس أو غيرهما ممَّا هو في متناول المعرفة العقلية. وفي رأيه أنَّ ما وهبه الله لنا ممّا يمكن تعلّمه يجب تعلّمه، لكن ما هو محجوب عن البشر العاديين فلا بُدَّ من السعي لكشفه عن طريق الوحي أو عن طريق رجل عارف يحظى بفضل الله بالبصيرة والإلهام لمعرفة تلك الأمور.
كثير من الفلاسفة وطلاُّب الحقيقة ربما أهملوا الكثير من مظاهر الحياة المادية، لكن لا يوجد في تاريخ الحِكمة اليونانية من عاش ببساطة وفقر مطلق كما عاش سقراط. وقد كان الحكيم عظيماً في نفوذه ومشهوراً وكان الناس يتهافتون لعرض المساعدة والمال عليه، لكنه كان يرفض بإصرار. في المقابل كان العديد من السفسطائيين يعيشون في أبهة وبحبوحة من جرّاء الأموال التي كانوا يتقاضونها لقاء إعطاء الدروس في كسب الحجج الباطلة، وكان سقراط لا يخفي احتقاره لهم.
وصف أريستوفان سقراط بأنه كان «سائحاً في الأرض» عاري القدمين، بينما أشار تلميذه زينوفون بأنَّ معلمه كان دائم التجوّل وأنه كان يبدأ يومه بالخروج صباحاً إلى الحدائق والطرق العامة وأماكن التدريب، وأنه كان يقضي منتصف النهار في الأسواق وبقية النهار في أيِّ مكان تواجد فيه الناس. وكان عادة يقدّم حِكمته إلى من شاء الاستماع من دون أيِّ قيد.
شرح سقراط أثناء محاكمته كيف أنه أهمل تحصيل المال أو امتلاك الأرض، وهي أمور يحرص معظم الرجال عليها، لأنه أشرف من أن يضيِّع الوقت على هذه الأمور الجوفاء في وقت يمكنه أن يُنفِق الوقت على تقديم أعظم خدمة للناس وهي تشجيعهم على سلوك درب الحِكمة والخير. وأخبر زينوفون أنَّ كلّ ممتلكات سقراط كان يمكن بيعها بخمس دوانق ذهبية، مع ذلك فقد كان سقراط يؤكِّد بأنه يشعر دوماً بأنه غني فعلاً لأنه ليس في حاجة للمزيد من المال. وفي كتبه عن ذكريات عن سقراط وروى ديوجينوس لـرتيوس أن سقراط رفض عرضاً من شارميدس منحه بعض العبيد الذين يمكن أن يحقِّقوا له عائداً يُعينه في عيشه. كما سعى صديقه ألسيبيادس لمنحه قطعة أرض كبيرة ليبني عليها بيتاً، لكن سقراط رفض العرض وأجاب صديقه بالقول: لنفرض أنَّ بعضهم قدَّموا لي جلد بقرة ذبيحة لأصنع منه زوجاً من الأحذية، ألن يكون من المثير للسخرية أن أقبل بتلك الهدية. وهو كان يعني أنَّ قطعة الأرض ستفرض عليه إيجاد المال اللازم لبناء بيت وهو ما سيفرض عليه التخلِّي عن فقره.. . وذكر ديوجينوس في كتابه عن حياة أريستيبيس أنَّ هذا الأخير كان الأول من تلامذة سقراط الذي جلس للتعليم وتقاضى المال عليه. وفي إحدى المرات أرسل إلى سقراط 20 ديناراً لكن المُعلِّم رفض استلامها وأعادها إليه قائلاً إنَّ الهاتف الإلهي يمنعه من أخذها؛ ويضيف ديوجينوس أنَّ مجرد عرض المال من أريستيبيس كدّر خاطر سقراط على تلميذه.
ويروى أنه كان يمرُّ في الأسواق ويرى جملة البضائع والأشياء المعروضة فيها، فيحمد ربَّه بالقول: «حمداً لك كم من الأغراض أعنتني على تركها»؛ وكتب ديوجينوس لـ رتيوس أنَّ حياة سقراط تميَّزت بدرجة عالية من الانضباط، حتى أنه حصل في أكثر من مرّة أن انتشرت أوبئة في أثينا لكن سقراط كان الرجل الوحيد الذي لم يصل إليه المرض. وعلى الرغم من أنه لم يقبل أخذ المال أبداً فإنه عندما كان البعض يرسل إليه قمحاً أو زاداً
كان يأخذ منهما القليل ويردّ الباقي.
كان لـ سقراط مقدرة غير عادية على احتمال التعب والجوع، ثمَّ وبصورة خاصة احتمال البرد. وكل هذه الخصائص اختبرها زملاؤه خلال الحملة العسكرية التي شارك فيها سقراط على منطقة «بوتيده» وكانت في الشتاء وفي منط
قة تتميَّز بالثلوج والصقيع. وقد ذكر صديقه ألسي

بيادس كيف كان سقراط غير مُبالٍ بالجوع فيما كان الآخرون يتضوّرون من قِلَّة الطعام. أما عن احتماله للبرد فقد ذكر أنه بينما كان الجميع يختبئون في الداخل من الصقيع وإن خرجوا يرتدون الثياب الصوفية السميكة ويلفون أرجلهم باللبَّاد والصوف، فإنَّ سقراط كان يتنقل على الجليد حافي القدمين وبثوبه العادي بخِفَّة وسهولة تفوق أولئك الذين تدثَّروا الصوف وانتعلوا الأحذية الجلدية، وكان هؤلاء يرمقون سقراط بنظرات غريبة قد ظنوا بأنه بسلوكه هذا إنما كان يستهين بهم.
كان حليماً إلى أقصى الحدود، ولم يُرَ إطلاقاً غاضباً أو حانقاً. هذا على الرغم من أنَّ طريقته المُحرجة في طرح الأسئلة والحوار كانت تثير بعض صغار العقول، فكانت تأخذهم الحمية فيتعرَّضون له بالكلام النابي أو حتى بالعنف. لكن سقراط كان يستقبل هذا العنف الجسدي أو الكلامي بطيبة خاطر، وغالباً ما تمكَّن من تغيير الجوِّ بفضل أسلوبه المرح وروح الدعابة التي كان يظهرها. وقد سأله بعض أصدقائه يوماً: أَلاَ تجد بعض الناس من الغلظة بحيث لا يمكن احتمالهم. فأجاب: كلاَّ لأنَّ أيَّ شجار يحتاج إلى اثنين. فهم إن أظهروا عيوبنا فقد أفضلوا علينا، وإن لم يظهروها فإنهم لن يمسّونا بسوء.
أهمّ صفة رافقت عِلم سقراط وحِكمته العظيمة كانت صفة التواضع والورع الشديد، مثل تأكيده الدائم لتلامذته وأصحابه أنه «ليس معلِّماً وإنَّما مجرد هاو للعلم» وهذا في الوقت الذي كان حريصاً فيه على مدح الآخرين وتعظيم شأنهم وشأن معرفتهم. بعض الناس في زمانه اعتبروا ذلك تصنُّعاً أو تظاهراً، لكن سقراط كان كمُعلم يقدّم المِثَال للآخرين بأنه لا يمكن لأحد أن يتعلَّم الحِكمة ما لم يعتبر نفسه جاهلاً في الأصل ولا يعتدُّ بعِلمه أو بما حصَّله قبل ملاقاته للحكيم. عُرِف عنه أنه لم يقل أبداً في حوار «لا أوافق»، بل كان ردُّه المؤدَّب أحياناً: لم استوعب النقطة أو الردّ بسؤال هدفه مساعدة المُحدِّث؛ وهو لم يوقف أي محادثة من تعب أو نفاد صبر وكان يرفق حجته بالكثير من الاحتياط والتحفُّظ بحيث يمكن
قبولها لمن يفهم أو تجاوزها أو اعتبارها مجرد محاولة لإيجاد حلٍّ أو تفسير. وفي كتاب أثيديموس لـ سقراط يعتذر سقراط لأصحابه عن «قصور فهمه» لهذه الأفكار المُعقَّدة ،حتى عندما تكون صائبة؛ مضيفاً القول: «إنني مُفكِّر خامل بل ربما قد أجنح أحياناً للإدلاء بآراء غريبة، لذا أرجو منكم أن تسامحوني».
كان سقراط يؤمن بقوَّة بأنَّ الله يهديه في كل خطوة يقوم بها، وأنه كان في بعض الحالات يستوحي مباشرة من الحضور الربَّاني معه. وفي آخر كتاب كريتو لـ أفلاطون يقترح سقراط على الحاضرين أن يقبلوا بنتائج الحِجَّة التي قدَّمها على اعتبار أنَّ الله إنَّما يهديهم عن هذا الطريق (أي عن طريق وضع الآيات الهادية على لسان سقراط). وقد أكَّد سقراط مِراراً بأنَّ مواهبه كلها وقدراته إنَّما هي إنعام عليه من الله.
وأبرز ملامح الاختبار الروحي لـ سقراط كان حديثه الدائم عن الروح المُرشد الذي كان يسميه daimon باللغة الإغريقية، وهو يؤكِّد في كتاب الجمهورية لـ أفلاطون أن ندرة من الناس أو ربما لا أحد أنعم عليه بالروح المُرشد الذي يقوده في كلِّ شيء. ويشرح زينوفون في مواضع عدَّة كيف أنَّ الحِسَّ النبوئي لـ سقراط كان من الوضوح والدِقَّة بحيث أنَّ العديد من أصدقائه وجلسائه كانوا يلجأون إليه، حيث كان ينصحهم
بفعل شيء ما أو الإحجام عنه وفقاً لوحي الروح العلوي، وقد حدث دوماً أنَّ الذين اتبعوا نصيحته نجحوا بينما الذين تجاهلوا نصيحته ندموا بعد ذلك. ويقول زينوفون أنه من الحماقة على أيِّ إنسان يرى عِلم سقراط للغيب ولا يؤمن من دون أيِّ شك أنه يتلقَّى ذلك مباشرة من الله. ويذكر سقراط أنَّ الروح المُرشد صدّه مرتين عندما بدأ يفكِّر في إعداد دفاعه أمام محكمة أثينا، وهو ما جعله يقرِّر أن لا يتقدَّم بأيِّ دفاع مُعدٍّ سلفاً.
ويذكر شيشرون في كتابه “عن التنبؤ” عدداً من القصص التي تؤكِّد حدس سقراط النبوئي وانكشافه على غيب الأمور. ففي إحدى المرَّات كان كريتو يهم بأخذ طريق تقع على جانبه شجرة كبيرة، وقد هرع سقراط لتحذيره من أخذ ذلك الطريق، لكن كريتو تجاهل تحذير سقراط ولم يكد يسير مسافة حتى سقط عليه غصن شجرة يابس وأصابه في وجهه. ورجع في اليوم التالي مُضمَّداً إلى سقراط الذي ذكره بتحذيره له. في حادثة أخرى كان سقراط ولاشيس قائده العسكري عائدين من معركة ديليوم عندما بلغا مفترقاً يتفرَّع منه ثلاث طرق، وقد رفض سقراط أخذ إحدى الطرق التي اقترحها لاشيس والآخرون فلما سألوه لماذا أجاب: إنَّ الله يحول دوني وذلك»، والحال الذين أخذوا الطريق الذي رفضه سقراط واجهوا فجأة فرقة من خيَّالة العدو.
