الخميس, نيسان 30, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 30, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

تاريخ الموحِّدين الدروز والموارنة

تاريخ الموحِّدين الدروز والموارنة

في ضوء مؤلفاتهم القديمة

(القسم الثاني)

تاريخ بيروت لصالح بن يحيىإن صالح بن يحيى هو من الأمراء البحتريين التنوخيين. تاريخ ولادته وتاريخ وفاته مجهولان، إمَّا لأنه لم يقيّض له من يسجّلهما، أو أن هذين الأمرين دُوِّنا في أحد المستندات التي لم تصل إلينا. عُرف عنه توقُّفه عن الكتابة سنة 840هـ (1453م) مما يحمل على الربط بين ذلك وبين تاريخ وفاته، فيجعلها بعد هذه السنة بقليل.
سمّى صالح بن يحيى مخطوطه “أخبار السلف”، وشاءه في الأصل تذكرة نسب لأسرته جعلها “وقفاً على البيت لا يخرج عن الخلف، ولا تُعار لغيرهم، لأنه كتاب لا ينتفع به غير أربابها”، لذا كان ما كتبه لا يفيد، في رأيه، غير أسرته البحترية التنوخية، لكنه خرج من أيديها ليصبح تاريخاً يستفيد منه الجميع دون أسرته التي اندثرت مع الأيام بسبب قلة مواليدها وكثرة قتلاها في الحروب، حتى إن الذين يحملون شهرة “التنوخي” انقرضوا في المجزرة التي أجراها بهم الأمير علي علم الدين اليمني، في عبيه، سنة 1633، والذين بقوا منهم غيَّروا شهرتهم فأصبحت بأسماء الجدود والآباء الأقربين.
إن مخطوط صالح بن يحيى، المدوَّن بلغة عصر الانحطاط، يشتمل على أغلاط لغوية، وألفاظ وجمل أشبه بلهجة العامية حالت دون نشر المستشرقين له حين صمَّموا على ذلك، ولكن هذا الشكل غير السليم لغويّاً حوى مضموناً تاريخيّاً سليماً ودقيقاً وموضوعياً، ذلك أن صالح كتب بأمانة كلّية، معتمداً على ما عند البحتريين من مناشير أولي الأمر لأمرائهم، ومن أوراق أخرى ومستندات، ومعتمداً أيضاً على ما سمعه من الأقوال والروايات الصحيحة عن أسلافه بعد التدقيق فيها، وعلى ما شاهده وما قام به شخصيّاً. وإضافة إلى ذلك كتب العديد من الصفحات استناداً إلى المصادر التاريخية التي اطَّلع عليها.
كما عُثر على مخطوط كتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب” في مكتبة بلدية روان الفرنسية، هكذا عُثر على مخطوط صالح بن يحيى في مكتبة باريس العمومية، وهذا مما يدلُّ على أن الكثير من الأصول التاريخية المتعلِّقة بنا موجودة عند غيرنا، ولا سيما في مكتبات مدن الدول الأوروبية، وأن غيرنا حريص عليها أكثر منا، ولولا حرصه على مخطوط صالح بن يحيى لضاع، وضاع معه معظم تاريخ البحتريين التنوخيين وتاريخ “الغرب”. وقد عَثر على هذا المخطوط الأب لويس شيخو اليسوعي (1858-1927) في سنة 1894، فعمد إلى نقله ونشره تباعاً في مجلة “المشرق” في سنتَي 1898و1899، ثم أصدره كتاباً في سنة 1902، أُعيد طبعه في سنة 1927، وهو بعنوان “تاريخ بيروت وأخبار الأمراء البحتريين من بني الغرب”.
لكن تحقيق الأب لويس شيخو للمخطوط تضمَّن أخطاء كثيرة، وحُذفت منه مقاطع عديدة بما فيها معظم المقاطع الشعرية، لصعوبة قراءتها، وكان يتطلَّب المزيد من الإيضاحات والتفسيرات، مما استدعى إعادة تحقيقه من قبل الأب فرنسيس هورس اليسوعي الذي تعاون مع الدكتور كمال سليمان الصليبي، والأستاذ أنطوان مدوّر، والسيد بيار روكالف، والسيد أنطوان كوتان، والنقيب يوسف وهبه، وصدر الكتاب في سنة 1967 بعنوان “تاريخ بيروت وهو أخبار السلف من ذرّيَّة بحتر بن علي أمير الغرب”، وهذا الكتاب سنعتمد عليه.
وبما أن نسخ الكتاب من التحقيقَين فُقدت، ونظراً الى الطلب عليه بسبب أهميته كأحد المصادر التاريخية المهمة، قامت دار الفكر الحديث للطباعة والنشر سنة 1990 بإعادة طبع الكتاب الذي حقّقه الأب لويس شيخو، وقامت مؤسسة التراث الدرزي سنة 2015 بإعادة طبع الكتاب الذي حقَّقه الأب فرنسيس هورس اليسوعي بالتعاون مع الدكتور كمال سليمان الصليبي، وفي هذين الأمرين دليل إضافي على أهمّيّة هذا المصدر.

تاريخ مدينة بيروت إنّ الذين حقَّقوا مخطوط صالح بن يحيى، المسمَّى عنده أخبار السلف، أعطوه اسم “تاريخ بيروت”، وأضافوا إليه أخبار السلف، وما ذلك إلاَّ لأن صالح بن يحيى بدأ مخطوطه بالكلام عن بيروت وتحدَّث عنها في صفحات بلغت 31 صفحة في الكتاب المحقَّق للمرة الثانية، فقال: “ولما كان المكان متقدّماً على المتمكّن، فوجب المبتدى بذكر الوطن وإن كان الساكن أفضل من المسكن1.
تحدَّث صالح بن يحيى في 11 فصلاً عن بيروت، فذكر قدمها وإطارها الجغرافي وأخبارها ومشاهيرها وقواعدها وفتوحها الثلاثة، وهي فتح المسلمين الأول لها وأخذها من البيزنطيين سنة 636م عند فتحهم الشام، ثم أخذ الفرنجة لها من المسلمين، وفتح المسلمين لها للمرة الثانية سنة 1187م على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي ثم عودة الفرنجة إليها، وفتح المسلمين لها للمرة الثالثة سنة 1291م عند طردهم للفرنجة نهائيّاً من الشرق.
اعتمد صالح بن يحيى في ما كتبه عن بيروت على ما وصله من أخبار أسرته عن المشاركة في الدفاع عنها، والإسهام في إعمارها، كما اعتمد في كتابة سائر نواحي تاريخها وناحية آثارها على المؤرخين والجغرافيين العرب وهم: المسعودي، وياقوت الحموي، وأبو الفداء، والنويري، وابن سعيد، وأبو شامة المقدسي، وأحمد بن شاكر الكتبي. وبناءً على هذا، استطاع أن يكتب الأخبار الصحيحة، كما استطاع بالاعتماد على الجغرافيين أن يحدِّد طول بيروت وعرضها بدقة.
من الحوادث التي يذكرها صالح بن يحيى هجوم التعميرة الجنوية على بيروت بعد هجومها على صيدا في العشر الأول من جمادى الآخر سنة 784هـ (آب 1382م)، وتصدِّي والد صالح (الأمير سيف الدين يحيى) ومعه جماعة من المسلمين للمهاجمين من الفرنجة ونزعهم السنجق الذي ركّزه أحد قادتهم، وإنزال الهزيمة بهم. ومن الحوادث أيضاً هجوم الفرنجة على بيروت في 20 محرم من سنة 806هـ (آب فرنسيس هورس اليسوعي الذي تعاون مع الدكتور كمال سليمان الصليبي، والأستاذ أنطوان مدوّر، والسيد بيار روكالف، والسيد أنطوان كوتان، والنقيب يوسف وهبه، وصدر الكتاب في سنة 1967 بعنوان “تاريخ بيروت وهو أخبار السلف من ذرّيَّة بحتر بن علي أمير الغرب”، وهذا الكتاب سنعتمد عليه.
وبما أن نسخ الكتاب من التحقيقَين فُقدت، ونظراً الى الطلب عليه بسبب أهميته كأحد المصادر التاريخية المهمة، قامت دار الفكر الحديث للطباعة والنشر سنة 1990 بإعادة طبع الكتاب الذي حقّقه الأب لويس شيخو، وقامت مؤسسة التراث الدرزي سنة 2015 بإعادة طبع الكتاب الذي حقَّقه الأب فرنسيس هورس اليسوعي بالتعاون مع الدكتور كمال سليمان الصليبي، وفي هذين الأمرين دليل إضافي على أهمّيّة هذا المصدر.

شن-المماليك-حملات-على-إمارة-الغرب-وأوقعوا-فيها-خسائر-كبيرة(1)
شن-المماليك-حملات-على-إمارة-الغرب-وأوقعوا-فيها-خسائر-كبيرة)

تاريخ مدينة بيروت
إنّ الذين حقَّقوا مخطوط صالح بن يحيى، المسمَّى عنده أخبار السلف، أعطوه اسم “تاريخ بيروت”، وأضافوا إليه أخبار السلف، وما ذلك إلاَّ لأن صالح بن يحيى بدأ مخطوطه بالكلام عن بيروت وتحدَّث عنها في صفحات بلغت 31 صفحة في الكتاب المحقَّق للمرة الثانية، فقال: “ولما كان المكان متقدّماً على المتمكّن، فوجب المبتدى بذكر الوطن وإن كان الساكن أفضل من المسكن1.
تحدَّث صالح بن يحيى في 11 فصلاً عن بيروت، فذكر قدمها وإطارها الجغرافي وأخبارها ومشاهيرها وقواعدها وفتوحها الثلاثة، وهي فتح المسلمين الأول لها وأخذها من البيزنطيين سنة 636م عند فتحهم الشام، ثم أخذ الفرنجة لها من المسلمين، وفتح المسلمين لها للمرة الثانية سنة 1187م على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي ثم عودة الفرنجة إليها، وفتح المسلمين لها للمرة الثالثة سنة 1291م عند طردهم للفرنجة نهائيّاً من الشرق.
اعتمد صالح بن يحيى في ما كتبه عن بيروت على ما وصله من أخبار أسرته عن المشاركة في الدفاع عنها، والإسهام في إعمارها، كما اعتمد في كتابة سائر نواحي تاريخها وناحية آثارها على المؤرخين والجغرافيين العرب وهم: المسعودي، وياقوت الحموي، وأبو الفداء، والنويري، وابن سعيد، وأبو شامة المقدسي، وأحمد بن شاكر الكتبي. وبناءً على هذا، استطاع أن يكتب الأخبار الصحيحة، كما استطاع بالاعتماد على الجغرافيين أن يحدِّد طول بيروت وعرضها بدقة.
من الحوادث التي يذكرها صالح بن يحيى هجوم التعميرة الجنوية على بيروت بعد هجومها على صيدا في العشر الأول من جمادى الآخر سنة 784هـ (آب 1382م)، وتصدِّي والد صالح (الأمير سيف الدين يحيى) ومعه جماعة من المسلمين للمهاجمين من الفرنجة ونزعهم السنجق الذي ركّزه أحد قادتهم، وإنزال الهزيمة بهم. ومن الحوادث أيضاً هجوم الفرنجة على بيروت في 20 محرم من سنة 806هـ (آب 1403م)، واشتغال أهل بيروت بترحيل الحريم والأولاد، وخُلوِّ المدينة من المقاتلين سوى بعض أمراء “الغرب” ومعهم بعض جماعتهم، فتملَّك الفرنجة بيروت وأحرقوا الدار التي يملكها والد صالح بن يحيى والسوق القريبة من الميناء.
ويذكر صالح بن يحيى طريقة إعلام المثاغرين في بيروت للجند الموجود في دمشق كي يهبَّ إلى الدفاع عن بيروت عند حصول أيّ غزو لها، وهذه الطريقة هي إشعال النار ليلاً من ظاهر بيروت، فتجاوبها نار في رأس بيروت العتيقة (بيت مري) ومنه إلى جبل بوارش (جبل الكنيسة) ومنه إلى جبل يبوس ومنه إلى جبل الصالحية (جبل قاسيون) ومنه إلى قلعة دمشق.

نسب البحتريين التنوخيين
من الأمور المهمّة التي أوردها صالح بن يحيى سلسلةُ نسب أجداده إلى الأمير بحتر المتحدِّر من الأمير تنوخ، المتحدِّر من الأمير تميم ابن الملك النعمان (أبو قابوس) اللخمي. وبهذا يكون التنوخيون كالأرسلانيين وبني فوارس وآل عبد الله لخميَّين، يلتقون معاً عند الملك النعمان (أبو قابوس)، وفي هذا أحد الأدلَّة على أن تنوخيِّي لبنان مناذرة ينتمون إلى الأمير تنوخ المنذريّ اللخميّ، ولا علاقة لهم بالتنوخيين الذين ينتسبون إلى قبيلة تنوخ أو حلف تنوخ، بحسب ما جاء عند الكثير من المؤرِّخين الذين خلطوا بين التنوخيين هؤلاء والتنوخيين أولئك. وكما ذكر صالح بن يحيى أن أسرته البحترية التنوخية لخمية منذريّة كالأرسلانيِّين، هكذا ذكر السجلّ الأرسلاني، وجعلهم الأمير شكيب أرسلان الذي قال: “إن الأمراء التنوخيين اللبنانيِّين والأمراء الأرسلانيّين من أصل واحد هو لخم ولا علاقة لهم بقبيلة تنوخ”2.
إن ما ورد عند صالح بن يحيى عن الأصل المنذريّ اللخمي للبحتريين التنوخيين، يؤكِّده ما جاء في وصية أحد أمرائهم، الأمير السيد عبد الله (قدَّس الله سرَّه) المدوَّنة في سنة 820هـ (1417م)، وهو التعريف به بأنه من نسل الأمير “جمال الدين حجى ابن أمير الغرب التنوخي الجميهري اللخمي”، كما يؤكِّده كتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب” المدوَّن في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، وفيه إشارة إلى “الأمير ناصر الدين الجميهري اللخمي”، ويؤكِّده أول إثبات للسجل الأرسلاني بتاريخ 141هـ (758م).

ترجمة الأمراء البحتريين التنوخيين
خصَّص صالح بن يحيى معظم كتابه للحديث عن أسرته البحترية التنوخية، فترجم لأكثر من 60 أميراً منها، وأتى في ترجمتهم على ذكر الكثير من القادة وولاة الأمور وسائر من تعاطى معهم. وأورد حرفيّاً المناشير المرسلة إلى أمراء “الغرب” منهم، الذين لهم الأمرية الكبرى. وهذه المناشير تحدِّد إقطاعهم، والقرى التي يتضمَّنها والتي يمكن اعتبارها مع القرى والمزارع التي أقام فيها التنوخيون أطلساً تاريخيّاً جغرافياً لقسم من جبل لبنان.
ذكر صالح بن يحيى ولادات ووفَيات وزيجات الأمراء البحتريين التنوخيين، وذكر مراكز إقاماتهم وعلاقاتهم مع بعضهم بعضاً، وعلاقاتهم مع الآخرين، وما يتخلّل ذلك من نزاعات. وبالرغم من اتِّصافه بالموضوعيّة، فإنه كان مُحابياً لأبناء أسرته أحياناً، وذلك بمهاجمته لأخصامهم مثل بني أبي الجيش أو بني سعدان – وهم الأمراء الأرسلانيون- لأن هؤلاء يبغضون البحتريين وقد وشَوْا، بحسب ما ذكر، عليهم. وكان يمتدح محبِّي أسرته مثل آل علم الدين الذين هم أصلاً من آل عبد الله، لكنه ألحقهم بالنسب بالبحتريين التنوخيين، فيما الحقيقة أنهم اعتبروا من هؤلاء بالمصاهرة لا بالنسب3.
لم يقتصر صالح بن يحيى في ترجمته للأمراء البحتريِّين التنوخيين على ذكر النواحي السياسية والعسكرية والجهادية، بل إنه تطرَّق أيضاً إلى إلمامهم بالصناعة والحِرف على مختلف وجوهها المعروفة آنذاك كصناعة الأسلحة والحليّ، وإلمامهم بفنِّ الكتابة وتعلّمهم قواعد الخط الجميل، وتوصَّل أحدهم الأمير عزّ الدين جواد بن علم الدين سليمان الرمطوني إلى كتابة آية الكرسي على حبّة الأرز، وفعل ذلك مراراً وتكراراً حتى في اليوم الواحد. وقد ذكر صالح بن يحيى أنه كان للأمراء من أسرته اهتمام بالتجارة، ولبعضهم حوانيت في أسواق بيروت وأن هؤلاء الأمراء اهتمُّوا بالعمران فأنشأوا الأبنية في قاعدتهم عبيه، ومنهم الأمير ناصر الدين الحسين الذي أنشأ العليات، وجرَّ المياه بقناة الى الحمّام الذي أنشأه.
وتطرَّق صالح بن يحيى إلى النواحي الأدبيّة، فذكر الشعراء من التنوخيين، وأورد ما نظموه من قصائد كما ذكر ما قاله الشعراء في مدح التنوخيين، وهو في ذكره لصفات الأمراء ومناقبهم تكلَّم عن تقوى العديدين منهم وحِفظِهم للكتاب وانصرافهم إلى العبادة، مما يوحي أن بينهم كبار شيوخ الدين من الموحِّدين الدروز إضافة إلى كبار الرؤساء السياسيِّين4.

الإمارة البحتريّة التنوخيّة
ذكر السجلّ الأرسلاني ثلاث إمارات منذريّة لخميّة هي الإمارة الأرسلانيّة، وإمارة بني فوارس بأمير واحد، وإمارة آل عبد الله بأمير واحد أيضاً خلفه أمير أرسلانيّ انتهت به الإمارة الأرسلانيَّة. أمَّا الإمارة البحتريَّة التنوخيّة التي خلفت الإمارة الأرسلانيَّة، فقد توسَّع صالح بن يحيى في الحديث عنها وعن الأمراء البحتريِّين، وقد سميت بهذا الاسم نسبةً إلى مؤسِّسها الأمير بحتر المتحدِّر من الأمير تنوخ، وهي تُدعَى اختصاراً الإمارة التنوخيَّة

قبر-شمون-في-منطقة-الغرب
قبر-شمون-في-منطقة-الغرب

.بدأت الإمارة البحتريّة التنوخيَّة مع الأمير بحتر سنة 1137م، وتوطَّدَت دعائمها مع ابنه الأمير كرامة الذي أتاه مرسومان من الملك العادل نور الدين محمود زنكي، الأول بتاريخ 14 ربيع الأوّل سنة 552هـ (26 نيسان سنة 1157م)، وهو يخاطبه بالعبارات التالية: “مفيد الملك أمير الغرب”، ويسمِّيه “مملوكنا وصاحبنا” ويقول: “مَن أطاعه فقد أطاعنا، ومَن عاوَنه في جهاد الكفّار [الفرنجة] فقد عمل برضانا وكان مشكوراً منَّا. ومن خالفه في هذا الأمر وعصاه فقد خالف أمرنا واستحقَّ المقابلة والسياسة على العصيان”5. والمرسوم الثاني بتاريخ 17 رجب سنة 556هـ (12 تموز سنة 1161م)، وهو يقطعه إضافة إلى قرى “الغرب” القنيطرة في سورية اليوم وضهر الأحمر من وادي التيم، وثعلبايا من البقاع، وبرجا وبعاصر من صيدا، والمعاصر الفوقا من الشوف، والدامور من ساحل “الغرب”، وشارون ومجدل بعنا من الجرد6.
إن هذين المرسومَين سَمَّيا الأمير كرامة “أمير الغرب” وسيُسمَّى أبناؤه وأحفاده الذين تعاقبوا على الأمرية الكبرى “أمراء الغرب”. وكما أُقطِع هو قرى خارج الغرب سيُقطع بعضهم كذلك مثله، وقد أظهر صالح بن يحيى، وبكثير من التفصيل، علاقات هذه الإمارة مع الدولة الإسلاميَّة الحاكمة لبلاد الشام، أو التي كانت تدير شؤون هذه البلاد من القاهرة عبر ولاتها في بلاد الشام، وهي كسائر علاقات حكام الأطراف مع المركز.
تَوارَث الأمراء البحتريون إمارة الغرب بحسب ما يذكر صالح بن يحيى، واستغلُّوا ما لهم من حقوق في هذه الإمارة، وحين عدّل المماليك النظام الإقطاعي، وأحدثوا جند الحلقة، دخل الأمراء البحتريون التنوخيون فيه، وحافظوا على إقطاعهم مقابل تقديم أعداد محدَّدة من الرّجال لِتولِّي درك بيروت وطريق الساحل.
واجه البحتريون التنوخيون صعوبات عدة للحفاظ على إمارتهم، ومرُّوا بأزمات استطاعوا أن يتخطَّوها بحسن السياسة، وبالتضحيات الجسيمة، وخصوصاً في مواجهة الفرنجة، وهذا موجز للأزمات بحسب تسلسلها الزمني.
في سنة 1255م انتصر البحتريون التنوخيون في عيتات على حملة أيُّوبيّة مرسلة لإخضاعهم. وفي سنة 1260م تداولت أربع قوى حكم بلاد الشام، هي الأيّوبيون بقيادة الملك الناصر يوسف، والمماليك البحرية بقيادة السلطان قطز، وكانوا قد أسَّسوا دولتهم في مصر سنة 1250م، والمماليك البحرية بقيادة السلطان بيبرس، والتتار (المغول) الذين وصلوا إلى دمشق بقيادة هولاكو واحتلُّوها، ثم عاد منها هولاكو تاركاً الحكم إلى أحد كبار قادته كتبغا. وانعكس

صراع هذه القوى على التنوخيين الذين كان عليهم أن يحفظوا إمارتهم خلاله، ويذكر صالح بن يحيى أن الأمير زين الدين صالح بن علي بن بحتر اتفق مع ابن عمّه الأمير جمال الدين حجى بن محمد بن حجى، خلال الصراع بين المغول والمماليك، على اتخاذ موقف مزدوج بين الملك قطز صاحب مصر وبين قائد المغول كتبغا، وذلك بأن يكون جمال الدين حجى مع معسكر المغول، وأن يكون زين الدين مع المعسكر المصري الزاحف إلى قتال المغول والذي سيشتبك معه وينتصر عليه في معركة عين جالوت “ليكون أي من انتصر من الفريقين كان أحدهما معه فيسدّ خلة رفيقه وخلّة البلاد قصداً بذلك إصلاح الحال”7.
وفي سنة 1278م توجَّهَت حملة مملوكيّة إلى “الغرب” للانتقام من قتلة قطب الدين السعدي الذي أقطعه المماليك قرية كفرعميه، ولإخضاع “الغرب” لإشراف المماليك المباشر وقد أنزلت هذه الحملة، التي اشترك فيها العساكر والعشران من ولاية بعلبك والبقاع البعلبكي والبقاع العزيزي وصيدا وبيروت، ما لم تنزله أية غزوة أخرى في الغرب”8.
وفي سنة 1305م اشترك التنوخيون بالحملة المملوكيَّة المرسلة لإخضاع كسروان، وخاضوا المواقع ضد الكسروانيِّين، وقُتل منهم في إحداها، التي جرت بالقرب من نابيه في 28 تموز، أميران و23 نفرًا، وما كان بمقدورهم ألاَّ يشتركوا في هذه الحملة كي لا يستهدفهم المماليك بغزوة أخرى.
وبعد سنة 1305م ولَّى المماليك الأمراء التركمان على كسروان، وصار هؤلاء مشتركين مع التنوخيين في الدفاع عن بيروت والساحل، لكنهم غزَوا “الغرب” إبَّان غياب أمرائه التنوخيين عنه لمساعدة السلطان برقوق على إخماد الحركة المنطاشية التي قامت ضدّه، فهدم التركمان العديد من قرى “الغرب” ونكبوه بمثل ما نكبه به المماليك والفرنجة.

المشاركة في الجهاد الإسلامي
بدأ صالح بن يحيى حديثه عن أخبار السلف من أسرته بالافتخار بهم، فقال: “مناقبهم موصوفة ومآثرهم معروفة كما قيل آثارهم تُنبيك عن أخبارهم حتى كأنك بالعيان تراهم. تالله لا يأتي الزمان بمثلهم ولا يحمي الثغور سواهم”. ولم يكن مبالِغاً في كلامه لأن هناك الأدلة العديدة التي تثبت ذلك والتي أعطى بعضها.
ارتبط نشوء واستمرار الإمارة البحترية التنوخية بالجهاد ضدّ الفرنجة تحت لواء الأتابكة والأيوبيين والمماليك كما ارتبط من قبل نشوء واستمرار الإمارة الأرسلانية بالجهاد ضد الروم البيزنطيين تحت لواء الخلافة العباسية.
بعد أن ولَّى الملك العادل نور الدين كرامة بن بحتر على “الغرب” أبدى كرامة الاستعداد للخدمة والجهاد تحت لوائه، وانتقل إلى حصن سرحمور (سرحمول) ليتحصَّن فيه ضد هجمات فرنجة سنيوريتَيْ بيروت وصيدا، وليواصل الجهاد ضدهم. لكن سنيور بيروت اندرونيكوس كومنينوس دبَّر مكيدة له بأن دعا أبناءه الثلاثة إلى عرس ابنه في بيروت، وحين حضروا غدر بهم، وهاجم في اليوم التالي حصن سرحمور بغتة. ويذكر صالح بن يحيى أن ذلك جرى في أواخر دولة الملك العادل، أي في حدود سنة 1173م التي توفي فيها وقد هدم الفرنجة الحصن وأحرقوا القرى وأسروا من تخلّف عن الهرب9. وأشار إلى هذه الحادثة مؤرِّخ كتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب” كما وردت الإشارة. وأيضاً، كما أشار صالح بن يحيى، إلى مكافأة السلطان صلاح الدين لابن كرامة الرابع الذي نجا من المكيدة.
عهد المماليك إلى الأمراء التنوخيين درك بيروت والساحل، ولصعوبة هذه المهمَّة تعبوا من الركوب ليلاً ونهاراً كما يذكر صالح بن يحيى، وذلك لقلة عددهم قياساً الى الأمراء التركمان الكثيري العدد الذين شاركوهم هذه المهمة، ثم عرضوا أنفسهم ليكونوا البدائل عنهم.
ومن فصول الجهاد التنوخي اشتراك صالح بن يحيى نفسه مع مائة رجل في غزوة قبرص الأولى سنة 1425م، وقد ذكر ذلك تحت عنوان “لمع من فتوح قبرص” وهو لم يشترك في غزوة قبرص الثانية سنة 1426م، لكنه وصفها وصفاً دقيقاً وأسهب في وصف الاحتفال الذي جرى في القاهرة عندما جيء بملك قبرص أسيراً وسار في شوارع القاهرة وسط مظاهر الخضوع والإهانة، فيما كان المسلمون يحتفلون بالنصر وسط مظاهر الزينة.
ومما يذكره صالح بن يحيى هو أنه أثناء عودته من مصر عن طريق البقاع، حذر من أمير حاج، وحاد عن طريق البقاع إلى صغبين الواقعة في اللحف الشرقي لجبل نيحا، وكان سبق لهذا الأمير أن نزل إلى بيروت وكبس من فيها، وقتل متولِّيها الأمير عزّ الدين صدقة البحتري التنوخي وجماعة من رجاله لكن أمير حاج لم يجرؤ على مهاجمة صالح بن يحيى في صغبين، لأنه حضر إلى هضابها “جماعة كثيرة من الشوف لملاقاته حتى خاف مَن بِصغبين من اجتماع الناس حولها”10.

لم يُسمِّ صالح بن يحيى أيًّا من أفراد جماعة الشوف الذين أنجدوه، ولا أية قرية من قراه، لكننا نرجِّح أن يكونوا، من القرى الواقعة في بداية اللحف الغربي لجبل نيحا، أي قرى مرستي وجباع ونيحا، وقد يكون معهم أيضًا أفراد من قرى المعاصر وبعذران والخريبة وهذا يدل على نصرة الدروز لبعضهم وتعاضدهم المتبادل، وخصوصًا أن مَن ينصرونه آنذاك هو أمير تنوخي.

تاريخ ابن سباط
ابن سباط وتاريخه
ابن سباط هو أحد أبناء أسرة “سباط” واسمها هذا تصحيف للفظة “شباط”، وأصلها من بلدة عيحا في وادي التيم. وابن سباط هو حمزة ابن الفقيه أحمد بن سباط بن عمر بن صالح بن سلطان بن أبي المواهب. لا يُعرف تاريخ ولادته وإنما من المرجَّح أنه من مواليد أواسط القرن الخامس عشر الميلادي ولا يُعرف بالضبط تاريخ وفاته وإن كان البعض يجعله في سنة 1523م، بعد توقّفه عن الكتابة في سنة1520.
كان أحمد معلِّماً وإماماً في جامع عبيه، ومن تلاميذ الأمير السيد عبد الله التنوخي (ق). وقد عُرف بـــ “ابن سباط”، وبهذا عُرف أيضاً ابنه المؤرِّخ حمزة، كما عُرف حمزة أيضاً بالغربي نسبة إلى بلاد “الغرب” التي عاش فيها، وفي إحدى بلداتها عبيه. ولقّبه البعض بـ”العاليهي” نسبة إلى عاليه التي سكنها بعد سنة 1493، وكان سبق له أن أقام في عبيه وظل فيها حتى وفاة والدَيه سنة887هـ (1482م)، ولربما حتى وفاة آخر أخوته سنة 899هـ (1493م). انتقل إلى دمشق سنة 909ه(1503/1504م). ولا يُعرف مدى إقامته فيها.
عمل ابن سباط كاتباً عند الأمراء البحتريين التنوخيين، وكان موالياً لهم، وهذا ما جعله على صلة بهم، وعلى اطّلاع على ما كتبه المؤرِّخ صالح بن يحيى. مال إلى الأدب، ونظم الشعر لكنه لم يبرع فيه، وله في رثاء الأمير السيد (ق) ستّ مَراثٍ لتاثُّره بوفاته، كما له مَراثٍ في غيره من الأمراء التنوخيين وكان عنده ميل إلى الآثار وإلى الكتابة عن المواقع الجغرافية، فألَّف كتاباً اسمه “نزهة المشتاق في بعض جوانب المعمور من الآفاق”، فُقِد ولم يبق منه سوى بضع صفحات. أمَّا ميله الرئيس، فكان إلى التاريخ، وقد كتب فيه مؤلَّفَه الذي سمَّاه “صدق الأخبار” لكنه اشتهر باسمه “تاريخ ابن سباط”.
أول من اعتمد على تاريخ ابن سباط، وهو مخطوط، البطريرك اسطفان الدويهي (1630-1704) في كتابه “تاريخ الأزمنة”، فالأمير حيدر الشهابي، المتوفَّى سنة 1835، في كتابه “الغرر الحسان في تواريخ حوادث الزمان”، فالشيخ طنّوس الشدياق، المتوفَّى سنة 1861، في كتابه “أخبار الأعيان في جبل لبنان”. فُقِدت النسخة الأصلية من المخطوط وبقيت بضع نسخ منقولة عنه، هي نسخة الشيخ نادر بن نوفل الخازن المحفوظة في المكتبة الوطنية بباريس، ونسخة مصوّرة ونسخة أخرى خطّيّة في مكتبة الجامعة الأميركية ببيروت، ونسخة في دار الكتب الوطنية ببيروت، ونسختان في مكتبة الفاتيكان، ونسخة كتبها الشيخ ناصيف اليازجي موجودة في كلية اللاهوت للشرق الأدنى ببيروت.
ضاع المخطوط الأصلي، وما جرى نسخه هو جزء منه، وما فُقد يتعلَّق بتاريخ تنوخ ولخم، وتاريخ العهود التي سبقت العهدين: الزنكي والأيُّوبي، وهو الأبواب الستّة الأُولى وبعض الباب السابع، فيما بقي جزء من الباب السابع والأبواب الأربعة الأخرى التي تنتهي بالباب الحادي عشر، وهذا يعني أن ما فُقِد هو أكثر مما وُجد.
حقَّقت الدكتورة نائلة تقي الدين قائد بيه الباب العاشر والباب الحادي عشر، وصدر في سنة 1989 بعنوان “تاريخ الدروز في آخر عهد المماليك” على اعتبار أن ما حقَّقَته يتعلَّق بأواخر العهد المملوكي وبداية العهد العثماني، ثم حقَّق الدكتور عمر عبد السلام تدمري كل المخطوط، بعنوان “صدق الأخبار. تاريخ ابن سباط”، وصدر في جزءَين في سنة 1993.
اعتمد ابن سباط على مجموعة من المصادر الإسلامية، ذكرها وذكر مؤلِّفيها. ومن المرجَّح أن يكون معظمها موجوداً في مكتبته وفي مكتبات الأمراء البحتريين التنوخيين. ولرُبَّما اعتمد على المصادر الموجودة في مكتبات دمشق عند ذهابه إليها. لم ينقل حرفيّاً عن المصادر، باستثناء الضروري منها، مثل نقله عن صالح بن يحيى في كتابته عن البحتريين التنوخيين. ولم يتوسَّع إلا عند الضرورة وكان أسلوبه في الاجتزاء وعدم الإطالة بدافع الاقتصار على الفكرة والمغزى، وقد أوضح ذلك بقوله عند الاستشهاد بأحد المصادر ما يلي:
“اقتصرنا على ذكر شرحه خوف الإطالة لأنّ الغرض في هذا الكتاب الاختصار…وأن نذكر من كل شيء جزءاً يفهم اللبيب الحادق، والعلم بالبعض خير من الجهل بالكل”11.
وهو لم يذكر في تاريخه مراثِيه الستّ في الأمير السيد عبد الله (ق) خوف الإطالة بحسبما ذكر.

التاريخ العامّ
أرَّخ ابن سباط للأمم والخلفاء والسلاطين والملوك، وتكلَّم عن مجريات الأمور في دول العالم الإسلامي، وبين هذه الدُّول

المطران القلاعي كتب تاريخه زجلا ويعتبره الكثيرون بمثابة أحد رواد الزجل اللبناني
المطران القلاعي كتب تاريخه زجلا ويعتبره الكثيرون بمثابة أحد رواد الزجل اللبناني

والفرنجة. واعتمد أسلوب الحوليَّات، أي كتابة ما يجري في كل سنة هجرية، بادئاً بسنة 526هـ (1131/1132م)، وبذكر أول حوادثها، وهو الحرب بين السلطان مسعود وعمه السلطان سنجر، منتهياً بسنة 926هـ (1520م)، وذكر انقراض دولة المماليك. وبهذا تناول بعض ما جرى في فترة انتقال بلاد الشام من سلطة المماليك إلى سلطة العثمانيين، وقد بلغ مجموع سنوات المرحلة التي أرَّخ لها 388 سنة ميلادية، لكن حوليّاته لم تكن متعاقبة.
في حديثه عن مجريات التاريخ العام، يتناول ابن سباط ما جرى في المناطق المأهولة بالموحِّدين (الدروز) وما جرى مع الفئات المجاورة لهم. ففي حديثه، مثلاً، عن الحملات المملوكية الثلاث على كسروان بين سنتَي 1292و1305م، يذكر مشاركة الأمراء التنوخيِّين فيها، معتمداً على معرفته بتاريخ هؤلاء وعلى ما نقله عن صالح بن يحيى، لكنه لا يكتفي بما جاء عند صالح بن يحيى بل إنه يضيف إليه ما ورد عند المؤرِّخين عن هذه الحملات، وينفرد عن سائر المؤرِّخين فيذكر أن العسكر المملوكي أحرق 4 قرى في بلاد الجرد هي عين صوفر وشمليخ وعين زونيه (العزّونيّه) وبحطوش وغيرها من بلاد الجرد.
وفي حديثه عن فتح قلعة الشقيف يتوسَّع ابن سباط في ذلك، فيصف كيفية فتح الملك الظاهر بيبرس لها، ثم يصفها وصف شاهد عيان، إذ إنه كان يتنقل في ربوع الشوف، وقد وصل إلى هذه القلعة التي يميز بينها وبين قلعة شقيف أرنون في جنوب لبنان، فيسمِّيها قلعة شقيف تيرون “الواقعة في بلاد جزِّين” والمجاورة لقرية نيحا، ولها عين كانت جارية إليها من أعلى الجبل، وهو لم يذكر ذلك نقلاً عن الكتب وإنما بناءً على مشاهداته، التي تظهر ميله إلى الجغرافيا الموازي لميله إلى التاريخ. فالقلعة بيوت مبنيّة وسط صخر شاهق، لا يمكن الوصول إليها من فوق ولا التسلُّق إليها من تحت. ومما قاله فيها ما يلي:
“ولما ملكها الظاهر بيبرس بنى لها برجاً –كما ذكرنا- على الباب، والباب في الصخر ليس بالبرج. وركن البرج قريب الباب، وعلى البرج صورة سبعَيْن مُتقابِلَيْن زنك [شعار] الملك الظاهر وهي بين صيدا ودمشق. وتحت القلعة المذكورة مروج، وبها أثر عماير عظيمة وأقبية وأعمدة عظيمة جدًّا بين نهرَي جزِّين وصيدا، بمكان يقال له مرج بسراء”12.
والمقصود عند ابن سباط بمرج بسراء: مرج بسري، والمقصود بالعماير والأقبية فيه الهيكل الروماني الذي لم يبقَ ظاهراً منه إلى اليوم سوى أربعة أعمدة.
لا يخفي ابن سباط ميوله أحياناً، فقد أبدى، مثلاً تعاطفه مع ابن بشاره حاكم بلاد بشاره في الجنوب اللبناني، وذلك عند وصفه لتصدِّي هذا الحاكم لابن الحنش أمير البقاع، كما إنه تكلَّم عن الملك العادل نور الدين محمود زنكي في أربع صفحات. وامتدحه وذكر ما كتبه عنه المؤرِّخ شمس الدين الجزري القرشي في “تاريخ حوادث الزمان وأنبائه ووفَيات الأكابر والأعيان من أبنائه” وميله إلى الملك العادل مشابه لميل مؤلِّف كتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب” الذي أشرنا إليه، وهو لم يأت من صلاح هذا الملك فقط، بل أتى أيضاً من علاقته الحسنة مع الأمراء البحتريين التنوخيين، وإقراره لكرامة بن بحتر على إقطاعه وزيادته، وميل كرامة له بالمقابل، ووقوفه معه في صراعه ضد الفرنجة.

تاريخ التنوخيين
بدأ ابن سباط الحديث عن التنوخيين في معرض الحوادث التي جرت في سنة 542هـ (سنة 1147م)، مشيراً إلى أنه تكلَّم عنهم في الجزء الأول ذاكراً آل تنوخ ولخم وتحالفهما13، وقد وردت الإشارة إلى أن هذا الجزء فُقِد مع غيره من الأجزاء أو الفصول ولو لم يُفقد لكان ابن سباط أضاء على تاريخ التنوخيين غير اللبنانيين وعلاقتهم بالمناذرة اللخميين ملوك الحيرة، ولكان، في رأينا، أوضح العديد من الإشكاليّات التاريخية حولهما، لأنه أشار إلى تكلُّمه في الجزء المفقود عن جذيمة الأبرش ملك الحيرة14.
نقل ابن سباط ما كتبه صالح بن يحيى عن التنوخيين وأورد ذلك في 29 حاشية في معرض حديثه عن الحوادث وأُولِي الأمر، التي جرت في السنوات التي أرَّخ لها. وكان أوضحَ من صالح بن يحيى في تنسيب آل علم الدين – وهم من آل عبد الله- إلى التنوخيين، إذ قال إنهم صاروا مع التنوخيين واحداً بالزواج، أي بالتصاهر المتبادل في ما بينهم ولا حاجة لذكر ما كتبه ابن سباط عن التنوخيين لأننا تكلَّمنا عن ذلك في معرض الحديث عن صالح بن يحيى، وإنما لا بد من القول إن صالح بن يحيى لم يكتب عن الأمير السيد عبد الله التنوخي (ق) المعاصر له، لكن ابن سباط استفاض في الحديث عنه، فبلغ مجموع الصفحات التي تناوله فيها أكثر من 22 صفحة، أخذها عن كاتب سيرته، الشيخ سليمان بن حسين بن نصر. وقد تحدَّث عن نشأته ونسبه وصفاته، وانشغاله بالعلم، وحفظه للكتاب العزيز، واهتمامه بعمارة المساجد، وتشدّده في تطبيق مفاهيم المعتقد، وتعليمه للتلامذة المقبلين على الاستفادة منه، وأحكامه ونواهيه وامتثال الناس لها، وعنايته بأخبار الزّهّاد، ووفاته ومأتمه.
أرَّخ ابن سباط للأمراء البحتريِّين التنوخيين الذين عاشوا في زمنه، وتحديداً بعد سنة 1453 التي توقَّف فيها صالح بن يحيى عن الكتابة، وذكر وفَيات معظمهم، وهم: زين الدين عمر، وسيف الدين يحيى بن عثمان، وعلم الدين سليمان بن أحمد، وبدر الدين حسين، وسيف الدين زنكي بن صدقة بن عيسى، وسيف الدين عبد الخالق ووالده الأمير السيد عبد الله (ق) الذي سبق الحديث عنه، وصالح بن يحيى (المؤرِّخ) لكنه لم يذكر وفاته، وشرف الدين  والفرنجة. واعتمد أسلوب الحوليَّات، أي كتابة ما يجري في كل سنة هجرية، بادئاً بسنة 526هـ (1131/1132م)، وبذكر أول حوادثها، وهو الحرب بين السلطان مسعود وعمه السلطان سنجر، منتهياً بسنة 926هـ (1520م)، وذكر انقراض دولة المماليك. وبهذا تناول بعض ما جرى في فترة انتقال بلاد الشام من سلطة المماليك إلى سلطة العثمانيين، وقد بلغ مجموع سنوات المرحلة التي أرَّخ لها 388 سنة ميلادية، لكن حوليّاته لم تكن متعاقبة.
في حديثه عن مجريات التاريخ العام، يتناول ابن سباط ما جرى في المناطق المأهولة بالموحِّدين (الدروز) وما جرى مع الفئات المجاورة لهم. ففي حديثه، مثلاً، عن الحملات المملوكية الثلاث على كسروان بين سنتَي 1292و1305م، يذكر مشاركة الأمراء التنوخيِّين فيها، معتمداً على معرفته بتاريخ هؤلاء وعلى ما نقله عن صالح بن يحيى، لكنه لا يكتفي بما جاء عند صالح بن يحيى بل إنه يضيف إليه ما ورد عند المؤرِّخين عن هذه الحملات، وينفرد عن سائر المؤرِّخين فيذكر أن العسكر المملوكي أحرق 4 قرى في بلاد الجرد هي عين صوفر وشمليخ وعين زونيه (العزّونيّه) وبحطوش وغيرها من بلاد الجرد.
وفي حديثه عن فتح قلعة الشقيف يتوسَّع ابن سباط في ذلك، فيصف كيفية فتح الملك الظاهر بيبرس لها، ثم يصفها وصف شاهد عيان، إذ إنه كان يتنقل في ربوع الشوف، وقد وصل إلى هذه القلعة التي يميز بينها وبين قلعة شقيف أرنون في جنوب لبنان، فيسمِّيها قلعة شقيف تيرون “الواقعة في بلاد جزِّين” والمجاورة لقرية نيحا، ولها عين كانت جارية إليها من أعلى الجبل، وهو لم يذكر ذلك نقلاً عن الكتب وإنما بناءً على مشاهداته، التي تظهر ميله إلى الجغرافيا الموازي لميله إلى التاريخ. فالقلعة بيوت مبنيّة وسط صخر شاهق، لا يمكن الوصول إليها من فوق ولا التسلُّق إليها من تحت. ومما قاله فيها ما يلي:
“ولما ملكها الظاهر بيبرس بنى لها برجاً –كما ذكرنا- على الباب، والباب في الصخر ليس بالبرج. وركن البرج قريب الباب، وعلى البرج صورة سبعَيْن مُتقابِلَيْن زنك [شعار] الملك الظاهر وهي بين صيدا ودمشق. وتحت القلعة المذكورة مروج، وبها أثر عماير عظيمة وأقبية وأعمدة عظيمة جدًّا بين نهرَي جزِّين وصيدا، بمكان يقال له مرج بسراء”12.
والمقصود عند ابن سباط بمرج بسراء: مرج بسري، والمقصود بالعماير والأقبية فيه الهيكل الروماني الذي لم يبقَ ظاهراً منه إلى اليوم سوى أربعة أعمدة.
لا يخفي ابن سباط ميوله أحياناً، فقد أبدى، مثلاً تعاطفه مع ابن بشاره حاكم بلاد بشاره في الجنوب اللبناني، وذلك عند وصفه لتصدِّي هذا الحاكم لابن الحنش أمير البقاع، كما إنه تكلَّم عن الملك العادل نور الدين محمود زنكي في أربع صفحات. وامتدحه وذكر ما كتبه عنه المؤرِّخ شمس الدين الجزري القرشي في “تاريخ حوادث الزمان وأنبائه ووفَيات الأكابر والأعيان من أبنائه” وميله إلى الملك العادل مشابه لميل مؤلِّف كتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب” الذي أشرنا إليه، وهو لم يأت من صلاح هذا الملك فقط، بل أتى أيضاً من علاقته الحسنة مع الأمراء البحتريين التنوخيين، وإقراره لكرامة بن بحتر على إقطاعه وزيادته، وميل كرامة له بالمقابل، ووقوفه معه في صراعه ضد الفرنجة.

تاريخ التنوخيين
بدأ ابن سباط الحديث عن التنوخيين في معرض الحوادث التي جرت في سنة 542هـ (سنة 1147م)، مشيراً إلى أنه تكلَّم عنهم في الجزء الأول ذاكراً آل تنوخ ولخم وتحالفهما13، وقد وردت الإشارة إلى أن هذا الجزء فُقِد مع غيره من الأجزاء أو الفصول ولو لم يُفقد لكان ابن سباط أضاء على تاريخ التنوخيين غير اللبنانيين وعلاقتهم بالمناذرة اللخميين ملوك الحيرة، ولكان، في رأينا، أوضح العديد من الإشكاليّات التاريخية حولهما، لأنه أشار إلى تكلُّمه في الجزء المفقود عن جذيمة الأبرش ملك الحيرة14.
نقل ابن سباط ما كتبه صالح بن يحيى عن التنوخيين وأورد ذلك في 29 حاشية في معرض حديثه عن الحوادث وأُولِي الأمر، التي جرت في السنوات التي أرَّخ لها. وكان أوضحَ من صالح بن يحيى في تنسيب آل علم الدين – وهم من آل عبد الله- إلى التنوخيين، إذ قال إنهم صاروا مع التنوخيين واحداً بالزواج، أي بالتصاهر المتبادل في ما بينهم ولا حاجة لذكر ما كتبه ابن سباط عن التنوخيين لأننا تكلَّمنا عن ذلك في معرض الحديث عن صالح بن يحيى، وإنما لا بد من القول إن صالح بن يحيى لم يكتب عن الأمير السيد عبد الله التنوخي (ق) المعاصر له، لكن ابن سباط استفاض في الحديث عنه، فبلغ مجموع الصفحات التي تناوله فيها أكثر من 22 صفحة، أخذها عن كاتب سيرته، الشيخ سليمان بن حسين بن نصر. وقد تحدَّث عن نشأته ونسبه وصفاته، وانشغاله بالعلم، وحفظه للكتاب العزيز، واهتمامه بعمارة المساجد، وتشدّده في تطبيق مفاهيم المعتقد، وتعليمه للتلامذة المقبلين على الاستفادة منه، وأحكامه ونواهيه وامتثال الناس لها، وعنايته بأخبار الزّهّاد، ووفاته ومأتمه.
أرَّخ ابن سباط للأمراء البحتريِّين التنوخيين الذين عاشوا في زمنه، وتحديداً بعد سنة 1453 التي توقَّف فيها صالح بن يحيى عن الكتابة، وذكر وفَيات معظمهم، وهم: زين الدين عمر، وسيف الدين يحيى بن عثمان، وعلم الدين سليمان بن أحمد، وبدر الدين حسين، وسيف الدين زنكي بن صدقة بن عيسى، وسيف الدين عبد الخالق ووالده الأمير السيد عبد الله (ق) الذي سبق الحديث عنه، وصالح بن يحيى (المؤرِّخ) لكنه لم يذكر وفاته، وشرف الدين تاريخ أواخر العهد المملوكي
وبداية العهد العثماني
تناول ابن سباط هذه المرحلة وتكلَّم عن سلاطين المماليك بدءاً بـ”الملك الظاهر جقمق” وانتهاء بـ”الملك طومان باي” الذي هو التاسع والأربعون من سلاطين المماليك بالديار المصرية. وتكلَّم عن السلطان سليم العثماني الذي انتصر على السلطان قانصوه الغوري المملوكي في معركة مرج دابق سنة 1516، وملك الديار الشاميّة والديار المصرية، كما تكلَّم عن خير بك أمير الديار المصرية وجان بردي الغزالي أمير الديار الشاميّة، وما قاما به في هذه المرحلة الانتقالية.
وتوسَّع ابن سباط، خلال تناوله هذه المرحلة، في الحديث عن الأمير شرف الدين يحيى ابن الأمير سيف الدين أبو بكر التنوخي، فذكر إقدامه أمام “الملك الأشرف قانصوه الغوري” بقلعة الجبل بمصر، وحضوره على “الملك المظفَّر سليم شاه”، كما ذكر ما يُستشفّ منه استمرار موالاة التنوخيين للمماليك، وذلك حين قبض جان بردي الغزالي على الأمير المذكور بعد إخماده “عصيان الأمير ناصر الدين محمد بن الحنش صاحب صيدا والبقاعين على الملك المظفّر سليم شاه”، وقبض أيضاً على الأمير زين الدين والأمير قرقماس والأمير علم الدين سليمان أولاد معن ووضعهم في السجن، ثم أطلق سراحهم بعد مقتل الأمير ناصر الدين بن الحنش. وذكر ابن سباط أيضاً تقرب الأمير شرف الدين يحيى التنوخي، بعد إطلاق سراحه، من جان بردي الغزالي الذي كتب له المناشير على جهات إقطاعه السابقة، كما ذكر سوء الأوضاع الاقتصادية الحاصلة في البلاد عموماً وفي مناطق التنوخيين تحديداً، جرَّاء الفتن والحوادث المذكورة.
وأرَّخ ابن سباط لبعض أعيان الموحِّدين (الدروز) من غير التنوخيين، وذكر بعض الظاهرات البشرية الغريبة، والفتن، والغلاء، والسيول والفيضانات في بلاد الشام. وقد ساعده على ذلك كتابته بأسلوب الحوليات. وأبرز ما ذكره الفناء العظيم الذي حصل في سنة 897هـ (سنة 1487/1488م) والوباء في بيروت سنة 904هـ (سنة 1498م)، وعمارة جسر الدامور سنة 863هـ (سنة 1459م) وحصول الفيضانات والسيول في بلاد الشام سنة 909هـ (سنة 1503م) وفيضان نهري الصفا والكلب في هذه السنة، والفتنة بين أهل صحنايا والأشرفية وبين أهل داريّا، والفتنة في قرية بتاتر.
وأبرز ما ذكره ابن سباط عن الأعيان ووفَيَاتهم هو مقتل علم الدين الصوَّاف ووفاة ابنه، ووفاة شيخ المختارة وقاضيها، ووفاة شيخ جديدة الشوف وابنه، والقبض على الأمير فخر الدين عثمان المعني وموته، ووفاة شيخين من كفرا (الغرب)، ووفاة الأمير يونس المعني.

