السبت, آذار 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

السبت, آذار 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

غزوة العصر

آخِرَ ما كُنّا نَوَدُّ كتابتَهُ في «الضحى»، كتبناهُ فِعلاً في هذا العدد!
إذْ كَيفَ تَكتُبُ عن السُّوَيْداء «الشَّهيدة»؟
كَيْفَ تَكتُبُ عن «غَزْوَةِ العَصْر»؟!
كَيْفَ تَكتُبُ عن مَدَنيِّينَ عُزَّلٍ، لا نَاقَةَ لَهُم ولا جَمَلَ، قُتِلوا ظُلْماً بِدَمٍ بارِدٍ، وَبِرَصاصٍ كانَ يَجِبُ أنْ تَكونَ وِجْهَتُهُ غَزَّةَ، لا السُّوَيْداءَ!
… عَنْ أطْفالٍ في عُمُرِ الوَرْدِ رُمِيْن عنِ الشُّرُفاتِ،
أوْ أُجْبِرْنَ على السَّيْرِ وَسْطَ دِماءِ جُثَثِ والِدِيهِم،
أوْ عَنْ حَرائِرَ لَمْ تَتَلَطَّخْ مَناديلُهُنَّ البِيضُ في ألْفِ سَنَةٍ!

كَيْفَ تَكتُبُ عَمَّنْ آوَيْتَهُ لاجِئاً، وَكَسَوْتَهُ عارِياً، وَأطْعَمْتَهُ جائِعاً، وَطَمْأَنَّتَهُ خائِفاً، ثُمَّ اسْتَلَّ في غَفْلَةٍ مِنَ الزَّمَنِ سِكِّينَهُ لِيَطْعَنَكَ في قَلْبِكَ، وَيُحْرِقَ بَيْتَكَ، وَيَجْعَلَ لَحْمَ جَسَدِكَ وَعائِلَتِكَ وَجِيرانِكَ لِلْوُحُوشِ!

كَيْفَ يُطْلِقُ الدّاعِشِيُّ الرَّصاصَ على الأطْفالِ وَالنِّساءِ وَكِبارِ السِّنِّ وَهُوَ يَصْرُخُ «اللهُ أكْبَرُ»؟!

ألا يَخْشى غَضَبَ اللهِ النّاظِرَ الشّاهِدَ على الجَرائِمِ غَيْرِ المَسْبُوقَةِ تِلْكَ؟!
ألا يَخْشى غَضَبَ رَسُولِ اللهِ الَّذي رَفَضَ رَجْمَ حتّى الزّانِيَةِ تارِكاً أمْرَها لِرَبِّها يَوْمَ القِيامَةِ وَالحِسابِ؟!
لا نَمْلِكُ في «الضحى» كَلِماتٍ كافِيَةً نُواسي بِها العائِلاتِ المَفْجُوعَةَ، وَالأطْفالَ الَّذينَ باتُوا يَتامى، وَأبْناءَ النِّساءِ اللَّواتِي اخْتَطَفَهُنَّ الغُزاةُ، قُسَاةُ القُلُوبِ، كَما في عادَاتِ الوَثَنِيِّينَ في الجاهِلِيَّةِ، وَغَزْوَةِ المَغُولِ لِبَغْدادَ!
لَمْ يُنْقَلْ عن جُنْدِيٍّ إسْرائيلِيٍّ (يَهُودِيٍّ) واحِدٍ أنَّهُ اغْتَصَبَ امْرَأَةً في غَزَّةَ أوِ الضِّفَّةِ؛ فَمَنِ الكافِرُ وَالمُشْرِكُ وَعَلى ضَلالٍ مُبِينٍ، المُنْتَهِكُ أعْراضَ النِّساءِ فُجُوراً وَفَساداً وَجاهِلِيَّةً؟! أيَهُودِيُّ غَزَّةَ أمِ المُجْرِمُونَ الوُحُوشُ في «غَزْوَةِ السُّوَيْداءِ»؟!
لَمْ تَعْرِفُوا «الرَّحْمَةَ» في حالَةٍ واحِدَةٍ، أوْ في لَحْظَةٍ واحِدَةٍ، وَالإسْلامُ دِينُ الرَّحْمَةِ!

الإسْلامُ بَرِيءٌ مِنْكُمْ، وَالشَّهامَةُ العَرَبِيَّةُ بَرَاءٌ مِنْكُمْ؛ فَما أنْتُمْ إلّا وُحُوشٌ عاشَتْ في الكُهُوفِ وَتَحْتَ الأرْضِ، ثُمَّ أُخْرِجَتْ في اللَّيْلَةِ الظُّلْماءِ لِتَغْدُرَ بِأحْرارٍ آمِنِين في بُيُوتِهِم، كانُوا فَدَوا سُورْيا العَرَبِيَّةَ الواحِدَةَ بِالمُهَجِ وَالأرْواحِ!
وَمَعَ ذلِكَ فَإجْرامُكُمْ، الَّذي نَسَبْتُمُوهُ زُوراً لِلإسْلامِ الحَنِيفِ، لَنْ يُخْرِجَنا مِنْ إسْلامِنا الَّذي نَشَأْنا عَلَيْهِ، وَعِشْنا وَقَضَيْنا فِيهِ؛ وَلا مِنْ قِيَمِنا وَشَهامَتِنا العَرَبِيَّةِ الَّتي جَعَلَتْنا لَدَى القاصِي وَالدّانِي «بَني مَعْرُوفٍ»!