في مؤلَّف للكاتب بلوتارك يورد الكاتب حواراً مُفصَّلاً لـ سيمياس عن «الهاتف الإلهي لـ سقراط»، ويذكر بصورة خاصة حادثة مثيرة وهي أنَّ سقراط حذّر مجموعة من الرجال عن أخذ طريق ما. لكن هؤلاء رغبة منهم في إثبات أنَّ تحذيره لا أساس له، قرَّروا أخذ ذلك الطريق لكنهم ما إن قطعوا مسافة صغيرة حتى واجههم قطيع هائج من الخنازير البريَّة، ونظراً لضيق ذلك الطريق فقد نشرت حوافر الخنازير الوحل على ثياب الرجال، كما أُلقي بعضهم أرضاً.
تُعتبر محاكمة سقراط وما سبقها أحد أعظم الفصول التي يمكن لحكيم عظيم أن يختم بها حياته. وما زالت محاكمة سقراط من قِبَل هيئة محلَّفي أثينا محطةً بارزة في تاريخ البشرية وتاريخ الحِكمة والمواجهة بين الحقِّ والباطل. وما زالت وقفة سقراط وأسلوب مواجهته للموت والمواقف التي أعلنها خلال المحاكمة وبعدها مصدر إلهام لا ينقطع لأهلِّ السمو والمجاهدة والتسليم الحقيقي.
أول ما ميّز محاكمة سقراط أنه رفض الأخذ بخطاب دفاع قويٍّ أعدَّه أحد مريديه لاستخدامه خلال المحاكمة، وقد ردَّ سقراط على مريديه بالقول إنَّ الخطاب لا يلائمه. ويذكر زينوفون أن تلميذ سقراط هرموجينس حاول بدوره إقناعه، وهو أبرع من تحدَّث المنطق وقوَّة الحِجَّة بإعداد دفاعه الذي ينبغي أن يلقيه أمام لجنة المُحلَّفين؛ لكن المُعلم ردَّ عليه بالقول، أنه كلَّما بدأ التفكير في إعداد دفاعه فإنَّ الإشارات
الإلهية التي تَرِده كانت تصدّه عن ذلك.
بدلاً من خطاب مُعدٍّ سلفاً ألقى سقراط خلال المُحاكمة دفاعاً عفوياً وغير مُحضَّر بُنِيَ على العقل، وشرح للمُحلَّفين الأسباب التي دفعته لعدم الطلب من زوجته وأولاده الحضور وإلتماس البراءة له –كما كانت العادة في أثينا- وقد أدين سقراط بأكثرية ستين صوتاً من هيئة مُحلَّفين بلغ عدد أعضاؤها 501 عضو.
وطلب المدعي العام في القضية الإعدام لـ سقراط، وهي عقوبة يؤكِّد زينوفون أنها كانت مخالفة لقانون أثينا الذي يحصر إيقاع عقوبة الموت فقط بحالات الجُرم المشهود بالسرقة الموصوفة والخطف وسرقة المعابد.
وحسب القانون اليوناني فقد كان لـ سقراط الحقّ بالرد واقتراح عقوبة بديلة. وقد استخدم سقراط هذا الحقّ ليقترح –وهو المتأكِّد من أنه لم يرتكب ذنباً- أن تحكم هيئة المُحلَّفين بتقديم وجبة غذاء مجَّانية على حساب الدولة. وبالطبع فقد رفضت هيئة المُحلفين التي كانت أدانته هذا الطلب الذي يكاد يتَّسم بالسخرية منها؛ كما رفض سقراط النفي أو السجن باعتبارهما لا يليقان به، وانتهى إلى اقتراح تغريمه ديناراً ذهبياً واحداً. وكانت اقتراحات سقراط تعكس شخصيته القوية وفي الوقت نفسه عِزَّة نفسه الكبيرة، لكن هذه الاقتراحات قوبلت بالمزيد من الحنق من لجنة مُحلَّفين يسيطر عليها صلف النخبة وشعور السلطة، كما لا يوجّهها حقيقة مبدأ العدل وهي التي حكمت على العديد من الأبرياء في السابق. وقد ردَّ المُحلِّفون على سقراط بتصويت جاء نتيجته أسوأ من التصويت الأول، إذ بدل 80 من المُحلِّفين موقفهم ليصوِّتوا ضدَّ سقراط ويؤيِّدوا العقوبة.
وضع سقراط في السجن لكن تنفيذ عقوبة الموت به تأخُّر بسبب أعياد دينية مهمة، إذ كانت حكومة أثينا تُرسل سفينة إلى ميناء ديلوس كل عام لإحياء ذكرى مقدَّسة، وكان مُحرّماً تنفيذ أيَّة عقوبة بالموت طيلة المدة التي تستغرقها الرحلة وإلى حين عودة السفينة من مهمتها. ويبدو أنَّ إعصاراً وعواصف أخّرت رحلة عودة السفينة، وأعطت سقراط وتلامذته ومحبيه الفرصة لزيارة المُعلِّم يومياً والاستماع إليه في آخر أيَّامه. في هذه الأيام القليلة انصرف سقراط إلى كتابة شِعر بناه على حكايات أيزوب، كما ذكر لأصدقائه رؤية أوحي إليه فيها العمل على الموسيقى.
في اليوم المُحدَّد لتنفيذ عقوبة الموت لـ سقراط أُزيلت الأغلال من قديه وأدخلت عليه زوجته زانتيبه وولده الصغير، كما أُدخل عليه من شاء من أصدقائه وتلامذته، وقد عرض أفلاطون الحكيم لتلك اللحظات الأخيرة بالتفصيل في حواريته الشهيرة فيدو. وكان سقراط يمضي في الحوار مع زائريه قبل تجرُّع السّم من كأس مُذهَّب؛ ويبدو أنَّ الحرس الأثيني اعترض على ذلك، مشيراً بأنَّ الحديث وما يرافقه من مشاعر
زينوفون:المُريد المُحبّ الذي سجَّل العديد
من جوانب شخصية وحياة سقراط
كان يمرُّ في الأسواق ويرى جُملة البضائع والأشياء المعروضة فيحمد ربَّه بالقول: «حمداً لكَ كَم من الأغراضِ أعنتني على تركها»
وانفعال قد يؤخِّر مفعول السمّ، لكن سقراط رفض التوقّف عن الحديث وعرض على الحَرس استعداده لتجرُّع السمّ ثانية وثالثة إذا اقتضى الأمر. ومع اقتراب الغروب توجَّه سقراط للاستحمام حتى يوفّر على النساء مهمة غسل جثته، وعندما سأله كريتو كيف يريد منهم أن يدفنوه قال سقراط: «عليك لكي تدفنني أن تُمسِك بي أولاً»، (وكان يعني بهذا القول الرُّوح، وأنَّ سقراط الروح لا يمكن دفنه)، لكنه أردف قائلاً: «أمَّا الجسد فيمكنكم دفنه بالطريقة التي ترونها مناسبة». وبعد أن استحمّ وَدَّعَ سقراط زوجته وولده الصغير، ورفض تأخير الإجراءات واتبع تعليمات الحَرس في تجرُّع السمّ وبالمشي في الغرفة إلى أن يشعر بثقل في رجليه، بعدها استلقى على ظهره وغطَّى نفسه ورأسه بالكفن القطني الأبيض، ثمَّ رفع الغطاء للحظة سائلاً صديقه كريتو أن يدفع نذراً بذِمَّته إلى إسكولابيوس، قديس الشفاء، ثمَّ غطَّى رأسه مجددا وأسلم الروح.
يُسجِّل زينوفون أنه لم يحصل في التاريخ أن واجه إنسان الموت بمشاعر النُبل والرضى التام التي أظهرها سقراط. ويضيف أنَّ سقراط شعر بأنَّ النِعمَة الإلهية شاءت أن توفِّر عليه مشقَّة الكهولة، مثل أن يفقد البصر أو السمع، أو أن يتبلَّد ذهنه أو يصاب بالخَرف. كما أنَّه بموته بهذه الطريقة، فإنه سيبقى أكثر وإلى الأبد في ذاكرة البشرية وأجيالها القادمة. ويتَّفق زينوفون مع أفلاطون في أنَّ سقراط رفض اقتراح عقوبات مُخفَّفة على هيئة المُحلَّفين، لأنَّ ذلك كان يعني إقراره بالتهم التي وُجِّهت إليه.
روي زينوفون هذا الحوار الخالد بين المُعلِّم سقراط وبين أحد السفسطائيين المدعو أنتيفون، والذي خاطب سقراط بالقول أنَّ الثمار التي يجنيها من الفلسفة هي مزيج من المرارة والتعاسة. فهو يحصل على أفقر الطعام والشراب ولا يمتلك سوى ثوباً واحداً يلبسه صيفا وشتاءً، ولا يمتلك معطفاً يقيه البرد أو حذاء. كل ذلك نظراً لأنه يرفض تقاضي المال على تعليمه، مع كلِّ ما يوفِّره المال من وسائل للسعادة والاستقلال، وما يشبع به حاجاته. وأضاف أنتيفون القول بأنَّ المُعلِّم يدفع تلامذته عادة للاقتداء به، ولهذا فإنَّ سقراط يمكن اعتباره مُعلِّماً للشقاء.