الدكتور كمال الصليبي ساهم مع فريق مؤرخين بإصدار نسخة عن تاريخ بيروت بتاريخ 1967 صححت العديد من الأخطاء التي تضمنها كتاب الأب
الدكتور كمال الصليبي ساهم مع فريق مؤرخين بإصدار نسخة عن تاريخ بيروت بتاريخ 1967 صححت العديد من الأخطاء التي تضمنها كتاب الأب

زجليَّات ابن القلاعي
ابن القلاعي وبيئته
إن ابن القلاعي هو جبرائيل بن بطرس اللحفدي الماروني. وُلد في قرية لحفد من بلاد جبيل في حدود سنة 1447م، ولُقِّب بابن القلاعي لأنه كان لوالديه بيت مبنيّ بين القلاع في مزرعة من أرض لحفد اسمها “غوريا”. انضمَّ سنة 1470 إلى الرهبان الفرنسيسكان العاملين في الشرق (بيروت والقدس) باسم “أخويَّة الأرض المقدسة”، وكان أحد ثلاثة شبّان أُرسلوا سنة 1471 من القدس إلى مدرسة الرهبان الفرنسيسكان في روما للتعلُّم فيها، وعاش، بعد تلقِّيهِ العلوم، في الأديرة التابعة لهم، وعاد إلى لبنان سنة 1492 حيث عمل لمدة في خدمة البطريرك الماروني كمستشار له، ثم عُيِّن أسقفاً (مطراناً) في نيقوسيا على أبرشية قبرص المارونية، وظل هناك إلى أن توفِّي سنة 1516. وكان بعض الموارنة قد لجأوا إلى جزيرة قبرص القريبة من لبنان “مفضِّلين اللحاق بالفرنجة المنهزمين، رابطين مصيرهم بهم”15وتكاثروا فيها، وبنَوا القرى والأديرة.
عاش ابن القلاعي في زمن أولَتْ فيه البابويّة اهتماماً بالموارنة، بعد عقدها مجمع فلورنسا سنة 1438م، وإخفاقها في تقريب الكنيسة البيزنطية إليها، إذ أعطى البابا تعليمات خاصة لرعاية الكنيسة المارونية، وصار غريفون أحد رهبان “أخوية الأرض المقدسة” مستشاراً مقيماً لدى البطريرك الماروني من سنة 1450 إلى سنة 1475، وهو الذي أرسل ابن القلاعي والشابَّين المارونيَّين الآخرَين إلى روما.
بلغ اهتمام البابويّة بالموارنة حدَّا كبيراً ففي سنة 1456 تلقَّى البطريرك الماروني بياناً من البابا يخاطبه فيه – ولأول مرة في تاريخ البطريركية المارونية- بلقب “بطريرك أنطاكية” وهو لقب كان محصوراً برؤساء الكنيسة الملكية في أنطاكية. وفي سنة 1510 استهلّ البابا ليون العاشر كلامه للبطريرك الماروني بطرس الحدثي بشكر العناية الإلهية لأنها شاءت أن تستمرّ في رعاية الشعب الماروني في أحلك الظروف “وهو المزروع بين أهل الكفر والانشقاق والبدع كما في حقل من الأخطاء” فتحفظه متألِّقاً في بيئته “كالسوسنة بين الشوك”16، فكان هذا اعترافاً من البابويّة بشرعيّة البطريرك الماروني كبطريرك على كرسي أنطاكية وسائر المشرق، كما كان تكريساً جديداً لالتحاق هذه البطريركية بالكرسي البابوي، على أساس الإيمان بالطبيعتين والمشيئتين للسيد المسيح.
إن توجُّه البابويّة نحو الموارنة وسعيها لاحتضانهم، قابلهما الموارنة بتوطيد علاقتهم بها، وبمزيد من التأكيد على تبعيتهم لها. وكان من الطبيعي أن يتأثر ابن القلاعي المرسل للتعلُّم في روما بهذه الأجواء، فيؤكد في أدبيّاته (زجليّاته) على قِدَم علاقة الموارنة بالكرسي البابوي في روما، وعلى أن الموارنة ليسوا من أصحاب الطبيعة الواحدة للمسيح، وهم بخلاف ما اتَّهَمهم به أساتذته وزملاؤه، ليسوا من أصحاب المشيئة الواحدة. وقد أظهر تميُّز الموارنة عن سائر مسيحيِّي الشرق وخصوصيّتهم، كما إنه أظهرهُم في أدبياته التاريخية وكأنهم شعب الله المختار الذي يدافع عن عقيدته إزاء العقائد المسيحية المخالفة لها، وخصوصاً إزاء أفكار “الهرطقة اليعقوبية” القائلة بالطبيعة الواحدة، ويدافع أيضاً عن بلاده (جبل لبنان) ضد هجمات المسلمين.

كتاب-تاريخ-بيوت-كما-حققه-الأب-لويس-شيخو-اليسوعي-وقد-نشر-في-العام
كتاب-تاريخ-بيوت-كما-حققه-الأب-لويس-شيخو-اليسوعي-وقد-نشر-في-العام

زجليَّات ابن القلاعي التاريخية
تُعتبر زجليّات ابن القلاعي أُولى الزجليّات اللبنانية التي وصلت إلينا، وقد نظمها في مواضيع مختلفة، هي التاريخ والدين والعلوم والقصص وغير ذلك، وبلغ عدد المصنَّفات التي تركها 26 مصنَّفاً17، إلا أن ما يعنينا هنا هو الزجليَّات التاريخية المعروفة بأسماء عدة، أشهرها “مديحة على جبل لبنان”. أما الأسماء الأخرى، فهي حروب المقدّمين- مديحة كسروان- مؤلّف من كتاب التواريخ– على النصارى.
بلغ عدد نُسَخ مخطوطة “مديحة على جبل لبنان” ستّة، هي البورجاني العربي- الفاتيكاني السرياني- مخطوطة المكتبة الشرقية- مخطوطة دير مار ضومط (فيطرون)- مخطوطة البطريركية المارونية في بكركي- مخطوطة دير الكريم (غوسطا). وأول من نشر هذه المخطوطة هو المؤرِّخ بولس قرألي، وكان ذلك في المجلة البطريركية، ثم شرحها المؤرِّخ كمال سليمان الصليبي، ونشرها مؤخراً كاملةً بطرس الجميل.
إن “مديحة على جبل لبنان” منظومة كسائر زجليَّات ابن القلاعي بالشِّعر العامِّي، على وزن القرّادي”، عدد أبياتها الشعرية 590 بيتاً، وعدد رباعيّاتها 295 رباعيّة ليست فيها عناوين، ولا تسلسل واضح. بعض أبياتها، كما سائر الأبيات العامّيَّة، يتضمّن المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة، وقد اضطرّ ابن القلاعي من أجل توضيح مقاصده، استعمال عبارة “جبل لبنان” 16 مرَّة لذا لا يمكن شرحها، ولا يمكن الحديث عن كل المواضيع التي تتناولها، وعن جميع أمراء الموارنة (المقدّمين)، ومعاصريهم من الملوك والسلاطين، في مرحلة زمنية تمتد ستة قرون، وتتضمّن أحداثاً كثيرة، وإنما يمكن التحدّث عن أبرز المضامين والمحطّات والأفكار، وعن قصد ابن القلاعي منها وخلفيّته، مع الإشارة قبل الحديث عن ذلك إلى أنها أولى المحاولات لكتابة تاريخ الموارنة، تلَتْها بعد ما يقارب القرن ونصف القرن كتابة البطريرك اسطفان الدويهي لهذا التاريخ.

تاريخ الموارنة في جبل لبنان
بدأ ابن القلاعي زجليَّاته التاريخية في سنة 1494، وقال إنها كتبت عن ستمائة عام من تاريخ الموارنة في جبل لبنان، وبهذا يعيد وجودهم إلى حدود سنة 900م فيما هو في الحقيقة قبل ذلك، أي في النصف الثاني من القرن السابع الميلادي. ويذكر ابن القلاعي أن سبب قدوم الموارنة إلى جبل لبنان هو تهجير المسلمين لهم من وادي العاصي، فيما الحقيقة أنهم انتقلوا منه على دفعتين، أولاهما في سنة 669م بسبب نزاعهم مع اليعاقبة وتغلُّب هؤلاء عليهم، وثانيتهما في سنة 685م جرَّاء اضطهاد الروم البيزنطيين لهم، كما وردت الإشارة إلى ذلك.
لم يستعمل ابن القلاعي لفظة “المردة” بل استعمل لفظة “الموارنة”، والموارنة عنده هم أتباع القديس مارون، وهم شعب الله، وجبل لبنان الذي أقاموا فيه هو “جبل الله” لأن الله “كان ساكناً معهم يحمي القرايا والمواطن”، وقد سكنوا في المنطقة الممتدة من الدريب (عكَّار) إلى بلاد الشوف، وكانت حدودها الجنوبية تصل إلى بيروت العتيقة (بيت مري) وإلى زرعون وترشيش، وتُجاور تبعاً لذلك المنطقة المسكونة بالموحِّدين (الدروز)، وكان عندهم العديد من القواعد، وعليهم البطريرك، والمطارنة الذين يبلغ عددهم 40 مطراناً، وعليهم – بحسب أقوال ابن القلاعي- “أمراء وحكَّام وملوك” وهم الذين عُرفوا بـ”المقدّمين” وقد لُقِّبت منطقة كسروان باسم أحدهم كسرى.
اتَّخذ الموارنة من جبل لبنان، في نظر ابن القلاعي موطناً خالصاً لهم، وملاذاً للمؤمنين بعقيدتهم، وعاشوا عصرهم الذهبي فيه يوم كان خالياً من المسلم والهرطقي، ومن اليهودي الذي إذا وُجد تكشف الغربان قبره بحسب تعبيره الذي يقول:
وهــرطيــــــــــــــــــــقي ليـــــــس يـــــــوجـــــــد فيـــــــه ولا مســـــــلم كـــــــــــــــان يـــــــــــوجـــــــد فيه
يهـــــــــــــــــــــــــــودي إن كــــــــان يوجــــــــــــــــــد فيـــــــه قبـــــــــــــــــــــــره تكشــــــــــــــــــــــــفه الغــــــربــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان18

أمَّا جيران الموارنة: (الدروز)، فبعضهم كتبة حروز، أي كتبة التعاويذ والطلسمانات، كما يصف ابن القلاعي أحدهم المسمَّى “جوكان الدرزي”:
ابــــــــــــــــن جوكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان الــــــــدرزي كــــــــــــــــــــــــاتب ســــــــــــــــاحر الحــــــــــــــــــــــــــــــــــــرزي19
ويذكر ابن القلاعي أن الموارنة استطاعوا بسيف الإيمان أن يحموا حدود جبل لبنان من المسلمين وأن يرموا الخوف والوسواس في نفوس الدروز، وقد أقاموا للدفاع عن بلادهم قلعة في أنطلياس سمَّوها “القلعة الحجرية”، وقلعة أخرى في بحرصاف التي جعلوها كرسياً للمطران، وهي واقعة بالقرب من بكفيا، وقلعة ثالثة عند نهر الكلب. ومن الأماكن التي أقاموا فيها يُسمِّي ابن القلاعي ما يقارب الخمسين قرية ومكاناً، هي اليوم مسكونةٌ بهم، بعد أن تركوا بعضها على أثر الحملات المملوكيّة على كسروان، ثم عادوا إليها، كما إن معظمها يشتمل على أديرة كبيرة.
إن اسم جبل لبنان قديم جدًّا يعود إلى أربعة آلاف سنة، ويشمل المنطقة الجبلية الممتدة من النهر الكبير شمالاً إلى نهر الليطاني جنوبًا وهو قسمان رئيسان: جبل لبنان الشمالي حيث نزل الموارنة، وجبل لبنان الجنوبي حيث نزل الموحِّدون (الدروز) وأعطَوه لتكاثرهم فيه اسمهم (جبل الدروز)، لكن جبل لبنان، بحسب ما يُستنتج من زجليَّات ابن القلاعي، يمتدّ من جهات بشرِّي شمالاً إلى نهر الجعماني (نهر بيروت) جنوبًا. وقد جانب بعض المؤرِّخين الحقيقة حين قالوا إن اسم “جبل لبنان” أُطلق على جهات بشرِّي والبترون وجبيل حيث أقام الموارنة بعد تركهم لكسروان، وإن هؤلاء حملوا معهم هذا الاسم إلى جبل لبنان الجنوبي بعد انتقالهم إليه في القرن السابع عشر.
إن تاريخ الموارنة في جبل لبنان حافل عند ابن القلاعي بالصراعات بين الموارنة والمسلمين، وبصراعات الموارنة الداخلية بين المتبعين منهم للإيمان الحقيقي، والمتأثِّرين بالأفكار الهرطقية، وكثيرًا ما تتقاطع الصراعات الأولى مع الثانية وحوادث هذا التاريخ ونتائجها مرتبطة بالإيمان وبعدمه.

حروب الموارنة
من الأسماء العديدة التي أُعطيَت لزجليَّات ابن القلاعي التاريخية اسم “حروب المقدّمين” لأن قادة الموارنة الزمنيِّين عُرفوا بـ”المقدّمين”، وقد وردت لفظة “المقدَّم” عند ابن القلاعي كلقب للحاكم الذي كان يقود جماعته في الحروب مع المسلمين ومع الدروز، إذ كان على كل قرية أو أكثر مقدّم، وقد استطاع معظم هؤلاء المقدّمين أن يحموا بلادهم – بحسب ما يذكر- من هذين الفريقين.
صاغ ابن القلاعي زجليَّاته بأسلوب ملحمي، وبعاطفة جيَّاشة آلَت به إلى المبالغة أحيانًا، كسائر شعراء الزَّجَل الذين تضجّ قصائدهم بقرقعة السيوف، وصهيل الخيول، ونخوة المقاتلين، لذا يصعب تلمُّس بعض الحقائق التاريخية من التعابير الإنشائيّة والوجدانيّة التي تحفل بها زجليّاته، والتي يصف بها الحروب.
من حروب الموارنة هجوم أمير منهم على البقاع، لا يذكر ابن القلاعي اسمه ولا تاريخ هجومه، لأنه لا يذكر أيًّا من تواريخ الحوادث، لكن اسمه عند المؤرِّخ البطريرك اسطفان الدويهي هو يوحنا20، وعند المؤرِّخ حيدر الشهابي هو الياس21. وقد دُفن في المكان الذي قُتل فيه، وأصبح اسم هذا المكان قبر الياس، أي قب الياس حاليًّا. أما تاريخ هجومه فهو في حدود سنة 752م. وقد تابع ابن أخته الأمير سمعان الحرب ضد المسلمين ثلاث سنين وانتصر عليهم وهاجم بعض أمراء الموارنة بعلبك من جهات بشرِّي والبترون وجبيل، وهاجم بعضهم الآخر وسط البقاع من جهات كسروان.
ومن حروب الموارنة اجتماع أمرائهم على دقّ النواقيس، بعد سقوط طرابلس وجبيل بِيَد المماليك، وكان اجتماعهم في المدفون وفيدار ولحفد، وهاجموا بثلاثين ألف رجل أعداءهم، واقتسم الأمراء (المقدّمون) الغنائم تحت نظر البطريرك، وأخذ كلٌّ منهم حقّه ما عدا مقدَّم بشري الساقط في الضلال والذي كان سبب هزيمة سابقة للموارنة. ومن مواقع الموارنة ما جرى لهم في كسروان إذ إن الله غضب عليهم بسبب سقوط راهبَين مارونيَّين في البدع والضلال، أحدهما من يانوح والآخَر من دير نبوح، فسمع بذلك الملك برقوق (سلطان المماليك) وأرسل عساكره إلى كسروان فأحرقته وخربته. وهذه الحوادث معروفة في التاريخ باسم الحملات المملوكية على كسروان التي استهدفت معاقبة الكسروانيِّين على مساعدتهم للفرنجة، وما كان الكسروانيون موارنة فقط، بل مجموعة من الأقليات أكثريّتها من الشيعة آنذاك، الذين لجأوا إلى مناطق أخوانهم وخصوصًا منطقتَي بعلبك وجزِّين22.
وما ورد ذكره في السِّجلّ الأرسلاني من مواقع بين الأرسلانيِّين والمردة، يرد مضمونه أيضًا عند ابن القلاعي بقوله إن الموارنة زرعوا الخوف في نفوس الدروز، وإنهم بنَوا للدفاع عن بلادهم ضدّ هجمات هؤلاء قلاعًا وردت الإشارة إليها.
وكما كانت هناك محطَّات من العداء والحروب بين أهل جبل لبنان، أي الموارنة، وبين الحكم الإسلامي الممثَّل أحيانًا بما سمَّاه ابن القلاعي “حكم حمدان، وحكم أحمد”، كانت هناك محطة من السلام أَرسَلَت فيها العناية الإلهية مقدَّمًا لبشري مطيعًا للبطريرك، وحاكمًا مسلمًا هو السلطان قلاوون الذي استضافه في فترة خلعه عن السلطنة، راهب ماروني في وادي قاديشا، فكافأ السلطان الموارنة بعد استعادته عرشه، بتقديم المال لهم لبناء أديرة الوادي.

رسالة إلى الموارنة
رأى ابن القلاعي أن الموارنة عاشوا في عزٍّ وطمأنينة وسلام وقوة، أيام اتِّحاد البطريرك مع الحاكم، وأيام كان البطريرك صاحب سطوة، والحاكم صاحب نخوة، وهما مثل الأخوة، وأيام الثبات على صخرة الإيمان وخُلوِّ مناطقهم من أي معتنق لمذهب مخالف لمذهبهم. ومن الأمراء الذين احترموا البطريرك وحافظوا على الإيمان وحقَّقوا الانتصارات، وثبّتوا الوجود: سمعان الذي وردت الإشارة إليه والذي تثبت على الخارجة أي على كسروان ببركة البطريرك ومساعدة ملك جبيل الذي لم يسمِّهِ ابن القلاعي، والأمير كسرى الذي كان صديقًا لملك جبيل وكريمًا في عين ملك الروم في القسطنطينية، والأمير نقولا الذي تتجسَّد فيه صورة البطل المدافع عن الحق والإيمان.
وبالمقابل، رأى ابن القلاعي أن ما حلَّ بالموارنة من نكبات يعود إلى عصيانهم أوامر الله، وعدم طاعة أمرائهم (مقدَّميهم) له، وظلمهم، ويعود أيضًا إلى السماح للهراطقة بالتواجد بينهم. وعلى سبيل المثال إن الأمير الذي هاجم البقاع خسر المعركة وقُتل لأنه عصى أوامر الله فشرب وسكر وشهد رقصًا خالعًا، وإن كسروان نُكبت بسبب الراهبَين اللذَين سقطا في الضلال والبدع، وإن المسلمين استفادوا من انشقاقات الموارنة فكرّروا الهجوم على لبنان وإن الموارنة ضعفوا لأخذ بعضهم بالبدع، ومنهم البطريرك لوقا البنهراني الذي نافس إرميا الدملصاوي، وقد ذهب الأخير إلى روما، وقدّم خضوعه للبابا فنصَّبه بطريركًا على جبل لبنان، وبعد عودته انضوى الجميع بإمرته تحت راية الإيمان الحقيقي، كما رأى ابن القلاعي أن طرابلس وجبيل سقطتا بيد المسلمين لأن الأمير سالم لم يكن تقيًّا وعادلاً، ولأن الله غضب على الشعب، وأن الشيطان يعود من حين إلى آخر فيوسوس في نفوس الموارنة فيتبع بعضهم الضلالة وينقسمون على أنفسهم، وقد حصل مثل ذلك حين اتّهم الضَّالُّون البطريرك جبرائيل بأبشع التهم، فاقتيد سنة 1367 إلى طرابلس بأمر من نائبها المملوكي، وأُحرق بالنار مظلومًا عند جامع طينال، وهو الملقب بجبرائيل الحجولاوي نسبة إلى حجولا من بلاد جبيل.
إن الرسالة المهمَّة للموارنة هي تلك التي قصد ابن القلاعي توجيهها إلى أهل بشري الذين جرى النزاع بينهم وبين أهل الضنّيّة المجاورين. وعن هذا الموضوع يذكر البطريرك اسطفان الدويهي أن الضّنية كانت منذ الفتح الإسلامي بِيَد السُّنّة، وأن هؤلاء خرَّبوا أديرتها وكنائسها وطردوا منها النصارى، وراموا فعل ذلك مع نصارى جبة بشري فهاجموها. وحين استنجد هؤلاء بمقدَّمهم خذلهم، فما كان منهم إلاَّ أن اتَّحدوا وأقسموا على الصمود وانقسموا إلى أربع فرق، ونجحوا في صدّ هجوم أهل الضنية23.
انطلق ابن القلاعي من هذا ليوجِّه رسالة إلى مقدَّم بشري في زمنة عبد المنعم أيوب، الذي كان أبرز مثل عن الحكَّام الظالمين، وأشدّهم شرًّا، وأبرزهم في حماية الضَّالِّين والهراطقة اليعقوبيِّين، وليحذِّره من أنه إذا لم يسلك الطريق القويم، ويتخلَّص من اليعاقبة الذين يبلبلون أفكار الموارنة، فإن الأمير أحمد كامنٌ له ولبشري بالمرصاد، منتظراً الفرصة للانقضاض على بشري وتدميرها، وهذا الأمير المسمَّى بأحمد ليس سوى شخصية وهميَّة القصدُ منها العدوُّ المتربِّض شرًّا ببشرِّي وأهلها. وقد كرَّر ابن القلاعي مناشدته لبشرّي أن تستفيق، وأن تتخلَّص نهائيًّا من اليعاقبة، وأن تبني من جديد على صخرة الإيمان الصلبة.
كتب ابن القلاعي زجليَّاته تلك بالدُّموع حسبما جاء في آخر أبياتها، ورمى منها عبر المشاهد التي رسمها عن ستمائة عام من تاريخ الموارنة في جبل لبنان، إبلاغ رسالة دينية سياسية إلى الموارنة بضرورة بقائهم مجتمعًا مغلقًا بوجه المذاهب والبدع الدينية وبوجه المسلمين، وبضرورة الثبات على الإيمان، والابتعاد عن البدع، وطاعة الحاكم للبطريرك وتعاونهما، وتوجَّه البطريرك نحو الكرسي الرسولي في روما لتقديم الخضوع، وطلب التثبيت، وحلّ خطايا رعيته.
إن زجليَّات ابن القلاعي تعبير واضح عن وجدان الموارنة التاريخي وخصوصيّتهم، وتباهيهم بانتصاراتهم وصمودهم في جبل لبنان، وهي ليست تاريخًا بالمعنى المعروف بل هي، بحسب ما جاء عند محقِّقها بطرس الجميِّل: “قصة شعب من زاوية دينية محضة، وهي أشبه بقصة الكتاب المقدّس منها بتاريخ مستند إلى البراهين والإحصاءات، غايته: كتابة تاريخ شعب الله (الموارنة بنظره) في ضوء الأحداث التاريخية”24.

الخلاصة
بعد الحديث عن المصادر الخمسة التي تؤرِّخ للموحِّدين (الدروز) والموارنة يمكن القول إن السِّجلَّ الأرسلاني، وكتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب”، وتاريخ بيروت لصالح بن يحيى، وتاريخ ابن سباط، هي سجلٌّ درزي، وإن زجليَّات ابن القلاعي هي سجلٌّ ماروني، وإن كلاًّ من السِّجلَّيْن يفيد عن منحى فكري، ومنطلق تاريخي، وموقع سياسي مختلف عن الآخر. فالمؤلَّفات الأربعة الأولى تندرج في إطار التاريخ العربي والإسلامي، ذلك أن الموحِّدين (الدروز) هم في المعتقد أحد المذاهب المتفرِّعة من الإسلام، وهم في الواقع السياسي والمسيرة التاريخية من أبرز الجماعات التي جاهدت تحت لواء الإسلام، وأسَّسَت إماراتها في ظلّ الدول الإسلامية الحاكمة، فجاءت الكتابات عنهم ترجمة لمبادئهم ومفاهيمهم، وتصويرًا لسلوكهم.
أما المؤلَّف الخامس، أي زجليَّات ابن القلاعي، فهو يندرج في إطار التاريخ الخاص، المكتوب بخلفية فئوية ومناطقية، لأنه يتكلم عن الموارنة كجماعة دينية لهم معتقد مختلف عن معتقدات سائر المسيحيين المساكنين لهم، يحرصون على صونه بتحصينه إزاء هذه المعتقدات، وبالتبعيّة إلى الكرسي البابوي في روما، كما لهم وطن مقدّس خاصّ بهم هو جبل لبنان الشمالي، يدافعون عنه، ويعملون على صونه من غزوات المسلمين باتحاد القيادة الدينية مع القيادة السياسية، وبالثبات على الإيمان، وبالتعاون أحيانًا مع الروم البيزنطيين أعداء المسلمين.

المِسبحَة في التاريخ

صنعها كهنة الصين والهندوس منذ آلاف السنين لكن المسلمين نقلوها وكرّموها ونظموا فيها القصائد

أكثر من عمّم استخدامها العابدون والصوفيون لحاجتهم لضبط التسابيح والأوراد بأعداد معينة

المسبحة بالنسبة الى كثيرين قنية فريدة وزينة وأداة تفاخر وكثير منها يباع بأسعار خيالية

البداية
منتصف أيار 1999، أقلعت بنا الطائرة من مطار بيروت: بيروت – أثينا – نيويورك، في مطار أثينا أمضينا ما يقارب الثلاث ساعات، خلال هذا الوقت وأثناء تجوالي داخل المطار اتجهت نحو “ السُّوق الحرّة “ هناك وقع نظري على كتاب، على غلافه صورة “المسبحة” فاشتريته، وفي أعماق نفسي ارتفعت صرخة أرخميدس”: “وجدتها”.1
أمعنت النظر في اللون، شكل الأحجار، الخيط، الشرّابة… الخ !
“ الصورة نص والنص صورة”.
طوال الرحلة من أثينا الى نيويورك وأنا مستغرق في قراءة هذا الكتاب، وكانت تمرّ لحظات، وكأن الكلمات أصبحت كحبّات السبحة فتذكرت هذا البيت من الشعر لمحمد الصهناجي البوصيري في همزية:
وإذا حـــــــــــلّت الهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــداية قلبــــــــــاً نشــــــــــطت للعبــــــــــادة الأعضـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاء
هل كان صدفة نزولي في مطار أثينا لأول مرّة في حياتي؟ هل كان صدفة أن يقع نظري على كتاب المسبحة؟ وهل كان صدفة أن يوقظ محتوى هذا الكتاب في قلبي ونفسي سلسلة من الأسئلة، وباقة من الذكريات؟
في اليوم التالي بعد الظهر وأثناء المشاركة في هذا المؤتمر – قسم الشرق الأوسط، وقبل أن أبدأ بمداخلتي المتواضعة تذكرت النفري في مقولته “الإنسان معنى الكون”.
فقلت باختصار شديد: “غاية الإنسان في هذا الكون أن يعطي لوجوده المعنى، والمعنى من وجود “هيئة الأمم” أيها السادة أشبه بالسُّبحَة Rosary حبّاتها الدول الأعضاء وخيطها ميثاقها وهذا الخيط الذي يجمعها هو رسالتها ودستورها والذي يتضمن معنى “جنين الحدس الأخلاقي الرفيع”، فعلا التصفيق في القاعة بشكل لافت.
مرت ثمانية عشر عاماً على تلك السفرة احتفظت خلالها بهذا المخطوط الثمين، إلى أن آن الأوان ليرى هذا المقال النور على صفحات مجلة “ الضحى” الغرّاء.

إرث إنساني
المسبحة إرث فني بديع متغلغل في التراث الإنساني، قديمه وحديثه، كما إن لها وظائف ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالثقافة السائدة أو بالأرقام والعدّ والحساب، وهي زينة شخصية ووجاهة اجتماعية، وأبهة وثروة مادية، وتحفة فنية ومفخرة منزلية وهدية رمزية للأهل والأصدقاء، وعامل مساعد على تهدئة الانفعالات النفسية، علماً أن الأعصاب تنتهي برؤوس الأنامل، لذلك فهي رياضة لطيفة تسلي الأصابع التي تريد أن تبقى ساكنة بحبّاتها.
وللمسبحة أسواقها العامرة وخامات متفاوتة وهي تختلف كثيراً في ما بينها من حيث الندرة والقيمة والجمال والإبهار. وحرفة تصنيع المسابح تستلزم مهارة وإبداعاً في آن معاً، مثلها مثل مهنة تصنيع الحُلِي الذهبية، بل هي كذلك، فبعضها جاوز سعره ثمن قلادات ذهبية، مما يفرض صونها وحفظها في الخزائن الحديدية ومجموعات المقتنيات النفيسة.
وتقول بعض كتب التاريخ إن كهنة الصين والهندوس كانوا أول من ابتدع السبحة، كذلك تشير الدلائل التاريخية إلى أن ظهور السبحة الدينية لأول مرة كان في الهند، في بداية القرن الخامس قبل الميلاد واستقى المسلمون الفكرة هذه من خلال احتكاكهم مع الشعوب الهندية من خلال التجارة والفتوحات.

دور الصوفية في انتشارها
لكن من المرجح أن أكثر من عمّم استخدام المسبحة هم العابدون والصوفيون بسبب حاجتهم لضبط التسابيح والأوراد بأعداد معينة، وكان التسبيح في الأصل يتم على أصابع اليد وغير ذلك، وغالباً ما يلجأ الذاكر إلى أصابع يده إن لم تتوفّر له السبحة، وهناك ثلاثة أحجام للسبحات، الأول 33 حبّة وهو الأكثر انتشاراً والثلثان 66 حبّة والسبحة الكاملة وتتكون من 99 حبّة بعدد أسماء الله الحسنى، هناك في حالات أخرى سبحات طويلة جداً تحتوي الواحدة منها على 999 حبة وبعض هذه السبحات تشترى كتذكارات أو لأغراض تزيين المكان.

تعريف المِسبحة أو السُّبحة
المِسبحة أو السُّبحة عبارة عن مجموعة من القطع ذات الأشكال الخرزية الحبيبية مع فواصل وقطع أخرى، حيث تتألف كلّها من حبات بعدد معيّن منظومة ومنتظمة في خيط أو سلك أو سلسلة، ويختلف شكل الحبّات ومادتها بحسب ذوق الصانع أو متطلبات الذين يطلبونها أو يبتاعونها لأسباب دينية أو اجتماعية أو لغرض اللهو أو التسلية. وقد اختلف أسلوب صنع السبحة عبر القرون حتى بلغ في التنوع في أيامنا ما لا يعدّ ولا يحصى..
وكما ورد في باب الحبيبات بالانكليزية، فإن كلمة beads (بالجمع) قد تعني عقداً أو مسبحة.
وقد استخدمت السبحة كما أسلفنا في أوراد الذاكرين والمسبحين بهدف أداء عدد معين من كلمات أو عبارات التسبيح لله تعالى في جلسة واحدة،. غير إننا لا ننكر تأثير الحضارات الأخرى في منطقة الشرق الأوسط أو غيرها في مجال استخدامها لأغراض دينية أو لغرض العدّ والحساب لما هو مطلوب من الانسان في كافة شعائر الحياة الدنيا والمتطلبات الروحية الأخرى كما سنرى لاحقاً…
في الإصطلاح الصوفي
• ما أجمل قول الإمام “القشيري”: “التسبيح هو التقديس والتنزيه ويكون بمعنى سِباحة الأسرار في بحار الإجلال”.
• أما قول الشيخ الأكبر ابن عربي: “ فالتسبيح: هو قسم من أقسام الحمد ولهذا فإن الحمد يملأ الميزان على الإطلاق وسبحان الله وغير ذلك من الأذكار تحت حيطة الحمد. حقاّ إنه تسبيحة صلاة.
حسب الصوفية، فإن السبحة هي رفيقة العبادة والأذكار، وهي وسيلة الاستغراق وطاردة الغفلة وقد وصل بها رجال حضرات أسرار الجمال، فسهروا بها الليالي وقطعوا بها سبل التقرب من الله.
لهذا اهتمّ بها المسلمون وكرّموها وأظهروا حبهم لها وأنشأوا في مدحها القصائد، لقد كانت السُّبحَة عند الصفوة رمزاً لسلوك الذكر وحب الذاكرين للسبحة هو من قبل تقدير وظيفتها الخاصة إذ تساعدهم على الاستغراق في الذكر وفي الاستغفار وكل ذاكر يدرك أن عليه أن يستغرق في عبادة الله مئات المرات وأحياناً أكثر بكثير في طريق التوبة والاستقامة على الصراط وكل ذلك بمساعدة السبحة .

هذا المتحف اليوناني المخصص للمسابح هو الوحيد من نوعه في العالم
هذا المتحف اليوناني المخصص للمسابح هو الوحيد من نوعه في العالم

السبحة عبر التاريخ
منذ آلاف السنين ومنذ كان الإنسان القديم يسكن الكهوف وعثوره بطريق المصادفة أو الحَفر على أحجار مُلونة هنا وهناك، فلا بدّ أن هذه الأحجار سحرته بجمالها وألوانها وبريقها فألهبت خياله، ومن أقدم الأحجار والمواد التي استخدمها الإنسان قد عثر عليها في قبور ترجع الى آلاف السنين.
ويذكر أن فكرة التواصل مع هذه الأحجار والمواد ومن ثم خرقها وتجميعها وربط بعضها ببعض بخيط، كانت البداية الأولى بهدف التزين وخاصة أن الحفريات أظهرت أن مثل هذه القلائد كانت في الأعناق تدفن مع الموتى… ولا سيما النساء…
وقيل في ذلك الزمن إن معرفة هوية الهيكل العظمي للمرأة ممكن من خلال تمييز القلادة المعلقة في عنقها. ويعتقد بعض المؤرخين أن فكرة المِسبَحة بدأت عند السومريين قبل خمسة آلاف سنة ومن ثم انتقلت الى بقية الحضارات الأخرى كالفرعونية والهندوسية والفارسية وغيرها من الحضارات اللاحقة. وبرهن على ذلك المكتشفات الأثرية لقلائد وعقود الذهب واللازورد Lapis Lazuli والكورنيليان والفيروز والرخام والعظام في مختلف الحضارات القديمة.
وكان لتطور المعتقدات الروحية والأساطير أثر لافت يومِئ إلى شغف إنسان الحضارات القديمة بهذه المنتجات الطبيعية الجميلة، إذ كان يعتقد أن للأحجار الخضراء اللون تأثيراً يمنع الأمراض، بينما تساعد الحمراء على تخفيف النزيف والالتهاب وحجر العقيق للقبول والإقناع وجلب الحظ وحجر الملكيت للتخدير وللحماية من السحر، أما حجر الياقوت الأزرق فهو رمز العفّة وعلاج لفورات الغضب، والفيروز للنصر وتبيان حالة الإنسان النفسية عند تغير ألوانه، والكهرمان لامتصاص الأمراض من جسم الإنسان ولطرد الأرواح الشريرة. أما المرجان فكانت له أهمية مميزة زمن الحضارة الإغريقية، وكان للعقيق الأحمر فضل كبير عند الرومان حيث استخدم في القلائد والعقود والأختام وغيرها.
أما عند الفينيقيين فقد انتشرت القلائد والأحجار الكريمة بكثافة واستخدمت في مجال المقايضات والتبادل التجاري، وبعد ظهور الدين المسيحي وانتشاره تعلّق الرهبان والناس بالقلائد كرمز ديني، وأكثر ما استخدمت كقلائد بشكل صلبان، فأخذ الرهبان من أديرتهم يستخدمونها في صلواتهم وأصبحت رمزاً مقدساً وما زال نموذج “المِسبحة الوردية” حاضراً لامعاً.
الحديث يطول عن استخدام المسبحة في عصور الاسلام وتطورها، اللافت أن الناس على مرّ العصور كانت تصنّع الأحجار الكريمة كأختام ومسابح وقلادات وغيرها كما مرّ معنا سابقاّ ولقد اشتهر أبو الريحان البيروني بكونه من أشهر علماء العرب في المواد والأحجار الكريمة وذكر ذلك في كتابه

درويش صوفي مع مسبحته
درويش صوفي مع مسبحته

«الجماهر في معرفة الجواهر».
كثيرة هي المراجع التي تشير إلى أن اسم المِسبَحة كان مدرجاّ في أوائل العصر العباسي، فقد ذكر في بعض المصادر ( كتاب مشهد الإمام علي في النجف. مؤلفته سعاد ماهر/ عن دار المعارف

“زينة شخصية ووجاهة اجتماعية، وأبهة وثروة مادية، وتحفة فنية ومفخرة منزلية وهدية رمزية للأهل والأصدقاء، وعــامل مساعد على تهدئة الانفعــالات”

في مصر/ ص188/ص 189) أنه في السنة الثالثة للهجرة، ولما وقعت غزوة أُحُد وقتل فيها أقوى حماة الإسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وهو عم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وعظمت المصيبة على المسلمين وقد ناحوا عليه في كل مأتم، وقيل اتسع الأمر في تكريمه إلى أن صاروا يأخذون من تراب قبره يتبركون به “ويعملون السُبحات منه”. والواقع لم نجد مصادر أخرى تثبت هذا الخبر.
وفي العصر العباسي وما تلاه من الحكم الإسلامي في بلاد الأندلس ومن ثم في فترات حكم المغول والبويهيين والسلاجقة، وانتقال الحكم للفاطميين والمماليك في شمال أفريقيا، انتشرت طرق الحركات الصوفية وحركات الدراويش والدروشة واتباع هذه الطرق يحملون المسبحة ويتبركون بها ويعدون بها أسماء الله الحُسنى وأثناء التشهّد يحملونها أيضاً في تجمّعات الذكر والتهليل، وكانت تتكوّن من العظام أو الخزف أو الأتربة المعجونة والأخشاب والصدف، وبعض مسبحاتهم تتألف من 99 حبة زائد الفواصل والمنارة والبعض الآخر يتألف من ألف حبة وقد تصغر الحبات أو تكبر حسب التقاليد السائدة في كل مرحلة، ويعتقد بعض أتباع الصّوفية أن المسبحة تفيد في العد عند الذكر المتكرر لأسماء الله الحسنى. وقد تطور استعمال المسبحة آنذاك حتى انتقل حملها باليد أثناء المجالس الخاصة بالصوفيين وأحياناً الى العنق أثناء التجوال أو بعد الانتهاء من الصلاة والتسبيح. وما زال منظر الصّوفي أو صاحب الطريقة والذي يعلق مِسبحته في عنقه ماثلاً الى هذا اليوم في مصر والعراق والمغرب وتونس الخ…
وزاد انتشار المسبحة في العهد العثماني وفي النصف الثاني منه بشكل كبير، وخصوصاً في تركيا والعراق وايران ومصر وبلاد الشام وبعد أن انتشرت المسبحة المختصرة (33 حبة) وكان بعض مواد إنتاجها متوافراً محلياً والبعض الآخر يستورد ويطلب تصنيعها مثل مسابح الكهرب التي كانت تستورد من ألمانيا أو غيرها.
وفي بداية هذا القرن والى وقتنا الراهن وبعد التطور الصناعي الكبير وازدياد الثروات أنتجت المسابح بشكل كبير ومن مواد متنوعة قد تنوف على المئة، وخصوصاً من المواد الرخيصة، ودخلت في مجال تصنيعها أمم وشعوب جديدة، مثل دول الشرق الأقصى وأوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية والصين والهند ودول أفريقيا حتى إن البعض شبهها بأقرب ما يكون الى الهجمة الخارجية في تصنيع المسابح بسبب ازدياد تصنيعها في خارج المراكز الاسلامية.
مع الإشارة الى أن السبحة لم تكن مستخدمة في صدر الإسلام، حيث قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه “رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيده، غير إن بعض الصحابة استعانوا بعد ذلك في تسبيحهم بما يساعدهم على ضبط العدد مثل النوى والحصى والخيوط المعقودة، وفي العصر الأموي ظهرت السبحة، ثم ومع توسع الفتوحات الإسلامية وازدياد الثروات برع الصناع في تصميم السبح من الجواهر والأحجار الكريمة، فحوت خزائن الخلفاء الراشدين والحكام المسلمين أجمل نفائس السبح.
ولعلّ من أشهر السبحات تلك التي استعملتها زبيدة بنت جعفر المنصور، والتي صنعت من ياقوت رُماّني على هيئة بندق والتي اشترتها بخمسين ألف دينار، كما كانت لدى العديد من الأمراء في العصر الفاطمي سُبح نادرة وثمينة، كذلك فإن السُّبحَة الأكثر استخداماً تتألف من 99 حبة أو خرزة وفقاً لعدد أسماء الله الحسنى، وهي تكون مكونة من “الإمام” أو “المئذنة” أي رأس السبحة، والشاهدين الفاصلين اللذين يختلفان عن باقي الخرزات، الأول منه يكون موضعه بعد الخرزة الثالثة والثلاثين، والثاني بعد الخرزة السادسة والستين، أما نهايتها فهي عبارة عن كتلة على رأس “الإمام” أو “المئذنة” تكون مصنوعة من الفضة أو عقدة من خيطها، وبالعادة تعلق على رأس السبحة شرابة نسيجية أو معدنية.
يقول الباحث والمستشرق الألماني جولد زيهر، إن السُّبحَة لم تنتشر في الجزيرة العربية، إلا في القرن الثالث الهجري عن طريق مصر، بينما ذكرت الموسوعة الإسلامية أن أول استعمال للسبحة كان في أوساط الصوفية، وبين الطبقات الدنيا للمجتمع، وقد ارتفعت أصوات بإنكارها في القرن الخامس عشر الميلادي، إلا أن أكثر العلماء أفتوا بعدم وجود مانع من استخدامها.
وإذا كانت السُّبحَة مظهراً من مظاهر العبادة في مختلف الأديان إلا أن عدد حبّاتها يختلف من ديانة الى أخرى. فغالبية المسلمين يؤمنون بأن عدد حبّات السبحة إما 33 حبّة حسب الذكر الذي أوصى به الرسول عليه الصلاة والسلام، أو 99 وهو عدد أسماء الله الحُسنى، بينما السُّبحَة لدى الصّوفية هي 100 حبّة مزودة بعدادين الأول خاص بالمئات والثاني خاص بالألوف، هذا فضلاً عن محبس لمئات الألوف حتى يصل عدد التسبيح من مليون الى مائة مليون. أما السبحة عند المسيحيين فيتراوح عدد حبّاتها بين 45 حبّة، ويعلّق في نهايتها صليب. أما سبحة اليهود فيتراوح عدد حبّاتها ما بين 17 حبّة، و21 حبّة.

فقير في كاتنماندو نبيبال يحيط عنقه بالمسابح كما هي العادة لدى الزهاد الهندوس
فقير في كاتنماندو نبيبال يحيط عنقه بالمسابح كما هي العادة لدى الزهاد الهندوس

والطريف وكما يقول العاملون في صناعة السُبح في مصر، هو أن السائحين الأجانب أخذوا عن المسلمين عادة استخدام السبحة، وتكرار حركة الأصابع أثناء التسبيح كعلاج نفسي للقلق، ولتحقيق انتظام ضربات القلب كما يقولون وكما يفضل البعض سواء من المسلمين أو الأجانب شراء السبح الكبيرة واستخدامها في الديكور، سواء المُصنّعة من خشب الأرو أو الزان أو المصنوع من الخزف الأزرق أو الأخضر وقد كتب عليها أسماء الله الحسنى. وتعدّ المملكة العربية السعودية من أكبر أسواق بيع وشراء السبح في العالم، حيث يصل حجم مبيعات السبح فيها الى نحو مئة مليون ريال سنوياً، كما باتت الصين والطريف وكما يقول العاملون في صناعة السُبح في مصر، هو أن السائحين الأجانب أخذوا عن المسلمين عادة استخدام السبحة، وتكرار حركة الأصابع أثناء التسبيح كعلاج نفسي للقلق، ولتحقيق انتظام ضربات القلب كما يقولون وكما يفضل البعض سواء من المسلمين أو الأجانب شراء السبح الكبيرة واستخدامها في الديكور، سواء المُصنّعة من خشب الأرو أو الزان أو المصنوع من الخزف الأزرق أو الأخضر وقد كتب عليها أسماء الله الحسنى. وتعدّ المملكة العربية السعودية من أكبر أسواق بيع وشراء السبح في العالم، حيث يصل حجم مبيعات السبح فيها الى نحو مئة مليون ريال سنوياً، كما باتت الصين

مسبحة مطعمة بالأحجار الكريمة ومزينة بالفضة
مسبحة مطعمة بالأحجار الكريمة ومزينة بالفضة

 

 

 

مسبحة من الفيروز بـ 99 حبة
‘ مسبحة من الفيروز بـ 99 حبة

نتركه في النهايات، إني أحب أن أذكر الله بقلبي ويدي ولساني.
وقال محمد المير في رسالته: قال الشيخ أبو العباس الرواد: تبيّن من قول الحسن إن السبحة كانت موجودة في زمن الصحابة لأن بدايته في زمنهم.
وقال ابن الجوزي: إن السُّبحَة مستحبة لما في حديث صفيّة أنها كانت تسبّح بنوى أو حصى وقد أقرّها (صلى الله عليه وسلم)على فعلها والسبحة في معناها إذ لا يختلف الغرض عن كونها منظومة أو منثورة.
وقال الإمام السيوطي: وقد أخذ السُّبحَة سادات يشار اليهم ويؤخذ عنهم ويعتمد عليهم فلو لم يكن في اتخاذها غير موافقة هؤلاء السادة والدخول في مسلكهم لكفى.
وذكر القاضي أبو العباس أحمد بن خلكان في وفيّات الأعيان أنه رؤي في يد أبي القاسم الجنيد بن محمد يوماً سبحة فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ بيدك سُبحَة؟ قال: طريق وصلت به الى ربي لا أفارقه.

هواية جمع المسابح
على غرار هوايات جمع الطوابع وجمع العملات القديمة والتذكارات، هناك من يهوى جمع المسابح سواء ما اختلف نوع مادتها وشكلها ولونها أم ما انطبق منها وخصوصاً في بعض بقاع العالم الاسلامي والعربي، وفي هذا الجانب فقد تجد من الناس من يذكر لك هوايته المحببة هذه ويسرد عدد مسابح الكهرب أو غيرها من المواد التي يملكها، مفصلاً عن مواصفاتها وجمالها وألوانها ومعاناة جمعها وبدايات هوايته هذه وتلك التي فقدها وروايات شتى تكاد لا تنقطع ولا تنتهي تدور حول تعلّقه بالشخصيات الاجتماعية أو السياسية التي تملك أنواعاً معينة من المسابح النادرة، وكيفية أو تاريخ اقتنائها وما الى ذلك، حتى إن البعض يذهب بعيداً ويضع الخطط في كيفية الحصول على مسبحة نادرة موجودة عند بعض الأشخاص سواء بشرائها أو بطرق اخرى، وهكذا فقد يجلب حب المسبحة مواقف طريفة أو محزنة على حدٍ سواء وبسبب هذه الهواية وهذا الاهتمام نشأت للسبحة أسواق وباعة مختصّون خصوصاً في بعض الدول العربية والاسلامية التي تركزت بها الحضارات القديمة مثل أسواق العراق – بغداد، وكربلاء، والنجف، والكاظمية – وغيرها، وفي مصر – أسواق القاهرة (خان الخليلي وغيرها) وفي السعودية ودول الخليج العربي وتركيا وبلاد الشام وايران والأردن ومناطق أخرى لا حصر لها.

أبو نواس يعترف بفضلها
إن عراقة المسبحة في الشعر العربي ترجع الى ما يزيد على ألف عام، منذ العصر العباسي، فأبو نواس عندما حبسه الأمين، لمجونه وخلاعته، وانقذه من السجن – الفضل بن الربيع- وأظهر التوبة لزم بيته قال شعراً جاء فيه:

مسبحة من الفضة الصافية
أنت يــــــــا ابــــــــــــــن الربيع ألزمتني النُســــــــــــــك
وعـــــــــــــــــــــوّدتنِيــــــــــــــــــه والخــــــــــــــــــــــير عــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــادة
فارعـــــــــــــــــــوى باطلي واقصر حبلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي
وتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدلّت عِفــّــــــــــــــــــــة وزهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــادة
لـــــــــــو تراني ذكرت بي الحسن البصري

مسبحة من الفضة الصافية

في حســـــــــــــــــــــــــن سمـــــــــته أو قتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــادة
مــــــــن خشــــــــــــــــــــــــــــــــوع أزيّنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة بنحـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــول
واصفــــــــــــــــــــــــــرار مثــــــــــــل اصفــــــــــــرار الجــــــــــــرادة
المســـــــــــــــــــــــــابيح في ذراعـــيّ والمصـــــــــــــحف
فـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي لبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــتي مكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان القـــــــــــــــــــــــلادة
ولقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد طالمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــا لقيــــــــــــت ولكـــــــــــــــــــــــــــن
أدركتني على يديــــــــــــك الســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــعادة
كما ذكرت السبحة في الشعر العربي كما في قول ابن عبد الظاهر:
وسبحـــــــــــــــــــــــة فــــــــــــــــــــــي أنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــامــــــــــــــــــــــــــلي قــــــــــــــــــد شـــــــغفــــــــــــــــــت بحبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــها
مثــــــــــــــــــــــــــــــــل مناقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــير غـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدت ملتقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــطات حَبُّهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
كما قال فيها شاعر:
ومنظومـــــــة الشمل يخـــــــــــــــــــلو بــــــــــــــــها اللبيب فتــــــــــــــــــــــــــــــــــجمع فـــــــــــــــــي همتــــــــــــــــــــــــــه

من المهم الإشارة الى أن “السبحة” لها “كرامتها” فلا يجوز أن تعار أو تنقل في المجالس من يد الى يد.

www.hdnicewallpapers.com
تمثال للإله الهندي شيفا كما يصوّر عادة مع أفعى الكوبرا وقد أحاط عنقه بمسبحة وحمل أخرى بيده

الخاتمة
علّمتني السُّبحَة أن على المرء أن يدرّب نفسه على اقتناص نبض الحواس الخمس يضاف اليها عين البصيرة، متجهاً نحو الأقاصي العميقة من نداءات الذات، منتصراً للعميق فيه وفي الإنسان عموماً.
علمتني المسبحة أن التساؤل تقوى الفكر. يقول اليابانيون إن المياه تحكي قصة وهي تجري، وأن حبات السبحة سمفونية بين أنامل العارفين. ومن أكمل كمالات العربية وأسماها تمييزها ما بين البصر والبصيرة، فالبصر مركزه العين، يحصر كل همّه في التقاط أشكال الأشياء وألوانها ومن أشكالها وألوانها يحاول العارف أن ينفذ الى كنهها، في حين أن البصيرة مركزها القلب والوجدان، همها الأول الوصول الى بواطن الأشياء دون التلهّي بمظاهرها، في كلا النموذجين “المِسبَحة- السُّبحَة نموذج”، بإسقاط الضوء على منطقة المعنى…
يقول الفيلسوف الهنغاري جورج لوكاش في كتاب عنوانه “الروح والأشكال”:
“ على من بدأ بحثاً أن ينهيه…” وان كل شيء فيه روح وإن لم تصدِّق، وهكذا الحال مع السُّبحَة وأقوال العلماء التي وردت في النص تأكيد على ذلك، أفما قيل: “آمن بالحجر تبرأ…!” فكيف اذا كان حجراً كريماً صاغته الطبيعة وصقلته وهذبته أولاً أيدي صاغة محترفين. كان عرب اليمن يكتبون الحكمة في الحجارة طلباً لبقائها، فكيف اذا كانت هذه الحجارة مطعمة بأسماء الله الحسنى والتقطتها الحواس الخمس مجتمعةً تمجّد وتسبّح الخالق ليل نهار بكفٍ فارغ وقلبٍ مليء بحب الله تعالى.
لم يعد من كبير شكّ أن السبحة تتكلم بالهمس واللمس لا بالعبارة وتجيب بلسان الحال لا بلسان المقال، ويصدق فيها القول: التراث المحكي هو التاريخ المخفي. تعامل مع سبحتك تعامل أفلوطين مع الجمال والحكمة: انكفء الى نفسك وانظر فيها ملياً، فإذا لم تجد الجمال تصرّف عندئذٍ تصرّف النحّات الذي يسوّي ويصقل حتى يكون قد زيّن تمثاله بجميع صفات الجمال المقدس. والمسبحة بين أناملك “كالطبيعة تتحدث اليك اذا أردت ان تصغي إليها.”
قال ابن الفارض:
ولطفُ الأواني في الحقيقة تابع للطف المعاني والمعاني بها تسمو
ما رأيته بوضوح بالتواصل مع السبحة هو خطوة صغيرة كخطوات الطفل الأولى تؤدي الى الخطوة الثانية. لقد فتحت هذه التجربة حياتي على الشغف الى تحقيق الذات والايمان انه لا توجد حدود لما يستطيع الإنسان انجازه لو أدرك قوى العالم غير المرئي، والتي هي حقنا منذ ولادتنا.
لا شيء يحدث مصادفةً في أي مكان، لأن هذا العقل الكوني مستعدّ على الدوام، ويسير بطرق عجائبية من الاحتمالات الضخمة غير المحددة.
نعم كنت مفتوناً بفكرة أن الحياة محصورة بما أرى وأسمع بحواسي، لقد اكتشفت انني أستطيع أن أفعل ما كنت أظنه مستحيلاً…
ان كان للمرء عــــــــزمٌ في إرادته فلا الطبيعــــــــــــــــــــــة تثنيه ولا القــــــــــــــدر
وان الكتابة والتواصل مع الأشياء نوع من الوجود وملاقاة الآخر، ليس هناك إنسان ضعيف، انما هناك إنسان لا يعرف مواطن القوّة لديه، مع الإيمان المطلق بأن فلسفة الحياة أن تعطي معنى لكل ما تفعل.
دعوتي اليك يا أخي: حاول أن تسمع المعنى وأنت تسبّح بالسبحة.
مسك الختام، ما وجدت أفضل من: سبحان الله، والحمدلله ولا اله إلا الله والله أكبر.

