الأحد, أيار 24, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الأحد, أيار 24, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

التقية

حـــــول كتــــــاب

«التقيــة فــي الإســلام»

تأكيد الدكتور سامي مكارم لظاهرة التقية في الإسلام
أثار جدلاً وطرح تحدياً للتفكير المستقر

أول ما يلفت الانتباه في كتاب الدكتور سامي مكارم هو عنوانه: “التقيّة في الاسلام”، يطرح هذا العنوان علامات استفهام كبيرة.
أولاً: هل أنَّ في الاسلام تقية؟…أم أن التقية هي في مذهب دون آخر من مذاهب المسلمين؟
ثانياً: هل أن التقية سلوك اسلامي مكتسب تحت ضغط ظروف وأوضاع طارئة واستثنائية، أم أنها في أساس العقيدة يمكن اللجوء اليها في حالة الشدّة أو في حالة اليسر وفي حالة القلق أو في حالة الاطمئنان؟ بمعنى هل أن ضيق صدر حاكم اسلامي معين، أو مجتمع اسلامي في ظروف معينة باجتهادات فقهية ما، دفعت بهذا الفقيه الى ابتداع التقية سلامة لأبدان اتباعه من الأذى ولإيمانهم من الانتهاك؟ ام أن التقية رافقت الدعوة الاسلامية منذ اشراقتها الاولى في مكة المكرمة وقبل الهجرة الى المدينة المنورة، واستمرت فيها وبعدها؟ وتالياً هل أن للمؤمن حق اللجوء الى التقية حتى من دون اكراه أو اضطرار؟
ثالثاً: هل أن اللجوء الى التقية يكون خوفاً من أذى الآخر وتجنباً لشرّه، أم أنه يكون ايضاً مراعاة لمحدودية الفهم عند بعض المؤمنين، ولعدم قدرتهم على استيعاب حقائق ايمانية كبيرة؟ أو يكون خوفاً من اساءة فهم هذه الحقائق وتالياً تحسباً من سوء عاقبة التعامل مع هذه الحقائق على غير ما يقتضي الحال؟
رابعاً: هل التقية اجازة – ورخصة – من الله للمؤمنين، أم أنها مجرد اجتهاد فقهي انساني أخذ به هذا العالم المجتهد وانكره ذاك؟
خامساً: اذا كانت التقية في الاسلام، كما يقول الدكتور مكارم، فهل ثمة تقية في الأديان الأخرى أيضاً؟ في المسيحية واليهودية تحديداً؟
سادساً: هل أننا جميعاً نمارس التقية من دون أن ندري؟ وهل أن انفتاح معرفتنا على هذه الحقيقة (التي حاول الدكتور مكارم أن يؤكدها من خلال استشهاداته الكثيرة بالآيات القرآنية الكريمة وبتفاسير أئمة كبار علماء المسلمين) سيغيّر من نظرتنا الى التقية بحيث نتعامل معها على أنها ركن من أركان فضائلنا الايمانية؟ ومن ثم نرفع عن أهلها الشك وسوء الفهم؟
اذا خرجنا من هذا الكتاب بإجابات ايجابية على هذه الأسئلة، فإن الكتاب يكون قد أحدث صدمة في الفكر الاسلامي داخل منظومة الثوابت الايمانية، ويكون قد فتح آفاقاً جديدة في الاجتهاد الفقهي وحتى في فقه الاجتهاد. وهذا حكم جريء.
في توطئته للكتاب يؤكد الدكتور مكارم على أمرين أساسيين:
الأمر الأول هو أن التقية هي من الأسس المهمة في الاسلام، وأن القاعدة الرئيسية هي ممارسة التقية، وأن الفرق الاسلامية التي لم تمارسها هي الفرق الشاذة عن القاعدة، وهذا يعني أن القاعدة عنده هي ممارسة التقية.
اما الامر الثاني فهو أن للتقية شروطاً شرعية وأصولاً ومقتضيات أقرّتها الشريعة الاسلامية، ولم يقل الدكتور مكارم أقرّها الفقه الاسلامي. وهذا استنباط جريء ايضاً.
لقد كان واضحاً أن الدكتور مكارم اعتمد تعريف ابن حجر العسقلاني للتقية، وهو تعريف يقول فيه “إنها الحذر من اظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير” (ص9). وهذا تعريف عام جداً. إلا أن الأمر المحدد والمهم، هو أن الدكتور مكارم اعتبر أن كلمة التقية تعني ما تعنيه كلمة تقاة الواردة في الآية الكريمة لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء الا ان تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والى الله المصير. (سورة آل عمران – الآية 28)
وجاء اعتباره هذا كما قال في (ص 9) إن اللغويين يجمعون على ذلك. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل يجمع على ذلك ايضاً الفقهاء؟ في محاولة غير مباشرة – ربما – للاجابة على هذا السؤال قال الدكتور مكارم (ص 11) “يمكننا القول إن الآيتين القرآنيتين اللتين انطلق منهما المفسرون على العموم عند تناولهم التقية في الاسلام هما الآية المذكورة آنفا والآية التي تقول من كفر بالله من بعد ايمانه الاّ من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (سورة النحل – الآية 106)

مخطوطة-لأخوان-الصفا-تعود-للقرن-الثاني-عشر
مخطوطة-لأخوان-الصفا-تعود-للقرن-الثاني-عشر
مخطوطة لكتاب إحياء علوم الدين لأبو حامد الغزالي العالم الذي وقف بقوة في وجه تيارات التأويل في الإسلام
مخطوطة لكتاب إحياء علوم الدين لأبو حامد الغزالي العالم الذي وقف بقوة في وجه تيارات التأويل في الإسلام