بماذا ردَّ سقراط على أنتيفون؟
قال: «يبدو يا أنتيفون أنك تعتقد حقاً بأنَّ حياتي بائسة للغاية، وأنا على يقين بأنَّك لو كنت في مكاني لكنت فضَّلت الموت على هذا النوع من الحياة. فلننظر إذاً ما هي مظاهر البؤس التي رأيتها في حياتي. ألا ترى أنَّ الذين يأخذون المال ملزمون بتنفيذ العمل الذي تقاضوا المال من أجل القيام به؟ وبما أنني أرفض تقاضي المال فإنه ليس في إمكان أي إنسان أن يلزمني بشيء لا أرغب به؛ أو أنك تظنُّ بأنَّ طعامي بائس لأنه ليس كاملاً مثل طعامك، أو ليس مغذِّياً؟ أو أنه من الصعب عليَّ الحصول على اللحم الذي تحصل عليه نظراً لنُدرته ولارتفاع ثمنه؟ أو أنَّك تظنُّ بأنَّ طعامك بصورة عامة ألذّ وأطيب من طعامي؟ لكن أَلاَ تظنُّ أنَّ المرء الذي يتمتّع بطعامه في كلِّ حال لا يحتاج إلى المرق مثل غيره؟ وأنَّ من يتمتّع بالشراب مهما كان قليلاً تقلُّ حاجته للبحث عنه عندما لا يكون متوفِّراً؟ أمَّا بالنسبة للأثواب، فإنَّ الناس تُبدِّل ثيابها كما تعلم وفقاً لحالات البرد أو الحرّ، كما أنَّ المرء ينتعل الحذاء حماية لقدمه من التشقّق أو صعوبة المشي. فهل بلغك أنني بسبب هذه النواقص أمضي وقتي في المنزل لا أخرج إلى الناس خوفاً من البرد؟ أو أنني أُنازع أي إنسان على الظلِّ في وقت الحرّ، أو أنني عجزت عن المشي والذهاب إلى أيِّ مكان أريده بسبب تقرّح قدميّ؟
ألاَ تعلم أنه في إمكان أيِّ شخص نحيل أو ضعيف الحال أن يمتلك وبفضل التدريب المناسب، قوَّة تفوق بكثير أيِّ شخص مفتول العضلات لكن لا يتبع التدريب المناسب؟ وبما أنَّك ترى كيف أني أُدرِّب جسدي على احتمال كافة الظروف، أَلاَ تعتقد بأنني في إمكاني احتمال أيّ ظروف شاقَّة قد تطرأ أفضل منك بسبب نقص التدريب لديك؟
أَلاَ تعلم أنَّ اجتناب العبودية للبطن أو رغد النوم أو الشهوات ممكن دوماً إذا أمكن للمرء اكتساب متع أكبر وأرفع، وهذه المِتع ليست فقط مصدراً للفرح الحقيقي، بل لأنَّ في الإمكان إدامتها والحفاظ عليها؟
اجتناب العبودية للبطن أو رغد النوم أو الشهوات ممكن دومـــــاً إذا أمكن للمرء اكتساب المِتَع الأرفع والفرح الحقيقي الذي يدوم
وأنت تعلم أيضاً أنَّ من يعتقد أن لا شيء في حياته يسير على ما يرام، هو إنسان شقي حتى ولو كان يعيش في يُسرٍ مادي وبحبوحة، وأن من يعتقد بأنه موفَّق في مهنة الزراعة أو الملاحة أو أيِّ عمل آخر سيكون سعيداً بمجرد اعتقاده بأنه موفَّق في هذه الأمور؟ وهل تعتقد أنَّ هناك في الحياة أجمل من فكرة «أنني أرتقي كلَّ يوم في طريق الخير وأنني أكسب أصدقاء أفاضل»، وهذا في الواقع هو اعتقادي الدائم؟ أضف إلى ما سبق أنه لو احتاج أصدقائي أو احتاجت مدينتي إلى المعونة فمن هو الأقدر على التلبية؟ الشخص الفقير مثلي الذي يملك كلَّ الوقت والحرية، أو ذلك التي تصف حياته بأنها مليئة بالسعادة؟ من الذي سيجد الانخراط في الجندية دفاعاً عن المدينة أسهل عليه؟ هل هو الذي لا يمكنه العيش دون الطعام غالي الثمن، أو الذي يرضيه الحصول على أيِّ شيء يسدّ جوعه؟ ومن ذا الذي بحال تعرُّضه للحصار سيستسلم أولاً؟ ذاك الذي تتعلّق نفسه بالحصول على أشياء من الصعب الحصول عليها في ذلك الظرف، أم الذي يكتفي بأيِّ شيء يجده آنذاك؟. يبدو لي يا أنتيفون أنك تعتبر أنَّ السعادة هي في الحصول على أفخر الأشياء والإسراف في العيش، لكن اعتقادي بالمقابل هو أنه من ليست له حاجات هو في مقام ربَّاني، وأنَّ من يملك أقل شيء ممكن يأتي في المرتبة التالية من الرِفعة المعنوية لأنَّ المقام الربَّاني هو أعلى المقامات وأنَّ أيَّ سلوك يقترب منه يكون بالتالي أقرب إلى ذلك المقام.
النَّحَّاتَةُ والرَّسَّامَةُ
سلوى روضة شقير
فنّانَة ونحّاتَة كبيرة ورسامة بارعة شقت طريقها بيديها بواقعية جميلة، واستطاعت أن تستكشف عوالم تحولات كثيرة ومعاني كونية وذاتية ومجتمعية كنتيجة لرؤيتها الشمولية الجامعة لإنجازات ومخططات معمارية ومنحوتات تفوق الوصف، نوافير وبرك مياه، وأدوات منزلية، وحلى وشغفاً فكرياً.
قَرأتْ الشعر العربي وعلم الأحياء والبصريات وربط بعض الفنانين العرب والأجانب أعمالها بمدارس فنية حديثة انطلقت من باريس وبيروت وبغداد والقاهرة، في الخمسينيات إلى الثمانينيات من هذا القرن مثل “التجريبية” و”الحداثية” و”الهندسية” و”التشكيلية الجديدة” و”العربية – الإسلامية”. واستطاعت أن تبلغ الذروة والشهرة الواسعة بأسلوبها وطريقتها وتعاطيها مع الفن والنحت الأصيلين، وفي عرضها واتساع تجربتها ومعرفتها إلى نضوج فكري وتحولات عالية أثَّرت فينا وحفزتنا نحو رؤية جديدة ذاتية متطورة يعرب عن هدفها الأكبر في أعمال عامة اعتيادية في لبنان والعالم العربي والمدارس الفنية المختلفة في أمريكا وفرنسا وإنكلترا وغيرها من الدول الراقية والمتحضرة.
هذه الفنانة والنحاتة الشفافة اسمها سلوى روضة شقير من بلدة أرصون في أعالي المتن.
ففي مقال طويل كتبته في سنة 1952، وموضوعه الجمال، شرحت فيه أن المعنى الفني ملازم لإطاره الاجتماعي والبيئوي والسياسي والاقتصادي. في مسيرتها الفنية، درست سلوى روضة شقير النحت في الجامعة اللبنانية من سنة (1977 إلى سنة 1984)، وفي الجامعة الأمريكية وفي كلية بيروت الجامعية (الجامعة اللبنانية الأميركية) وفي غيرها من المدارس الفنية.
وفي صورة أكثر جرأة (صرحت الفنانة شقير قبل وفاتها بعدة سنوات)، بأنَّ الحضارة العربية – الإسلامية تتفق بشكلٍ أفضل مع احتياجات عالمية معاصرة. وفي ردٍّ هجومي على موسى سليمان في سنة 1951 قالت: “إنَّ التقاليد المعروفة لعلماء الصوفية، والتقليد السردي للأدب العربي ما قبل الإسلامي، أثبت أن العرب طوّروا فهماً فريداً للوجود، يتجاوز الخضوع، المقبول عموماً، للقيود الزمانية والمكانية، وهو فهم شهدت به فيزياء الكم والابتكارات العالمية الحديثة، مثل الطائرات الأسرع من الصوت، والعلاج الجيني، وزرع الأعضاء،


والأسفار الفضائية، كما تؤكد على هذا في كتاباتها في دمج القومية العربية مع النزعة التنموية الحداثية وأفكار النسبية الثقافية من “الترف” الفني السائد في أوساط نساء الطبقة المقاولة في لبنان المستقل، نحو ذروة الفن المحترف والكوني.
وفي جلسة ممتعة مع ابنتها “هلا” الرسامة في باريس ونيويورك في منزل الفنانة والنحاتة المرحومة سلوى روضة شقير، الكائن في محلة كليمنصو، كان لنا جلسة معها، سألناها ماذا تعرف عن الفنانة الراحلة والدتها من أمور لم تذكرها الجرائد والمجلات اللبنانية، إذ قالت لنا، أولاً:
– من الصعب أن أذكر شيئاً الآن عن والدتي. ثمَّ عادت فقالت بعد تردُّد:
– بإمكاني أن أذكر لك ما يلي عنها، قالت:
“… أكثر ما أذكره في طفولتي الساعات الطويلة، التي كانت أمي تمضيها في محترفها في الطبقة العلوية من منزلنا. كانت يداها مغطاتين دائماً بالطين – العنصر الأساسي للكثير من أعمالها الفنية، أتذكرها وهي تطوف بسيارتها الصغيرة القديمة في جميع أنحاء المدينة، باحثةً عن أفضل القطع الخشبية أو الحجرية أو تحقيق فكرة تلو الأخرى. والواقع أني لا أتذكرها كرسامة، إذ كانت منصرفة إلى الرسم خلال فترة سبقت ولادتي. لذلك كثيراً ما كانت ملفات رسومها تخبئ لي مفاجآت وأنا أخرج منها اللوحة تلو الأخرى.
فَقَدتْ أمي والدها قبل أن تكمل السنة الأولى من العمر، وعملت جدتي بكل عزم على توفير أفضل ثقافة ممكنة لأولادها الثلاثة. وكانت العائلة تَتَنَذَّرُ بالادّعاء أن جدَّتي كانت تفضّل ابنتها البكر لأنوثتها على تلك الصغرى، أي والدتي، التي كانت كثيرة الشيطنة.
تبيَّن لاحقاً، أنَّ والدتي كانت قوية العزيمة مليئة بالإيمان الراسخ والنشاط اللامتناهي. كانت في الأربعينات من العمر لدى ولادتي، الأمر النادر بالنسبة إلى نساء جيلها. رغم ذلك كانت تشعُّ حيويّةً ونشاطاً. لقد صنعت بيديها الكثير من أمتعتي الخاصة، مثل الألعاب والمجوهرات والأحزمة وحقائب اليد، حتى فرش غرفة نومي. وقمنا معاً باستكشاف تراث مختلف المناطق اللبنانية، حيث كانت تقرع على أبواب الغرباء للتمعُّن في هندسة الدُّور القديمة. وكنّا نلقى الترحيب دائماً، سواء في خيام البدو أم في قصور الأغنياء. وأحياناً كانت تأخذني مع ثلة من أقراني إلى مزرعة شقيقتها في سهل البقاع لقضاء أيامٍ صيفية رائعة. السنوات التي أمضيتها في عالم والدتي كانت مفعمة بالمتعة والمغامرات المتواصلة.
والدتي، بَنَتْ نفسها بنفسها، على أسس نظرية التي بنت عليها فنَّها.


الحافز الأساسي لفنها كان إيمانها المطلق بالميزات الحديثة التي تمتَّع بها الفن العربي. ورغم رسوخها الأصلي في ثقافتها وتاريخها وعلمها ومعرفتها كانت معجبة بخصائص القرن العشرين.
تحسّست تحسّساً كاملاً بانسجام كامل بين التراث وعصرنا الحديث، وحينما كانت تنتقد لكونها مفرطة في الحداثة كانت تقول:
– أنا مثل الإسفنجة. أتقبَّل كل الأفكار الجديدة.