 

معركة الكفر

الإنتصارُ الذي أذلّ الفَرَنسيّين
وأشعلَ نيران الثّورة السّوريّة الكُبْرى

أرسل سلطان من ينصح الضابط نورمان بضرورة مغادرة الكفر
فاستهزأ قائلاً: اذهب وأبلغه أنني أنتظره هنا على أحرّ من الجمر

بدأ القتال بالسلاح الأبيض وقتل نورمان قائد الفرقة
وفي ساعتين قضي على الحملة الفرنسية عن آخرها

تُعتَبرُ معركة الكفر والإنتصار الحاسم الذي حقّقه الثّوّار على القوّات الفرنسيّة شرارة الثّورة السّوريّة الكبرى ونقطة التحوّل التي مكّنت سلطان باشا الأطرش من تعزيز قيادته وتعبئة الألوف من قوّات المجاهدين وفرض هيبة الثّورة على معظم قرى جبل العرب في تحدٍّ زعزع معنويّات السّلطات الفرنسيّة المُنتدبة.

إستفزازٌ فرنسيّ
كانت شرارة المواجهة في الكفر بين القوات الفرنسيّة وبين مجاهدي جبل العرب قد انطلقت عندما قامت السّلطة الفرنسيّة في 12 تموز 1925 بإلقاء القبض بأسلوب الغدر على ثلاثة من أصل خمسة من كبار زعماء آل الأطرش، كانوا موجودين في دار مفوّضيّة الجبل في حيّ القزّازين بدمشق، تلك الدار التي كان يشغلها ممثّلون من آل الأطرش منذ أيّام العثمانيين، وهم عبد الغفار ونسيب وحمد، وذلك بعد دعوتهم إلى دمشق بدعوى مفاوضات للنّظر في شكاوى مقدّمة ضدّ الحاكم العسكريّ الفرنسيّ لجبل الدّروز، الكابتن كاربييه، وكان بالمصادفة موجوداً عندهم ليلتها برجس الأطرش شيخ قرية المجيمر ويوسف الأطرش أخو متعب وعبد الكريم الأطرش. كان المندوب الفرنسيّ في دمشق، شوفلر، حريصاً على أن يبقى أمر الاعتقال سرّاً ليتمكّن من القبض على متعب وسلطان المعتصمين في الجبل، لكنّ الذين نفّذوا أمر الاعتقال في دمشق لم يعتقلوا حسن وكان حينها فتى صغير السنّ، فما كان منه إلاّ أن غيّر ملابسه ولبس ثياباً ملطّخة بالزّيوت لسائق سيّارة، وخادَعَ خادم الدار (راغب) الذي كان يقوم بدور جاسوس للفرنسيّين؛ إذ أخذه بسيّارته مسافة بعيدة عن المدينة وتركه ليعود وحيداً وهو يدرك أنّه سيصل إلى الجبل قبل أن يصل راغب ويخبر الفرنسيين بأنّ سرّ الاعتقال سيفتضح… تجاوز الفتى حسن المخافر على طريق سهل حوران إلى الجبل، بمهارة ووصل إلى قرية رساس في الجبل وأخبر الأمير متعب بالذي حصل.
كان متعب وسلطان قد رفضا الدّعوة إلى دمشق بعد أن توجّسا من نوايا الفرنسيّين، وما إن انتشر خبر اعتقال الزّعماء الأطارشة وكان فريق آخر قبلهم من قادة وشبان الدّروز رهن الاعتقال حتى بدأ سلطان حملة لتعبئة الرّجال في قرى الجبل للانضمام إلى الثورة. ومن الدّلائل البليغة على قِصَر نظر الفرنسيّين وغرور القوّة الذي كان يحكم تصرّفاتهم أنّهم أرادوا باعتقال زعماء آل الأطرش إجهاض أيّ احتمال لانتفاضةٍ على الحكم الفرنسيّ في الجبل، وهكذا كان اعتقال هؤلاء الزّعماء عمليّاً الشّرارة التي أشعلت نيران الثّورة.

النصب التذكاري للمعركة في مدينة الكفر1
النصب التذكاري للمعركة في مدينة الكفر1

فشل محاولة القبض على سلطان
يقول الأستاذ سلامة عبيد إنّ سلطان كان في سبيله مع فريق من الأهالي في يوم الرّابع عشر من تموز لمعايدة القومندان تومي مارتان رئيس قلم الاستخبارات المكلّف بمهمة الحاكم بالوكالة في دولة الجبل في السّويداء بمناسبة عيد الحرّيّة الفرنسي، وكان في نيّتهم طلب إطلاق الرّهائن من الشبّان المُعتقلين، لكنه في قرية رساس شعر بشيء من الرّيبة إزاء نوايا القائد الفرنسي، فأرسل ابن عمّه المقرّب منه صيّاح الأطرش إلى صديقه ورفيق جهاده علي عبيد في السّويداء يستشيره فنصحه بعدم الحضور، وأدرك الفرنسيّون أن علي عبيد أفشل خطّتهم فألقَوْا القبض عليه وساقوه مخفوراً في سيّارة شحن عسكريّة مع زعماء آخرين إلى المنفى في الحسكة. أمّا الزّعيم المسيحيّ عقلة القطامي فقد كان معتقلاً بأمر ساراي من قبل.. ومع افتضاح غدر الفرنسيّين باعتقال أولئك الزّعماء، غيّر سلطان ومن معه من الرّجال وجهتهم من السّويداء إلى المقرن القبلي وهم ينخّون ويَنتخون ويحثّون على الثورة مردّدين الحداء التالي:
حَــــــــــرايباً وِدْهــــــــا تصيـــــــــــــــــــــــــر ماهي على جــــال الخَفا
العام في بطــــــن الشِّعِيب واليــــــــوم عَ رُوْسِ الشَّــــــــــفا

ليلة المبيت في القريّا
سار سلطان بجماعته القلائل من رساس باتّجاه المقرن القبلي الذي كان أكثر استعداداً لتقبّل الثّورة، فمرّوا بالقريّا، وباتوا ليلتهم فيها، ليلة 17 تموز 1925. يقول سلطان في روايته لأحداث الثّورة وقد أدرك أنّ عواملها قد توفّرت “كان علينا أن نستمدّ قوة العزيمة والجرأة في إعلان الثورة من الله عزّ وجل، ومن شعبنا المؤمن الصّبور، كان شعورنا بمسؤولية ما نحن مقدمون عليه يتملّكنا ويأخذ بمجامع أفكارنا للسّببين التّاليين :
الأوّل: ما كان يدخل في تقديرنا من فارق كبير بين ثورات محلّية اعتاد آباؤنا أن يعلنوها ويخوضوا معاركها ضدّ سلطة أعجميّة متخلّفة تنتابها الفوضى ويستشري في كيانها الفساد، وبين ثورة وطنية نعلنها بوسائلنا القديمة ذاتها على دولة كبرى حديثة من أعظم دول أوروبا الاستعماريّة التي كانت تزهو بانتصاراتها السّاحقة على الجيوش الألمانية في الحرب العالميّة الأولى.
الثاني: بما أنّ تفكيرنا بالثّورة لم يكن محصوراً في نطاق الجبل، كما توهّم قصيرو النّظر وأصحاب الأقلام المغرضة والآراء الخاطئة، فقد كان من العيب جدّاً علينا أن نحقّق فكرة تعميمها ومدّ نشاطها إلى سائر أنحاء الوطن إلّا إذا نلنا في معاركها الأولى من هيبة السّلطة الفرنسيّة وأنزلنا بقوّاتها العسكريّة ضربة قاصمة تنتشر أخبارها في كلّ مكان”.

مشايخ عقل الموحّدين يؤيدون سلطان باشا
في ساعة متأخّرة من تلك الليلة 17 تموز، حضر وفد من رجال الدّين يتقدّمهم الشّيخ أبو هاني علي الحناوي من السّهوة والشّيخ سعيد الحجلي من عرمان، فَسُرّ سلطان بقدومهم غير المتوقّع وقد أبلغوه تأييدهم للثّورة المُزمع القيام بها، وتأييد الشّيخ أحمد الهجري في قنوات والشّيخ حسن جربوع في السّويداء، بعد أن أصرّت السلطة الفرنسيّة على عنادها في تطبيق الأساليب المذلّة في الحكم. وفي تلك الزّيارة نلمس عمق إيمان سلطان باشا الذي طلب من المشايخ ان يعظوه ويرشدوه في ما هو مقدم عليه من أمر جلل، فقال له الشيخ الحنّاوي: أمّا ما نعظك فيه ونرشدك فلا نزيد فيه على ما جاء في كتاب الله العزيز من آيات بيّنات تدخل الطمأنينة إلى قلوبنا وتهدينا سواء السبيل كقوله تعالى: }إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ{ (الحجرات: 15) وشدّد المشايخ الأفاضل على التعليم الصريح بهذا الصدد مرددين صفات الشجاعة وعدم الخوف التي يتحلى بها الموحِّد الديّان.
يقول سلطان باشا إن موقف مشايخ العقل “كان فصل الخطاب وكان به زادنا المعنويّ الذي لم ينضب له معين وسلاحنا الأقوى الذي خضنا به معارك الثورة”.

“مشايخ العقل زاروا سلطان باشا وأبلغوه تأييدهم للثّورة المُزمع القيام بها، وتأييد الشّيخ أحمد الهجري في قنــــوات والشّيـــخ حسن جربوع في السّــــويداء”

نبوءة زوجة
فجر اليوم التالي استيقظ سلطان على صهيل الخيل وحداء الفرسان وقد كانوا على علم مسبق بإعلان الثّورة. يقول سلطان: “وقد لفت نظري الحماسة الكبيرة التي كانت تبدو على أخي مصطفى في ذاك اليوم إذ إنّه بكّر على غير عادته وارتدى أجمل ما عنده من ثياب وتقلد سيفه وحمل بندقيته على ظهره وتمنطق بجناد ذخيرته وأخذ يجول وهو على صهوة جواده بين الفرسان، يحدّث هذا ويمازح ذاك ورائحة العطر تفوح من ظفائر شعره الأشقر المسترسل تحت كوفيته البيضاء وعقاله الأسود، وقبل خروجنا من ساحة الدار اقتربت منه زوجته وقالت له وهي تجهش بالبكاء “ألا تودع ابنك محمداً يا أبا مصطفى”.
وناولته إيّاه وهو لم يبلغ بعد شهره السادس ثم أسرعت نحوي وقالت: “وديعتك مصطفى يا سلطان قلبي يحدثني بأنّني لن أراه بعد الآن”.
فهدّأت من روعها وطلبت من نساء العائلة الحاضرات لوداعنا أن يأخذن بيدها ويدخلنها برفق إلى غرفتها. ولم أدر أن شعورها بالخوف عليه كان صادقاً وأننا سنفقده مع من سنفقد من مجاهدينا الأبرار في أوّل معركة ضارية تدور بيننا وبين المستعمرين الفرنسيين”.
في الثامنة صباحاً غادر سلطان القريا ومعه خمسة عشر فارساً هم: جاد الله شلهوب وداود طربيه ودرويش طربيه وسليم شقير وعبطان النّجم وعلي الملحم وغازي العبد الله وفارس الدّبس وفارس مفرّج وفرحان زيتونة وهاني أبو هدير ويوسف البلعوس وزيد ومصطفى شقيقا سلطان وأبناء عمه نواف وهايل، وبقي في القريّا أخوه علي وفرسان ورجال آخرون لإنهاء أعمال الموسم الزراعي واستطلاع تحرّكات الفرنسيين وتزويد الثوّار بتحرّكاتهم..
وصلوا بكّا حيث كان صياح الأطرش ينتظرهم وقد انضم للحملة من فرسان بكّا بهاء الدين ورشراش مراد وجدعان المعّاز ومن ثم تابعوا مسيرهم إلى أم الرمّان فباتوا ليلتهم فيها وانضم إليهم من رجالها نصّار ومحمّد ومحمود وحامد وحمّود البربور وحمد النّبواني وقد وعد الكثير من محاربيها بالانضمام إلى الثّورة بعد الانتهاء من أعمال الموسم الزّراعي، وإلى أم الرّمان انضمّ للثّوّار وفد من قرية حوط هم فرحان وعبد الله وحسن وحسين وحمّود العبد الله أمّا حمد البربور فقد كان لديه ما يشغله أيضاً ثم التحق بنا في صلخد إثر دخولنا إليها.

إستعراض قوّة في مَلَح
مرّ موكب الثوّار بالغاريّة ثم “عنز” فـ “المشقوق” فـ “صمّا البردان” فـ “متان” حيث أيّدهم فيها المجاهد يوسف العيسمي وشيخها الفتى علي الأطرش وهيّجوا أهل القرية فقاموا بعراضات حماسيّة في الساحة العامة وقد تمّ لقاؤهم مع الثّوار في اليوم التالي في عرمان. وانتقلوا بعدها إلى مَلَح، هناك لم يكن عدد الثوّار قد تجاوز الثلاثين فارساً وقد استقبلهم عند مدخل البلدة علي الملحم وخليل الباسط فأبلغوا سلطان أنّ سريّة من الحرس السيّار التابع للفرنسيين تعدادها نحو مائة خيّال موجودة في القرية فقام سلطان ومن معه بإرهاب القوة بعقد حلبة سباق في ميدان القرية وراح بعض الفرسان يتصايحون أثناء الطّراد ويطلقون الرصاص في الهواء وفي دقائق معدودة خرج رجال القرية ونساؤها لاستقبالهم وبيرق ملح يخفق بألوانه الزّاهية فوق حامله البطل شهاب غزالة، وفي بيت خليل الباسط في ملح بات سلطان وكتب رسائل عديدة لأعيان المقرن الشّرقي وشرح أحوال البلاد العامّة وبيّن أسباب القيام بالثّورة. وفي صبيحة 20 تمّوز انتقلوا إلى عرمان فاستقبلهم أهلُها في السّاحة العامّة بالأهازيج الحربيّة وقد أصبح عددهم نحو مائتين وخمسين فارساً، وهناك حلّقت فوق جمعهم طيّارتان للاستكشاف والإرهاب فأمطرهما الثوّار برصاص بنادقهم وأسقطوا واحدة منهما هبطت في قرية امتان واقتيد طيّاراها أسيرين بأمان إلى بيت الشيخ علي الأطرش، وقد ظلاّ في حمايته وضيافته إلى أن جرت مبادلتهما في ما بعد مع السلطات الفرنسية.
وفي عرمان، وقبل الزّحف إلى صلخد، حضر سليمان نصار وحمزة درويش ومعهما عدد كبير من فرسان المقرن الشرقي فكانوا في طليعة المجاهدين الذين لبّوا نداء الثّورة من تلك الجهات. ومن عرمان في اليوم نفسه، تابع الثوّار طريقهم إلى صلخد وكان استقبال أهاليها لهم مثيراً للنّخوة وقد تقدّم إبراهيم الشّعار أحد وجهاء المدينة وربط منديلاً أخرجه من جيبه في رقبة فرس سلطان إشارة منه إلى أنه يرغب في استضافته في بيته، ولم يلبث الثوّار أن استولَوْا على القلعة ودار الحكومة من دون مقاومة إذ إنّ أفراد السّلطة والموظّفين الكبار فيها فرّوا من المدينة عندما رأَوْا جموع الثوّار قادمين إليهم من جهة عرمان.
دخل الثوّار دار البعثة الفرنسية وأحرقوا محتوياتها وهي الدّار التي كانت تدار منها أعمال السخرة وإهانة وجهاء الدّروز أيام حكم كاربييه.

رسم توضيحي لمعركة الكفر
رسم توضيحي لمعركة الكفر

مقدّمات المعركة
فرض تحرير صلخد من قبل الثوّار تعديلاً على حركة القوّة الفرنسيّة التي كان يقودها نورمان باتجاه القريّا والمقرن القبلي فتوجّه شرقاً مارّاً بقريتي العفينة وحبران، ونزل عند الظّهر في البساتين الواقعة بجوار نبع عين موسى، ليقطع على الثوّار طريق السويداء، ومن ثمّ ضربَ خيامه على الهضبة الوعرة إلى الشّرق من عين العليقة وكان نورمان قد تفقّد الموقع وعمل على بناء متاريس وتحصينات حوله طوال الأيام السّابقة ليوم الواقعة.

سلطان يحذّر الفَرَنسيين
نزل الثوّار في خربة العيّن شمال غربي صلخد ببضعة كيلومترات، وفيها نبع غزير كان الهدف إقامة مخيّم كبير ينطلق منه المجاهدون بحسب ضرورات المواجهات المرتقبة، وكان سلطان باشا في اليوم السابق قد أوفد رسولين إلى الكفر هما قاسم الأطرش وعبد الله العبد الله بمهمة مقابلة قائد الحملة ونصحه بإخلاء الطّريق والانسحاب بجيشه قبل فوات الأوان وتسليمه كتاباً موجّهاً إلى السّلطة الفرنسيّة بالسّويداء يحمّلها مسؤولية عدم الاستجابة لمطالب الشّعب الحقّة واستمرارها على النّهج الاستبداديّ الموروث عن كاربييه، بالإضافة إلى السياسة الاستعماريّة التي انتهجتها المفوضيّة الفرنسيّة في بيروت بتقسيم البلاد إلى دويلات مجزّأة محكومة حكماً عسكريّاً مباشراً قائماً على الظلم والإرهاب وإثارة الأحقاد الدّينية والطائفيّة.

نورمان يرفض النصيحة
وصل الرسولان إلى أسعد مرشد شيخ القرية، فارتأى أن يقوم هو نفسه بالمهمّة فاصطحب بعض وجهاء الكفر إلى معسكر نورمان، ولما أذن لهم بالدخول إلى معسكره وجدوه منبطحاً في خيمته ومعه بعض ضبّاط الحملة وترجمانه السّوري يوسف صايغ، ولما سلّموه رسالة سلطان الخطّيّة ونُصْحه له بمغادرة المكان، أجابهم بتهكّم واستخفاف: “سألقي القبض على سلطان وأعوانه وأعيد الأمن إلى نصابه في سائر أنحاء الجبل خلال بضعة أيّام”، حاول أسعد مرشد أن يكرر نُصحه للقائد الفرنسيّ بقوله: “إنني أنصحك يا حضرة القائد بصدق وأمانة بأن تغادر المكان قبل وصول سلطان لأنّ قوتك هذه لا تستطيع أن تصمد طويلاً في وجه الثوّار”.
ثارت ثائرة الضّابط وقال: “ألا تعلم أنّ عندنا من السلاح والذخيرة هنا ما نحارب به الدروز ثلاثة أشهر؟! من هم هؤلاء العصاة الذين تخوّفنا بهم؟! ــ وأشار إلى مترجمه ــ إن الملازم يوسف صايغ هذا يستطيع أنْ يسوق الدّروز بعصاه من الصورة الكبيرة شمالاً إلى العانات جنوباً” ثمّ التفت إلى أعضاء الوفد وقال لهم”اذهبوا إلى سلطان وقولوا له: إنّني بانتظاره على أحرّ من الجمر في هذا المكان”.
رجع رسولا سلطان باشا وأبلغاه جواب نورمان، فغضب الثوّار لسوء جوابه، وفي تلك اللّحظات وصل بيرق ملح قادماً من الشّرق، فلم يتريّث حامله شهاب غزالة لدى سماعه بجواب نورمان، فمضى مندفعاً باتّجاه الكفر وانطلقت بيارق القرى من خلفه، وترك الجميع موقعهم في العيّن هائجين تتقدمهم بيارقهم الخفاقة، كان عددهم دون الخمسمائة مقاتل أكثرهم لا يحمل من السلاح سوى السّيوف والمُدى والبلطات أمّا البنادق فكان أحدثها من النوع الإنكليزي والألماني الطويل والقصير العثماني بأنواعه. كان حَمَلَةُ البيارق ومن خلفهم الفرسان والمشاة يتقدّمون في زحف سريع يتنافسون على نَيل شرَف السّبق إلى ميدان المعركة.

المدفع الذي غنمه المجاهدون من الفرنسيين -مع ما غنموا- في معركة الكفر
المدفع الذي غنمه المجاهدون من الفرنسيين -مع ما غنموا- في معركة الكفر

بَدْو الجبل يقاتلون فَرَنسا إلى جانب الدّروز
شارك في معركة الكفر فرسان من بدو الجبل من عشيرة الشّنابلة وعودة السّرور شيخ عشيرة المساعيد وكاين القنيص ــ وهو شريك سلطان في تربية أغنامه ومواشيه ــ وكان القنيص صديقاً وفيّاً لسلطان باشا وللدّروز، وهو من كان له الفضل في اشتراك شيخ المساعيد بتأييد الثوّار، إذ قال له: “أنصحك أن تحارب مع الدّروز فهذه الثّورة هي أوّلاً ضدّ أجنبي وثانياً أنت ترى أن الذين قاموا بها هم الطّرشان وأنت ترى نفسك معزوزاً مُحترماً منهم فاستحسن عودة السّرور هذا الرّأي واشترك في المعركة وأعلن أنّ البدو هم أيضاً مع الدّروز ضدّ الأجنبيّ” .

المعركة
في صبيحة 21 تموز 1925 قامت طائرة يقودها الكابتن (دي بويسون) بإستطلاع طريق (السويداء – الكفر – صلخد) فلم يلحظ ما يثير الريبة في نفسه، ما جعل نورمان يتجه إلى الكفر ظهر ذلك اليوم ويتمركز حول نبعها عند هضبة صخرية، وقد فصل المشاة عن الخيالة فسهل على الثوار القضاء على كل فئة منفردة على التوالي. وكان المجاهدون في حماس بالغ لأن يوم الكفر كان يصادف الذكرى الثالثة لثورة سلطان الأولى على الفرنسيين.
قبل أن يبدأ سلطان الهجوم أرسل لنورمان كتاباً يستنكر فيه عملية الغدر التي قامت بها السلطة الفرنسية بإعتقال الزعماء ونفيهم إلى الحسكة وتدمر وطلب المفاوضة، لكن نورمان رفض بسبب اعتداده بقوته وانه قدم لإخماد فتنة الدروز. وبعد انسحاب المجندين الدروز العشرة من جيش الحملة الفرنسية بدأت المعركة ظهراً حسب الخطة التي وضعها سلطان باشا فاستولى الثوار على رشاشين كانا يحميان زوايا المخيم الفرنسي وحالت سرعة هجوم الثوار وهول المفاجأة بين الفرنسيين وأسلحتهم، وبدأ القتال بالسلاح الأبيض حيث تمكنوا من قتل نورمان قائد الحملة والكابتن (هلم جيزون)، ودامت المعركة ساعتين قضى الثوار فيها على الحملة كلها تقريباً، بينما كانت خسائر المهاجمين أربع وخمسين شهيداً من بينهم شقيق سلطان الأطرش (مصطفى الأطرش) و(إسماعيل الأطرش).
يذكر سلامي عبيد في كتابه “الثورة السورية الكبرى” (ص 125) أن الحملة الفرنسية كانت تتألف من 300 جندي وثلاثين خيالاَ مسلحين بالرشاشات، وقد قتل أغلب أفراد الحملة وضباطها. ويذكر الجنرال أندريا في مذكراته أنه لم ينج من معركة الكفر من الجنود الفرنسيين إلا خمسة.
غنم الثوار في هذه المعركة جميع الأسلحة والذخيرة الفرنسية التي استخدموها في المعارك التالية كما غنموا الخيول والمؤونة، إلا إن أبرز النتائج هي عودة الثقة إلى نفوس المواطنين في قدرتهم على المقاومة كما كانوا في العصر العثماني، وجعلت من الثورة أمراً واقعاً بيد الثوار أمر المبادرة وسرعة الانقضاض، حتى إن حامل راية قرية ملح وهو الشاب (شهاب غزالة) قد غرس سارية البيرق في ظهر رامي الرشاش الفرنسي فصرعه ولكنه استشهد في نفس المعركة، ودخل غزالة سجل الثورة السورية كأحد أول وأشجع أبطالها وله نصب بارز في مدينة الكفر التي كانت ساحة استشهاده.

aسلطان باشا الأطرش قائد معركة الكفر ومطلق شرارة الثورة السورية على الاحتلال الفرنسي
aسلطان باشا الأطرش قائد معركة الكفر ومطلق شرارة الثورة السورية على الاحتلال الفرنسي

خطة سلطان
قام سلطان بتقسيم المجاهدين إلى فرقتين، الأولى من المشاة وعليها أن تجتاز طريقاً وعرة عبر كروم القرية لتقوم بحركة التفاف على معسكر العدوّ من جهة الشرق، والثّانية يتألّف معظمها من الفرسان وقد اندفعت بسرعة نحو مواقع العدو لتصعد إليه مواجهة من الجهة الغربيّة في جبهة ضيّقة فرضتها على القيادة طبيعة الأرض الجبليّة يبلغ عرضها نحو مائتيّ متر وما هي سوى دقائق معدودة حتى أصبح العدوّ مطوّقاً من كلّ جانب.
يقول سلطان واصفاً مشاهد المعركة “رأيت شيوخاً وفتياناً يقتحمون المراكز الدّفاعية الحصينة أو يخترقونها هبوطاً من الجهات المرتفعة لا يحملون بأيديهم سوى عِصيّ السّنديان الثّخينة أو الأسلحة البيضاء المتنوّعة التي كان يشاهد لبعضها بريق خاطف عندما تنعكس عليه أشعّة الشمس الوهّاجة، وسمعت بأذني نخوات مقاتلينا وصيحاتهم المرعبة بعد أن توسّطوا المعسكر الفرنسيّ ثم لم أسمع بعد قليل سوى صرخات ألم متتالية تنبعث من أولئك الجنود التّعساء الذين مالت على رقابهم السّيوف الباترة وهوت على رؤوسهم وأجسادهم الفؤوس القاطعة ولم يكن ضبّاط الحملة وجهاز القيادة أسعد حظّاً وإنّما لقَوْا المصير نفسه وكتبت النّجاة لأفراد قلائل تمكّنوا من الوصول إلى قلعة السّويداء بكل صعوبة”.

نتائج النصر
أحيا نصر الكفر المؤزر الثّقة في نفوس الثوّار واكتسب العُزّل منهم أسلحة حديثة وذخائر ثمينة ليخوضوا بها معارك مُقبلة وانضمّت أكثريّة من المتردّدين إلى صفوف الثّورة.
كانت خسائر الثوّار في تلك المعركة جسيمة في أول معارك الثورة على الفرنسيين، ولكنّ الانتصار السّاحق كان له أثر فوري في استقطاب المجاهدين والمتطوعين وهو فرض على سلطان والثوّار بالتالي الانتقال إلى المرحلة التالية من الثورة، إذ إنه كان قد سدد طعنة كبيرة للوحش الفرنسي ولم يعد في إمكانه بالتالي التوقّف. لقد اشتعلت الثورة وأصبح على جميع الأطراف التعامل مع الواقع الجديد وترقب تبعاته والتعامل معها.
سلطان يجند الجبل
من قنوات عمل سلطان على استثمار نصر الكفر السّاحق فراح يكاتب القرى ويشرح المبادئ الأساسيّة التي قامت عليها الثّورة وكانت الأجوبة التي ترد إليه من شيوخ القرى وأعيانها تنطوي على التّأييد المطلق والوعود القاطعة بإرسال النّجدات السريعة.
وفي قنوات أخذت وفود من الجبل ونواحيه تأتي إلى سلطان للتّعزية باستشهاد أخيه مصطفى وإعلان الولاء للثّورة وقد أجابهم “مصطفى راح في يومه فداء للوطن، وإنّني لم آسف على فراقه أكثر ممّا أسفت على فراق الشّهداء الآخرين الذين ضحّوْا بأنفسهم في سبيل حرّية بلادهم واستقلالها، واعلَموا أنّنا سنفقد الكثير من أبنائنا وأخواننا في معارك قادمة لنتخلّص نهائياً من ظلم الأجنبي واحتلاله لبلادنا”.
وقد عزّز انتصار سلطان باشا والثوّار في الكفر من شعبيّته في الجبل فبدأ الرّجال بالانضمام إلى الثّورة بحيث تمكّن في غضون أسبوع من استقطاب ألوف المتطوّعين من جميع قرى المنطقة وتحوّلت فرقته الصّغيرة إلى قوّة ضخمة تضمّ ما يتراوح ما بين ثمانية آلاف وعشرة آلاف مقاتل سيطروا على كافّة مناطق جبل الدروز، وكانوا في ما بعد النواة التي ألهبت نيران الثورة السوريّة الكبرى على المحتل الفرنسي في سوريا ولبنان.

مرستي

مرستي بين الأمس واليوم

ثغرة مرستي طريق القوافل لها تاريخ طويل
مخفر عثماني وعواصف ثلجية تقطع الطريق

موقع مرستي الحصين جعلها ملجأ الزعماء في الشدائد
وطريق المسافرين والبضائع والثوار بين صيدا والشام

بحيرات جمع الأمطار أحيت زراعة الفاكهة
وتربية النحل تدرّ عسلاً طيباً ودخلاً إضافياً

مـرستي قرية من قرى الشوف في محافظة جبل لبنان، تقـع على هضبة متدرّجة في سفح جبل مـرسـتي وتجمعها حدود مشتركة مع معاصر الشوف والخريبة شمالاً، وبعذران غـرباً، وجباع الشوف جنوباً، وصغبين وعيـن زبدة في البقاع الغربي شرقاً. مناخها بارد في فصل الشتاء بسبب ارتفاعها ما بين 1250 و1300 م عن سطح البحر. وبسبب ذلك فإن شتاء القرية يتخلله تساقط الثلوج التي تكسو جبل مرستي بحلة بيضاء في فصل الشتاء وتأخذ القرية نصيبها أيضاً وقد تتسبب كثافة الثلج أحياناً في قطع الطرقات منها وإليها عدة أيام، لكن مناخ القرية معتدل في فصل الصيف بسبب ارتفاعها وكثافة الأشجار الحرجية وأشجار البساتين المثمرة. تقع مرستي ضمن قرى محميّة أرز الشوف، وهي تحتضن معالم وآثاراً تاريخية عدة لكن أبرز معالمها الحاضرة ساحتها ومبنى العين الذي يتوسطها ويرتفع فـوقه تمثال للمعلّم كمال جنبلاط، أُنشـئ في العام 1978.

نمو سكاني
في بـداية القرن السادس عشر، أجرت الدولة العثمانية إحصاء لسكان القرية لغرض جباية الضرائب، وقد بلـغ عـدد سكان القرية حسب ذلك الإحصاء 39 شخصاً من الذكور، من سن 15 سنة حتى 60 سنة، وهؤلاء هم المكلّفون بدفع الضرائب. ولـم تُحصَ النساء والشيوخ والأطفال. ومن خلال إحصاء أجرته مديرية الشوفين في عهد المتصرّفية سنة 1910م، كان عـدد سكان مرستي (232) نسمة، ذكوراً وإناثاً، كباراً وصغاراً، منهم 104 من الذكور و 111 من النساء و 17 شخصاً من المهاجرين إلى المغتربات الأميركية في الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين. بالطبع الأمر اللافت هو ما يبدو من ضآلة عدد سكان القرية في مراحل تاريخية غير بعيدة وربما كان ذلك بسبب تعمد بعض الأهالي ولا سيما الشبان منهم التغيب عن الإحصاء خوف التجنيد وفي الوقت نفسه لاجتناب الضرائب المرهقة. أمّـا الآن فيبـلغ عـدد سكان مرستي حوالي ألفي نسمـة وعـدد الناخبين حسب لوائح الشطب الصادرة عن وزارة الداخلية 1,137 ناخب. أمّـا عائلاتها فهي: الدبيسي، زيدان، بشنق، أبوعلي، الحلواني، كنعان، عبد القادر، عـزّام، حمـزة والقاضي.
تبعد مرستي عن العاصمة بيروت نحو 70 كلم ويمكن الوصول إليها عبر طريق الدامور-كفرحيم- دير القمر- بقعاتا الشوف مروراً بالمختارة وصعوداً نحو الخريبة فمرستي. ويمكن أيضاً سلوك طريق كفرحيم– بعقلين عبر ديردوريت ثم أخذ طريق بقعاتا المختارة الخريبة المبين آنفاً.

أصل التسمية
تعـود تسمية مرستي Mristi إلى اللغة الفينيقيّـة، وتعني نعجـة صغيرة (شاة) والنسبة إليها إرث من جذر (يرش)، يقابلها في العربية ورث. ورد هذا الإسم في التوراة سـفر ميخا، وهي مدينة النبي ميخا2. عرفت خلال حكم الإمارة التنوخية بإسم المريستة3، ممّـا يؤكد وجودها قرية آهلة بالسكان منـذ بـداية تواجد التنوخيين واستقرارهم في هذا الجبل وهي مـن قرى الشوف الأعلى وكان يطلق على هذه المنطقة الشوف الحيطي، وعلى منطقة الشوف: جبل الشوف، جبل الـدروز، بـلاد الـدروز، شـوف إبن معن، والشوف التابع صيـدا المحروسة. وخلال العصر الوسيط، وأثنـاء وجود الإفرنج الصليبيين واحتلالهم لبلادنا، كانت قرية مرستي وقرى عديدة في الشوف وجـزّين تابعة لقطاع الفرسان التوتونيين، الذين كانوا تابعين بدورهم إلى سـنيوريّـة صيدا4، وخلال العهـد الشهـابي العثمـاني كانت مرستي تابعـة لعهـدة آل جنبلاط.

ثغرة مرستي
شكلت قرية مرستي منذ القدم صلة وصل بين بلاد الشوف ووادي التّيـم، ومحطّة على طريق برية رئيسية كانت تنطلق من صيدا نحو الشوف وصولاً إلى البقاع ثم دمشق. وكانت تلك الطريق تمـرّ عبـر ممـرّ جبلي كان يسمى «ثغـرة مرسـتي» وهو منخفض منبسط على سطح جبل مرستي يشرف على سهل البقاع شرقاً، وعلى منطقة الشوف غرباً وتمـرّ في وسطه طريق المسافرين الرئيسية التي تنطلق من صيدا إلى دمشق عبر جبال الشوف ثم سهل البقاع. كان القوافـل والمارة والمكارون تتخذ الطريق نقطة استراحة من عناء السير بينما أقام العثمانيون فيها مركزاً عسكرياً لأغراض مراقبة حركة السفر ونقل البضائع وقد استمرّ المركز حتى نهاية عهد المتصرّفية. وعلى هذه الطريق نفسها كانت المارّة والمكارون والقوافل يتعرضون للعذاب والمعاناة أثناء العواصف الثلجية التي كانت تضرب المنطقة في فصل الشتاء. وكان أهالي مرستي في حال تأهب دائم لتلبية نـداءات الإستغاثة من المسافرين وكانوا غالباً ما يحضرونهم إلى منازلهم في القرية ويقدّمون لهم الطعام والتدفئة والمنامة والعلف لمواشيهم، وكان هؤلاء يمكثون في مرستي أياماً عديدة بانتظار انقشاع العاصفة وعودة الطريق إلى حال تسمح بمتابعة السير.
فـي سنة 1400م، سلك هـذه الطريق سلطان المماليك فـرج بن برقوق مـع حاشيته ومرافقيه، أثناء عودته من دمشـق إلى مصر. وفي سنة 1436م، سلكها أيضاً الأمير صالح بن يحيى التنوخي أثناء عودته من دمشق إلى عبيـه5.

طريق الثوار
وخـلال العهد العثماني كان أهالي الشوف وغيرهم يسلكون هذه الطريق إلى جبل حوران في سوريا ذهاباً وإياباً للهجرة وإحضار الحنطة وإرسال النجدات الحربية لسكان الجبل الذين كانوا عموماً من الذين هاجروا من لبنان وتربطهم بأهله علاقات قربى وعصبية، وبقيت هذه الطريق تستخدم من قبل المارة والمكارين، حتى بعـد الحـرب العالميّة الثانيـة.
في سنة 1958، عندما قاد الزعيم كمال جنبلاط إنتفاضة مسلّحة ضـد حكم رئيس الجمهورية كميل شمعون، كان الثّـوار يسلكون هذه الطريق إلى سوريا وقرية دير العشائر الحدودية، لإحضار الأسلحة والذخائر، كما سلكها مجاهدو الجبل الذين حضروا من سوريا لدعم أخوانهم والزعيم كمال جنبلاط في الانتفاضـة المسلحة.
وخلال العهد الشهابي العثماني، هاجرت أسر عديدة من لبنان إلى جبل حوران، واستقرّت هناك بصورة نهائية، وبـدأ حصول زواج بين هذه الأسـر وأقاربهم في لبنان. فكانوا يحضرون العروس من جبل حوران إلى ثغرة مرستي، ويكون أهل العريس بإنتظارهم في الثغرة، يمضون ساعات في الثغرة يرقصون الدبكة ويتناولون الطعام والحلويات، ثـم يعود كل إلى بلده. إستمر هذا التقليد لسنوات عديدة، وتوقّف مـع بداية الحرب العالمية الأولى.6

العيــن
العيــن

حـارات مـرسـتي
كانت قرية مرستي تتألّف من حارتين. «الحارة الفوقا» والتي تنتشر بيوتها حـول الساحة، وتمـرّ وسطها طريق المارة الرئيسية، مـن معاصر الشوف والخريبة إلى جباع الشوف ونيحا، وعلى العكس، و«الحارة التحتا» تحيط بيوتها بالساحة التحتا التي يطلق عليها (ساحة الجامع)، حيث كان يوجد جامع في هذه الساحة وهو أمر كان قائماً في العديد من القرى في ظل الحكم العثماني، وكان سلاطين بني عثمان المتمسكون بأهداب الشرع يحرصون على التزام رعاياهم فرائض الإسلام ولا سيما الصلاة وصلاة الجماعة وكانوا لذلك يحرصون على بناء الجوامع في القرى حتى النائية منها مثل مرستي. ففي سنة 1537م تلقى كل ولاة الدولة العثمانية أمراً صادراً عن السلطان العثماني يقضي بإلـزام كل قرية ببناء جامع، وإلتزام الولاة تأديـة صلاة الجمعة مع المؤمنين7.
أمّـا البيوت في مرستي، فقد بـدأ تطوّر بنائها في نهاية القرن التاسع عشر بسبب الهجرة وتحويل الأموال من المغتربين، وبقيـت أسطح المنازل ترابية نـظراً إلى صعوبة إيصال مواد البناء (الحديد والترابة) إليها. لكن منذ حصول زلزال سنة 1956، وبعـد أن وصلت طريق السيارات حينذاك إلى المرج الشرقي قرب مرستي، بـدأ تـرميم المنازل القديمة وبناء منازل بشكل هندسي حديث. وخلال العشرين سنـة الأخيرة، بــدأ تجميـل الأبنية وتلبيسها بالحجـر المنحـوت والمبـوّز، والقناطـر الحجـرية، والحـديد المطروق، وأسـطح القرميد..

الــزراعــة
كانت قرية مرستي كغيرها من قرى الجبل تعيش على الزراعة وعلى تربية دود القـزّ لإنتاج شرانـق الحرير، وتربيـة المواشي، وكان السكان بعد الانتهاء من الحصاد ومواسم الغلال يخزنون المـؤن وحطب التدفئة لفصل الشتاء والذي كما يستذكر العديد من المسنين كان يأتي أكثر قساوة من اليوم ربما بسبب التغير المناخي، وكانت الثلوج تضطر السكان لملازمة بيوتهم لأيام وأحياناً لأسابيع فكان لا بدّ بالتالي لكل منزل من أن يكون مجهزاً بالمؤن وحطب التدفئة وربما بصيدلية أعشاب صغيرة إتقاء للرشح ولمعالجة بعض الحالات البسيطة.
لكن الزراعة أهملت تدريجياً بسبب الإنتقال إلى العمل الوظيفي، في بعض المؤسسات الرسمية والخاصة، والمؤسسات العسكرية، وتعاطي بعض المهـن، واضطرّت أسـر عديدة من مرستي للنزوح إلى المدن، والهجرة إلى بلدان الإغتراب، بهدف كسب الرزق وتعليم الأولاد. وقد أصبحت الوظائف حالياً المـورد الأساسي لمعيشة الآهلين، مع العلم أنه لا يـزال هناك بعض المزارعين في مرستي يهتمّون بالزراعـة وإنتاج بعض الفواكه والخـضار. وخلال السنوات العشر الأخيرة حصل نوع من النهضة في النشاط الزراعي وعاد قسم من السكان إلى الاستثمار في استصلاح الأرض وبساتين الفاكهة، وقد شجعهم على ذلك إنشاء بحيرات مخصصة لتجميع مياه الأمطار في فصل الشتاء، وهذه المياه تستخدم في ريّ المزروعات خلال فصل الصيف وفق نظام تشارك معين. وقد استخدمت البحيرات أحياناً في نشاطات سياحية وبيئيّة مختلفة بما في ذلك مراقبة الحيوانات والطيور المحلية والعابرة. لكن رغم هذه الصحوة الزراعية، فإن إنتاج الأرض ما زال يمثل مصدر دخل إضافياً ولا يوجد في الحقيقة من هو معتمد كلياً في عيشه على العمل الزراعي كما كانت الحال من قبل. أمّـا زراعة القمح فقـد أهملت نهائياً، وأصبحت الأراضي السليخ أرضـاً بـوراً، ولـم يعـد من وجود للبيادر.
قــال أحــدهــم:
بيــــدركـــن كـل مـــــن زارو بيـــــرجــــع دوخـــــان حمـــــارو
صــار البيـدر بيـدر شــوك والمــــورج طـــــارو حـجـــــــــارو

بحيرات تجمع الأمطار أدت إلى تنشيط القطاع الزراعي
بحيرات تجمع الأمطار أدت إلى تنشيط القطاع الزراعي

العـلاقـات الإجتمـاعيّـة في مـرســتي
تميّـز أهالي مرستي خلال تاريخهم الطويل، بالرجولة والشجاعة وإغاثـة الملهوف وكـرم الضيافة، وكانت للضيافة بشكل خاص مكانة الصدارة في عادات السكان الذين كانوا حريصين على عقد أواصر الصداقة والتزاور مع أبناء القرى والبلدات القريبة والبعيدة. ونمت في مرستي علاقات بين العائلات. والجيرة كانت تتميز بالتعاضد والتعاون في أمور الحياة مثل «استقراض» الخبز أو «الدسـت» وهو الوعاء النحاسي الكبير المستخدم في الطبخ والطناجر والصدور النحاسية، وحتى الخميرة و«روبـة» اللبن كان يتم تبادلها أحياناً بين الناس الذين كانوا أشبه بأسرة واحدة.. وكان إذا تعرّض أحـد في القرية لمكروه أو مصيبـة يهب الجميع للإطمئنان عليه وعرض المساعدة والمواساة، كما إن مناسبات الأفراح والأتراح كانت تفرض المساهمة والتعاون من قبل الآخرين. هـذه المناسبات تجمع شمل الآهلين. وللمآتم كما هو معروف حرمتها وآدابها إذ يحرص الناس على مشاركة أهل الفقيد مصابهم مع غيرهم من أبناء القرى الذين قد يتوافدون من أماكن بعيدة لأداء واجب التعزية، ومازالت لهذه العادات التضامنية وظيفة أساسية في مجتمع الجبل هي تجديد روابط القربى والنسب وتأكيد اللحمة «العشائرية» بين بني معروف وهي لحمة تظهر في أحلى صورها في الملمات وعندما يلوح في الأفق أي خطر على الوجود أو تهديد للأرض والعرض.
ومن أشكال هذه الروابط التضامنية «العـونـة» وهي المساعدة الجماعية التي يسديها أهـالي مرستي لبعضهم بعضاً عندما يحتاج أي منهم للقيام بأعمال تتطلّب أيـادي كثيرة لإنجازها. وفي «العونـة» تتجلّى روح التعاون التي تفرضها عليهم الحياة الجبلية الزراعية. هـذه الأعمال، أورثت إطاراً فعالاً لتبادل الخدمـات والمساعدات والتضامن وحسـن الجوار. وهي من العادات المتأصّلة والمتوارثـة في مجتمعنا الجبلي.
لكن ورغم أجواء المودّة والتعاون فإن هناك دوماً في القرية ما قد يؤدي إلى تعكير الأجواء ولا يوجد في الحقيقة سبب لبروز النزاعات بين أهل القرية مثل الخلاف على الأرض العزيزة بالنسبة لأهل الجبل. والخلافات على الأراضي الزراعية قد تنشب بسهولة بسبب تداخل الأراضي وعدم وضوح تخومها، وقد ينشب الخلاف على سقاية المزروعات، أو بسبب الميراث، ولا ننسى خلافات الحَمَاة والكنّة التي قد تنتقل بسهولة إلى عائلتي الزوجين بسبب انتصار كل عائلة لأحد منهما. لكن كما إن في المدينة قوى أمنية وفرق تدخل فإن للقرية أيضاً فرقة التدخل الخاصة بها وهي لا تضم رجال أمن بل قد تضم بالدرجة الأولى المختار وبعض الوجهاء الذين لهم «مونة» وهؤلاء يلقون بثقلهم لتهدئة المشاعر والدعوة إلى التعقل ولعن الشيطان وهم غالباً ما يفلحون في عقد المصالحـة وإعادة مياه العشرة والقربى إلى مجاريها.
أمّـا الخلافات السياسية فهي متجذّرة بين السكان، وقد لا تظهر علناً لكنها كامنة غالباً مثل النار تحت الرماد يمكن لاي ريح مفاجئة أن توقدها، وقد كان أهالي مرستي كسائر أهالي قرى الجبل، منقسمين إلى حزبيتين، الحزبية القيسية والحزبية اليمنية. لكن معركة عين دارة سنة 1711م أدت إلى القضاء على الحزب اليمني فتشتت أنصاره وهاجر معظمهم إلى جبل الدروز في سوريا، وأنفرد القيسيون بزعامة آل شهاب بحكم الجبل. بعـد ذلـك، عمد الشهابيون ابتداء من عهد الأمير ملحم الشهابي (1729-1754م) إلى افتعال إنقسام جديد بين حزبيتين جديدتين هما الحزبية الجنبلاطية والحزبية اليزبكية، وكان هدفهم إضعاف شوكة الأمراء الدروز والحؤول دون اتحادهم فيخلو لهم بذلك حكم الجبل، وبالفعل انقسم سكان الجبل بين مؤيد للحزب الجنبلاطي ومؤيد للحزب اليزبكي وأطلقت على هذه الحزبيات إسم (الغرضيّة)، لكنها كانت ولاءات عشائرية وبعيدة كل البعد عـن رابطة الحزب بمفهومها الحديث.
كانت الغرضية تفعل فعلها بين السكان، في أجواء مشحونة بالميول السياسية، وكان يحصل تحـزّب بين العائلات والأفراد، بسبب مرشّح للإنتخابات ، ممّـا يؤدي إلى حصول شجار وتقاتل بالعصي والحجارة والسكاكين. وفي هذه الحالات فإن منطق القبيلة أو العشيرة يغلب على لحمة القرية التي تجد نفسها أحياناً منقسمة ومتناحرة حول أمور لا تغني ولا تسمن من جوع. لكن العصبية المتأصلة في أبناء الريف يظهرونها أحياناً في صورة ولاء سياسي وأحياناً في صورة ولاء حزبي أو ولاء لشخص. وإبن القرية معروف بميله للنكاية بجاره والتشفي منه عندما يحقق حزبه إنجازاً أو انتصاراً انتخابياً مثلاً وهـذا ما عبّـر عنه الأديب سعيد تقي الدين بقوله: (غريب كيف يتثقّف الواحـد منّا، ويدرس ويطالع ويغترب، ويخالط المتمدنين من البشر ثـمّ هـو إن إنكفأ إلى قريته، عـاد يمارس بين ربعه السلوك القروي بذهنية القـرن الماضي وعقلية العهد العثماني).8 واستمـرّ التحـزّب للجنبلاطية واليزبكيـة في مرستي حتى بـداية أحـداث سنة 1975.

بوسطة شاهين
في الماضي لم تكن هناك في مرستي طرقات ولا سيارات، كان أهالي القرية ينتقلون سيراً على الأقدام أو يستخدمون ظهور الحيوانات (الخيل والبغال والحمير) كوسائل للنقـل. وفي سنة 1920، إقتنى السيد شاهين عابد من المختارة سيارة «فورد أبو دعسـة» فكان الركاب يأتون من مرستي والقرى المجاورة، إلى المختارة ليستقلّوا السيارة إلى بيروت. وفي سنة 1935، استبدل السيد شاهين سيارته الفورد بحافلة لنقل الركاب كانت تسمى بلغة أهل القرية «البوسـطة».9 وكانت البوسطة تبيت في قرية باتر وتنقل الركاب من القرى التي كانت على خط سيرها إلى بيروت، وكان القادمون من مرستي ينتظرونها في عماّطور، ثم تمّ بعد ذلك تسيير حافلات ركاب أخرى من عماطور ونيحا وبعذران فأصبح أهالي مرستي يحضرون إلى بعذران أو الخريبة للإنتقال بالبوسطة إلى بيروت. وفي سنة 1965، إقتنى السادة زيدان أحمد زيدان وقاسم أحمد زيدان من مرستي، ونجيم نجيم من معاصر الشوف، بوسطة كانت تنقـل الركاب يوميّاً من مرستي والخريبة والمعاصر إلى بيروت وعلى العكس. واستمرت البوسطة في الخدمة لمدة عشر سنوات وتوقفت سنة 1975، بسبب انـدلاع الحرب الأهلية، أمّـا الآن فقد أصبح معظم السكان يملكون سياراتهم الخاصة وذهبت بالتالي أيام البوسطة ومسامراتها.

مزرعة الشاوية على مدخل مرستي
مزرعة الشاوية على مدخل مرستي

آلام الحـرب الأولى
وقعت الحرب العالمية الأولى سنة 1914 وعانى أهالي مرستي وأهالي الشوف من هذه الحرب الشيء الكثير إذ قامت الدول الحليفة، ومنها بريطانيا وفرنسا، بحصار بحري على الشواطىء، ومنعت وصول المواد الغذائية المنقولة بحراً، وتوقف ورود الأموال المرسلة من المغتربين إلى ذويهم، الأمر الذي ضاعف من اشتداد الأزمة. كما فرضت السلطات العثمانية نظام التجنيد الإجباري (سفربرلك). وحددت رسم الإعفاء 44 ليرة ذهبية عثمانية. ومنع الأتراك نقل الحبوب لتوفيرها لجيوشهم، كما أقدمـوا على استبدال العملات الفضية والذهبية بالعملات الورقية. فهبطت قيمة النّقد وارتفعت الأسعار إرتفاعاً فاحشاً وأصبح يباع رطل الخبز بليرة ذهبية عثمانية. وفي ربيع سنة 1915، اجتاح الجراد منطقة الشوف، فأصاب مرستي من أضراره الشيء الكثير إذ التهمت أسرابه كل ما هو أخضر من الأشجار والنبات، وقضى على المواسم والغلال، فهاجرت عائلات عـديدة من مرستي إلى جبل الدروز في سوريا لتأمين معيشتها. وبعـد إنتهاء الحرب عـادت أسر إلى مرستي بينما استقر البقية في سوريا بصورة نهائية.