وقد نزلت هذه الآية في أحد المهاجرين من مكة الى المدينة (عمار) وقع في أسر الكفار، فقال لهم كلمة اعجبتهم تقية فخلوا سبيله. ولما وصل الى المدينة وأخبر الرسول (ص) بما حدث قال له رسول الله: “كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت؟ أكان منشرحاً بالذي قلت أم لا”. قال: لا. فنزلت الآية إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان.
ويؤكد الدكتور مكارم (ص 15) “أن معظم المفسرين اقروا بصورة مباشرة أم غير مباشرة، بأن المضطر يجوز له التقية إما قولاً وإما فعلاً تيسيراً له من الله لا تعسيراً، واجتناباً للقتل أو للحرج. واذا نحن نظرنا الى جميع الآيات المذكورة آنفا نرى أنه رُخِّص للمؤمن المطمئن قلبه للايمان أن يظهر الكفر تقية من الكافرين إن هم أكرهوه على ذلك.
يرى الدكتور مكارم أن آراء العلماء اختلفت في شأن التقية من حيث جوازها ووجوبها وامتناعها، ومن حيث أحكامها وشروطها، كما يرى أن الآراء تعدّدت وتشعبت في شأن اسباب التقية حتى أنها تجاوزت الاكراه الى أسباب أخرى كالرغبة في هداية العدو باستدراجه الى الايمان واتقاء استعدائه”. وقد نقل عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود أنه لا يرى جواز التقية خوفاً على النفس فقط، بل يراها تجنباً لأدنى اكراه يلحق بالمسلم (ص 22).
وفي اجتهاد الدكتور مكارم أن مصطلح “التقية” أو “التقاة” تعزز بمصطلحين قرآنيين آخرين هما مصطلحا “الظاهر” و”الباطن”. ويقول إنه “مع أن المفسرين اختلفوا على بعض التفاصيل عند تطرقهم لهذين المصطلحين اختلافاً كبيراً في بعض الأحيان فقد اتفقوا على أن “الظاهر” هو ما يعلن، في حين أن “الباطن” هو ما يخفى في القلب، وأن “ظاهر الشيء” هو حرفيته، وأن “باطن الشيء” هو حقيقته التي لا يصل اليها إلا اولئك الذين يتوخون الولوج في جواهر المعاني وما ترمي اليه وتشير، وذلك بتأويلهم النص دون الاكتفاء بمعناه الحرفي. وهم يقولون بأن هذا التأويل، أي ما يشير الى المعنى الاصلي، لا يعلمه الا الله والراسخون في العالم، لقوله تعالى وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكّر الا اولوا الالباب (سورة آل عمران – الآية 7).

محمدالسماك
محمد السماك

اختلف المفسرون حول قراءة هذه الآية الكريمة وليس حول نصها. هل “والراسخون” مبتدأ خبره الجملة الفعلية، “يقولون آمنا به…”، أي أن الوقف في القراءة يجب أن يكون بعد اسم الجلالة،
بحيث تقرأ الآية: وما يعلم تأويله الا الله. ثم تتبع البقية: والراسخون في العلم يقولون آمنا به… الى آخر الآية. وبذلك يقتصر علم التأويل على الله وحده دون “الراسخون في العلم”. اما القراءة الثانية فهي تجعل “الراسخون” معطوفة على اسم الجلالة، أي أن الوقف في القراءة يكون بعد “الراسخون” معطوفة على اسم الجلالة، بحيث تقرأ الآية: وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم. ثم تتبع البقية: يقولون آمنا به… الى آخر الآية. وكذلك يكون الله والراسخون في العلم يعلمون تأويله.
أدت القراءتان المختلفتان لنص واحد الى قيام رأيين متباينين كل التباين، رأي لا يجيز للناس تأويل القرآن مهما رسخوا في العلم، فعليهم اذاً أخذ معانيه بظاهرها وعلى حرفيتها، ورأي يجيز للراسخين في العلم تأويل الكتاب والأخذ بمعانيه الباطنة. الدكتور مكارم في كتابه يدافع عن الرأي الثاني ويتبناه.
هنا انتقل الى كتاب آخر جديد أيضاً وإن لم يكن في مستوى جدية ورصانة البحث العلمي الراقي والعميق الذي يتسم به كتاب الدكتور مكارم. مؤلف هذا الكتاب هو جمال بدوي من مصر وعنوانه “الفاطمية” (دار الشروق 2004) ورغم أنني أشك في صحة ما ذهب اليه، فقد أردت عرضه لأنه يعكس وجهة نظر أخرى ليست معاكسة فقط، ولكنها سلبية ايضاً.
يقول المؤلف: “نشأت الدعوة الفاطمية ونظّمت مبادئها السرية للمرة الأولى على يد جماعة من الثوريين الذين تظاهروا بالإسلام وعملوا على غزو العقيدة الاسلامية …، ونشر التأويلات التي يتأول بها دعاتهم على القرآن والسنة، واعتبار أن لكل شيء ظاهراً وباطناً، حتى القرآن الكريم نفسه، جعلوا له ظاهراً وباطناً، أما الظاهر: فهو دلالات ألفاظه العربية حقيقة او مجازاً، وأما الباطن فهو ما وراء هذا الظاهر أو هذه الدلالات، وهذا لا يفهمه إلا أئمة المذاهب. وهذا الباطن لا تقيّده دلالات الالفاظ العربية، ومعانيها اللغوية، وليس الظاهر سوى رموزاً واشارات لا يفهمها العوام، وقد أدت بهم هذه النظرة الباطنية الى تأويل معاني القرآن الكريم تأويلاً غريباً يتناقض ودلالات اللغة العربية”.
إن المقارنة بين أسباب التأويل وأهدافه كما وردت في دراسة الدكتور مكارم، وكما وردت في كتاب جمال بدوي، تكشف عن هوة معرفية عميقة، لا تزال تعمقها باستمرار معاول الجهل بالآخر والتشكيك به، ولا تزال الصور النمطية السلبية عنه التي زرعها هذا الجهل منغرزة في الثقافة العامة، ولا تزال تشكل الاساس الذي تبنى عليه الاتهامات وأحكام الادانة المسبقة.
من هنا الاهمية الاستثنائية في اعتقادي لكتاب التقية في الاسلام، من حيث أنه يوضح الفرق بين المسلم، أي المقرّ بالإسلام اقراراً ظاهراً يقتصر على اللسان ولا يتعدى القول، من جهة، والمؤمن، أي المصدّق بالإسلام تصديقاً لا يقف عند الاقرار الظاهر وإنما يتجاوزه الى الايمان الباطن والعمل في سبيل الله، من جهة أخرى. ومن هنا ايضاً تفسيره لذلك بقوله (ص 20) إن التقية قائمة على رحمة المسلم، فلا يعطى ما لا يستطيع تحمله من الحقيقة دفعة واحدة، بل يتلقاها بالتدريج حرصاً على رسوخها في قلبه وتمكّنه منها.
هنا لا بدّ من الاشارة الى أنه لا يوجد موقف اسلامي واحد من موضوع “الظاهر والبـــــاطن” (ص 43 – 53) ومن موضوع التقية. فهناك من تعامل معها بتساهل كالرازي مثلاً الذي أجازها حتى دفاعاً عن المال، وحتى بين المسلمين انفسهم وليس فقط بين المسلمين والمشركين. وهناك من تعامل معها بتحفظ كالطبري وابن كثير والبيضاوي. ولأن التقية لم تكن بالأمر النادر في التاريخ الاسلامي، فقد الف ابو بكر بن دريد “كتاب الملاحن” لكي يكون دليلاً للمكرهين على الكفر. فالتقية التي تمارس بكتمان الدين وحتى باظهار الكفر لا تؤدي الى الكفر. فالقاعدة هي “لا اكراه في الدين”.
واللا هنا نافية وليست ناهية فقط، بحيث لا يقتصر المعنى على الدعوة الى عدم اكراه الناس حتى يؤمنوا، ولكنه يتجاوز ذلك الى اقرار المبدأ الاساسي وهو أنه لا يكون هناك ايمان بالاكراه. وإذا كان الايمان ينتفي بالإكراه، فمن الأولى أن لا يكون هناك كفر بالإكراه. والرسول عليه السلام يقول: “إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه”. وهو الذي قال أيضاً “من رأى منكم منكراً فيغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”.