وَسَنَبْقَى بِإذْنِ اللهِ كَذلِكَ، عُرُوبِيِّينَ النَّسَب، مُسْلِمِي الإيمانِ وَالمُعْتَقَدِ، مُوَحِّدِينَ في كُلِّ الأحْوالِ لِرَبِّ العالَمِينَ، مَبْدَأَنا وَمُنْتَهانا؛ مُسْتَقَرُّنا وَرَجاءنا في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.

لماذا كلّ هذه الموضوعات!

يسأل بعض أصدقائنا من قرّاء «الضّحى»، لماذا كلّ هذا الفقرات في العدد الواحد؛ وسط الصّعوبات العامّة والخاصّة المعروفة؟ ولماذا كلّ هذه الفقرات الرّوحية والفكريّة والتّاريخية والعلميّة على وجه التّحديد؟

وإجابتنا بسيطة ومباشرة: هذه هي «الضّحى».

فمنذ صدورها عن الأوقاف العامّة لطائفة الموحّدين الدّروز، بموجب الإجازة رقم 238 بتاريخ 6 أيار 1934، أخذت «الضّحى» على عاتقها رسالة التّوعية الرّوحية الصّافية، والوطنيّة الجامعة، والفكريّة الرّاقية؛ إدراكاً منها باحتياجاتِ وطنٍ تشكّل على صعوبات معروفة؛ ومن جماعاتٍ وأفرادٍ كانوا ولا يزالون بأمسّ الحاجةِ لمن، ولما، يمدّ بينهم جسورَ التّلاقي، والمحبّة، والثّقة المتبادلة.

وكان القيّمون على «الضّحى» يدركون، أبعد من ذلك، أنّ روابطَ العيشِ المشترك والمواطنة الحقّة لا تتحقّق بتوافر النّصوصِ الدّستورية والشّروطِ الماديّة فحسب؛ وإنّما أيضاً، وقبل أيّ شيء آخر، بـ»الشّراكة الرّوحيّة الوطنيّة» بين العائلات الرّوحية «التاريخيّة» الّتي تلاقت وعقدت الخناصر على إنجاح تجربة العيش الواحد في الوطن الصّغير – مساحةً جغرافيةً – العريق تاريخاً، والمؤتمنُ على فكرةِ حريّةِ الإيمان والمعتقد، وقبولِ الآخر لا نفيُه، والحقوقِ والواجباتِ المتساوية، والعمل معاً بالتّالي على إثبات فكرة أنّ الأوطان لا تبنى باللّون الواحد؛ أو المعتقد الواحد؛ أو بالغلبة – كما الكثير من المجتمعات الغربيّة – وإنّما، في الجوهر، بما أنعم الله على هذا الشّرق من وحدةٍ في المضمونِ والرّوح، وتنوّعٍ في الشّكل والممارسة؛ ما جعل الوطن الصّغير/ الكبير مختبراً واقعيّاً لترسيخ الإيمان باللّه، من جهة، ولقيم المواطنة من جهة أخرى؛ وترجمة ذلك في إرادة عيش اللّبنانيّين الواحد المشترك النّاجح، جماعاتٍ روحيّة، وأفراداً مواطنين؛ ونموذجاً يمكن استلهام معناه في البلدان ذات التّنوع الدّيني والثّقافي.

وبعد، فإنّ ما يكتنزه العدد هذا من موضوعات متنوّعة، غنيّة – كما سيرى القارئ – إنّما هو تأكيد متجدّد على جوهر رسالتنا، «الدين لله والوطن للجميع»، وترسيخها من خلال التّوعية الرّوحيّة، والوطنيّة، والتّاريخيّة، الجامعة الّتي التزمت بها «الضّحى» على الدّوام.

التجذيف عكسَ التيّار!

بخلاف مواسم معارض الكتاب المعروفة في العالم العربي (وهي لفترة أسبوعين لا أكثر في السنة)؛ فإنّ حال الكتاب، والصحافة الورَقية عموماً، لا يسعد أشدّ المتفائلين بين من تبقّى من قرّاء الكتاب والصحافة الورقية في كل عاصمة عربية تقريبًا، عدا القليل جداً، حيث لا تزال صناعة الكتاب والصحافة الورقية تلقى دعماً مادياً رسمياً.

مُحزنٌ بحق، أن تمرّ بغير عاصمة ومدينة عربية فتجد في المجمع التجاري مئة، وأحياناً ألف زاوية تجارية، تعرضُ ما يخطر أو لا يخطر ببال من الماركات التجارية الإستهلاكية المحلية، أو العالمية الباهظة الثمن؛ ولا تجد زاويةَ واحدة تعرض الكتب والمجلات الثقافية! نقول حرفياً: لا زاوية واحدة تعرض كتباً – عدا الأجنبي النوعي الذي يباع بأسعار خيالية وبالدولار واليورو. وقد لا تجد في الغالب حتى صحيفتك اليومية.

