الأحد, أيار 24, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الأحد, أيار 24, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

سامي مكارم

ســامي مكـارم

ركن المعرفة الذي خسرناه

غاب المفكر والأكاديمي والمؤرخ الدكتور سامي نسيب مكارم ولم يغب. غاب في الجسد وهو كما يعلم الموحدون الدروز سنة الله في خلقه وآية قهره وعزته وهو الخالق الموجد للأشياء من العدم. لكنّه لم يغب ولن يغيب في ما حفلت به حياته من أعمال وإنجازات سيبقى أثرها في الزمن شاهداً على ثراء فكري ومعارف وسبق في التفكير، كان يفاجئ في جرأته على التجديد وعلى استكشاف الحقائق في مسالك غير مطروقة دونما أفكار مسبقة أو جمود.
رغم مقاربته للتوحيد والمجتمع التوحيدي من موقع المفكر المنفتح والواسع الأفق، فإن سامي مكارم كان مشاركاً فعالاً في بيئة التوحيد، تواقاً للتفاعل مع قضايا الموحدين الدروز وتاريخهم. من أبرز عناوين مسيرته الطويلة اهتمامه الشديد بالأجيال الشابة التي نهلت من معين التوحيد على يديه ولا سيّما خلال السنوات العشرين الأخيرة في الندوات والمحاضرات وحلقات المذاكرة والجلسات التي لم تُحرَم منها منطقة في لبنان.
رغم مسؤولياته الأكاديمية في الجامعة الأميركية كمدير لمركز أبحاث الشرق الأوسط، فقد ركّز سامي مكارم إسهامه الفكري ونشاط التأليف على فكر التوحيد والثّقافة التوحيديَّة، وكذلك في ميادين الشعر والفنِّ والأدب والتاريخ والأبحاث اللغوية، وجعلت منه كتبه ومؤلفاته مرجعيَّة أكاديميَّة في الإسلاميات والتصوُّف والفِرَق الباطنيّة واللغة العربيّة والأدب العرفانيّ، والشّعر، والنثر الشعريّ، وآداب الرجال، وفنّ تشكيل الحرف، والـتَّـأريخ، والقصَّة، والفلسفة، وأدب السّيرة. وهو لعب دوراً فاعلاً في مواكبة مسيرة “مؤسَّسة العرفان التوحيدية” منذ تأسيسها في السبعينات من القرن العشرين، وكذلك في تأسيس “المجلس الدرزي للبحوث والإنماء”، ثم في مؤسسة “التراث الدرزي”، وهذا إضافة إلى كونه عضواً مؤسِّساً في جمعيّات فكريّة وأدبيّة وإنسانيّة عدّة في لبنان والعالم الاسلامي.

في هذا الملف، عرض لسيرة حياة الفقيد الغنية وإسهاماته العديدة والمتنوعة في الإرث الثقافي العام، وفي إرث الموحدين الدروز الفكري، كما يتضمن الملف شهادات في المفكر الراحل وبعض أعماله المهمة أعدّها كل من الأستاذ حسان زين الدين والشيخ غسان الحلبي والدكتور أنطوان سيف والسيد محمد السماك.

[su_accordion]

[su_spoiler title=” سامي مكارم الإنسان البحث الدؤوب في قلب المعنى حسّان زين الدين” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

الكنف العائليّ
“كان والدي، الشيخ نسيب مكارم، يحتفل بعيد مولد أخي سعيد وعيد مولدي بدعوته عدداً من رجال الدِّين إلى بيتنا لإحياء سهرة ذِكر ومذاكرة، الأمر الذي رسّخ فينا منذ الصغر المعنى ‏بأنَّ‏ ‏مناسبة‏ ‏كهذه،‏ هي مناسبة لتجدِّدَ في النفوس المعنى الإنسانيّ العميق في الأساس، مثلها مثل عيد الأضحى والأعياد الأخرى المباركة التي يرى فيها الصغار مناسبات لارتداء الجديد من الثياب، وهكذا فهمنا أنَّ للأمور الظاهرة معاني عميقة لا يدركها المرءُ بسهولة”. بهذه الكلمات علّق المرحوم الدكتور سامي مكارم على دعوة وجَّهها إليه حبيبٌ من أحبَّائه الشبّان الصغار لحضور عيد مولده، مذكِّراً بما كان عليه أمر بداياته ومستعيداً واحدة من أعزّ ذكريات قلبه المفترشة خبايا دفاتر الطفولة، حيث نشأ في حضرة شيخه ووالده الشيخ نسيب، خطَّاط الملوك والرؤساء الذائع الصيت؛ ومستذكراً أمامنا، روحيَّة التربية الأسرية التي ترعرع في أحضانها وتشكلتْ معها مداركه الأولى لتصقل شخصيَّته لاحقاً، خلال سنوات اليفاع، على يد أحد الشيوخ الذي عهد إليه الشيخ نسيب تعليم ولديه أصول التدبّر وفق كتاب الله وكيفية تفهّمه واستشفاف لطائفه.

كانت والدتُه وسيلة سليمان فرج من بلدة عبيه من النّساء المؤمنات المتَّصلات بلطائف الذِّكر، وكانت على درجةٍ من الثقافة، إذ حصلت في عشرينيّات القرن الماضي على شهادةٍ علمية، وكانت من هواة إنجاز أعمال فنِّـيَّة تشكيليَّة في التَّطريز، وهي تركت أثراً بارزاً في الطِّفل سامي المولود سنة1931؛ فكان من مكوِّنات شخصيَّته أثر حنان الأمّ وميولها الراقية من جهة، وحضور الأب بعقله وفؤاده وتهيُّبه الجمال في فنه وسلكه الروحي الهادف إلى تعبُد الحق من جهة أخرى.
إذًا، كانت والدته باباً من الرَّحمة كما أحسَّ بها الطفل سامي، وكانت سبيل التأديب والتقويم لطفليه، كما أرادها الشيخ نسيب. هذا نزرٌ يسير مما ذكره أمامنا الفقيد غير مرة، وكان قد ضمَّنهُ كتاب سيرة حياته الذي انتهى من تدوينه قبل أشهر من وفاته، وسوف يُنشر لاحقاً بإذنه تعالى. كان الدكتور سامي يذكرُ والديه كثيراً، وكان ممَّا يقوله في هذا الصَّدد: عرف والدي كيف يربينا بالكلمة الطيبة والمرافقة، وكيف يقيم القصاص بالتلويح بـ “قشة المكنسة”، وكيف يشذّب شخصيتي بمساعدتي على بناء الموقف ودفعي إلى التفاعل مع ما أتعرّض له ويعترض دربي عوضاً من الانفعال، وعرف كيف يوازن بين الأبوَّة وبين الصداقة والأخوَّة لي ولأخي سعيد، إلَّا في الحالات التي تخرج عن الحدّ، كتلك التي “تشاجرنا فيها سعيد وأنا، ووصل شجارُنا إلى مسامع أبي، فأقبل علينا وقال بحدَّة: “اثنان مش مناح بيختلفوا، وإذا واحد من الاثنين مش منيح بيختلفوا، وإذا الاثنين من أهل الخير ما بيختلفوا”، فانصعنا إلى صوت الحق في كلامه، وانتهى ما كان بيننا من شجار”.

محاضراً في فرنسا
محاضراً في فرنسا

دراستُه
تلقَّى الفتى دراسته في الليسيه الفرنسية في بيروت، ثمَّ في الكلِّـــيَّة اللبنانيَّة في سوق الغرب، وتنامت شهرةُ والده الذي كان قد بدأ حياته نجاراً، وسرعان ما اكتشف ما حباهُ اللهُ له من موهبةٍ في تدبيج الخطّ العربيّ، فراح يخدمها بما يرضي المولى عزَّ وجلّ، وأحسن في ذلك إحساناً بلغت معه شهرته الأقطار والجهات. وبقي إلى أن توفَّاهُ الله مطلع السبعينات خادماً أميناً لتلك الموهبة، معترفاً بالافتقار إلى الله حيالها، وحيال ما ترتب له عليها من منجزات غير مسبوقة في الخط العربي جعلته متربعاً على عرش فنه. لكنَّه واظب على النَّظر إلى نفسه بعين التقصير من حيث عدم بلوغه كمال فنِّه. وقال يوماً لولده رحمة الله عليهما: “لقد منّ عليَّ المولى بعظيم فضله وكرمه، وباتت أعمالي تنافس أعمالي، لكنَّني لستُ براضٍ عنها كلّ الرِّضى. أعني بذلك أنّ الفنَّ كما العِلم هو إرتقاء بعد إرتقاء”. ولا شك في أنّ فقيدنا تأثَّر بشخص والده وشخصيته اللامعة والجامعة للتفوق والتقوى في آن، وبحكمته القادرة على ضبط طغيان الأنا بالإنكباب على معرفة الله والشكر لنعمه، وبالتبرؤ من عين الشهرة بالتفاني في خدمة الجمال.
بعد حصول الشاب سامي على شهادة البكالوريا، إلتحق بالجامعة الاميركية في بيروت ليحصل على إجازة في الادب العربي والفلسفة سنة 1954، وعلى الماجيستر في الآداب سنة 1957. ترافق ذلك مع استمرار التنشئة الدينيَّة في رعاية والده وشيخه، وبين أصدقاء الوالد من الإخوان الأفاضل، وتعرّفه على شيوخ البلدان والشخصيات السياسية الدرزية والوطنية. ومن الطبيعيّ أن يتقاطع هذا كلّه مع احتكاكه بالأنتليجانسيا اللبنانيَّة عموماً، والدرزية خصوصاً، منها في الحياة الجامعية والصالونات الثقافية، واطّلاعه على ما راكمته من نتاج أدبي وفكري، وما تخلَّل ذلك النتاج من اجتهادات بعض الدّروز خارج السياق المألوف لأدبيات التَّوحيد خلال النصف الأول من القرن الفائت وبعده، أي في مرحلةٍ سبقت انتظام المؤسٍسات المذهبيَّة، ولا سيّما منها مشيخة العقل في سياق تنظيميّ عام. هذا الأمر، حفّز الشاب سامي مكارم آنذاك، على التفكير في اكتساب تخصُّص متعمِّق في شؤون الحضارة الإسلاميَّة. ونقل إلى والده رغبته في الانتقال إلى الخارج للإستزادة من العلوم في هذا الحقل. فما كان من الشيخ نسيب إلا أن قال لولده، “إنَّ العلمَ من لدُن الله تعالى، والتعلُّم واحدة من نعمه. فإذا مَنَّ اللهُ عليك بالعِلم، فاستخدِمه لغاية وجهه الكريم، وليكن الخيرُ زادَك والحقُّ مطلبَك. وقال له أحدُ أصدقاء والده من الموحِّدين الشيوخ: إذا كانت نيَّتك من التعلُّم خدمة أمَّتك وخدمة الحق، فأنا أدعو الله لك بالتوفيق، وإذا كانت غايتك استخدام عِلمك في غير ذلك فإني لا أدعو لك بالتَّوفيق”.

زيارة إلى الشيخ الفاضل أبي محمد جواد ولي الدين
زيارة إلى الشيخ الفاضل أبي محمد جواد ولي الدين

.

في الولايات المتَّحدة الأميركية
أمضى سامي مكارم سنوات التَّخصُّص في جامعة ميشيغن آن أربر في الولايات المتَّحدة الأميركيَّة دون أن تبرحَ قلبه وفكره تلك الوصيَّتان اللتَّان مثّــلتا له، إلى جانب ما اكتنزه من معارف روحيَّة، الحافز الأهمّ للإنكباب على ماهيَّات العلوم، وأمَّهات الفلسفات والأفكار الدينيَّة، وعلى التعمق في الأصول الإسلامية وتفرُّعاتها من مذاهب وفِـرَق. وتوسَّعت مداركُه، أيّ توسّع ودرس على يد مفكِّرين عالميين كبار. وكان أن زار لبنان في تلك الفترة غير مرَّة، فألقى محاضرته الأولى بدعوةٍ من رابطة العمل الاجتماعي في بيروت سنة 1959ـ وهو الذي كان من مؤسّسيها في حضور أركان من الطائفة روحيِّين وزمنيِّين، بينهم سماحة شيخ العقل محمَّد أبو شقرا، والزَّعيم المفكِّر كمال جنبلاط، والمربِّي شكيب النكدي. وعبَّرت تلك المحاضرة عن المسار العام لحراكه الفكريّ والمعرفيّ الذي انتهجه لاحقاً، عاملًا على تحقيقه خلال العقود اللاحقة. وكان كما ذكرنا، قد بذل جهوده لنيل الدكتوراه في الفلسفة والعلوم الإسلاميَّة، محدِّداً الفرَق الباطنية موضوعاً لأطروحته التي انجزها في سنة 1963. وفي الوقت نفسه كان قد باشر تدريس اللغة العربية في الجامعة التي درس فيها قبل أن يعود إلى لبنان ليبدأ مسيرةً استغرقت نحو نصف قرن من الزَّمان، مجاهداً ومحاولاً المواءمة والتوفيق والتوحيد بين نظرتين: نظرتنا إلى ذواتنا وإلى أمَّتنا بأعيننا نحن، ونظرة الآخرين إلينا وإلى أمَّتـنا عبر رؤية الآخَر في العالم الواسع لنا. واستمرَّ عاملاً في سبيل تصحيح الخلل الذي يشوب العلاقة الحضارية بين الشرق والغرب، وهو الخلل الَّذي يشوِّه الصُّورة السَّمحاء للإسلام الحق، ودوره الريادي في مسارنا الحضاري.