كانت العلوم والفنون مجالها المفضَّل، إذ كانت تقرأ بشغف جميع كتب الفيزياء التي تقع في متناول يدها، وتستمد الإلهام الفني من التطورات العلمية ومن الأمور التي تلمسها باليد.
شكَّل تنظيم أعمال والدتي بتسلسل تاريخي دقيق فيه الكثير من التحدي. إذ نادراً ما كانت تؤرخ أو توقِّع تلك الأعمال. ومن أسباب ذلك أنّها لم تُردْ لرسومها أن تعلق على حائط، بل أن تكون جزءاً أساسياً من ذلك الحائط أو من قعر بركة أو مدخل قاعة. كذلك أرادت لمنحوتاتها أن تكون جزءاً من مبنىً أو أن يجري تكبيرها في وقتٍ لاحقٍ كي تحتلَّ الساحات العامة.
أنا أدرك أنّ والدتي لم تحقق جميع أحلامها. لكن لا شك أنها أنتجت تراثاً فنياً كاملاً وغنياً. كانت بارعة بل مذهلة في أعمالها الفنية. والآن، في مستهل القرن الحادي والعشرين، بعد أن رحلت والدتي وفُجعت بها. أقف وألتفت ورائي إلى أعمالها ورسومها ومنحوتاتها. وقد ربطتني بأمي علاقة الأخوة.
أنا معجبة بأعمالها وقدرتها على المحافظة التامة بتراثها الغني هذا رحمها الله”.
هذه هي الرسامة والنحاتة السيدة المرحومة سلوى روضة شقير في فنها، وقد طبَّقت شهرتها الآفاق، واتسعت دائرة خبراتها ومعارفها وعلومها. هي من روّاد الفن التجريدي في العالم العربي. عُرفت بمواقفها المشرفة المبنية على قناعة مطلقة بالأسس الحسابية للفن الإسلامي رافضةَ في بداياتها نقل الواقع والمحسوس كما هو مستغنية عن كل مرجعية أيقونية أو رمزية.
اشْتُهرت بمنحوتاتها المركبة من قطع عدة تتفكك أو تتركب حتى اللانهاية. مثلما تتفكك أو تتركب أبيات القصيدة العربية، كما دافعت طول حياتها عن خصوصية فنية في عماد الشكل، كما الشعر عماده الكلمة.
الطريق بالنسبة إليها هي التجربة الصوفية والشكل النهائي، كما فهمته الفنانة ذات الوقع العلمي. هو شكل تجريدي لا يوصف بالخطوط والمساحات والألوان، بل إنَّه مجموعة المعادلات القائمة بين عناصر العمل وبين العمل ومحيطه.
بقيت أفكارها وإلى فترة طويلة من الزمن غير مفهومة سوى لحلقات صغيرة من متذوقيها، ابتدأت بمحترف الفن التجريدي في باريس، ثم أخذت تتسع لتشمل محبي الفن من جميع الأجيال والجنسيات.
في كتابها الذي أصدرته في سنة 2002 بحلَّة قشيبة وإخراج ممتاز، نحو مائتين وخمسين صورة ملونة من أعمالها، بالإضافة إلى نصوص تحليلية من شأنها أن تلقي الضوء على فلسفتها وتجربتها وأعمالها الفنية.
وأخيراً: ولدت الفنانة الظاهرة سلوى روضة شقير في بيروت في سنة 1916. وتعلمت الفن الأصيل على يديّ الدويهي ومصطفى فروخ وعمر أنسي ورشيد وهبي وغيرهم…
ورحلت عن هذه الدنيا تاركةً وراءها فنها ورسومها ولوحاتها وأغراضها في رحلةٍ أبدية، أقعدتها الشيخوخة في فراشها وأسلمت الروح نهار السبت 27 كانون الثاني سنة 2017.
نَجْوى الغُروب
طفلك أنا يا ربّي.
وهذه الأرضُ البديعة، الكريمة، الحنون
التي وضعتني في حضنها
ليست سوى المهد
أدرجُ منه إليك.
إلاّ أنه ليس مهدي وحدي
بل تشاركني فيه
ربوات وربوات من مخلوقاتك.
بعضُها على صورتي ومثالي،
وهو القليل القليل،
وبعضها يختلف عني صورةً ومثالاً،
وهو الكثير الكثير.
وهذا القليل القليل،
وهذا الكثير الكثير، كلّهم دون استثناءٍ
يمتصّ رحيق الوجود
من ثديٍ واحد
هو ثديُ الحياة – حياتك.
فكأنهم العنقودُ في الكرمة
مهما تكاثرت حبّاتُه
وتفاوتت لوناً وحجماً وطعماً،
تبقى لكل حبّة عنقٌ تصلها بالعنقود
وبها تمتصّ عصير البقاء.
وتبقى للعنقود عنقُه التي تصلهُ بالكرمة،
والتي بها يمتصُّ الحياة
ويوزّعها على حبّاته وحُبيباته.
وتبقى للكرمة جذورُها
التي بها تنهلُ إكسير الحياة
من التراب والبحر والشمس والهواء
وكلّ منظورٍ وغير منظور في الفضاء.
وهذه الشراكة في الرضاعة
كانت وحدها قمينة
بأن تجعلَ من مخلوقاتك جميعها
أسرةً تسدُّها بعضها إلى بعض،
وتشدُّها إليك،
أواصرُ محبة لا يقوى الزمان،
ولا الموت،
على فصمها.
ولكن….
على من أعتب من مخلوقاتك
إذا هو تنكّر لأخوّةِ الثدي،
وبالتالي للمحبة؟
أأعتبُ على الذئبِ لا يؤاخي الحمَل؟
أم على الصقرِ ينسى أنه والعصفورُ
أخَوَان في الرضاعة؟
أما على الهرّ يفتكُ بالفأر
وكلاهما ياكلُ من معجنٍ واحد؟
لا. لا أعتبُ على أي مخلوقٍ دون الإنسان.
وأعتبُ على الإنسان.
فهو وحدَهُ بين سائر مخلوقاتك على الأرض
مؤهّلٌ لأن يقيم وزناً لأخوّة الثدي،
وأن يعرفَ أي قوةٍ خارقة
هي المحبة النابعة من تلك الأخوّة،
وأن يؤمنَ بحتمية تلك المحبة،
فيجعلها الأساس الذي تقومُ عليه علاقاته
مع إخوانه الناس
ومع باقي شركائه في بركات الأرضِ والسماء.
وحدَه الإنسان بستطيعُ أن يوسّع ذاته
إلى أن تشملَ كل ذات.
فيباركُ لاعنيه،
ويعطفُ على مبغضيه،
ويشفقُ على حاسديه،
ويطعمُ عدوّه إذا جاع،
وينفذُ حياته إذا تعرّض للخطر.
لأن هؤلاء جميعهم
هم منهُ وفيه.
بهم يحيا،
وبه يحيون.
وحده الإنسان يستطيعُ أن يدرك
عظمة المحبة وجبروتها،*
فهي إن لم تكن في بؤبؤ العين
كان كلّ ما تبصرهُ العين ضباباً في ضباب.
وهي إن لم تكن في طبلة الإذن
كان كلّ ما تسمعهُ الأذن نشازاً في نشاز.
وهي ما لم تدفع اللسان على الكلام
كان كلّ ما يقولُه اللسان هذياناً في هذيان.
وهي ما لم تحرّك أصابعَ اليد
فلا قيمة لكلّ ما تعملُه
ولكلّ ما تعطيه أو تأخذهُ اليد.
وهي ما لم تكن في حبّة القلب
كان كلّ ما يحبّه القلب
سراباً في سراب.
كم كنتُ أتمنى، يا ربّي، –
ورسولُكَ بات على قيد باعٍ مني، –
لو كان لي أن استقبله
وليس في بؤبؤ عيني،
أو في طبلة أذني،
أو في لساني،
أو في أناملي،
أو في حبّة قلبي
إلاّ المحبة!
لبته كان في مستطاعي
أن أمحو من ذاكرتي
كلّ صورة،
كلّ فكرة،
كلّ نية،
كلّ شهوة،
كلّ لذة،
كلّ شكوى،
كان فيها شيءٌ من التجديف على المحبة!
ليته كان في مستطاعي أن أفعل ذلك
حتى إذا جاء رسولُك
ليقطعَ الأمراسَ التي تشدّني إلى الأرض
فتحتُ له صدري،
ومددتُ إليه يدي،
ومعاً قطعنا الأمراس.
على أنني، وإن جدّفت على المحبة
في ما عبرَ من أيامي،
ففي نفسي اليوم
إيمانٌ عميقٌ جداً –
إيمانٌ لا يتزعزع –
بأن المحبة وحدها هي المفتاح
لكلّ ما علّي من أسراري
وأسرار الكون.
وهي وحدها الدواءُ الشافي
لكلّ ضروبِ القلقِ والحيرة والتمزّق
والخوف من سوء المصير.”
(يتبع جزء ثان)
المطالعة ضرورة
وليســت هــوايـة
أين نحن… وكيف ننهض؟
في هذا البحث، سنقدّمُ للقارئ الكريم موضوعًا بعنوان “المطالعة ضرورة وليست هواية”، نُلقي فيه الضّوء على أهميّة المطالعة في حياة الإنسان، ونشرح واقع المطالعة والقراءة وتأليف الكتب في العالم العربيّ مقارنةً بالعالم الغربيّ وشرق آسيا، من خلال عرض لإحصائيّاتٍ قامت بها جهاتٌ دوليّة مهتمّة بهذا الشّأن. كما نتطرّق إلى لمحةٍ تاريخيّةٍ عن النّتاج الفكريّ العربيّ منذ قيام الإسلام حتّى يومنا هذا، ثمّ نقدّمُ نصائحَ عديدةً في كيفيّة جعل القراءة جزءًا من حياتنا وحياة أولادنا، وما لذلك من تأثيرٍ إيجابيٍّ علينا وعليهم.
المقدمة
اِتّفق علماء المسلمين على أنّ أوّل آية أُنزلت في القرآن الكريم هي قوله تعالى: ﴿إقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾(1)، وبذلك تكون أوّل كلمة نزلت في الوحي الكريم هي “إقْرَأْ “، فكأنّما القراءة جُعلت أوّل الأوامر الّتي يجب على المنتسبين إلى الدّعوة الإسلاميّة الالتزام به، فهل في الأمر حكمةٌ ما؟ أم عبثاً كان هذا؟ وحاشا الله من ذلك، فالأمر إذن فيه حكمةٌ أرادها مَن أَذِنَ ببدءِ الوحيِ، ولا يخفى هذا على ذوي العقول، والأفهام الصّحيحة، إذ يمكن القول إنّ تصدير القرآن الكريم بكلمة “إقرأ”، إشارةٌ واضحةٌ لكلّ المـُنتسبين إلى الدّين الجديد، إلى أنّ القراءة ستكون سبيلَهم إلى العلم والمعرفة، وأنّهم مقبلون على تعاليمَ جديدةٍ، فيها من الأوامر والنّواهي والتّشريعات والعلوم، ما لا يمكن الوصولُ إلى معرفتها إلا بتعلّم القراءة.