مـلجـأ الثـوّار والفـارّين
شكّلت قرية مرستي وشاويتها10 وجبلها موقعاً حصيناً وملاذاً للثوار والفارين من وجـه الحكام، كما إنها كانت ملجأ آمناً للمشايخ الجنبلاطية في الأحداث العصيبة، وحين تتـعذّر مقاومة الأمير الشهابي أو والي صيدا، سبب ذلك هو الموقع الحصين للقرية وإشرافها على معظم الشوفين واتصالها بقرى الخريبة والمعاصر فالباروك من جهـة، وبالخريبة بعذران حيث قصر آل جنبلاط، وعماطور حيث الثقل السياسي للجنبلاطيين. لذلك اضطرّ أولاد الشيخ قاسم جنبلاط سنة 1794، للإنسحاب إلى مرستي والتحصّن في شاويتها، عندما اشتدّ الضغط عليهم من أولاد الأمير يوسف الشهابي ومدبّرهم جرجس باز، ووالي صيدا أحمـد باشا الجزّار، في الصّراع الذي كان محتدماً بين القطبين الشهابيين، الأمير بشير قاسم الشهابي، وأولاد الأمير يوسف. وكانت مرستي المحطّة المتقدّمة لتصعّد وادي التيم والإختفاء فيـه، وكذلك الشيخ حسن جنبلاط عندما أخرجه الضغط الأمني والسياسي من منطقة الشوف كان جبل مرستي هذه المرّة أيضاً، ملاذاً آمنـاً له.
في عهد الإنتداب الفرنسي، وفي بداية عهد الإستقلال كان الثوّار يلجأون إلى مرستي للإختباء في منازلها وفي جبلها، هرباً من العساكر التي كانت تلاحقهم. أو للإستراحة من عناء السير أثناء ذهابهم إلى البقاع وسوريا والأردن وفلسطين، وأثناء عودتهم منها. وقـد عانى أهالي مرستي أشـدّ أنواع القهر والعذاب من قبل رجال الجندرمة، بسبب لجوء الثوار إليها، وأيوائهم وتقديم المساعدة لهم. وكان رجال الجندرمة يحضرون إلى مرستي في كل مـرّة مجموعات، ثلآثين أو اربعين عسكرياً يقومون بتفتيش المنازل وتوقيف الأشخاص ويفرضون على الآهلين غرامات مالية، وتقديم الطعام والمنامة لهم والعلف لخيولهم.

آثار القرية والينابيع
تـزخـر قريـة مرستي بالمعالم الأثرية والطبيعية منها: «عين الغابـة» و«عين التحتي» والسنديان الروماني و«عين ياقوتة» والمعصرة والجسر القديم والبرك الزراعية وتمثال للمعلّم كمال جنبلاط و«نبع جعيتي» الواقع على حدود الأراضي بين مرستي وجباع.

عيـن الغابـة: هي العين الرئيسية لقرية مرستي وكان أبناء القرية ينقلون منها الماء إلى منازلهم، للشرب والإستعمال المنزلي وسقاية المواشي، والفائض منها يجمع في صهريج يستخدم لري المزورعات. وتقسم مياه الري بين المزارعين كل بحسب ملكيته. وقد جـرى تجـديد بناء العين سنة 1812م، من قبل الشيخ بشير جنبلاط (1775-1825)، وأرّخ بناءها الشاعر نقولا الترك بأبيات شعرية محفورة على بلاطة ومثبتة داخل قنطرة العين، لم تزل موجودة حتّى تاريخـه. وفي سنة 1952، تمّ جـرّ مياه العين إلى ساحة القرية في مرستي وبناء خزّان مع مصبّ للمياه وقنطرة هندسية. ونظراً إلى عذوبة مياه هـذه العين وجمال موقعها، كان الأمير بشير الشهابي الثاني، والشيخ بشير جنبلاط، وبعد ذلك الشيخ سعيد جنبلاط، يقومون برحلات صيد إلى مرستي مع الأصدقاء والمرافقين، فتحمل الأسلحة والفرش وأدوات الطهي والضيافة، والخيام والشوادر والصواوين وتنصب قرب العين، (لم تزل المحلة يطلق عليها جلّ الصيوان)، يصطادون في كل مرّة مئات الطيور من أنواع الحجال وغيرها والحيوانات البريّة ويمضون في مرستي أيّاماً عديدة.
في أمسيات الربيع والصيف كانت الصبايا يذهبن إلى العين، حاملات الجرار الفخاريـة على أكتافهن لإحضار المياه، وهـنّ بأبهى زينتهن. وكان الشبّان يتابعون الصبايا وأحياناً يعجبون بإحداهن مما يـؤدّي إلى الخطوبة والـزّواج. ودروب العين في القرى اللبنانية لهـا شهرتها، تـروى عنها قصص وحكايات.
قال الشاعـر عبدالله العريضي:
وبـاقـة صبايـا بـلــيلـة القمــرة يحكـــــوا الحكــــايـا عـ طـــريــــــــق العـــين
وعـكتـافـهـن تتـغـنّـج الجــــــرّة وتـقــــــــــول الـلـــــــه يجـمــــــع القــلبــــــــين

” أين حقول القمح؟ ماذا حصل للبيادر؟
هجرة السكان إلى المدن أقفلت التكميلية  “

مرستي تحت الثلج
مرستي تحت الثلج

تاريخ مدرسة
كان تعليم الأولاد في الماضي يتـمّ في «مدرسة السنديانة» حيث يكلّف شخص يجيـد القراءة والكتابة بتعليم الأولاد القراءة والكتابة والحساب وحفظ بعض النصوص الدينية.
في سنة 1927، افتتـح أهالي مرستي مدرسة خاصة لتعليم أولادهم، وفي العام التالي صدر مرسوم عن حاكم لبنان الكبير، المفوض السامي الفرنسي،للترخيص لهذه المدرسة، نشر المرسوم في الجريدة الرسمية الرقم 2139 تاريخ 6/2/1928، كان الطلاب يجلسون على أرض الغرفة، وكل طالب يصطحب جلد خروف للجلوس عليه. كان يطلق على المدرّس لقب «معلّـم» شـأن كل صاحب مهنة في ذلك الحين. وكان «المعلم» يتقاضى أجره من أهالي الطلاب، ويتناول طعام الغداء والعشاء في منازل الأهالي يومياً ومداورة بالإضافة إلى هدايا من المؤونة، مثل التين المجفف والزبيب ودبس العنب والعسل وغير ذلك. ويعتبر متعلّماً، مـن كان يجيد القراءة والكتابة، ويعرف الأقلام الأربعة وهي: الجمع والطرح وحفظ جدول الضرب والقسمة. وكان بعض الرجال يتباهى بوضع أقلام الحبر في جيب السترة الأمامية كي تظهـر للعيـان.
في سنة 1948، أصبحت المدرسة (مدرسة رسميّة)، تابعة لوزارة التربية الوطنية. جهّزت بطاولات ومقاعد خشبية لجلوس التلامذة، ولوح أسود يكتب عليه بالطبشور، وطاولة وكرسي للمعلّم، الذي أصبح يطلق عليه لقب «الأستاذ».
في سنة 1960، إفتتحت جمعيّة رعاية الطفل، التي كانت ترأسها السيدة زهيّة سلمان مدرسة في مرستي لتعليم الأطفال عهد بإدارتها والتعليم فيها إلى الشيخة أم حكمت زرافه توفيق بشنق وكانت تعلّم الصبيان والبنات واستمرت في هذا العمل نحو عشرين سنة.
في سنة 1985، أصبحت مدرسة مرستي الرسمية مدرسة تكميلية، تمنح الشهادة المتوسطة (البريفيه)، بعـد أن تـمّ إنشاء بناء جديد، وتجهيزه بجميع المسلتزمات، والجهاز التعليمي اللازم. لكن هذه المدرسة أقفلت مؤخراً من قبل وزارة التربية، بسبب عدم وجود العدد الكافي من الطلاب، وبات الآهلون يرسلون أولادهم الى المدارس الرسمية والخاصّة في المختاره وبقعاتا وبعقلين وغيرها. سبب نهاية هذا الصرح التعليمي هو الهجرة ونزوح قسم كبير من الأهالي منذ ستينات القرن الماضي إلى بيروت طلباً للعمل وبالطبع فقد لجأ هؤلاء النازحون إلى تعليم أولادهم في المدن والكثير منهم ذهب إلى الجامعات وعاد إلى القرية بالإجازات الجامعية وبشهادات الماجستير والدكتوراه.
البــلـديّــة
أُنشئَت البلدية في مرستي سنة 1973، وبـدأت بتنفيذ بعض المشاريع الضرورية حسب ميزانيتها المتواضعة. وبما أن مرستي كانت تعاني من وجود الحفر الصحّية، خاصة القريبة من الطرقات العامة، قامت البلدية في سنة 1973، بتنفيذ أوّل خط للصرف الصحّي يمتـد من الساحة إلى أسفل القرية ويصبّ في قعر الوادي. لكـن أعمال البلدية توقّفت سنة 1976، بسبب إندلاع الحرب الأهلية.
وفي سنة 1983، تأسست الإدارة المدنية في الجبل، وعيّنت لجنة في مرستي قامت بتنفيذ أقسام من مشروع الصرف الصحي، بتمويل من الإدارة المدنية، وتبرعات جُمعت من أهالي مرستي.
في سنة 1998، وفي الدورات الإنتخابية البلدية التي تـلت، أنتخب الدكتور ناصر زيدان رئيساً للمجلس البلدي، ونائباً للرئيس الأستاذ صبحي الدبيسي، وبعده الشيخ غسّان الدبيسي. قامت البلدية بتنفيذ مشاريع عـديدة، ومنها الأقسام المتبقية من مشروع الصرف الصحي، وبعـد ذلك تـمّ إنشاء محطة تكريـر بتمويل من وكالة التنمية الأميركية، ووضعت المحطة باستلام مصلحة مياه بيروت وجبل لبنان.
إن مجمـوع الأعمال والإصلاحات التي أنجزتها البلدية في مرستي، خـلال السنوات العشر الأخيرة، دفعت بقـريتنا إلى طريق التقدم، وقد أصبحت من القـرى النّـاميـة الراقيـة مـع العلم أن عـدد سكان مرستي في إزدياد، والتمـدد العمراني يزيـد من مساحة القرية سنة بعـد سنة، لذلك يطلب من المجلس البلدي مضاعفة الجهود لتلبيـة حاجـة الآهلين.
كـذلك إن مختار مرستي الشيخ نـزيـه بشـنق، يقـوم بالأعمال والخدمات المطلوبـة للآهليـن، بجهـد ونشاط، مـجّانـاً من دون أجــر.

اقتصاد منزلي
تتميز مرستي بإنتاج مـواد غذائية بلديّـة في المنازل، مثل الكشك والمربيّات والكومبوت والأعشاب والشّرابات والمقطّرات وغيرها، بالإضافة إلى إنتاج الفواكه والخضار وعسل النحل، للإستهلاك المحلّي والبيع في الأسواق.
إن محميّة أرز الشوف تعمل للحفاظ على أسلوب العيش الريفي بالتواصل مع المجتمع المحلّي. ولتعريف زائر المحميّة على تراث وتقاليد المجتمع الريفي اللبناني، من خلال تقديم تراثه الغذائي، قامت المحمية منذ سبع سنوات بإنشاء مشغل في مرستي لصناعة بعض المواد الغذائية الريفية، تـمّ تجهيزه بكافة المعدّات اللازمة، من طناجر وكركات ومنصّات ورفوف وطاولات، جميعها من مادة الستانلس. ووضعت قواعد لصنع المنتجات من خلال تدريب السيدات على استخدام المواد الأولية بمعايير ومكاييل موحّدة في عملية التحويل وذلك بتمويل من البنك الدولي، وتنفيذ مجلس الإنماء والإعمار. وتعرض المنتجات على مداخل المحميّة لبيعها.
ومـن المؤسسات المحـليّة في مرستي: الإتّحـاد النسائي التقدّمي، منظمة الشباب التقدمي، تجمّـع أبناء مرستي، فريق مرستي الرياضي، والمستوصف الصحي، وقد تمّ مؤخراً إطلاق التعاونية الزراعية والنـادي الريـاضي للبلدة.

تحقيق شويّا

بلــــدة شويّـــــا الضاربــة فــي التاريــــخ
الزراعــة أولاً لكــن الميــاه شحيحــة

قلعـــة البســـط بناهـــا الفرنسيـــون إتقـــاء من الثـــوار
وهدمـهـــا الإسرائيليـــون قصفـــاً وكيـــداً

متوسطــــة يتيمـــة ولا مستوصـــف
وثـــــورة الاتصــــالات لــــم تــــدق أبوابهـــا

شويّا هذه البلدة الموغلة في التاريخ تتجلبب بجلباب حرمون الذي ينثر من شموخه على روابيها ومنحدراتها عنفواناً إنجبل به ابناؤها عبر التاريخ ليصدحو ا كرماً ونبلاً وشهامةً تجلت في مقاومة كل غاصب ومحتل لأرض الوطن .

التسمية
بحسب معجم أسماء القرى والبلدات اللبنانية فإن تسمية بلدة «شويّا» تعود مثل الكثير من القرى اللبنانية الجبلية الى السريانية وتعني الكلمة الأرض الممهدة والمعدة للزرع والغرس. وتنطبق التسمية على الامتداد الجغرافي لشويّا، إذ تبدو القرية فعلاً بمثابة منبسط عريض رابض على أقدام جبل الشيخ ولا شك أن أرضها الممهدة كانت في الماضي موقعاً مؤآتياً للزراعة وللسكن وقد عمل الأقدمون على إعمارها بسبب ميزات الموقع وكذلك تربتها الخصبة التي سهّلت قيام النشاطات الزراعية المختلفة وتربية المواشي.

الموقع
تقع بلدة شويّا في قضاء حاصبيا وتتبع ادارياً الى محافظة النبطية وهي تبعد عن العاصمة بيروت 120 كلم وترتفع 1250 م عن سطح البحر، و تتصل بعدد من القرى والبلدات المجاورة، إذ تحدها من الشمال قرى ميمس وعين تنتا والخلوات ومن الغرب عين قنيا وحاصبيا ومن الشرق شبعا ومن الجنوب عين جرفا .
يمكن الوصول اليها عبر طرق عديدة :
طريق بيروت -صيدا – مرجعيون – حاصبيا – شويّا
طريق شتورة – حاصبيا – شويّا
طريق شتورة – راشيا – عين عطا – شبعا – شويّا

أهميتها التاريخية
تعتبر بلدة شويّا من البلدات القديمة الموغلة في التاريخ، وهذا ما تدل عليه المغاور والنواويس الواقعة شرق البلدة والتي تعود الى حقبات تاريخية قديمة. كما ان اتقان الصنع يدل على أنها كانت تنتمي إلى حضارات وممالك مزدهرة. وهناك خمسة نواويس محفورة في الصخر يفصل في ما بينها حاجز صغير وعلى مقربة منها يقع بئر للمياه وهذه الآثار هي رومانية كما توجد بعض الآثار التي يرجّح أنها تعود الى زمن «عنا آيل» اي الى عصور آرامية للزمن السابق للمسيحية، وآيل تعني باللغة الآرامية «الله»، وما يدل على عراقة البلدة في التاريخ اشجار الزيتون المعمرة التي يزيد عمر الكثير منها على 2000 عام، كما توجد بالقرب منها آثار قديمة أيضاً وهي عبارة عن ابراج عسكرية وبقايا معابد ولعل ابرز هذه الابراج البرج الذي يطلق عليه إسم غبريال وقد سمي على إسمه تكريماً للضابط الفرنسي الذي قتل في فترة الإنتداب الفرنسي. واهمية هذا البرج تعود الى كونه مشرفاً على مساحات واسعة تصل الى فلسطين المحتلة وعلى البقاع والسلسلتين الشرقية والغربية. والبرج هو جزء من القلعة القديمة التي اطلق عليها اسم قلعة البسط والتي هدمت بفعل قصف الطيران الاسرائيلي أثناء نشاط المنظمات الفلسطينية في جنوب لبنان الذي استمر حتى العام 1982.
ويذكر مختار البلدة السيد أسعد الشوفي أن «حصن البسط» أو ما كان يُتعارف عليه قديماً بـ «برج البسط» تمّ بناؤه خلال حقبة الإنتداب الفرنسي من حجارة الجبال المجاورة بهدف توفير الحماية للجنود الفرنسيين وتوفير مركز مراقبة وتتبع التحركات التي قد تكون معادية للانتداب في تلك الفترة. واكتسب الموقع أهمية استراتيجية بالنظر إلى المناطق الجغرافية الشاسعة التي يشرف عليها، وكانت القلعة بناء متوسط الحجم لكن كان يتبع لها حزام من الأراضي المنبسطة والبساتين بحيث بلغت المساحة الكلية للموقع 24,000 م2 لكن بعد جلاء الإنتداب الفرنسي أخليت القعلة وبقيت خالية عملياً ومتروكة، باستثناء وجود شخص ربما كان وكيلاً لأصحاب الأرض يدعى ابو جاك كان يهتم بالبساتين، إلا أنه في أواخر سبعينات القرن الماضي وصلت مجموعات فلسطينية مسلحة تمركزت في المكان وأتخذته مقراً لها تنطلق منه في تحركاتها في المنطقة، وبقي الوضع على هذا النحو إلى أن اغار عليه الطيران الحربي الاسرائيلي وقصفه في العام 1976 ودمره بشكل شبه كامل بحيث لم يبق منه إلا بعض الأجزاء التي تم تحديثها وأضيف إليها بناء حديث يستخدم جزء منه مركزاً للمجلس البلدي، وجانب آخر مقراً للكشاف اللبناني، وما تبقى تمّ ضمّه الى بيت الضيعة ، وبذلك اسدل الستار على أحد المعالم التاريخية في البلدة.

سنديانة-الضيعة-1
سنديانة-الضيعة-1

منتزه لأمراء آل شهاب
كانت البلدة في فترة ما مقصداً لأمراء آل شهاب الذين كانوا يقصدونها خصوصاً في فصل الصيف بسبب مناخها البارد، وفي الوقت نفسه قربها الجغرافي من مقرهم السياسي وسكنهم في حاصبيا، إذ إن شويّا لا تبعد سوى سبعة كيلومترات عن المدينة، لكنها ترتفع نحو 1250 متر عن سطح البحر بينما ترتقع حاصبيا نحو 700 متر، وكان الأمراء يقصدون القرية في رحلات الصيد والنزهات، لكنهم وبسبب قربها من حاصبيا لم يجدوا على الأرجح حاجة لبناء بيوت أو قصور لهم فيها.
الوضع السكاني
بسبب غياب الإحصاءات السكانية الرسمية في لبنان منذ زمنٍ طويل بدأت البلدية منذ أشهر قليلة بإجراء إحصاء لعدد السكان وذلك لتقديم وثائق الى وزارة الداخلية تهدف الحصول على آلية انتخاب مختار اضافي في البلدة، وهذا العمل أظهر أن العديد من أبناء البلدة، الذين توفوا منذ زمن، لم يتم اسقاطهم من اللوائح الرسمية ويبلغ عدد السكان تقريباً 2850 نسمة لكن هذا الرقم يفوق على الأرجح عدد السكان المقيمين بصورة دائمة في البلدة. وأظهر المسح السكاني الذي أجرته البلدية أن سكان البلدة يتوزعون على الفئات العمرية التالية :
من عمر يوم حتى 14 سنة 30.5 %
من عمر 14 سنة ولغاية 64 سنة 66.5 %
فوق 64 عاماً 3.1 %

كيف يمكن ان نصنّف السكان بين مقيم ومغترب وهل تشهد البلدة نزوحاً باتجاه المدن ؟
نسبة المقيمين في البدة مرتفعة عند مقارنتها بالقرى والبلدات المجاورة إذ إن 85 % من ابناء شويّا يسكنون في بلدتهم ونسبة قليلة هم الذين يسكنون في المدن الساحلية لضرورات العمل، بينما انتقل عدد من الطلاب إلى بيروت لمتابعة تحصيلهم العلمي، أما نسبة المغتربين فقد كانت وجهة هجرتهم في الماضي نحو كندا واستراليا وبعض دول اميركا الجنوبية، أما اليوم فإن الهجرة إلى المغتربات البعيدة محدودة وما نشهده هو توجّه عدد من الشباب للعمل في دول الخليج العربي .

درج-محفور-على-الصخر-يعود-الى-العصر-الروماني
درج-محفور-على-الصخر-يعود-الى-العصر-الروماني

الثروة المائية
تعتبر مصادر المياه في البلدة ضئيلة ً مقارنة مع حجم المياه المطلوبة للقيام بأعباء الزراعة ولا يوجد سوى مصدر واحد هو المياه التي يتم جرها من بلدة شبعا عبر الهبارية، لتصل الى خزان البلدة الأساسي وهذه يتم توزيعها على كافة منازل البلدة من خلال شبكة المياه الداخلية. واللافت أنه لم يتم حفر أي بئر ارتوازية في البلدة لكن عدداً من السكان لجأوا الى إقامة خزانات إسمنتية لجمع مياه الأمطار في موسم الشتاء ليصار الى استخدامها خلال موسم الشحائح في فصل الصيف لأغراض الإستخدام المنزلي.
ليس من قبيل الصدفة وبسبب شح الموارد المائية الطبيعية أن تكون معظم زراعات شويّا بعلية، وفي صدارة تلك الزراعات الكرمة والصنوبر والزيتون والصبير وغيرها من الزراعات المطرية. أما الزراعات الأخرى كزراعة الخضار الموسمية خلال فصل الصيف فيتم تأمين المياه لها من البركة المجاورة للبلدة أو من «الحافور» وهو عبارة عن بحيرة لتجميع مياه الأمطار في الشتاء يتم استخدامها في موسم الصيف لري المزروعات، ويتم جلب المياه منها بواسطة شاحنات صغيرة مزودة بصهاريج، لكن مياه الحافور غالباً ما تنضب قبل نهاية فصل الصيف ولا يبدو أن استخدام مياهها يتم وفق نظام مداورة أو حصص.

محطات بارزة
تحتفظ بلدة شويّا بذكرى أيام مجيدة في تاريخها منها مشاركة أبنائها في استعادة بلدة حاصبيا مع الثوار الدروز في العام 1860 بقيادة كنج ابو صالحة، ودعم ابناء البلدة في العام 1925 للثورة العربية بقيادة سلطان باشا الأطرش، وقد برز احد مشايخها آنذاك الشيخ ابو يوسف حسين جمّاز الذي كان يتصف بالإقدام والشجاعة بمدّ الثوار ومساعدتهم وهو قدّم أحد أبنائه شهيداً في المعارك مع الفرنسيين.
وقعت البلدة تحت الإحتلال الإسرائيلي لسنوات طوال فعانت الكثير وتحملت كل صنوف القمع ولم ترضخ بل قدمت الكثير من الشهداء في سبيل الدفاع عن الأرض والكرامة إلى ان انجلت تلك الغيمة السوداء وعادت البلدة الى حضن الوطن .

الزراعة والثروة الحيوانية
تعتبر شويّا بلدة زراعية بالدرجة الأولى، وهذا على الرغم من أنّ العاملين في الزراعة لايشكلون النسبة الغالبة من مجموع المقيمين الذين هم في سن العمل، ولكن حتى الذين لا يمارسون الزراعة كنشاط اقتصادي فإن هذا النشاط العريق يعتبر مصدر دخل إضافياً قد يتفاوت في الأهمية لعدد كبير من الاسر المقيمة وقد يغطي بالتالي تكلفة الحاجات الضرورية مما يسمح للأسر بادخار جزء من مداخيلها الأساسية أو استخدامه في أغراض البناء أو تمويل بعض المصالح.

المغارة-التي-سكن-فيها-الشيخ-الفاضل-وتسمى-مغارة-قرف-الشيخ---Copy
المغارة-التي-سكن-فيها-الشيخ-الفاضل-وتسمى-مغارة-قرف-الشيخ—Copy

هيمنة كبار الملاك
تتفاوت مساحات الحيازات الزراعية بين الأسر إلا أنه يلاحظ غلبة الحيازات الكبيرة نسبياً، إذ تشير إحدى الدراسات التي أجريت قبل مدة قصيرة إلى أن 64% من الأسر تمتلك نحو 10% من مساحات الأراضي الزراعية بينما يمتلك 7% فقط من سكان البلدة نحو 50% من الحيازات الزراعية، بينما يستحوذ 29% على 40% من الحيازات الزراعية وهم الفئة الوسطى من ملاك الأراضي.
والسبب في اختلاف هذه النسب، يعود الى اختلاف مساحات الأراضي الزراعية، كما وتختلف هذه النسبة باختلاف أنواع المزروعات وطريقة استثمار هذه الأراضي الزراعية، واستخدام الوسائل الحديثة في الزراعة ونوعية السماد والأدوية المستخدمة.
تهتم بعض الأسر بتربية المواشي والطيور والنحل، وقد دلّت دراسة اجتماعية قام بها باحثون جامعيون أن 32% من أرباب الأسر يمتلكون بعض الماشية أوالطيور وعدد قليل منهم يهتم بتربية النحل، كل ذلك كجزء من الاقتصاد المنزلي وتوفير مداخيل لدعم ميزانية الأسرة، لكن لا توجد مزارع أبقار أو مداجن في القرية..
المهن والحرف
لا توجد صناعة بالمعنى الحقيقي في البلدة حيث تقتصر على بعض المصانع الصغيرة التي تختص بصناعة الألمنيوم والحدادة الإفرنجية ومنشرة صغيرة وجميعها هي فردية وخاصة حيث يقوم اصحابها بتأمين معيشتهم فقط فلا تساهم في توفير فرص عمل إضافية إلا في ما ندر لكن هذه الورش تؤمن احتياجات البلدة من مختلف اللوازم التي يحتاجها الأفراد في تشييد المنازل . ويوجد في البلدة حرفيون يتركزون خصوصاً في خدمات قطاع البناء وأعمال الصيانة مثل الكهرباء والصحية والورقة وأعمال البناء.
أما المرأة فإنها تهتم غالباً بمنزلها وباقتصاد المنزل خصوصاً في موسم الصيف والاستعداد لفترة الشتاء الباردة، فهي مسؤولة عن أعمال المونة وتساهم في تصنيع المنتجات المنزلية وتربية الأولاد ومساعدة الزوج، وهناك بعض النساء اللواتي يعملن في مهنة التعليم التي تسمح بها التقاليد والأعراف الاجتماعية، لكن ليس وارداً أن تعمل المرأة خارج المنطقة.
الواقع الإجتماعي
تعتبر بلدة شويّا من البلدات اللبنانية الريفية التقليدية، وقد شهدت في تاريخها صراعات واضطرابات خصوصاً خلال العهد العثماني والحربين العالميتين والانتداب الفرنسي، كما إنها وجدت نفسها في دوامة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بسبب انتشار المنظمات والأعمال الانتقامية للعدو، ثم جاء الاحتلال الإسرائيلي المباشر وما رافقه من تأثيرات على كافة الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.
وقد شهدت القرية بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 تحركاً للحياة السياسية لكن ذلك اتخذ مظهر قيام جماعات حزبية إثر وجودها وتنافسها بشكل مباشر على العلاقات بين أهالي البلدة فحصلت مظاهر تنافر وتوترات، لكن عقّال البلدة وأصحاب الرأي الراجح فيها تمكنوا من معالجة هذه السلبيات. عدا ذلك، لا توجد في بلدة شويّا منظمات حكومية ولا مؤسسات مدنية دائمة ولكن هناك بعض الجمعيات الأهلية.

الصحة والثقافة
تعاني بلدة شويّا كغيرها من البلدات المجاورة، نقصاً في العناية الصحية فلا وجود لعيادات متنوعة ولا مستوصفاً. منذ ثلاث سنوات تقريباً، اتخذت جمعية نور للرعاية الصحية والاجتماعية فرعاً لها في بلدة شويّا، بحيث قدمت بعض المساعدات للأهالي، كما تقوم الجمعية كل شهر تقريباً ببعض الأنشطة الصحية حيث تستدعي أطباء من اختصاصات مختلفة، لمعاينة الأطفال والشيوخ والمرضى من مختلف فئات الأعمار.

” 64 % مـــن الأســـر تمتـــلك نحو 10 % مـــن الأراضي بينـــما يمتـــلك 7 % فقـــط من سكان البلدة نحـــو 50 % “

النواوييس
النواوييس

الواقع التعليمي
يقول الأستاذ منيف ابو سعد إنه بعد استقرار الوضع الأمني والإجتماعي أخذت الدولة تعير التربية والتعليم الإهتمام اللازم فتم افتتاح مدرسة رسمية في البلدة، وشكلت الهيئة التربوية لهذه المدرسة التي بدأت في تقديم خدماتها في العام 1984 حيث تمّ بناء المدرسة الحالية على الحصن العسكري الذي كان يستخدمه الفرنسيون ابان مرحلة الإنتداب على لبنان وسوريا، ولا يوجد سوى مدرسة واحدة في البلدة وهي متوسطة ومختلطة . وقد ألحقت بها مكتبة، ويقارب عدد الطلاب 250 طالباً أكثرهم من ابناء البلدة. لكن هناك بعض العائلات الميسورة التي ترسل أبناءها للتعلم في مدارس خاصة في حاصبيا، كما إن أكثر تلامذة المدرسة يتوجهون إلى حاصبيا عند الانتهاء من مرحلة الدراسة المتوسطة والانتقال إلى المرحلة الثانوية بسبب عدم وجود ثانوية في القرية.

ثورة الإتصالات لم تصل بعد
على الرغم من التغطية الواسعة لخدمات الإنترنت في لبنان، ما زالت بلدة شويّا متأخرة عن هذا التطور، فالخدمات المتوافرة عبر أوجيرو ضعيفة حيث إن الهاتف الثابت وصل الى البلدة في السنوات القليلة الماضية لكنه لم يوفر تغطية شاملة ولم تصل الإنترنت إلى منازل القرية إلا من خلال بعض الافراد الذين يستثمرون خطوطاً داخل البلدة، ويأمل ابناء البلدة أن تقوم الدولة باستكمال مدّ شبكة أوجيرو وتوصيل البلدة بخطوط ADSL الضرورية للتواصل مع الشبكة، وقد باتت الإنترنت مهمة جداً في مجالات العمل والتعليم والبحث والتواصل الاجتماعي ولم تعد مجرد ترف.

النزوح
كما أسلفنا فإن النزوح لا يشكل ظاهرة في البلدة باستثناء توجه بعض الطلاب الذين تخرجوا أو دخلوا مرحلة التعليم الجامعي إلى خارج القرية وقد سعى بعضهم للعمل في أماكن تعليمهم لتحصيل ما قد يساعدهم على تحمل نفقة تعليمهم العالي أو الجامعي، وهناك أيضاً مشكلة الخريجين الذين لا يملكون فكرة عن مجالات العمل المتوافرة وقد يبقى بعضهم بلا عمل مدداً طويلة.
السلطة المحلية
المجلس البلدي في شويّا شأنه شأن سائر المجالس البلدية يسعى الى الإرتقاء بالبلدة وتوفير الخدمات الأساسية. وعن هذا الواقع يحدثنا رئيس البلدية السيد وسام دعيبس:
> ما هي أبرز اهتمامات المجلس البلدي ؟
يعمد المجلس البلدي الى تطوير واقع البلدة وتوفير الخدمات التي تسهل عمل المواطنين وتجميل البلدة وتنظيم نشاطات البناء والإنفاق على الإنارة وغيرها إضافة الى الإهتمام بواقع الشباب وتفعيل دورهم.
> ماهي ابرز انجازات المجلس البلدي ؟
قامت البلدية بتأمين ثلاثة مولدات كهربائية بدعم من الوزير مروان خير الدين وذلك بهدف سد النقص في التيار الكهربائي والتعويض عن ساعات التقنين الطويلة أحياناً، علماً أن الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي يضرّ بالأعمال كما يؤثر على نشاطات الدراسة، أيضاً أصبحت شبكة الصرف الصحي شبه منجزة ونعمل على انجاز الجزء المتبقي منها.
قمنا أيضاً بشق العديد من الطرقات الزراعية وتأهيل عدد منها بالإسمنت بدعم من مجلس الإنماء والإعمار.
كما إننا نعمل على تطوير شبكتي الكهرباء وتوفيرها للبيوت والأبنية الجديدة والتي أقيم بعضها خارج النطاق التاريخي للبلدة مما يتطلب جهداً إضافياً وتكلفة.
> ما هي المشاريع المزمع انجازها خلال الفترة القادمة؟
سوف يتم إنشاء بحيرة لجمع مياه الأمطار بهدف توفير موارد مياه إضافية لري المزروعات، والمشروع يتم بدعم من وزارة الزراعة وتم تكليف المشروع الأخضر بتنفيذه في الفترة القريبة المقبلة ، كما إن العمل جارعلى تطوير ساحة الأفراح في البلدة اضافة الى العديد من المشاريع التي نقوم بدرسها حالياً.
> هل من مطالب؟
نناشد الدولة الإلتفات إلى القرى والبلدات النائية ومساعدتها، وشويّا هي من القرى المهملة ولا تحظى بالدعم الكافي، فهي بحاجة الى مستوصف يخفف عبء انتقال المرضى إلى أماكن خارج البلدة، كما نطلب من وزارة البيئة دفع المستحقات المتوجبة عليها للبلدية في مشروع مستوعبات النفايات، كي لا تتحمل البلدية اعباء اضافية كما نطلب من وزارة الثقافة ان تعمد الى انشاء مكتبة عامة في البلدة وذلك لتعزيز الاهتمام بالثقافة وتوفير حاجة أساسية للطلاب في البلدة.

عائلات بلدة شويّا
الشوفي – ابو سيف – عماد – جماز – بركات – الحذوة – علوان – ابو سعد – دعيبس – ابو نجم – بدوي – الحمرا – داغر – الخطيب – عبود.

الشيخ ماجد أبو سعد
شويّا بلدة القناعة والسرور
في كنف الأرض وخير الطبيعة

يختزن الشيخ ماجد أبو سعد زاداً وافراً من المعارف الروحية والزمنية وهو ينفق الكثير من وقته في توجيه الجيل الجديد وتقديم النصج والإرشاد للشباب طائفاً في القرى والبلدات مستجيباً لطلبات المهتمين بالإستزادة من المعرفة والحصول على الوعظ والتوجيه الصحيح. «الضحى» التقت الشيخ أبو سعد وكان هذا الحوار:
> ما هي أبرز المحطات في تاريخ شويّا؟
يعتبر اختيار الناسك الزاهد الشيخ الفاضل المكنّى بأبي هلال لبلدة شويّا مسكناً لفترة زمنية من اهم هذه المحطات، وقد مكث وقتاً في كهف جنوب البلدة يدعى اليوم كهف الشيخ وقد وصف تلميذه الشيخ ابو علي عبد الملك البلدة بأنها «وارفة الظلال عامرة بالأخيار» وقد كان طيب مناخها الطبيعي مع صفاء جوها الروحي سبباً في اختيار الشيخ الفاضل لها.
ومن الأعلام الذين اشتهروا في تاريح البلدة في اواسط القرن الماضي الشيخ ابو علي محمد دعيبس الذي نهج منهج الزهد والفقر والورع وعكف على عبادة الله عز وجل فكان يقتات بما ينتجه من رزقه وكان يعمد الى توزيع أكثر محاصيله كصدقات للمعوزين والمحتاجين. ومن أبرز المآثر المنقولة عنه ان صبية قصدوا كرمه المغروس بالبطيخ لسرقته ولدى وصولهم صدف وجود الشيخ فهرع الصبية الى الفرار لكن احدهم علق سرواله في سياج الحقل فكان ردّ الشيخ « احترسوا كي لا تصابوا بأذى» فهم فروا من الخوف وربما الخجل من فعلتهم، بينما كان الشيخ حريصاً على أن لا يصابوا بمكروه .
ويتابع الشيخ أبو سعد وصفه لبلدة شويّا فيقول إن معظم سكان البلدة يعيشون عيشة القناعة، ويعتبرونها عيشة السرور وراحة البال فأرضهم بعلية ونتاجهم محدود ويجاهدون لتأمين أكثر مستلزماتهم من الأرض راضين بما قسمه الله لهم، وهم فعلاً أوضح تطبيق للمثل الذي يقول «فلاح مكفي سلطان مخفي»، وهنا يستشهد بقول لقمان الحكيم لولده « يا بني باقة بقل على مائدتك خير من خروف على مائدة غيرك» والمقصود بالبقل الخضار البرية ولا سيما الهندباء البرية .

تحقيق عرمون

عرمـون مدينـــة التنوخييـــن
وحاضـــرة الغـــرب الزاهـــرة

اختــارها الأمــــراء عاصمــــة بسبــب موقعهــا الحصيــن
وسيطرتها على عقدة الطرق التي تربط الساحل بالجبل

الاقتصــــاد الزراعــي تقهقــــر أمام تقــدم العقــــار
وهجــرة الشبــاب وسيطــرة الاقتصــاد الريعــي

عهد الرئيس شهاب خطط دوحة عرمون كمنطقة فيللات
لكن الحرب أطلقت فوضى العمران وأسلوب الأبنية العالية

في عرمون 25 ألفاً 35% منهم من السكان الأصليين
والباقي في معظمهم مالكون جدد من كافة المناطق اللبنانية

تقع بلدة عرمون في الجهة الجنوبية الغربية من قضاء عاليه، وكانت في زمن متصرفية جبل لبنان إحدى بلدات قضاء الشوف التابعة لمديرية الغرب الأقصى، حيث كانت تُعرف بإسم عرمون الغرب، وقد يكون هذا الإسم تمييزاً لها عن بلدة تقع في شمال كسروان تدعى عرمون.
أما الاسم فقد يكون، وفقاً لما أورده المؤرخ الشيخ كمال أبو مصلح1، مصغّر “العرم” وهو الأكمة أو التل، ولا تزال “القبّة” وهي إحدى تلال عرمون شاهدة على ذلك، ويرى آخرون2 أن عرمون كلمة سريانية (ARAMONA) وهي تصغير “ARMA” وتعني الأرض الوعرة، إلا ان احتمال كون الإسم مرادفاً لكلمة “التل” هو التفسير المرجّح.

الموقع الجغرافي
تعتبر بلدة عرمون من البلدات شبه الساحلية نظراً إلى قرب خراجها من شاطئ البحر، وهي ترتفع تدريجياً من الخط الساحلي حتى 400 متر عن سطح البحر، وتعدّ عرمون من أكبر بلدات قضاء عاليه بعد مدينتي عاليه والشويفات، وهي ذات مساحة واسعة تصل إلى 11 الف هكتار، وتحدّها خلدة والشويفات من الغرب، وبشامون وسرحمول من الشمال، أما من الشرق فتحدها البساتين وعين كسور، ومن الجنوب بلدات الناعمة وعين درافيل وعبيه. ويتداخل خراج عرمون مع خراج بلدة الشويفات في الضاحية المسماة “الدوحة” التي نشأت بعد الخمسينات من القرن الماضي، وهي تعمر بعدد كبير من السكان الذين قدموا إليها من العاصمة بيروت وسائر المناطق البعيدة من لبنان بغية السكن قرب أماكن عملهم وأشغالهم. وتعتبر عرمون بلدة متوسطة الموقع، إذ لا تبعد عن وسط بيروت أكثر من 17 كلم، وعن مركز القضاء في عاليه 11 كلم، وعن مركز المحافظة 10 كلم.

السكان والعائلات
يبلغ عدد سكان عرمون ما يقارب 15 الف نسمة حالياً، وقد يصل العدد إلى 20 الف نسمة إذا أضيف إليها عدد القاطنين في ضواحيها الجديدة. أما سكان عرمون الأصليون فهم من الدروز والمسيحيين3 ويتوزعون على العائلات الرئيسية التالية:
§جوهري، مهتار، يحيى، أبو غنام، حلبي، دقدوق، حلواني، قبلان (دروز)
§عبدالكريم، ناصيف، طبنجي، عرموني، خوري، عبدالله، واكيم، خيرالله، يوسف، أبو سمرا (أورثوذكس)، وهناك عائلات من الطوائف الإنجيلية والكاثوليكية والمارونية.

أحياء البلدة القديمة
تتألف بلدة عرمون من عدد من الحارات أو الأحياء التي يسكن كلاً منها عائلة معينة أو عدد من أبناء العائلات المذكورة آنفاً، أما الضواحي الجديدة التي نشأت مؤخراً في عرمون بسبب التوسّع العمراني فهي: عريض العين الذي يمتد من عين البلدة حتى العقبة، والبويدرات، وهو سهل واسع في جوار العقبة، والرابية والزقاق (في جوار البويدرات) ودوحة هيلز ودوحة عرمون ودوحة الحصّ ومنطقة قبرص (في جوار محطة الكهرباء) والجوار وحرج الصنوبر وشارع جاد الله الجوهري وشاحميا.
كانت عرمون القديمة عبارة عن منازل موزعة بين البيدر (وهو وسط البلدة حالياً) والعين في وادي البلدة، ولم يكن ارتفاع المنزل اكثر من طابق واحد ودور داخلي ولا تتعدى مساحته الثلاث غرف اي ما يقارب مئة متر مربع .. واذا تميز احد المباني عن الآخر فكان عبر قبو داخلي للمواشي او علية صغيرة على سطح المنزل . وبقي العمران في البلدة متواضعاً إلى أن اعتمدها التنوخيون مقراً لهم، وهو ما حرّك فيها العمران على نطاق واسع إذ شيّدت فيها القصور والقلاع، وأشهرها القلعة التي بنيت في منطقة القبة وكان لها ممر سري الى عين عرمون، وبعدها نشطت الحركة العمرانية والاقتصادية فتحولت القرية الى بلدة كبيرة ثم إلى مقصد فعاصمة إمارة.

من الاقتصاد الزراعي إلى الريعي
في أقل من خمسة عقود انتقلت عرمون من الاقتصاد الزراعي إلى ما يمكن تسميته الاقتصاد العقاري أو الريعي وذلك في تطور يذكّر بما حدث ويحدث في مختلف أرياف لبنان، لقد تراجعت الزراعة كمصدر يمكن الاعتماد عليه وحلّت محلها مصادر عيش بديلة مجزية أهمها “تسييل” العقارات التي كانت زراعية في الماضي وأصبحت غالية الثمن حالياً، وكذلك الهجرة ولاسيما إلى منطقة الخليج وبات اقتصاد الهجرة مهماً و يتمثل بتحويلات المغتربين واستثمارهم لمدخراتهم في بناء المنازل أو إنشاء أعمال جديدة في الصناعة أو الخدمات أو المقاولات أو غيرها. وبالطبع هناك مصادر جديدة للدخل عوّضت عن تراجع الاهتمام بالزراعة ومن أهمها العمل الوظيفي في القطاعين العام والخاص. إن قرب عرمون من بيروت وعاليه وكونها نقطة وسط يسهلان على أبنائها البحث عن فرص عمل في الدولة أو في القطاع الخاص في العاصمة أو الضواحي.
يمكن القول إن تسارع تحول عرمون عن الاقتصاد الزراعي إلى العقاري نجم بصورة خاصة عن “قدرها” الجغرافي ولاسيما قربها من بيروت، إذ جعلها ذلك تتحول إلى ضاحية للعاصمة وإلى منطقة يمكن للكثيرين أن يتملكوا فيها الشقق السكنية بأسعار مقبولة بينما لم يعد ممكناً إلا للأثرياء شراء شقة في بيروت، بذلك زاد الطلب الخارجي للمستثمرين على عقاراتها وتحوّلت عرمون مع الوقت إلى ورشة بناء كبرى مستمرة وجزء من “حزام الضواحي” المحيطة بالعاصمة وإلى مكان إقامة بديل لبيروت. وقامت في المنطقة المدارس الراقية والمستشفيات ومراكز التسوق والأسواق التجارية وبنية الخدمات الأمر الذي زاد في جاذبيتها للوافدين.

“قرب عرمون الجغرافي من بيروت، جعل منها ضاحية للعاصمة يمكن للكثيرين أن يتملكوا فيها الشقق السكنية بأســعار مقبولة مما أطلق فورة عقارية مستـــــمرة فيها”

تاريخ بلغة الحجر
تاريخ بلغة الحجر

دوحتا عرمون والحصّ
كانت حدود عرمون تصل إلى البحر، وشاطئ خلدة كله تقريباً لملاكي عرمون وتتواصل البلدة مع الشويفات وبشامون عبر الساحل , وكانت هناك منطقة تتميز بأنها قاحلة ومكسوّة بالأشواك والأشجار الحرجية وهذه المنطقة تُعرف اليوم بإسم “دوحة عرمون” وقد أصبحت تضم اكبر تجمع عمراني.
والمنطقة الأخرى التي أصبحت من أهم المناطق السكنية في الشحار الغربي هي منطقة دوحة الحص وهذه المنطقة هي بوابة عرمون الجنوبية، وكانت من السهول الخصبة التي تزرع بالقمح وكان أهالي البلدة يحصدونه سنوياً ويذكر بعض المعمرين أن هذه المنطقة كانت ولزمن غير بعيد مغطاة كلياً بالمحاصيل حتى أنه لم يكن في إمكان المكاري أن يجد فيها مربطاً لدابة أو شجرة يتفيّأ ظلها، أما الآن فقد أصبحت منطقة “البيادر” حيث كانت تتم دراسة القمح والحبوب تجمعاً سكنياً لا يستهان به يضم ما يقارب الـ500 شقة سكنية.
وعرمون أيضاً كان لها امتداد على الجبال المجاورة للعين كجبل القبة الذي يميّزها وعليه أقيمت أهم القلاع كما أقيمت عليه حارة المسيحيين في العصور الحديثة. والجبل الأهم والأعلى، والموقع الذي يرتفع فوق عرمون ويطل على العاصمة وترى من خلاله جبال صنين وشاطئ صيدا هو تلة المونسة والتي كانت مجلس ذكر وعبادة للموحدين المسلمين الدروز منذ عهود قديمة، وقد أصبحت المونسة نتيجة لموقعها وإطلالتها على الجبال وعلى البحر من أهم المناطق السكنية وفيها العديد من القصور الفخمة وتقطنها شخصيات عرمونية بارزة .

بلدة عرمون وتبدو تلال المونسة في أعلى الصورة إلى اليسار
بلدة عرمون وتبدو تلال المونسة في أعلى الصورة إلى اليسار

عرمون القديمة
أما عرمون الضيعة أو عرمون القديمة، فإنها تقوم حول الساحة الرئيسية أو ساحة العين التي أصبحت الآن مركز البلدة وفيها اكتظاظ عمراني حيث تطالعك منذ أن تدخل البلدة من الجهة الشمالية صفوف متراصة من البيوت في تراكب جميل وفريد من نوعه في القرى الجبلية، وكان العمار المتلاصق نهجاً متبعاً في جميع قرى الجبل لأسباب تتعلق بروابط القربى وتضامن الجماعة وكذلك لأسباب عسكرية، إذ كان يسهل كثيراً الدفاع عن تجمعات سكنية مترابطة ضد أي هجوم بالمقارنة مع البيوت المشتتة والتي لم يبدأ ظهورها إلا في عصور متقدمة بعد تطور المواصلات والخدمات وانتقال مسؤولية الأمن إلى الدولة المركزية. ومن المؤكد أن عرمون لم يتم اختيارها من قبل التنوخيين كأول عاصمة عن طريق الصدفة، بل بسبب موقعها الحصين وتلالها المترابطة وسيطرتها على مختلف الطرق التي تقود من الساحل إلى منطقة الشحّار وعاليه والمناطق العالية الأخرى.

تاريخ العمارة في البلدة
هناك مبان وآثار في عرمون يعود تاريخها لأكثر من الفي سنة والكثير من الباحثين عن الآثار وجدوا فيها مغاور وأواني فخارية وآثاراً قديمة جداً حتى قيل إن فرنسا يوم انتدبت لبنان اخذت الكثير من الآثار وايضاً يقال إن الجنود الإسرائيليين أقاموا وقت الاحتلال طوقاً محكماً على مغارة قريبة من سواحل خلدة وتعرف اليوم بمغارة اليهود وأخرجوا منها الكثير من الذهب والآثار والأحجار الكريمة مما يؤكد وجود دلائل ووثائق بين أيدي الغربيين حصلوا عليها عبر الحروب او ما شابه على أهمية عرمون وتاريخها القديم ولا علم لنا بالكثير مما تتضمنه من معلومات تاريخية.
دخلت عرمون القرن العشرين الماضي مرحلة عمران جديدة، إذ وصل عدد البيوت فيها بعد قدوم آل الحلبي وآل الجوهري وانضمامهم الى عائلات البلدة مثل يحيى وأبو غنام وغيرهما، وتقول مصادر تاريخية إن عدد البيوت المتلاصقة بلغ نحو ثلاثمائة بيت وأكثر من مئة بيت في الأحياء التي ظهرت حديثاً كحي آل الجوهري وحي آل المهتار وحارة المسيحية .
ومع دخول الإنتداب الفرنسي والاختراعات الجديدة مثل السيارة إلى لبنان بعد الحرب العالمية الثانية حصل تحول جديد وحاسم في عرمون إذ بدأ التوجه لأول مرة لاستيطان مناطق جديدة خارج الاطار المعروف وبدأ التوسّع الى الجوار الذي ما زال يعرف الى يومنا هذا بحي “الجوار” جنوباً وشمالاً باتجاه الشكارة حالياً. في تلك الفترة ارتفع عدد سكان عرمون إلى ألفي نسمة تقريباً كما ارتفع عدد الوحدات السكنية في القرية القديمة وبدأ التفكير الجدي في إقامة المباني السكنية في دوحة عرمون والهضاب المطلّة على العاصمة بيروت.
بسبب تلك التطورات التاريخية بدأت أهمية عرمون القديمة بالتراجع تدريجياً كما تراجعت البيوت المبنية من الصخور والخشب والمدود وبدأ الإتجاه إلى عمارة المباني الإسمنتية خصوصاً في مطلع الستينات من القرن الماضي وما بعدها وبدأت العمارات بالارتفاع من طبقتين وثلاث وأكثر ولكن حتى عام 1980 لم يتجاوز أي مبنى في عرمون اكثر من خمسة طوابق.