العودة إلى لبنان
عاد إلى لبنان سنة 1963 ليدرّس الفكر الاسلامي في الجامعة اللبنانية، ثمَّ جرى تعيينه سنة 1964 أستاذاً مساعداً في الأدب العربي والفكر الاسلامي في الجامعة الاميركية في بيروت، وترفّع لاحقاً ليصبح أستاذاً أصيلاً. وسرعان ما اندمج في الحياة الفكرية والأدبية مجَنِّداً مخزونه المعرفي وبراعة قلمه وموضوعية نقده وأكاديمية أسلوبه وحداثة لغته في خدمة قضيته الأساسية وهي المعرفة المتعمِّقة خاصَّةً في التوحيد، هذا الحقل القائم في جوهره على الثوابت، الحقل الشاق والشيِّق في آن معاً، كما وصفه ذات مرّة. ولم تمضِ سنتان على عودته إلى لبنان إلا وعهدت المرجعيَّات الروحية والسياسية في طائفة الموحدين الدروز إليه مسؤولية توضيح الالتباسات المترتِّبة عن الأزمة الناشبة من جرَّاء صدور كتاب “مذهب الدروز والتوحيد” لـ عبدالله نجار، الَّذي أثار جدلاً حول دقَّة المسائل المطروحة ومنهجيَّة تناولها. ووُفِّقَ الدكتور سامي مكارم، من خلال لغته الحازمة ومنطقه المحبوك وتبيانه للحقائق والقرائن الوافية والمبيّنة إسلامية المذهب، في وضع نقاط الحقيقة التي يمكن أن تعالج المسألة بكلِّيتها، وليس اجتزاءً مشوِّهاً لأساس الموضوع، وصدرت تلك التّوضيحات العِلميَّة في كتاب “أضواء على مسلك التوحيد” الَّذي كتب له الزعيم والمفكِّر كمال جنبلاط مقدّمةً بالغة الأهمِّيّة، فأعطى بُعداً فكريّاً آخر موازياً للبُعد المعرفيّ الروحانيّ الذي عبّر من خلاله الدكتور مكارم عن النظرة التوحيدية للمسائل التي طرحها النجّار، وعالج أيضاً جوانب أخرى مكمّلة.

وسام-المؤرخ-العربي-من-«اتحاد-المؤرخين-العرب»-تقديراً-لإنجازاته
وسام-المؤرخ-العربي-من-«اتحاد-المؤرخين-العرب»-تقديراً-لإنجازاته

آفاق همَّته ونشاطاته
تعزَّزت علاقتُه بأركان الطائفة الرّوحيِّين بعفوية خالصة، وتنامت مع الثِّــقاة والعلماء وتكاملت، في الوقت الذي اتَّسعت فيه آفاقه مع ما ترتَّب عليه تباعاً من مسؤوليات، سواء في حقل التعليم حيث شغل رئاسة دائرة الادب العربي ولغات الشرق الادنى في الجامعة الأميركية مرَّتين، كما كان أستاذاً غير متفرغ في برنامج الدّراسات العليا في الجامعة اللبنانية. وعُيِّنَ لاحقاً مدير مركز دراسات الشرق الاوسط في الجامعة الأميركية في بيروت؛ أو في اشتغاله في الفكر والثّقافة التوحيديَّة بحثاً وتأليفاً، وفي مسلك التوحيد بشكل ميداني إرشاداً وتوجيهاً، وبينه وبين خالقه عملاً وتحقيقاً؛ أو من حيث مواهبه التي تفتَّقت تباعاً في الشعر والفنِّ والأدب والأبحاث اللغوية وظهرتْ في أعمال قام بنشرها بدايةً في الصُّحف والمجلَّات والدَّوريات الأدبيَّة والعلميَّة، وأصدرها خلال العقود اللاحقة في كتب ومؤلَّفات جعلت منه مرجعيَّة أكاديميَّة في الإسلاميات والتصوُّف والفِرَق الباطنيّة واللغة العربيّة والأدب؛ فأمسى “حركة تنوير” في حدّ ذاتها، اشتملت على مدى عشرات السنين صنوف الأدب العرفانيّ، والشّعر، والنثر الشعريّ، وآداب الرجال، وفنّ تشكيل الحرف، والـتَّـأريخ، والقصَّة، والفلسفة، وأدب السّيرة، إلى جانب لعبه دوراً فاعلاً في مواكبة مسيرة “مؤسَّسة العرفان التوحيدية” منذ تأسيسها في السبعينات من القرن العشرين، ودوره المركزي عند تأسيس “المجلس الدرزي للبحوث والإنماء” في الثمانينات، وريادته أعمال البحث فيه، ومشاركته ككبير الباحثين في مؤسسة “التراث الدرزي” منذ تأسيسها سنة 1999. وبالإضافة إلى كونه عضواً مؤسِّساً في جمعيّات فكريّة وأدبيّة وإنسانيّة عدّة في لبنان والعالم الاسلامي، رعَى جمعيّات أهليّة وخيريّة، وشارك في عشرات المؤتمرات ومئات الندوات والمحاضرات. كما أقيمت للوحاته التشكيليَّة الحروفيَّة عشرات المعارض في لبنان والخارج، وتميّز خطُّه الفنيّ بمساحات من اللون والحركة أخرجت هذا الفن من قيد الكلاسيكيّة، وأسهمت في إثرائه بقواعد الجمال، ما جعله خطّاً مبتكراً في مجال هذا الفنّ له طابعه المكارميّ الخاصّ.

 

 

“كان أصيلاً في تمسُّكه بثوابت التّوحيد المعرفيَّة ومؤمناً بأنَّ المعارفَ والعلوم جميعَها سائرة إلى بلوغ غايتها في الوحدة بالعِلم الحقيقي”

رثهُ الغنيّ
فهمَ سامي مكارم الحرية على أنَّها العبودية للحق بكمالها وإتّباع إرادة الله وأمره بالكليَّة، فكان حرّاً بمقدار استطاعته، وكان داعيةً لحرّيَّةٍ معتمِدةٍ على التَّوحيد ومنبثقة منه، والحرّيَّة كما يقول هي المسؤوليَّة بكمالِها. وجسَّد بنفسه أنموذجاً في تحمُّل جسام المسؤوليات مع من حوله وفي ما حوله، وفي حرصه على إرث الأسلاف الأعراف والمحافظة عليه باعتباره إرثاً لا يورَّث توريثاً، ولا يُنقل نقلاً، وإنَّما يُعاش بالتَّفاعل، ويحياهُ المرءُ بالمؤالفة بين صدرٍ حرٍّ وبين صدر حرّ آخَر. فحاول صياغة هذا الإرث بلغةٍ معاصرة وأمانةٍ عالية ودقَّة متناهية وفق المستطاع، ليتركه ذخيرةً حيَّة فينا ويرحل عن 82 عاماً.
وخلّفَ الدكتور مكارم في الوقت عينه نتاجاً فكريّاً وفنيّاً كبيراً، وتاريخاً أكاديميّاً في الجامعة الاميركية في بيروت التي شهدت دأبه على عمله الفكريّ حتَّى الرَّمق الأخير، وسجِلًّا حافلًا في تجواله على المغتربات الدّرزيَّة كافّة لنشر كلمة التوحيد والدِّفاع عن مفاهيمها الصَّحيحة. كما أثرى المكتبة العربيَّة والإسلاميَّة بنحو ثلاثين كتاباً تنوَّعت مواضيعُها وفق ما سبق ذكره، وبقي بعضها مخطوطًا أو في طوْر الطباعة.

المؤلّفات
كَتَبَ في الفكر الدينيّ والعرفان وأدب السيرة والنثر الشعريّ، وأكثرها شهرة في البداية كتاب “أضواء على مسلك التوحيد” في الستينات، وThe Doctrine of the Ismailis, وThe Druze Faith في السبعينات، وكانت له إسهامات مهمة مختلفة بتكليف من مشيخة العقل صاحب السّماحة المرحوم الشيخ محمد أبو شقرا، وشارك صديق عقله وقلبه الراحل الدكتور عباس ابو صالح في تأليف كتاب “تاريخ الموحِّدين الدّروز في المشرق العربي”، الصادر عن المجلس الدّرزي للبحوث والإنماء في وقت عصيب من تاريخنا تعرَّضَ فيه الدّروزُ الموحِّدون لهجمةٍ شرسة شكَّلت خطراً على وجودِهم وصورة هويَّتهم الاسلاميَّة، فكانوا فيها عرضة لسهام الفتنة والتشكيك خلال حرب الجبل في الثمانينات.
كما تناول الدكتور مكارم في أحد كتبه شخصيَّة المتصوِّف الكبير الحلاج، وبيّن في “الدراسة التوحيديَّة” التي تضمَّنها الكتاب ملامح وسِمات “حلَّاجيَّة” لم يسبق لباحث أن أظهرها من قبل. وأنجز بحثاً روحيّاً لطيفاً تناول فيه سيرة حياة المرحوم الشَّيخ التَّقيّ المتشوِّق علي فارس من فلسطين، فتعمّق في سبر أغوار تجربته التوحيديَّة، ودقائق مسلكه الدّينيّ. وتناول والده الشيخ نسيب مكارم في كتاب أيضاً، جامعاً آثاره الفنّيّة وخفايا سيرته. وكَتَبَ عن أكثـر المتصوِّفات في الإسلام رِفعةً بعد أن جمعَ تراثهنّ في كتاب “عاشقات الله”. وأبحر في خفايا تجربته الخاصّة، ومعارجها الروحيَّة عبر نصِّه الوجداني “مرآة على جبل قاف” الذي اعتبره بعض النقَّاد أثراً عرفانيّاً في أدب السِّيرة الروحانيَّة قلَّ نظيرهُ في أدبيَّات العصر. وحاول مطلع الألفية الجديدة أن يصوّب حركة التأريخ من خلال وضعه لكتاب “لبنان في عهد الأمراء التنوخيين” (راجع في هذا الملفّ مقالة خاصَّة عنه)، الذي تمكّن فيه من تبيان حقيقة أنَّ أمراء الغرب وبيروت التنوخيِّين هم المؤسِّسون الأوائل للكيان اللبناني قبل الأسرة المعنيَّة.
كما تناول الدكتور مكارم بمنهجيَّة مدقِّقة مفهوم “التقيَّة في الاسلام”، فكتب بحثاً مسهباً نشرته “مؤسَّسة التراث الدّرزي” سنة 2005، أكَّد فيه ثبوت استخدام التقيَّة من قِبل الفِرق الاسلامية المختلفة خلافاً للإعتقاد السائد أنَّها مختصَّة بالفِرَق الباطنيَّة دون سواها. وكان له تراجم عدَّة عملاً وتحقيقاً. وفي السَّنوات الأخيرة من حياته ازداد ميلًا إلى الغوص المعمَّق في الذائقة العرفانيَّة فكتب “العرفان في مسلك التوحيد”، مبيِّــناً البنية العرفانيَّة الإسلاميَّة لعقيدة التَّوحيد. وترك عشرات القصائد والنثريَّات الموزعَّة في متون “قصائد حبّ على شاطىء مرآة”، و”ضوء في مدينة الضباب”، وكتب أُخرى تمَّ نشرها، وأُخرى غيرها هي قيد النشر الآن، بينها كتابا شعر هما: “نون والقلم” و”زهرة الليلك”. وقبل أشهر قليلة من رحيله، أنهى نصّاً تضمَّن ما أمكن من سِيرة حياته، وبعض أعمال لم تمهله الأيَّام وقتاً لإنجازها.

حراك حضاريّ
كان سامي مكارم “حِراكاً حضارياً” في بيئة “مطمئنَّة” لم تألف هذه الوتيرة المتصاعدة من مثل هذا الحِراك في بابه. ولا نُغالي إذا قلنا إنَّ عمقَ الأثر الإنسانيّ الَّذي ولَّده لم يُكتشف بعد بكليَّته حقّ الاكتشاف. فهو كان “أصيلاً” في تمسُّكه بثوابت التّوحيد المعرفيَّة، ومتشدِّداً بوجوب التَّعبير عنها عرفاناً في التجربة الذاتيَّة والجماعيَّة. ومؤمناً بأنَّ المعارفَ والعلوم جميعَها سائرة إلى بلوغ غايتها في الوحدة بالعِلم الحقيقي. وكان إلى ذلك صاحبَ نظرةٍ تجديديَّة في الأدب العرفانيّ، والشِّعر المنثور، وفي الحروفيَّة التشكيليَّة، جاعلاً للجمال غايةً متحرِّرة من قيد الحرف واللون والقالب. كما جاهد هو بنفسه أن تكون عليه “هويَّته” من النَّفاذ إلى الأفق الفسيح، حيث استمرَّ من خلال تعدُّد مواهبه، وتنوُّع اهتماماته، توَّاقاً إلى بلوغ إنسانيَّته كمالها الأنسيّ في هذه الوحدة الكونيَّة. لذا تراه اعتبر “الأنا” مصدر كلّ سُوء وتفرقة، وعدّها “سلاح الدمار الشامل”، ومسؤولة عن كلِّ تضارُب في هذا الكون، بدءاً من نزاع الخير والشَّرِّ في النَّفس، وصولاً إلى صراع الأضداد في عالم المعنى. واستمرّ يحذِّر من سطوة الأنا على الأفراد والجماعات والأنظمة والمجتمعات.
إنَّ الحياةَ المكافِحةَ في المعرفةِ التي عاشها الدكتور سامي مكارم هي تجربة فريدة فوَّتها الكثيرون من الباحثين عن كيفيَّات الالتزام بالأدب الروحيّ في الحياة المعاصرة، والإرادة والمشيئة لله عز وجل في كلِّ حال. لكنَّ الغايةَ الَّتي جاهد في سبيل نقلها إلى الأجيال اللاحقة ترسَّخت في مضامين الإرث الَّذي خلَّفه من حيث هو إرثٌ متأصِّلٌ في الجذور. ونحن بدورنا علينا خدمة هذا الإرث لكي نُحسنَ الانتفاع به واستخدامه في مواصلة خدمة غايات التربية التّوحيديَّة الراقية، وهو أمسى “حالة معرفيَّة متعدِّدة الأبعاد”، ولَّدتْ حالة الوعي، واستقرَّت “هنا” في صميم الذاكرة الجماعيَّة للموحِّدين أينما وُجدوا، وفي قلوب عارفيه ومحبِّيه في مختلف الأقطار والأرجاء إلى أيِّ طائفة أو دين أو فكر انتموا.
كان سامي مكارم داعية “الانخراط في الواقع”، وهو ترك فيه “بصمته الإنسانيَّة حتى لحظات حياته الأخيرة. فهو انتهج التَّوحيد منهجَ حياة معاصرة في التفكُّر والمحبَّة، وفي القول والفعل، وفي الذِّكر والمذاكرة، وفي البحث والاستشعار، وفي الإلقاء والسَّماع، وفي التدريس والتأريخ، وفي الفنِّ وتذوُّق الجمال، وفي الشَّغف بالتُّراث وشوقاً إلى التّجدّد، وفي النّظرة المسؤولة إلى الذّات ونظرة الشّفيق الرفيق إلى الآخر، وفي احترافه “النّـقد الناعم”، والتأديب بـ”قشّة المكنسة”، وفي عدم سكوته عن الظُّلم ومعونته للظالم حتى يعود عن ظلمه، وفي نبذ الخلاف واحترام الاختلاف، وفي انجباله بالصَّبر وحرصه على وحدة الكلمة، وفي براعته في فنّ التَّواصُل، ومراعاته خصوصيَّات الوعي عند كلّ الناس، وفي التَّعامل معهم بالتي هي أحسن من موجبات حاضرهم وممّا يفقهون، وفي تقديسه لأصول “العِلم” وأصحابه العِظام آباء المعرفة، وفي النَّهل من أوتاد الأرض الشيوخ الثّقاة، وفي تفانيه في خدمة كلّ ما حوله وكل من حوله. وفي الخلاصة: حاول سامي مكارم اكتشاف حقائق الأشياء بحقائقها ذاتها، فكان من الأوائل في حقله في وقـتـنا هذا، كما لكلِّ زمن أوائل.