كان يقال غالباً: القاهرة تؤلّف، بيروت تطبع، وبغداد تقرأ!

هذا أيّام زمان. تغيّر كلّ شيء مع موجة العولمة التجارية الإستهلاكية التي ضربت بلدان العالم العربي منذ أواخر القرن الماضي. لا صحة للزّعم أنّ ثمن الكتاب هو سبب هجرة الناس له. فثمن أسخفِ سلعة في المراكز التجارية (الأيس كريم، أي ساندويش، مثلاً) أعلى سعراً من أغلى كتاب! ثمن الكتاب، أو ثمن المجلة الرّصينة، ليس السبب.

فلنبحث عن السبب في «زمن التفاهة» الذي بات مسيطراً في معظم مجالات الحياة العربية الحديثة. لا يشغل الكتاب والمجلة الرصينة مكانة ذات شأن في ثقافة الجمهور العربي اليوم. لم تعد المكتبة الخاصة أثمنَ ما في المنزل. وما عاد الناس يسألون عن آخر كتاب قرأتَه.

لكن هل جعلنا ذلك أكثر سعادة؟ حقائق «سلّم السعادة» المنشورة لا تقول ذلك. لقد بتنا أكثر استهلاكاً لنفايات الغرب والصين، ولكن ليس أكثر سعادةً. كان ديكارت يقول: وحدها الأمم السعيدة تقرأ! نحن لا نقرأ، والسعادة ليست لنا، مع الأسف.

و«الضحى» ليست استثناء. نتصل من أجل اشتراك سنوي (رمزي) بعشرات النُخب المهنية والإقتصادية والشخصيات المعنوية، فلا نحصل على اشتراك عشرة بالمئة من هؤلاء.

نحن في «الضّحى» نجذّف عكس التيار السائد؛ ربما هذا هو الصحيح.

الضحى تواكب مأساة غزّة

يخرج هذا العدد من «الضّحى» (العدد 40)، وفي أعلى جدول اهتمامات القارىء، و«الضّحى»، ما حدث، ويحدث (حتى دخول العدد المطبعة) ما لم يكن في الحسبان: عملية 7 تشرين أول للمقاومين الفلسطينيين داخل ما يسمّى «غلاف غزة»، وهو مجموع المستوطنات الإسرائيلية المحيطة بقطاع غزّة والتي كانت اقتطعت منه بنتيجة حرب حزيران، 1967، وما تلاها.

كنّا نخطط في «الضّحى» لاستئناف ما انتهت عنده زيارة غبطة البطريرك الراعي للجبل في الثامن من أيلول 2023، وبخاصة ما اتّصل بإطلاق مشاريع التنمية في قرى العودة، ليستفيد منها العائد والمقيم، ولتكون بعض المطلوب لترسيخ أبناء الرّيف في قراهم، فلا يجبرون إلى الهجرة غير مرة، إلى بيروت ومدن الساحل، أو إلى خارج البلاد، فيفرغ الجبل من طاقاته البشرية، وتُحرمُ أرضه المعطاء من أنيسٍ وجليسٍ ومُحبٍ تآخى وأرضه الطيبة لعقود وسنوات، ثمّ وجد نفسه ودون تصميمٍ منه مجبراً على الرحيل، تحت ضغط الحاجة المادية (المتضخّمة هذه الأيام على نحو لم يسبق له مثيل). لكنّ الواقع المستجد تجاوز ذلك. وهو ما شغل أذهان مسؤولي «الضّحى» وهم يخططون للعدد 40.

وعليه، سيجد القارىء أنّ العدد الجديد هذا، وإلى التحقيقات والأبواب الأخلاقية والعرفانية والتربوية والثقافية، يغطّي ما أمكن أحداث قطاع غزّة، والعدوان الإسرائيلي الوحشي على شعبها، كما أثّر ذلك في أطفالهم على وجه الخصوص (والذين عانوا ما لم يعانه أطفالٌ في العالم، إلى الحد الذي جعل مسؤولين دوليين يرفعون الصوت: إنّها حرب إبادة ضد الأطفال!).

وبعد، فنحن نأمل أن يجد القارىء في العدد هذا الأنيق شكلاً الغني مضموناً، وهو يضيفه إلى مكتبته، من التنوع ما يبرر اعتبار «الضّحى» مجلة المجتمع بكل اختصاصاته وشرائحه، بل مجلة الأسرة بأكملها بكل ثقة!

ولا يفوتنا أخيراً، باسم إدارة «الضّحى»، معايدة القراء، في لبنان والخارج، بعيدي الميلاد ورأس السنة الميلادية، راجين لقرائنا، وعائلاتهم، ولوطننا، وسائر الأوطان العربية، عاماً جديداً تتحقق فيه طموحاتهم، وتنحسرُ فيه الغمّة عن شعبنا اللبناني، والشعوب العربية كافة، وعن أشقائنا المظلومين في قطاع غزّة.

مع ترحيب «الضّحى» بكل الملاحظات والإقتراحات التي ربما رغب القرّاء بتسجيلها.