ونلاحظ أنّ فعلَ الأمر “إقرأ” قد أخذ يفعل فعله في الملتزمين بالدّعوة الجديدة، خاصّةً مع انتظام حال المسلمين في دولةٍ إسلاميّةٍ منظّمةٍ، أخذت تتوسّعُ حتّى بلغت حدودُها بلاد الأندلس، وقد رافقَ هذا التّوسعَ نهضةٌ علميّةٌ كبيرةٌ، وبدأت أحوالُ المسلمينَ تتطوّرُ وتتقدّمُ في مختلفِ المجالات، حتّى أضْحَوْا مرجِعًا لكلّ قاصد علمٍ، أو ساعٍ إلى المعرفة، وشملت علومهم الطّبَّ والفلسفةَ والرّياضيّاتِ وعلومَ الفلك وغيرها، وتحوّلت عواصم المسلمينَ إلى مقصدٍ ومَحَجّةٍ للعلماءِ والفلاسفةِ من مختلفِ أقطارِ المعمورة، كما كان لدراسة القرآن الكريم، حيّزٌ كبيرٌ في حياة المسلمين، فانتشرت علومُ القرآن وتقسَّمت على مباحثَ عدّةٍ، منها علم التّفسير ونزول الآيات والقراءات إضافةً إلى علوم الفقه والشّريعة، الّتي كان النّاس في ذلك الوقت بحاجةٍ إليها لفهم المطلوب منهم في أمور الدّين.
استمرّت النّهضة العلميّة لفترةٍ طويلةٍ من الزّمن، تخلَّلَها حركات ترجمةٍ واسعة النّطاق، بدأت في أواخر الحكم الأمويّ واستمرّت خلال العصر العبّاسيّ الأوّل، وقد شملت حركة التّرجمة مختلفَ العلوم، فأغنتِ الفِكر العربيّ والإسلاميّ، وأعطته متّسعًا كبيرًا من التّقدّم والتطوّر، كما كان لإنشاءِ بيت الحكمة في زمان هارون الرّشيد، دورٌ بارزٌ وتأثيرٌ إيجابيٌّ في انتشار العلوم، وكذلك في عهد الخليفة المأمون حيث أمر بجلب الكتب اليونانيّة من بلاد الرّوم وترجمتها وجعلها في متناول أيدي العلماء والمفكرّين.
ومع سقوط بغداد في أيدي المغول وحرق مكتبتها ،بيت الحكمة، وما نتج عن ذلك من هدمٍ للحضارة الإسلاميّة والعربيّة، انتهى عصر النّهضة، وبدأ عصر الانحطاط الّذي استمرّ من سقوط بغدادَ حتّى حملة نابليون على مِصرَ عام 1798م، فلم يبقَ في حياة العرب والمسلمين ناحيةٌ إلاّ وأصابها الضّعف والوهن، فانعكس ذلك على نتاجهم الفكريّ، وتراجعت حركة التّرجمة حتّى يمكن القول إنّها انعدمت بالكليّة، وانقلبت الأمور رأسًا على عقب، فبعد أن كانت بلاد العرب محجّةً لكلّ طالب علمٍ، أصبح العرب يتوافدون على بلاد الغرب طالبين العلم، وأضحت دولهم سوقًا استهلاكيًّا للنّتاج الفكريّ الأجنبيّ، فارتفعت معدّلات الأميّة، وخفّت نسبةُ القراءة في مختلف أرجاءِ الوطن العربيّ، حتّى وصلت إلى مستوًى متدنٍّ جدّا، يُنذر بوجود أزمة قراءةٍ خطيرةٍ.
فما هي الحلول لهذه الأزمة الرّاهنة؟ وما الخطوات الّتي يجب علينا اتّخاذها للنّهوض بأنفسنا وأولادنا؟ وما هي الأسباب التي تقف في وجه نهضة عالمنا العربيّ على صعيد القراءة وتأليف الكتب؟
النتاج الفكري العربي
إنّ هذا البحث المُختصر، لا يحتمل الإطالة في سرد حركة النّتاج الفكريّ العربيّ منذ قيام الدّعوة الإسلاميّة وحتّى يومنا هذا، وإنّما يمكن اختصار الأمر بعرض محطّات مهمّة والتّحدّث عن شخصيّاتٍ برزت في مجالي التّرجمة والتّأليف، وساهمت بشكلٍ فعّالٍ ليس في نهضة العرب وتقدّمهم فحسب، بل في نهضة العالم بأسره.
لقد كان للعصر الأمويّ (41 – 132 هجري) دورٌ بارزٌ في التّمهيد للعصر العلميّ الذّهبيّ الّذي شهدته الدّولة العباسيّة، إذ انتشرت في زمان الأمويّين حركةٌ علميّةٌ قويّةٌ انحصرت في علوم الدّين واللّغة والتّاريخ والجغرافيا إضافةً إلى العلوم الفلسفيّة والطّب؛ كما كان لتعريبِ الدّولة في زمان الخليفة عبد الملك بن مروان تأثيرٌ بالغٌ سمح للعلماء العرب والمسلمين البدءَ بحركة التّرجمة، والاطّلاع على مختلف العلوم، ثمّ توسّع نفوذ الدّولة، فامتزجت بشعوبٍ جديدةٍ ساهمت في نهوض الحركة الفكرية.
ومع انتقال الحكم إلى العبّاسيين في العام 132ه، واتّخاذهم من بغداد عاصمةً لهم، بدأ العصر الذّهبيّ لحركةِ النّهضة الإسلاميّة والعربيّة، ونشطت حركة التّرجمة بدعمٍ من الطّبقة الحاكمة، فكان أوّل ما تُرجم إلى الّلغة العربيّة كتب الفلاسفة اليونانيّين: أفلاطون وأرسطو وكتب العلم الإغريقي القديم، وكان لهذا الأمر دورٌ كبيرٌ في حفظ هذه العلوم من التّلف والاضمحلال، إذ كانت أوروبا في ذلك الوقت تمرّ في عصر انحطاطٍ لا مثيل له، وقد عبّر عن ذلك كثيرٌ من الكتّاب الأوروبيّين الّذين اعتبروا أنّه لولا ترجمةُ هذه العلوم إلى الّلغة العربيّة لاندثرت وامّحقت.
ثم بدأ العرب أنفسهم في المساهمة في تطوير مختلف العلوم، فبرزت علوم الرّياضيات والفيزياء والفلك والطّبّ وغيرها، ممّا جعل اللّغة العربيّة لغةَ العلوم الأساسيّة، ولم يكتفوا بترجمة كتب الإغريق فحسب، بل أضافوا إليها كثيرًا من المؤلّفات الجديدة الّتي أسهمت في فَهم المخطوطات الأساسيّة. ويمكن القول بأنّ الوجود الإسلاميّ العربيّ في بلاد الأندلس في ذلك الوقت ساهم كثيرًا في وصول النّتاج الفكريّ العربيّ إلى أوروبا عبر قرطبة، وهذا ما ساعد الأوروبيّين لاحقًا في نهضتهم العلميّة الّتي بدأت مع الثّورة الفرنسيّة في نهاية القرن الثّامن عشر الميلاديّ.
فالمنجزاتُ العلميّة لتلك الحقبة كثيرةٌ جدًّا، ومن أبرزها رسمُ أوّلِ خريطةٍ للعالم على يد عالم الجغرافيا “الإدريسيّ” الّذي ألّف أوّلَ كتاب جغرافيا سمّاه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”. وكذلك العالم الكبير ابن الهيثم الّذي ألّف نحو مئتي كتابٍ في علوم الطّب والفلسفة والفيزياء والرّياضيّات، إضافة إلى بروز حركة فلسفةٍ ناشطةٍ على يد الكنديّ والفارابي وابن رشد، كما كان للخوارزمي مساهمةٌ كبيرةٌ في علوم الرّياضيّات وما زالت نظريّاته تُدَرّس حتّى وقتنا هذا.
وأمّا ما يخصّ حركة التّرجمة الّتي كانت أساس النّهضة العلميّة، فقد كان من أبرز روّادها حُنَين بن إسحاق الّذي ترجم الكثير من كتب الفلاسفة اليونانيّين ورسائلهم إلى الّلغتين العربيّة والسّريانية، كما ساهم ابنه إسحق أيضا في ترجمة بعض مؤلّفات أرسطو مثل كتاب النّفس وتوالد الحيوانات.
وفي الوقت الّذي كانت فيه بغداد عاصمة العالم في العلوم، ظهرت في شمال إفريقيا في مدينة المهديّة، دولةٌ جديدةٌ هي “الدّولة الفاطميّة”، باعتبار أنّ نسب حكّامها يعود إلى فاطمة الزّهراء(ر)، وسرعان ما توسّعت هذه الدّولة واستولت على شمال إفريقيا وصولًا إلى مصر، فاتّخذت من القاهرة عاصمةً لها، وبدأ نجم العباسيّين بالأفول لتشرق مكانه شمس الفاطميّين الّذين برزوا بتنظيمهم الدّقيق لشؤون دولتهم، واهتمامهم البالغ في العلوم، فأنشأوا دار الحكمة في القاهرة، وأغدقوا عليها من المال الشّيء الكثير، وجلبوا لها الكتب والمؤلّفات والمخطوطات النّادرة من مختلف أقطار المعمورة، فجمعوا فيها ما يقارب المليون وستمائة ألف مجلّد(2) في مختلف علوم الدّين والفقه وعلوم الفلسفة والطّبّ والرّياضيّات، وجعلوا ذلك مباحًا لكلّ الناس.
وخلاصة ما تقدّم، فإنّ العوامل الّتي ساعدت على النّهضة العلميّة والفكريّة للمسلمين والعرب، كثيرة جدّا، ومن أهمّها أنّهم نظّموا شؤونهم في دولة إسلاميّة قويّة، وتعرّفوا على مختلف الشّعوب من خلال الفتوحات الإسلاميّة الّتي وصلت بهم إلى أوروبا من بوابة الأندلس، ثمّ الأمن والاستقرار الّذي نعموا به في أثناء حكم العباسيّين والفاطميّين، وحياة البذخ والرّفق التي كانت متوفّرة لديهم نتيجة ازدهار الاقتصاد والتّجارة في بلادهم، كلّ ذلك وغيره من الأسباب جعلت العرب والمسلمين حكّام العالم، وبلادهم مقصدًا لكلّ طالب علمٍ، ولغتهم العربيّة لغةَ العلوم كافّة.