 أجيال متعاقبة من الشباب نهلت من معين التوحيد على يديه ولا سيّما خلال السنوات العشرين الأخيرة في النّدوات والمحاضرات وحلقات المذاكرة
أجيال متعاقبة من الشباب نهلت من معين التوحيد على يديه ولا سيّما خلال السنوات العشرين الأخيرة في النّدوات والمحاضرات وحلقات المذاكرة

تعليم أجيال
أجيال تعاقبت على “مائدة” سامي مكارم ونهلت من معين التوحيد على يديه ولا سيّما خلال السنوات العشرين الأخيرة في النّدوات والمحاضرات وحلقات المذاكرة والجلسات التي لم تُحرَم منها منطقة في لبنان. كذلك شملت الدول العربية والمغتربات الدرزية في الأميركيّتين واستراليا وأوروبا وأفريقيا. وتحلَّقت تباعاً حوله كوكبةٌ من الشَّباب تتلمذت عليه وتنادوا في ما بينهم بـ “المجموعة”. وكان يردِّد أمامهم مُنبِّهاً قبل سنوات: ” لستُ قبطان الطائرة، لكنَّني واحدٌ من المسافرين”. حضر إلى منزله ذات صيف قبل ستّ سنوات شاب يدعى دانيال آتياً من الأرجنتين برفقة ولديه اليافعين، وقال: هاجر والد جدي إلى الأرجنتين ووُلِدَ جدي ووالدي ووُلِدتُ أنا هناك، وهذه رحلتي الأولى أحقِّــق فيها حلم حياتي في التعرُّف على جذوري في لبنان، لكنك يا د. سامي كنت معلّمي وشيخي خلال ثلاث عشرة سنة، مذ قرأت أحد كتبك تعرَّفت عليك، وكنت أقيم المحاورات معك، أسألك وأنت تجيب من صفحات الكتاب… وعاد دانيال “عن” غربتهِ مُفعماً بالأنس، مكتنزاً للحقائق خلال أسابيع قضاها في رحاب الوطن وأهل المعتقد، فكم من “دانيال” عاش غربته في الوطن وكانت لسامي مكارم يدٌ في انتشاله إلى حقيقة هويَّته في النور؟
ومع ذلك، فلا يمكننا إغفال حقيقة أن الراحل، الذي كان سبّاقاً بين بني زمنه، ومتَّبعاً أصالة الإحسان وروحيَّته، كان عاملاً فاعلاً على نهضة مرتجاة تمنّاها لأمَّـته، وهو ما لم يحدث بالكلّية خلال سنوات حياته الـ82. لكن غيابه وواقع الحال يحمِّلان جميعنا المسؤولية في أخذ المبادرة، وتسليمها الى الأجيال اللاحقة كما نهج الأسلاف الأعراف على ذلك ونَهَجَ سامي مكارم نهجهم، حيث تجاوزوا بقاماتهم المعرفية حواجز وصعاباً كثيرة على مرّ السنين. وأملنا يقينيّ في البيئة التوحيدية التي تفاعل فيها الراحل خادماً أميناً للحقيقة ومناضلاً من أجلها ومن أجل مستقبل أبنائها، البيئة التي تكتنز أصالةً معرفيةً، حضارية في العمق، أن تستمرَّ بيئة راعية وحاضنة لحركة الوعي التي عمل الراحل على توليدها في عقول وقلوب “الناس”، ومن بينهم أولئك الذين تتلمذوا عليه، إخوانه الشَّاهدون على البركات التي حاز عليها من الأعيان الثقاة الكبار، وكيف كانوا يشدُّون أزره، وشهدوا على الإجلال والإكبار والتفاني الذي أبداه الفقيدُ لأولئك الشيوخ الاطهار المنسجمين مع ذواتهم في الزهد والنقاء والورع والتقوى خلال عقود، ونهلوا (التلاميذ) مع شيخهم من عقول وقلوب أولئك الكبار “عيون العرفان”، المكتنزين لوعي عظيم تلحّفوا به، ولا يُصرف في معظمه في غير الابتهال ومناجاة الحق تعالى، في طلب نعمةٍ ربَّانيَّة آتية بالربيع الحقيقي إلى الكون وإليهم. ويذكرُ “الشّباب” مقولة الكتاب، وما كان يردِّده شيخُهم أنَّ ربيع العدالة والحقّ والخير آتٍ، وآمنوا بما آمن به وأمَّنَهُمْ عليه من أن الحساسين يمكنها أن تصنع ربيعها إذا ما حافظت على وحدة الكلمة، وإذا ما نجح “الشباب” في صيانة حلمهم الذي صاغه معهم شيخهم؛ وذلك يكون بتناغم معشرهم وبصونه من نظرة الفرق ومن الأهواء، وبالاستمرار في اعتبار الحق غاية قصدهم .

منزله في عيتات الذي كان منتدى للذكر
منزله في عيتات الذي كان منتدى للذكر

عاشق الكلمة
بذل الدكتور مكارم عمره كلّه في ما يحبّ، وساعات قليلة من النوم كانت تكفيه. هاتفتُ منزله يوماً في التاسعة إلا خمس دقائق صباحاً لألفت إنتباهه إلى صدور مقال افتتاحي في جريدة النهار كان قد تناول فيه كاتبُه كتابَ “العرفان في مسلك التَّوحيد”، أجابت زوجته السيدة ليلى على الهاتف، فنقلتُ لها غايتي من المكالمة وانتظرت أن أسمع صوته وأسلّم عليه، كما جرت العادة، لكنَّها اعتذرت منِّي قائلة: “سامي من شوي نام.بس يوعى بقلو يحكيك”! كان لم ينم طوال الليل، وسهر الفجر لكون الكتاب أنيسه، فكم أنِس بمن عشقوا الكتاب وعاشوا الحكمة عيشاً بالكلّية لا بالتكلُّف؟
هو نديم الكلمة والقلم، وقرين الباحث والقارىء والشّاعر والمؤلِّف. وهو من ناغمَ الحروف تغزّلاً قبل أن تنداح مرفرفة على لون المئات من لوحاته، وفيها صبْو لفرح عينيه ولتغريدة قلبه، كما صبْو كلّ من عرفه في كل مرّة يغادر فيها محضره. “الفَرِحُ” على الدوام، وفرحُه الداخليّ ينصبُّ فيك انصباباً مُطهِّراً إيَّاك من “حطام” دنياك، ويرتقي بك إلى حيثُ شفاف الإنسانية النبيلة المخبوءة فيك. كان “مدرسةً ومنهجاً ولغة ومعلّماً” في مخاطبة الناس بالتي هي أحسن، أحسَنَ فيهم وأحسَنَ إليهم، وكان يوحي لكلِّ من إلتقاه يوماً من عارفيه ومن أجيالٍ تعاقبت وكان مواكباً لوعيها أفراداً وجماعات، أن المعرفة كامنة في النَّفس، وما عليك إلَّا اكتشافها فيك، داعياً إياك إلى أمر واحد: “كن إنساناً”
منّا من آخاهُ على درب الحقيقة، ومنّا من تتلمذ عليه، ومنّا من واكبه، ومنّا من عاصَـرَهُ، ومنّا من صادقه، ومنّا من غادره قافلاً إلى حيثُ كان، ومنَّا من غادره إلى مكان أكثـر أمناً. وهو كان الأخ الناصح، والأب الشفيق، والمربي الرفيق، والمعلِّم “السقراطي السِّمات” لنا جميعاً، والمفيد المستفيد، والباحث دائماً عن كلِّ ما هو حق وخير وجميل فيه وفينا وفي هذا الوجود الأنيق.
تعامل مع الطفل ببراءته، ومع الزعامة من هيبتها، ومع الكريم بكرمه، ومع الفقير بمشاركته، ومع المرأة من أنوثتها، ومع الجاهل من حدِّ وعيه، ومع المتفكِّر من مضامين أفكاره، ومع الشَّاعر من أخيلتِه الشِّعرية، ومع المتواضع بالتذلُّل إليه. وخاطب كلّ ذي شأن من شأنه، إلَّا صاحب “الأنا” كان يدعوه بوسائل غير مباشرة وبأمثلة مختلفة إلى التبصُّر في حاله، ويتمنَّى عليه أن يستقيل من هوى نفسه ليرتبط بالسَّعادة مغتبطاً، وما السَّعادة غير عظمة التوحيد، “كفّ عن النظر بعين العظمة، تصل إلى مقام العظمة”، كما ذكر في أحد كتبهِ.

 

المعراج الأخير
ظلّ يحذِّر من الأنا، واستمرّ يحذّر منها إلى آخر يوم قبل توعُّكه، حيث كانت جلسة الوداع في أوَّل أيَّام عيد الفطر المبارك الواقع فيه 19 آب 2012، مع أطفال وشبّان وشابات، بلغ الصغير بينهم سنّ الـحادية عشرة، يومها قال لهم: أنتم أمل هذه الأمَّة ومحور التفاعل فيها. أنتم على تماسّ مباشر مع أبناء جيلكم. إذا ما وضعتم انتباهكم على الحقيقة لا على الشخص أو الأشخاص تنجحون. فالطبيعة يحكمها النّظام المتوازن وهي لا تقبل الفراغ، والفراغ هو فوضى التوازن. ضعوا النظام نصب أعينكم، واعلموا أنَّه من خلال الأنس بهذا النظام وحبّه يتطهَّر الإنسانُ من أناه. “. وعندما استأذن بعض الشبّان للمغادرة قال: ” لوين، بعد بكّير!” وأضاف: تكادُ عيني تدمع عند رؤيتكم، لكنَّني الآن بتّ مطمئناً أنَّ المستقبل واعد إنشاء الله”. لم نأخذ كلامه على محمل “الغياب”، لكنَّه أودع أمانته في أولئك الحاضرين، وكان عددُهم سبعة وأربعين.
أحبَّ الدكتور مكارم قصَّة الطّيور كما سردها فريد الدِّين العطّار في “منطق الطَّير”، وأيّ فرح كان يغمره لدى ذكرها على مسامعنا. وفي ذلك النَّص، الذي مثل ترنيمة روحيَّة لرحلةٍ نورانيَّة، ينزع الهدهد الرّيش عن أجنحة الطيور الثلاثين في رحلتها إلى الملك السيمرغي، فكان قدرُه، خلال ثلاثين ساعة أخيرة في حياته، قضاها في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، أن أُصيب بمثل نزع الرِّيش عن جناحيه قبل أن يلج فقيدنا وحبيبنا وشيخنا سامي مكارم المعراج الخير في رحلته.
سألناه في ساعاته الأخيرة: ماذا قال الحلاج حين قُطِّعت أوصالُه؟ فلم يُجِب، من فائق أدبه وحسن تواضعه. حينذاك، قلنا له: “حَسب الواجد … ” تابع عندها قائلاً: “…إفراد الواحد له”. لم يرَ إلى نفسه أنَّه “واجد”، أي أنَّه صاحب وجدٍ يؤهّله إفراد الحق له، وكان في ذلك سائراً على خطى الشيوخ الأعراف، وأحد كبارهم الشيخ الفاضل محمد أبي هلال رضي الله عنه الذي استمر معترفاً بعجزه وافتقاره للتوبة حتَّى الرَّمَق الأخير.
استمرَّ جسد سامي مكارم مَطرحاً لاختبار الألم وما كان يتلفَّظ بغير: “الحمد لله على كل شيء”، إلى أن بلغ التطهُّر بـ “الحبّ” تمامه في كينونته، فأمسى دمه نقياً من كل ماء شركيّ، وقلبه بريئاً من سلطان إبليس، عندها هبط ضغط القلب ليستقر على “واحد”، ونبض الجسد توقَّف عند “واحد”، وتمتمات الفؤاد سكنت في “واحد”. ولمّا لم يكن في الدار غير الواحد، راح جناحا العجز والعشق يطيران بالقلب، من على شجرة الجمّيز، بغير ريش، يحلّقان خلف هدهد الزمان المبحر بلا كلل نحو هذا الحبيب السيمرغي، الذي قال فيه فقيدنا، فقيد الأنس في كتابه “مرآة على جبل قاف: ” لكأنَّ طائر السيمرغ، إذ يبدو للطير وقد بسط جناحيه، وحملني، وطار بي، وغيَّبني في ملكوته، لقد صيَّرني منه وما صيّرني، وصلني به وما وصلني، فصلني عنه وما فصلني غير أنّه ما إن حلّق بي حتى حطّ بي من جديد. ما أوجدني إلا لأعود إليه. وما كوّنني إلا لأكون في كونه شاهداً لوجوده، ذاكراً لآلائه.” وتابع شعراً:
“واليوم عُدتُ إلى ما كنت أحذره ذكرى من الطيب في حِقّ من الطّين!”
استمر هذا الحبيب شاغل شغل سامي مكارم منذ اليفاع، وتدرَّج في اقتفاء أثره تماشياً مع اختمار تجربته الرّوحيَّة، إذ يقول في الكتاب عينه:
“حيــــــث ذاتي تعتلي شيئاً فشيّئًـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
جبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل “القــــــــــــــــــــــــــــــــــاف” السَّحيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــق
فـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــأرى ذاك المحيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــّا
حيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــث “سيمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرغ” الهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوى
يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدَّى لـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي مـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرآة
أرى فيهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا العوالــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم
كلّ ما في الكون من ماضٍ ومن آنٍ وقادم
(مرآة على جبل قاف ـ ص79).