الضّحى تستعيد شبكة أصدقائها ومشتركيها

قليلة في لبنان المجلات التي استمرت حتى الآن ورقية. فالمجلة الإلكترونية أقل تكلفة بكثير. و«الضّحى»، كما سواها من المطبوعات الورقية، وتحت ضغط الأزمة المالية التي تعصف بلبنان واللبنانيين، كانت فكّرت في وقت ما أن لا حلّ لأزمتها المالية (حيث سعر مبيع المجلة لا يساوي ربع تكلفة إنتاجها) إلا بوقف النسخة الورقية (الفخمة والمكلفة في آن) واللجوء إلى النسخة الإلكترونية، أونلاين.

بدا ذلك لوهلةٍ أنّه قرار صائب، لجهة قانون الربح والخسارة في حقل الأعمال. لكن «الضّحى»، وكما كانت لسبعين سنة، لا تعمل وفق قانون الربح والخسارة (المالي). هي تعمل وفق قانون مختلف تماماً: قانون الواجب الأخلاقي الإلزامي Obligatory moral law، الذي تحدّث عنه الفيلسوف الألماني كانط Kant قبل حوالي 235 سنة فرأى فيه القانون الوحيد الذي يجب أن يخضع له سلوك الفرد. القانون الأخلاقي الطوعي من الداخل وليس القانون الوضعي المفروض بالقوة من الخارج.

ولأنّ «الضّحى» لا تعمل إلا وفق قانون الواجب الأخلاقي هذا، اختارت أن تكون إلى جانب قرائها وأصدقائها، وأن تعود ورقية، بالمواصفات الفنية العالية نفسها.

بروح الالتزام الأخلاقي والمهني هذا، صدر العدد السابق (38)، والعدد الحالي (39). وكما كانت استجابة الأصدقاء لصدور العدد السابق (38) مطمئنة، وكما توقعنا؛ كذلك نأمل أن تتسع مساحة الأصدقاء، والمشتركين على وجه الخصوص، مع صدور العدد الجديد، وبخاصة مع تولي شركة متخصصة إيصال «» إلى المشتركين، تجنّباً لأخطاء سابقة في التوصيل، لدينا شجاعة الاعتراف بها والاعتذار عنها.

سيسعد قارئ «الضّحى»، بالفقرات الغنية التي تعوّد عليها باستمرار؛ لكنه سيسعد أيضاً بفقرتين أضيفتا مع هذا العدد الجديد: فقرة «الشباب والمستقبل» و»الفقرة الاغترابية».

لن تبخل إدارة «الضّحى» بكل جهد ضروري، في المضمون والشكل، يرضي قرّاءها الأعزاء، وهي تأمل بالمقابل أن لا يتأخر أصدقاؤها في تجديد اشتراكهم السنوي لعام كامل.

ولهم كل التقدير.

ملاحظة: حدث الاعتداء الإسرائيلي الوحشي على المدنيين في غزة فيما العدد هذا في المطبعة، فلم يُتح لنا متابعته، رافعين الدعاء لله تعالى أن يحمي لبنان وغزة وبلاد العرب كافة.

كلمةُ العدد 38

غابت «الضّحى» عن قرّائها وأصدقائها لبعض الوقت؛ لكنّها كانت غيبة اضطرار لا اختيار.
لم تكن «الضّحى» يوماً مشروعاً للكسب المادي؛ ولم يُرتجَ منها يوماً حتى التوازن المادي بين الأكلاف والمداخيل.

لكن الذي حدث في لبنان في السنتين الأخيرتين تجاوز كل الحسابات والتوقعات، بل تجاوز حدود المنطق والمعقول. فكان أن ترك ذلك آثاراً مدمّرة في كل حقل ومجال، ومنها مجال الصحافة، من صحف ومجلات وكتب مطبوعة.

فجأة ومن دون مقدمات يرتفع سعر الكتاب المطبوع من 5 آلاف ليرة إلى 300 ألف ليرة، وأحياناً إلى 500 أو 600 ألف ليرة.

هذه عيّنة توضح لنا كيف صارت كلفة إصدار المطبوعات الورقية في لبنان، وكيف باتت تجعل أسعار مبيعها كيما تتمكن، وبالحدّ الأدنى، من الاستمرار في الصدور. لذلك أقفلت أكثر من صحيفة يومية عريقة، وأكثر من مجلة أسبوعية أو شهرية، لعجزها عن تأمين الحد الأدنى المادي المطلوب للاستمرار في الطبعة الورقية. فاتجه معظمها نحو الفضاء الإلكتروني، لتبقى على اتصال مع قرائها، ومن دون كلفة النسخة الورقية التي لم تعد تُحتمل – في بلد لا تدعم الدولة فيه صحفها ومجلاتها، وبخاصة الثقافية منها.

وعليه، كان من الطبيعي أن ينال «الضّحى» – المجلة، الفصلية، الورقية، الفخمة لجهة مستلزمات الطباعة، ونوعيتها – من شدّة الظلم والكلفة الباهظة ما نال شقيقاتها من الدوريات والمجلات، التي لا تبغي الربح، بل أكثر منها لأنها لا تستطيع قبول الإعلانات كيفما كان، نظراً لخصوصيتها المعروفة.