احترام الآخر واعتماد الكلمة الطيبة في الدعوة يلغيان حاجة المسلمين الى أن يكره بعضهم بعضاً على رأي عقدي أو سياسي فيضطر المكرَه الى مداراة المكرِه تقية

إفشاء الحقيقة لغير اهلها خطر لا يقل عن خطر منعها عن أهلها، وذلك تقية لصاحب الحقيقة ممن لا يقدرون على معرفتها، وتقية للحقيقة ممن ليسوا من أهلها، وتقية لمن ليسوا من اهلها إن يعميهم سطوعها فيصعقوا

وعلى اساس ذلك رأى حجة الاسلام الغزالي “وجوب ستر الحقيقة عمن هو محجوب عن تقبلها، فلا يعطى الا بقدر التهيؤ المعرفي.”
وقد نقل الدكتور مكارم عن بعض العارفين قولهم: إفشاء سر الربوبية كفر (ص 55). ويفسر الدكتور مكارم ذلك بقوله: “إن اعطاء الحقيقة، في نظر حجة الاسلام، يجب أن يكون في غاية من الحذر. فإفشاؤها لغير اهلها خطر كبير لا يقل عن خطر منعها عن أهلها، وذلك تقية لصاحب الحقيقة ممن لا يقدرون على معرفتها، وتقية للحقيقة ممن ليسوا من أهلها، وتقية لمن ليسوا من اهلها إن يعميهم سطوعها فيصعقوا”. وما اجمل قول الامام محمد بن ادريس الشافعي:
سأكتم علمــــــي عن ذوي الجـــهل طاقتـــي
ولا أنثـــر الـــدر النفيس علـــى الغنـــــــم
ولعل البحث الذي أورده الدكتور مكارم “عن قصة موسى عليه السلام والعالِم بما لم يكن موسى النبي على علم به كما وردت في القرآن الكريم” (ص 61 – 72) ما يكشف عن الكثير من أسرار الحكمة من وراء كتمان المعرفة عمن ليس اهلاً لها حتى ولو كان نبياً. ويمكن الرجوع الى التأويلات الذكية والعميقة التي توصل اليها الدكتور مكارم من خلال عرضه لوقائع تلك القصة المثيرة.
ولكن رغم كل التأصيل العلمي والأكاديمي المثبت بالمراجع الشرعية والاجتهادات الفقهية لمبدأ التقية في الإسلام، فإن الدكتور مكارم يرى أنه “بقبول الآخر والاعتراف به تبطل أسباب التقية إكراهاً، اذ يُقضى على الخوف من طغيان الاكثرية على الاقلية أو طاغوتيتها، فيفسح في المجال امام الاقلية أن تعبّر عن رأيها دون خوف أو تقاة”. إن الدكتور مكارم على حق عندما يقول إن انكفاء الاقلية عن المشاركة في الفكر بلجوئها الى التقية سبّب في الماضي ويسبب في الحاضر الشكوك المتبادلة بين افراد المجتمع، كما سبّب ويسبب ظهور “وحدات” اجتماعية متنافرة لا يربطها الا روابط واهية قائمة على الخداع الاجتماعي والرياء والتعالي والتكاذب والولاء الطائفي، وهي كلها صفات تسم المجتمع الاسلامي بالهشاشة والضعف والتفسخ.
اما كيف تنتفي حاجة المسلمين الى أن يكره بعضهم بعضاً على رأي عقدي أو سياسي فيضطر المكرَه الى مداراة المكرِه تقية، فبالعمل بما دعا اليه القرآن الكريم الى كلمة سواء – أي الى كلمة طيبة – كما يفسرها الدكتور مكارم. وهو يرى عن حق “أن الكلمة السواء تكون ناتجة عن المودة لا عن الكراهية، فتتجاوز اللسان الى القلب، فإذا هي تعبير عن الحقيقة التي تغذي الناس، كل على قدر ما هو عليه من صحة دينه وعقله، وعلى قدر ما هو مهيأ له من الارتقاء في مراقي الاسلام”.
وأودّ أن أردّد معه تأكيده على أنه “عندما تعم هذه الثقة المتبادلة بين المسلمين ولا يعود المسلم، الى أية فرقة أو مذهب انتمى، يشعر برفض الآخر له وتكفيره اياه وبرفضه وتكفيره الآخر، عندما يصل المسلمون الى قبول بعضهم بعضاً يصلون بالتالي الى قبولهم لمواطنيهم أجمع دونما فرق بين منتمٍ الى دين أو آخر”.
وأختم بأننا عندما نقول بحوار الحضارات لا تصارعها، علينا أن نبدأ بأنفسنا ومن داخل عقيدتنا وانطلاقاً من ثوابتها الايمانية. فالحوار من حيث هو البحث عن الحقيقة في وجهة نظر الآخر، يجب أن يكون سبيلنا الى احترام الاختلاف والمختلف معه، والى الاقرار بأن ايّاً منا لا يملك الحقيقة المطلقة وأن للمرء إلا ما سعى، وأن الله وحده هو عالم الغيب والشهادة. وهو وحده يحكم بيننا يوم القيامة في ما كنّا فيه مختلفين.