وفي خلال الشهر الأخير من حياته، صرف اهتمامه بالكلّيّة في البحث عن خفايا جبل “القاف”، وعن ملاحقة أخبار ذاك الأعجمي الذي وطىء القاهرة يوماً وبدّل طعم ماء النيل.
سقط جواد سامي مكارم. نعم. وكم نفتقد “اعتزالنا” حضوره بيننا، وهو من كان لنا “أحلى هدايا العمر”، وإن عَمِلنا على معالجة مصاب انتقاله بالرِّضى، فنحن على يقين أنَّ فارس الحقيقة سوف يتابع مسار خروجنا إلى النور.
لقد توفّى المولى الدكتور سامي مكارم برحمته حيّـاً، وهو الذي كان “برحمانيته أوجدني في حدّ الإنسانية. ومن خلَل هذه الإنسانية قدّرني على الارتقاء من مقام إلى مقام، وعلى المسافرة في درجات تعاليم هذا الحدّ الأعلى العاقل للإنسانية الذي به أستطيع أن أتبيَّن ما تهيّأ لناسوتيَّتي أن تتبيّنه من الألوهة (مرآة على جبل قاف ـ ص141).
لقد توفّاك المولى برحمته وكنت حياً، وبقينا نحن (أو كاتب هذه السطور على الأقل) في الغمض مثلنا مثل جنين في الرحم يتلهف إلى لحظة “طلق”. مثلنا مثل نور اكتنزهُ السحَر علّنا نخرج إلى الحياة الحقّ ونقتديك ونقتدي أمثالك من الشيوخ الأطهار قدوة، ومعك ومعهم خلف قبطان السفر نحلِّق في رحلة الحقّ.

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”سامي مكارم <مرآة >المقابلة والمفارقة د. أنطوان سيف” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

يفاجئكَ سامي مكارم برغبة عارمة في الغزْل المستجدّ على نوْلٍ قديم استهلكَ كامل دلالاته ورموزه، بكفاءةِ عناصر أسلوبيَّة ثلاثة تبدو جدَّتها بتلازمها معاً في كتابه، وهي: الشِّعر الصّوفيّ، ومُضارعُه النّثري (لا من باب حلّ المعقود المنظوم)، واللوحة الحروفيَّة التي أحيا فيها الحرفَ الَّذي يُميت، وحوَّله – كما يقول أفلاطون – إلى صورة.
سعى مكارم إلى “إحياء الأدب الصّوفي وتحديثه، من دون أن ينزع عن مواصفاته وخصائصه، ومن غير أن يمنحه أشكالاً مبتدعة ومبتَكرة وغير مألوفة” لم يخرج عن المضامين الدينيَّة والفلسفيَّة التي باتت تقليداً في التصوُّف الإسلامي المعتدل: كتماهي صفات الله بذات الله، وأن “لا موجود إلا الله”، وأنَّ “الكتابَ يدخُل في المصحف” (وحدة الأديان) والوصُول إلى الله بالحُبِّ لا بالعقل، وأنَّ الحبَّ الحقّ حبُّ الحقّ، وكينونة الإنسان التي تغدو، عند الوصول، الكون كلَّه…
إلا أنَّ هذه المطابقة لم تطمس عنده ملامح مخصوصة، لا بل نافرة، تجافي المناخ العام للكتاب بمضمونه ولهجته. فصل “الثورة” الذي أبرز فيه الأحداث المعاصرة ومسالك رجال السياسة والدِّين فيها: “هارون الرّشيد وسلالته”، رمز الحاكم الماجن، سبب الانحطاط المعاصِر العربي والاسلامي. “رؤيا أبوكاليبس” لدينونة أخلاقيَّة تفشي عن انطباع بأنَّ مكارم يقوم هنا بضربة وقائيَّة يراها ضروريَّة، استباقاً لهجوم محتمَل، ومألوف، ضدّ أهل التصوُّف والعرفان، أو هو ردٌّ مسبَق على اتِّهام محتمَل بأنَّ التصوُّفَ هروبٌ من مشاغل النّاس وما يتهدَّدُ حياتهم في الدّاخل، وأوطانهم من الخارج.
باستثناء هذا الفصل فإنَّ الكتابَ، بباقي فصوله، يبدو وكأنَّه بلا تاريخ؛ صدر في أيِّ زمان، وأيِّ مكان من ديار العرب المسلمين.
إلا أنَّ جدَّته الأظهر هي في عنوان كتابه وموضوعاته المركَّبة: فقد أسكنَ مكارم “سيمرغ” فريد الدّين العطّار، ملكَ الطيور المحتجَب، على قمَّة جبل قاف، وجعلهُ مرآةً للعارفين يرونه، بعد طول سفر وشوق، ويرون فيه ذواتهم كاملةً.

غلاف-كتاب-مرآة-على-جبل-قاف
غلاف-كتاب-مرآة-على-جبل-قاف

*****
كي لا تهتزّ صورتُه في صفحةِ الماء، اخترعَ الإنسانُ المرآةَ المعدنيَّة والزجاجيَّة الصقيلة. وجعلها بمتناوَل الكلّ، مذّاكَ ازدادَ الوعيُ الأنويّ، وازدهرَ أدبُ السّيرة الذاتيَّة، كما لاحظ لويس ممفورد
(L. Mumford) وأصبحنا نعيشُ على الحقيقةِ في “حضارة المرآة” التي هي امتداد “لمرحلة المرآة” السيكولوجيَّة الطفليَّة.
مرآةُ سامي مكارم سابقة لهذا التاريخ، وخارجة عليه وعلى كلِّ التّواريخ. مرآة مضنون بها على غير أهلها وهُم قلَّة صافية نادرة. من مرآة الماء التي لا تبوح بصُورتها إلا بطأطأة الرأس باتّجاه العالَم السّفلي، إلى مرآة جبل قاف العالي، آثَر مكارم السّموّ والرِّفعة على التَّعمُّق والغَوص، حيثُ تتعالى النّاسوتيَّةُ صوبَ اللاهوتيَّة. لقد ماهى انتماءَهُ الأهلي الطبيعي إلى أهل الحكمة والتَّوحيد، بانتمائه الطَوعي الإرادي إلى أهل العرفان والحقّ، إذ هُم جميعاً موحِّدون. وهكذا غدا جبل قاف، جبل الموحِّدين، جبل الدّروز الَّذي هوَ الاسم الناسوتيّ لقاف اللاهوتي، قافُ الرؤية والمرآة، ولكن أيضاً قاف السّمع، قاف الدّروز. لقد أدرج ياقوت الحموي الرّومي جبل قاف في “معجم البلدان”، على الرّغم من وصفه له أيضاً بـأن “ما وراءه معدود من الآخِرة ومن حُكمها … وأنَّ وراءه عوالم وخلائق لا يعرفُها إلا الله تعالى”. “جبل قاف” جبل العارفين والموحِّدين، ومن غير واو العطف. وينبغي أن نتقبَّل هنا انحياز سامي مكارم في جعل المرآة على جبل قاف، جبله، وليست ما وراء الجبل كما ذكرها المصدر.
لقد انحدر الإنسانُ بالثّمرة المحرَّمة، وسمَا عندما صوَّب وجهته نحو مرآة قاف، يمحو بها ذاكرته، ينقِّيها، ويتسامى بها على سقوطِه التاريخي. “إنَّ ذكرى الثَّمرة المحرَّمة – قال برغسون – هي أقدم ما في الذّاكرة الإنسانيَّة، الفرديَّة والعامَّة على حدٍّ سواء”.
سامي مكارم العرفاني، فيلسوف الوجد، فنَّان الكلمة – اللوحة – الآية، شاعر الكلمة التي تماهى بها الله منذ البدء وإلى الأبد، عاشق الحقّ الأوحد، الجبليّ الرّيفيّ الَّذي حمل قرويّته معه إلى المدينة التي يمكنُ أن تراها مختبئة بخفر وراء مظهره الدائم ال، وفي ثنايا كلامه الَّذي لم يهجر مرَّة نبرته الهادئة والمهذّبة التي تحسب، وأنت تسمعها، بأنَّها تهمسُ باتّجاه شخص متوحِّد بنفسه في هدأة الليل “على جبل قاف”…
سامي مكارم لم يقل على مدى كتابه، وعلى مدى حياته، سوى هذه الحقيقة الانسانيَّة والوطنيّة الكبرى التي تعكسها المرآةُ المجلوَّة التي لا تُرى فيها الأنا ولا الأنوات ولا النّفس الأمّارة بالسُّوء ولا الرّهبة من الموت، إنَّما صفاء الحقّ يقولُه بوسائل وأساليب هو سيِّد من أسيادها.

[/su_spoiler]

[/su_accordion]

رسالة شيخ العقل

رسالة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز
الشيخ نعيم حسن

تعزيز المؤسسات وروح الفريــق ونبـــذ الفرديـــة طريقنـــــا إلى الفـلاح

تشكّلَ المجلس المذهبي في دورته الحاليّة وفقاً لأحكام قانون تنظيم شؤون طائفة الموحّدين الدّروز الصّادر سنة 2006. وهو قانون تضمّن في شق منه وضع آليّات شفافة لانتخاب المجلس المذهبي بمشاركة من مختلف فئات المجتمع وشرائحه المهنيّة والاجتماعيّة والثقافية والدينيَّة، وجاء القانون بذلك ليستكمل آليات التمثيل السياسي والشعبي التي ينظمها قانون الانتخابات النيابيَّة.

استهدف التطور التشريعيّ في أحكام القانون المذكور توفير الأطر اللازمة لاحتواء الطاقات المتوثبة لنخبة الطائفة، وتوجيه تلك الطاقات باتجاه النهوض بالمجتمع من المراوحةِ العـقيمة في مستنقع المصالح الأنانيّة النفعيّة التسلّطيَّة إلى المفهوم الفسيح الراقي للمصلحة العامَّة العليا، وهذه المصلحة الجماعية لا يمكن تحقيقها إلا بنتيجة تضافر الجهود، وتعزيز مؤسسات وأطر العمل الاجتماعيّ والتـنمويّ والفكريّ، وإرساء حسّ المشاركة والتحرك المتناغم بروح الفريق العامل بدل النزوع الفرديّ نحو الارتجال والاستئثار والتمسّك بواقع الفوضى تحقيقاً لمآرب صغيرة لم تؤتِ في يوم من الأيّام ثمراً خيِّراً للجماعة بقدر ما أضعفت صفوفها وأدت إلى تأخّرها اقتصادياً وسياسياً.

إنَّ شؤون طائفة الموحّدين شاملة لمختلف وجوه الحياة، وهي تمسّ المجتمع بكافَّة أفراده وشرائحه. لكنّ المجلسَ ليس بديلاً عن أيّ فعاليَّة سياسيَّة عامَّة أو مهنيَّة أو (خصوصاً) دينيَّة. إنَّه واسطة من وسائط التنظيم الفاعل للواقع الذي نعيشه بكلّ ما يكتنف هذا الواقع وما يخالطه من أزمات ومشاكل وصعوبات وتحدّيات، بل ومحن في بعض الأوقات العصيبة. أتطرَّقُ إلى هذا التَّوضيح لشعوري بضرورة تعميم هذا المفهوم الشامل على دور المجلس وغاياته، وتصحيح النظرة الضيّقة المحدودة بل والعصبيَّة التي تحكم عقول البعض هنا وهناك من الّذين يرون في هذا الصَّرح الكبير والأساسي لنهضتنا مضرباً من مضارب العشائر، وحاشا لنا ولغيرنا أن يرضى بهذا، لأنَّ النوايا من دون شكّ متوجِّهة، وهكذا يُفترضُ أن يكون، نحو خير المجتمع بكليّته ومصالحه العليا ونهضته المتوخّاة.

بهذه الرؤية الموضوعيَّة الدقيقة قبلنا شرف العمل والخدمة في هذين الصرحيْن اللذين يتمتّعان بتمثيل مجتمع الموحّدين الدّروز: مشيخة العقل والمجلس المذهبيّ. هذا المجتمع الذي يحمل في ذاكرته التاريخيّة ووعيه الحاضر، العنفوان المعنويّ لهذه الطائفة بما فيه من إمكانات ومؤهّلات وصفات مثالية اكتسبها عبر تاريخ الموحدين السياسي المجيد وإرثهم الروحي الكبير وتقاليدهم الحميدة.

إنَّ من أول أهدافنا، مع ثقتنا بالقيادة السياسية الحكيمة، أن يبقى المجتمع عزيز الجانب، موفور الكرامة، عامراً بالإيمان، مستبشراً بالخير في كلّ وجهٍ ومعنى. تتآزر فيه القوى لوحدة الصَّف، واجتماع الشمل، بمشاركة جميع أبنائه وفقاً لإمكانياتهم، وعلى اختلاف مشاربهم في تبنّي رسالة مشتركة تكون الهدف الّذي يُسعى إليه بالتكاتف والتضامن والتعاضد لأجل مستقبلٍ زاهر يتجاوز مرحلة القلق والتجاذب والمخاطر الكبرى التي تتهدَّده في هذه المرحلة.
والمشايخ الأجلاء هم بمكانة القدوة الصالحة لمجتمع كريم أمام وجه الحقّ، بذلوا ويبذلون في الله مهجهم، وتعمّ في البرايا بركتُهم، وتعلو بالحق كلمتُهم، ولذلك، فإنّنا نربأ بقدْرِهم أن تمتدَّ في أوساطهم يدُ التفرقة البغيضة، أو يتسرَّب إلى صفوفهم ذوو الأغراض المضلِّلة، فتتسرَّب إلى صفاء القلب غرضيّات وعصبيّات ليس لها في صفحة الحقّ مكان، بل هي مشوِّشة لمرآة البصيرة، وملوِّثة لفسحة القلب والجنان.

اليوم، وفي هذا العصر الذي تُــشرّع فيه أبوابُ العِلم والمعرفة على مصاريعها، نرى أنفسنا بحاجة ماسّة إلى فئة من أهل الثقافة الصَّحيحة، والمنهجيَّة الدقيقة الصّادقة، من الّذين حباهم الله نعمة العقل ونعمة التواضع الروحيّ الأثيل، ليتولوا مهمّة الارشاد والتوجيه في وجه أوبئة الانحلال الخلُـــقيّ وتفشّي العادات الرديئة في المجتمع، وأشدّها خطراً الإباحة وإدمان المخدِّر على أنواعه المقيتة، وغيرهما من الآفات الخطيرة التي تفتـك بأبنائنا وبالكثير من مواطني بلدنا عموماً.