لكن «الضّحى»، وتحت إصرار قرّائها وأصدقائها، تعود من جديد إليهم بالمواصفات نفسها، شكلاً ومضموناً، وهي ستحاول ما وسعها تجاوز الأزمة المادية الحادة، من خلال رفع رسم الاشتراك والمبيع بعض الشيء؛ ولا سبيل آخر غير ذلك للاستمرار – ونرجو أصدقاءنا القرّاء والمشتركين تفهم هذه الصعوبة. مع استمرار فاعلية موقع «الضّحى» الإلكتروني كما كان.

يبقى القول أنّ ما سمح بعودة «الضّحى»، بالمواصفات نفسها، ليس قانون الربح والخسارة المادية؛ وإنما استجابة كريمة من مشيخة العقل والمجلس المذهبي (ومتابعة حثيثة من أمين سرّ المجلس)، واستعدادهما (مشيخة العقل والمجلس المذهبي) لتحمّل الخسارة المالية (المتوقعة) مقابل استمرار «الضّحى» منصّةً توحيدية، إعلامية، ثقافية، تزرع قيمَ التَوحيدِ السامية والمواطنية الحقّة في نفوس جمهورها، والوطن عموماً، بعيداً عن كل تعصّب مذهبي أو انغلاق اجتماعي.

تكراراً نتوقع من أصدقاء «الضّحى» الأعزّاء، وبخاصة المشتركين، تفهّم الصعوبات المادية الحالية غير العادية، ومشاركتنا بعض أعبائها.

سماحةُ الشّيخ الدكتور سامي أبي المُنى، شيخ عقل لطائفة الموحدين الدروز

من حسن الطالع، وببركة الأخيار الأطهار، أن يُوفَّق الوطن، وبخاصة الموحدون الدروز فيه، بسماحة الشيخ الدكتور سامي أبي المنى شيخ عقل جديد لطائفة الموحدين الدروز في لبنان، في فترة عصيبة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وعلى نحو لم نشهد له مثيلاً في مئة عام.

تشارك «الضّحى» الموحدين الدروز في الوطن، والمحيط العربي، والمهجر؛ وكذلك اللبنانيين من كل الفئات والمذاهب، ترحيبهم الحار بسماحة الشيخ أبي المنى شيخ عقل جديداً، بعدما عرفوا فيه، ولفترة طويلة، رئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي، رجل الورع والتواضع والثقافة والحكمة والانفتاح والتواصل والحوار الذي لا ينقطع، وقد عبّروا عن ذلك بالتفاف وطني واسع منذ لحظة انتخابه بالإجماع من المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز.

لكن لـ «الضّحى» أسبابها الخاصة كيما تعتبر المناسبة تخصّها بامتياز، لأسباب عدّة معروفة، وأولها أنّ سماحة الشيخ أبي المنى كان باستمرار في موقعه في اللجنة الثقافية داعماً ونصيراً وصديقاً لـ «الضّحى»، وأكثر من ذلك كاتباً مبرزاً فيها. قدّم سماحة الشيخ أبي المنى باستمرار فقرات دينية وثقافية وأدبية عدّة متميزة في المجلة، وكان لا يبخل عليها برأي ناصح من هنا، أو باقتراح وفكرة من هناك.
وعليه، فـ«الضّحى» ستكون أكثر سعادة، حين يكون سماحة الشيخ أبي المنى على مزيد من التواصل معها فتفيد من خبرته الواسعة، وتوجيهاته، لتزداد إتقاناً لعملها وليتوسّع دورها الوطني والتوحيدي والأخلاقي والثقافي في مجتمعها التوحيدي كما في أرجاء الوطن بأسره.

وإذ ترحّب «الضّحى» بسماحة الشيخ أبي المنى، فهي ستبقى على الدوام تشعر بالعرفان للتأييد المنقطع النظير الذي محضها إياه سماحة الشيخ نعيم حسن. كان تأييد سماحة الشيخ حسن المادي والمعنوي العامل الحاسم الذي سمح باستمرار صدور «الضّحى» في السنتين الصعبتين الأخيرتين، بالمعايير الفنية والثقافية نفسها، رغم توقف الكثير من الدوريات الورقية في الفترة تلك.

ستبقى «الضّحى» أمينة لهذا التراث المعنوي والأخلاقي والتاريخي الذي تغرف منه، وهي تكتشف يومياً أنّ فيه من الصفحات ما لم يُكتشف بعد.

من «الضّحى»، شكراً سماحة القاضي الشيخ نعيم حسن، وأطيب الدعاء بالتوفيق لسماحة الشيخ الدكتور سامي أبي المنى.