الاسكندر

رسالة الاسكندر الأكبر

أراد من حربه على الفرس أن تكون
«الحرب التي تنهي كل الحروب»

تضمّنت الحلقة الأولى من هذا البحث عرضاً لمسيرة وسجايا الاسكندر الأكبر كملك وكفاتح للعالم القديم. وهي مسيرة تجعل منه ظاهرة لم تتكرر في التاريخ الإنساني، إذ تمكّن ملك شاب في مطلع العشرينات من عمره وفي غضون أربع سنوات من تدمير الإمبراطورية الفارسية التي هيمنت لأكثر من 230 عاماً على العالم القديم كله، وامتد ملكها من مقدونيا غرباً ومصر جنوباً وحتى جبال الهندوس شرقاً. وفي هذه الحلقة الثانية والأخيرة سنتطرق إلى أهمية الرسالة الفلسفية والأخلاقية للاسكندر وللثورة الهائلة التي أنجزها في فترة وجيزة في البلدان التي أخضعها، فكان بذلك من صنف نادر من الملوك الذين أرفقوا الفتوحات بالإصلاح وخاضوا الحروب ليس بهدف تعظيم الملك واستعباد الشعوب أو نهب ثرواتها بل تحقيقاً لرؤية متوقدة تقوم على نشر قيم الفضيلة والعدل والتآخي الإنساني.

الاسكنـــدر أظهـــر كمـــلك الاحتـــرام لآلهـــة الإغريــــــق
لكنــــــه أظهــــــر في خصالــــــه كـــل صفـــات المؤمـــن والحكيـــم

كرّمـــه القـــرآن الكريـــم تحـــت اســـم ذي القرنيــــــن
واعتبــــــره ملكــــــاً صالحــــــاً يكلمــــــه الله ويفــــــوض إليــــــه أحكامــــــاً

التقــــــى في الهنــــــد المئــــــات من أمثــــــال ديوجينــــــوس
ووجــــــد شعوبــــــاً لا تقــــــل في حضارتهــــــا عن اليونــــــان

الأباطــــــرة الرومــــــان سعــــــوا لفــــــرض المسيحيــــــة ونواميسهــــــا
والتقليــــــل من أهميــــــة الارث الهيلينــــــي ومدارســــــه الحكميــــــة

الاسكنـــدر اختلـــف عـــن أرسطـــو ووافــــــق زينــــــون الرواقــــــي
فـــي سعيــــــه لإنشــــــاء حضــــــارة إنسانيــــــة واحــــــدة ومتآخيــــــة

علاقـــة أرسطـــو بالاسكنـــدر اقتصـــرت علـــى سنـــوات الدراســـة
وأثـــر عليهـــا انشغـــال المـــلك بالحـــروب والفيلســـوف بأكاديميتـــه

اهتـــم كثيـــراً بدراســـة الطـــب والنباتـــات علـــى يـــد أرسطـــو
وكـــان يصـــف ويصـــنع الـــدواء للمرضـــى مـــن أصحـــابه

من أبرز أقواله: أفضِّل أن أتفوق على الآخرين بالمعرفة والكمال
على أن أتفوق عليهم بجبروتي واتساع ملكي

كتـــاب «سر الأســـرار» أو رسائـــل أرسطـــو إلـــى الاسكنـــدر
وضـــع بالعربية فـــي القـــرن العاشـــر ولا علاقـــة لـــه بأرسطـــو