كذلك، فإنّ روّاد الخير العام، هم في الواقع مسؤولون عن التوجيه الممكن في محيطهم الاجتماعي، وحمايته من الانقياد وراء دعوات الباطل والتخريب التي يقف وراءها نفعيُّون يحاولون تكريس واقع خرب من أجل إثبات مصالحهم الذاتيَّة بإسم المصلحة العامة، كما يحاولون تضليل بعض المواطنين بالشعارات الزائفة في سبيل منافعهم الضيّقة. إنّ من واجبات الفرد الصالح نحو المجتمع أن يتبنَّى مصلحة الجماعة التي تنتظم فيها المصلحة الخاصّة وفقاً لمكوِّنات الحقّ. ومن تتوفّر فيه هذه المزايا والارادات الطيبة فلا بدّ حتماً من أن يتخلى عن الأنانية الجامحة العمياء. إنّ تـنمية أوقاف طائفة الموحدين الدروز اليوم ومستقبلاً تدخل في صلب الرسالة المشتركة للموحِّدين بعد أن تمَّ إحصاء هذه الأوقاف، فتوضَّحت معالمُها توثيقــاً، حيث تبيَّن واقعيّاً أنَّ معظم ملفَّاتها رازحة تحت وطأة تركة ثقيلة وقديمة (عقود ووقائع) تجعلها شحيحة الإيرادات، ضئيلة المنافع. وبعيداً عن الغوغائيّة، وبمنأى عن الاستنقاع في مياه آسنة، تعمل لجنة الأوقاف على ترسيخ أسُس خطّة متكاملة لوضع اقتراحات المشاريع للنهوض بها من مرحلة العوائق والإشكاليات، إلى مرحلة جديدة من التطوّر والنّهوض نحو ما يجب أن يكون خدمة للصالح العام، كما تتبنّى مديرية الاوقاف اتّباع أساليب المحاسبة والتدقيق الحديثة.

إنّنا في هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة، وحتى تتمكن الاوقاف من زيادة وارداتها، ومن مواقع مسؤوليّاتنا جميعاً تجاه أسَر الشهداء والمعوّقين والمنقطعين من الأرامل والأيتام وذوي الحاجات الخاصة، لا بدَّ من أن نتوجَّه الى الموسرين والمحسنين من أهلنا لدعم اللجنة الاجتماعية في المجلس المذهبي التي تتحمَّل أعباء مواجهة كافَّة المشاكل الطارئة التي يواجهُها الكثيرُ من أفراد مجتمعنا وعوائله صحّياً وتعليميّاً واجتماعيّاً. وإنّنا، من موقع الاحترام للكثير منهم، خصوصاً من الّذين نجحوا وتمكّنوا بفضل الله من تحقيق الكثير بكدِّهم وسعيهم ومثابرتهم، نهيب بهم بأن يكون لهم زكاة في ما حباهم الله تعالى لهم من نِعم، لتكون تلك الزّكاة برَكة لهُم في محلّ الرِّضا والمحبَّة كما جاء في المأثور: “إنَّ الله يحبّ أن يرى آثار نعمه على عبيده”، طالبين لهم ولنا أن يأخذ الله سبحانه وتعالى بنواصينا إلى الحقّ، وإلى ما فيه نعيم رضاه، برحمته وعفوه.

حول كتاب لبنان

حول كتاب “لبنان في عهد الأمراء التنوخيِّين”
المؤرِّخ الّذي استأنَس بروح القَوم

تشكِّل المصادر الأساسيَّة لتاريخ الدروز في القرن الوسيط العمود الفقري لكتاب د. سامي مكارم “لبنان في عهد الأمراء التنوخيِّين” (وهي على التوالي: “تاريخ بيروت” للأمير صالح بن يحيى، و”صدق الأخبار” لابن سباط، و”السجلّ الارسلاني” من حيث هو ثبتٌ.
بيدَ أنَّ مقاربة د. مكارم لتلك المصادر تتميَّز بما يُمكن وصفُه بـ”نور داخلي” متأتٍّ من طول مراس بحثيّ في متونها، حيث أنَّ المعالجة التاريخيَّة لها أتت استلحاقًا باهتمامات واسعة تناولت البُعد الرّوحي والفكري والاجتماعي للعشيرة المعروفيَّة في الجبل اللبناني التي قادها الأمراء التنوخيُّون من مطلع القرن الحادي عشر الميلادي إلى نهاية القرن الخامس عشر. وهذه حقبة استهلَّها الأثر الاجتهادي الفاطمي في فقه الشّريعة، واستجابة القوم له، ممّا أدّى إلى انعكاسات واضحة على نواحٍ مسلكيَّة عدّة عندهم، في حين أنَّ تاريخ حلف القبائل العربيَّة المسمّى “تنوخا” يرجع بالذّاكرة إلى ماضٍ غابر امتدَّ لقرون عدَّة قبل الإسلام – وهو أمر تطرّق إليه البحثُ تأسيساً للحقبات اللاحقة- ممّا يعزِّزُ قاعدة الدّراسة لتكون تاريخاً لـ “تنوخ” ذاتها، وهو العنوان الأصل الّذي تصدَّر مخطوطة مكارم قبل أن تجدَ طريقَها إلى النّشر.

حلف القبائل
يتقصَّى الباحثُ خبر “تنوخ” من البدايات الموغلة في القدم، وأتى على ذكره بطليموس المتوفى حوالي سنة 170 للميلاد، مُورداً اسم هذا الحِلف من بين قبائل العرب في جغرافيَّته، وهو “حلفٌ أقامته قبائل من الأزْد وقُضاعة وكهلان ولَخم وغيرها، فعُرفَت إثره بـ ”تنوخ”، وكان من شأنه أن أعطى قبائلَ هذا الحِلف قوَّة مكَّنتها من أن تنتقلَ من البحرين إلى غربي الفرات – ما بين الحيرة والأنبار – لتسيطر على قسم منَ الطّريق التّجاريَّة التي تربط الخليج وبلاد فارس شرقاً بالبحر الأبيض المتوسِّط غرباً”.
منطقة استراتيجيَّة أقامت فيها تنوخ في النّصف الأوَّل من القرن الثالث للميلاد دولةً كان أوَّل ملوكها، في ما يُروى، مالك بن فهم الأزدي. ويذكرُ الباحثُ استناداً إلى “المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام”، واعتماداً على المزيد منَ الإيضاحات من بعض أمّهات المصادر الإسلاميَّة (الطّبري، ابن الأثير، المسعودي إلخ…) أنَّ هذه الدّولة “تبوَّأت مركزاً مرموقاً بين العرب فخطب ودّها كلٌّ منَ الدّولتَين الكبريَين في ذلك الوقت: الدّولة الساسانيَّة والامبراطوريَّة الرومانيَّة…”، من دون أن تكون خاضعة لأيٍّ منهما.
ويستقرئُ الباحثُ بعضَ النّصوص الأثَريَّة ليعزِّزَ المعطيات التاريخيَّة، وليبيِّن من ثمَّ أنَّ سلطانَ المملكة التنوخيَّة امتدَّ من الحيرة شرقاً إلى بلاد الشّام غرباً إلى نجران جنوباً، و”كانت المملكة في وقتٍ من الأوقات تسيطر على معظم الجزيرة العربيَّة … وكانت لها شخصيَّتها المستقلَّة، ودورُها السياسيّ والعسكريّ الَّذي يتوخَّى مصلحتها الخاصَّة وإن كان يعودُ بالنّفع العميم لكلتا الدولتين المتصارعتَين”.

ملوك تنوخ
يستعرضُ الباحثُ من ثَمَّ أسماء الملوكِ الَّذينَ تعاقبوا على عرش تنوخ، مبيِّناً الأدوار التي لعبوها، والمآثِـر التاريخيَّة التي خلّفوها، ومنها بناء قصر الخورنق المنسوب للنعمان بن امرئ القيس، وصراع المنذر بن ماء السّماء ضدّ الرّوم من جهة، والغساسنة من جهةٍ أخرى، كذلك خبر يوم ذي قار، والموقف الشجاع لهانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود الشيباني في وجه كسرى، عندما أبى تسليم الودائع، التي أودعها النّعمان بن المنذر المعروف بأبي قابوس ملك الحيرة، إليه، وانتصار العرب على الفُرس في تلك الواقعة.
ومنذ صدر الإسلام، شاركت سيوف “تنوخ” في الفتوح. فقد اعتنقَ المنذر بن النعمان الاسلام. واشترك بقيادة خالد بن الوليد في الزّحف عند قدومه إلى الشّام، عون بن المنذر مع المسلمين، كما حضر مشاركاً في واقعة أجنادين بين المسلمين والبيزنطيّين سنة 13 للهجرة وقُتِل فيها.
وأمَّا الأمير مسعود بن عون بن المنذر فقد حضر فتح دمشق ومعركة اليرموك “وقاتل هو ومَن معهُ من لخم وجذام قتالاً شديداً”، كما يقول “السجلّ الأرسلاني” الَّذي يفتتح وثائقه الإثباتيَّة بذِكر تلك المآثـِر.
ويُعتبَر هذا السجلّ أحد الأصُول التاريخيَّة للتنوخيِّين كما سبقَ القول، إنَّما تتوجَّبُ قراءتُه منهجيّاً بعين ثاقبة، ونظر عميق يعقد المقارنة، ويقيمُ البحثَ على استقصاءٍ موضوعيّ للحوادث اعتماداً على موازنتها بالمصادر الأساسيَّة للحقَب الزمنيَّة التي جرت فيها، وهو أمر يجهد فيه الباحثُ وسع الجهد.

دفاعاً عن الثغور
بعد الفتح، كان بمعرَّة النعمان “جمع تنوخ المستكثر” على حدّ تعبير القلقشندي، وكما يقتبسُه مكارم الَّذي يستعرضُ من ثَمَّ المعطيات التي تشيرُ إلى أنَّ قبائل من تنوخ قطنت بلادَ الشّام شمالها وأوسطها قبل الفتح الاسلاميّ وفي أثنائه وبعده، وصولاً إلى وادي التَّيم و”بلاد الصّنوبر” على حدّ تعبير شاعر قُضاعي. هكذا، بدأت مهمَّة “المثاغرة” للإمارة التنوخيَّة التي وُصِفَت بأنَّها “غرس الملوك”، وكان من شأنها “الدّفاع عن عددٍ من ثغور دار الاسلام ضمن الدّولة الجامعة، كما كان من شأنها أن تسهمَ في طبع هذه المنطقة بالطّابع العربي”.
يتحرَّى الباحثُ بعد ذلك عن الامتداد التنوخي في ساحل الشّام بعد أن ميَّز بين سلالتَين هما الفرع الأرسلاني والفرع البحتري الجُميهري. ويروي في السّياق ما باشرته سيوفُهُم من الدّفاع عن ثغر بيروت لقربه من هجمات المرَدة الموالين للروم، ووقائع الانتشار مصحِّحاً العديد من الأخطاء التي وقع فيها بعضُ المؤرِّخين (تحديد موقع بلدة البيرة على المثال).
هكذا تبدأ الحقب الكبرى التي شهدت أدواراً قام بها “أمراءُ الغرب” في عهد الخلافة العبَّاسيَّة فالفاطميَّة، حيثُ نقرأ عن مبايعة سيف الدولة المنذر بن النعمان بن عامر أمير الغرب للإمام الفاطمي المعزّ لدِين الله عبر قائده جعفر بن فلاح الكتامي الَّذي فتح دمشق.
ويُلفِت مكارم إلى خطأ في السجلّ الأرسلاني – ليس الوحيد على كلِّ حال – حين يقف عند الالتباس الَّذي وقع فيه البعضُ بين الأمير أبي الفوارس معضاد بن همام الفوارسيّ، وبين الدّاعي أبي الفوارس معضاد بن يوسف الفوارسي. ثمّ ينتقلُ البحثُ إلى عهد الأتابكة وصراعهم مع الفرنجة، وبدء حملات الفرنجة، ودور أمراء الغرب فيها.
وهنا يدخلُ في سياق البحثِ تاريخُ الأمير صالح بن يحيى المذكور آنفًا. ويكشف مكارم مسألة التنافس بين سلالات الأمراء إذ تعبِّرُ إثباتات “السجلّ الأرسلاني” عن النسَب الأرسلاني، وتعبِّرُ وثائق “تاريخ بيروت” عن النّسب التنوخي (البحتري) على الرغم من ارتباط النّسَبَيْن بجدٍّ أعلى هو النعمان بن المنذر بن ماء السّماء، وهو كشفٌ يسلِّطُ الضّوءَ على آثار هذا التنافُس في قلب هذه المتون القديمة لجهة إغفال بعض الأحداث، أو إيلاء الأهميَّة لبعضها الآخَر.
من ثمَّ يتحدَّثُ عن أدوار الأمراء الجميهريِّين في عهد الأيوبيِّين، محلِّلاً المنشور الَّذي منحهُ صلاح الدِّين للأمير جمال الدِّين حجي بن كرامة، ومستنتِجاً منه أنَّ صفةَ الإمارة أُزيلت لتوزّع إقطاعات على الأمراء. كذلك يحلِّلُ منشورَ الملك الأفضل نور الدِّين الأيّوبي. ثمَّ يُسهبُ في شرح دور ثالوث الأمراء جمال الدِّين حجي وسعد الدِّين خضر وزين الدِّين صالح ودورهم المهم في الأحداث السياسيَّة والعسكريَّة التي دارت في زمنهم، الَّذي شهد اضطرابات كبيرة تَنازَع فيها الأيوبيُّون والمماليك والمغول والفرنجة. دورٌ بلغَ الذّروة في المشاركةِ في المعركةِ الطّاحنة التي جرت في عين جالوت بين المماليك والتتار.
وينتقلُ سياقُ الأحداث إلى عهدِ دولة المماليك البحريَّة، وأهمُّها في ما يعني أمراء الغرب الحملة على “شيعة وباطنيَّة كسروان”. كما يشرح أثَر التّرتيب العسكري الَّذي فرضهُ المماليك على فرسان الإمارة لجهةِ إدراج الجبل في النِّظام الَّذي فرضُوه على مقاطعات بلاد الشّام.