مشروع إيكوشار
أدت الحرب الأهلية وانهيار سلطة الدولة إلى انفجار موجات من البناء العشوائي وبشكل سريع وكثيف، وفي أقل من عشر سنوات وصل عدد المباني في دوحة عرمون إلى ما يقارب الثمانمئة مبنى تضم نحو 4800 وحدة سكنية. يذكر أن عرمون كانت مشمولة بمشروع إيكوشار للتخطيط العمراني، وكان المشروع ينص على اعتبار مداخل البلدة من جهة البحر (أي المنطقة التي باتت تسمى دوحة عرمون) منطقة فيللات فخمة كان يمنع فيها أن يرتفع البناء أكثر من طابقين وقد تم تخطيط المنطقة في عهد الرئيس فؤاد شهاب كجزء من خطة لتطوير ضواحي بيروت بما يخفف الإزدحام في العاصمة ويسهم في تنمية المناطق المحيطة لكن وفق أسس عصرية وعمرانية متقدمة. وبالفعل بدأ تطوير فيللات في منطقة دوحة عرمون وفق المقاييس المعتمدة من مخطط إيكوشار التوجيهي، وأنشئت الطرقات الواسعة والأرصفة وزرعت الأشجار على جوانب الطرق، لكن الحرب الأهلية أودت بهذا المخطط ليحلّ محله انفلات العمران وقيام الأبنية الشاهقة بارتفاع يزيد على عشر طبقات أحياناً.
أصبحت عرمون اليوم نتيجة للتطور العمراني المتسارع حاضرة كبيرة تمتد أطرافها في كل اتجاه وهي تتألف اليوم من المناطق الرئيسية التالية:
الجوار الذي يتكون من الشارع الرئيسي ومدخل عرمون , شارع جدالله الجوهري , مشاريع البركة والحلبي وتجمع المباني والمشاريع مع حي العقبة وشحميا ومدينة العرائس: ما يقارب الألف مبنى .
حي آل الجوهري , الحي المغلق بشارع رئيسي يشكل نصف البلدة تقريباً مع امتداده الى المونسة وصولاً الى مدخل عرمون من جهة البساتين، وهو يضم ما يقارب خمسمائة مبنى.
الضيعة , الشارع الرئيسي مع حي العين والساحة وبيوت البستان وحي الخلة والتمدد الى المناطق الزراعية ومن ثم الشكارة والأحياء الممتدة باتجاه القلع ، وهو يضم ما يقارب الألف وثلاثمئة مبنى سكني .
حي القلع الجديد المتجدد بلغ عدد سكانه من عرمون ما يقارب المئة وفيه حوالي المئة وخمسين مبنى .
دوحة عرمون الجديدة بعد فصل نصفها لتنضم إلى بلدية الشويفات، وهي تضم وفق الإحصاءات الأخيرة نحو ثلاثة آلاف شقة سكنية ويجب إضافة نحو 300 مبنى جديد أقيمت وتقام ما بين الدوحة ومنطقة البيادر ورأس الزيتون.
دوحة الحص، وقد سميت على إسم رئيس الوزراء السابق الدكتور سليم الخص الذي كان بين أوائل من بنوا لأنفسهم فيها منزلاً وقد تبعه كثيرون فأصبحت في الدوحة منازل وفيللات لأكثر من خمسين شخصية لبنانية وعربية وهي تضم الآن ما يقارب المائتي فيللا وأكثر من ثلاث مئة وحدة سكنية سوبر دولكس وهي منطقة راقية بالمقياسين العمراني والسكاني.
الدوحة هيلز والأبراج , من جهة الدامور تدخل الى عرمون عبر دوحة الحص وتمر عبر طريق ترتفع عليها عشرة ابراج بمنطقة الخروبات وهي من أهم واضخم المشاريع السكنية في قضاء عاليه ، وفيها نموذج لمدينة مصغرة تسمى الدوحة هيلز وتمتد هذه الظاهرة الى منطقة الرابية التي فيها مشاريع الرابية والقرية الكندية ومشاريع متفرقة يصل عددها إلى ما يقارب الثمانمئة شقة سكنية وصولاً الى مدرسة عرمون الرسمية والملعب الذي بدأ تنفيذه كنادي الصفاء الدولي.
المونسة , وهي المنطقة الأعلى في عرمون والمطلة على العاصمة وفيها أقدم الخلوات التوحيدية كما تضم منازل وفيللات أنيقة لأبناء عرمون، لكن المشاريع الجديدة فيها معدودة ولا تتجاوز الخمسة عشر مشروعاً أو ما يقارب الخمسين منزلاً، وفيها تقطن شخصيات بارزة من البلدة أو من الجوار.
على سبيل الإجمال فإن عرمون تتألف من ثماني مناطق جغرافية تتميز كلها بالإكتظاظ السكني وبات يسكن البلدة ضمن رقعة لا تعتبر شاسعة نحو خمسة وعشرين ألف نسمة لا يمثل السكان الأصليون منهم سوى ثمانية آلاف نسمة أو نحو 32 % من المجموع، أما البقية فهم في قسم كبير منهم مالكون جدد ومن كافة المناطق اللبنانية ومنهم من استوطنوا عرمون وركّزوا أعمالهم وتجارتهم فيها، علماً أن أهل عرمون يحبون الوافدين والضيوف ويتعاملون معهم اقتصادياً أكثر من تعاملهم في ما بينهم وهذا ما يشجع الكثيرين على القدوم إليها.

حي آل الجوهري كما يبدو من غوغل
حي آل الجوهري كما يبدو من غوغل

“المونسة، مركز العبادة الشهير أصبحت نتيجة لموقعها وإطلالتها على الجبال وعلى البحر منطقة سكنية راقية تضم العـديد من القصور الفخمة لشخصـــيات عرمونية”

قلب المدينة كما يبدو من غوغل
قلب المدينة كما يبدو من غوغل

الدور الفاعل لبلدية عرمون
أنشئ أول مجلس بلدي في عرمون في 28 آب 1955 وكان على رأسه المرحوم الشيخ سعيد سلمان المهتار وتلاه المجلس البلدي الثاني المنتخب في 30 حزيران 1963، وكان برئاسة المرحوم جاد الله الجوهري الذي كانت ولايته من أطول ولايات رؤساء البلديات في لبنان، إذ استمر في منصبه حتى تاريخ وفاته في 29 أيلول 1994 فتولى الرئاسة مكانه نائب الرئيس المرحوم الشيخ توفيق مصطفى المهتار (توفي في 19 كانون الثاني 1998) وفي شهر أيار من العام 1998 جرى إنتخاب المجلس البلدي الثالث وكان برئاسة الأستاذ سليم المهتار، أما المجلس البلدي الرابع فتم إنتخابه في عام 2004 وكان برئاسة السيد فضيل الجوهري. ثمّ في العام 2010 جرى إنتخاب المجلس البلدي الحالي وأعيد انتخاب السيد فضيل الجوهري رئيساً له. وفي حوار مع “الضحى” قال السيد الجوهري إن البلدية، رغم مواردها المحدودة بالقياس إلى الحاجات، استطاعت أن تؤمن الخدمات والبنى التحتية التي يحتاجها التطور العمراني، وعلى الأخص في ما يتعلق بمشاريع مياه الشرب والكهرباء والطرقات والصرف الصحي، والسهر على أمن المواطنين. ومن الخطوات التي أنجزتها البلدية تعزيز عناصر الحرس الليلي وعناصر الشرطة لمنع السرقات والأعمال المخلة بالأمن والسعي لإسترجاع مساحات شاسعة من المشاعات العامة من المؤسسة العامة للإسكان، هذا بالإضافة إلى تشجيع الإستثمارات وخاصة من قبل مغتربي البلدة، وتشجيع عمل هيئات المجتمع المدني وتأمين الدعم اللازم لها، وقد منحت الجمعية الثقافية في عرمون، وجمعية سيدات عرمون مراكز لها ضمن مبنى البلدية، مع الإشارة إلى تشجيع مهجري البلدة من إخواننا المسيحيين على العودة بعد أن تمت المصالحات كافة، كما تمّ استحداث طرق جديدة وتأهيل شبكة مياه الشرب وصيانتها، وكذلك تأهيل شبكة الصرف الصحي وإقامة الحدائق العامة على مداخل البلدة ووسطها.
وأضاف الجوهري أنه سبق للبلدية أن أسهمت في إنشاء مبنى ثانوية عرمون عن طريق تقديم مساهمة لا تقل عن 10آلاف متر مربع، كما قامت باستكمال مبنى القاعة العامة للبلدة التي أسهم في بنائها على نفقته الخاصة المحسن الشيخ المرحوم أبو غازي فرحان دقدوق، بحيث أصبحت هذه القاعة صالحة للاستعمال في المناسبات العامة بعد أن ضاقت القاعات الخاصة بالعائلات وباتت لا تستوعب العدد الكبير من سيارات الضيوف بسبب عدم توافر المواقف المناسبة لها .
ومن المشاريع التي تعمل البلدية عليها حالياً استكمال مشروع بناء القاعة العامة وتأمين مياه الشفة وخدمة الـDSL من أوجيرو وإنشاء سنترال لهذه الغاية في عرمون وهناك جهود مبذولة لاسترجاع حرج الصنوبر إلى ملكية بلدية عرمون، وهناك أيضاً مشروع قيد التحضير لإنشاء مدافن حديثة قرب القاعة العامة وبناء سور حول المدافن القديمة، ولكن هذا المشروع بحاجة إلى موافقة أهالي البلدة.

عرمون البلدة عام 1945
عرمون البلدة عام 1945

المكتبة العامة
أبصرت مكتبة عرمون العامة النور بعد أن وقّع رئيس البلدية فضيل الجوهري على بروتوكول التعاون الخاص بإنشائها مع وزارة الثقافة والجمعية الثقافية الاجتماعية في البلدة. وتبنّت البلدية المشروع على نفقتها، وجهزت المكتبة وانطلقت في الطبقة السفلى من متوسطة عرمون الرسمية المختلطة. وقامت المكتبة بأنشطة عدة، أهمها إفساح المجال أمام طلاب العلم والقراء والباحثين لإستعارة الكتب وقراءتها وتصفّح الإنترنت وطباعة وتصوير ما يشاءون من الصفحات من دون مقابل، إلى جانب إحيائها، بالتعاون مع الجمعية الثقافية والبلدية، أسبوع المطالعة كل سنة. لكن يلاحظ أن تجاوب المواطنين لا يزال ضعيفاً ويدل على ذلك ضآلة عدد الذين يزورون المكتبة ويستفيدون من تسهيلاتها. ويعتبر البعض فتور الإقبال على المكتبات العامة جزءاً من ظاهرة سيطرة الإعلام المرئي والإلكتروني (الإنترنت) وأنظمة الاتصال وخدماتها المتعددة، لذلك فإن تحدي المكتبة العامة هو اليوم الابتكار وإيجاد وسائل لاجتذاب الزوار خصوصاً من صغار السن بما في ذلك إدخال وسائل الإنترنت ووسائل القراءة الرقمية على شبكة الإنترنت وتطوير مهارات البحث والتفاعل مع البيئة المعلوماتية.

ثانوية عرمون مؤسسة حديثة تخدم المنطقة
ثانوية عرمون مؤسسة حديثة تخدم المنطقة

ثانوية عرمون الرسمية
أبصرت ثانوية عرمون الرسمية النور عام 1986 بدعم من النائب وليد بك جنبلاط، ويروي الأستاذ ناظم الحلبي مدير الثانوية مسيرة التطور الصعبة التي اجتازتها الثانوية من إيجاد المبنى المؤقت إلى استقطاب الطلبة والأساتذة وتأمين انتظام سير العمل وذلك بالتعاون مع الهيئة التعليمية، وينوّه بصورة خاصة بالدور الذي لعبه الأستاذ أنور ضو الذي تسلّم رئاسة مكتب التربية والتعليم في الجبل وكان له دور أساسي في تحقيق استقلال ثانوية عرمون الرسمية في العام، 1998 وبموجبه لم تعد فرعاً لثانوية الشويفات. ونظراً إلى النجاح الذي لاقته الثانوية فقد تزايد الطلب عليها بصورة فاقت الطاقة الاستيعابية للمبنى المؤقت الأمر الذي تطلب العمل على استحداث مبنى عصري للثانوية تتوافر فيه المساحات والتجهيزات وإمكان استيعاب النمو في المستقبل. وتمت إقامة المبنى الجديد على عقار مستملك من وزارة التربية بمساحة عشرة آلاف متر مربع بدعم من فعاليات البلدة ورئيس البلدية والعميد أنور يحيى ومعالي وليد بك جنبلاط ووزير السياحة آنذاك عطوفة الأمير طلال أرسلان. ونتيجة لتضافر تلك الجهود الخيّرة صدر قرار عن مجلس الوزراء يحيل موضوع إنشاء مبنى جديد للثانوية إلى مرحلة الإقرار والتنفيذ وذلك في عام 2005 وقد تمّ استلام المبنى الجديد بتاريخ 8 آب 2009 من قبل مدير ثانوية عرمون الرسمية الأستاذ نظام الحلبي. وخلال إنطلاقة الثانوية الجديدة تجاوبت بلدية عرمون ورئيسها السيد فضيل الجوهري مع طلبات إدارة الثانوية لتأمين احتياجاتها كما أن الثانوية شاركت في الكثير من نشاطات البلدية التي نظمتها على الصعيدين الإنمائي والتربوي..

مدير ثانوية عرمون نظام الحلبي ..حلم تحقق
مدير ثانوية عرمون نظام الحلبي ..حلم تحقق

متوسطة عرمون
تعتبر متوسطة عرمون المختلطة التي تديرها السيدة آمال الجوهري مثالاً للمؤسسة التربوية الناجحة إذ إنها تستقطب التلامذة من مختلف المناطق المحيطة وتمثل نموذجاً للتعايش والانصهار الوطني. ولهذه المدرسة تاريخ عريق إذ إنها أنشئت في العام 1943 أي في عام الاستقلال وما زالت تقوم بدورها التربوي المميز على مدى عقود وقد تقلب عليها عدد من المديرين الأكفاء وكان لها الفضل على الكثير من أبناء المنطقة.

مؤسسات المجتمع المدني
تزخر عرمون بجمعيات ومبادرات مدنية متعددة من أبرزها: «الجمعية الثقافية الاجتماعية»، «المشروع الخيري الاجتماعي – آل المهتار»، رابطة سيدات عرمون، الدفاع المدني – جهاز المتطوعين، الجمعية التعاونية للنحالين، رابطة عرمون، جمعية سواعد، جمعية اليد الخضراء.
ملف المهجرين
نتيجة لجهود مستمرة منذ حلول السلام في الجبل والشروع في معالجة ملف المهجرين تمّ على مراحل ختم الملف في عرمون عبر إخلاء منازل المسيحيين من شاغليها، وقد كان قسم كبير منها قديماً وقد أصابه التصدّع وبات بالتالي غير صالح للسكن، لذلك تمّ هدم تلك البيوت بهدف إعادة إعمارها من أصحاب الحقوق فيها الذين حصلوا على التعويضات لغرض إعادة بنائها.
وفي 6 تشرين الثاني 2004 وضع الحجر الأساس لكنيسة مار الياس الأورثوذكسية برئاسة متروبوليت جبل لبنان للروم الأورثوذكس المطران جورج خضر. وتّم إجراء المصالحة بين أبناء البلدة وبات الطريق بالتالي مفتوحاً لإعادة اللحمة وعودة المواطنين المسيحيين ليشكلوا كما كانوا دائماً جزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي لعرمون وحياتها المشتركة القائمة على التسامح والإنفتاح. لكن برغم تلك الخطوات فإن أكثرية المسيحيين لم يعودوا بعد إلى البلدة ويعود ذلك لأسباب مختلفة أهمها الهجرة أو تأسيس أعمال في مناطق خارج البلدة أو إحتياجات التعليم، لكن أحد الأسباب المهمة هو وجود جيل كامل من الشباب الذين ترعرعوا خارج البلدة ولم يألفوا أجواءها وهم يجدون أنفسهم بالتالي مشدودين إلى البيئات التي تربّوا فيها، وهذا يعني أن مشكلة عودة المهجرين معقدة وتحتاج إلى أكثر من العمل السياسي المباشر على المصالحات وهناك مصلحة مشتركة للموحدين الدروز والمسيحيين في إعادة بناء المجتمع العرموني ومجتمع الجبل عموماً على أسس الشراكة التاريخية التي ربطت بين الجماعتين الروحيتين على مدى الأزمان.

,واجهة بيت مع نحت قديم
,واجهة بيت مع نحت قديم

“أكثرية المسيحيين لم يعودوا بعد وهناك مصلحة مشتركة للموحدين الدروز والمسيحيين في إعادة بناء المجتمع العرموني ومجتمع الجبل عموماً على أسس الشراكة التاريخية”

شارك في إعداد هذا الملف الشامل مشكورين كل من المهندس الأستاذ زياد أبي غنام والأستاذ حسن أبو غنام والأستاذ نظام الحلبي مدير ثانوية عرمون

الحركة الشعرية في عرمون

برز في بلدة عرمون عبر السنين أعلام ومفكرون وأدباء وشعراء مجلّون كتبوا في الصحف والمجلات، ولكن على قلّة من الدواوين. نكتفي هنا بذكر أبرز شعراء الفصحى من أبناء عرمون مع نماذج مما توافر لدينا من أشعارهم.

المربي المرحوم الأستاذ شفيق محمد الجوهري ( 1985-1918)

عمل في سلك التعليم حيث أسس فرعاً للمدرسة الداودية في أغميد لعدة سنوات، ثم هاجر إلى بلدان الإغتراب وعاد ليستقر في بلدته عرمون يرصد الأحداث وينظم الشعر وقد ترك قصائد مميزة لم تنشر حتى تاريخه.
يقول في قصيدة نظمها في بداية الحرب الأهلية، وذلك بعد أن وصلت الأوضاع إلى الحدّ الذي لم يكن في الحسبان. يقول مخاطباً شريكه في الوطن:
تعــــــــال إلــيّ لا خوف عليكــا وأن تبطئ ذهبت أنا اليكـــــــا
تعـــــال إلى الحوار بلا تواني لنطرح ما لديّ وما لديكــــــــــا
بلادي كي نصون المجد فيها علي النصف والباقي عليكــــا
ومن شعره من وحي القضية الفلسطينية يقول:
بسنان الرمح لا سن البراعة يصرع البغي على أيدي الجماعة
لا يــردّ القدس مـن مغتصب منـــــــبـر يـرقـى ولا صـوت إذاعــة
إنـمـا النــصـر الـذي نــنشده لــو عـلمـتم هو فـي إيـمـان سـاعـة

المربي المرحوم الشيخ سليم قاسم يحيى (2005-1910)

دَرَس المربي الأستاذ سليم يحيى في الجامعة الوطنية في عاليه على يد الأديب الكبير مارون عبود، ثم عمل في سلك التعليم فكان مربياً ومديراً لمدرسة عرمون الرسمية حتى تقاعده في العام 1974.
نشر بواكير شعره في جريدة الصفاء لصاحبها إمام اللغة العربية العلامة الشاعر الكبير أمين آل ناصر الدين، وبعد التقاعد انصرف إلى المطالعة والتأليف الشعري والتزم التوجه الديني وكتب كتاباً صوفياً فيه بعنوان (قف معي في النور كي تقرأني). وقد أصدر أبناؤه بعد وفاته ديوانه الشعري بعنوان “ تلهّف الشعر والنثر”.
يقول في إحدى قصائده:
جنيت من المدارس رَجفَ كفّي وإلصاق الزجاج على عــيونـي
ونـلـت من الوزارة ما تــجــنـّــــى على عمري وأكثر من شجوني
ومن قصيدة له في عيد المعلم يقول:
كاد المعلم أن يسلم به الســـــأمْ ويــذوب بـيـن معذبيـه من الألمْ
أعطوا المعــــلم حقه فالعــــــلم لا يرضى تداس حقوقه او تُهتَضمْ

العميد القيم الدكتور طلال عامر المهتار

بالإضافة إلى تاريخه العسكري المشرّف تميّز الدكتور طلال المهتار بغزارة إنتاجه الشعري وجزالة ألفاظه ونفسه الشعري الطويل وحواراته الشعرية التي نال عليها الجوائز القيّمة. وفي قصيدة له موجّهة إلى المرحوم عارف النكدي يقول:
إن غاب “عارف” فالآثار باقية تـظـــــــل للـنـاس تأكـيـدا وبـرهـانــا
أعـمـالـه الـغرّ للأجـيال شاهـدة من غيره، مثلها، من قبل اسرانـا
ومن قصيدة له حول تصنيف المواطنين في لبنان يقول ساخرا:
يا من يصففنا من حـيث قلّتنا في ذيـل قـائـمة أو نـص إعلان
حتى الوزارات في توزيعها شطط لم يختلف حول هذا الأمر إثنان
بـأي مـقيـاس، او كــيلٍ تــكـيل به؟ وأي مـعيـارٍ بـل فـي أي ميزان

المرحوم الأستاذ محمد عباس يحيى (1983-1908)

ولد في عرمون وتلقى علومه في مدرسة الكبوشيين في عبيه ثم في الداودية ثم في الجامعة الوطنية. ظهر عنده ميل إلى الأدب واللغة والشعر فنماه فيه أستاذه مارون عبود.
عمل في مجال التعليم الرسمي معلماً في وزارة التربية وعُين مديراً لمدرسة كيفون الرسمية حتى تقاعده عام 1972.
من قصيدة له وردت في كتاب “ شعراء من جبل لبنان” للأستاذ نجيب البعيني قالها في عيد المعلم منها:
ما العيد عندك غير يوم تحفزّ للبـذل فيه تضاعف المجهودا
مــن كـالمعـلم بـاذل من نفسه ومجـــــددا آمــالـنـا تـجــديــدا
ومن شعره الوطني يقول:
الطـائـفـيـة فـي السـياسـة عـلة من دونها الطاعون والسرطان
انا لست من لبنان تحت سمائه يـتــنـازع الإنــجـيـل والـقــرآن

الأستاذ حسيب محمد الجوهري. توفاه الله في المهجر مؤخراً

شاعر مطبوع له ديوان شعري بعنوان “أشواك” وضع فيه خلاصة تجاربه في الحياة ومعاناة الهجرة يقول في قصيدة عن وطنه لبنان ألقاها في إحدى الأمسيات:
أمــدد يــديــك إلى السمــــاء وامــــــــلأ جــيـوبـــــــك انـجـمـا
لـبنــــــــان مــعـجزة الــزمــان تـــــــــــــأخــرا وتــقــــــــــــدمــــــــا
لــــــــبنـــان أهــــــــــــــــــــــــــــــواه ولــــســـــكـــنـــي أذوب تـــألمــــــا

ينابيع غزيرة وطاقة مهدورة

من المعالم التاريخية والأثرية التي لا تزال شاهداً بارزاً على تراث عرمون الطبيعي هي عين البلدة التي تقع في وادي نهر البستان، والتي سبق أن سكن حولها وجوارها العديد من الأمراء التنوخيين الذين تمتعوا بمياهها العذبة وإطلالتها الجملية على منطقة البستان الفسيحة التي كانت تغص بالمزارعين ليلاً نهاراً لإرواء مزروعاتهم التي كانت تنتشر في هذه المنطقة كأنها بساط سندسي عابق بالاخضرار والجمال.

كانت هذه العين، كما يروي الآباء والجدود، عبارة عن نبع غزير المياه تتدفق مياهه من باطن الأرض بشكل رائع، وتتجمع مياهه في بركة واسعة يستقي منها المواطنون وتروي بعض الأراضي المنتشرة حولها. وفي وقت لاحق، تلاشت جهود أهالي البلدة وقاموا بإنشاء قبو حسن البناء لجمع المياه فيه حيث تتدفق المياه بغزارة من ثلاثة مزاريب، وأمامه فسحة مصونة ببلاط من الحجر تحيط بها “درابزينات” ولها مدخلان من جهتي الشرق والشمال على هيئة جميلة، كان يمتد خارج “الدرابزين” لجهة الغرب حوض طويل عال نسبياً تصبّ فيه حنفية ماء خاصة لسقاية الحيوانات وينبسط أمام هذا الحوض دار واسعة بالإضافة إلى دار أخرى لجهة الشرق. وكان أبناء البلدة بالإضافة إلى استخدام مياه هذه العين للشرب فإن المزارعين كانوا يستخدمون مياهها الفائضة لري مزروعاتهم وأراضيهم.

وحيث إن هذه العين كانت رفيقة المزارعين الدائمة، فقد تمّ إستخدام نظام متطور للريّ، بحيث يتمّ إرواء كل الأراضي الزراعية الواقعة في منطقة البستان بشكل متواز، وذلك عن طريق توزيع حصص المياه وفقاً لمساحة كل قطعة أرض، وكانت “القصبة” وحدة المساحة المعتمدة آنذاك. وكان صاحب الأرض يحصل على ساعات الري اللازمة والكافية له، وكان “الدور” المعتمد للري سواء في الليل أو النهار، بحيث جعل المواطنين يعملون وفق هذا النظام لفترة طويلة. وتجدر الإشارة إلى أن نظام الريّ هذا بقي معمولاً به حتى بداية التسعينات من القرن الماضي حيث توقف العمل به بشكل نهائي بسبب إهمال العمل في الزراعة وإنصراف الجيل الجديد إلى الإنخراط في الوظيفة أو في الأعمال والمهن الحرة، تاركين أراضيهم العامرة بالإخضرار منطقة مهملة معدومة الإنتاج يغزوها الشوك والنباتات البرية الضارة.

وعلى الرغم من قيام بلدية عرمون في الماضي القريب بإعادة ترميم هذه العين وتجميلها، بقيت مياهها الغزيرة تنساح في وادي نهر البستان هدراً من دون أية إستفادة تذكر.

وبالإضافة إلى مياه “عين البلدة” التي أشرنا إليها هناك مياه أخرى تذهب هدراً. ففي عرمون منطقة زراعية هامة تدعى “الدوير” يروى أراضيها “نبع الدوير” الغزير المياه، ولكن ما أصاب “عين البلدة” أصاب “عين الدوير” التي تذهب مياهها في النهر المجاور لهذه المنطقة.

ويقول أحد مواطني البلدة إنه في الوقت الذي توقفت فيه الأعمال الزراعية، فبالإمكان قيام مشاريع مائية عن طريق جرّ هذه المياه إلى خزانات في أعالي البلدة، الأمر الذي قد يحل مشكلة شح المياه المتوقعة مستقبلاً.

وأخيراً نقول إن “عين البلدة” التي هي جزء من الطاقة المائية المهدورة، لن تبقى قيد الإهمال، فهذه العين باركتها الست سارة، وستعود إلى سابق عطائها بأي شكل من الأشكال وسيعود المواطنون إليها عاجلاً أم آجلاً.

نهضة بيروت العثمانية

نهضة بيروت العثمانية

بين منتصف القرن التاسع عشر والحرب العالمية الأولى

مقاومة التجار لسلطة والي عكا وحماية الدروز لبيروت
بداية لإزدهار المدينة في منتصف القرن التاسع عشر

عوامل ساعدت على صعود بيروت العثمانية
إصلاحات إبراهيم باشا المصري وتطوير الموانئ ونقل كرسي الولاية من صيدا إلى بيروت وقدوم التجّار الأجانب وهجــرة الرساميل والأفـراد من الجبل بعد أحداث 1964

كانت بيروت في سنة 1882 عاصمة العلوم في المنطقة مع نحو ثلاثة عشر ألف طالب
40 % منهم من النساء مقابل سبعة آلاف في دمشق التي تضم ضعف عدد سكانها

شهدت بيروت منذ منتصف القرن التاسع عشر خصوصاً في عهد السلطان عبد الحميد الثاني وحتى عشية الحرب العالمية الأولى نهضة عمرانية ومدنية وتجارية وتعليمية وإجتماعية وثقافية إستثنائية، جعلت منها أهم المدن التجارية وحاضرة العلوم والثقافة على ساحل المتوسط، ولا تزال آثار تلك الفترة، التي تمت في ظل أوسع حركة للإصلاح السياسي والإداري والتعليمي قامت بها السلطنة العثمانية، ماثلة حتى اليوم، وإن كانت قد ساهمت في نشأتها عوامل أخرى عديدة. فما هي أسباب وعلامات نهضة بيروت تلك، وما هي أبرز النتائج التي نجمت عنها وطبعت المراحل التالية من تطور هذه المدينة التاريخية؟

يغفل كثيرون عن الدور التحديثي الكبير للدولة العثمانية في أواخر أيامها، وهو دور ارتكز أساساً على مقتضيات «التنظيمات»، وعلى قوة المثال الأوروبي وديناميكية القوى المحلية التي أطلقها الحاكم المصري ابراهيم باشا ابن محمد علي باشا، حاكم مصر آنذاك، بين العامين 1830 و1840، والإنجازات العمرانية التي قام بها، كما يعود أيضاً الى إيلاء السلطات العثمانية إهتماماً خاصاً ببيروت وبالولايات العربية.
بعد هزيمة الجيوش العثمانية في البلقان أصبح التفكير السائد في الدولة العثمانية يقول بضرورة تحديث الداخل لمواجهة الخارج، وبذلك توافر مناخ سياسي وفكري مؤات ٍلنهضة المدينة وازدهارها التجاري، لكن تطور بيروت سيستفيد أيضاً في الوقت نفسه من ضغط الدول الأوروبية المتعطشة لأسواق جديدة ولبنى تحتية وإدارية ملائمة، كما سيستفيد من صدام السلطة العثمانية مع محمد علي باشا وابنه ابراهيم، بالإضافة الى حاجة السلطة العثمانية الى موارد اقتصادية جديدة بديلة عن تلك التي خسرتها بسبب خسارة قسم كبير من منطقة البلقان وفي بعض أفريقيا.

جمهورية التجار
يجعل الأب لويس شيخو من العام 1842 تاريخاً مفصلياً شهد دخول بيروت في عهدها الحديث، وهو العام الذي صدر فيه أمر الدولة العثمانية بنقل كرسي الولاية من صيدا الى بيروت، وكذلك جعل اقامة الجند فيها، وهو ما يتأكد من حجم التبادلات التجارية في بيروت بين العامين 1827 و1884، التي اشار إليها الأب شيخو، منهياً قوله بأن بيروت أصبحت «مركزاً للأعمال التجارية لكل سواحل الشام».
في بداية القرن التاسع عشر، كانت عكا هي المركز الإقتصادي والسياسي الأهم بين ولايات السلطنة، فقد كانت المدينة الحصينة مخزناً لمحاصيل القمح والقطن وزيت الزيتون التي كانت ترد من جبال الجليل ونابلس وسهول جنوب دمشق، وكان إزدهار عكا الاقتصادي يعتمد كلياً على نظام الإحتكار في عكا، وكان غالباً ما يفرض بالقوة من قبل حكامها. ولكن بعض التجار في بيروت، في بداية القرن التاسع عشر، بدأ في خرق تلك التجارة الاحتكارية في عكا، وقد أدت جهود الطبقة التجارية في لبنان في مرحلة أولى إلى تكريس بيروت كمرفأ لدمشق، بدلاً من صيدا وعكا.
ويعتبر الباحثون أن مقاومة التجار في بيروت لأوامر السلطة في عكا، وكذلك حماية بيروت من قبل الدروز، البداية الحقيقية لنمو وإزدهار بيروت، ولكن هذا التحدي لم يكن ممكناً لولا القفزة النوعية التي سجّلتها بيروت بإعادة تأهيل مرفأها التجاري، أثناء حكم إبراهيم باشا إبن محمد علي، الذي استقبل طلائع السفن البخارية التي رست على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط مع حلول سنة 1836، وتنبأ، برؤيته الثاقبة، بتحول التجارة العالمية نتيجة اختراع السفن التجارية في ثلاثينات القرن. ولم تقتصر إصلاحات ابراهيم باشا على المرفأ، بل قام بإجراءات أخرى، تتعلق ببنى المدينة التحتية، منها إصلاح الطرقات وتوسيعها، وتجفيف قنوات المياه، ونقل المدافن خارج السور، وإقامة نظام صحي تمثل بمحجر صحي، وإقامة شبكات صحية، وزرع الأشجار وإقامة جهاز للشرطة وآخر للحراسة.
ومنذ ذلك الحين، تطورت التجارة في بيروت تطوراً كبيراً، وثمة شاهد فرنسي يسمي بيروت وللمرة الاولى بـ «جمهورية التجّار»، وما زالت بيروت تتمتع بهذه الصفة حتى اليوم. وفي سنة 1888 تحوّلت بيروت الى عاصمة ولايتها فصارت مركزاً سياسياً إقليمياً عثمانياً.
بالإضافة الى دينامية التجّار المحليين، يعود نمو بيروت الى وصول التجار الأجانب اليها، كما الى هجرة الرساميل والأفراد من جبل لبنان عقب الحرب الأهلية التي دارت سنة 1860 بين الدروز والمسيحيين.

” الإصلاحات العثمانية كانت جذرية واستهدفت تعزيز المساواة بين رعايا السلطنة وإقامة العدل وحكم القانون وتنظيم الدولة والخدمات وحماية الحقوق وبالتالي تمتين الوحدة الداخليــــة ونزع فتيل حركات الإنفصـال ومواجهة مكائد الدول الأوروبيـة “

دور الضغوط الأوروبية
كانت الرأسماليات الأوروبية قد اجتاحت العالم بسلعها وبدفع من البحث المحموم لمصانعها عن المواد الأولية الرخيصة، وكانت هذه الرأسماليات قد غيّرت مجتمعاتها ونقلتها من نظام قديم الى نظام جديد، ومن ثقافة تقليدية الى ثقافة جديدة بورجوازية ومدنية، ومن دول، ذات حكم مطلق، الى دول ذات أنظمة دستورية ديمقراطية، ومن مجتمعات رعاية وتابعين وأقنان الى مجتمع مواطنين ذوي حقوق، ومن حالة أسواق مغلقة ومعزولة الى حالة أسواق وطنية واسعة موحدة ومنفتحة على أسواق العالم.
كانت الحضارة الأوروبية تغزو العالم وتقدّم له أنموذجاً جاذباً في شتى المجالات، في الاقتصاد وقوة الدولة ودينامية المجتمع وفعالية القوانين والمؤسسات واشعاع العلم والثقافة في الجامعات والمدارس والمكتبات والصحف… الخ.
كما تجلّت مظاهر التقدّم الأوروبي في تقدم علم البحار والاكتشافات وتطوير الاساطيل التجارية والعسكرية وتطوير مؤسسات الإدارة والجيش والتنظيم العمراني والمدني وإدخال الطباعة واعتمادها في النشر.
وكانت حركة الإصلاح عموماً الجواب المتوقع لمسار تاريخي لا بدّ منه، وهو مواكبة التحولات الدولية واللحاق بتطور الرأسماليات الأوروبية ذات البعد العالمي الحتمي وكان الضغط على الدولة العثمانية يذهب في اتجاه السيطرة على الأسواق وطرق المواصلات داخل المجتمعات العثمانية.
بالإضافة الى تصاعد دور بيروت التجاري وضغوط الدول الأوروبية ودور القوى المحلية، جاءت الإجراءات التحديثية العثمانية متوافقة مع التعليمات والمبادئ التي نصتّ عليها «التنظيمات» .

التنظيمات
كشفت التدابير الإصلاحية عن تدرج العثمانيين في وعي أسباب الانحطاط، من المستوى العسكري، الى المستوى الاقتصادي، الى المستوى الديني، الى المستوى الإداري والقانوني والمؤسسي، الى مستوى العلاقات بين الدولة والمجتمع، وهو الذي تجلّى في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، بالوعي الدستوري، أي الوعي بالمواطنة والمشاركة والتمثيل كبديل عن وضعية الرعية والحاكم المنفرد.
في هذا السياق، تشكّلت المشاريع الإصلاحية العثمانية المتلاحقة وآلت التوجهات الإصلاحية الى قيام مرحلة زمنية عرفت بمرحلة التنظيمات وامتدت من 1839 الى 1876.

المحطة الأولى: تمثّلت موجة الإصلاحات الاولى بـ «خط كلخانة» الذي أعلنه السلطان عبد المجيد سنة 1839، وقد شدّد هذا الخط (أي التشريع) على الأمور التالية:
1. منع التعديات والتسلط على النفوس والأملاك، كل فرد يكون مالكاً أمواله وأملاكه ومتصرفاً بها بكمال حريته.
2. توجهات لإصلاح الإدارة والقضاء مع التركيز على الأمور التالية:
– جباية شرعية للأموال، وإلغاء نظام الإلتزام الضرائبي.
– القضاء على الرشوة.
– مجلس الأحكام العدلية هو الذي يسن القوانين بعد أن يوافق عليها السلطان.

المحطة الثانية: الخط الثاني «خط همايون» 1856، وقد شدّد على المساواة والحريات الدينية ومن بنوده:
– السماح للطوائف غير الإسلامية بممارسة شعائرها وبناء معابدها.
– المساواة في المعاملة بين جميع الطوائف ومنع استعمال الألفاظ التي تحطّ من قيمة غير المسلمين وتأمين الحرية الدينية لأهل كل مذهب.
– فسح المجال أمام الرعايا كلهم لخدمة الدولة في وظائفها.
– إنشاء محاكم مختلطة للفصل في القضايا المدنية والجنائية، أي فصل المحاكم المدنية عن المحاكم الشرعية التي تعنى بشؤون الأحكام الشخصية.
– المساواة بين جميع رعايا الدولة في الحقوق والواجبات.
– السماح للأجانب بالتملك.
– منع نظام الإلتزام (مرة أخرى)
– وعد بإنشاء مجلس عالٍ لرؤساء الملل.
– وعد بإجراء إصلاحات شاملة في مجالات المالية والمواصلات والمعارف والزراعة والتربية.
وكان الحكام العثمانيون أثناء تلك القرارات وقبلها وبعدها يعهدون الى لجان مختصة بإعداد القوانين التنفيذية التي تضمن تطبيق مبادئ الإصلاحات. وفي هذا الإطار نشر قانون الأراضي سنة (1857) وقانون الطابو (1871)، وكان العثمانيون في ذلك ينقلون عن القوانين الأوروبية وخصوصاً الفرنسية، ناظرين في الوقت نفسه الى عدم مخالفة تلك القوانين أو أي من أحكامها للنصوص الشرعية. وفي عهد السلطان عبد العزيز (1861 – 1871) استمر تحديث القوانين ووضعت «مجلة الأحكام العدلية» ليعمل بها في المحاكم النظامية التي أنشئت، وكان جارياً إصلاحها.
نظر العثمانيون في سائر ما تقتضيه مسيرة الحضارة، وما سارت دول أوروبا عليه من قوانين خاصة، فوضعوا قانون التابعية العثمانية، وقانون ترتيب المحاكم الشرعية، والمحاكم النظامية والمحاكم التجارية، ونظام الملكيات الأميرية، ونظام إدارة الولايات ونظام شورى الدولة، ووضعوا نظاماً للمعارف، ونظاماً للمطبوعات، وأنظمة أخرى للمطابع والطبع وحقوق التأليف والترجمة، ونظاماً للطرق والمعابر، والحاصل أنهم لم يتركوا شيئاً من لوازم إدارة الملك إلا ودوّنوا له قانوناً.
استغرقت محاولات الإصلاح العثماني حقبات طويلة من الزمن، قبل أن تتمكن من تحقيق إنجازات في عصر التنظيمات أواسط القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من البطء، فإن الإنجازات كانت واسعة النطاق وراسخة، وفي ضوئها يمكن فهم التطورات التي طالت السلطنة والخلافة ومجتمعاتها.
نرى في توجهات التنظيمات ظلال الإنجازات الغربية المادية والرمزية، وعلى الأخص تطوير الزراعة والمواصلات والمالية والإدارة وإصلاح النظام الضريبي من جهة، ووضع حدّ للإمتيازات الإقطاعية وإطلاق الحريات الفردية بما في ذلك حريتا التملّك والمعتقد، وإعلان المساواة بين المواطنين في المعاملة والوظيفة، ووضع أسس التقاضي المدني بين رعايا الدولة، ما خلا التقاضي في الأحوال الشخصية. كما تلاحظ فيها الامتيازات المعطاة للأجانب، فأتت هذه التنظيمات بمعظم مضامينها منسجمة مع التطور الرأسمالي، وما يفرضه من حريات ليبرالية محلية ودولية، مع اهتمام خاص بمساواة المواطنين في المعاملة والوظيفة، بما يضمن للأقليات الكرامة والمشاركة في الإدارة.

المحطة الثالثة: إعلان دستور 1876 وتتصل بمسألة المشاركة في الحكم والوعي الدستوري.
كان لا بد لهذه التنظيمات، التي صدرت من فوق، وبإعلان من الإرادة السلطانية، أن تؤول الى مبدأ المشاركة، وإلى ضرورة وجود قانون أساسي للحكم، ينظم العلاقة بين الهيئة الحاكمة والرعية، عبر تمثيل برلماني، وكان على رأس هذا التيار النخبوي مدحت باشا الذي تبوّأ مناصب رفيعة في الدولة، وكان والياً على سوريا، ثم والياً على بغداد، ثم أسند اليه السلطان عبد الحميد الثاني في سنة 1876 منصب الصدارة العظمى، الأمر الذي أتاح لمدحت باشا إقناع السلطان بإعلان القانون الأساسي الذي كان قد أعدّه في أجواءٍ من تداول الأفكار وتطارح برامج الإصلاح على امتداد عواصم الدولة العثمانية ومراكز ولاياتها آنذاك.
أعلن الدستور في 19 كانون الأول 1876، ولكن السلطان ما لبث، بعد سنة من التجربة، أن علّق الدستور وحلّ البرلمان في 1878، أي بعد عامين وبضعة أشهر من إعلانه، متذرعاً بالحرب الروسية العثمانية، إلا أنه وهو الذي كان يحضر بعض جلسات البرلمان ما لبث أن ضاق ذرعاً بالطابع البيزنطي للجدالات والمناظرات، كما أنه بدأ يلمس مزيداً من التجرؤ من قبل النواب على مقام السلطان، وكان عبد الحميد يعلم جيداً أن تجربة الدستور جاءت بضغط منسق من الدول الأوروبية في الخارج ومن القوى الليبرالية والمستغربة في الداخل، وأن توقيتها كان سيئاً لأنه تمّ في وقت كانت السلطنة مهدّدة بالقوات الروسية التي تقف على تخومها، وهي بالتالي في حاجة إلى مركزية قوية وسرعة في القرار، وليس إلى ترف المماحكات السياسية.

” لم تكن بيروت في سنة 1834 تعد اكثر من 20.000 نسمة عندما أنشأ إبراهيم باشا لها مجلساً من 12 عضواً، وُزعت فيه المقاعد مناصفة بين المسيحيين والمسلمين “

مكتب البريد العثماني - بيروت 1890
مكتب البريد العثماني – بيروت 1890
إطلاق القوى الإجتماعية المحلية
هزم أحمد باشا الجزار نابليون على أسوار عكا سنة 1799، لكن ما لم يقدر عليه نابليون قدر عليه ابراهيم باشا إبن والي مصر، الذي سيطر بقواته على كامل بلاد الشام من سنة 1830 حتى سنة 1840، وخلال عشر سنوات تلقى المشرق تأثيرات التجربة المصرية، إذ أنشأ إبراهيم باشا في المدن مجالس مشورة، كانت عناوين لتبدل في السلطات المحلية المدينية، وتشكلت المجالس من ممثلين للأهالي وضمت المسيحيين واليهود.
لم تكن بيروت في سنة 1834 تعدّ اكثر من 20.000 نسمة، ومع ذلك، وعلى غرار المدن الكبرى الواقعة تحت الاحتلال المصري، أقيم فيها مجلس من إثني عشر عضواً، بأمرٍ من ابراهيم باشا، وُزعت فيه المقاعد مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، وكان المندوبون كلهم من التجّار الذين عينوا من قبل إبراهيم باشا، وكان هذا المجلس يبعد عن مفهوم الديوان التقليدي للولايات العثمانية ويفترض به أن يؤازر الحاكم، وزوّد هذا الجهاز بديوانين خاصين، مهمة الأول الإهتمام بالصحة العامة والثاني بالتجارة. وكان هذا الجهاز فاعلاً ومنظماً ويشرف على إدارة الأعمال اليومية في المدينة. وهكذا ازدادت خلال سنوات الحكم المصري التدخلات الأوروبية السياسية، وتوسعت شبكات التجارة والمصالح الإقتصادية، وبالتالي أطلقت الحملة المصرية على المشرق، القوى المحلية من عقالها، الأمر الذي ستظهر تردداته في العقود اللاحقة حتى مطلع القرن العشرين.
وبعد انسحاب المصريين، وسعت الدولة العثمانية العائدة سنة 1840 العمل بالمجالس تبعاً للتنظيمات، فصار لكل مدينة عدد محدد من الهيئات الإدارية والبلدية والقضائية التي رفعت تمثيل الأهالي، وأطلقت قوى إجتماعية جديدة. وكان لهذه الهيئات دور هائل في إدارة نهضة بيروت، ويجوز بالتالي، اعتبار هذه الظاهرة سمة مشتركة بين أسباب نهضة بيروت وعلامات ومؤشرات هذه النهضة، أي أن اشتراك القوى المحلية في الإدارة جاء عملاً بنماذج الحكم الأوروبية وتحقيقاً للمثال الديمقراطي، وهذه الخطوة أدت بدورها الى تسريع وتنشيط نهضة المدينة.
شارع الأمير بشير وكنيسة ما مارون 1890
شارع الأمير بشير وكنيسة ما مارون 1890
” عرفت بيروت في عهد السلطان عبد الحميد إنجازات هندسية كبيرة وفق تنظيم مدني صارم
وضع حداً للفوضـى العمرانية وفرض العمل بأنظمة حديثــة للبناء “

أسباب إضافية
بالإضافة الى تصاعد دور بيروت التجاري وضغوط الدول الأوروبية ودور القوى المحلية والتحدي المصري في تفعيل التنظيمات، هناك عامل آخر جاء يعزز اهتمام السلطة العثمانية ببيروت في الربع الأخير من القرن العشرين، وهو اهتمام السلطان عبد الحميد بالذات بالولايات العربية عموماً، وبولاية بيروت خصوصاً، وذلك لأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى. فبعد خسارة السلطنة معظم ولاياتها الغنية في آسيا وأوروبا، تركز اهتمامها على ولايات سوريا وحلب وأطنة وعلى رفع مستوى ازدهارها وثرواتها، لتكون بديلاً اقتصادياً من الولايات التي خسرتها واختارت ولاتها من كبار الموظفين وأكفأهم، وعزلت الفاسدين منهم.
هدفت التنظيمات ايضاً الى إظهار الدولة العثمانية بأنها لا تقل تقدماً عن دولة محمد علي باشا (1805 – 1845)، والذي أظهر بأنه مشروع نهضوي متقدم على الدولة العثمانية، إذ كانت الرغبة في الإصلاح هي أيضاً عنوان مرحلة حكم محمد علي باشا الذي كان يصبو بالدرجة الأولى الى تأسيس دولة قوية قادرة على توحيد الأجزاء العربية للدولة العثمانية، وهذا ما سعى اليه إبنه ابراهيم عندما احتل بلاد سوريا سنة 1830. ولكنه ادرك أن تحقيق طموحات الدولة المصرية لا يتم فقط بالقوة العسكرية بل يحتاج إلى إطلاق النمو الإقتصادي والمعرفة، لذلك حرص محمد علي باشا على إصلاح جهاز الدولة وتعزيز مبادئ الحكم المركزي والدولة المركزية الراعية للعمران والصناعة والزراعة والتعليم، وهو فوق ذلك راح يغزو ولايات السلطنة ويحتلها ويعيد تنظيمها كما فعل في بلاد الشام.

 

نهضة بيروت ارتبطت بدورها المتزايد كمرفأ للداخل السوري وما يتعداه
نهضة بيروت ارتبطت بدورها المتزايد كمرفأ للداخل السوري وما يتعداه

” برج الساعة الحميدي في ما أصبح ساحة البرلمان كان رمزاً لسياسات التحديث العثماني ورمزاً لأهمية الوقــت واستثمـــاره في العمل بدل المقاهي واللهو “

لإنجازات الهندسية والمدنية والإقتصادية
استندت الانجازات العمرانية في مدينة بيروت الى السلطات المركزية عموماً، والى النشاط البلدي الناجم عن الإصلاح البلدي الذي شهدته الأعوام الممتدة ما بين 1864 و1877، وجرى تطبيقه في مجمل الولايات الخاضعة للسلطنة، والذي اسفر عن نتائج متفاوتة تبعاً لاستعدادات الولاة الإصلاحية. لكن قرار الإصلاح كان قد اتخذ، مما يؤكد أن السلطان عبد الحميد (1908-1876) لم يكن حفار قبور التنظيمات، إذ تبدو الفترة الحميدية على صعيد التنظيم المدني، المرحلة التي بلغت فيها روحية العمران حدها الأقصى، وعلى الأرجح للأسباب الإقتصادية والسياسية التي ذكرناها، وكذلك بسبب شخصية السلطان القوية ورؤيته المقدامة التي تميّز بها عن العديد من السلاطين الذين سبقوه.
عرف عهد عبد الحميد إنجازات هندسية كبيرة، وفق تنظيم مدني صارم وضع حداً للفوضى العمرانية وفرض قوانين صارمة للبناء، وقد تصاعدت وتيرة الإصلاح منذ أن اصبحت بيروت عاصمة ولايتها سنة 1888 وتحولت رسمياً الى مركز سياسي إقليمي عثماني.
انطلقت إرادة النهضة في اسطنبول، والتعطش الى انوار العقل اكثر ما تجلى هناك بكل حيويته، مرسياً قواعد الإصلاح في العاصمة ومجيشاً اندفاعة النخب الإجتماعية في جميع مدن السلطنة، حتى لو تفاوتت الجهود والإرادات الإصلاحية وفقاً لدور هذه المدن.
شجعت القرارات الإصلاحية السلطانية المشاريع العمرانية التي تولت تنفيذها السلطات العامة، ووجب الإقتداء بالنموذج الذي روّج له «هوسمان»، عمدة باريس، وبالإنجازات العمرانية التي تحققت في اوروبا إبان القرن الثامن عشر بإسم العقل، فاستبدلت شبكة الطرقات المهملة بخطوط مستقيمة، وتمّ الاهتمام بتنظيم السير ووسائل النقل، ذلك أن التطورات التكنولوجية، المتمثلة في العربات العامة وسكك الحديد ومحطة الترمواي في بداية القرن العشرين، كانت تفترض إيجاد مساحات إضافية عامة مفتوحة، فأنشئت الساحات وأماكن التوقف ولاحقاً المحطات، ونتيجة لذلك، ظهرت باحات التنزه والمطاعم والمقاهي، لا بل الفنادق،…
تمّ تشييد ساحة حملت إسم ساحة الحميدية تخليداً لإسم السلطان عبد الحميد، واحيطت بها حديقة عامة مستوحاة من حديقة الأزبكية في القاهرة، وعلى أثر ثورة «تركيا الفتاة» سنة 1908 وتنحية السلطان عبد الحميد عن السلطة في السنة التالية، أطلق على «ساحة الحميدية» إسم «ساحة الإتحاد»، فيما أصبحت الحديقة المحيطة بها «حديقة الحرية»، وهي الآن ما باتت تُعرف بـ «ـساحة الشهداء»، كما تمّ تشييد ساحة أخرى هي «ساحة عصور»، وتُعرف بـ «ساحة رياض الصلح» وساحة الثكنة.
وفي الجهة الشمالية للحديقة، شيّدت سراي على الطراز العثماني باتت بعد سنة 1888 مقراً لوالي بيروت، وضمت مكاتب المتصرفية.
ولم يمنع الطابع الرسمي لساحة الحميدية من أن تصبح المركز الأكبر للأعمال في المدينة والى الطريق الشمالي، على جهتي الحديقة، جعلت بعض الشركات الكبيرة مقراً لها، كشركة المرفأ وسكك الحديد وغاز المدينة والتبغ والبنك العثماني، واحاطت بها جنوباً الفنادق والمقاهي والكازينوهات، وظهر نموذج غير معهود من المحال كالمكتبات والصيدليات، ومحلات الساعات والمصارف، وألحقت بها في ما بعد صالة مسرح وقاعة احتفالات.
وعرفت المدينة ظاهرة الأسواق الحديثة، وكان أول سوق أبصر النور هو «سوق الطويلة» سنة 1875 ثم «سوق الجميل» (1894)، وكانت تباع فيه البضائع الأوروبية، و «وادي أبو جميل» الذي اختارته الطائفة اليهودية حياً لسكنها المتجاور، وبرزت آنذاك ظاهرة مجموعة مخازن كبرى مجهّزة بمصاعد كهربائية، هي الاولى في المدينة، اولها مخازن «اروزدي باك»، كما ظهر أثر الثروات الكبيرة ببناء العديد من القصور الفخمة.
ووجب على السلطات السياسية والبلدية المولجة بإدارة أحوال العاصمة العمرانية الاستجابة الى متطلبات تزداد تعقيداً لمواكبة نمو المدينة، من خلال شق طرقات جديدة وزيادة شبكات الإنارة العامة، وجرّ المياه، واستحداث مركز تلغراف، وخطوط ترمواي، وشاع استعمال الفوانيس المنزلية بفضل شركة عثمانية لتوزيع الغاز.
وحتم إزدياد وظائف مرفأ بيروت، تحديث الواجهة البحرية، وفي بداية القرن استكملت المنشآت البحرية ببناء محطة بحرية، وفي غضون ذلك ارتفعت مبانٍ مؤلفة من ثلاث أو أربع طبقات، مخصصة للمصارف والفنادق ووكالات السفر البحرية والمقاهي والمطاعم.
وفي سنة 1907 دشّن الوالي الحديقة المجاورة لمدرسة الصنائع، والتي حملت إسم «حديقة الصنائع»، وقررت البلدية أن تنشئ، في الوقت نفسه، مستشفى وكركولاً وسجناً.