لقد جرى التركيز في تأريخ حياة الاسكندر الأكبر على شخصيته وإنجازاته كفاتح وكقائد عسكري ولم يتم إعطاء ما يكفي من الاهتمام لشخصيته كملك حكيم وكرسول إصلاح للبشرية. ويعود ذلك إلى سبب أساسي هو أن العالم الغربي وبعد تحوّل جوستنيان إلى العقيدة المسيحية سعى إلى فرض العقيدة الجديدة ونواميسها ومؤسساتها. ولهذا السبب فقد جرى منذ ذلك الوقت التقليل من أهمية الإرث الهائل الذي أطلقته الحضارة الهيلينية -وكذلك المصرية القديمة- بمدارسها الفلسفية وبمذاهبها الروحية المختلفة الثرية والمتسامحة، هذه المدارس التي يعود العالم اليوم ليستكشف بحارها مجدداً ويغوص في أعماقها وأسرارها، في وقت تعرضت فيه العقائد الرسمية إلى التأخر والجمود وفقدت الكثير من قدرتها على التأثير في الجانب الروحي والمعنوي لحياة البشر.
بالطبع إحدى الصعوبات في فهم العقيدة الحقيقية للاسكندر أنه من جهة، لم يكتب ولم يصدر عنه ما يكفي من الأقوال التي نقلت عنه، وتمثّل بالتالي، زاداً كافياً لفهم شخصيته الحميمة المتخفية وراء مظهر الحرب والشجاعة والفتوحات، إلا أن على من يريد الإحاطة بشخصية الاسكندر وفكره أن يتمعن في مسار حياته وخصوصاً مواقفه وأعماله التي سجّلها المقربون ثم المؤرخون الذين جاؤوا بعده. وهذا ما يؤكده بلوتارك الذي أشار في كتابه (موراليا) إلى أن الكلام الذي صدر عن الاسكندر أو أسلوب حياته وأفعاله أو التوجيه الذي كان يعطيه لجيشه وقواده وللمحيطين به، كل هذه العناصر تؤكد أنه كان فيلسوفاً ومالكاً لأسرار الحكمة، إضافة إلى ما اصطفاه به الله من سلطان وأيّده به من شرف ونصر على الأمم كلها.
بل أن بلوتارك اعتبر أن مهمة الاسكندر في الإصلاح البشري كانت أصعب من مهمة فلاسفة الأكاديمية لأن هؤلاء تحدثوا إلى مجموعات محدودة متجانسة وبلغتها، بينما تمكّن الاسكندر من أن يتحدث إلى شعوب عديدة متنافرة في ثقافاتها وبعضها متأخر جداً في عاداته، وأن يجتذب تلك الشعوب إلى قيم الحضارة الإنسانية وأن يصلح أخلاقها وقوانينها وأساليبها في الحكم. ويعطي أمثلة على ذلك منها، أن الاسكندر أقنع شعوب آسيا باحترام الرابطة الزوجية وعلّم سكان أراكوزيا (افغانستان حالياً) كيف يحرثون الأرض، كما علّم شعوباً متأخرة في آسيا كيف يحترمون أهلهم ولا يقتلونهم، والفرس كيف يقدسون أمهاتهم فلا يأخذونهن زوجات، وعلّم شعوب آسيا الوسطى كيف يدفنون موتاهم. وقد أنشأ الاسكندر خلال الفترة الوجيزة لملكه 70 مدينة في مختلف أنحاء العالم القديم وعيّن المفكرين والقانونيين والقادة على الأمصار الجديدة بهدف نشر قيم العدل والأخلاق التي اعتبرها أساس التحضر والاجتماع الإنساني.
رسالة العالمية
يلاحظ بلوتارك أن الاسكندر اتّخذ طريقاً مختلفاً عن أرسطو ونظريته في تفوق الجنس اليوناني ووافق أكثر نظرة زينون الرواقي الذي اقترح في كتابه «الجمهورية» بناء نظام عالمي يكون البشر فيه جميعاً إخوة، «كما لو كانوا قطيع خراف يشترك في المرعى الواحد». ومن أجل حفظ هذا الكون المتآخي اقترح زينون في كتابه تطبيق نظام قانوني واحد على مختلف شعوب أهل الأرض، بحيث تكون تلك الشعوب إنسانية واحدة بل مجتمعاً سياسياً واحداً.
وقد نظر الاسكندر إلى نفسه باعتباره مرسلاً بإرادة سماوية من أجل توحيد الإنسانية، لذلك فإن الذين كانوا يقاومون فكرته كان يهزمهم في ساحة القتال ثم يدعوهم إلى أن يكونوا جزءاً من رؤيته الكونية.
دعا الاسكندر رعايا مملكته الكبيرة جميعاً لأن يعتبروا الأرض كلها وطنهم وأن يعتبروا المملكة الجديدة حماهم والإطار الطبيعي لأمنهم ولإزدهار حياتهم وحياة الأجيال التالية. وفي مصر استقبل الاسكندر استقبال الفاتحين بسبب نقمة المصريين على الفرس، بسبب الضرائب الباهظة التي فرضوها عليهم، وكذلك بسبب عدم تعاملهم بالاحترام المطلوب مع عقيدتهم وشعائرهم ومقدساتهم.
واعتبر الاسكندر أن ما يجب أن يميّز اليوناني عن الآخرين ليس اللباس ولا السيف ولا الدرع بل هو الفضيلة. أما الأجنبي عن المملكة الجديدة فليس الفارسي ولا الهندوسي ولا البختياري بل هو الإنسان الجائر والمفتقد للفضائل الإنسانية. أما مقومات الحياة الأخرى مثل الطعام والشراب والزواج وأسلوب الحياة فيجب أن ينظر إليها كثقافة واحدة يشترك فيها الجميع عبر روابط الزواج والأولاد.
بعد قليل من إسقاطه للإمبراطورية الفارسية، قام الاسكندر بترتيب زواج نحو 10 آلاف من ضباطه وجنوده إلى نساء ينتمين إلى البلاد التي فتحها، وخصوصاً بلاد فارس، وهو سمح للجنود أن يعودوا إلى مقدونيا، لكنه احتفظ بزوجاتهم في بلدانهن، وكان يأمل أن يتشكل من الأولاد الذين سيولدون من تلك الزيجات المختلطة جيش يكون هو الأساس الذي ستبنى عليه الإمبراطورية الموحدة (أو ما يمكن اعتباره الكومنولث العالمي) وصفاتها الجامعة الجديدة.
وعندما كان في إيسوس، وبعد أسبوع من نصره الحاسم على جيوش داريوس نصب الاسكندر خيمة ضخمة حوّلها إلى مسرح لزواج جماعي بين مائة من قواده ومائة من نساء فارسيات. وقد نقل بلوتارك في كتابه عن حياة الاسكندر صورة حيّة عن أجواء ذلك الاحتفال، الذي أقيم على أثر المعركة، إذ قام الاسكندر بنفسه باصطحاب المحتفى بهم وكان أول من أطلق نشيد الزفاف ووجهه يطفح بشراً. وقد كتب ديماراتوس الكورنثي في ما بعد في تعليق على ذلك المشهد نقداً لاذعاً لأباطرة الفرس الذين أضاعوا عمرهم والموارد الهائلة في محاولة ربط أوروبا بآسيا عبر جسر فوق مضيق الدردنيل. «أخاطبك الآن أيها الملك الأحمق قورش الذي أنفق الجهود العقيمة والموارد في سبيل إنشاء جسر ضخم على الهلسبونت (الدردنيل حالياً). ألا فلتنظرجيداً!!، ذلك هو أسلوب الملوك الحكماء في جمع آسيا وأوروبا. ليس بصفوف الجسور الخشبية العائمة ولا بواسطة الأربطة الجامدة التي لا حياة فيها، بل عبر الرابطة العفيفة للزواج والفرح المشترك والأولاد هم يجمعون الشعوب بعضها إلى بعض.
بناءً على ذلك، اعتبر بلوتارك أن رسالة الإصلاح وحكمة الفيلسوف كانتا الدافع الأساسي لحملة الاسكندر الآسيوية وليس مجرد فتح الأمصار. لأنه «قاد رجاله وتحمل أقصى المخاطر والمشقات ليس من أجل أن يكسب لنفسه حياة العظمة والثراء، بل من أجل أن يحقق التوافق بين البشر ويفرض السلم ووحدة المصالح بينهم»، أي أنه أراد من حربه أن تكون الحرب التي تنهي كل الحروب. ولهذا السبب، فإن الاسكندر لم يتصرف مع الشعوب التي قهرها عسكرياً كتصرف الغازي أو تصرف الطغاة الذين يدمرون وينهبون، وقد كان ذلك الأسلوب شائعاً في الحروب في زمنه، لكنه حافظ على تلك البلاد كما لو كانت جزءاً من مملكته الموحدة وسعى فعلاً الى نشر الحضارة فيها وإسعادها وإصلاح شأنها، وبالتالي زرع الخير وبركات لا تمّحى في حياتها ومستقبل أجيالها.