بيروت القديمة
بيروت القديمة

ويُرافق الأصل التاريخيّ “صدق الأخبار” لابن سباط، حقبة دولة المماليك البرجيَّة، وهو يُكمل تاريخ الأمير صالح المنتهي سنة 840 هـ. وهذه حقبة تميَّزت بانهيار أسُس النِّظام المملوكي في ما اعتبرهُ بعضُ المؤرِّخين “عصراً مظلماً” أضاءت فيه سيرةُ الأمير السيِّد جمال الدِّين عبد الله التنوخي بشكل لافت.

سيرة الأمير السيِّد
ويُسهِبُ د. مكارم في سردِ سيرة هذه الشخصيَّة المهيبة الفذَّة ليعطينا صورة تاريخيّة جليَّة عنها، وعمّا كان لها من أبعد الأثَر في تاريخ الموحِّدين ومسلكهم، مدقِّـــقًا في بعض المُعطيات، ومُبرزاً أبعاد النَّهضة الإصلاحيَّة المتعدِّدة الجوانب التي قام بها الأميرُ السيِّدُ وسط بيئته الاجتماعيَّة، راوياً الظروف التي دعتهُ الى تركِ البلاد، ثمَّ عودته، فابتلائه بفقد أولاده وصبره وقيامه برسالته حتَّى كان “نموذجاً للفناء عن الأنا، ومِثالاً للرضى والتَّسليم…”
ويتعقَّبُ الباحثُ أخبارَ تلاميذ الأمير السَّيِّد، ومن بعدهم آخر أخبار التنوخيِّين التي انتهَت بالمأساة التي سبَّبها الأميرُ علي بن علم الدِّين الَّذي ولّاه كجك أحمد باشا على “بلاد الدّروز”، بقتله لآخِر سبعة أمراء منهم بعد أن باغتهُم في قرية عبيه “ولم يترك من بيت التنوخ ولا ذكراً يخلفهُم” على حدِّ قول الأمير حيدر الشهابي.
ويخلص مكارم إلى الاستنتاج بأنَّ التنوخيِّين “قاموا بدور رئيسي في بناء الشخصيَّة المميَّزة لهذه البلاد، فحافظوا على هويّتها اللبنانيَّة العربيَّة، وكان لهم الفضل الكبير في إبقاء هذه البلاد جزءاً أساسيّاً من الدولة الجامعة، ولكنَّهم عملوا كذلك على إبقاء هذه البلاد جزءاً مميَّزاً، كما كان لهم الفضل الكبير في تكوين صفاتها اللبنانيَّة ذات الفرادة الأصيلة القائمة على الانصهار الاجتماعي بين السكَّان على مختلف انتماءاتهم الدينيَّة أو العرقيَّة، ذلك أنَّ ما شاهدهُ اللبنانيُّون من منازعات قليلة بين القيسيَّة واليمنيَّة في القرنين السادس عشر والثامن عشر، ومن منازعات طائفيَّة بدءاً من القرن التاسع عشر، لم يكن موجوداً في عهد السّيادةِ التنوخيَّة على الإطلاق”.

حمانا

ضربت مثلاً في التعايش وردت الفتن على الأبواب

حمّانـا بلــــدة الـــوادي
ولامارتيـــن والكـــرز

طبيعة خلاّبة وضيافة وتنوع حضاري جذبت إليها العرب
لكن الهجرة والنزوح أضعفا الزراعة وموسم الكرز

رئيس البلدية حبيب رزق

بــدأنا توزيــع نصــوب الكــرز المؤصلــة علــى مزارعــي البلــدة
والهــدف تعزيــز صــادرات حمــانا مــن الكــرز نحــو أوروبــا

قصــــر المقدميــــن سحــــر بــــه لامارتيــــن وكتــــب فيــــه
وصنّفــــه فــي المرتبــــة الثانيــــة بعــــد قصــــر بــــيت الــــدين

بلدة فينيقية
هناك فرضيات عدة برزت في شرح أصل كلمة «حمانا» والمعاني التي ربما ارتبطت بالتسمية، لكن المتفق عليه أن أصل الكلمة يعود إلى الحقبة الفينيقية. وقد رجح البعض أن تكون التسمية مشتقة من كلمة «Hamo»، وهي كلمة فينيقية تعني «معبد الشمس»، بينما اعتبر البعض الآخر أن التسمية مشتقة من اسم الإله الفينيقي حمون أو من اسم لبعل حمان: أي مكان مكرّس لعبادة الإله، و«حمى» تعني الحرارة، لهذا، فإن التفسير الأقرب إلى الواقع أخذ في الاعتبار المكانة الخاصة التي أعطيت للشمس في الحضارات القديمة هو أنّ « حمانا» تعني مركز عبادة لبعل شمس.

موقعها وامتدادها الجغرافي
تقع حمانا إدارياً في قضاء بعبدا في محافظة جبل لبنان، وهي تبعد عن بيروت حوالي 30 كلم. يبدأ ارتفاعها من 1050 متراً في أسفل البلدة ليصل الى 1560م عن سطح البحر في المنطقة الجبلية التي تتصل بجبل الكنيسة. وتمتد المدينة على مساحة 883 هكتاراً أو 8.83 كلم²، مناخها بارد شتاءً إذ قد تصل درجة البرودة فيها الى ما دون الصفر أحياناً، ومعتدل صيفاً، إذ تتراوح حرارة الجو فيها ما بين 20 الى 25 درجة مئوية.
يصل عدد سكانها في موسم الصيف إلى ما بين 10 آلاف و12 ألف نسمة لكنه ينخفض بصورة كبيرة في الشتاء إلى نحو 1500 نسمة، وهذا التقلص الكبير في عدد المقيمين في البلدة بين الصيف وبقيةمواسم السنة يعكس كونها بلدة اصطياف بامتياز، وإنها وبسبب جاذبيتها وجمال طبيعتها استقطبت الآلاف من المصطافين عبر السنين، وكثير من هؤلاء ابتنوا لأنفسهم بيوتاً أو قصوراً فيها.
يمكن بلوغ بلدة حمّانا من بيروت من خلال سلوك الطرق التالية:
– بيروت- عاليه- بحمدون- القرية- الشبانية- حمانا.
– بيروت- عاليه- بحمدون- المديرج- حمانا.
– بيروت- المنصورية- المونتيفردي- رأس المتن- حمانا.

البلدية قررت حصر خدماتها في النطاق الجغرافي للبلدة منعاً لابتعاد البناء وترتب أعباء كبيرة عليها لجهة تأمين البنى الأساسية والخدمات

قصر-المقدّمين
قصر-المقدّمين

وادي لامارتين
يتعانق وادي لامارتين أو وادي حمانا مع وادي الجعماني في ملتقى طبيعي ساحر يشكّل في الشتاء مجرى نهر بيروت. والوادي هو أحد أشهر المعالم التي تمتاز بها حمانا، وقد ارتبط إسمه بإسم الشاعر الفرنسي ألفونس دو لامارتين، الذي قام بوصفه بأجمل الأوصاف، وقال إنّه أجمل ما يمكن أن تقع عليه عين، وهذا الوادي، وما أذاعه لامارتين عبر شعره عن سحره، جذب مع الزمن الكثير من السيّاح الفرنسيين والأوروبيين وساهم في إعطاء حمانا مكانتها على خارطة السياحة اللبنانية. ويعتبر الوادي أيضاً نقطة جذب رئيسية لمحبي الطبيعة ودافعاً مهماً يحثهم على زيارة البلدة بهدف التمتع بطبيعتها الخلابة، وهناك حالياً تعاون وثيق بين بلدية حمانا وبين اتحاد بلديات إسباني، وذلك بهدف تطوير قطاع السياحة البيئية عن طريق خلق رياضات بيئية متنوعة كتسلّق الجبال ورحلات اجتياز الجبال سيراً على الأقدام أو رياضة تسلق الانكسارات الصخرية وغيرها، وقد ساهم الترويج لهذه الرياضات في جعل حمانا مقصداً لكل محبٍّ للطبيعة وباحثٍ عن الهدوء في أوديتها وطبيعتها الجبلية.

تراجع الزراعة
تُعرف حمانا بإنتاجها مواسم عدة، منها التفاح والخوخ والتين والكرمة والفاصوليا، إلا أن أهمّ وأشهر مواسمها هو موسم الكرز. وللكرز الحماني شهرة واسعة أوّلاً بسبب حباته ونكهته المميزة، وثانياً بسبب مهرجان الكرز الذي كان يُقام سنوياً في حمانا، والذي توقّف بسبب ظروف الحرب في لبنان. وتسعى البلدية وبالتعاون مع مختلف جمعيات المجتمع المدني والخيّرين في البلدة لإحياء هذا المهرجان بهدف تشجيع السياحة والاصطياف في البلدة من جهة، وتفعيل قطاع الزراعة، ولا سيما زراعة الكرز من جهة أخرى، وقد كان لمهرجان الكرز دور مهم في ترويج الكرز الحماني واستقطاب المستهلكين والمتذوقين وهو ما ساعد عادة على تصريف المنتجين لموسمهم، وكذلك لكلّ ما يقومون بإنتاجه من ثمار الكرز من مربيات وشراب وغيرهما.
ويأسف رئيس بلدية حمانا المحامي حبيب رزق للتراجع الكبير الذي أصاب الزراعة في حمانا بسبب ظروف الحرب، أو قل الحروب التي مرّ بها لبنان، وقد أدى انعدام الأمن وتقطع المواصلات والهجرة الكثيفة إلى تراجع الاهتمام بالزراعة، وتعمق هذا الاتجاه التراجعي بسبب تراجع القيم الزراعية ولجوء أكثرية الناس الى قطاعات تؤمّن أرباحاً أكثر. لذلك كان على البلدية اتخاذ إجراءات فعّالة لوقف هذا التراجع، ومن أهم الخطوات التي تمّ تبنيها وضع استراتيجية متوسطة الأمد، بالتعاون مع الجامعة اللبنانية ومركز الأبحاث الزراعية، تستهدف تأصيل نصوب الكرز لتصبح أكثر انتاجية وقدرة على مقاومة الامراض ثم توزيعها مجاناً على المزارعين، وقد بدأ العمل في المشروع منذ حوالي السنة تقريباً، وكلّ هذا يتم بغية الوصول الى تأمين قدرة انتاجية ضخمة تسمح لحمانا بأن تصبح مركزاً لتصدير الكرز الى الأسواق الأوروبية حيث يصل سعر كيلو الكرز فيها الى 20 أو 25 يورو.

نزيف الهجرة
دفعت بلدة حمانا، شأنها شأن كلّ المناطق والبلدات اللبنانية ثمناً باهظاً للحرب على شكل موجات نزوح وهجرة للعديد من أبنائها. وبدأت أولى موجات الهجرة في الحرب العالمية الاولى امتداداً إلى الحرب العالمية الثانية، ثم الى الحرب الأهلية اللبنانية، وساهمت تلك الحروب في هجرة حوالي 30 في المئة من سكان حمانا الى الخارج وخصوصاً إلى أميركا الشمالية، بينما توزّع القسم الآخر منهم بين المغتربات الأوروبية والخليجية. وقد طرحت البلدية مؤخراً مبادرة تستهدف توطيد الصلة مع مواطني حمانا الذين استقروا في أميركا الشمالية، وشملت المبادرة حتى الآن زيارة قام بها رئيس البلدية إلى الولايات المتحدة للإلتقاء بمواطني البلدة والبدء بتجميع داتا تتضمّن جميع المعلومات عن مغتربي البلدة وأماكن تواجدهم في الولايات المتحدة الأميركية وأعمالهم ووسائل الاتصال بهم.

ثروة مائية ضخمة (300 نبع مياه) لكن زراعات حمانا في تراجع

حمّــانا-تحت-الثلج
حمّــانا-تحت-الثلج

العرب في حمانا
كغيرها من بلدات الاصطياف في لبنان، والتي تعتمد في اقتصادها على موسم الاصطياف شهدت حمانا تطوراً مستمراً من سنة الى أخرى للحضور العربي في فصل الصيف ولاسيما الكويتيين. وهناك حوالي 80 الى 100 فيلا في حمانا مملوكة من قبل الكويتيين ومن بين هؤلاء السفير الكويتي السابق في لبنان، وزير العمل الكويتي السابق ورئيس الأمن العام الكويتي السابق، وهناك عدد آخر أقل من الفيلات والقصور مملوك من بعض السعوديين أو القطريين.
وكان الحضور الكويتي في حمانا سبباً في اهتمام الصندوق الكويتي للتنمية بالمساعدة على تمويل العديد من المشاريع التنموية كان أبرزها ترميم السوق الأثرية القديمة للبلدة.

حمانا في التاريخ
عرفت المنطقة نشاطاً للشعوب القديمة، واشتهرت «حمانا» بكثرة الينابيع (نحو 300) نذكر منها نبع الشاغور، ونبع الصفصافة؛ وكما توجد فيها عيون عدة منها عين النسور، عين العصافير وعين الحاووز.
وعثر علماء الآثار في « حمانا» على حجارة ضخمة تعود الى الحقبة الفينيقية بحاجة الى درس لكشف أصلها وسبب صنعها واستخدامها، إضافة الى نقود قديمة العهد وكهف في جوف الصخر.

قصر المقدّمين
على كتف وادي لامارتين في حمانا، شيّد قصر المقدمين أو ما يُعرف بقصر «لامارتين» العائد بملكيته لأحفاد « آل مزهر» من المقدمين الدروز، الذين استضافوا الفونس دو لامارتين أثناء زيارته للشرق فعُرف القصر بإسمه منذ أواسط القرن التاسع عشر. ويعتبر القصر من روائع العمارة في مطلع القرن التاسع عشر وقد دخلت في صنعه أرفع فنون العمارة والزخرفة البديعة واستخدم كمقر رسمي للمقدمين. وقد سحر الشاعر الفرنسي لامارتين بهذا الصرح فوصفه بأجمل الأوصاف الشعرية وصنّفه في المرتبة الثانية بعد قصر الأمير بشير الشهابي في بيت الدين، كما خطّ الشاعر في رحابه فصولاً عدة من كتابه (رحلة إلى الشرق 1832-1833)، وهي رحلة حملت معها الكثير من الآلام والتجليات في آن معاً.
وبحسب الرواية، فإن الشاعر لامارتين زار لبنان في شهر آذار مارس من العام 1833 حينما كان نائباً في البرلمان الفرنسي وقام أثناء زيارته للشرق بتفقد الأماكن الأثرية، وكانت له زيارة إلى حمانا، عندما كان القصر مقراً للمقدّم صارم الدين مزهر الذي استضاف القافلة الزائرة ومعهم لامارتين وحاشيته. وبعد مرور 100 عام على زيارة لامارتين للقصر، أي في سنة 1933، جاءت بِعثة فرنسية الى لبنان من كتّاب وشعراء ومثقفين وقامت بزيارة الأماكن التي أقام فيها لامارتين، ومن بينها قصر المقدّمين.