“الضّحى”: المهمة الصّعبة، في الزّمن الأكثر صعوبة

سيدرك القارئ، من دون شكّ، الأسباب القاهرة التي أمْلَت رفع سعر المبيع والاشتراك في الضحى على الشكل التالي: سعر المبيع، من 6000 ل.ل. إلى 10000 ل.ل.، واشتراك الأفراد من 37500 ل.ل. إلى 50000 ل.ل.، والمؤسسات من 75000 ل.ل. إلى 150000 ل.ل.
ولكن لِمزيد من الإيضاح للأصدقاء قرّاء الضّحى نقول: لو كانت الضّحى كسائر الدوريات المحكومة بالمعايير التجارية لكان عليها أن تتوقف عن الصدور منذ زمن – إذ لا مردود مالياً لأيّة مطبوعة أو دورية ثقافية عادية في بلادنا يقوم بمستلزمات الحد الأدنى، فكيف إذا كانت المطبوعة توحيدية، ثقافية، توعوية، ملتزمة أخلاقياً ووطنياً؟ هذا بعامةٍ، فكيف إذا كانت في ظروف لبنان المعروفة منذ أواخر 2019 وسحابة 2020، حيث تفاقمت دفعة واحدة كل المشكلات الحياتية والاقتصادية والمالية والصحيّة على نحو غير مسبوق منذ 40 سنة على الأقل، فكانت الاضطرابات والإغلاقات المتعاقبة وإقفال المؤسسات لأسابيع طويلة؛ وكان أكثر من ذلك انهيار سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية – وهي المستخدمة في شراء مواد المطبوعات وإنتاجها – من 1500 ل.ل. إلى 11000 ل.ل. للدولار الأمريكي الواحد، فزادت كلفة الطباعة وحدها ستة أضعاف، لتبلغ أكثر من 37 مليون ليرة لبنانية للعدد الواحد، أي ما يزيد عن ثلثي مردود الاشتراكات لعام كامل – مع غياب الإعلانات التجارية وللأسباب العامة التي أشرنا إليها آنفاً. هذه بعض صعوبات العام الماضي، والممتدة كما يبدو للعام الجديد، 2021 – آملين أن يخالف التوقعات ويحمل الخير العميم لبلادنا ولمجتمعنا. وعليه، فـ “الضّحى” على ثقة أن قراءها – بل أصدقاءها – يقدّرون جيّداً الأسباب التي أملت الزيادة البسيطة في أسعار المبيع والاشتراكات، والتي تبقى دون سقف الكلفة تحديداً.
لكن الصعوبات تلك لن تمنعنا من قول إنّ “الضّحى” مستمرّة، في العام الجديد وأبعد إن شاء الله، لا بسبب من مردودها المادي، وإنّما بفعل الحاجة إليها، والدور الأخلاقي والوطني والثقافي الذي باتت تمثله في المجتمع التوحيدي وفي مجتمعنا على وجه العموم.
إلا أنَّ ذلك لم يكن ليتحقق في العام الصعب الذي انقضى، ولا في العام الجديد الأكثر صعوبة، لولا إخلاص أفراد أسرة المجلة جميعاً وتضحياتهم الشخصية؛ ولولا الدعم المعنوي والمادي من المشتركين، ونخص مؤسسة العرفان بالذكر على وجه الخصوص؛ ولولا، أخيراً، سخاء السادة أعضاء مجلس أمناء “الضّحى”، وأمانة سرّ المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز واللجنة المالية فيه، والدعم الكامل من سماحة شيخ العقل.

العدد 32 – 33

هذا العددُ هو حاصل جمع عددين، 32 و33. القاعدةُ المعمولُ بها هي أن تصدر الضّحى أربعة أعداد في السنة الواحدة: كلّ عدد في موعده، أي مطلع الشهر الأول من كل فصل. تلك هي القاعدة التي التزمت بها الضّحى دائماً، إلّا أنّ ما جرى في لبنان منذ تشرين أوّل 2019 وإلى يومنا هذا كان خارج القاعدة، كل قاعدة، وإلى أقصى الحدود. فما اجتمع في أقل من سنة واحدة في لبنان لا يجتمع غالباً إلّا في سنوات، أو ربما عقود. في أقل من تسعة أشهر انهارت قيمة العملة الوطنية أمام الدولار ناقص خمسة أضعاف، ومعها انهارت مداخيل اللبنانيين على نحو لم يحدث من ثلاثين سنة على الأقل. بات 300 ألف لبناني خارج أعمالهم. انهارت حكومة وتشكل غيرها ثم انهارت هي الأخرى، تاركة السواد الأعظم من اللبنانيين دونما أية مظلّة اجتماعية أو اقتصادية أو حتى أمنية. وكان حجب المصارف لودائع الناس، فتفجّر غضب الشارع. سُدّت الساحات والطرق، وعمّت الفوضى، وانقطع الانتظام العام في كل باب. ثم ثالثة الأثافي، موجة متصاعدة من جائحة الكورونا شلّت البلاد وعطّلت الأعمال بل وفرضت منع التجوال لأيام وأحيانا لأسابيع، على تقطّع. أما رابعة المصائب فكانت كارثة، بل جريمة، انفجار مخزون العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت في 4 آب، 2020، الذي دمّر ثلث العاصمة اللبنانية، كلّياً أو جزئياً. وعليه، لم يكن في وسع الضّحى إلّا أن تكون في الحجر الصحي والاجتماعي والاقتصادي والأمني، والنفسي، كما سائر اللبنانيين، وتعطّلت بالتالي إمكانية الطباعة والتوزيع إلى أقصى حد. هذه هي الظروف التي ألزمتنا جمع العددين 32 و33 في عدد واحد. لكننا عوّضنا إرباك المواعيد بزيادة عدد الصفحات، وبتحقيقات مهمّة جداً من جبل العرب ولبنان (معركة حماية وادي بسري من جشع السماسرة)، واستكمال حلقات الشيخ الجليل العارف بالله أبو حسين محمود فرج ورفاقه، إلى الفقرات التربوية الاستثنائية من اللجنة العلمية في «العرفان»، وأخيراً الفقرات الاجتماعية والثقافية، والإبداعية والصحية والزراعية. نأمل أن ينال التنوع الواسع أعلاه رضا قرّاء الضّحى ، وهم غايتنا، أوّلاً وأخيراً.