كان يعلّي من قيم الشجاعة واحتقار الموت والشرف وزجر النفس وضبط أهوائها، وكان مقلاً في الطعام يهب الكثيـــر للآخرين ولا يبقي لنفســـــه إلا القلــــيل

الإسكندر-الأكبر-يدخل-بابل-
الإسكندر-الأكبر-يدخل-بابل-

أحد الأمثلة الساطعة التي تضرب على التوجه البعيد النظر الذي أظهره الاسكندر فور سيطرته على أكثر العالم القديم، هو محاولته التقريب بين الحضارتين اليونانية والفارسية بوسائط مختلفة منها (إضافة إلى تشجيع الزواج المختلط) التقريب في طريقة اللباس بما يؤدي إلى ظهوره هو كملك للفرس واليونانيين في آن. ويذكر ديودوروس سيكولوس أن الاسكندر «ارتدى قفطاناً ملكياً فارسياً ولبس تحته الثوب الفارسي الأبيض وألقى عليه الوشاح وكل ما عداه باستثناء السروال والسترة ذات الأكمام الطويلة، ثم أعطى لقواده عباءات ذات حواشٍ باللون الأحمر الفارسي كما ألبس خيله الأطقم والأسرجة الفارسية. وعبّر الاسكندر بذلك عن احترام لثقافة الشعب الذي بات الملك المطلق عليه. ويبدو أن سياسات الاسكندر هذه لاقت قبولاً كبيراً في الوسط الفارسي الذي قبله فعلاً كملك، إلا أنها اصطدمت كما يبدو بالتصلب المقدوني واليوناني وتمسك الكثيرين من أركان الاسكندر بالثقافة الهيلينية ورفضهم إخضاعها لتسويات تنتقص من صفائها. وسيكون الجدل حول هذه الأمور من بين أسباب الخلافات بين الاسكندر وبين عدد من أعوانه والمقربين منه، بل إنه سيؤدي في وقت ما إلى ما اعتبره الاسكندر مؤامرات استهدفته وانتهت بمحاكمات وبإعدام عدد من قواده، وبعض الذين كانوا مقربين منه.

فتوحات-الاسكندر-الأكبر-وإمبراطوريته
فتوحات-الاسكندر-الأكبر-وإمبراطوريته

عقيدة الاسكندر
على الرغم من وجود نوع من «العقيدة الرسمية» للمجتمع، فإن العصر اليوناني زاخر بالأمثلة على وجود تنوّع في العقائد والتفكير الديني استفاد من مناخ الحرية الفكرية وحرية الاجتهاد التي جعلت لكل فيلسوف في ما بعد مدرسة ونظرية في الوجود والكون وطبيعة القوة التي تحكمه. قد نشأ اتصال أكيد بين العديد من فلاسفة الإغريق وبين فكرة التوحيد، خصوصاً بسبب تأثير أفكار الحكمة المصرية، إلا أن المجتمع الإغريقي، كغيره من المجتمعات القديمة كان يضم من جهة عقائد العامة، والتي تركّزت على منظومة الآلهة التي بنيت حولها الميثولوجيا الإغريقية، إلا أنه ترك المجال واسعاً من جهة ثانية لنشوء مدارس التفكر والتأمل الميتافيزيقي في الوجود وأسراره، وهذه المدارس أنجبت حكماء وفلاسفة توصلوا إلى التوحيد عن طريق التأمل العقلي، ومن بين هؤلاء حكماء عظام مثل فيثاغوراس وسقراط واللذين يعتبر إختبارهما أقرب شيء إلى الاختبار الحكمي أو الصوفي الذي توصل إليه أعلام للتوحيد برزوا في تقليد الفيدانتا الهندوسية أو التاوية الصينية أو التصوف المسيحي والإسلامي.
ومن الملفت فعلاً أن يكون حكماء مثل فيثاغوراس قد حرصوا على كتم عقيدتهم وتعليمهم التوحيدي بسبب تناقضه مع عقائد العامة، أما سقراط الذي اتبع منهج الحوارات من أجل نشر حقائق «التصوف الإغريقي» إذا صحّ التعبير، فقد جاهر كما يبدو ببعض آرائه وتعرض من جراء ذلك لحملة من غوغاء أثينا أدت إلى الحكم عليه بالموت بتهمة «زعزعة عقائد الأجيال الشابة». وتعرض فيثاغوراس نفسه في حياته إلى حملات اضطهاد، كما تعرض أتباعه من بعده إلى محنة حقيقية اضطرتهم إلى ستر عقائدهم وتداولها سراً قروناً من الزمن. لكن يستنتج من النفوذ الكبير الذي كان للفيثاغورسية لوقت طويل في اليونان القديمة، وكذلك لشعبية المعلم سقراط ثم تلميذه أفلاطون أن فكرة التوحيد بمعناها الصوفي لم تكن غريبة عن أوساط النخبة وإن كانت بعيدة عن عقيدة العامة. لكن التوحيد في اليونان القديمة اتخذ منحى فلسفياً، وكان نتاج التفكر والتأمل والحوارات الجدلية للنخبة، وهو في أحسن حالاته لم يكن سوى عقيدة أقلية وليس ديناً.
في هذا الإطار، طرح السؤال تكراراً حول عقيدة الاسكندر وجاء الجواب غالباً أنه كان «وثنياً»، وأنه كان يعبد آلهة الإغريق. ولا يوجد بين العديد من المصادر الغربية من قدّم صورة مقنعة عن عقيدة الاسكندر باستثناء ما روي عن احترامه الشديد لآلهة الإغريق ولمعتقداتهم. وبالطبع ينسجم تصنيف الاسكندر هذا مع التعميم الذي نشأ بسبب قيام المسيحية بين ما هو قبل ميلاد ورسالة السيد المسيح وبين ما جاء بعده. فالتعريف هنا تاريخي أكثر منه تعريف محدد لمعتقدات الاسكندر التي لا يوجد دليل تاريخي يمكن أن يوضح حقيقتها.
فمن جهة، كان مشروع الاسكندر الذي استهدف توحيد الممالك اليونانية تحت رايته يتطلب الضرورة منه أن يظهر كل الاحترام لمعتقدات العامة، ولا يوجد في هذا الموقف المتعقل ما يشير بأي حال إلى ما كان يجول في ضمير الملك أو إلى قناعاته الخاصة. أضف إلى ذلك أن الاسكندر في سعيه إلى توحيد شعوب مملكته الواسعة أظهر الاحترام نفسه لثقافة الفرس والشعوب التي قهرها، ومن المؤكد أنه لم يكن ليفرض عليها تبديل معتقداتها، وكان سيظهر الاحترام لتلك المعتقدات. لكن وفي ما عدا احترامه لمعتقدات العامة، فإن كل ما ظهر من الاسكندر يدلّ على أنه كان متقدماً جداً في تفكيره، وأنه كان بالدرجة الأولى محباً للحكمة، متعلقاً بالزهد والصالحين. وقد كان أول ما فعله بعد اعتلاء العرش ليس تقديم القرابين أو عقد الاحتفالات الطقسية، بل زيارة الحكيم الزاهد ديوجينوس والاجتماع به على قارعة الطريق، حيث كان يجعل منزله صندوقاً خشبياً صغيراً. ومن الصعب أن لا يرى المرء في تلك المبادرة إشارة مهمة من الاسكندر على احترامه للحكمة وعلى تعلّقه بها، وهو الذي أعرب عن احترامه الشديد لهذا الزاهد مخاطباً إياه بالقول: «لو لم أكن الاسكندر لكنت ديوجينوس». وقد شرح بلوتارك معنى هذا القول الاسكندري بالقول إن الملك عقد مقارنة بين ديوجينوس الزاهد لكن الذي لا يستفيد من علمه إلا قليل وبين الرسالة التي أعدته الأقدار لها، وهي نشر الخير والصلاح في العالم عن طريق العمل والفتوحات وتعليم المجتمعات.
والواقع أن حكمة الاسكندر وروحانيته المكتملة تجسدتا بالدرجة الأولى في سيرته وأعماله وفي خصاله، كما تجسدتا أيضاً في التعليم الذي أعطاه سواء بالقول أو بالمثال. وقد نقل عنه أنه كان يعطي أهمية كبيرة لقيم الشجاعة واحتقار الموت والشرف وزجر النفس وضبط أهوائها والتضحية بالذات، وأنه كان مقلاً في الطعام وكريماً يهب الكثير للآخرين، ولا يبقي لنفسه إلا القليل، كما أنه عرف باجتنابه أعمال المجون التي كانت شائعة بين معاصريه وعفته في التعامل مع النساء.
وعرف بأنه دمث الخلق، نزيه في التعامل، وفيّ لأصحابه، كريم من دون تبذير، قاطع وسريع في تنفيذ ما يعزم عليه، وكان شريفاً يرتفع بسمو وكبرياء فوق الصغائر ودناءات النفوس. وقد كان سلوكه ملكياً في كل مناسبة وكان حليماً صبوراً، لكن كان في قوته ومهابته مثل أسد هصور. كما أنه كان عنيفاً في معاملة الأشرار، رحيماً في التعامل مع البائس والمضطر. وفي كل ما يتعلق باهتمامات البطولة والقتال والنصر في المعارك كان الاسكندر شعلة من حماس ملتهب وقوة جسدية خارقة لكنه في الوقت نفسه لم يكن مهتماً بتعظيم نفسه كما كانت حال ابيه الملك فيليب، كما أنه لم يكن ليعبأ كثيراً بأبطال القوة الجسدية ومنافسات الرياضة بقدر ما كان يرسل ماله لتكريم كتّاب المسرح والموسيقيين والممثلين. وقد كان يتحمس لأي شكل من أشكال الصيد أو المبارزة على الخيل لكنه لم يشجع ابداً ألعاباً عنيفة مثل الملاكمة أو لعبة المصارعة الحرة.