التعايش الإسلامي المسيحي
حمانا هي واحدة من البلدات التي لم يترك فيها زمن الحرب البغيضة جراحاً كما لم تقوَ عليها الفتنة، وهذا على الرغم من التنوع الطائفي الذي تتميّز به. وقد بقي أبناؤها يعيشون سوية كما كان عهدهم دوماً ولم تشهد البلدة بالتالي أي مشاكل طائفية أو مذهبية حتى في عزّ الحرب الأهلية اللبنانية، وهذا بإستثناء بعض المشاكل التي كانت تحصل في محيطها، وكان لوجهاء البلدة وعقلائها دور فوري في استيعابها ومنع اتساع أذاها إلى البلدة.
وتعيش في حمانا إلى جانب الاكثرية المسيحية عائلات درزية قديمة مؤسسة لها وهي جزء لا يتجزّأ من تاريخها وأصالتها، بالإضافة الى بعض العائلات السنية التي أصبحت من ضمن مكونات حمانا بموجب قانون التجنيس. إذا أخذنا المكون العربي الذي أصبح جزءاً من البلدة، فإن حمانا تبدو اليوم فسيفساء فريدة من طوائف وجنسيات وثقافات قلّ مثيلها في بلدات الاصطياف اللبناني.

سجل إنجازات

تعتبر بلدية حمانا من البلديات الناشطة في المنطقة، وهي قامت على الرغم من الإمكانات المحدودة بتنفيذ عدد مهم من المشاريع والمبادرات كان أبرزها:
ترميم مبنى المجلس البلدي المستملك قديماً من قبل البلدية.
سعي البلدية بالتعاون مع المطران جورج أبي يونس ومع مؤسسة كارلوس سليم في المكسيك الى إقامة مدينة رياضية في حمانا على أرض تملكها البلدية، سيكون لها أثر إيجابي على المنطقة ككلّ.
قدّمت البلدية أرضاً لإنشاء فرع لإحدى الجامعات الخاصة في حمانا.
ترميم السوق الاثرية القديمة.
بناء خزان للمياه سعة 750 متراً مكعباً.
تنظيم مهرجان الفكاهة خلال فصل الصيف، باللغات الثلاث: العربية، الإنكليزية والفرنسية، وذلك بهدف تشجيع التنوّع الثقافي والحضاري.
افتتاح مكتب للتنمية المحلية في البلدة.
وضع دراسة لكلّ مصادر المياه في حمانا على نفقة البلدية بالتعاون مع وزارة الموارد المائية.
توقيع اتفاقية تعاون بين بلدية حمانا واتحاد بلديات «ثيرس برغيدا» في إسبانيا، من أجل العمل على تطوير السياحة البيئية في جبل حمانا.

رئيس البلدية المحامي حبيب رزق
رئيس البلدية المحامي حبيب رزق

عاصمة المتن الأعلى
حمانا اليوم هي أشبه بعاصمة المتن الأعلى بما تحويه من دوائر رسمية، وفيها:
مركز اتحاد بلديات المتن الأعلى، ودائرة النفوس، ومركز الأمن العام، ومركز للدرك، ومركز لوزارة الإتصالات، ومركز للضمان الإجتماعي، ومركز للدفاع المدني، وثكنة للجيش، هذا وتعمل البلدية على إنشاء محكمة لتسهيل التقاضي وتوفير مشقة انتقال المتقاضين وأصحاب القضايا دوماً إلى بعبدا أو بيروت، بدلاً من الإضطرار دوماً الى اللجوء الى بيروت.
هذا، وفي حمانا أيضاً ثانوية رسمية، سُميت بـ «ثانوية عبدالله الخوري» على إسم من قدّم مبناها على عهد رئيس البلدية السابق الأستاذ نجيب أبو حيدر الذي كان وزيراً للتربية، وسعى جاهداً لاستملاك البلدية لمبنى الثانوية، الذي يحتوي اليوم على مدرسة ومهنية وثانوية، وهو مُستأجر من قبل وزارة التربية.
وفي حمانا مكتبة عامّة أنشئت سنة 2001 بسعي من الأستاذ كلود رزق وسُمّيت باسم «مكتبة نجيب أبو حيدر» وفيها حوالي 13 ألف كتاب، يديرها عدد من سيدات حمانا المثقفات، ويستضفن فيها العديد من ورش العمل والندوات والدورات المتعلقة بتعليم اللغات الأجنبية.

سوق العقارات
تشهد حمانا منذ سنة 2007 فورة في الطلب على عقاراتها أدت إلى قفزات كبيرة في الأسعار وقد وصلت في بعض المناطق إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل سنوات. وساهم في الارتفاع نظام البناء المحدود الذي تعتمده البلدية والهادف الى الحفاظ على الطابع الريفي والقروي للبلدة، فعدد الطوابق محدود، وكل طابق لا يتألّف من أكثر من شقة واحدة فقط، وذلك لمنع إنشاء مجمعات سكنية تجارية ضخمة تحوّل حمانا من بلدةٍ خضراء الى مدينة مكتظة. يشار هنا إلى أن دراسة نشرت حديثاً أظهرت أن معدل تملّك الأجانب للعقارات في حمانا وصل الى حوالي 35 في المئة من مساحة البلدة.
ويبدو أن السياسة المتشدّدة لبلدية حمانا لجهة شروط البناء وتقييد المساحات وأنظمة الشقق جعلتها غير جذابة للمطورين أو للمستثمرين الجدد، وكان بالتالي من الأسباب التي أضعفت الطلب الخارجي الجديد على أراضيها، كما أن السياسة نفسها تشجع على تعزيز حضور مواطني حمانا في البلدة والحفاظ بالتالي على هويتها مع استمرار الترحيب بالمتمولين الكويتيين أو اللبنانيين الذين يبنون فيها الفيلات والمنازل الراقية. ومن بين الخطوات التي اتخذتها البلدية في هذا السياق،الامتناع عن تقديم الخدمات البلدية خارج نطاق جغرافي معين للبلدة. وهذه الشروط، يقول رئيس البلدية المحامي حبيب رزق لا تهدف إلى إبعاد أي فئة وخصوصاً العرب عن حمانا، إذ أن الدافع الأول لها هو عدم التشجيع على انتشار البلدة نحو الأطراف وهو ما يضع أعباء كبيرة على البلدية لجهة تأمين البنى الأساسية الجديدة مثل الطرق وإضاءتها وخدمات المياه والكهرباء وتصريف الأمطار وغيرها، وهذه الأعباء لا طاقة للبلدية في ظروف الوضع الحكومي وتراجع إمكانات الدولة على تحملها لوحدها، علماً أن البلدية لا تحصل على مستحقاتها من الدولة إلا بعد مرور سنوات، فقد تم مثلاً في سنة 2012 تحويل مستحقات البلدية عن سنة 2010، أي بتأخير سنتين.

مهرجان-حمانا
مهرجان-حمانا
مكتبة-حمّــانا-العامّة
مكتبة-حمّــانا-العامّة
شاغور-حمانا-الشهير
شاغور-حمانا-الشهير

نفق شتورا- حمانا مؤجل
بحث المجلس البلدي في حمانا مع معالي وزير الأشغال والنقل غازي العريضي حول إمكانية تنفيذ مشروع قديم يتعلّق بشق نفق يصل حمانا بشتورا، وذلك نظراً لأهمية هذا المشروع لمنطقة حمانا ومنطقة المتن الأعلى بشكل عام، ولكن تبيّن أنّ تكلفته قد تصل الى حوالي 55 مليون دولار موزّعة بين تكلفة الإستملاكات والتنفيذ. ونظراً لهذه التكلفة الباهظة، فإنّ تنفيذ المشروع يحتاج الى قرار من مجلس الوزراء وطبعاً هذا في حال توفّرت الاموال اللازمة لإنجازه سواء من مصادر داخلية أو خارجية.

عائلات حمانا

تعيش في حمانا منذ قديم الأزمان عائلات عديدة تنتمي إلى طوائف مختلفة، ومن أبرز تلك العائلات: أبو جودة، أبو سمرا، أبو موسى، أبو رزق، رزق، أبو صعب، أبي صعب، أبو شديد، شديد، أبو يونس، أبي يونس، أبو فرح، أبو فرج، فرج، فرحات ، أيوب، بدور، أبي توما، توما، برمكي، حاتم، الجبيلي، بشارة، تبشراني، الحكيم، حدشيتي، الخوري، خليل، راشد، الخوري، شبلي، سعد، زغزعي، عساف، عيسى، العيّا، عاد، ضاهر، ضو، عبيد، الحوزي، صعب، شحادة، أبي عساف، غصن، فارس، فواز، كرم، كساب، المغاريقي، نصرالله، نمر، نهرا، مهنا، يونان، يمين، البيري، خوري، أبو حيدر، بو متري، حداد، نصر، شويري، زيادة، الرومي، ريشاني، أبو الحسن، الأعور، مزهر، فليفل، عبيد، بلوط، شعبان، شطيح، بيادر، تيماني.

حكايات الأمثال في جبل العرب

حكايات الأمثال في جبل العرب

تنشر مجلة الضحى بدءاً مع هذا العدد مقتطفات من كتاب الأديب السوري فوزات رزق الذي تناول فيه حكايات الأمثال في الأدب الشعبي في جبل العرب وفي بلاد الشام بصورة أعم. وقام المؤلف بجمع قصص الكتاب بالاعتماد على مجموعة متنوعة من المصادر المكتوبة والروايات الشفهية التي حققها في قرى جبل العرب بصورة خاصة. ومن المصادر التي يعترف المؤلف بفضلها كتاب”أمثال وتعابير شعبية من السويداء” لمؤلفه سلامة عبيد، وكذلك معجم أحمد أبو سعد، ومعجم أحمد تيمور باشا، ومؤلفات الكاتب التراثي اللبناني سلامة الراسي.
ويوضح المؤلف في المقدمة التي وضعها لكتابه أن العديد من أمثال الجبل وحكايات الأمثال لها جذور لبنانية، والسبب في ذلك يعود “إلى العلاقة الوشيجة بين جبل العرب وجبل لبنان؛ فغالبية سكان جبل العرب إنما أتوا من لبنان، ولا تزال عائلات عديدة في الجبل تحمل أسماء القرى اللبنانية التي أتوا منها مثل: الريشاني والحاصباني والعماطوري والباروكي والشوفي والعنداري والبكفاني والمتني، وغير ذلك كثير، فحينما نزحوا من جبل لبنان إلى جبل حوران، حملوا في ما حملوا عباراتهم، وأمثالهم التي جرت حكاياتها في لبنان”.
ويوضح الكاتب الأستاذ فوزات رزق في مقدمة الكتاب السبب الذي جعله يعتمد في لغة السرد أسلوبي الفصحى حيناً واللهجة المحكية حيناً آخر، وهو “اعتقدنا أن بعض الحكايات، وبخاصة الخيالية منها، إنما تفقد بهاءها ورونقها إذا غادرت الثوب الذي ولدت فيه وهو اللهجة المحكية. أما الأمثولات، والحكايات الواقعية، فإن نقلها بالمحكية يضعف من قيمتها، بيد أننا حافظنا أحياناً على المحكية في الحوار القائم في هذه الحكايات فقط”.
ويلفت الكاتب إلى التعارض الذي قد يجده القارئ بين روايته لبعض الحكايات مع ما يعرفه البعض من أبناء المنطقة، “وهذا أمر طبيعي ما دامت المصادر متعددة وشفهية إذ قد تطرأ على الرواية زيادات وتفاصيل تلائم اكثر البيئة التي تروى فيها، وقد تستعير من تلك البيئة موادا،ً ومعطيات تكون أكثر واقعية وتساعد أكثر على فهم المثل أو الرواية. ويلاحظ رزق “أن المصادر المكتوبة التي كنّا نرجع إليها كانت تختلف أحياناً في رواية بعض هذه الحكايات”.

تغرق ولا يردها الأبلق

الأبلق هو الأبيض من البغال وغيرها من الحيوانات وقد خالطه سواد.
وقد سمعت هذا المثل بصيغتين، ولكل رواية غرض مختلف في التمثيل، فمن قائل: “ يا بتغرق , يا بردها الأبلق “. ويضرب هذا المثل عند المغامرة غير المضمونة النتائج. ومن قائل آخر: “ تغرق، ولا يردها الأبلق “. ويضرب هذا المثل في الأنفة ورفض المساعدة من نذل.
غير أن حكاية المثل التي رواها لي السيد تركي رزق من قرية خازمة وعمره ستون عاماً ترجح أن الصيغة الثانية هي الأصل بحسب مضمون الحكاية.
وتقول الحكاية إن فرساً أصيلة جمحت، نحو مستنقع لو دخلت فيه لغرقت، فحار القوم في الأمر من دون أن يستطيعوا إدراكها، وحين وصلت إلى بداية المستنقع أبطأت في عدوها، فأدركها بغل أبلق كاد صاحبه أن يحرفها عن المستنقع، فاستعظم صاحب الفرس الأمر، واعتبرها إهانة لفرسه أن يدركها بغل، فصاح “ تغرق ولا يردها الأبلق “ فذهبت مثلاً في الأنفة من مساعدة الضعيف.
وهناك رواية ثانية لهذا المثل عند الأستاذ سلامة عبيد يقول فيها إن المثل هو شطر من بيت شعر شعبي، يقول: “ تهفى الأصيلة ولا بليق يردها”. وحكاية المثل كما رواها سلامة عبيد هي أن لصاً سرق فرساً أصيلة من خيول أحد أمراء البدو وفرّ بها. فلحقه الأمير وفرسانه لاسترداد الفرس. ولكن الخيل عجزت عن اللحاق بتلك الفرس السبوق، وعندما وصلت الفرس إلى أرض وعرة، كثيرة الحجارة والصخور، بدأت سرعتها تخف. وبدأت سرعة البغل بليق الذي يركبه أحد أتباع الأمير تتزايد حتى كاد يدرك الفرس، عندئذِ أمر الأمير تابعه أن يتوقف قائلاً: “ تهفى الأصيلة ولا بليق يردها “ أي لتذهب هباء. ويقال هذا المثل في رفض المساعدة المهينة.
ويذكر سلام الراسي حكاية هذا المثل تحت عنوان “ تهفى ولا بليق يردها “. وروايته قريبة من رواية سلامة عبيد.