برج الساعة: روح العصر
وتمثّلت روح العصر كما سمّاه بطرس البستاني، بإنشاء برج الساعة العثماني سنة 1897 .
وكان انتشار بناء أبراج الساعة العثمانية، في كافة أنحاء الامبراطورية، جزءاً من رغبة السلطان عبد الحميد للتجديد والتحديث، في محاولة لإعطاء قيمة اكبر للوقت. فبدلاً من أن يكون تقسيم النهار معتمداً على اوقات الصلاة، فقد اصبح مقسماً وفق حاجات العمل على امتداد ساعات اليوم.
وفي بيروت، برز هذا الإتجاه في كتابات بطرس البستاني الذي حث المواطنين على اعتماد واحتضان فرص التعليم الجديدة والإنتاج وعمل الخير العام، وأنذر الذين يضيعون أوقاتهم قائلاً:
«الذين يترددون الى المقاهي لأجل قتل الوقت نهاراً، وتملأ البيوت من الدومينات والشدّات والطاولات لأجل قتله هناك ليلاً».
تحوّل برج الساعة الى رمز تحديث الحياة الخاصة والعامة، الى نداء لإعادة النظر في كيفية تدبير الحياة، تمثلت معانيه بيسر النخب المثقفة، مما دفع لويس شيخو، الى شرح بناء برج الساعة في مجلة المشرق مفتخراً ومركزاً على كون هذا البرج «ثمرة التعاون بين السلطة العثمانية والسلطة المحلية والوالي والمهندس البلدي يوسف افتيموس».
أما جرجي زيدان فكان أكثر وضوحاً عندما أنذر قرّاء مجلة «الهلال» بأن «الجلوس في المقاهي ساعات متتالية يمنع الشباب عن الاجتهاد في أعمالهم، وخصوصاً لأن فرصة العمل عند الشبان قصيرة ما بين 20-30، وهي أثمن أيام الإنسان وأفضلها وأصحها وأنشطها فهل نضيعها بين القهوة والبيرة أم نصرفها في الخير…».بالإضافة الى برج الساعة الذي يستبطن بعداً عمرانياً وذهنياً ثقافياً، شهدت اواسط القرن التاسع عشر بناء مسرح خاص على يد مارون النقاش (1805 – 1887) الذي كان تاجراً، مولعاً بالفن، فاقتبس مسرحية «البخيل» لموليير، وعرضت في منزله، بمساعدة ممثلين ايطاليين، ثم ألّفّ مسرحيتين، إحداهما تدور حول شخصية هارون الرشيد، ثم حصل على فرمان امبراطوري يجيز له إنشاء مسرح حقيقي بجوار منزله، في إحدى ضواحي بيروت. وبعد أن أدخل الاخوان نقاش المسرح الى البلاد، أخذت المدارس الكاثوليكية تشجع الفنون المسرحية متجاوزة المعارضة التقليدية للكنيسة لهذا النوع من النشاطات، فقدمت عروضاً مسرحية كثيرة عند نهاية كل عام دراسي، كما انصرف طلاب الأميركان كولدج الى إتقان هذه الفنون في مطلع القرن العشرين. ففي سنة 1903، عرضت مسرحية «يوليوس قيصر» في الهواء الطلق فوق منصة اقيمت في كامبوس الكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأميركية اليوم) وتبعتها في سنة 1905 مسرحيات مختارة من شكسبير، وعرضت «هاملت» سنة 1906.

استجابة لهذه الوضعيات الاقتصادية، والتي يعجز الحاكم الشرعي عن تدبيرها بالأساليب القديمة، شهدت بيروت تنظيماً خاصاً للشؤون الحقوقية والقضائية طبقاً لمقتضيات التنظيمات.
ففي سنة 1851 أقدمت السلطنة على تزويد بيروت بمحكمتين، إحداهما جنائية والأخرى تجارية، وجرى تشكيلهما بشكل رفيع المستوى، على غرار محاكم القسطنطينية، وتعزز وضع المدينة اكثر فأكثر عندما رقيت محكمتها التجارية الى درجة الإستئناف، لكل ولاية سورية وجبل لبنان سنة 1864، وقد تحولت هذه المحكمة الى واحدة من كبريات المحاكم التجارية في حوض المتوسط، عندما تحولت غرفتها الثانية الى مجلس للنظر في الدعاوى التجارية لمختلف الدول، وكان إنشاء المحاكم من ضمن التدابير التي اتخذتها السلطة العثمانية لاستعادة موقعها في بيروت بعد أن اشتد فيها نفوذ الإرساليات والتجار.
وفي مطلع القرن العشرين، بدت بيروت في قمة هذه التحولات، مدينة شابة، منصهرة في بوتقة الحداثة، وعشية الحرب العالمية الأولى، لا شيء كان يوحي بأنه قادر على كبح جماح ارتقائها، بل إن دخول تركيا الحرب لم يضع حداً لحركة التمدين التي تقوم بها السلطات العامة، بل خلافاً لذلك، استغل الوالي «بكر سامي» حالة الحرب والقانون العرفي ليضع قيد التنفيذ مشروع شق طريقين سيصيران (بعد خسارة تركيا للحرب) شارعي «اللنبي» و «فوش» العتيدين، ونجح خلفه عزمي بك في إتمام «كازينو غابة الصنوبر» سنة 1917 في خضم الحرب.
وبمقدار تطور اسلوب عمل التنظيمات بدت المدينة وكأنها المكان المفضّل لنشاط رجال أكفاء في كل الميادين لإحداث ثورة من فوق، كان التغيير الفعلي الذي أحدثته التنظيمات هو أن المسؤول في الدولة بات يضطلع برسالة، وهي الاستجابة لحاجات الناس والتخطيط لرفاهيتهم، مما يوازي، إعادة تأسيس الامبراطورية التي لم يعد في إمكانها أن تختزل الى منظومة هائلة لجباية الضرائب وآلة لصنع الحرب.
هكذا، شهدت مدينة بيروت نهاية القرن التاسع عشر تجدداً عمرانياً على كافة الأصعدة بما يشبه إعادة تأسيس حداثة رسمية تولتها الدولة العثمانية للأسباب التي ذكرناها، واستثمرت فيها السلطات المحلية جهودها وخبراتها وطموحاتها.

” كانت التنظيمات بمثابة إعادة تأسيس للإمبراطورية العثمانية على أسس المواطنة إذ لم يعد في الامكان اختزالها الى منظــــومة هائلة لجــــباية الضرائب وصنــــع الحرب “

الثورة المعرفية والثقافية
في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر لم تعد بيروت مرفأ سوريا الأول وأهم مدن الساحل المتوسط فحسب، بل قطباً للمعارف وموئلاً للنشاط الفكري، وتجلّت هذه الثورة الثقافية بتأسيس المدارس والجامعات والجمعيات والصحف والمطابع ودوائر المعارف على وجه الخصوص، كحلقات متصلة ومتوالدة، شكّل التعليم رافعتها الأساسية.

مدرسة الآباء اللعازاريين نحو سنة 1880
مدرسة الآباء اللعازاريين نحو سنة 1880

تسابق الإرساليات الكاثوليكية والبروتستانتية أطلق حركة إنشاء الجامعات في بيروت فردّ المسلمون بتأسيس جمعية المقـــاصد والكلية العثمانيـــة

النهضة التعليمية
انطلقت نهضة بيروت ببعض التباطؤ قياساً لمصر محمد علي، كونها لم تحظَ بالدعم الرسمي الذي حظيت به نهضة مصر، بل انطلقت بمساهمة مشتركة من المرسلين الاجانب والنخب المحلية. لم يكن فيها للسلطة العثمانية سوى بعض المبادرات الضئيلة على مستوى التعليم جاءت خجولة ومتأخرة، وكردّ فعل على إنتشار الإرساليات.
حتى منتصف القرن التاسع عشر كان التعليم الأولي بأكمله في أيدي الشيوخ المسلمين أو القساوسة المسيحيين، وكان لصيقاً إما بالجامع وإما بالدير، وكان برنامج التعليم يقتصر في الغالب على مبادئ القراءة والكتابة وتلاوة القرآن أو الإنجيل واستظهار مقتطفات منهما. وكان التعليم يهدف بالدرجة الأولى الى التقيّد بالتقاليد الدينية، ولم تلقَ المدارس التي تدرّس العلوم العصرية انتشاراً معيناً إلا مع استيلاء ابراهيم باشا على لبنان فقبل حكم إبراهيم باشا «لم يكن في بلاد الشام شيء يقال له علم أو أدب ما خلا بقايا ضئيلة في بعض الجوامع والأديار».
ففي العشر الثالث من القرن التاسع عشر، سكن المرسلون العازاريون بيروت وتبعهم المرسلون البروتستانت سنة 1828 واليسوعيون 1839، والقصاد الرسوليون منذ 1841، ويعود الفضل في دخول الإرساليات الى بيروت الى إبراهيم باشا، ابن محمد علي، الذي شجّع دخول الإرساليات التبشيرية الى جبل لبنان ثم الى بيروت، في إطار تبنيه لمبدأ الحريات الدينية، هذا المبدأ الذي تمّ تكريسه لاحقاً إثر صدور مقررات «خط همايون» سنة 1856 التي أكدت على «حرية كل جماعة مأذونة بعمل مكاتب علمية للمعارف والحرف والصنائع» على أن تكون تحت مراقبة «مجلس معارف مختلط» 1883، ولكن هذا التشريع جاء متأخراً إذ كانت قد سبقته بأشواط مبادرات الطوائف والجماعات التبشيرية.
وبالإضافة الى التعليم الثانوي، أصبحت مدينة بيروت مركزاً للتعليم العالي، ففي سنة 1866 أنشأ المرسلون البروتستانت الكلية الإنجيلية السورية التي أصبحت في ما بعد الجامعة الأميركية، وأنشأ المرسلون اليسوعيون سنة 1875 جامعة القديس يوسف.
وبادرت الطوائف المحلية الى إنشاء مدارسها، فأنشأ الأرثوذكس «مدرسة الثلاثة اقمار» سنة 1852 و «مدرسة زهرة الإحسان للبنات» سنة 1880 والروم الكاثوليك «الكلية البطريركية» سنة 1865، والموارنة «مدرسة الحكمة» سنة 1872.
ومن الطبيعي أن تعمد الأوساط الإسلامية الى إنشاء المدارس لتعليم أبنائها وبناتها، إقتداءً بمدارس الإرساليات والطوائف الأخرى من جهة، ولأن المدارس العثمانية لم تكن كافية لتعليم ابناء المسلمين من جهة أخرى، لذلك أنشأ وجهاء المسلمين، بتشجيع من والي سوريا المتنور، مدحت باشا، «جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية» سنة 1878 وجعلوا من أهدافها «تفقد أحوال الفقراء من أبناء الطائفة الإسلامية، وإيجاد المعاهد العلمية للذكور والإناث منهم وخدمة الأمور الخيرية»، وبعد شهرين أنشأت الجمعية مدرسة للبنات في بيروت سنة 1878، اتبعتها بأخرى للصبيان، كما عمل الشيخ أحمد عباس الأزهري على تأسيس مدرسة خاصة أسماها «الكلية العثمانية» في سنة 1895.
قبل هذا التاريخ، كان التعليم في المدارس الإسلامية في وضعٍ بائس، إذا رجعنا الى توصيف نشرة «الفجر الصادق»، الصادرة عن «جمعية المقاصد الخيرية» سنة 1879، التي اشارت الى أن تلك المدارس كانت مقتصرة على بعض الزوايا المهجورة والمملوءة بالعفونة والرطوبة، مما يضرّ بصحة الأولاد العمومية، ومن المعلمين المشايخ العميان الذين لا ننكر فضلهم لأنهم قاموا بواجباتهم على قدر استطاعتهم».
كما شملت النهضة التعليمية، التي تولتها الإرساليات، النساء، اذ فتحت زوجة القس الإنجيلي دودج والقس طومسون أول مدرسة داخلية للبنات سنة 1826، وكانت اول مدرسة للبنات في الأمبراطورية العثمانية ودخلتها من سنتها الأولى أربعون فتاة، وأنشأ المرسلون الأميركيون مدرسة داخلية أخرى للبنات سنة 1816، وهذا ما دفع «راهبات المحبة» الى تخصيص مدارس ابتدائية مجانية للفقيرات من البنات الكاثوليكيات، ومدارس ثانوية للطبقة الوسطى من الأهلين منذ سنة 1847.
أما أولى المدارس الوطنية العلمانية فهي مدرسة المعلم بطرس البستاني، أسسها في زقاق البلاط سنة 1863، دفعه الى هذا العمل ما وجده من تنافر بين أبناء البلاد وانقسامات طائفية ومجازر في العامين 1860 – 1861، فسعى لأن يجاور بين أبناء البلاد، لعله ينتزع الاحقاد من قلوبهم.
وكان المعلم بطرس مثالاً خلقياً نشيطاً، فتقدمت المدرسة رغم ما لاقاه من معارضة المطران طوبيا عون لكنها أقفلت ابوابها سنة 1876 بعد أن عاشت 13 سنة فقط، وكان من اساتذتها ناصيف اليازجي وابنه ابراهيم.

” السلطان عبد الحميد قيّد نشاط المعاهد الإرسالية وفرض مراقبة على مناهجها وكتبها وأنشأ المدرسة السلطانية ومدرسة الصنـائع ومعاهد تخريج المعلمين  “

” المعلم بطرس البستاني أنشأ أول مدرسة علمانية في بيروت لكن معارضة المطران طوبيا عون الشديدة أدت إلى إقفالها  “

جانب من الواجهة البحرية لبيروت قي القرن التاسع عشر
جانب من الواجهة البحرية لبيروت قي القرن التاسع عشر

أثر نظام السلطان عبد الحميد في التعليم
كان اهتمام السلطان عبد الحميد منصباً على الإنشاءات العمرانية والصروح الرسمية، اكثر منه على التعليم، كما أنه عني بالإشراف اكثر من التخطيط والتأسيس، ولكن اشتداد نفوذ الإرساليات دفعه الى محاولة الحدّ مما اعتبره «مساوئ التعليم الإرسالي» فدشّنت بيروت المكتب الرشيدي العسكري سنة 1877، والمدرسة السلطانية سنة 1883، ومدرسة الصنائع سنة 1907، كما انشأت بعض المدارس التي تعنى بتخريج المعلمين والتحضير للمدارس العسكرية.
وفي سنة 1883 صدرت مراسيم عثمانية للإشراف على التعليم، وجرى منذ ذلك التاريخ، تقييد نشاطات الإرساليات في المدن وخارجها، ومراقبة مناهجها وكتبها، ويكشف واقع التجربة التاريخية، تخلي السلطنة، في عهد السلطان عبد الحميد، عن التوجيه والتخطيط واحتفاظها بالإشراف فقط.
ولكن هذا لم يحلّ دون استفادة مجموعة من الشبان، من الدراسة في المكتب الإعدادي العثماني، والذهاب الى الآستانة للتخصص في الطب أو الحقوق، وكانوا بدورهم وسطاء لنقل افكار التحديث، ومن ضمنهم القاضي سعيد زين الدين.
وبالمحصلة، وبسبب تعدد مدارسها وجامعاتها، كانت بيروت قبلة الراغبين بالتعليم الحديث، والتعليم العالي، في جامعاتها أو جامعات اسطنبول، ففي سنة 1882 كانت مدارسها تضم ثلاثة عشر ألف تلميذ مقابل سبعة آلاف في دمشق، التي تضم ضعف سكانها، والفين وخمسمائة في حلب، التي تضم عدداً موازياً من السكان، وكانت الفتيات يشكلن اكثر من أربعين في المئة من التلاميذ، بينما لا تزيد نسبتهن على الربع في دمشق أو حلب.
وهكذا، وبفضل تضافر مجموعة استثنائية من الظروف الداخلية والخارجية، كانت النهضة التعليمية في بيروت نتاجاً إجتماعياً، وليس نتاجاً سلطوياً، كما صنعت هذه النهضة التعليمية المعرفية أفراداً يقودهم فضولهم المعرفي الى فضاءات جديدة لم تعهدها المدينة.

الجمعيات العلمية والأدبية
أبرز الإبتكارات في الشأن الثقافي كانت الجمعيات العلمية والأدبية، كان السبب الأول لتأسيس هذه الجمعيات هو التعبير عن الحرية الفردية والخروج عن العصبيات التقليدية، فالنهضة هي ايضاً تفتق للفردية وإبداع وتوق الى التقدم والتحديث، وردة فعل على الأوضاع السياسية والإجتماعية القائمة، والحرية من مميزات المدينة.
ومما ساعد على إنتشار هذه الروح هو الشغف بالعلم، والإختلاط بالأجانب، لتكاثر الإرساليات، ومطالعة الكتب الأجنبية مباشرة أو عبر التعريب، والذي مكّن من عشق الحرية ايضاً انتشار العلوم الطبيعية والإنسانية بين النخب وشيوع نظريات علمية ومذاهب فلسفية لا عهد للعرب بها كالإشتراكية والعلمية ومذهب النشوء والإرتقاء، بالإضافة الى ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان التي وفرتها المصادر الأجنبية.
وابتداءً من 1847عرفت بيروت-التنظيمات، حركة جمعيات تعليمية وثقافية، ففي سنة 1847 أنشأ المرسلون البروتستانت بالتعاون مع مثقفين محليين، «الجمعية العلمية السورية، وسنة 1850 حذا حذوهم الكاثوليك فأسسوا، بمساعي الآباء اليسوعيين، جمعية أطلقوا عليها إسم «الجمعية المشرقية» واستمر تأسيس الجمعيات حتى سنة 1882.
كان المحرك الأول لتأسيس الجمعيات هو المبادرة البروتستانتية، التي كانت تحمل تطلعات إصلاحية وتنويرية، عبر تأسيس «الجمعية العلمية السورية» قبل تأسيس المدارس العالية أو الصحف وغيرها، وما لبثت أن ردت عليها سريعاً المبادرات الكاثوليكية ثم الأرثوذكسية، قبل أن تبادر الفئات الإسلامية التي تملك مشروعات تمدينية، الى الإعلان عن نفسها كجمعية المقاصد الخيرية (1878).
وتعتبر «الجمعية العلمية السورية» أبرز الجمعيات التي تأسست نظراً لهوية الأشخاص الذين نشطوا في إطارها، ولأهمية الآثار الفكرية واللغوية والأدبية التي خلفوها، ولتأثيرها في تكوين الأفراد الذين انتموا اليها، عقلياً وفكرياً واجتماعياً، وبالتالي سياسياً. فما هي هذه الجمعية؟

السلطان-عبد-الحميد-الثاني-لعب-دورا-مهما-في-تحديث-الإمبراطورية-وإطلاق-نهضة-بيروت
السلطان-عبد-الحميد-الثاني-لعب-دورا-مهما-في-تحديث-الإمبراطورية-وإطلاق-نهضة-بيروت
مدحت باشا والي دمشق الإصلاحي شجع على تأسيس جمعية المقاصد الإسلامية
مدحت باشا والي دمشق الإصلاحي شجع على تأسيس جمعية المقاصد الإسلامية
إصلاحات إبراهيم باشا خلال الفترة من 1830 وحتى 1840حفزت العثمانيين لتطوير بيروت
إصلاحات إبراهيم باشا خلال الفترة من 1830 وحتى 1840حفزت العثمانيين لتطوير بيروت

الجمعية العلمية السورية
أنشئت هذه الجمعية بمساعي المبشرين الإنجيليين «وليم طومسن» و«عالي سميث» سنة 1847 وتوقفت اثناء الحرب الأهلية التي دارت في جبل لبنان بين العامين 1860 و 1861، ثم استأنفت نشاطها ابتداءً من 1868، ولكنْ انشاؤها تمّ بإلحاح من مثقفين لبنانيين في طليعتهم بطرس البستاني وناصيف اليازجي، وكانت الجمعية تعقد اجتماعاتها مرة كل 14 يوماً لإلقاء محاضرات عامة، ويتألف دستور هذه الجمعية من 15 بنداً، يحدّد البند الثاني منه غاية الجمعية بما يلي: « إنها الرغبة عموماً لاكتساب العلوم والفوائد، مجردة من الأمور السياسية، والمجادلات الديانية، فإنها لا تتعلق بهذه الجمعية.
تكفي نظرة خاطفة على مواضيع المحاضرات التي ألقيت في «الجمعية العلمية السورية» كي ندرك بزوغ هاجس المعرفة والتقدم والتخلص من حالة الركود المعرفي السائد.
3. لذات العلم وفوائده للدكتور كرنيليوس فان دايك.
4. فضل المتقدمين على المتأخرين للدكتور كرنيليوس فان دايك
5. تعليم النساء لبطرس البستاني.
6. مقدار زيادة العلم في سوريا في هذا الجيل ليوحنا ورتبات.
7. علوم العرب لناصيف اليازجي.
8. النبات لنوفل نعمة الله نوفل.
9. الشرائع الطبيعية لسليم نوفل.
10. السعد والنحس لميخائيل مشاقة
11. مدينة بيروت لبطرس البستاني.
وفي ما طغى الطابع العلمي على محاضرات «الجمعية العلمية السورية» انشغلت «الجمعية المشرقية» التي أسسها الآباء اليسوعيون بالمواضيع الدينية عموماً، وفي ما يلي نماذج من المواضيع التي كانت تعالج في إطار الجمعية المشرقية:
1. تواريخ سوريا للشيخ الياس الدحداح
2. فوائد هذه الجمعية لنقولا منسـى
3. وقائع وادي العاصي لراجي إده
4. حكم سليمان لجبرائيل الشراباتي
5. حكومة يوشا فاط لراجـــــي إده
6. الأجـــرام الفلكية لداود برتران
وبالتالي إحتل التنوير مكانة رئيسية في نشاطات «الجمعية العلمية السورية»، كما في مجمل العمليات الإيديولوجية المميزة للنهضة في القرن التاسع عشر، وكان المتنورون يهدفون الى نشر التعليم والمعارف العلمية والتقنية، اعتقاداً منهم أن التنوير هو محرك التقدم الإجتماعي.
ولقد ساعد عمل الجمعية العلمية السورية على تنشيط الحياة الثقافية في البلاد، مما أثار إعجاب المستعرب الروسي ف. ن. جيرجاس، الذي زار سوريا سنة 1861، فكتب قائلاً: «لقد ساعد على هذا الأميركيون، ونشرت الجمعية مجلداً يحوي على الكلمات التي القاها اعضاؤها، كما حققت فائدة غير قليلة الأمسيات الأدبية، التي كانت تنعقد عند بطرس البستاني أو أعضاء الجمعية الآخرين، وكان أشخاص مختلفون يلقون خلالها كلمات حول تطوير الثقافة في سوريا.
أما مؤسسو الجمعية اللبنانيون فكانوا كوكبة من رجالات النهضة: بطرس البستاني وابنه سليم، وناصيف اليازجي، ويعقوب صروف، وفارس نمر، وجرجي زيدان، وميخائيل مشاقة وجبر ضومط وأسعد خياط، وسليم نوفل، ويوسف كتفاكو، (والأخيران كانا رجلي أعمال) وكان الأمير محمد أمين أرسلان الذي ينتمي الى عائلة أرسلان الدرزية المعروفة، اول رئيس للجمعية تلاه حسين بيهم، الذي ينتمي الى عائلة بيروتية سنية عريقة.
وعرفت الجمعية لاحقاً امتداداً واسعاً تجلى بإنضمام اكثر من 150 عضواً اليها، ومن انتماءات طائفية مختلفة، لكن مع غلبة عددية مسيحية، ومن أبرز الذين انضموا إلى صفوف الجمعية لاحقاً: حنَيْن الخوري، عبد الرحيم بدران، سليم شحادة، سليم رمضان، حبيب بسترس، موسى فريح، حبيب جلخ رزق الله خضرا، كما انضوى تحت لواء هذه الجمعية، كثير من الوزراء والأعيان وحملة الأقلام في بيروت والآستانة ودمشق، وحمص وحما وحلب وطرابلس واللاذقية وبعلبك وصور وعكا وحيفا ويافا والقدس والقاهرة.
لعبت «الجمعية العلمية السورية» دوراً تنويرياً هائلاً، ولكن نشاطها الفكري- التثقيفي سيقود بعض أعضائها في ما بعد الى تشكيل جمعية سرية سياسية لعبت دوراً مهماً في مناهضة حكم السلطان عبد الحميد الثاني.
ومن جهة أخرى، لعب اعضاؤها دوراً في تأسيس الجمعيات الثقافية حتى سنة 1882.

الجمعيات اللاحقة
وتأسست في بيروت سنة 1873، وبرخصة من الحكومة العثمانية، «جمعية زهرة الآداب»، وجلّ أعضائها من متخرجي المدرسة الوطنية للمعلم بطرس البستاني وغيرها من المدارس الكبرى، منهم سليمان البستاني وأديب اسحق واسكندر العازار ويعقوب صروق وفارس نمر وابراهيم اليازجي وداود نحول، وكان الغرض منها التمرس على الخطابة وقوة الحجة والدرس والبحث، وعني اعضاؤها بتأليف الروايات، وتمثيلها وانفاق الدخل منها في سبيل الخير. وكانت قد نشأت في وقت سابق سنة 1869، جمعية أخرى ولغايات خطابية ايضاً «جمعية شمس البر» وانتظم في عضويتها عدد كبير من خريجي الكلية الإنجيلية السورية.
وفي سنة 1882، نشأت جمعية ثقافية تنويرية جديدة في بيروت، تحت اسم «الأكاديمية الشرقية»، أما مؤسسوها فأشخاص معروفون جيداً في تاريخ النهضة، وهم فارس نمر ويعقوب صروف وكرنيليوس فان دايك وابراهيم اليازجي ويوحنا ثابت وسليم البستاني.
يلاحظ أن اعضاء هذه الجمعيات ينتمون بغالبيتهم العظمى الى الكلية الإنجيلية السورية، أساتذة وطلاباً، أو الى مدرسة المعلم بطرس البستاني وربما كان تأسيسهم لها وانتسابهم اليها ناجماً عن انحسار أعمال الجمعية السورية في سبعينات القرن.
بالمحصلة، لعبت «الجمعية العلمية السورية» وأساتذتها وخريجوها دوراً تنويرياً مرموقاً في نهضة بيروت الثقافية، كما لعبت دوراً اجتماعياً خاصاً، بتأمين الشروط الضرورية لولادة المثقف، وذلك لتوفيرها أجواء للنقاش والتباحث والتبادل المعرفي خارج الفضاءات التقليدية، متيحة لأعضائها الخروج كأفراد على مجتمع الأهل وثقافته وبلورة الشخصية الخاصة بهم، حتى أن بعضهم خرج من مذهب الاهل الى مذهب آخر، كبطرس البستاني الذي انفصل عن الطائفة المارونية ليعتنق البروتستانتية.

إبراهيم اليازجي أحد أعلام نهضة بيروت في أواخر القرن التاسع عشر
إبراهيم اليازجي أحد أعلام نهضة بيروت في أواخر القرن التاسع عشر
الممعلم بطرس البستاني أنشأ أول مدرسة علمانية في بيروت
الممعلم بطرس البستاني أنشأ أول مدرسة علمانية في بيروت

” الجمعية العلمية السورية لعبت دوراً تنويرياً مهماً في نهضة بيروت الثقافية، كما وفّرت الشروط لـولادة المثقف المتحرر من بيئته التقليدية “

الصحافة وسيف السلطان
أفرز الاهتمام الناشئ بالشأن العام والهوية الثقافية أو القومية، وبأيديولوجيات التقدم، الى تأسيس الصحف ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر، وبخلاف واقع الحال في مصر، حيث أتت المبادرة من السلطة ابتداءً من بونابرت الذي أسّس سنة 1799 صحيفة اطلق عليها إسم le Courier d-Egypte بريد مصر وصولاً الى «الوقائع المصرية»، التي أسّست سنة 1828، أيام محمد علي، كانت الصحافة بكليتها في بلاد الشام صنيعة ملتزمين مستنيرين في غالبيتهم من رجال الأدب وطغى عليهم هاجس الحداثة، اكثر مما طغى عليهم عامل الربح، وأبرز صحف تلك المرحلة:

حديقة الأخبار (1857)
كانت الصحيفة البيروتية الأولى وهي أول جريدة عربية خاصة تصدر في بلد عربي على يد عربي لا على يد السلطة، ولكنها ما لبثت أن تحولت الى شبه رسمية بعد أن قرر الوالي فؤاد باشا منح صاحبها مساعدة مالية سنوية، وأضحت تدافع عن السياسات العثمانية.
تميّزت هذه الصحيفة بأن صاحبها جعل منها مدرسة أخلاقية، فقام مقام المؤدب الذي يتصل بأفراد الشعب فيحضّهم على الفضائل، وبعض مقالاته شبيهة كل الشبه بخطب رجال الدين. ولكنه كان يملك إحساساً عميقاً بأن الفارق عظيم بين الغربيين والشرقيين، وكان يعنيه أن يفتح الابصار على ما امتاز به الاجانب من عادات حسنة، ولا سيما في ما يتعلق بالدقة والصراحة والإقبال على العمل، كما أنه حذّر أبناء قومه من التعصب والإخلاف بالوعد والمواربة، وكلها افكار تمدينية تنويرية لم يكن تمويل السلطة للمجلة عائقاً أمام نشرها.
صحف البساتنة
أصدر بطرس البستاني بين العامين 1860 و 1861 صحيفة «نفير سوريا» إثر أحداث 1860 المؤسفة بين الدروز والموارنة، داعياً الى الوحدة الوطنية، والى نبذ التنافر الطائفي ولكنها لم تستمر طويلاً، وكانت تصدر مرقمة كالبلاغات: النفير الاول، النفير الثاني، الثالث وصدر منها أحد عشر جزءاً. وسنة 1870 أصدر بطرس البستاني مجلة ذات طابع موسوعي تدعى «الجنان» ، كانت المجلة الأولى من هذا النوع، كتب معظم مقالاتها ابنه سليم، وقد عاشت مدة 16 عاماً من 1870 – 1886، حين توقفت بسبب تزايد الرقابة الرسمية على مضمون الصحف، ثم صحيفة يومية «الجنة» كان يحررها ابنه سليم ومجلة اسبوعية «الجنينة» عهد بها الى قريبه سليمان، وهو المترجم العتيد للإلياذة. أرست هذه الصحف اسلوب الصحافة العربية الحديث وكانت منبراً للأفكار التنويرية . فمن هو بطرس البستاني؟
نشأ بطرس البستاني (1819 – 1883) مؤسس هذه الصحف الثلاث، في كنف عائلة أنجبت عدداً من العلماء، وتربى في دير «عين ورقة» الماروني، حيث تلقى أصول اللغة العربية ولغات عديدة أخرى، ثم اشتغل لمدة في القنصليتين البريطانية والأميركية في بيروت، لكنه وطَّد علاقته بالمرسلين الاميركيين الإنجيليين، فاعتنق مذهبهم، وساعدهم على ترجمة التوراة الى العربية، كما اشتغل بالتدريس في معاهدهم. وفي سنة 1863 أسس البستاني المدرسة الوطنية وأقامها على مبدأ وطني لا ديني، وقد أعار دراسة اللغة العربية والعلوم الحديثة فيها عناية خاصة. كرّس معظم نشاطه العربي لإحياء اللغة العربية وبث محبتها في النفوس، وقد ساهم قاموسه «محيط المحيط» وموسوعته العربية «دائرة المعارف»، التي شرع بإصدارها سنة 1876 وشغلته حتى مماته، والنشرات الدورية التي كان يرأس تحريرها، في خلق نثر عربي حديث، صالح للتعبير البسيط والدقيق عن مفاهيم الفكر الحديث، ونشأت في وسط الحلقة المنعقد حوله من ابنائه واقربائه واصدقائه وتلاميذه، القصة والرواية العربيتان والصحافة العربية الحديثة.

المقتطف
صدرت «المقتطف»، وهي مجلة علمية شهرية، في بيروت بين الاعوام 1876و 1884، وكانت الغاية منها تيسير المعرفة لعامة المتعلمين وتقريب الخلاصات العملية التي تتضمنها المجلات والكتب الاجنبية، ونشر المباحث العامة لتشجيع الأدباء على الانتاج بالعربية، شغلت هذه المجلة الأذهان في الربع الاخير من القرن التاسع عشر.
مؤسساها يعقوب صروف وفارس نمر، وكان هذان الاستاذان، يدرس أحدهما الطبيعيات والرياضيات والآخر علم الهيئة واللغة اللاتينية، وكانا جد مؤمنين بأن المجلات هي آمن السبل لتنوير الأذهان وانتزاع ما فيها من تقاليد مضرة، وسنة 1877 عهد بإدارتها الى شريك ثالث بالتحرير هو شاهين مكاريوس، وزاد عدد صفحاتها الى أن بلغت في عامها الرابع 164 صفحة. ولما اتخذت منها السلطة موقفاً سلبياً وضيقت عليها ما في وسعها وشددت المراقبة على اصحابها وأسيء الظن فيهم، اضطر اصحابها الى نقلها الى مصر، وفي مقرها الجديد نمت بسرعة وتعددت موضوعاتها وأصبحت مدرسة نقالة لجيل كامل من القرّاء، وظلت تصدر في القاهرة حتى سنة 1952.

صحف متفرقة
بالإضافة الى صحف «البساتنة» و «المقتطف»، صدرت سنة 1877 جريدة «لسان الحال» لخليل سركيس، و«المشير» سنة 1894 لسليم سركيس، وفي ظل التنافس الطائفي صدرت مجلة «الهدية» الأرثوذكسية، و«النشرة» البروتستانتية، و « البشير» اليسوعية، ما حدا بجمعية إسلامية لإصدار مجلة «ثمرة الفنون» سنة 1875 بإدارة عبد القادر قباني، ثم جريدة «بيروت» 1888 لمحمد الدنا و«الصفا» 1886 للأمير علي ناصر الدين.

بين صحف بيروت و”المكتوبجي”

في سياق حركة الإصلاحات، أفسحت الدولة العثمانية المجال أمام قيام الصحف التي تعكس مختلف الاتجاهات، إلا أنها ما لبثت أن تنبهت إلى النتائج السلبية التي قد تنتج للدولة من هذا الانفتاح، ولاسيما الترويج للقيم الأجنبية. لذلك، وبعد تقييم لتفكير تلك الصحف وخلفيات ناشريها قررت الدولة فرض رقابة عليها وعدم التشجيع على المزيد من التعدد فيها.
وكانت الرقابة مبرمجة، إذ أُرسل لناشري الصحف تعميم، يحظر نشر الشكاوى من نشاط الموظفين، أو أخبار اغتيال الحكام في الدول الاجنبية، “وخصوصاً المظاهرات التي تحركها عناصر متآمرة وينبغي الحيلولة دون وصول مثل هذه الاخبار الى الشعب حيلولة كاملة”. وأتبع هذا الحظر بإنشاء مؤسسة للرقابة يرأسها “المكتوبجي”، والمكتوبجي هو مراقب الجرائد والصحف في السلطنة العثمانية وكان اسلوب مراقبة الصحف التي يتبعها المكتوبجي مفرطاً، وسواسياً، مما حدا بأحد الصحافيين لتخصيص كتاب طريف يسخر من مبالغات المكتوبجي وهواجسه وعدم ثقته بأي من الصحف التي كانت تصدر يومذاك.

 

المقال مبني على كتاب يصدر قريبا للكاتبة بعنوان “القاضي والنقاب”
( )- لويس شيخو، بيروت تاريخها وآثارها، مطبعة الأباء اليسوعيين، بيروت، 1925، ص.94 الكتاب كناية عن مجموعة مقالات نشرت في صحيفة «المشرق»، ثم جمعت وصدرت في كتاب، بناء على طلب الوالي العثماني الأخير مما يشير الى تعاظم شأن بيروت.
) )- أنظر ينس هانس، «بيروت مدينة التنظيمات»، عصر النهضة، مقدمات ليبرالية للحداثة، طـ 1، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2000 ص.ص. 100-107.
) )-انظر سمير قصير، «تاريخ بيروت»، الطبعة الثانية، دار النهار ، بيروت، 2007، ص. 107.
(4)- انظر لينس هانس، «بيروت مدينة التنظيمات» مصدر سابق، ص. 106.
5)- انظر وجيه كوثراني «الإصلاح العثماني: هل هي الأسئلة ذاتها مع اشكالية الإصلاح»، مجلة «حوار العرب»، بيروت، آذار 2005، ص.ص. 31- 38.
6)- أنظر سمير قصير، تاريخ بيروت، مصدر سابق ص.ص 122-123.
7)- أنظر خالد زيادة، «النهضة والمدينة»، مقدمات ليبرالية للحداثة، مصدر سابق، ص. 117.
(8)- أنظر عبد الرؤوف سنو، «السلطان عبد الحميد الثاني والعرب»، مجلة «حوار العرب»، بيروت، عدد آذار 2005، ص.51.
9)- أنشئ مجلس بيروت البلدي سنة 1868.
(10)- أنظر سمير قصير، تاريخ بيروت، ص. 161.
11)-أنظر سمير قصير، تاريخ بيروت، المصدر ذاته ص.ص. 162- 165.
(12)- المصدر ذاته، ص. 169.
13)- انظربطرس البستاني، الهيئة الإجتماعية في بيروت، أعمال الجمعية العلمية السورية 1866 – 1868، يوسف الخوري، دار الحمراء، بيروت، 1990، ص.ص 204-207.
(15)-الهلال، 1895، ص. 137 – 138.
(16)- انظر سمير قصير، تاريخ بيروت، ص. ص. 1856-2399.
(17)- بطرس البستاني، «دائرة المعارف»، المجلد الخامس، ص. 751.
(18)- سمير قصير، تاريخ بيروت، مرجع سابق، ص. 182.
(19)- محمد كرد علي، “النهضة الشرقية الحديثة” مقالة نشرت في “المقتطف” المجلد السبعون، شباط 1927، ص. 129.
(20)- قبل هذا التاريخ كان عدد المدارس التي افتتحها الإنجيليون الأميركيون 41 مدرسة، فلقد فتح هؤلاء 4 مدارس سنة 1841 م وأصبحت 22 في 1855 و 30 في 1858، وقفز العدد الى 41 سنة 1862، وفيها 948 طالباً، انظر شربل داغر، «الكتاب والأفق» عصر النهضة، مقدمات ليبرالية للحداثة، مصدر سابق هامش ص. 252.
(21)- هنري غيز، بيروت ولبنان منذ قرن ونصف، ج2، ص. 229، 1850-1975»، لبنان في تاريخه وتراثه، مركز الحريري الثقافي، بيروت، 1993، ص491.
22)- «الفجر الصادق»، أعمال السنة الأولى، بيروت، مطبعة ثمرات الفنون، 1297هـ، ص.14، و»الفجر الصادق» هي نشرة سنوية كانت تعدها جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية عن أعمالها.
(23)- علي المحافظة، الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة 1798-1914 الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1987، ص. 198.
(24)- انظر احمد ابو ملحم ومحمد امين فرشوخ ، دراسات في أدب النهضة والمهجر ، الطبعة الأولى، دار الفكر اللبناني، بيروت، 2006-ص. 79.
(25)-أنظر خالد زيادة، النهضة والمدينة، عصر النهضة: مصدر سابق، ص. 135.
26)- يحتوي أرشيف المجمع الأميركي للبعثات التبشيرية، على رسالة بعثها بطرس البستاني بتاريخ 10 كانون الثاني 1846 الى عالي سميث الموجود وقتئذ في أميركا، يعلمه فيها بتاريخ 1847 عن إنشاء جمعية تدعى «مجمع التهذيب»، ومن اعضائها ناصيف اليازجي و11 عضواً من البروتستانت الوطنيين والدكتوران كرنيليوس فانديك وهنري دي فورست الأميركيان، انظر يوسف قرما الخوري، الدكتور كرنيلوسن فانديك، ونهضة الديار الشامية العلمية في القرن التاسع عشر ، مصدر سابق، هامش ص. 34.
(27)- المصدر نفسه، ص. 30.
(28)- المصدر نفسه، ص. 31.
(29)- المصدر نفسه، ص. 31.
(30)- انظر عن ز. ك ليفين، الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث (في لبنان وسريا ومصر) ، مصدر سابق ، ص. 90.
(31)- انظر نقولا زيادة، ابعاد التاريخ اللبناني الحديث، جامعة الدول العربية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، معهد البحوث والدراسات العربية العالية، قسم البحوث التاريخية والجغرافية، القاهرة، 1972، ص. 211-213.
(32)-أنظر أسد رستم، لبنان في عهد المتصرفية، منشورات المكتبة البوليسية، بيروت، طـ2، 1978، ص. 344.
(33)- ز. ك. ليفين، الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث (في لبنان وسوريا ومصر) دار ابن خلدون، بيروت 1978، ص. 94.
(34)- انظر احمد بو ملحم ومحمد امين فرشوخ، دراسات في أدب النهضة، دار الفكر العربي، بيروت، 2006، ص. 113.
– انظر سمير قصير، تاريخ بيروت، مصدر سابق، ص. 189.
– كانت الغاية من انشاء المجلة المذكورة تعزيز الفكرة الوطنية وانتشار الدعوة الى التسامح والعمل من أجل تخلي المجتمع عن التقاليد القديمة المهلكة والتراكيب المضادة للتقدم، وكان شعارها «حب الوطن من الإيمان»، وغايتها كما عينته صفحتها الاولى نشر المعارف العمومية من علمية أدبية وتاريخية ومدنية وغير ذلك. حتى يزيد الوعي الوطني والشعور بضرورات المدينة الحديثة وانجازاتها، (انظر جورج انطونيوس، يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية، ترجمة ناصر الدين الأسد واحسان عباس، بيروت، دار العلم للملايين،1962، ص. 112.
(37)- تشتمل «الموسوعة» على ابحاث في العلوم والطب والأشغال الهندسية والأفكار الليبرالية السائدة في اوروبا واميركا وكانت الغاية منها تغيير عقول الناطقين بالضاد وقرّائها وجعلهم قادرين على ولوج عالم العلم والاختراع الحديث، واكسابهم طريقة عقلية دقيقة للتفكير والعمل.
(38)- انظر احمد بو ملحم ومحمد أمين فرشوخ، دراسات في أدب النهضة، مصدر سابق، ص. 121، وعلي المحافظة، الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة 1798- 1914، مصدر سابق، ص. 257.
(39)-المصدر ذاته، ص. 119.

بلدة سهوة الحناوي

بلـدة سهـوة الحنّـاوي
في جبل العرب

تاريخ كفاح ومنارة العقل والصالحين

قدمت الشهداء في مقاومة محمد علي باشا والفرنسيين
ولجأ إليها سلطان باشا إبّان الحملة الظالمة للشيشكلي

زارها الرحالة والمستشرق السويسري بيركهاردت
وانتصر آل الحنّاوي فيها للأطارشة ضد آل الحمدان

آل الحناوي قدموا مجموعة من مشايخ العقل
أبرزهم أبو علي قسام الملقب بـ «سيف الدين»

فصل-الخريف-وبقية-من-بحيرة-السد-تنتظر-مياه-الشتاء،-وتبدو-بساتين-الزيتون-في-بحر-الصورة
فصل-الخريف-وبقية-من-بحيرة-السد-تنتظر-مياه-الشتاء،-وتبدو-بساتين-الزيتون-في-بحر-الصورة

شقيقان من آل غريزي من بتاتر في لبنان استشهدا بعد مقاومة بطولية ساعدت في تأخير اقتحام الجيش للقريّا وأعطت سلطان باشا فرصة كسر الطوق والتوجّه إلى السهوة

على السفح الغربي الأوسط من جبل العرب، وعلى مسافة نحو تسعة كيلومترات من مدينة السويداء مركز الجبل، بين مخاريط بركانية عدة منطفئة، تقع سهوة البلاطة، وهي قرية قديمة العمران أصلاً، القديم منها يقع على بلاطة صخرية، بل قل على مرتفع صخري منبسط يمتد باتجاه شمالي ـ جنوبي، يظهر هذا بوضوح بالنسبة للناظر إلى عمرانها القديم من جهة الغرب، ولا تزال ماثلة فيها بعض المباني القديمة التي تعود إلى عصور الإغريق ما بعد الإسكندر، والأنباط والرومان، والعصور العربية، إضافة إلى مقابر قديمة تشهد على عراقة عمرانها، ولابدّ أنّ وجود عدد من الينابيع قد ساهم بنشوء تلك القرية الأولى القابعة على الكتف الغربي لجبل «الرّيّان»، كما كان يسميه العرب قبل الإسلام، ومن هذه الينابيع نبع «عين الوسطاني» و «نبع الشلاّلي» و«عين زيدان»، لكن كل هذا لم يحل دون أن تمتد إليها يد الخراب التي طالما تطاولت على الجبل عبر التاريخ، بحكم موقعه على حافة جنوبية من الهلال الخصيب ممّا يلي بوادي الصحارى العربية، وهذا الموقع المفصلي بين الحضر والبادية، جعل سكّان الجبل منذ القديم على تناقض حاد مع البداوة، بما هي عليه من تهديد تاريخي للتحضّر والعمران.
ترتفع قرية السهوة القديمة الأولى عن مستوى سطح البحر نحو 1150 متراً، ويبلغ عدد سكانها على دفتر النفوس نحو الخمسة آلاف نسمة، أمّا عمرانها الحديث فقد تجاوز البلاطة الصخرية التي تتوّج التلّة التي تموضع عليها العمران القديم، وامتدّ لينتشر على تلال عدة متتالية الارتفاع باتجاه الشرق، وباتّجاه الغرب حيث يميل السفح الجبلي إلى انحدار ليّن باتجاه قرية رساس، غير أن القادم إليها من جهة الشرق لا يرى شيئاً من عمرانها للوهلة الاولى، وكأنه في حالة من السهو عن أن بلدة ما سيفاجئه ظهورها أمامه على غفلة منه، ولعل إسم البلدة جاء من هذا المعنى، فالسّهو، هو الغفلة والذهول عن الشيء، وفي اللغة: السهوة: الريح الليّنة، والصخرة لا أصل لها في الأرض، والليّن السهل الوطيء الملائم، وما يشبه الرّف توضع عليه الأشياء.
تبلغ المساحة العامة للأراضي الزراعية والحرجية والصخرية للقرية نحو 25000 دونم، ويتراوح ارتفاع تلك الأراضي عن سطح البحر ما بين 1050 متراً في الغرب، ممّا يلي قرية رساس، و 1600 متر من جهة الشرق مما يلي قرية الكفر وجبل القليب، ومن ضمنها مساحة المخطط التنظيمي العمراني للسهوة والبالغة ألفين وخمسمائة دونم تضم القرية الأثرية القديمة كنواة ينتشر حولها العمران الحديث على سفوح وقمم تلّية متموّجة تهب القرية طبيعة جبلية آسرة.
دخول آل الشومري
كانت السهوة في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر إقطاعاً من حصة الشيخ خطار الحمدان، أحد مشايخ آل الحمدان في السويداء، وقد أسكن هذا فيها الشيخ أبو حسين علي الشومري وآله المهجّرين قسراً من كفرقوق من ديار راشيّا الوادي في لبنان، إذ كان الموحّدون آنذاك يتعرّضون في سائر ديار جبل لبنان لاضطهاد منظم من قبل الشهابيين وأحلافهم من الفرنسيين وبعض أوساط الإكليروس بهدف تهجيرهم من لبنان وديارهم.
وهكذا كان آل الشومري، ممثّلين بشخص الشيخ أبو حسين علي الشومري، على ما يذكره الشيخ مهنّا الشومري، مختار السهوة الحالي، أول من سكن سهوة البلاطة من بني معروف الموحّدين.

المستشرق بيركهاردت
سنة 1810، في التاسع عشر من تشرين الثاني، زارها المستشرق السويسري جان لويس بركهارت ــ رحّالة من أب سويسري وأم إنكليزية، وهو صاحب كتاب رحلات في شبه الجزيرة العربية ــ موفداً من قبل الجمعية الملكية البريطانية، وكان هذا يتنكّر بشخصية رجل مسلم ألباني قد تضطلع بالعربية والقرآن وأحكام الشريعة تحت إسم الحاج عبد الله إبراهيم اعتقاداً منه أن ذلك سيسهل له رحلاته إلى المشرق والتعامل مع أهل البلاد، وهناك دلائل قوية أنه أسلم فعلياً في ما بعد. وصف بيركهاردت السهوة بالقول: « يمرّ بالسهوة وادٍ يدعى عين الطواحين ينحدر من عين موسى، وهو نبع قرب الكفر، ويجري نحو عرى. والسهوة قرية درزية وليس فيها إلّا عائلة واحدة مسيحية. ثم يقول «وعندما تركت القرية صار همس بين الدروز لمنعي من السفر أو لقطع الطريق عليّ، لكنّ شيئاً من هذا لم يحدث».
ولعل توجّس بركهارت وخوفه من قطع الطريق عليه ناجم من تشكك أهل البلاد الشرقية من نوايا المستشرقين الغربيين الذين وفد معظمهم بمهام استخباراتية، في الوقت كانت الدولة العثمانية أصيبت بالضعف وبدت عاجزة عن مواكبة ما أصبح عليه أولئك الغربيون من قوة وقدرة على اقتحام البلاد الشرقية.

آل الحنّاوي ينزلون في السهوة
يذكر الشيخ فارس قاسم الحنّاوي، مؤلّف كتاب «صفحة مجيدة من تراث الأسرة الحنّاويّة »، ما يشير إلى أن أصل آل الحنّاوي يعودون في أصلهم إلى «أسرة عربية عريقة قدم رجالها من شبه الجزيرة العربية، ورافقت جيوش الفتح الإسلامي لتستقرّ في المغرب العربي، ومنها انتقلت إلى الأندلس ثم عاد أبناؤها فاستقرّوا في جزيرة «جربة» في تونس، ومن ثمّ انتقلوا منها أيّام فتح مصر من جديد عن طريق الخلفاء الفاطميين وبزمن الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، واستوطنت بعض هذه العائلات في طنطا». وحسب الرواية، فإنّه في زمن محنة الخليفة الفاطمي علي الظاهر ضد الموحّدين، اضطر الموحّدون من تلك الأسرة إلى الانتقال إلى بلاد الشام، فأقاموا في يافا، ويبدو أنهم اضطرّوا في ما بعد للإنتقال إلى جبل عامل، فجبل لبنان، حيث أقاموا في قرية الكنيسة بادئ الأمر، أمّا زمن استقرار آل الحنّاوي في السهوة فقد يعود إلى نحو سنة 1832م ممثّلين بالشيخ أبو فارس أسعد الحنّاوي. ولمّا كان تملّك المطحنة على الماء في ذلك العهد يعتبر أحد مظاهر الوجاهة وعلوّ الشأن، وحيث كانت قوة آل الحمدان آخذة بالتراجع، فقد اشترى الشيخ أسعد الحناوي إحدى المطاحن على نبع عرى القريب من السهوة من الشيخ هزّاع الحمدان، ولم يلبث أن لحق به إليها الشيخ المشهور، أبوعلي قسّام الحنّاوي، وقد برز دور آل الحناوي أكثر، إثر توطّد تحالفهم مع اسماعيل الأطرش وآله ضد آل الحمدان، أصحاب الزعامة الأولى في الجبل قبل قدوم الأطارشة إليه، ونظراً لغلبة تلك العائلة عددياً في السهوة، إضافة إلى ظهور شخصيات بارزة من رجالاتها في مجالات المجتمع والفروسية في الجبل، أبرزهم الشيخ أبوعلي قسّام الحنّاوي، الملقّب بسيف الدين. ويروى أنّه بعلو همّته قدم خصيصاً من جبل الدروز، إلى جبل لبنان بهدف إنجاز المصالحة بين الحزب الجنبلاطي والحزب اليزبكي أيام سعيد بك جنبلاط، والمشايخ من الحزب اليزبكي، وهم خطّار بك العماد، والشيخ أبوعبّاس حسين تلحوق والمشايخ من آل نكد وغيرهم، وذلك بعد استفحال الخلاف الحزبي بين الفريقين، والذي طالما كان قد لعب بشير الشهابي الثاني دوراً خبيثاً في تأجيجه.
يضاف إلى ذلك، عدد من مشايخ العقل الحنّاويين المشهود لهم بالتقوى ورجاحة العقل، وفي فترة الأربعينات برز في حقل العمل الوطني من السهوة « كَرَم الحنّاوي » الذي كان أميناً عامّاً لعصبة العمل القومي في محافظة السويداء. لكل ما سلف بيانه فقد أصبحت تلك البلدة تدعى أحياناً بـ «سهوة الحنّاوي»، تمييزاً لها عن قرية أخرى تحمل الإسم نفسه، وتقع إلى الجنوب الشرقي منها على مسافة بضعة عشر كيلومتراً، هي قرية «سهوة الخُضر» نسبة إلى مزار منسوب إلى النبي الخضر، وهو كان في أصله كنيسة غسانية قديمة تعود للعصر البيزنطي، كما وتدعى تلك القرية أحياناً بـ « سهوة الكواونة» نسبة لآل كيوان الذين يشكّلون أغلبية سكّانها. وممّا يجدر ذكره أنّ آل الحنّاوي هم أيضاً من مجموعة العائلات المدعوّة بالكفارقة (نسبة إلى قرية كفرقوق في قضاء راشيا من جنوب لبنان)، هذا من حيث التاريخ القريب، غير أن الشيخ مهنّا الشومري يذكر ما يؤكّد رواية الشيخ فارس قاسم الحناوي حول الأصل البعيد للأسرة، ولئن صحّت هذه الرواية، فلا بدّ أن تكون هجرة القوم قد أعقبت وقف العمل بنشر دعوة التوحيد وما حلّ بالموحّدين من اضطهاد بعد ذلك، كما ويعتبر آل الشومري، وهم الذين سبقوا آل الحناوي إلى إعادة إحياء الموات في عمرانهم للسهوة من جديد، من مجموعة العائلات المعروفية الوافدة إلى الجبل من كفر قوق وما حولها.