لوحة-فسيفساء-وجدت-في-أطلال-مدينة-بومبي-الإيطالية-تظهر-الاسكندر-مهاجما-وداريوس-الخائف-يستعد-للانسحاب
لوحة-فسيفساء-وجدت-في-أطلال-مدينة-بومبي-الإيطالية-تظهر-الاسكندر-مهاجما-وداريوس-الخائف-يستعد-للانسحاب

إضافة إلى شجاعته الاسطورية، فإن أهم عناصر شخصيته الملكية كانت الرقي والتواضع الطبيعي. وقد كان الاسكندر مهذباً ولبقاً يجانب اللغو ويكتفي أحياناً بموقف المستمع. ولم يكن به أي ميل لإظهار قوته أو للطغيان، وقد كان يوماً بين الحضور لمباراة بين فرقتين مسرحيتين مشهورتين في اليونان وقد صوتت لجنة التحكيم، كما يبدو للفرقة التي لم يكن يؤيدها الاسكندر وخسرت الفرقة التي يرعاها. وقد علّق الملك بعد ذلك أنه كان يفضل خسارة نصف مملكته على أن تخسر تلك الفرقة التي كان يفضلها، أي أن الاسكندر الذي دانت له الأرض قبل ببساطة قرار لجنة التحكيم ولم يحاول أبداً التدخل لصالح الفرقة التي كان يميل إليها.

شهامة في الحروب
في حروبه مع الفرس، أظهر الاسكندر أعلى درجات الشهامة والأدب في التعامل مع الخصوم فهو مثلاً أمر بترتيب مراسم دفن واحدة لقتلى الفرس والمقدونيين بعد معركة غرانيكوس، وهي الأولى التي واجه فيها الجيش الفارسي وأوقع به خسائر كبيرة، كما أنه أظهر خصاله النبيلة في التعامل مع عائلة داريوس التي وقعت في الأسر خلال معركة أيسوس بعد فرار الملك الفارسي. إذ جرت معاملة أفرادها معاملة الملوك مع كثير من الرفق والتبجيل، وقد أدت تلك العلاقة إلى قيام رابطة محبة قوية بين أسرة الملك الفارسي والاسكندر إلى حد أن والدة داريوس سيسيغامبيس رفضت الطعام وماتت من الحزن بعد أيام فقط من تلقيها نبأ موت الاسكندر.
عندما أعجب ببروكسانا ابنة أحد أمراء فارس الآسيوية والذي قهره الاسكندر، لم يلجأ الملك إلى استرقاقها وقد أصبح ملك العالم وكانت هي علمياً أسيرته بل عرض أن يتزوجها. كذلك عندما بلغ المكان الذي قتل فيه داريوس ووجد الملك القتيل وقد اخترقت جسده الرماح لم يكن ردّ فعله العفوي التعبير عن أي مظهر من مظاهر الفرح بنهاية خصمه الذي خاض الحروب القاسية لإلحاق الهزيمة به، بل كان أن خلع بمهابة وحزن رداءه وغطى به جسد الملك المسجى، وهو استتبع ذلك بإعطاء أرفع مظاهر التكريم للملك الصريع وترتيب جنازة ملكية له وضمان دفنه في عاصمة مملكته في برسبوليس.
يشير المؤرخون أيضاً إلى أن الاسكندر استنكر اقتراحاً من قواده بشن هجوم ليلي على معسكر داريوس الثالث عشية المعركة الفاصلة في غاوغاميلا (أربيل كردستان حالياً)، إذ أنه اعتبره يناقض مبدأ الشرف وإعطاء الخصم فرصة متكافئة للمواجهة في ميدان القتال (قارن ذلك بأخلاق الحروب والسياسة في أيامنا)، كما أنه قمع بشدة بعد أن دانت له مملكة فارس أي محاولات من الجاليات اليونانية التي كانت تعيش في الإمبراطورية الفارسية للانتقام من الفرس أو الافتئات عليهم وعلى حقوقهم.
والواقع أن هناك ما لا يحصى من الروايات التي تظهر شخصية الاسكندر الفذة والآسرة للقلوب، ومن السهل لذلك لأي متابع أن يرى في هذه الصفات والمناقب خصالاً لا يتمتع بها إلا النادر من أهل الحكمة والحصافة والرشاد، وهي بالتالي لا بد أنها تقدم أوضح مؤشر على حقيقة إيمان الاسكندر وسره الذي لم يطلع عليه أهل زمانه. لكن أحدى كرامات الاسكندر أن الإرادة الربانية ستمن على هذا الملك الحكيم في ما بعد بأعظم تكريم، إذ سيرد ذكره في القرآن الكريم في سورة الكهف مشاراً إليه بـ «ذي القرنين». وهو اسم اتفق أكثر المجتهدين والمفسرين وكتّاب السيرة وعلى رأسهم ابن هشام على أنه الاسكندر المقدوني. وقد أشار القرآن الكريم إلى «ذي القرنين» بعبارات جعلت المفسرين يعتبرونه ولياً إذ جاء فيها تأكيد الله جل وعلا على التأييد الذي منحه للملك } إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا{ (الكهف:84) قبل أن يشير المولى جل وعلا إليه بصيغة المخاطبة وبلغة الوحي إذ قال } قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا{ (الكهف:86) وهذا شرف ما بعده شرف لم يحظَ به إلا بعض الأنبياء من الذين خاطبهم الله في القرآن مباشرة أو وحياً. وفي هذه الآية يفوض الله لمن يعتقد أنه الاسكندر الأكبر أن يقرر أسلوب التعامل مع ذلك الشعب الذي يذكر القرآن الكريم أن ذا القرنين صادفه في مسيرته بين مشرق الأرض ومغربها.
صحيح أن تعيين هوية الملك الذي أشار إليه القرآن الكريم بإسم «ذي القرنين» بقي عرضة للاجتهاد، إذ قال بعضهم إنه قورش الكبير أو إنه ملك يمني من حمير أو غير ذلك لكن أكثر المجتهدين والمفسرين الذين يعتمد عليهم مالوا إلى اعتبار أن المقصود بـ « ذي القرنين» ليس سوى الفاتح المقدوني. وفي ضوء ذلك، فإن الاسكندر الأكبر يصبح في تعريف القرآن، ليس فقط مؤمناً، بل ملكاً مختاراً ومقرباً. وقد ذكر ابن هشام أن تسمية الاسكندر بـ «ذي القرنين» اعتبرت إشارة إلى فتحه للعالم بشرقه وغربه أو امتداد ملكه بين أوروبا من جهة والقارة الآسيوية من جهة مقابلة.