أهل المجيمر عرّسوا والدف يرقع في وِطْر

المجيمر قرية في محافظة السويداء، تقع فوق تل على مسافة 15 كم جنوبي السويداء، وهي التي مرّ بها امرؤ القيس في رحلته الشهيرة إلى قيصر الروم، وقال فيها:
كأن ذرا رأس المجيمر غدوة من السيل والغثّاء فلكة مغزل
والمثل يضرب في القوم الذين يبتهجون في مكان على حين الفرح الذي يبتهجون به في مكان آخر. وحكاية المثل رواها لي السيد معذى الجباعي من قرية المجيمر نقلاً عن أم غازي هنية الجباعي من قرية المجيمر وعمرها ثمانون عاماً، وقد كانت عمتها ياسمين بنت سليم الجباعي بطلة الحكاية.
والحكاية كما روتها هنية أن عمتها ياسمين تزوجت من شحاذة الجباعي. وكان بيت شحاذة العريس متطرفاً عن القرية على طريق “خربة وَطْر” التي تبعد أكثر من كيلومتر عن المجيمر وقد قاد الشبين فرس العروس إلى بيت زوجها، ومن حوله الفاردة. وحينما ابتعدت الفاردة عن بيوت القرية استهجنوا الأمر وكأنهم يزفون العروس إلى قرية أخرى، عندئذ أخذت الفاردة تغني:
أهل المجيمر عرسوا والدف يرقع في وطر 1
كناية عن أن العرس في مكان والفرح في مكان آخر. فصارت الأغنية مثلاً 2.
غير أنني وقعت في كتاب الأستاذ سلامة عبيد على رواية أخرى، لم يسمِ أبطالها واكتفى بالقول إن إحدى بنات القرية قد هربت مع حبيبها الأول في ليلة عرسها إلى خربة وطر”.
وتبدو رواية الأستاذ عبيد أقرب إلى مآل المثل الذي ابتعد عن التصريح، لكنه كنَّى عن التئام شمل الزوجين بالدف الذي يرقع في مكان اختفائهما.
وفي هذا المعنى يقولون في مصر: “ العروسة في صندفا، وأهل المحلة متحففة “. وصندفا والمحلة مدينتان متباعدتان في مصر. والتحفيف نتف الشعر استعداداً للعرس، فمن مظاهر زينة النساء أن يتحففن عند كل عرس.

بدي إدحلها دحل

تطلق هذه العبارة في معرض التهكم حينما يسرف أحدهم في المبالغة عند سرد وقائع جرت معه، والعبارة منتشرة ومعروفة في أنحاء الجبل، وأصل هذه العبارة أن رجلاً معروفاً بمبالغته أثناء حديثه عن مغامراته ومعاركه الوهمية، أخذ ذات يوم يسرد ما جرى له في إحدى المعارك والغزوات، فقال إنه أثناء هجومه في إحدى المعارك أصابت رصاصة إحدى قوائم فرسه، لكن الفرس لم تخذله، وتابعت الإغارة، لكن رصاصة ثانية أصابت قائمة أخرى من قوائم الفرس، واستمرت الفرس بالهجوم، ولم تخطء الرصاصة الثالثة قائمة الفرس الثالثة، لكن الفرس ظلت تقتحم المعركة كأنّ شيئاً لم يكن. وهنا تدخل أحد الحاضرين مستنكراً أن تستطيع الفرس بعد إصابة قوائمها الثلاث الاستمرار في السير، فكيف بها تعدو؟! . . وهنا قال الرجل لمحدثه:
“ أنا حر … بدي إدحلها دحل “ .
وقد ذكر سلامة عبيد هذه العبارة، وأورد حكايتها على نحو لا يختلف عن روايتنا.
وقد وقعت على حكاية مشابهة رواها لي أحد الصيادين. والصيادون معروفون بتزيدهم في الأخبار. قال الصياد:
إن أحد الصيادين حدّث جلساءه عن نشاطه في الصيد، إذ عُرض له في إحدى المرات رف من الحجل، ومعه بارودة خلع، فصوب نحو ديك حجل فرماه. فما لبث أن عُرض له ديك آخر، فبادر إلى رميه، فعرض له ثالث، وهكذا حتى اصطاد أربع أو خمس طرائد متتابعة. فصاح به أحد الجلساء:
ـ دِكّها يارجال … دِكّها. أي ضع بالبارودة طلقات؛ فهي بارودة خلع وليست رشاشاً .

تفضلوا على دار خيي
تفضلوا على دار خيي

 

تفضلوا على دار خيِّي

هذا المثل يضرب للرجل الذي يدعو الضيوف إلى بيوت الآخرين، بدلاً من دعوتهم إلى بيته. وقد ترجموا هذا الفعل بقولهم: “يا ضربة من كيس غيري”.
وحكاية هذا المثل معروفة في أنحاء الجبل، غير أنهم يتناقلونها بغير إسم أحمد أحياناً.
ومن السائد في الجبل أنه إذا حلّ ضيوف على أحد رجال القرية، فمن واجب هذا المُضيف أن يدعو رجال القرية للسلام على الضيوف بقوله: “شرفوا اشربوا قهوة، عندنا ضيوف”، فيتقاطر الرجال إلى المضافة للسلام على الضيوف، ومن ثم يدعونهم للزيارة، ومن واجب الضيوف تلبية دعوة كل من جاء للسلام عليهم.
وخلاصة الحكاية أن أحمد كان إذا أراد دعوة ضيوف في القرية، لا يدعوهم إلى مضافته، وإنما إلى مضافة أخيه.
وقد سمعت أكثر من شخص مدعياً أن هذه الحادثة قد وقعت في قريته، ولا يتورعون عن ذكر اسم الرجل الذي كان يدعو الضيوف إلى مضافة أخيه باسم آخر.
وقد أورد سلامة عبيد هذا المثل بصيغة أخرى واسم آخر، إذ جاء عنده: “كرم خير بدار بَيُّو”، أو بدار خَيُّو، أي بدار أبيه أو أخيه. وقال في حكاية المثل إن خير هذا اشتهر بأنه يدعو الضيوف إلى دار أخيه أو دار أبيه، وقلما يدعوهم إلى بيته.

توبة نصوحة

أنقل هذه الحكاية من الذاكرة البعيدة. وقد سمعتها مراراً حديثاً دينياً وعظياً، في معرض قبول توبة التائب إلى الله توبة خالصة، وأن باب الله لا يقفل في وجه من طرقه صادقاً، مهما بلغت ذنوبه. تاريخ التدوين صيف 2004 .
والحكاية أنه كان هناك رجل تاب بعد ارتكاب العديد من الجرائم فكانت توبته حقيقية خالصة لله، ولوجه الله، فصاروا يطلقون على كل توبة حقيقية خالصة، توبة نصوحة.
المهم أن الرجل كان كسّاراً، قتل في حياته تسعةً وتسعين قتيلاً، وفيما كان يتابع مسيرته الشقية، إذ مر ليلاً الى جانب مقبرة، وحينما حاذاها، تناهى له من الداخل صوت يقول:
ـ “ إن ما وصلت لك طيّبة، بوصلك وإنتِ ميّتة”.
فاستوقفه الصوت، ودخل المقبرة، فشاهد رجلاً ينبش قبراً، وينتشل جثة امرأة ماتت ليومها، يريد أن يطأها. وكان الرجل يحمل بيده مذروباً “عصا غليظة “. فضرب الرجل المعتدي على رأسه، فطرحه ميتاً، ثم تابع طريقه. وعلى الطريق هداه الله بعد هذه الحادثة، وأرشده إلى الطريق القويم. فخطر له أن يستغفر ربه، ويعلن توبته على ملأ من رجال الدين في المجلس “ بيت العبادة “. ومن ساعته اتخذ طريق المجلس، ودق بابه بمذروبه، ففتحوا له، ودهشوا لقدومه إلى المجلس وبيده المذروب. فقال لهم:
ـ “ يا حضرات المشايخ ! أنا تايب لله ولوجه الله، سامحوني عن الماضي، وعاملوني على المستقبل “ .
فضحكوا سخراً، لعلمهم أن هذا الذي قتل تسعة وتسعين قتيلاً لن يكون له مكان إلا في النار.
لكنهم من جهة أخرى لم يستطيعوا أن يقفلوا في وجهه باب التوبة، فقال له الشيخ سائس المجلس:
ـ اذهب وازرع مذروبك هذا في المزبلة، فإن أورقَ تكون توبتك ناصحة.
ولم يكذّب الرجل الخبر، فانصرف من ساعته إلى المزبلة، وغرس مذروبه الخشبي فيها، وانصرف.
في اليوم التالي عاد إلى المزبلة، فوجد مذروبه قد أورق، فحمله، واتجه إلى المجلس. فأيقن الجميع أن توبته خالصة، وسألوه عن سر ذلك، فأخبرهم بحكاية الرجل الذي صادفه في المقبرة، فقالوا له:
“ هذي توبة نصوحة . والله يا عمي شكارتك غلبت بيادرنا .

-2 جبر من بطن أمه للقبر

جبر من بطن أمه للقبر

يضرب هذا المثل للرجل إذا لازمته التعاسة منذ ولادته حتى نهاية حياته.
والمثل معروف في غير محافظة السويداء. وقد ورد في “معجم الأمثال الشعبية الفلسطينية “ لمؤلفيه فؤاد إبراهيم عباس وأحمد عمر شاهين.
وحكاية المثل أنقلها من الذاكرة البعيدة. تاريخ التدوين شتاء 2006.
والحكاية أن رجلاً يدعى جبر كان يعمل في إحدى المدن عاملاً، يشتغل يوماً ويقعد عاطلاً عن العمل أياماً، وصادف أن مر بمقبرة المدينة، فلفت نظره أنه قد ارتفعت فوق كل قبر شاهدة دوّن عليها اسم المتوفى وعمره، وقد استغرب أن هؤلاء المتوفين قد قضوا في سن مبكرة؛ هذا عمره سنة، هذا سنة وستة أشهر، هذا عمره سنتان وهكذا. فاستغرب ذلك وذهب إلى حارس المقبرة يسأله عن سر وفاة هؤلاء في سن مبكرة. فأفاده الحارس أنهم في هذه المقبرة لا يسجلون إلا أيام السعادة التي عاشها الإنسان.
فقال له جبر :
إذا مت في مدينتكم فسجل على شاهدة قبري: “ جبر من بطن أمه للقبر “
وقد عثرت على حكاية هذا المثل في الموسوعة الحورانية وأضاف صاحبا الموسوعة أن جبر هذا إنما هو طنوس الجبر من لبنان سافر إلى الأميركيتين، وهناك حدث له ما حدث . 3

جازة حمزي براس الإمّان 4

والمثل معروف في أنحاء الجبل كافة، وقد ذكره الأستاذ سلامة عبيد في أمثاله على نحو مختلف “ جازة حمزي براس المعناي . 5
ويضرب المثل في الرجل إذا ألح في طلب الشيء دون مراعاة الوقت المناسب . وحكاية المثل أرويها من الذاكرة البعيدة، وهي لا تختلف كثيراً عن رواية الأستاذ عبيد. ولم أقع على المكان الذي جرت فيه واقعة الحكاية غير أنهم يذكرون أن حمزة هذا خطر له أن يتزوج في موسم الحصاد، لأمر ما بينه وبين عروسه. ولما أنه لم يكن من المنطق أن يتوقف عن الحصيدة ليتزوج، فقد طلب منه أهله التريث ريثما ينتهون من عملية الحصاد، لكنه أبَى، وأصرّ على الزواج قبل إتمام الحصاد، فذهبت زيجته مثلاً في الأمر إذا أُلحّ في طلبه في وقت غير ملائم فقالوا: “ جازة حمزي براس الإمّان “

تجارة المجدلاني

هذا المثل معروف في بلدة عرمان وما حولها. ويضرب في الرجل إذا اتَجر فخسرت تجارته. وحكاية المثل ما زلت أسمعها عند كل خسارة تلحق أحد الناس جراء غفلة أو خطأ في الحساب. تاريخ التدوين صيف 2007.
والمجدلاني رجل من مجدلبعنا في لبنان، فقير الحال، وفد إلى الجبل وكان يتعاطى تجارة العنب على حماره مقايضة، فحدث أن اشترى حمل العنب بمدِ من القمح، لكنه بعد بيع العنب تجمّع لديه ثلاث أرباعِ المدّ من القمح لكنه لم يدرك خسارته، وذهب يستعين بمن هو أكثر خبرة منه قائلاً له: “ احسب لي هالحسبة؛ إذا قلنا: اشترينا حمل العنب بمد قمح، وبعناه بثلاث أرباع. قديش بنكون ربحنا؟.

جراب الكردي

مثل يطلقونه على الشيء، يدعي صاحبه أنه نفيس، وهو في حقيقة الأمر لا يساوي شيئاً.
وأصل المثل كما رواه سلام الراسي أن كردياً أراد أن يذهب إلى الحج، فاستودع جاره جراباً، ريثما يعود من حجته. وعندما عاد افتقد جاره الجراب فلم يجده، فأعلن استعداده لدفع ثمن محتوياته. لكن الكردي أبَى، إلا أن يرفع قضيته إلى القاضي.
فسأله القاضي عن محتويات الجراب فقال:
“ فيه جواهر ونقود، وخلاخل وعقود، وعباءات وملاءات، وصوانٍ وأوانٍ؛ وفيه سيوف مرصعة، ودروع مدرّعة، وخناجر وطناجر؛ وفيه أربعة رماح مشرفية، وخمس سجاجيد أعجمية “.
فقاطعه القاضي وصاح به: كفى ! أنت استودعته جراباً ؟ أم بناية بخمسة أبواب؟! . 6

2013