بعض الأسباب التي أوصلت العرب
إلى عصر الانحطاط
بعد أن وصل العرب إلى ذروة عزّهم، إنْ في الحكم أو في التّنظيم أو في العلوم، وبعد أن امتدّ حكمهم من الأندلس غربًا إلى بلاد فارس شرقًا، دخل الوهن على مفاصل الحكم، وبدأت السّلطة المركزيّة تفقد قوّتها شيئًا فشيئًا. فدارت عليهم الأيّام وتغيّرت، واشتعلت نيران الحروب فيهم واستعرت. فضعف حكم الدّولة الفاطميّة وحصل فيها من الفوضى والخراب الشّيء الكثير، أدّى إلى حرق دار الحكمة ونهبها في العام 461 ه. ثمّ كان سقوط قرطبة (الأندلس) في سنة 636 هجري، وما تلا ذلك من حرقٍ لمكتبتها ونهبها، تلك الّتي احتوت على الكثير من تراث العرب وعلومهم خلال فترة حكمهم للأندلس.
وجاءت بعد ذلك الحرب الضروس، على يد هولاكو قائد المغول، الّذي غزا بلاد العرب قادمًا من آسيا، فأسفرت حربه عن سقوط بغداد في العام 656 هجري. ويمكن القول أنّ العربَ لم يشهدوا مثلَ هذه الحرب من قبلُ، إذ لم يكتفِ هولاكو بأن هزمهم في عُقرِ دارهم، بل عمل على إبادتهم ونسف حضارتهم، فقتل منهم أعدادًا كبيرةً، حتّى إنّ بغداد كادت تقفر من السّكان، وحرَقَ مكتبتها المعروفةَ ببيت الحكمة، بعد أن رمى جزءًا كبيرًا من محتوياتها في نهر دجلة، حتّى قيل إنّ مياهه اسودّت بحبر المخطوطات والكتب.
هذه الحوادث وغيرها الكثير أدّت إلى تقهقر العرب في مختلف المجالات، ويصعب في هذا المكان سرد كلّ الأسباب التي أوصلت العرب إلى عصر الانحطاط، إذ إنّ ما ذكرناه يعدّ من الأسباب الأساسيّة، ولكن لا نغفل أيضًا عن الحملات الصّليبيّة وتأثيرها وما عاناه العرب من ظلمٍ واضطهادٍ وهدمٍ لحضارتهم وثقافتهم ولغتهم.
كما تجدر الإشارة إلى أنّ هناك الكثير من الأسباب الدّاخليّة المتعلّقة بإدارة شؤون الدّولة وما نتج عنها من فساد في الحكم والحكّام، أدّى إلى إضعاف مركزيّة الدّولة، فانعكس ذلك على الولايات التّابعة لها، وأصبحت خاصرة الدّولة المتمثّلة بالولايات الحدوديّة ضعيفةً، ممّا جعلها عرضةً لهجمات الطّامعين بأرضها وخيراتها.
تأثير عصر الانحطاط على النتاج
الفكري العربي
اِختلفت الآراء في تحديد الزّمن الفعليّ لعصر الانحطاط الّذي مرّت به البلاد العربيّة، ولكنّ المؤكّد أنّ سقوط بغداد بيد المغول كان مفصلًا تاريخيًّا مهمًّا في حياة العرب، وبذلك اعتبره كثيرٌ من الباحثين في هذا المجال بدايةَ عصر الانحطاط الّذي استمرّ ستّة قرون حتّى وصول أسرة مح محمّد علي إلى الحكم في مصر سنة 1220 ه. وقد شهدت مصر في فترة حكم محمّد علي نهضةً علميّةً كبيرةً، تمثّلت في إرسال بعثاتٍ طلابيّةٍ من مصر إلى أوروبا ليدرسوا مختلف العلوم وينقلوها إلى مصر، وقد اعتبر البعض أنّ هذه المرحلة تمثّل عصر نهضة العرب، فيما اعتبر البعض الآخر أنّها تجربةٌ ناجحةٌ لم تستمرَّ طويلًا بسبب افتقادها الرّؤية الواضحة.
فمن المظاهر الّتي تميّز بها عصر الانحطاط، جمود العقول وندرة الإبداع العلميّ، بحيث اقتصر الإنتاج الفكريّ على تكرار ما سبقه من دون تميّز يَذكر، واللّافت في ذلك، أنّ الجمود لم يقتصر على الإنتاج العلميّ فحسب بل أصاب الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة كذلك.
وممّا زاد الأمور صعوبةً، أنّ الحكم العثمانيّ للبلاد العربيّة، وإن كان قد أعاد للمسلمين هيبتهم من خلال توحيد الخلافة، لكنّه عمد إلى سياسة القمع الفكريّ ومحاربة الّلغة العربيّة في الولايات العربيّة، إضافةً إلى انشغال الولاة العثمانيّين بالحروب بدلًا من العمل على تطوير ولاياتهم والاهتمام بها.
وبعد انقضاء الحكم العثمانيّ، انتقلت البلاد العربيّة إلى عهد الانتداب الّذي لم يكن أفضل حالًا ممّا سبقه، ثمّ جاء استقلال الدّول العربيّة في منتصف القرن العشرين، ليكونَ منطلقًا للشّعوب العربيّة بعد تحرّرها، إلّا أنّ الوقت كان قد نفد، والثّورة الصّناعيّة والتّكنولوجيّة قد خطت خطواتٍ سريعةً يصعب اللّحاق بها، ومع مجيء الثّورة الرّقميّة الأخيرة بداية القرن الحادي والعشرين، والتي غيّرت مسار العالم بأسره، وجد العرب أنفسهم يغرّدون خارج السّرب، إذ سبقهم العالم بأشواطٍ عديدةٍ، باتت معها سرعة الجري غيرَ كافيةٍ لاستعادة المبادرة.
نتائج بعض الإحصائيات المتعلقة بالنتاج الفكري العربي
إنّ الإحصائيّات الّتي أجرتها العديد من الجهات الرّسميّة وغير الرّسميّة، في موضوعات مختلفة تتعلّق بالإنتاج الفكريّ العربيّ، إن لجهة قراءة الكتب وتأليفها، أو المساهمة في الأبحاث العلميّة، أو لناحية تصنيف الجامعات العربيّة وغيرها من مؤشّرات النّموّ والتّقدّم، أظهرت النّتائج المخيّبة للآمال، فكلّ المحاولات المتواضعة الّتي حاول العرب من خلالها فعلَ شيءٍ مؤثّرٍ في هذه المجال لم تُجد نفعًا، بل بعضها زاد الأمور سوءًا لأنّ الجهود الّتي بُذلت لم تكن في الاتّجاه الصّحيح.

فالتّقرير الصّادر عن منظّمة الأمم المتّحدة للتّربية والعلوم والثّقافة (اليونسكو) في العام 2015، بعنوان تقرير اليونسكو للعلوم، يعطي صورة كافية وواضحة عن الواقع العربي فيما يتعلّق بالنّتاج العلمي، والمساهمة العربية في المنشورات العلميّة، فقد بلغ عدد الباحثين العرب 149.5 ألف باحث في العام 2013، من إجمالي 7758.9 ألف باحث حول العالم، منهم 2408 ألف باحث في أوروبا، و1721 ألف باحث في القارة الأمريكية و660 ألف في اليابان، وكذلك فيما يتعلق بالمنشورات العلمية، فقد بلغت مساهمة العرب 29944 بحث علمي من إجمالي 1270425 بحث حول العالم، منهم 498817 في أوروبا و417372 في القارة الأمريكية و73128 في اليابان. وعلى صعيد الاختراعات، فقد سجّلت الأرقام 492 براءة اختراع في العالم العربي من إجمالي 277832 حول العالم، منها 52835 في اليابان و17586 في ألمانيا و7761 في الصين.
وفي تقرير بعنوان “أرقام عن واقع القراءة في الوطن العربيّ”، نشرته صحيفة البيان الإماراتيّة في عددها الصّادر بتاريخ 19/9/2015، يبدو واضحًا الواقع المرير وانعكاسه على مختلف مجالات الحياة، وقد أورد التّقرير الأرقام الآتية:
• 757مليون أمّيّ عالمياً بينهم 100 مليون عربيّ
• كلّ 80 مواطناً عربيًّا يقرأون كتاباً واحداً في السّنة، في المقابل، يقرأ المواطن الأوروبي نحو 35 كتاباً في السّنة
• يأتي دافع القراءة للتّرفيه أوّلاً بالنّسبة للدّول العربيّة بنسبة 46 %، بينما لا يبلغ دافع التماس المعلومات إلا 26 % فقط.
• معدّل النّشر في الدّول العربيّة سنويًّا حوالي 6.500 كتاب، بينما يصل 102.000 كتاب في أميركا الشّماليّة و42000 كتاب في أميركا اللاتينيّة والكاريبي.
• إصدارات كتب الثّقافة العامّة في العالم العربيّ لا تتجاوز الـ 5.000 عنوان سنويًّا، وفي أميركا حوالي 300 ألف كتاب.
• النّسخ المطبوعة من كلّ كتابٍ عربيٍّ تقارب 1.000 أو 2.000 وفي أميركا 50 ألف نسخة.
• يُترجَم سنويًّا في العالم العربيّ خُمس ما يُترجَم في دولة اليونان الصّغيرة، والحصيلة الكلّيّة لما تُرجم إلى العربيّة منذ عصر الخليفة العبّاسيّ المأمون إلى العصر الحالي تقارب الـ 10.000 كتاب، وهذا العدد يساوي ما تترجمه إسبانيا في سنةٍ واحدة، أمّا الصّين فهي تعمل على ترجمة وطباعة كلّ كتابٍ يصدر في أمريكا خلال ثلاثة أيّام من صدوره، في حين أنّ أكبرَ الدّول العربيّة لا يُترجم فيها إلا 400 كتاب في السّنة.
• في النّصف الأوّل من ثمانينيّات القرن العشرين كان متوسّط الكتب المترجمة لكلّ مليون مواطنٍ عربيٍّ، على مدى خمس سنوات، هو 4.4 كتب (أقلّ من كتابٍ لكلّ مليون عربيٍّ في السّنة) وفي هنغاريا كان الرقم 519 كتاباً لكلّ مليون، وفي إسبانيا 920 كتاباً لكلّ مليون.
• تبلغ مبيعات الكتب إجمالاً في كلّ أنحاء العالم 88 مليار دولار، وفي الولايات المتّحدة الأميركيّة 30 مليار دولار و10 مليارات دولار في اليابان، و9 مليارات دولار في بريطانيا، ويبلغ نصيب العالم العربيّ 1% من الرقم الإجماليّ للمبيعات.
الحلول الممكنة والرؤية المستقبلية
إنّ ما أوردناه سابقا، يعطي فكرةً واضحةً عمّا آلت إليه الأمور في وطننا العربيّ الّذي نحن جزءٌ منه ونتأثّر بما يتأثّر به، ولكنّ هذا لا يعني أنّ الأفق مسدودٌ أمام محاولات تغييرٍ تنقل الواقع من الحالة الرّاهنة إلى النّهضة الفكريّة المرجوّة.