تطوّر وتجديد

في العدد الجديد هذا، العدد (31)، والذي استقرّ ورقيّاً، وبفعل القيود الاقتصادية المعروفة، على 96 صفحة، سيجد القارئ الكريم أنّ الضّحى ظلَّت أمينةً على رسالتها في الإضاءة على مروحة واسعة، مُنتقاة، من الموضوعات الأساسية التي تعني قارئ الضّحى من مثل: الأخلاق التوحيدية، وتراث العقل، وتحقيقات منتقاة من لبنان وجبل العرب، ومشكلات اجتماعية، والفقرة التربوية، وثقافة وآداب، وصِحّة وبيئة، وإرشاد زراعي، إلى ملف العدد هذا الذي يؤمَل أن يكون في مستوى التحديات المعاصرة التي تواجه لبنان والوطن العربي في لحظة تاريخية حرجة.

في العدد الجديد، وكما سيلاحظ القارئ، تنوّعٌ في الأبواب والموضوعات، أكثر من عشرة أبواب مختلفة، وفي الباب الواحد أكثر من موضوع وفقرة. هذا التنوّع مقصود ويستجيب لتنوّع قرَّاء الضّحى، بشرائحهم واهتماماتهم وأولويّاتهم المتعددة، والمختلفة بالتأكيد.

تواجه رئيس التحرير مطالب، طبيعيّة، من شرائح القرّاء المتنوّعة والمختلفة. فكل شريحة ثقافية من شرائح القرّاء ترغب أن تكون حصتها في العدد أكثر وزناً وأكبر مساحة. وهذا أمر طبيعي في كل مجلّة ثقافية. وتصل إلى إدارة المجلة مطالب صريحة، وأحياناً انفعالية، ومضمونها واحد: أنْ زيدوا من الصفحات المقررّة للأخلاق التوحيدية، أو للمشكلات الاجتماعية، أو للثقافة والآداب، وسواها. المطالب تلك محقّة كلها لو كان في وسعنا جعل عدد صفحات المجلة أكثر من ذلك. أمَّا أن نكون مقيّدين بعدد محدود من الصفحات، وبتنوع في أذواق جمهور المجلة، فلا مفرّ من تسوية معقولة بين المطالب المختلفة، والموضوعات المختلفة، بحيث يجد القارئ كثيراً ممّا يرغب به، وليس كلّ ما يرغب به بالتأكيد – وقد لاحظ القارئ منذ فترة غياب المطوّلات، رغم أهميتها أحياناً، كيما نُبقي على حيوية المجلّة وبما يسمح بالحد الأقصى من التنوع. وعليه، نعتذر من القارئ الذي يرغب أن نزيد كثيراً في الباب الذي يفضّله، أو الأقرب لمزاجه وذوقه.

وأخيراً، وفي كلّ الأحوال فعقل الضّحى مفتوح لكلِّ ملاحظة.

تطوّر وتجديد

  التطور، سيّما إذا كان تقدّماً، هو سنّة الحياة. تدرك ذلك جيّداً، فلا تترك باباً في التطور والتقدّم إلا وطرقته، في ظل شرطين علنيين: أن يتماهى وهوية المعروفية والأخلاقية، وأن يكون في حدود قدرات المالية – في زمن ازدياد كلفة إنتاج المطبوعات الورقية المتقنة، والشحّ في التبرعات والإسهامات التي لا غنى عنهما لمطبوعة مستقلة وحريصة على استقلالها واتزانها.

  وعليه، كان القارئ يتابع في باستمرار أبواباً جديدة يطلبها قرّاء وتشعر إدارة المجلة أنها ذات نفع عام، بل ضرورية. من الأبواب تلك: مشكلات اجتماعية ملحة، تغطية النشاط الثقافي، مساهمات حرّة، قبل خمسين عاماً، وسواها.

  ومع العدد الجديد هذا، العدد 29، توفّر لقرائها باباً جديداً لا يحتاج القول بأهميته إلى كثير من الشرح والبيان، وهو باب: «الفقرة التربوية».

  تعالج الفقرة كما يتضح من العنوان شؤون التربية في الجبل، على وجه الخصوص، وفي لبنان والمحيط العربي بعامة: من المناهج التربوية، واقعها ومحاولات التجديد في طرائقها ابتغاء الغايات التي لا تزال محور التربية ألا وهي بناء الإنسان المتمكّن، الخيّر، والمواطن الصالح، في آن معاً. وإلى مكونات العملية التربوية على تنوعها، تحاول «الفقرة التربوية» أن تغطي، ما وسعها ذلك، النجاحات التي يصنعها طلابنا، ومن خلفهم مدارس جادة حديثة ورصينة، ومدرسون ما انفكوا يظهرون يومياً وعيهم لخطورة الدور الذي يقومون به في بناء الإنسان والوطن، علماً وكفاءة… وأخلاقاً قبل ذلك وبعده.