مجتمع السهوة
يتألّف مجتمع السهوة الحالي من عائلات عديدة من الموحّدين من بني معروف، والعائلة الأكثر عدداً بينها اليوم هم آل البنّي، وهؤلاء قدموا إلى القرية نحو النصف الثاني من القرن التاسع عشر من قرية البنّيه القريبة من عاليه، في جبل لبنان من عائلات (حسن، وهبه، جابر، يحيى) وقد اتخذوا جميعاً اسم عائلة البنّي تعبيراً عن وحدتهم والفتهم. تليها عدداً عائلة آل الحنّاوي ومن هؤلاء عدد من شيوخ العقل المعروفين بمواقفهم الشجاعة في الذود عن أهل التوحيد بدءاً من الشيخ أبوعلي قسّام، ومنهم شيخ العقل الحالي الشيخ أبو وائل حمّود الحنّاوي أطال الله بعمره، كما عرفت السهوة في العقود الأخيرة من القرن الماضي شيخاً جليلاً من مشايخ التصوّف هو الشيخ أبو حسين محمد الحنّاوي.
ولآل الحناوي فروع هم آل صلاح وأبو حدّور، وأبو الجود، ومن العائلات الأُخرى في السهوة، آل الشومري، وهم الأقدم وفوداً إليها، وآل كَحْل، وهؤلاء فرع من آل حاطوم المهجّرين من كفرسلوان في لبنان أيام بشير الشهابي الثاني، وآل خويص وعزّام، وعسّاف وهاني وأبو غاوي والجوهري وأمان الدين والدبس والسلمان، ووهبي وأبو حسّون، وغريزي، ويونس ومرداس، والمصري وحيدر ونكد والعرموني ومن البدو عشيرة الشنابلة السنّة، وعائلات: الحمد والشباط والسعيد ومطر.

جانب-من-العمران-القديم-على-البلاطة-الأم...
جانب-من-العمران-القديم-على-البلاطة-الأم…

تاريخ من الكفاح
لمجتمع السهوة تاريخ كفاحي عريق في سبيل الحفاظ على مقومات الحرية وكرامة الإنسان في جبل العرب، بدأ هذا منذ إعادة إعمار بني معروف للجبل، وتمثّل خصوصاً في مناهضة محمد علي باشا والي مصر المنشق عن الدولة العثمانية، الذي طرد العثمانيين بجيوشه من بلاد الشام في العقد الرابع من القرن التاسع عشر، ومطلع العقد الخامس منه، وقد توسّم به أهل الشام بادئ الأمر خيراً، إلاّ أنّ سياساته، وسياسة ابنه ابراهيم التعسفية غير المتبصّرة والمنحازة إلى جانب بشير الشهابي وأحلافه ضد الموحّدين الدروز في جبل لبنان، أثارت ضدّه سلسلة من المتاعب، ومن ثم نشبت بؤر من ثورات متتابعة في ما بعد بسبب عدم تفهّم تلك الإدارة لمصالح الناس وحاجاتهم الأساسية، ولم يلبث معظم السوريين في فلسطين، وجبل الدروز وجبل لبنان وسواها أن انخرطوا في معمعانها، وكان الموحّدون الدروز على قلة عددهم، هم أبرز من قدّم التضحيات لمناهضة تلك الإدارة الطغيانية للإحتلال المصري.
في خضم معارك بني معروف في تلك المواجهات التي حدثت في القرن التاسع عشر، استشهد العشرات، من أبطال البلدة أسوة بإخوتهم من قرى جبل الدروز آنذاك، ويذكر الشيخ فارس قاسم الحناوي أسماء عشرين شهيداً من آل الحناوي، كما ينقل الشيخ فارس الحناوي أن عدد شهداء البلدة بلغ واحداً وعشرين شهيداً في معارك المواجهات ضد الاحتلال الفرنسي.
أمّا الشاعر الشيخ صالح عمار أبو الحسن فيذكر في ديوانه الشعبي الذي وثّق فيه ما استطاع من أسماء شهداء الثورة السورية الكبرى، ص 17 و18، أسماء تسعة عشر شهيداً من أهل السهوة عامة من آل الحناوي وسواهم، وهم: عمّار وذياب وسعيد وفرزان وحمدان وعلي وحمد وسلامة ومحسن قسّام وهاني عسّاف وقاسم بوحدّور وقاسم صلاح الحناوي ومن أهل البلدة: هلال البنّي ويوسف عبد السلام ومحمد طربيه ومحمد أمان الدين. وفارس بن ابراهيم كحل ــ على حد رواية الشيخ فارس قاسم الحنّاوي، الذي يقول إنّ المجاهد ناصر الدين صلاح الحنّاوي، حامل بيرق سهوة البلاطة ومن تبعه من مقاتلي قريته، يوم معركة المسيفرة سنة 1925، قد تقدّم فرسان قريته خارقين بذلك التحصينات التي أقامها الجيش الفرنسي، ورفع البيرق فوق أعلى السطوح في قلب المسيفرة، هذا ويشيد الشاعر المعاصر لأحداث الثورة السورية الكبرى، صالح عمار بمقاتلي سهوة البلاطة، وكرم أهلها بقوله:
فرســــــــــان في سهوة بلاطة حَيّها أهل الديانة بتنعرف من زيّهــــــــــا
أهل الشهامة والكرم والمرجلـــــــة وقت المجاعة أيتام عاشوا بحيّهـــــا

المضافة-وجانب-من-البيت-لشيخ-العقل..
المضافة-وجانب-من-البيت-لشيخ-العقل..

في مواجهة استبداد الشيشكلي
عمد الضابط الانقلابي أديب الشيشكلي إلى فرض نفسه رئيساً للجمهورية السورية سنة 1951م عبر استفتاء صوري، والاستئثار بالسلطة ومصادرة الحرّيات، فألّف حزباً ليدعم به سلطته، أسمّاه «حركة التحرير» وصنع مجلساً نيابياً بانتخابات مزوّرة، «يحقّق رغائبه» ــ على حد تعبير الشيخ فارس قاسم الحناوي في كتابه «صراع بين الحرية والاستبداد» (ص 106)، واستنهض طغيان الشيشكلي قوى المجتمع السوري للمطالبة بالحريّات والديمقراطية فعُقد مؤتمر حمص سنة 1953 وفيه قُرئت كلمة القائد العام للثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش، التي دعا فيها إلى « تحقيق آمال البلاد وإعادة الحرّيات والحياة الدستورية الصحيحة»، وقد أثار هذا غضب الشيشكلي الذي كان يقول في مجالسه الخاصة، وإلى المقرّبين منه: «إن أعدائي يشبهون الأفعى رأسها جبل العرب وبطنها في حمص وذنبها حلب، فإذا سحقنا الرأس ماتت الأفعى». ويشير الشيخ الحنّاوي في كتابه السالف الذكر(ص 116و117) إلا أن الشيشكلي كان يستند إلى الدعم الأميركي في سياسته ضد الحركة الوطنية في سوريا، وهكذا فإنه بادر إلى محاولة التخلّص من سلطان باشا والحركة الوطنية السورية عموماً، فعمد إلى إرسال حملة عسكرية من الجيش إلى السويداء، فاحتلت المدينة التي قاومت العدوان وخسرت أربعة وعشرين شهيداً بينهم شيوخ ونساء وأطفال، وقاد ذلك العدوان الجنرال رسمي القدسي الذي حاصرت قوّاته القريا أيضاً بهدف اعتقال سلطان، وكان من بين الرجال الذين هبّوا لفك الحصار عن القريا شبّان من بلدة سهوة البلاطة، وقد استشهد يومها هاني الحناوي في معركة نمرة، وكانت حصيلة حصار القريّا آنذاك أربعة وعشرين شهيداً من بني معروف توافدوا من قرى عدة من الجبل.

سلطان باشا ينتقل إلى سهوة البلاطة
كانت أوامر الشيشكلي تقضي باعتقال سلطان باشا ونقله إلى دمشق، ولما كان لا يثق بنوايا العقيد الوطني فؤاد الأسود، فقد عزله وعيّن بدلاً منه الزعيم رسمي القدسي الذي ارتكبت قواته فظائع في الجبل، ولكن ثلّة من رجال قرية حبران الأبطال وبأسلحتهم القديمة التي كانت مخبأة منذ أيام الثورة على الاحتلال الفرنسي، وبأسلحة الصيد والفؤوس والعصي اقتحموا الطوق المضروب حول بلدة القريّا من جهة الشمال الشرقي، وقد استشهد اثنان منهم في موقعة كسر الحصار تلك هما: قاسم أبو سعد وسلمان الحيناني، لكنّ مقاتلي حبران بإقدامهم البطولي ذاك تمكّنوا من إنقاذ سلطان باشا من الحصار وحموا شرف بني معروف وكرامتهم.
غير أنّ المقدّم فيصل الحسيني من قوّات الشيشكلي انتقم من الجرحى المتواجدين في قرية نمرة على بعد نحو كيلومترين جنوب القريّا، وذلك بعد انسحاب المقاتلين منها، وكانوا في بيت حمد الصّفدي وشقيقه خليل، يذكر ذلك فارس الحناوي في كتابه المشار إليه سابقاً، ص 130 فيقول:« كان عددهم خمسة عشر جريحاً فلما دخل عليهم فيصل الحسيني أطلق عليهم الرصاص فقتل ستة أشخاص، وأجهز النقيب فيصل الشيشكلي على الباقين فقتلهم جميعاً».

مسجد-البلدة
مسجد-البلدة

سلطان يتوجه إلى منفاه في صحراء الأردن
كتب فارس الحناوي في «صراع بين الحرّية والاستبداد» (ص139) «أنّ سلطان باشا انتقل بعد خروجه من طوق الحصار إلى قرية سهوة البلاطة، ترافقه زوجته، وولداه ناصر وطلال، ومن معه من رجال لم يتخلّوا عنه أثناء الحصار، وهم أخوه علي وكذلك هايل ونوّاف الأطرش برفقتهم نخبة من شباب القريّا وأعيانها، منهم: جادالله شلهوب وصالح الصالح وسلامي وحديثي مراد وكذلك المجاهد نوّاف علي الأطرش والمجاهدون نايف وفؤاد وسليم وزيد وحمد جودية من قرية قيصما» وفي السهوة نزلوا ضيوفاً في منزل الوجيه رشراش الحنّاوي، ومنزل سماحة شيخ العقل يحيى الحنّاوي.
وأودع سلطان باشا أسلحة ومقتنيات من بيته في بيت الشيخ أبو حمد شاهين قسّام الحنّاوي، وذلك قبل أن يتوجّه إلى قرية حبران، ومنها عبر بعض قرى الجبل التي لم تتخلَّ عنه، ومن ثمّ إلى الصفاة شرقي الجبل متجنّباً الاشتباك مع الجيش، ليتوجّه بعد ذلك إلى المملكة الأردنية الهاشمية، كان سلطان باشا يعتبر أن الخسائر في المواجهة ستكون على حساب الشعب السوري والوطن، وأن الحرب الأهلية هي كارثة وطنية عامّة.
وقد أشار إلى هذه المسألة الدكتور حسن أمين البعيني، صاحب كتاب «سلطان باشا الأطرش والثورة السورية الكبرى» (ص583) بالقول: «إزاء إصرار أديب الشيشكلي بعدوانه على جبل العرب، وعلى اعتقال سلطان، وُضع سلطان أمام أمرين: إمّا أن يقاوم مع ما في ذلك من سفك دماء أهل الجبل والجيش السوري، وخراب وتدمير وخسائر وخطر على الوحدة الوطنية، وإمّا التنحّي ( يقصد الابتعاد خارج سوريا) مع ما في ذلك من وضع نفسه والبلاد أمام المصير المجهول، والتسليم المؤقت بانتصار الطاغية على القوى الوطنية. وكلا الأمرين مرّ. وقد فضّل الأمر الثاني. لأنه أحلى ألف مرّة من سفك الدماء العزيزة، وراهن على حصول تطوّرات وانتفاضات في سائر المناطق السورية، أو انقلاب الجيش على الطاغية»، وقد برهنت مجريات الأحداث اللاحقة في ما بعد على بُعد نظر سلطان باشا وحرصه على حماية الوطن من الخراب.

قصة الشقيقين اللبنانيين حسيب وملحم الغريزي
كان من بين شهداء حصار قوّات الشيشكلي للقريّا آنذاك أخَوان لبنانيّان، هما حسيب وملحم غريزي من بلدة «بتاتر» في جرود عاليه من ديار جبل لبنان، يومها دخل هذان الرجلان تاريخ جبل الدروز من بابه الأوسع، كانا حينها دخيلين في حمى سلطان، وقد أبت عليهما شهامة بني معروف أن يقفا متفرجين في يوم يتهدّد فيه العدوّ مضيفهما وحاميهما. حمل كلّ منهما بندقية، ووقفا يقاتلان في وجه القوات المكلّفة باقتحام الدار التي بها يحتميان، دار سلطان.
صمد الأخَوان من آل غريزي في مواجهة المدرّعات والمدافع والرشاشات، والبنادق الأحدث، وقاتلا حتى الاستشهاد، كما قاتل سائر بني معروف يومذاك، بأسلحة قديمة!، وقد أبديا شجاعة خارقة في تعويق اقتحام الجيش لدار سلطان، بطولة مازالت ذكراها ماثلة في مضافات ومرويّات جبل العرب، وبموقفهما المشرّف هذا عند حيطان حِماهما، سهّلا على رجال قرية حبران كسر الحصار من الجانب الشمالي الشرقي لبلدة القريّا، فخرج سلطان باشا سالماً، وهكذا خابت آمال الشيشكلي باعتقاله، ولكن جند الشيشكلي والقدسي دخلوا الدار على دماء الشهداء الذين أمّنوا على سلامة قائد الثورة، فنهبوا ما وجدوه أمامهم من سلاح ووثائق، ولمّا أراد القدسي تفجير الدار منعه الشيشكلي من الإقدام على ذلك، ولعلّه في موقفه ذاك كان يستبصر مغادرته لداره هو أيضاً في القادمات من الأيّام.

العمران والحياة الاقتصادية في السهوة
يشير الأستاذ يوسف البني إلى أنّ عدد المساكن في السهوة سنة 2004 بلغ نحو 656 مسكناً، 97 % منها تتمتّع بخدمة الصرف الصحّي، وقد أنجز هذا بمساهمة مشتركة بين مواطني البلدة والجهات المختصة في الدولة، أمّا المساكن المسكونة في السهوة فيبلغ تعدادها نحو 538 مسكناً، والفارق بين الرقمين يعود لغلبة الهجرة على نشاطات أهل السهوة الذين يعتبرون من السبّاقين إلى الاغتراب، وخاصة إلى فنزويلّا، وغيرها من بلدان أميركا اللاتينية، يبلغ عدد الأفراد المغتربين خارج القطر من القرية بـ 762 مغترباً. ويبلغ عدد مواطني السهوة المسجّلين في دفتر النفوس نحو الخمسة آلاف نسمة، المقيمون منهم في البلدة نحو 3000 نسمة.
وفي ذلك العام ــ عام الإحصاء ــ كان عدد المساكن قيد الإنشاء 42 مسكناً، هذا ويبلغ عدد الأسر النازحة داخل القطر 548 أسرة أغلبها يسكن في مدينة السويداء، مركز المحافظة، والعاصمة دمشق.
وتشكّل الزراعة نشاطاً أساسياً للسكّان في السهوة، إذ يبلغ عدد المزارعين الحائزين على ملكيات زراعية نحو 313 شخصاً.
وفي القرية 47 بئراً ارتوازية سطحية على عمق 160 متراً كحد أقصى، منها سبعة آبار خارج المخطّط التنظيمي، وبطاقات ضخ محدودة تفيد في الاستثمار الزراعي الفردي.

الاشجار المثمرة تحل محل الحبوب
بعد أن كان النشاط الزراعي متركزاً على زراعة الحبوب وتربية الماعز والأغنام والأبقار الجبلية والخيول والدواجن، فقد تراجعت هذه النشاطات في العقود الأخيرة من السنين لصالح زراعة الأشجار المثمرة، كالعنب والزيتون والتفاح واللوزيات وغيرها.
وقد بلغ متوسّط إنتاج العنب في السنوات الأخيرة نحو 2000 طنّ سنويّاً، منها 17 طنّاً على الري، ومن حيث إنتاج الدبس فإن كل 5 كلغ من العنب تعطي كيلوغراماً واحداً من الدبس، هذا ويرفض المشايخ من الموحّدين بيع عنب كرومهم لغابات إنتاج الخمر، وهم يفضّلون تصنيع عنب كرومهم دبساً وزبيباً وخلاًّ.
وفي السنوات الأخيرة بلغ متوسّط إنتاج الزيتون نحو 169 طنّاً، منها مئة وستون طنّاً بعلية، وتسعة أطنان على الري. ومن المعروف بأن كل 4 إلى 5 كيلوغرامات من حبوب الزيتون تعطي كيلوغراماً واحداً من الزيت. أمّا التفاح فقد بلغ إنتاجه نحو 600 طن، ولمّا لم يكن إنتاج اللوز على ما يرام في العام الفائت فإن إنتاجه لم يتعدَّ الخمسة أطنان. وفي السهوة أربعة برّادات لحفظ الفواكه، وذلك حرصاً على عدم التفريط بمواسمها، ولبيعها بأسعار مناسبة.
وهكذا، فإنّه امام منافسة زراعة الأشجار المثمرة، ككروم العنب والتفاح والزيتون واللوزيات، والفستق الحلبي والإجّاص، تراجعت زراعة الحبوب عمّا مضى بشكل ملحوظ، وخاصة القمح والشعير، لذا، فإن نحو ألفي دونم فقط، هي ما تبقّى لهذا النوع من الزراعة الاستراتيجية، التي تساهم في تحقيق الأمن الغذائي.
ومن أجل خدمة الأعمال الزراعية من حراثة ونقل مواسم، يوجد في السهوة خمسة وخمسون جرّاراً تتراوح قوّة محرّك كل منها ما بين 70 إلى 45 حصاناً، بالإضافة إلى درّاسة آلية واحدة.

تربية الماشية والدواجن
تراجعت إلى حد الانقراض تربية الأبقار الجبلية (عجول باشان)، تلك التي أشارت إليها التوراة قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، وحلّت محلّها تربية الأبقار ذات الأنواع المحسّنة من السلالات الأوروبية كالفريزيان عالية الإدرار، إذ يبلغ متوسط إنتاج البقرة الواحدة سنويّاً نحو3000 كلغ من الحليب، وبالإضافة إلى ذلك فهي أكثر إنتاجاً للّحم من سلالات البقر الجبلي. ويبلغ عدد الأبقار المحسنة في السهوة مئة وسبعة، تنتج سنوياً نحو 306 أطنان من الحليب.
أما تربية الدواجن، ففي القرية 3 مداجن متخصّصة بإنتاج الفرّوج للّحم، تنتج كل منها 3 إلى 4 أفواج في السنة، ويبلغ عدد الطيور المنتجة نحو مئتي ألف فرّوج في السنة.

المستشرق-جون-لويس-بيركهاردت-بزي-الحاج-ابراهيم
المستشرق-جون-لويس-بيركهاردت-بزي-الحاج-ابراهيم

الطبيعة جبلية أخاذة
تتنوّع المناظر الطبيعية في الأراضي المحيطة بقرية السهوة، فهناك نحو 1800 دونم من الأراضي، هي عبارة عن أحراج تغلب عليها أشجار البلّوط والزعرور والسنديان، وهي محمية من قبل الدولة. وهناك نحو 2500 دونم من الأراضي الصخرية والرملية غير صالحة للزراعة، لكنّها لا تفتقر للإخضرار، كما يشغل السدّ الواقع إلى الغرب من البلدة ما مساحته نحو 2000دونم على شكل بحيرة تتقلّص مساحتها في الفصول الجافة، وتبلغ الطاقه التخزينيّة لها نحو مليون متر مكعب سنوياً، يستفاد منها في الري وسقاية مواشي القرية. ونظراً لأهمية الزراعة والأشجار والأحراج في السهوة، ولكونها تقع ضمن منطقة الاستقرار الأولى في محافظة السويداء، إذ يبلغ متوسّط أمطارها السنوية أكثر من 350 ميلّيمتراً، فقد مُنعت فيها تربية الماعز الجبلي والأغنام من قبل الدولة، وذلك حماية للزراعة والاخضرار في هذه القرية الجبلية الجميلة.

دكّان...والرزق-على-الله...
دكّان…والرزق-على-الله…

ثروات المغتربين ظاهرة في كثرة السيارات وفي الجمعية الخيرية والحركة النشطة لبناء الفلل الحديثة

المرافق العامة والخاصة
تتواجد في قرية السهوة مدرسة إعدادية واحدة، بشُعَب مختلطة للذكور والإناث، كما توجد جمعية تعاونية فلاّحية ومركز صحّي للعلاج المجّاني، وقد تمّ تقديم البناء من قبل أهالي البلدة، يعمل فيه بضعة من الموظفين والموظفات لدى مديرية الصحة ويستقبل المرضى فيه طبيب يحضر إلى المركز ثلاثة أيام في الأسبوع، بالإضافة إلى عيادة لعلاج الأسنان. وهناك في السهوة صالة بيع للمستهلك، ومبنى خاص بالهاتف.
وبالنظر للنشاط الاغترابي في السهوة فقد انعكس ذلك بحالة رخاء نسبي في البلدة التي يبلغ عدد السيارات الخاصة فيها نحو خمسمائة سيارة، وهناك خمس حافلات نقل عام للركاب ــ بملكية خاصة ــ تنقل الركاب بالأجرة، بين البلدة والسويداء وسواهما.
وفي البلدة جمعية خيرية يدعمها مغتربو البلدة ومتموّلوها وعامة القادرين من أهلها، وتلعب هذه الجمعية دوراً ذا شأن في تقديم الخدمات التعليمية والصحّية والاجتماعية لمواطني السهوة، وتعمل هذه الجمعية على مساعدة الطلاب المحتاجين لإتمام دراستهم والسعي لرفع المستوى الثقافي لدى أبناء القرية والمساهمة في بناء المرافق الخدمية في السهوة. ويبلغ عدد أعضاء الجمعية أكثر من مئة وخمسين عضواً، أمّا مواردها فهي التبرّعات، ووصايا المحسنين المتوفّين، والهبات، وتبلغ وارداتها بضعة ملايين من الليرات السورية سنوياً.
كما بني مدرّج عام يتسع لآلاف الأشخاص من المشاركين في المناسبات العامة، والمشاركين في التعازي في حالات الوفاة.
ومن المرافق العامة في البلدة مجلس للموحّدين، ومسجد للبدو السنّة في الحي الذي يقطنونه من السهوة. بالإضافة إلى الصالة الاستهلاكية التجارية، هناك عدد من المحلاّت التجارية التي يبلغ مجموعها نحو 70 محلاً، ومحلات أُخرى متعددة تنتشر في أرجاء البلدة تبيع سلعاً متعدّدة.

 

صورة من الندوة التكريمية

نــدوة تكريميــة في الأونيسكــو تناقــش
كتابــاً للمــؤرخ الراحــل عبــاس أبــو صالــح

أُقيمت في قاعة قصر الأونيسكو في بيروت ندوة تكريمية للمغفور له الدكتور عباس أبو صالح بمناسبة صدور كتابه الجديد «التاريخ المعاصر للموحدين الدروز»، بدعوة من اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز، بالتعاون مع كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية والمكتبة الوطنية في بعقلين، حضر الندوة ممثلٌ لشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن، الشيخ غسان الحلبي، وللنائب وليد جنبلاط ، الدكتور ناصر زيدان، والنائب مروان حمادة، وممثل للنائب أنور الخليل، جوزيف الغريب، ولرئيس الأركان اللواء وليد سلمان، النقيب حسام أبو هدير، والوزير السابق بهيج طبارة، والنائب السابق بيار دكّاش، واللواء الركن شوقي المصري، والقاضي غاندي مكارم، والسيدة حياة أرسلان، وأمين السر العام في الحزب التقدمي الاشتراكي ظافر ناصر، والعميد أنور يحيى، والعميد صلاح عيد، والأستاذ أنور ضو، والدكتور وليد صافي، ورئيس مؤسسة أديان الأب فادي ضو، ورئيس جمعية فرح العطاء ملحم خلف، ورؤساء لجان في المجلس المذهبي، الشيخ كميل سري الدين والأستاذ رامي الريس والمحامية غادة جنبلاط والمحامي نشأت هلال، وعدد من أعضاء المجلس، والدكتور نمر فريحة والدكتور أنطوان سيف، وحشدٌ من المثقفين وأساتذة الجامعة اللبنانية وبعض الجامعات الخاصة، وأصدقاء المؤلّف الراحل وعائلته، وجمعٌ من طلاب الجامعات والشباب.

افتتح الندوة الشيخ سامي أبي المنى، رئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز، بعرض مضمون الكتاب ومواضيع، وتبعه القاضي غالب غانم، الرئيس السابق لمجلس القضاء الأعلى، الذي اعتبر الكتاب «رصداً لمواقف الأباةِ الدروز منذ طوالع القرن العشرين حتى مشارف الستّينات. وتحدث الدكتور أحمد حطيط، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة الإسلامية، مشيراً إلى أن كتاب الدكتور أبو صالح «ينطلق من مسلّمة مفادها أنّ للدروز دوراً رئيسياً في الثورات العربية، بدليل ما بذله زعماؤهم وأعيانهم، من تضحيات ومواقف جريئة وصادقة، من أجل الدفاع عن حقوق الأمة العربية، مركزاً بصورة خاصة على الأدوار المهمة التي لعبها كل من القائد سلطان باشا الأطرش وأمير البيان شكيب أرسلان والمعلّم كمال جنبلاط.

وتحدث الدكتور أنطوان مسرّة، عضو المجلس الدستوري، فشرح ما كتبه في مقدمة الكتاب، مشيداً بالدكتور أبو صالح من خلال تجربته وإياه في لجنة وضع مناهج التاريخ في المركز التربوي، وختم حلقة التقييم القاضي عباس الحلبي، رئيس لجنة الأوقاف في المجلس المذهبي، مؤكداً على أن الموحدين الدروز» لعبوا دوراً حيوياً في قلب هذا المشرق وخاضوا سلسلة طويلة من حروب التحرير الوطنية كما في ثورتهم المظفرة سنة 1925 في سوريا أو عشية النكبة في فلسطين 1948، مما جعلهم ينخرطون بقوة وفاعلية في شؤون العالم العربي ويؤدون دوراً محورياً كأقلية محاربة بعيدة كل البعد عن أي سمة إنعزالية، وفق تعبير كمال جنبلاط».

المناذرة اللخميون

المناذرة اللخميّون

نسبهم وفروعهم ودورهم الجهادي

“تا الله لا يأتي الزمان بمثلهم ولا يحمي الثغور سواهم”
صالح بن يحيى التنوخي

نفوذهم تعدّى إمارة الغرب إلى بيروت وطرابلس وصيدا وصور والشوف وراشيا والبقاع الغربي وامتد حتى اللجون وصفد في فلسطين

المناذرة هم آل أرسلان وآل عبد الله وآل تنوخ وبنو فوارس. قدموا من معرّة النعمان إلى لبنان في أواسط القرن الثامن الميلادي، وتأمّروا لقرون عديدة على مناطق من جبل لبنان. إنهم من قبيلة لخم. ومن جدودهم الأعلين عمرو بن عدي اللخمي، مؤسس مملكة الحيرة التي دامت 364 سنة، وحكمها 23 ملكاً، بينهم 17 ملكاً لخمياً من الأب والأم. ومن الملوك السبعة عشر هؤلاء خمسة إسمهم «المنذر»، هم المنذر بن النعمان، المنذر بن المنذر، المنذر بن أمرؤ القيس الملقّب بإبن ماء السماء، المنذر بن المنذر بن ماء السماء، المنذر بن النعمان الملقّب بالمغرور لهذا دُعيت مملكة الحيرة بإسم مملكة المناذرة، ودُعي ملوكها بإسم الملوك المناذرة، ودُعي أحفادهم الذين جاؤوا إلى لبنان بإسم المناذرة.
وبما أن بين أسر المناذرة، الذين توطّنوا جبل لبنان، أسرة آل تنوخ أو التنوخيين، فقد كان إسمهم ونسبهم من الإشكاليات في تاريخ لبنان بسبب وجود من يشاركون هذه الأسرة إسمها، وهم التنوخيون نسبة إلى قبيلة تنوخ، أو نسبة إلى حلف تنوخ الذي قال بعض المؤرّخين إنه نشأ في البحرين (الأحساء، حالياً في المملكة العربية السعودية)، وإنه ضمّ قبائل عدّة نزحت من اليمن ومن شرق الجزيرة العربية إلى البحرين حيث تتنّخت، أي اتفقت على التنوخ والإقامة مع بعضها فضمّها إسم «تنوخ» بمعنى المقام، وبعد ذلك إنتقل معظمها إلى العراق، ثم إنتقل منها فريق كبير من تنوخيي قضاعة، ولحق بمن سبقهم من تنوخ إلى السكن في معرّة النعمان وجهاتها. وكان سبب النزوح من العراق تضييق الملك أردشير بن بابك على من لم يوافقه في سياسته(1).
جانب العديدُ من المؤرّخين الحقيقة، حين أعادوا التنوخيين المناذرة إلى تنوخيي قضاعة الذين أقاموا في معرّة النعمان ومحيطها. وجانب الحقيقة أيضاً من أعادوا التنوخيين المناذرة إلى حلف تنوخ. واللافت أن إسم تنوخ بات عند العديد من المؤرّخين صفةً للنسب الرفيع تعني «علو شأن ومحتد»، وأن بعضهم اعتبر التنوخيين اللبنانيين أجداد الموحِّدين الدروز.
وفي الحقيقة أن التنوخيين المناذرة لا علاقة لهم بتنوخيي قضاعة الذين منهم فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة أبو العلاء المعرّي، والذين انتقل بعضهم من معرّة النعمان ومحيطها إلى أماكن عدة منها منطقة اللاذقية حيث أسسوا إمارة تنوخية كان من أمرائها ممدوحون للشاعر أبي الطيب المتنبي. فلا علاقة بين التنوخيين المناذرة وتنوخيي قضاعة الا بالإسم فقط، وعلاقة الإسم هذه هي الوحيدة أيضاً بين التنوخيين المناذرة وسائر المناذرة، وبين حلف تنوخ، لأنه لم يثبت أن اجداد المناذرة كانوا من مكوّنات هذا الحلف الآني الذي لم يُعمِّر طويلاً، كما أن مسارهم التاريخي كان مختلفاً عن مسار هؤلاء.(2) وإذا إفترضنا أن هناك مبرّراً للجمع بين تنوخيي لبنان، وبين قبيلة تنوخ وحلف تنوخ وجعلهم من أصل واحد جرّاء الإشتراك بالإسم، فإنه ليس هناك مبرّر على الإطلاق للجمع بين سائر المناذرة وبينهما، وجعلهم من أصل واحد.
إن انتساب التنوخيين وسائر المناذرة إلى الملوك المناذرة يمنحهم شرفاً أرفع من تنسيبهم إلى حلف تنوخ الذي كان منه فقط ثلاثة ملوك حكموا في العراق قبل الملوك المناذرة، وكان مقرّهم بين الحيرة والأنبار، مع الإشارة إلى أن المناذرة اللخميين أسسوا بعد إنتهاء مملكتهم الشهيرة في الحيرة، إمارات في جبل لبنان استمرت قروناً، وكان لها دورها وأهميتها وشهرتها أكثر بكثير من إمارة التنوخيين في اللاذقية، ثم إنه كان من نسل الملك النعمان بن المنذر اللخمي ملوك إشبيلية في الأندلس، وهم أبو القاسم محمد، وإبنه المعتضد، والمعتمد على الله إبن المعتضد(3)، أما القول إن التنوخيين هم أجداد الموحِّدين الدروز ففيه بعض الصحة، لكنّهم فقط فريق من أجداد الموحّدين الدروز في لبنان، إذ إن هناك أسراً كثيرة غيرهم أقامت معهم في جبل لبنان، واعتنق أبناؤها مذهب التوحيد (الدرزي).

قدوم المناذرة إلى لبنان
إن وجود المناذرة في جبل لبنان مرتبط بظهور الإسلام، وبالفتوحات العربية. والسجل الأرسلاني يضيء على مرحلة من تاريخهم كانت غامضة، ويسجّل لهم، في كلامه عن الأرسلانيين، دوراً لم يذكره المؤرّخون، وهو سير الأمير عون، إبن الملك المنذر (المغرور) إبن ملك الحيرة النعمان (أبو قابوس)، مع القائد خالد بن الوليد المخزومي، من العراق إلى الشام، حين طلب الخليفة الراشدي أبو بكر الصديق من خالد أن ينضمَّ إلى الجيوش العربية التي تقاتل الروم البيزنطيين في الشام. وقد حضر الأمير عون فتح بصرى الشام، وشارك في موقعة أجنادين وجُرح فيها وتوفي بعد أيام قليلة بسبب جرحه، فخلفه إبنه مسعود في الإمارة على لخم، وحضر فتح دمشق، وكان أول من دخلها من الثقب الذي أحدثه يونس بن مرقص في سورها، ثم حضر واقعة مرج الديباج، ومعركة اليرموك، وحضر مع أخيه عمرو فتح بيت المقدس، وسار مع القائد أبي عبيدة بن الجرّاح، الذي تسلّم القيادة العامة للجيوش العربية بدلاً من خالد بن الوليد، لفتح قنّسرين وحلب وإنطاكية، فيما سار أخوه عمرو وإبن عمه الأمير همّام مع القائد عمرو بن العاص لفتح قيسارية ومصر.(4)
نزل الأمير مسعود وأقاربه ومن رافقه من لخم، في معرّة النعمان، وأقاموا فيها منذ بدايات الثلث الثاني للقرن السابع الميلادي حتى سنة 758م. ففي هذه السنة انتقلوا من المعرّة إلى جبل لبنان بأمر من الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور الذي طلب منهم الإقامة في الهضاب المطلة على ثغر بيروت، للدفاع عنها ضد غارات الروم البيزنطيين الذين كانوا يغزون السواحل بعد جلائهم عن الشام، وللدفاع عن الطريق الساحلية، وعن الطرق الجبلية بين بيروت ودمشق، التي كانت تتعرّض لهجمات حلفاء الروم من السكان المحليين، وهم المردة بحسب تسميات العديد من المؤرّخين، فيما إسمهم الحقيقي هو الموارنة، لأن المردة كانوا آنذاك قد خرجوا من لبنان، والقلة الباقية منهم إندمجت مع الموارنة.
مواجهات مع الموارنة
ما كان الأرسلانيون وحدهم في المسيرة من العراق إلى معرّة النعمان، وعلى الأخص في الإنتقال من المعرّة إلى جبل لبنان والتوطّن فيه، بل كان معهم سائر أبناء عمومتهم، بدليل أن المواقع التي خاضوها مع الموارنة، في بداية توطّنهم في الجبل، تدلُّ على أنهم كانوا عدداً وافراً بحيث تمكّنوا من هزيمة الموارنة في المواقع الأولى التي خاضوها معهم، ثم في المواقع التي استمرت وأدّت الى إنكفاء الموارنة نحو الشمال، من محيط مصبّ نهر بيروت إلى محيط مصبّ نهر الكلب. فالسجل الأرسلاني لا يذكر من الأمراء الوافدين إلى جبل لبنان سنة 758م إلاّ الأمير المنذر بن مالك وأخاه الأمير أرسلان وأولاد إخوتهما الأمير خالد إبن الأمير حسّان، والأمير عبدالله إبن الأمير النعمان، والأمير فوارس إبن الأمير عبد الملك(5)، وهؤلاء لا يمكنهم وحدهم التغلّب على الموارنة الوافري العدد. ومن هذا، يُستنتج إغفال السجل لذكر أبناء عمومة الأميرين، المنذر وأرسلان، والعديد من أبناء قبيلتهم لخم، فإن كان لا يمكن تسمية أبناء هذه القبيلة، فإنه يمكن الإشارة إليهم، كما يمكن تسمية سائر الأمراء المرافقين.
أسس المناذرة في المنطقة المطلة على بيروت، والمعروفة بجبل بيروت أو الغرب، إمارة إسمها «إمارة الغرب». وهذه المنطقة تشمل حالياً الجزء الغربي من قضاءي عاليه، وبعبدا (المتن الجنوبي)، لأن جزءَهما الشرقي يشكّل منطقتين تُعرفان بإسمي «الجرد» و «المتن». كان نفوذ إمارة الغرب يتعدّى أحياناً حدود «الغرب» ليشمل مدن بيروت وطرابلس وصيدا وصور، ومناطق الشوف وإقليم الخرّوب وراشيا والبقاع الغربي، ويمتد إلى خارج لبنان ليشمل اللجون وصفد، وكان متسلّمها أميراً مقدّماً بين متساوين من أمراء المناذرة، يُعرف بالأمير الكبير، ومقرها هو مقرّ هذا الأمير، مثل سن الفيل والشويفات وعرمون وفلجّين وعبيه.
كان المناذرة على مذهب السنّة عند قدومهم إلى لبنان، وبعد إحتلال الدولة الفاطمية لبلاد الشام، في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي، تأثروا بمذهبهم الشيعي الإسماعيلي. . ثم إعتنقوا مذهب التوحيد.

التنوخيون المناذرة الذين رافقوا الفتح الإسلامي لا علاقة لهم إلا بالاسم بتنوخيي قضاعة الذين منهم أبو العلاء المعرّي، والذين أسسوا إمارة في شمال سوريا لكنّ المؤرخين خلطوا بين الجماعتين

آل أرسلان
سمّي آل أرسلان أو بنو رسلان بإسم الأمير أرسلان بن مالك بن بركات بن المنذر بن مسعود بن عون إبن الملك المنذر (المغرور) إبن الملك النعمان (أبو قابوس).
والإسم «أرسلان» سلجوقي، شاع منذ القرن العاشر الميلادي، وخصوصاً بعد شهرة الملك السلجوقي ألب أرسلان الذي هزم الروم البيزنطيين هزيمة منكرة في معركة ملازكرت سنة 1071م، وأسر أمبراطورهم أرمانوس. والإسم «رسلان» عربي، ظهر حوالي الفترة نفسها، في المصادر التاريخية، لكنه لم يشع كالإسم «أرسلان». وقد ذُكر من حملوا هذا الإسم من المناذرة بآل ارسلان، في السجل الأرسلاني، وفي العديد من المراجع، كما عُرفوا ايضاً بإسم « بيت رسلان»، وذُكروا به من قبل الناس في أحاديثهم، وظهر على بلاطة مدخل السراي الأرسلانية في عين عنوب، المشادة بتاريخ سنة 1117ه (1705م) والمجال هنا لا يتسع أكثر للحديث عن هذين الإسمين، وخصوصاً الإسم «أرسلان» الذي كان واحدةً من نقاطٍ ركّز عليها بعض الباحثين في نقدهم للسجل الأرسلاني.(6)
أسس آل أرسلان أول إمارة منذرية في جبل لبنان، هي أول إمارة عربية إسلامية فيه، وجاهدوا ضد الروم البيزنطيين وأعوانهم المحليين والفرنجة، وكادوا أن ينقرضوا في صراعهم مع الفرنجة سنة 1110م، لو لم ينجُ منهم أمير صغير إسمه ناهض الدين أبو العشاير بحتر. فقد استطاع هذا الأمير أن يعمّر البيت الأرسلاني من جديد، لكنه لم يستطع إستعادة إمارةَّ الغرب كلها، بل غدا أميراً على جزء منها، لأن أميراً آخر يحمل إسمه هو ناهض الدولة أبو العشاير بحتر بن شرف الدولة التنوخي، نافسه على الإمارة، ثم غدا أميراً على الغرب.
كان من نسل الأمير بحتر الأرسلاني أمير إسمه أبو الجيش زين الدين صالح، وهو الذي عاد وعمّر البيت الأرسلاني للمرة الثانية، بعد أن كاد يندثر في أوائل عهد المماليك الجراكسة، ومنه ينحدر الأرسلانيون الذين لا يزال نسلهم ونفوذهم مستمرين إلى اليوم. وإسم «أبو الجيش» ليس نسبة إلى حصن أبي الجيش الموجود في وادي التيم، والذي أشار إليه أحد المصادر، وإنما هو صفة أعطيت للأمير زين الدين صالح وفق العرف الذي كان متّبعاً في الماضي، وهو إعطاء صفة للرجل النافذ تُضاف إلى إسمه. وبعد أن ضعف نفوذ آل أرسلان في عهد الإمارة البحترية التنوخية استعادوا بعضه في العهد العثماني. وبعد أن عاد وضعف في العهد الشهابي إستعادوه في عهد المتصرّفية من خلال تولي قائمقامية الشوف.

بنو فوارس
ينتسب بنو فوارس إلى الأمير فوارس بن عبد الملك بن مالك بن بركات بن المنذر بن مسعود بن عون إبن الملك المنذر (المغرور) ابن الملك النعمان (أبو قابوس). فهم تبعاً لذلك أبناء عم الأرسلانيين. والأمير الذي ينتسبون إليه هو إبن أخ الأمير أرسلان. إنهم الأكثر عدداً بين أسر المناذرة، والأكثر إنتشاراً، إذ إنهم أقاموا في «الغرب» وشمال الشوف، والجرد، والمتن. وعن هذا جاء في كتاب «قواعد الآداب حفظ الأنساب» المدوّن في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، أن الأمير فوارس أنجب احد عشر ولداً ذكراً، وقوي بالمال والرجال ممّا أوجد الغيرة عند أقاربه، فاقترح أعقلهم أن يتقاسموا البلاد وأن يكبّروا حصة فوارس.(7)
أشهر الأمراء، بعد الأمير فوارس، أحد أحفاده الأمير معضاد الذي كان مقيماً في فلجّين، وهو مشهور جداً في أوساط الموحّدين الدروز، ويتردّد إسمه وأفعاله في أدبياتهم، ويعتبره الموحّدون أول رئيس روحي لهم في جبل لبنان. وقد تقلّد الأمير معضاد إمارة الغرب من سنة 1020 إلى سنة 1040م، بعد أن تنازع عليها مع الأمير عماد الدين موسى الأرسلاني، لكن هذه الإمارة عادت إلى آل ارسلان بعد وفاته.
من فروع بني فوارس، التي حملت أسماء أحفاد الأمير فوارس، معضاد وزعازع وأبو اللمع والخضر والمغربي. وقد جاء في كتاب «قواعد الآداب حفظ الأنساب» أن الأمير معضاد خلف في فلجّين ولدين هما أبو اللمع وزعازع(8)، ولا يزال آل أبو اللمع وآل المغربي موجودين إلى اليوم، كما أن آل ابو اللمع الذين عُرفوا بالمقدّمين لفترة من الزمن باتوا يُعرفون بالأمراء في العهد الشهابي، ولا يزال لهم نفوذ إلى اليوم. وهناك أسرة في قرية بزبدين في قضاء المتن الجنوبي ( قضاء بعبدا) تحمل شهرة معضاد، هي، بحسب اعتقادنا، من أحفاد الأمير معضاد.

المناذرة اللخميون شاركوا في فتح دمشق ومصر ومعركة اليرموك وفتح قنسرين وقيسارية وحلب وأنطاكية قبل الانتقال للدفاع عن الدولة الإسلامية في جرود
وسواحل لبنان

أطلال مدينة الحيرة اليوم
أطلال مدينة الحيرة اليوم

آل عبد الله
ينتسب آل عبد الله إلى الأمير عبد الله بن النعمان بن مالك بن بركات بن المنذر بن مسعود بن عون ابن الملك المنذر(المغرور) ابن الملك النعمان (أبو قابوس) فهم تبعاً لذلك أبناء عم آل أرسلان وبني فوارس. المعلومات عن تاريخهم القديم قليلة، تقتصر على نسبهم الذي ذكره السجل الأرسلاني وتاريخ بيروت لصالح بن يحيى، وعلى أسماء بعض أمرائهم. ومما ذكره السجل الأرسلاني هو تسلّم أحد أمرائهم، مجد الدولة بن عدي، إمارة الغرب، بعد الضربة القاسية التي أنزلها الفرنجة بالأمراء الأرسلانيين سنة 1110م، ولكن لم يخلفه أحد من أسرته فيها، بعد مقتله في أحد المواقع مع الفرنجة سنة 1127م.
من فروع آل عبدالله فرع الطوارقة نسبة إلى الأمير طارق بن عبدالله بن النعمان، ومنهم آل تقي الدين المقيمون حالياً في بعقلين في قضاء الشوف، وآل علم الدين الذين برزوا منذ القرن الثالث عشر الميلادي. ينتسب آل علم الدين إلى الأمير علم الدين سليمان الموصوف بالكبير والمعروف بالرمطوني، لأنه أقام في رمطون الواقعة على الضفة اليمنى لنهر الصفا تحت بلدة كفرمتى. وقد أخطأ العديد من المؤرّخين حين نسّبوهم إلى أبناء عمهم التنوخيين المناذرة، اعتماداً على بعض ما قاله المؤرّخ صالح بن يحيى عنهم، إذ أعاد نسبهم في مكان إلى آل عبدالله، وأعاده في مكان آخر إلى البحتريين التنوخيين، وأدرجهم مع البحتريين التنوخيين في حديثه عن الطبقة الثانية منهم(9) ، ونسبهم هذا المدرج في النص، في النسخة المحققة من الدكتور فرنسيس هورس اليسوعي وكمال سليمان الصليبي، مدرج أيضاً في شجرة النسب التنوخي في النسخة المحققة من الأب لويس شيخو(10). لكن المؤرخ ابن سباط، الذي جاء بعد المؤرخ صالح بن يحيى بزمن قصير، قال إن آل علم الدين فخذٌ من آل عبدالله، نُسبوا إلى التنوخيين بسبب المصاهرة(11). وهذه المصاهرة كانت متبادلة، ومع العديد من الأمراء، كما أن السجل الأرسلاني وكتاب «قواعد الآداب حفظ الأنساب» يعيدان آل علم الدين إلى آل عبدالله.

الأمير علم الدين الكبير
بعد أن كان آل علم الدين أمراء مغمورين برز دورهم مع الأمير علم الدين سليمان الرمطوني، في عهد الأمير ناصر الدين الحسين التنوخي الموصوف بالكبير. كانوا مقيمين في عبيه، لكنهم انتقلوا منها إلى رمطون بسبب مضايقة الأمير نجم الدين محمد، المعروف بنجم الدين العاق لإبيه، لأنه لم يسر على نهج والده جمال الدين حجى الموصوف بالكبير. فعمرت رمطون بالبيوت الكبيرة التي شيدها علم الدين وأبناؤه، لكنها تحوّلت إلى قرية دارسة بعد أن تركها أحفاده إلى منطقة الجرد واتخذوا بلدة عين دارة قاعدة لهم، وكان ذلك حين غزا تركمان كسروان الغرب سنة 1389م وعاثوا فيه(12).
برز دور آل علم الدين مجدّداً في عهد الإمارة المعنية. فلقد تسلّموا زعامة اليمنيين، وخاضوا، بعد نهاية الأمير فخر الدين المعني الثاني، صراعاً قويّاً مع المعنيين، ثم مع الشهابيين، على إمارة الجبل، لكنهم إنتهوا في موقعة عين دارة سنة 1711 حيث انهزمت اليمنية التي يقودونها ومحمود باشا أبو هرموش، وانتصرت القيسية بقيادة الأمير حيدر الشهابي. وفي حين تَذْكُر المراجع أنهم دُثروا في هذه الموقعة ظهرت مؤخراً أسرة من بقاياهم، هي على المذهب السنّي، وقد برز منها عز الدين علم الدين التنوخي، عضو المجمع العلمي العربي في دمشق، وأحد أساتذة جامعتها في النصف الأول من القرن العشرين.

آل تنوخ
ينتسب آل تنوح أو التنوخيون المناذرة إلى الأمير تنوخ بن قحطان بن عوف بن كندة بن جندب بن مذحج بن سعد بن طيء بن تميم إبن الملك النعمان (أبو قابوس)، فهم تبعاً لذلك أبناء عم آل أرسلان وآل عبدالله وبني فوارس، يلتقون معهم عند الجد الأعلى الملك النعمان (أبو قابوس)، الذي كان له ولدان، هما الملك المنذر (المغرور) الذي من نسله آل أرسلان وآل عبد الله وبنو فوارس، وتميم الذي من نسله التنوخيون.
من فروع التنوخيين بحتر، وهو جد الأمراء البحتريين التنوخيين، أنشأ الإمارة البحترية التنوخية في «الغرب» المعروفة أيضاً بالإمارة التنوخية نسبة إلى الجد الأعلى الأمير تنوخ. واذا كانت الإمارة الأرسلانية هي الأقدم بين إمارات المناذرة في لبنان، فإن الإمارة البحترية التنوخية هي الأشهر والأهم. وقد برز من أمرائها رجال سيف وقلم وتقوى، وكان منهم بالإضافة إلى الأمراء الزمنيين الحاكمين، المؤرّخ صالح بن يحيى، صاحب كتاب «تاريخ بيروت» والأمير جمال الدين عبدالله، المعروف بالأمير السيّد، وهو الذي ينسب إليه تجديد مسلك التوحيد وتوثيقه، كما يعتبر المرجع الروحي الأبرز في تاريخ الموحدين بعد وقف الدعوة في مطلع القرن الحادي عشر الميلادي.