وهذا الأمر ليس مُناطًا بالمؤسسات الرّسميّة فحسب، بل هو مسؤوليّة كلّ فردٍ منّا انطلاقاً من موقعه وعمله. فللأسرة دورٌ كبيرٌ في تعويد أبنائها على ملازمة القراءة، واقتناء الكتب، وجعلها جزءًا من حياتهم، كما أنّ للمدرسة دورًا بارزًا في ذلك، إذ إنّ التّعليم لا يقتصر على المناهج الرّسميّة المُعدّة من قبل وزارة التّربية بل ينبغي أن يكون سبيلًا لتعويد أبنائنا على عاداتٍ سليمةٍ تكون القراءة من ضمنها، بل أهمّها، ومن هنا نجدُ أنّ دور الأسرة والمدرسة في تعويد أبنائنا على القراءة يعدّ دورًا أساسيّا بالغ الأهميّة، لأنّه يغرس في النّفوس حبّ الكتاب والقراءة.
ثمّ يأتي دور الجامعات في تحفيز إنتاج البحث العلميّ وتأمين الموارد الماديّة وغير الماديّة اللّازمة له، والانفتاح على مراكز البحث العلميّ الأجنبيّ، للتّعاون معها والتعرّف على آخر ما توصّلت إليه من نتائج علميّة.
ولا ننسى دور الوزارات المعنيّة في الشّأن التّربويّ والثّقافيّ، في رسم رؤيةٍ واضحةٍ تسير عليها المؤسّسات التّربويّة ومراكز الأبحاث ودور النّشر، وهو ما يلزم وجود خطّةٍ متكاملةٍ على صعيد الحكومات العربيّة بأجمعها، تضع في حسبانها الاحتياجات الأساسيّة لكلّ دولة، ويتمّ توجيه نتاج الفكر العربيّ على أساسها.
وربما تكون الخطوات الأخيرة التي قام بها عدد من دول الخليج، خاصة الإمارات العربية المتحدة من خلال مسابقات لتحدي القراءة وغيرها، قد غيّرت من واقع الأرقام المخيفة الذي استمر لسنوات على حاله، ففي آخر نتائج مؤشر القراءة العربي، الذي كشف عنها في أثناء افتتاح الدورة الثالثة لقِمّة المعرفة في دبي في العام 2016، تبيّن أنّ الأمور تتّجه نحو التّقدّم على هذا الصّعيد، إذ أظهر الاستبيان الإلكتروني الذي شارك فيه حوالي 148 ألف مشارك، أن العرب يقرؤون ما يقارب 35 ساعة سنويّا، وأن متوسط عدد الكتب بلغ 16 كتاب سنويا، وهذا يشمل القراءات المتعلقة بالعمل والقراءات الأخرى (راجع مقال بعنوان: “مؤشر جديد.. كم كتابًا يقرأ العربي في السنة وكم عدد ساعات القراءة؟” على موقع eremnews.com، بتاريخ 7/12/2016)

فوائد القراءة
يقول الدكتور ساجد العبدلي: “أرى القراءة أكثر من شيءٍ ضروريٍّ، لأنّي أراها مظهرًا من مظاهر الحياة الجوهريّة، والإنسان الّذي قد حرمه الله نعمة القراءة، قد حُرِم شيئًا عظيمًا، وأوصد في وجهه بابًا كبيرًا من أبواب الحياة هو باب العلم والمعرفة”(3).
فالقراءة هي المصدر الأساس للوصول إلى المعرفة، ولا يجدر أن تكون صدفةً تحدث في حياتنا، بل تتخطّى ذلك لتكون جزءًا أساسيًّا نُخصّص له الوقت اللّازم، بل نقدّمه على سواه من ناحية الأهميّة.
وعندما سُئِل الأديب المصريّ الكبير عبّاس محمود العقّاد عن سبب حبّه للقراءة قال: “إنّي أهوى القراءة لأنّ لي في هذه الدّنيا حياةً واحدةً، وحياةٌ واحدةٌ لا تكفيني، ولا تحرّك كلّ ما في ضميري من بواعثِ الحركة، القراءة وحدها هي الّتي تُعطي الإنسان الواحد أكثر من حياةٍ واحدةٍ، لأنّها تزيد هذه الحياة عمقًا، وإن كانت لا تُطيلها بمقدار الحساب”(4)
فالقراءة تجعل القارئ مشاركًا الكاتب أفكاره ومشاعره وأحاسيسه، وهو ما يُكسبه غنًى وتنوُّعًا. ولذلك وجب علينا أن نختار من القراءة ما يفيدنا في حياتنا، وأن نكون قادرين على تمييز الصّحيح من المعلومات من الخاطئ منها، وأن يكون عقلنا ميزانًا راجحًا لكلّ معلومة تدخل إلى فكرنا، ولنبدأ بتعويد أنفسنا وأبنائنا على قراءة كتب الأخلاق وأخبار الصّالحين، ثمّ الكتب الثقافيّة والعلميّة الّتي تساعدنا على فهم العالم من حولنا أكثر فأكثر، وكذلك الموضوعات التّاريخيّة المهمّة الّتي من خلالها نفهم سير الأمور وأسبابها. ومن المهمّ أيضًا أن نقرأَ من الكتب ما نحبّ، فيعطينا ذلك حافزًا كبيرًا للاستمرار، ويفتح لنا آفاقًا جديدةً مع كلّ كتاب نقرأه.
الخاتمة
إنّ النّهضة الفكريّة المرجوّ تحقيقها في وطننا العربيّ عامّة وفي حياتنا وحياة أبنائنا خاصّة، تبدأ من قراءة الكتب والاطّلاع على كلّ ما هو مفيد، واستغلال الوقت الّذي هو رأسمال كلّ إنسان، فينتج عن ذلك رؤيةٌ جديدةٌ للحياة، تتبلور شيئًا فشيئًا، وتزداد وضوحًا مع كلّ خطوةٍ نقوم بها إلى الأمام، فيحدّد كلٌّ منّا هدفه من الحياة، ويجعل لهذه الحياة معنًى وغايةً، يعمل على تحقيقها والوصول إليها. فالاهتمام بالنشء الصّاعد لا يجب أن يقتصر على تأمين الطّعام والشّراب والمسكن وإرساله إلى المدرسة فحسب، بل في تأمين جوٍّ من الطّمأنينة والرّاحة وزرع عاداتٍ سليمةٍ في ذهنه وفكره، تقوده إلى رسم طريقه بالشّكل السّليم، ولعلّ أهمّ ما يمكن أن نزرعه في أبنائنا هو حبّ القراءة والاطّلاع.
[su_accordion]
[su_spoiler title=”
وثائق سياسيّة من تاريخ المقاطعات اللبنانية 1707-1873- الدكتور رياض غنّام
دار معن، بيروت، 2018 (464 صفحة)
” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]
عمل تاريخي، توثيقي، جديد، ضخم، للمؤرخ الدكتور رياض غنّام.
يتابع المؤرخ غنّام في عمله الجديد إماطة اللثام عن صفحات “حسّاسة” من تاريخ المقاطعات اللبنانية، بدقة العالم المنقّب، وبتجرد ونزاهة الرياضي الموضوعي الذي لا يرى من المعطيات إلّا ما هو موجود حقّاً، ولا يرى في الواقعة أكثر مما تحتويه فعلاً. هو ذا ما يخلص إليه قارئ مئة وخمس وثلاثين وثيقة من الدرجة الأولى جعلها المؤرخ غنّام بين دفتي كتابه الضخم. وما يزيد حقاً في تقدير القارئ لمنهجية المؤرخ الموضوعية عدم تدّخله في سياق أية وثيقة (خلا ما هو ضروري لإيضاح بعض المفردات)، وفي موضوعات ومسائل ما انفك معظم المؤرخين اللبنانيين يقاربونها بكثير من الهوى الأيديولوجي وبعيداً عن الحيدة العلمية.
ما يلفتك حقاً في نصوص الوثائق أعلاه، أنها تنقل معاناة اللبنانيين، كل اللبنانيين، لحقبة امتدت لأكثر من مئة وخمسين عاماً (1707-1873). ليس في الوثائق ما يسرّ أو يسعد، بل جلّها تعبيرات لمعاناة الجماعات اللبنانيين في أوقات متقاربة، تصاعد توترها بقوة بين بدء الاختراق الغربي (الاقتصادي والسياسي) إلى الخاصرة العثمانية الرخوة والمتفجرة باستمرار – أي المقاطعات اللبنانية التي كانت تدار من اقطاعيين/ مقاطعجية محليين مع غلبة واضحة للهموم المحلية في ظل الانحسار التدريجي لقبضة السلطة العثمانية المركزية القوية. يستثنى من ذلك الدور العسكري والديبلوماسي النشيط الذي لعبه الأتراك في أحداث 1856-1861، حيث بدا أنهم لا يملكون إلا ردّ الفعل حيال الاختراق الغربي القوي، إضافة إلى استعدادهم باستمرار لتقديم الجماعات الواقعة تحت سلطانها جوائز ترضية للدول الغربية، الواحدة بعد الأخرى.
ولأن التاريخ لا يحتفظ إلا بالمشكلات أو بصور منها، يمكن للقارئ أن يتوقع سلفاً مضمون الوثائق الأصلية (كما هي في الأصل ثم تفريغ المؤرخ لها بلغة اليوم كيما تصبح مفهومة للقارئ). مئة وخمس وثلاثون وثيقة يمكن أن تكون مشاهد لمسرح اللامعقول الذي أداره الغربيون بخبث ما بعده خبث طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مستفيدين من ضعف الجماعات الطائفية المحلية وقلة حيلتها من جهة، وتخلي العثمانيين منذ زمن بعيد عن المنطقة من جهة ثانية وتركها نهباً لصراعاتها وتلاعب القوى الغربية بمكوناتها الإثنية والدينية والمذهبية.
في صحبة الوثائق التاريخية الكاملة لا يفيد الاختصار أو الاختزال في شيء، ما يفيد، بل المثير حقاً، هو حين تدخل إلى متون الوثائق تلك، فتشاهد (ولا أقول تقرأ) مآسي اللبنانيين في جماعاتهم كافة، حيث القلق والفزع والاستغاثة واليأس وفقدان الأمل وتسليم مصائرهم للأقدار وللوجهاء المحليين (الإقطاعيون من جانب الدروز والأحبار والكرادلة التي باتوا يكتسبون بالتدريج قوة موازية للإقطاع المسيحي بل وتزيد أحياناً). دعوة لقراءة كتاب في منتهى الإثارة، تأريخاً وراهنية في آن.