  وكيما تكتمل مقومات نجاح «الفقرة التربوية» في الضحى، لم نجد أفضل من أن «نعطي الخبز للخبّاز»، فيُتقنُ إنتاجه، وتظهرُ جودتُه العالية، ويطيبُ طعمُه، فيشعر قارئ الضحى بنكهته الجادة المميزة، وهو ديدن في فقراتها كافة.

  وبسبب من هذا الحرص، طلبنا من الزملاء الأعزاء في «مدارس العرفان» الزاهرة أن يتولّوا المهمة الجليلة، وهي تحرير مادة هذه الفقرة، فلبّوا الطلب؛ لهم من التقدير والعرفان، ولنا ولهم بالتأكيد عند رب العالمين الأجر والثواب الذي نستحقه.

روحُ عالَمٍ بِلا روح

  لم يخطئ البعض حين قال قبل مئة وخمسين عاماً، أنّ الدين هو «روحُ عالمٍ بلا روح»، أو «قلبُ عالمٍ بلا قلب». كانت ومضة صحيحة، على نحو موضوعيّ وشاعري في آن، أظهرت أن للدين المكان الواسع الرّاسخ في هذا العالم، من دون افتعال أو اصطناع. كان الأمرُ تاريخياً دائماً كذلك، واستمر كذلك حتى زمننا نحن، حين ازدادت المعارف، وتنوعت الثقافات، وتشعبّت العلوم والصناعات في كل اتجاه، ولم يستطع واحد منها مع ذلك أن ينتزع من الدين مكانته العميقة الراسخة في قلوب البشر وعقولهم وضمائرهم.

  كان الله – جلّ جلاله – الخالق والمُدبّر لهذا الكون، في كلّ المراحل، هو المضمون الحقيقي لكلّ اختبار ديني، في كل الجماعات والحضارات، ولكن بمقدار استعدادها لقبول كلمة الله. ولا يخفى أنّ في الأمر حكمة عظيمة، إذ لا يخاطب الحق الناس إلّا بمقدار ما يعقلون ويفهمون ويدركون. هو لا يخاطبهم، ولا يُظهر صورته لهم، إلّا في المُستوى الذي هم فيه، أو بلغوه. ولأن معرفة الله، والإيمان به، هي: «من الأمور الغريزية التي في طبيعة الخليقة أجمع»، وفق تعبير إخوان الصفا، لذلك، عرفت الجماعات البشرية الله دائماً في مستوى معارفها ومداركها، وصولاً إلى المعرفة الأخيرة المتصفة بالتوحيد والتنزيه الكاملين، أي الحق في صورةٍ هي الأقرب للحق، وهو المضمون الأخير لأديان التّوحيد، وللاختبار التّوحيدي العِرفاني في ذروته الحكميّة والإشراقية.

  مُجملُ القول، أنّ ذلك، وبالمعنى المَعرفي العميق، هو ما تفعله مجلة الضّحى منذ عقود، وفي زمن صعب جداً. هي تحاول أن تبقي شُعلة الإيمان مُضاءة في زمن غير مُناسب، وفي عالم بات عقلُه في جَيبه، وخارطة طريقه في غرائزه. هي محاولة في إبقاء بوصلة البشر، وفي مجتمعنا على الأقل، مُتّجهةً الوِجْهة الصحيحة. محاولةٌ، رغم طوفان الشرّ والفساد الطاغي، في التّمسك بما تبقّى من خشبة خلاص: في الاختبار الدّيني عموماً، والاختبار العرفاني على وجه الخصوص؛ وترجمة ذلك في مسلك توحيدي أخلاقي إنساني يستمدّ مضمونه من شرع الله في كلّ دين، وفي كل زمان ومكان. وكما أن لا قيمة لعلم لا يتحوّل عملاً يفيد صاحبه، كما خَلْق الله جميعاً، كذلك لا معنى في إيمان لا يتحوّل علامة مُضيئة على الطريق تهدي صاحبها قبل كلّ شيء، إلاّ أنّها تتحوّل دليلاً أيضاً لكلِّ سالك وعابر في هذه الدنيا الفانية. أمّا مقدار نجاح ما نفعله، فمسألة ثانية، فيما الأولى النِّيّةُ الحسَنة المُتّجهة نحو الخير، ولا شيءَ غير الخير. ونستذكرُ هنا كلمة الإمام علي بن أبي طالب الثّاقبة: «لا تستوحشنّ طريق الحقّ ولو قلّ سالكوه».

  إنَّ قارئ هذا العدد، 28، من الضّحى سيجدُ كما نعتقد الكثير من الفِقرات والتّحقيقات التي تَصبّ مباشرة في مجرى فِكرةِ الضّحى الأصليّة وجوهرِ رسالتها التي ما انفكّت تحملُها وترفعُها رغم صعوبات الزّمان والمكان.

هذا العدد