ميناء يروت في القرن التاسع عشر
ميناء يروت في القرن التاسع عشر

آل أرسلان أسسوا أول إمارة عربية إسلامية في جبل لبنان وكادوا أن ينقرضـــــوا بســــبب حروبـــهم مع الفرنجــــة لو لم ينـــــجُ منهم أمير صغــــــير هو ناهــــض الدين بحتـر

تحديات تواجه الإمارة التنوخية
واجهت الإمارة البحترية التنوخية صعوبات عدّة وأخطاراً ولكنها تجاوزتها، وتمكّنت من الإستمرار، وأبرز تلك الأخطار كانت:
1. هجوم فرنجة سنيورية بيروت المفاجئ على الغرب، سنة 1174م، وإنزالهم بأهاليه ضربة موجعة بحيث لم ينجُ منهم إلا من تستّروا بالشعاب والأودية. وكان من الناجين الطفل حجى بن كرامة بن بحتر الذي عاد وعمّر البيت البحتري من جديد.
2. قيام الأيوبيين، في أواخر عهد سيطرتهم على بلاد الشام، بحملة على «الغرب» سنة 1255، لكنّ البحتريين هزموهم في موقعة عيتات.
3. صراع أربع قوى على بلاد الشام وتداول حكمها في سنة 1260، وهي الأيوبيون بقيادة الملك الناصر يوسف، والمماليك البحرية بقيادة السلطان قطز، والمماليك البحرية بقيادة السلطان بيبرس الذي اغتال قطز وتسلّم الحكم بعده، والتتار (المغول) بقيادة هولاكو، الذين وصلوا في زحفهم إلى بلاد الشام واحتلوا دمشق. هذا الصراع، وهذا التداول السريع لحكم بلاد الشام، وضعا الإمارة البحترية بين شقي الرحى مما اضطر الأمير جمال الدين حجى بن محمد بن حجى وابن عمه الأمير زين الدين صالح إلى تناوب الأدوار، فكان الأول مع المغول في دمشق، والثاني مع المماليك في معركة عين جالوت حيث حصلت الهزيمة المنكرة للمغول.
4. لجوء المماليك البحرية إلى مركز الإدارة، وفرض النظام الإقطاعي العسكري، وقيامهم بحملة على «الغرب» سنة 1278، بحيث غدت الإمارة البحترية مزعزعة لولا إسراع أمرائها، وعلى رأسهم الأمير ناصر الدين الحسين، إلى الالتحاق بجند الحلقة.
5. منافسة أمراء كسروان التركمان للأمراء البحتريين وطمعهم في إقطاع «الغرب».
بعد أن استطاعت الإمارة البحترية تجاوز هذه الأخطار والصعوبات ضعفت في أواخر عهد المماليك البرجية، ثم أخذت الإمارة المعنية، التي قامت في الشوف، مكانها في العهد العثماني. وكانت نهاية أمرائها في سنة 1633 حين فتك الأمير علي علم الدين اليمني بهم، وهو على مائدتهم في عبيه، ثم هدم سراي عبيه على أطفالهم. وإذا كانت هناك أسر منهم، فهي التي تخلّت عن اسم «تنوخ» واسم «بختر» وحملت شهرة غيرهما.

دولة المناذرة في فجر الإسلام
دولة المناذرة في فجر الإسلام
سوق الغرب المطلة على بيروت تظهر أهمية الجبل في الدفاع عن الثغور الإسلامية
سوق الغرب المطلة على بيروت تظهر أهمية الجبل في الدفاع عن الثغور الإسلامية

 

 

 

 

 

 

 

لدور الجهادي للمناذرة
كانت المهمة الأساسية من وجود المناذرة في جبل لبنان هي الدفاع عن ثغري بيروت وصيدا، والساحل الممتد بينهما، ضدّ الخطر الذي تمثّل بالروم البيزنطيين وحلفائهم المحليين، ثم بالفرنجة. وقد بدأوا هذه المهمة حين قدموا من معرّة النعمان وجهاتها في سنة 758م بأمر من الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وتوطنوا جبل لبنان للقيام بدور جهادي. وهذا الدور لم يتغيّر بتغيّر أمرائهم وإماراتهم، وبتغيّر الخلفاء العباسيين وسائر حكام الدول الإسلامية المتعاقبة على حكم بلاد الشام، بل ظل هو ذاته طوال قرون عديدة، لأن موقعهم الجغرافي ظل نفسه، وهو بيروت وجبلها، ولأن ولاءَهم السياسي أو «عقيدتهم السياسية» إذا صح التعبير، لم يتبدلا، وهو الولاء للدولة الإسلامية الحاكمة، ونصرتها ضد أعدائها، وربط مصيرهم بمصيرها.
تغيّرت مع الزمن وتطوّر الأحداث، وحصول التحوّلات، القوةُ المعادية للمسلمين، فبعد أن كانت متمثلة بالروم البيزنطيين حتى أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، أصبحت بعد ذلك تتمثل بالفرنجة الذين بدأوا بحملاتهم على الشرق، ووصلوا إلى السواحل الشامية سنة 1098م، وأسّسوا المملكة اللاتينية أو مملكة بيت المقدس، وثلاث إمارات مرتبطة بها، هي إمارة الرها وإمارة إنطاكية وإمارة طرابلس. ومع أنهم طردوا من الشرق نهائياً في سنة 1291، إلا أنهم واصلوا حملاتهم على سواحل الشام، وكانت حملاتهم السبع على الشرق بإسم الجهاد من أجل إنقاذ الأماكن المقدّسة في فلسطين. أما أهدافهم الرئيسية، فهي سياسية وتوسّعية. وكان قتال المسلمين لهم جهاداً مقدّساً لإستعادة القدس والأراضي الاسلامية المحتلة. وكان للمناذرة إسهام بارز في هذا الجهاد.
من قبل، كان المناذرة أثناء سيطرتهم على مناطق واسعة في غرب العراق، وأحياناً في شرق الشام، يشكلون خط دفاع عن الأمبراطورية الفارسية في وجه الأمبراطورية البيزنطية، فيما كان الغساسنة خط دفاع عن الأمبراطورية البيزنطية في وجه الأمبراطورية الفارسية. وتبعاً لذلك كان المناذرة رجالاً للفرس، يحافظون على حدود أمبراطوريتهم ويحافظون بهذا على وجودهم وسط دولتين كانتا الدولتين العظميين في العالم. وبعد توطّنهم في جبل لبنان صاروا مجاهدين في سبيل الإسلام، الذين شاركوا في فتوحاته، وحموا ساحل بلاد الشام وثغورها. وهذا دفع أحد أبنائهم، المؤرّخ صالح بن يحيى، على الإفتخار بهذا الدور في حديثه عن أجداده البحتريين التنوخيين، والقول:
« تا الله لا يأتي الزمان بمثلهم ولا يحمي الثغور سواهم».(13)
كان المناذرة مرابطين لحماية الثغور والساحل، وكانوا في الوقت نفسه خط دفاع أول عن دمشق والداخل، ولا سيما في فترات توسّع الفرنجة، إذ أن البحتريين التنوخيين المتأمّرين على «الغرب» وقفوا في وجه توسّع هؤلاء نحو المرتفعات الشرقية، وحصروا وجودهم على الساحل فيما استطاع الفرنجة مثلاً، التوسّع في جهات الشوف وجنوب لبنان حتى بلغوا الجبال. لكن هذا الجهاد المشرّف كان مكلفاً، ومن الأدلة على ذلك إبادة الفرنجة في سنة 1110م لجميع الأمراء الأرسلانيين بإستثناء واحد منهم هو الأمير ناهض الدين أبو العشاير بحتر بن عضد الدولة علي، وإبادتهم في سنة 1174 لجميع الأمراء البحتريين التنوخيين بإستثناء واحد هو حجى بن كرامة بن بحتر.

سلسلة نسب أسر المناذرة وصولاً إلى الملك المنذر الأول

العقبة

العقبة، بلدة التسعين شهيداً
تستذكر مواسم العنب والتنور

الشيخ التسعيني سيف الدين دحسون
كنا نأكل الخبز والجرجير البري لكننا كنا سعداء
أما الآن فكل شيء متوفّر لكن أين الألفة والطمأنينة؟

أهل العقبة تركوا الزراعة وبرعوا في إدارة المطاعم والفنادق
حتى باتت أكثر مطاعم المنطقة مملوكة من أبناء البلدة

 

لكل من بلدات قضاء راشيا تاريخ، ولكل منها شخصية مميزة هي في الواقع نتاج موقعها الجغرافي وطبيعة أرضها وصفات سكانها، كما أنها نتاج بعض الأحداث والملمات التي مرت عليها في الأزمات الماضية أو الحديثة. أما بلدة العقبة، فإن طابعها الأهم هو الوطنية والغيرة على الارض والعرض وهو ما جعل منها إحدى أكبر البلدات سخاء في تقديم الشهداء في المواجهات مع طغيان إبراهيم باشا أولاً ثم الانتداب الفرنسي سنة 1925، كما أن من سمات العقبة التضامن الاجتماعي وتعاون أبناء القرية في إنماء البلدة وتوفير حاجاتها الأساسية من مياه ورعاية صحية وتعليم وغيرها. في هذا التحقيق نعرض لواقع بلدة العقبة في قضاء راشيا ونتحدث إلى رئيس بلديتها، ثم نفتح خزان الذاكرة مع شيخها التسعيني سيف الدين دحسون.

تسعون مناضلاً من أبنائها استشهدوا في محاولة اقتحام قلعة راشيا وتسلّق أسوارها وفي القتال مع الفرنسيين

موقعها وأصل إسمها
تقع بلدة العقبة في الطرف الغربي لبلدة راشيا ويحيط بها عدد من قرى القضاء مثل راشيا، وضهر الأحمر وكوكبا وبكيفا، وهي تبعد عن مركز القضاء 5 كلم وعن العاصمة بيروت 90 كلم، ويبلغ عدد سكانها ما يقارب الـ 4000 نسمة، وهم موزعون على العقبة وعلى أحياء المزارع وجب فرح. تقع العقبة على ارتفاع نحو 900م عن سطح البحر ويمكن الوصول اليها عن طريق شتورة المصنع، ضهر الاحمر العقبة، أو عن طريق مرجعيون حاصبيا عين عطا العقبة.
تعود تسمية البلدة الى القرن السادس عشر، حيث كانت تُعرف هذه المنطقة بـ «عقب راشيا»، أي المكان الذي كان يعتبر محطة للقوافل التجارية التي كانت تمرّ من سوريا ولبنان الى فلسطين ومنها الى مصر، وهناك كانت تأخذ قسطاً من الراحة قبل أن تكمل سيرها إلى الوجهة المقصودة. وفي هذا المكان كان التجّار ( المكاريّة ) يلتقون خلال استراحتهم تحت الاشجار الوارفة الظل، وعلى منابع المياه العذبة يتناولون الطعام ويأخذون قسطاً من الراحة، ومن ثم يتابعون المسير. ومع الأيام حرفت التسمية الأصلية أي «عقب» لتصبح « العقبة» .
توجد في غرب العقبة بقايا لقصر روماني، وقد إختفى جزء مهم منه وبقيت بعض النواويس الحجرية، وقد طال هذا الموقع الأثري إهمال مزمن، وأدى غياب الرقابة من الدولة إلى إساءات متكررة للموقع لاسيما أصحاب الأراضي المجاورة. إن الموقع أو ما تبقى منه يؤكد أن الإنسان سكن هذه المنطقة منذ أقدم الأزمان.

بلدة التسعين شهيداً
يعتبر تاريخ هذه البلدة حافلاً بالشهادة حيث كانت السبّاقة في تقديم أبنائها من أجل عزة الوطن والذود عن كرامته، فكانت مشاركة ابنائها في ثورة 1838 ضد ابراهيم باشا الذي حاول اخضاع دروز المنطقة وتجريدهم من اسلحتهم وفرض الخدمة العسكرية الاجبارية عليهم ابان وجوده في بلاد الشام، فهبّ أبناء البلدة لمناصرة اخوانهم فاستشهد عدد كبير منهم وغادر آخرون اتقاءً لظلم الطاغية الى جبل الدروز واستوطنوا هناك، ومازالت معظم هذه العائلات في الجبل تحمل أسماء العائلات نفسها المنتسبة إلى قرية العقبة.
وكان لبلدة العقبة نصيب وافر من الشهداء أثناء مقاومة الانتداب الفرنسي، وعلى وجه التحديد في الثورة السورية الكبرى التي قادها سلطان باشا الأطرش في سنة 1925، إذ شكل الاهالي عدداً من المجموعات التي أخذت على عاتقها مهاجمة الوحدات الفرنسية التي كانت تتجه لقمع ثورة سلطان باشا في جبل الدروز وعرقلتها، لاسيما تلك الوحدات التي كانت تتجه الى قلعة راشيا، وتم قتل قائد احدى السرايا مع مجموعة من جنوده على تخوم البلدة مما دفع بالسلطات الفرنسية الى الانتقام من ابنائها، فعمدت الى تطويقها ومهاجمتها واعتقال ثلاثة وأربعين شاباً منهم واقتيادهم الى قلعة راشيا حيث تمّ تنفيذ حكم الاعدام بهم رمياً بالرصاص أمام عائلاتهم وذويهم. وقد استشهد عدد آخر من سكان البلدة عندما هاجمها الفرنسيون ففرّ من فرّ منهم مجدداً الى جبل الدروز ليعاودوا مهاجمة القلعة من جديد مع مجاهدي الجبل مرات عديدة، وقد استشهد العديد منهم عندما كانوا يحاولون تسلق جدران القلعة مستخدمين أجسادهم سلالم وجسوراً بهدف الوصول الى داخلها، كما استخدم المجاهدون كوفياتهم في اشعال النار في داخل القلعة. وقد قضى من أهل البلدة في تلك الموقعة تسعون شهيداً، ولذلك اطلق على قرية العقبة بعد ذلك التاريخ اسم «بلدة التسعين شهيداً».
مستذكراً تلك المحنة التي عصفت بالبلدة، يحدثنا الشيخ التسعيني سيف الدين دحسون الذي غادر البلدة طفلاً رضيعاً مع والدته الى جبل الدروز بعد حرقها ليعود اليها بعد سنوات ليجد أن منزلهم هو المنزل الوحيد الذي سلم من الحريق فيحدثنا قائلاً:
عندما عدنا الى البلدة كان منزلنا هو المنزل الوحيد الذي سلُم من الحريق، وكان حديث الأشخاص الذين لم يغادروا أنه تعرّض الى الحريق أكثر من مرة، وكانت النيران تنطفئ في وقت قصير ولا تمتد كما هو مفترض. وقد دهش الفرنسيون الذين وجهوا إحدى قذائفهم إلى المنزل لكنها لم تصبه بأي ضرر وغادر الجيش المكان وهم في حيرة من تفسير تلك الظاهرة. ويتنهد الشيخ متابعاً حديثه عن مشهدٍ لا يمحى من ذاكرته، وهو جموع الناس التي كانت تعود من ملجأها في جبل العرب لترى منازلها وقد تهدمت أو احترقت، وكان هؤلاء يلجأون إلى منزل الشيخ الوحيد الذي سلم من الدمار وكانوا يتكدسون في مساحة صغيرة ، قبل أن تبدأ كل أسرة من الأسر العائدة في إعادة بناء مساكنها.

العقبة
.العقبة

اقتصاد، زراعة وخدمات
الحياة الإقتصادية لأبناء البلدة متنوعة وهي تشمل زراعة الاشجار المثمرة وبعض الزراعات الأخرى المحدودة، وهذا يعود الى وعورة الأراضي وضيق المساحة المخصصة للزراعة من جهة، وضعف الدخل الذي يؤمنه هذا القطاع من جهة أخرى. وبسبب طبيعة الأرض يتم التركيز على زراعات قادرة على التكيّف مع طبيعة المكان، أي الزراعات غير «السهلية» ومن هذه اللوزيات والزيتون وكروم العنب والتين وبعض الحبوب كالقمح والحمص والعدس والفول، بالإضافة الى زراعة بعض الخضار خلال فصل الصيف. ونظراً لافتقار البلدة لمصادر المياه، فإن أكثر الزراعات تستهدف تأمين الحاجات المنزلية ولا توفّر فائضاً مهماً يمكن تسويقه بالطرق التجارية.
وبسبب تراجع أهمية الزراعة كمصدر لتأمين العيش اللائق ومواجهة المتطلبات المتزايدة للحياة، فقد اتجه عدد متزايد من شباب البلدة إلى العمل في المطاعم والفنادق، وقد برع هؤلاء في هذا القطاع حتى بات معظم المطاعم الموجودة في المنطقة مملوكاً من ابناء بلدة العقبة، كما أن الكثير من المطاعم والفنادق في البقاع يعتمد على أبناء بلدة العقبة في تسيير عمله. وهنا نلاحظ مفارقة هامة نتيجة هذا العمل أن معظم حفلات الزفاف في البلدة تتم في وسط الأسبوع وليس في نهايته نظراً لإرتباط أبناء البلدة في عمل المطاعم، والذي تكون ذروته في نهاية الأسبوع حين لا يمكن للعريس تأمين الحضور الكافي لإحياء حفل الزفاف.
كما يلعب ابناء البلدة دوراً هاماً في تنشيط الحركة التجارية في منطقة راشيا لاسيما في سوق ضهر الأحمر التجاري، حيث يمتلكون عدداً كبيراً من المؤسسات التجارية، وعلى وجه الخصوص تجارة الثياب، وهم يشكلون دعامة أساسية في تحريك العجلة الإقتصادية، كما يوجد عدد كبير من الباعة المتجولين الذين يجوبون قرى وبلدات راشيا عارضين شتى انواع السلع الإستهلاكية، وهذه الظاهرة ليست حديثة العهد بل تعود الى سنوات خلت، ولعل ابرز هؤلاء الباعة المتجولين المعروف بإسمه الأول فقط (رضا) ومن أبناء المنطقة لم يألف وجهه الذي يطالعك في كل يوم مطالعة البشير يقص عليك من نوادر الحياة ما تيسّر يزيل همومك وكأنه مبعوث المحبة المتنقل. وكان رضا في كل رحلة تجارية يقوم بها ينسج على أنغام شبابته (مزماره) نهاراً جديداً حتى بات يخصص لكل بلدة يوماً يجوب أرجاءَها عارضاً بضاعته البسيطة التي كانت تكتنزها كشته، وإذا إفتقدته يوماً فإنك لا بدّ أن تجده في «سوق الأربعاء» الذي يؤمه أبناء المنطقة بين عارض لبضاعته ومشترٍ أو متبضع يبحث عمّا يلبي حاجته. ولعل رضا هو العلامة الفارقة الذي يجوب أرجاء السوق نافخاً في شبابته باعثاً الفرح والسعادة في نفوس الزائرين والباعة على حدٍ سواء.
تعاني العقبة شأنها شأن معظم القرى اللبنانية النائية من الحرمان ونقص الخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية، لكن عزيمة أبناء البلدة وإصرارهم على تحسين بلدتهم أحدث الفرق، وكانت باكورة هذا العمل في مطلع التسعينيات أن قدّم أهل البلدة قطعة أرض خصصت لتشييد المستشفى الحكومي الذي بدوره أحيا المنطقة برمتها وكان متنفساً حقيقياً خفف على ابناء منطقة راشيا مشقة الإنتقال الى مستشفيات زحلة والبقاع الأوسط وخلق بدوره فرص عمل لأصحاب الإختصاصات الصحية المرتبطة به.
لم يقف أبناء العقبة عند هذا الحد، بل قدموا قطعة أرض أخرى في منطقة الملول لصالح وزارة التربية والتعليم المهني والتقني لتشييد المعهد الفني الذي كان له الأثر الأكبر في دفع العملية التربوية قدماً، حيث كان على أبناء قضاء راشيا الإنتقال الى البقاع الغربي أو الى البقاع الأوسط لتحصيل التعليم المهني، فكانت لهذا الصرح التربوي نتائج ايجابية على أكثر من صعيد، حيث خفف عن الأهل أعباء وتكاليف التعليم المرتفعة التي كانوا يتكبدونها في إرسال أولادهم الى مناطق بعيدة لمتابعة تحصيلهم العلمي من جهة، كما أصبح بإمكان الفتيات اللواتي لا يستطعن أو لا يرغبن في الانتقال الى أماكن بعيدة عن سكن ذويهن متابعة تحصيلهن العلمي، نظراً للإختصاصات المتنوعة التي يوفرها، وقد وفّر المعهد فرص عمل لأكثر من مئة مجاز في مختلف الإختصاصات، مما ساهم في تثبيت الناس في أرضهم وتخفيف وطأة البطالة التي يعاني منها ابناء المنطقة، كما ساهم في تحريك العجلة الإقتصادية المرتبطة به من وسائل النقل وغيرها.

عين-البلدة
عين-البلدة

المستشفى الحكومي والمعهد الفني عززا اقتصاد العقبة وحولاها إلى نقطة جذب لأبناء المنطقة

لواقع الإغترابي في البلدة
الإغتراب هو إحدى السمات البارزة التي وسمت منطقة راشيا في السنوات الأخيرة نظراً لغياب فرص العمل، وكان لبلدة العقبة نصيب وافر من هذا الواقع، حيث تركزت الهجرة في السنوات الأخيرة على دول الخليج العربي، وكانت قد سبقت ذلك الهجرة الى بعض دول القارة الأميركية. ويسهم الاغتراب الى حدٍ ما في تنشيط الحركة الاقتصادية من خلال الأموال التي يرسلها المغتربون الى ذويهم لكن نسبة المغتربين في البلدة تبقى محدودة مقارنة بالقرى والبلدات المجاورة حيث لا تتعدى الـ 5 % .

نشاط الأندية والجمعيات
تلعب الأندية والجمعيات دوراً بارزاً في تفعيل دور الشباب في البلدة من خلال الأنشطة التي تنظمها على المستويين الرياضي والثقافي، إضافة الى مبادرات تنشيط العمل الحرفي والزراعي. وتضم البلدة ناديين هما نادي الطليعة ونادي العقبة، بالإضافة الى جمعيتين هما: الجمعية التعاونية الحرفية والجمعية التعاونية الزراعية التي قامت في سنة 1988 بشق وتعبيد طريق يصل البلدة في حي جب فرح الذي يبلغ طوله ما يزيد على 5 كلم.

الشيخ-سيف-الدين-دحسون-(2)
الشيخ-سيف-الدين-دحسون

دور البلدية
يتحدث رئيس بلدية العقبة الشيخ رشيد حماد عن واقع العمل البلدي والصعوبات التي تعترض عمل البلدية، ولعل أبرزها غياب الأموال وضعف الجباية وعدم دعم الدولة الا أن ذلك لم يقف حاجزاً، بل نسعى بالامكانيات المتوافرة الى تقديم كافة الخدمات المطلوبة في ما يتعلق بالخدمات الأساسية للمواطن من كهرباء وماء.
– كيف تصفون تجربة البلدة في مجال العمل العام؟
التوافق الذي حصل على المجلس البلدي من ابناء البلدة كافة على إختلاف انتماءاتهم السياسية كان الإنجاز الأهم بعد سنوات من المشاكل كانت تنعكس سلباً على العمل البلدي. لكن المشكلة ما زالت في ضعف الامكانات المادية، والذي يقف حائلاً امام القيام بمشاريع تحتاج اليها البلدة. على سبيل المثال عندما استلمنا البلدية كان هناك ديون قمنا بتسديدها، وخلال السنوات الماضية نفذت البلدية عدداً من المشاريع التي تتعلق بصيانة الطرقات الرئيسية والفرعية وتعبيدها وتوسيع مداخل البلدة وشراء مولّد كهربائي للبلدة بالتعاون مع وزارة الشؤون الإجتماعية، وقد قمنا ايضاً بترميم وتحديث شبكة الكهرباء التي تضررت من العواصف الثلجية، كما أقمنا العديد من جدران الدعم ووضعنا حجر الأساس للقاعة العامة، والتي تعتبر من أولويات المجلس البلدي الحالي.

-ما هي مشاريعكم للمستقبل؟
أبرزها التالي:
حفر بئر للمياه وسوف يبدأ العمل به قريباً ويعتبر من اولويات البلدة أيضاً لغياب مياه شمسين وعدم وصول مياه العين الزرقاء التي وعدنا بها منذ مدة، ولتلبية حاجة الناس الماسة الى مياه الشفه.
استكمال بناء القاعة العامة.
السعي الى بناء مصنع لفرز النفايات بالتعاون مع اتحاد بلديات جبل الشيخ.
العمل على إنشاء شبكة للصرف الصحي من خلال تأمين التمويل من الجهات المانحة.
مشروع زيادة الثروة الحرجية من خلال عملية التشجير التي سوف تبدأ مطلع الشتاء المقبل.

ما هي المساعدة التي تنشدون الحصول عليها من الجهات المعنية؟
نتمنى على الدولة والوزارات التي تعنى بالشأن العام أن تضاعف اهتمامها بالبلديات النائية نظراً إلى الإهمال المزمن الذي كانت تتعرض اليه، لاسيما امام حاجة المواطنين المتزايدة والملحة وضعف إمكانات البلدية منفردة للقيام بتلك الأعباء.

حفـــر البئر الارتـــوازي وتشييـــد القاعة العامة والصـــرف الصحـــي
والتحريج من أبرز أولويات المجـــلس البلـــدي

الشيخ-رشيد-حماد-رئيس-البلدية--2
الشيخ-رشيد-حماد-رئيس-البلدية
العقبة
العقبة

-ما هي مشاريعكم للمستقبل؟
أبرزها التالي:
حفر بئر للمياه وسوف يبدأ العمل به قريباً ويعتبر من اولويات البلدة أيضاً لغياب مياه شمسين وعدم وصول مياه العين الزرقاء التي وعدنا بها منذ مدة، ولتلبية حاجة الناس الماسة الى مياه الشفه.
استكمال بناء القاعة العامة.
السعي الى بناء مصنع لفرز النفايات بالتعاون مع اتحاد بلديات جبل الشيخ.
العمل على إنشاء شبكة للصرف الصحي من خلال تأمين التمويل من الجهات المانحة.
مشروع زيادة الثروة الحرجية من خلال عملية التشجير التي سوف تبدأ مطلع الشتاء المقبل.

ما هي المساعدة التي تنشدون الحصول عليها من الجهات المعنية؟
نتمنى على الدولة والوزارات التي تعنى بالشأن العام أن تضاعف اهتمامها بالبلديات النائية نظراً إلى الإهمال المزمن الذي كانت تتعرض اليه، لاسيما امام حاجة المواطنين المتزايدة والملحة وضعف إمكانات البلدية منفردة للقيام بتلك الأعباء.

الشيخ دحسون يتذكر
بعد هذا الحوار القصير مع رئيس بلدية العقبة عدنا إلى الشيخ التسعيني سيف الدين دحسون لنستعيد معه بعض المحطات المهمة في تاريخ قرية العقبة وبدأنا بالسؤال:
-ما هي أبرز الصور التي ما زالت تجول في ذاكرتكم؟
ينظر جانباً قبل أن يجيب ويقول:« هنا كانت تجتمع معظم نساء البلدة حيث كنّ يخبزن عجينهنّ على التنور، والذي كان يجمع الناس على المحبة والألفة، فكانت النساء يساعدن بعضهن بعضاً وكانت إحدى النساء مثلاً تتولى إشعال النار حتى تصبح كمية الجمر كبيرة، عندها تبدأ النساء في التوافد اليه كل واحدة لخبز عجينها حسب دورها، وذلك في جوٍ من المعونة والنخوة والسمر. يتنهد الشيخ متأسفاً على زوال تلك الحياة البسيطة معبراً عن ألمه إلى «هذه الأيام التي وصلناها»، حيث حلّ التباعد محل الألفة وحلّت الأنانية وقسوة القلوب محل روح المحبة والتسامح وغلبت المصالح الفردية الضيقة على روح الجماعة والتضحية من أجل الآخرين».
ويضيف: « كانت الناس في تلك الفترة، التي تسودها حالة العوز والفقر، تأكل القرة والجرجير (نوع من النباتات البرية) لكنها كانت تعيش بسعادة ومحبة. أما اليوم فكل شيء أصبح متوفراً لكن الناس تعيش في حالة من التنابذ والقلق وافتقاد الطمأنينة».
يمضي في حديث الذاكرة فيقول: كان لشهر أيلول طعمٌ مختلف. لقد كان سكان القرية تحت ضوء القمر وعلى وقع أهازيج الرجال يأتون بأحمال العنب من الكروم الى معاصر البلدة، تلك المعاصر التي كانت محفورة في الصخر، وكان قطاف العنب وعصره يستمر ما يقارب الشهر، فتشاهد الرجال يدعسون العنب وآخرين ينقلونه الى «الخلقين» لغليه وتحويله إلى دبس فيصلون الليل بالنهار دون تعب أو ملل.

عائلات بلدة العقبة

العقباني، زيدان، عقل، سعد، الهبري، كليب، أبو شهلا، فاعور، حماد، حامد، حمود، صافي، العريضي، عساف، مرعي، سعيد، ابو علي، دحسون، أصيل، نمر، شمس.

حرمون

حـرمــون جبــل الثلـج والقداســة
متحف الحضارات والعقائد القديمة

كثرة المعابد والمزارات والمعتكفات في قمم وسفوح حرمون
تدلّ على ما كان له من قدسية ومكانة لدى الشعوب القديمة

موقعه الاستراتيجي بين سوريا ولبنان وفلسطين والأردن
وأهميته المائية والسياحية إجتذبتا مطامع العدو الصهيوني

يعتبر جبل حرمون أحد أهم المواقع الاستراتيجية في بلاد الشام، ولهذا فقد كان على الدوام أهم هدف للممالك والقوى التي سعت الى التوسع في المنطقة، وقد استخدم بسبب ارتفاعه واتساع رقعته كحصن أو كعمق عسكري للسيطرة على المنطقة وطرق التجارة فيها. إلا أنه استخدم أيضاً كمورد اقتصادي لأن غناه بالمياه وخصوبة أرضه جعلاه في حدّ ذاته مصدراً مهماً للإنتاج الزراعي ونشاطات الرعي، فضلاً عن أهميته الدينية والتي كانت في حدّ ذاتها مصدراً لنشاط اقتصادي يتمثل بحركة الزوار إلى معابده ومواقعه المقدسة.
فماذا نعرف عن هذا الجبل وعن تاريخه وعن حاضره، وما هي أهم ميزاته وثرواته والتي ضاع قسم منها بسبب سقوط قسم كبير منه في يد الغاصب الإسرائيلي؟

موقعه الاستراتيجي
يحتل جبل حرمون موقعاً استراتيجياً يربط بين سوريا وفلسطين والأردن ولبنان، وهو يشغل مسـاحة واسـعـة تمتـد من بانيـاس وسـهل الحـولة في الجـنوب الغـربي إلى وادي القـرن ومجـاز وادي الحـريـر في الشـمال الشــرقي، وهو بذلـك يشـكل القـسـم الأكبر والأهـم والأعـلى من سـلسـلة جبـال لبــنان الشــرقية المعـروفة بـ Anti-Liban.
يمتد جبل الشيخ طولاً نحو 60 كلم وتحـدّه من الشـرق والجنـوب منـطـقة وادي العـجـم وإقليـم البـلان وهـضـبة الجـولان في ســوريا، ومن الشـمال والغـرب القـســم الجنـوبي من سـهل البقـاع ووادي التَّـيـم في لبــنان، وفيه قمـم عدة أعـلاها قمـة جبـل الـشـيـخ المـعـروفـة بـ «قصر شـبيـب»، وهو أحد ملوك تُبع الذي كان حسب الروايات القديمة يأتي من اليمن ليقضي الصيف في هذا القصر الذي يعلو 2814 متراً عن سـطح البـحـر.
تبدو الأهمية الاستراتيجية للجبل في كونه يطل على أماكن واسـعة جداً من بلاد الشام، فالواقف على ذراه ولا سـيما على قمة قصـر عنترة بإمكانه مشـاهدة مدينة دمشـق وسـهول حوران وبادية الشـام وهضبة الجولان في سـوريا وقسـم من المناطق الشـمالية الاردنية، كما يمكنه مشاهدة هضـاب فلسـطين وجبال الجليل والخليل وسـهل الحولة وبحيرة طبريا في فلسـطين، كما يطل على سـهلي البقاع ومرجعيون وجبل عامـل وجبل الريحـان وتومات نيحـا وهضـاب سـلسـلة جبال لبـنان الغربية وقممها المطلة على البقاع، كما يمكن من على ذراه رؤية البحـر الابيض المتوسـط وجزيرة قبرص.

تسميته
عرف الجبل عبر التاريخ بأسماء عدة أطلقت عليه حسب العصور وحسب الممالك التي سيطرت عليه، ومن تلك الأسماء «جبـل الشـيخ» و«الجبل الشــيخ» و«جبـل الثلج» و«الجبـل المـقـدّس» و«جـبل حـرمــون».. إلا أنه بقي الآن اسـمان فقط همـا «جبل الشـيخ» و «جبل حـرمــون» وهما الاسمان اللذان تعتمدهما كتب وموسـوعات الجغرافيا والتاريخ وسـائر الدراسـات والأبحاث والوثائق التي تتعلق بالمنطقة.
ولا غرابة إن تعددت أسـماء هذا الجبل فهو في قلب منطقة حفلت بالأحداث التاريخية منذ أقدم العصـور حتى اليوم، وتعاقب فوق ثراها الكثير من الشـعوب والعديد من الأمـم وشـهدت حـروباً ومعـارك لا تعد ولا تحصـى، وإذا أتيح للمؤرخين أن يدونوا الكثير منها فلا شـك أن الكثير قد ضـاع وأغفل أيضـاً.
لقد قامت امبراطوريات وممالـك وإمارات ثم زالت، كما ازدهرت حضـارات وانتشـرت عقائد وأديان وكلها تأثرت بشـكل أو بآخر بهذا الجبـل وبموقعـه الذي أحبّـه سـاكنوه وتعـشَّـقوا أرضـه وذادوا عن حياضـه، وقد هـابه جيرانه فقـدّسـوه وعبدوه آلهـة واسـتجار به آخـرون ولجأوا إليه وأقاموا معابـد لهم فوق قممه. إلا أن كل تلك الحقب زالت وزالت معها الأقوام التي تعاقبت على الجبل الشامخ الذي بقيّ وحده بهامتـه الشـاهقة شـاهـداً على ما جـرى، محـتضـناً آثار السابقين في الأودية وعلى سفوحه أو قمـمـه.
عرفه الأموريون الذين سـيطروا في القرن الثالث قبل الميلاد على قممه الاسـتراتيجية في ســوريا الجنوبيـة بإســم «شـنير»، وعبـده بعض الأقدمين ولا سيما الفينيقيون بإسم «بعل حـرمـون»، وورد ذكر حرمـون في العهد القديم في «سـفر التثنية» وفي المزامير.
أما تسـمية «جبل الشـيخ» و«جبل الثلج»، أو «الجبل الشـيخ» فهي أسـماء عربيـة اعتمـدها الرحـالة والجغرافيون العـرب، كما وردت في بعض الشعر العربي، أما فيليـب حِـتِّـي فيرى أن الأسـم الأصـح للجبل هو «الجبـل الشــيخ».

كثرة الفواكه البرية والبقول الصالحة للطعام وغزارة المياه العذبة جعلت من الجبل ملجأ مسـتحباً لرهبان النصـارى ومتصوفة المسـلمين

على سبيل المثال، وصف ابن جبير في رحلته مدينة دمشـق بالقول إن «المدينة تشـرف على سـهل يمتد جنـوباً في غرب نحو قمة مهيبة من قمم لبـنان يسـميها العـرب جبل الشـيخ لأنها مجـللة أبـداً بالثلوج». كما تحدث كتاب المقدسـي «أحـدث التقاسـيم في معرفة الأقاليم» عن جبل الشـيخ أو جبل الثلج الذي «أتاه سـكانه عمومـاً من شـرق سـوريا».
ويصـف أبو الفداء بانيـاس بقوله: إنها في لحف جبل الثلج.
وكثير من مؤرخي الغسـاسـنة عبّروا في أقوال شـعرائهم عن أن حدوداً تبدأ في جبل الشـيخ وتنتهي في خليج العقبة، وقد أنشد شـعر حسـان بن ثابـت ذلك بقوله:
مُلكــــــــاً من جبــلِ الشـيــــــــــخِ الى جانبَــــــــي أيلـــــةَ من عبـــدٍ وحـــــرّ
مناخـه
يتميز بالاعتدال صيفاً والجفاف وطيب الهواء ورطوبة وبرودة قارسـة شـتاءً، حيث تهطل الامطـار غزيرة على الاودية والمنخـفـضـات، وأما الهضـاب والسـفوح والتلال والقمم فتتسـاقط عليها الثلوج، ولا سـيما في أشـهر كانون الأول وكانون الثاني وشــباط وآذار، وربمـا تتســاقط في نيسـان وحـزيران في أوان الحـصـاد.
تبلغ سـماكة الثلج على حرمون أمتـاراً عدة في بعض السـنوات، مما يسـمح للجبل بإختزان كميـات كبيرة من المياه التي تتفجر ينابيع على جوانبه وفي أوديته، منها ينابيع عرنـا وبيت جن وبانياس أحد روافد نهر الاردن في ســوريا، ونبع اللدان في فلسـطين والحاصباني والوزاني، وينابيع شــبعـا في لبــنان، فضـلاً عن ينابيع وعيون كثيرة لا مجال لذكرها.
وبالنظر إلى مناخه الطيب ووفرة مياهه، فقد ازدان الجبل لوقت طويل بغطاء أخضر بديع، إذ كانت الأشجار والغابات تكسـو جوانبه وسـفوحه حتى ارتفاع ما دون الألفي متر عن سـطح البحر، وهو المعروف بـ «خط الأشـجار»، ومن أهم الأشـجار التي نبتت على الجبل السـنديان أو البلوط والملول والقيقب واللبنا والزعرور والبطم والفرعم وغيرها، وهذه الغابات أمدّت المناطق المجاورة والبعيدة بكميات ضخمة من الأخشـاب للصناعة والتدفئة إلا أنه وبسبب القطع الجائر للغابات فقد أصبح الجبل اليوم أجرد على العموم ما عدا بعض البقع الصغيرة. ويقول فيليـب حِتـِّي: «كان عدد من القبائل العربية قد أوغل في هذا الجبل ولا سـيما من الجنوب ومع ذلك فقد بقيت فيه غابات كثيرة وكان المسـافر حتى أواخر القرن الرابع عشـر يصـادف الاسـود والدببة والخنازير البرية والحمير الوحشـية»، ويضيف: «نظراً لكثرة الفواكه البرية والبقول الصالحة للطعام وغزارة المياه العذبة فقد غدا الجبل ملجأ مسـتحباً لرهبان النصـارى ومتصوفة المسـلمين». لقد شـهدت سـفوح هذا الجبل وأوديته والسـهول المحيطة به أحداثاً تاريخية هامة جداً في الأزمنة القديمة والمتوسـطة والحديثة والحالية، فكان لها التأثير الهام على العمران والسـكن وحياة الناس، لقد جرت معارك كبيرة فانتصرت جيوش وتقهقرت أخرى وبنيت قلاع وتهدمت حصون نتيجة المعارك والصراعات والزلازل، كما أقيمت دور عبادة وصوامع للمتعبدين والزهـّاد وأختبأت جماعات كثيرة خوفاً من الغزاة أو الحكام، فهو موئل المضطهدين ومحط رحال الرجال الاحرار أباة الضيم.
وفي فترات السـلم، تطور العمران ونشـطت الزراعة وتعززت التجارة وعبرت القوافل واقيمت الأسـواق وبعض التجمعات التجارية الصغيرة، فضلأً عن الصناعات النشـيطة والحرف البسـيطة.

أحد-المعابد-الأثرية-في-عين-حرشة-في-سفوح-حرمون-اللبنانية--2
أحد-المعابد-الأثرية-في-عين-حرشة-في-سفوح-حرمون-اللبنانية–2

ثروة أثرية
بالنظر الى عدد الأمم التي توالت على جبل حرمون وللنشاطات الاقتصادية والزراعية والدينية التي احتضنها، فمن المؤكد أنه يحتوي على ثروة كبيرة من الأطلال والرسوم والمواقع الأثرية، وقد كان الجبل أهم مركز لعبادات الكنعانيين الأقدمين. كما عبده الفينيقيون وأقاموا، لغلهم «بعل»، هيكلاً إلى جانب الصخرة الكبيرة التي تتوج قمة الجبل ولا تزال آثار المعبد ظاهرة حتى اليوم. ومن الآثار التاريخية بقايا جدار «قصر شبيب» العائد إلى أحد هذه الهياكل وطوله قرابة عشرة أمتار وداخل المعبد ثمة فتحة دائرية ذات مساحة تتراوح ما بين 8 و 9 أمتار مربعة وعمقها نحو المتر كانت تستخدم مكاناً لإيداع النذور من جانب الصاعدين إلى قمة الجبل. وقد وجدت قطعة من حجارة المعبد بطول ستة أمتار وعرض أربعة أمتار وسماكة 1.2 متر، حفرت عليها كتابات يونانية يمكن ترجمتها كالتالي: «بأمر من الإله الأعظم المقدس قدموا النذور في هذا المكان». وهناك مغارة تقع حالياً داخل موقع للقوات الدولية يعتقد أنها كانت معبداً للإله «إيل».
وقد لاقت المعابد في حرمون اهتماماً بالغاً من الرومان، الذين أعادوا تجديدها وتوّجوا أعلى الجدران بتيجان مشابهة لمعبد باخوس ومعبد جوبيتر في بعلبك، وبقيت هذه المعابد تتمتع باحترام كبير، وبحركة حج تكمّل زيارة بعلبك ومعابدها حتى القرن الخامس للميلاد.
وقد تحدث الرحالة الانكليزي طومسون لدى زيارته لبنان سنة 1852 وطوافه حول الجبل عن 20 معبداً لعل أبرزها قلعة بصرى في سوريا ومعابد في قرى كفرحمام وكفرشوبا والهِبّارية ومعابد عين قنيا المنتشرة حتى وادي جنعم في سفوح حرمون ومعبد عين عطا وصولاً الى دير العشاير، ويدل وجود هذه المعابد على ما كان للجبل من قدسية ومكانة لدى الحضارات والشعوب القديمة على مرّ العصور، علماً أن تلك الآثار لا تعود الى حقبة أو عصر معين انما تعود الى حقبات مختلفة عبر التاريخ.

خريف-جبل-حرمون
خريف-جبل-حرمون

دعوة التوحيد أينعت في ربوع جبال الشيـــخ وأثمرت جنى طيباً في خلوات البياضة ومقام الشيخ الفاضل

قـداســة جبـل الـشــيخ
يمكن القول إن الله حبا جبل الشيخ بمكانة عظيمة وأسبغ عليه قداسة خاصة استمدها ربما من كثرة المقامات وخلوات الصالحين وصوامعهم وكثافة نشاطات العبادة فيه على مرّ الأزمان. وقد كان الجبل دوماً مقصـد النسـّـاك والمتصوفين والمتعبدين وملجـأً لهم وحياضاً.
وتشير الأبحاث التاريخية والأثرية إلى أن الجبل كان معبوداً في حد ذاته كجبل لدى بعض الشعوب القديمة ومقدســاً لدى البعض الآخر، بينما استخدمه آخرون نظراً لجلاله وبعده عن المدن وأماكن الصراعات مكاناً للخلوة والاعتكاف والعبادة. يؤكد ذلك انتشــار المزارات وأماكن العبادة ســواء على الذرى ورؤوس التلال أو في الحنايا والأودية والهضاب والكثير منها ما زال قائماً حتى اليوم، ومنها ما تعرّض للتدمير والخراب بسـبب الحروب والزلازل فتهدّم. وبقيت آثار بعضها وزال أثر البعض الآخر.
لقد اعتبرت غالبية الأقوام التي سـكنت في القدم في هذه المنطقة جبل الشــيخ أرضاً مقدسة وأقامت دور عبادة لها على قممه أو سفوحه. وقد أقام الكنعانيون عليه هياكل للعبادة كما اقام الرومان معابد على أعلى قممه المعروفة بـ «قصر شـبيب»، وما زال البعض يســمي ذلك المعبد أو أطلاله «المحرق الروماني».
ونظرت بعض الأقوام إلى جبل حرمون كمصدر عطاء وخير وبركة فكانوا يحجون اليه في نهاية الصيف، أي عند انتهاء جني المواسـم الزراعية وجمعها، وذلك بهدف الشــكر وطلب العون حتى لا يقع جفاف أو نقص في مواسـم السنة التالية.
وتذكر الروايات أن الســيد المســيح عليـه الســلام قدم إلى جبل الشــيخ وأقام في كنفه ضمن رحلة قادته من الجليل إلى ضفاف نهر الأردن إلى لحف جبل الشـيخ، كما ازدهرت الكنائـس والأديرة في هذه البقاع، ولاسـيما في العصر البيزنطي وعهد الغسـاسـنة، وما زالت آثار بعض الاديرة قائمة حتى الآن، فضلاً عن الكنائـس المنتشـرة في غالبية القرى.
اما في العهد الاسـلامي فقد انتشـرت الديانة الاسـلامية في منطقة جبل الشـيخ خلال العصر الأموي وما بعده وأقيمت المســاجد ودور العبادة، وهي قائمة حتى الآن ولعلّ أهمها وأقدسـها المســجد الموجود في المشــهد والمعروف بمقام الخليل ابراهيم والذي سـبق ذكره.
كما تمت الاستجابة لدعوة التوحيد في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر اللـه في منطقة وادي التيم، وهضاب جبل الشـيخ وأوديته بدليل وجود خلوات البياضة، وهي المركز الديني الأول للموحدين الدروز في حاصبيا على سفوح جبل الشيخ. فضلاً عن ذلك، تضم قرية عين عطا في سفح الجبل مقام الشـيخ العارف الفاضل محمد ابي هلال.
ويذكر الطبري أن الكعبة المقدسة تم بناؤها بحجارة أخذت من خمسة جبال وهي طور سيناء وطور زيتون ولبنان والجودي وهذه الجبال التي بنيت الكعبة من حجارتها هي نفسها الجبال التي وردت في الكتابات التاريخية لدى الساميين القدماء والمقصود بلبنان هنا كان يقصد جبل الشيخ. وبناء الكعبة المقدسة من حجارة جبل الشيخ هو دليل واضح على المكانة الروحية والقدسية الالهية التي كان يتمتع بها جبل الشيخ على مدى العصور الغابرة.

أهميته الطبيعية
يمتاز جبل الشيخ بغطاء عشبي كثيف متنوع نادراً ما يعرف اليبوسة بفعل الوشاح الثلجي الابيض المشلوح طيلة أيام السنة.
من هذه الاعشاب ما هو صالح للأكل كالخبازي والهندباء والرشاد والشومر والزعتر، ومنه ما هو صالح للحيوانات، وآخر يدخل اصناف الاعشاب الطبية الفريدة، حيث يمكن وصف جبل الشيخ بالصيدلية الطبية الغنية بصنوف لا تتوفّر في أي مكان في العالم يقصدها العرب والاجانب من اماكن بعيدة في سياق ما يصح تسميته بالسياحة العلاجية. من هذه الاعشاب النادرة التي احصاها خبير الاعشاب قفطان جمال: «عود الوج، مرجان، لسان العصفور، لسان الحمل، نعناع، شعير هندي، زعفران، حب البلان، صمغ، صعتر بري، صمغ الاذناب، نجيل، عود الصليب، حبوق، اكليل الجبل، اكليل الملك، رعي الحمام، شمار، هيوفارقون، خرز الصخور، حلبلوي، راوند، رجلة، زنجبيل، فيكس، برباريس، جعيدي، القول، بيلسان، عنبر، قرة، جرجير، نفل(للربو)، عناب، قتاء، الحمار، قاتل ابيه، ورق، الفجل البري، كرفس، الزلوع، اضافة الى مجموعة جميلة واسعة من الزهور و الرياحين.

عدد ينابيع جبل الشيخ في الجانب السوري يوازي عدد أيام السنة وهذا ما دفع بعض المؤرخين للقــول إن جبــل الشيخ يدير وجهـــه الى سوريا و ظــــهره الى لبنــان

موقع-جبل-الشيخ-يجعله-مطلا-على-مناطق-شاسعة-من-لبنان-وسوريا-والأردن-وفلسطين
موقع-جبل-الشيخ-يجعله-مطلا-على-مناطق-شاسعة-من-لبنان-وسوريا-والأردن-وفلسطين

أهميته المائية والاقتصادية
وللجبل قيمة جغرافية واقتصادية مهمة بسبب كميات المياه التي يحتجزها، والتي جعلت منه هدفاً لأطماع إسرائيل، ويعتبر طمع إسرائيل في الموارد المائية الكبيرة والأهمية السياحية للجبل أحد أبرز الأسباب وراء التصلب اليهودي في مفاوضات السلام وقرار الدولة العبرية ضم الجولان المحتل بموارده المائية إليها.
تعود أهمية الموارد المائية لجبل الشيخ إلى أنه يتلقى كمية كبيرة من الامطار والثلوج خلال فصل الشتاء، وهذه المياه والثلوج يذهب قسم منها لتغذية الآبار الجوفية التي تعتبر بدورها مورداً هاماً للينابيع في سفوح الجبل، بينما ينساب القسم الآخر في جداول وأنهار منها نهر الحاصباني الذي يمثل أحد روافد نهر الأردن.
وهناك العديد من الينابيع في عدد من القرى المجاورة لجبل الشيخ ولاسيما في بلدة شبعا التي تعتبر من القرى الغنية بالمياه. هذا من الجهة اللبنانية، لكن من الجهة السورية هناك عدد كبير من الينابيع يوازي عددها عدد أيام السنة، وهذا ما دفع بعض المؤرخين للقول إن جبل الشيخ يدير وجهه الى سوريا وظهره الى لبنان.

السياحة البيئية
نظراً للطبيعة الخلابة التي يتمتع بها الجبل فقد اصبح مقصداً للسياح الذين يفدون اليه من مختلف المناطق لمشاهدة منظر شروق الشمس من خلف النقاب السمراء ليودعها الناظر، وهي تغفو على كتف الشفق الازرق، بالاضافة الى المنظر الجميل الذي ينعش هواؤه النقي الروح. هذا ما لفت اليه عدد من المستكشفين الكنديين الذين قالوا إن هذه المنطقة لا تماثلها الا منطقة أخرى في شمال كندا نظراً لخلوّها من التلوث والهدوء الذي لا يعكر صفوه الا حفيف الهواء على مناكب الصخور، بالاضافة الى المياه النقية التي تنساب من بين صخوره وكأنها دواء مجاني من يرتشفه يبرأ من الاسقام والاوجاع ، كما يعتبر الجبل محط انظار محبي التسلق ويقصده ايضاً رواد رياضة المشي في الطبيعة، كما يعتبر مقصداً لمحبي الاستطباب بالاعشاب، حيث يوجد عدد من الاعشاب النادرة التي لا مثيل لها الا في هذه البقعة الساحرة.

مصادر استفاد منها المقال
– منيـف الخطيـب في كتـابه : «شــبعا نـافذة على التاريـخ»
– ويكيبيديا
– «حرمون الجبل الشيخ» لمفيد توفيق سرحال، بيروت

معتكف-قديم-في-أعالي-جبل-الشيخ-يشير-إلى-دوره-كمقصد-للعابدين--من-مختلف-العقائد
معتكف-قديم-في-أعالي-جبل-الشيخ-يشير-إلى-دوره-كمقصد-للعابدين–من-مختلف-العقائد

مقام النبي إبراهيم

إحدى أبرز كرامات جبل حرمون أنه يضم في ربوعه مقام نبي اللـه إبراهيم عليه الســلام، وهو قائم فوق تلة تكســوها غابة جميلة من أشــجار الســنديان، ومعروف لدى ابناء المنطقة بـ “مشـهد الطير” أو “مقام الخليل ابراهيم”، وهو مزار مقدس تقدم له النذور قرب مزرعة رمتا إحدى مزارع شــبعا.
وتكاد هذه تكون الغابة الوحيدة المتبقية من غابات وأشـجار جبل الشـيخ الكثيفة التي عبثت بها فؤوس الحطابين والرعاة وأزالتها. ولكن قداسـة المقام ربما حمت هذه الغابة التي ما زالت محافظة على رونقها وقدسـيتها وجمالها.
وفي هذا المكان المعروف بالمشـهد أو مشـهد الطير تمت، حسب المعتقد الشعبي، معجزة نبي اللـه ابراهيم التي ذكرها القرآن الكريم:}َإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ{ (البقرة: 260)

مقالات