[/su_spoiler]
[su_spoiler title=”
تَصَدُّعات مَرْكَبِ الحضارة
الأديب نبيه الأعور، الجزء الرابع
” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]
التأليف في موضوع الحضارة، هو مزيجٌ من التاريخ والفلسفة، والاجتماع والأدب، والسياسة، والجغرافية، والعلوم، وما الى ذلك… والعماد الأكبر، هو معرفة الإنسان بالتاريخ وأحوال البشر، وما تجمّع له على السنين من آداب وما استخرجه بنفسه من ملاحظات وهو يقلِّبُ صفحات تاريخ هذه الأرض ومن عليها..
ليس بوسع أي إنسان أن يقدِّم إجابات شافية وافية، لكل الأسئلة التي يطرحها على الذهن موضوع الحضارة.
فالموسوعة، تصدعات مركب الحضارة الإنسانية عبر الأزمنة، لا تقرِّر حقائق ثابتة، إنما هي تفتح باب التفكير والمناقشة في اتجاه سليم. وتوجه الذهن الى قضايا جديدة بأن توضع موضع التأمل والبحث بهدف حمل الأذهان على التفكير في الموضوعات المطروحة فيها، وإثارة الإهتمام بمواصلة البحث.
في الجزء الرابع من هذه الموسوعة وهو بعنوان تحولات حادّة: وقف المؤلف عند مفكري الغرب في العصور الحديثة وخاصة “فلاسفة عصر الأنوار” عرض ما وضعوه من مشكلة الإنسان، وأحواله، وماضيه، وحاضره، ومستقبله، موضع درس عميق كما وأنهم أطلقوا الفكر في بحث مشاكل الإنسان، وإعادة النظر في كل ما قامت به الإنسانية من تجارب في الماضي. وفتحوا أبواباً واسعة للتفكير والتغيير.. ومهدوا بذلك لثورة طويلة، بعيدة المدى في الفكر الإنساني والنظم السياسية والإجتماعية، بدأت بالثورة الفرنسية، ومازالت متصلة الى يومنا هذا. وستبقى هذ
المسائل موضع استزادة، في هذا العمل كما في سواه.
[/su_spoiler]
[su_spoiler title=” أَنْسَنَةُ الدِّين – الدكتور توفيق بَحْمَد
” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]
كتب المؤلف في التعريف بكتابه:
أنسنة الدين، كما اعتقد، يجب أن تكون نقطة البيكار في جميع المذاهب والأديان. تأنسن الله سبحانه في الإنسان … ليكون إنساناً.
وكانت ذاته الجوهرية ليستمد الإنسان … أي إنسان إنسانيته من دينه.
فإذا فقد الإنسان إنسانيته … فقد ذاته الجوهرية منه أي فقد الله منه.
وهكذا جميع أبناء الله، أي بني البشر … فلا الألوهوية منفصلة عن جوهر الإنسان وطبيعته… ولا طبيعة إنسانيته منفصلة في جوهرها، وحقيقتها، عن احدية الوجود المطلق.
الدين علم وعمل ومسلك توحيد الإنسانية. وكتاب “أنسنة الدين” لم أكتبه بل جمعته من ينابيع الإنسانية.. إنسانية المعلم كمال، وإنسانية المرجع العلّامة السيد محمد فضل الله وبيان بلاغته.
ومدرسة مولانا سقراط… في التوحيد … والأخلاق.. والإنسان.
سئلت: بالله عليك… من ألهمك… من أوصى إليك بهذا العنوان.. وكان الجواب لنا … مع الإيمان.
• تصحُّر الروح ….
• توحش الإنسان … في هذا الزمان.
• الروح تصحَّرتْ في أمتي.
• الإنسان توحّش في بلادي.
• رحت أنا الطبيب… أفتش عن داء التصحّرْ… والتَّوحش لمعرفة الدواء …للعلاج.. لم أجده … ولم أعرفه
• فاستعنت بالمجهر الكوني.. الإنساني.. المجهر الإلهي:
– للمعلّم الكمال.
– وللعلّامة السيد.
– لمولانا سقراط الإنسان.
[/su_spoiler]
[su_spoiler title=”رواد ومجاهدون
حسيب ذبيان في ذاكرة الثورة العربية
” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]
كتاب جديد بقلم مؤلفه تيسير ذبيان. يروي الكتاب فصولاً من حياة المجاهد الوطني والقومي، إبن مزرعة الشوف (لبنان)، المولود سنة 1885، من العائلة الذبيانية الشوفية العريقة، والمتوفي سنة 1969. لكن عمر المجاهد حسيب ذبيان لا يقاس بالسنوات، كما بيّن الكتاب. فقد ملأها منذ نعومة أظفاره بالجهاد المتواصل في لبنان، وسوريا، والأردن.
أولى منازلات المجاهد الكبرى كان تركه السلك الأمني، الذي كان آمر مخفر أو مفرزة في الدرك برتبة ملازم، والتحاقه بيوسف العظمة في معركة ميسلون العاثرة مع جيش الانتداب الفرنسي الغازي على أبواب دمشق في 24 تموز 1924. كانت المعركة غير متكافئة، بضع مئات من الشباب المندفعين مقابل ألآف من الجنود الفرنسيين المدعومين بالمصفحات والمدفعية الثقيلة. وكانت النتيجة بديهية لجهة الطرف الغالب، لكنها فجّرت لدى الطرف المغلوب، بل المغدور، احاسيس الحقد على المستعمر لعقود لاحقة. هكذا حال رشيد طليع، وفؤاد سليم، وكذلك حسيب ذبيان، وآخرون.
كانت وجهة حسيب ذبيان بعد معركة ميسلون إمارة شرق الأردن التي استقبلت من تبقى من رجالات ثورة الشريف حسين والدولة العربية الحديثة التي لم تعمّر كثيراً. تولى حسيب في الإمارة الحديثة مهمة تأسيس قوة درك محلية. لكن حسيباً لم يلبث أن غادر الأردن إلى جبل العرب حين اندلعت الثورة السورية الكبرى سنة 1925 فالتحق بسلطان باشا الأطرش وقيادة الثورة. هذه إلماعات إلى سيرة مجاهد شجاع في كتاب يستحق القراءة.
[/su_spoiler]
[su_spoiler title=” زيارة إلى التاريخ، عمّان
د. فارس حلمي
” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]
المؤلف أكاديمي فلسطيني، مؤلف وباحث ومترجم. يقول المؤلف أن غايته هي “بيان أن الشعب الفلسطيني يستطيع بقدراته الذاتية، انتزاع جميع حقوقه المغتصبة؛ وبيان أن حلف الدكتاتورية والجهل يدمّر ولا يعمّر”.
ولإثبات وجهة نظره، يقوم المؤلف بجولات تاريخية واسعة في موضوعات معاصرة، متصلة بالشأن الفلسطيني على وجه الخصوص والشأن العربي عموماً. أما اللغة فنقدية في الغالب، تضع اللوم على الطريقة الفردية التي ندير بها شؤوننا الأكثر أهمية، مأ أدّى إل ما شاهدناه ونشاهده من هزائم وتداعيات. من الموضوعات التي توقّف المؤلف عندها نجد:
– كيف ينتصر الفلسطينيون وهم متفرقون أحزاباً وشيعاً؟
– لا بد من اتحاد الأمة العربية لمساعدة الشعب الفلسطيني
– لا بد من اتحاد المسلمين لمساعدة الشعب الفلسطيني
– ما هي وظيفة الأحزاب والحركات السياسية الفلسطينية
– متى تتوقع لنا أن ننتصر وننتزع حقوقنا المشروعة المغتصبة؟
– وموضوعات مماثلة أخرى.
السؤال الذي تردد كثيراً في الكتاب هو: هل يستطيع العرب العودة على التاريخ؟ والمؤلف يجيب نعم، إذا تعلّمنا من الأخطاء. ويسهب الكتاب لذلك في بيان الأخطاء الفلسطينة والعربية، وسببها الرئيسي برأي المؤلف التفرّد في اتخاذ القرارات والإصرار على اعتبار الخطأ صواباً، وعدم التشاور، وغياب شجاعة انتقاد اخطائنا. ونصيحة المؤلف هي أن العمل من دون معرفة وخبرة ودراية مسبقة، أقصر الطرق إلى الفشل والهزيمة..وهناك عشرات الأمثلة قديماً وحديثاً على صحة الاستنتاج ذاك.
الكتاب في 278 صفحة، ممتع، وموضوعاته تقع بين التاريخ والسياسة.
[/su_spoiler]
[/su_accordion]
في 29 آب 1978 أسلم الفنان والمناضل الفلسطيني ناجي العلي الروح بعد غيبوبة لشهر أو يزيد تلت إطلاق الرصاص عليه من مسدس …
أفاضَ الجلالُ بدفْقِ العِلَلْ تجلّى البهاءُ بفيضٍ أضاءَ بحُبٍّ أَشاحَ كنوزَ الخفاءِ تبدَّى الهيامُ بكونٍ فَتيقٍ بقُدسِ انبثاقِ جَلالَ السَّناءِ وغنَّتْ شُموسٌ …
This content is locked Login To Unlock The Content! تذكرني Lost your password?
الأعمال الشعرية الكاملة لأنور سلمان (1938 – 2016) صدر حديثاً كتاب: “الأعمالُ الشعريّةُ الكاملة” للمرحوم الشَّاعر أنور سلمان، عن المؤسّسة العربيّة للدِّراسات …
تتقدّم أسرة مجلة الضحى من فضيلة الشيخ الدكتور سامي أبي المنى رئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز وأحد كتّاب المجلة …
لا تبــــــع نفســـك رخيصـــــاً وأنــت نفيـــسٌ جــدّاً فــي عيـــــن الحـــقّ! يُعتبر جلال الدين الرُّومي مؤسِّس الطريقة المولويَّة، أحد أعظم مشايخ الصوفية؛ كما …
حتلُّ المعلم الأكبر سقراط موقعاً محورياً في وجدان أهل التوحيد ومعتقدهم. وهذا الموقع الأساسي الذي يحظى به بين مشايخهم وزُهَّادهم والسالكين الجَّادين …
النَّحَّاتَةُ والرَّسَّامَةُ سلوى روضة شقير فنّانَة ونحّاتَة كبيرة ورسامة بارعة شقت طريقها بيديها بواقعية جميلة، واستطاعت أن تستكشف عوالم تحولات كثيرة ومعاني …
This content is locked Login To Unlock The Content! تذكرني Lost your password?
كبرت.. وكبرت مشاغلها عرمون عاصـمــة التنوخـييــن زاخــــرة بآثــــار الماضـــي، لكـــن الحاضـــــر اكتـــــظاظ ومشاكــــل بيئـــــة وعَطَـــــش يعتبر بعض المؤرخين بلدة عرمون أول …
This content is locked Login To Unlock The Content! تذكرني Lost your password?
This content is locked Login To Unlock The Content! تذكرني Lost your password?
مجلة الضحى ودار طائفة الموحدين الدروز، شارع
بني معروف، فردان بيروت
مجلة الضحى، دار طائفة الموحدين الدروز، شارع بني معروف، فردان بيروت