علاقة الاسكندر بمعلمه أرسطو
لم يكن الملك فيليب ليصرف وقتاً على تربية ولده الاسكندر، وذلك بسبب انشغاله الدائم بالحروب والحملات الخارجية. لذلك قرر أن يعهد به إلى الفيلسوف أرسطو الذي كان بدوره تلميذاً لأفلاطون الحكيم، علماً أن افلاطون كان من أبرز مريدي المعلم سقراط، وبهذا المعنى فقد كان الاسكندر متصلاً بسلسلة فريدة من سلاسل الحكمة والمعارف بدأت بسقراط ثم بأفلاطون ثم بأرسطو. هذه السلسلة من الحكمة التي ضمت بعض أعظم حكماء العصور صبت عند الاسكندر في تواتر يكتسب في حد ذاته دلالة كبيرة ويشير إلى عظمة الرجل.

مقبرة-قورش-مؤسس-الإمبراطورية-الفارسية
مقبرة-قورش-مؤسس-الإمبراطورية-الفارسية

الصفات والخصال التي أظهرها لا يتمتع بها إلا النادر من أهل الحكمة وهي تقدم أوضح مؤشر على حقيقة إيمان الاسكندر وسرّه الذي لم يطلع عليه أهل زمانه

مرحلة الدراسة
درس الاسكندر على يد أستاذه في مييزا في مقدونيا مع عدد من الأمراء وأبناء النبلاء الذين سيصبح قسم منهم أصدقاءه وجنرالات في جيشه ويطلق عليهم اسم «الرفاق»، كما سيرتقي بعضهم ليصبحوا حكّاماً وملوكاً في ما بعد. وبالنظر إلى طبيعة التلامذة الذين أرسلوا بهدف إعدادهم للحكم فقد كانت المادة التي يقدمها الفيلسوف اليوناني مادة كلاسيكية ومتفقة مع ما كان مطلوباً لتهيئة طلابه للحياة العامة، ولم تكن علاقة أرسطو بتلامذته بالتالي كتلك التي نشأت بين حكماء اليونان ومريديهم. كما أن المادة التي درسها أرسطو لم تكن الفلسفة مادتها الأولى بل كانت مجموعة من العلوم التي تضمنت السياسة والأخلاق والرياضيات والدين وعلم الفلك والمنطق والشعر والبلاغة، وكان فن الخطابة والجدال المنطقي (دحض الحجة بالحجة) من أهم الفنون التي يتم تدريب حكّام المستقبل على إتقانها.
ويبدو أن اهتمام الاسكندر تركز على فرع خاص من العلوم هو العلوم الطبيعية والطب الذي كان أرسطو أحد أساطينه وهو أعدّ كتاباً عن عالم الحيوان وآخر عن عالم النبات، ولم يكن اهتمام الأمير الشاب بالطب ترفاً فكرياً بل بغرض عملي، إذ أن الاسكندر تعلم الطب وكان طيلة حياته يصف الأدوية ويصنعها للمرضى من أصدقائه ومعارفه. وعندما بدأ الاسكندر حملته على آسيا، فإنه كان متأثراً بأرسطو، فقد حرص على أن يصطحب معه مجموعة كبيرة من علماء الحيوان والنبات والذين عادوا من آسيا بمعلومات ونماذج ساعدت في تحقيق كشوفات علمية مهمة على أصعدة علم الحياة والزراعة والطب.
مكث الاسكندر في مدرسة أرسطو ثلاث سنوات إلا أن والده اضطر سنة 340 ق.م. للتوجه على رأس حملة عسكرية لإخضاع إحدى الممالك المتمردة شمال شرق مقدونيا (Thrace)، لهذا فقد طلب الملك فيليب من ابنه ذي الستة عشر ربيعاً قطع دراسته والعودة إلى بيلا عاصمة المملكة ليشغل منصب نائب الملك والحاكم الفعلي للمملكة أثناء غيابه.

الفيلسوف-أرسطو-أشرف-على-الاسكندر-الشاب-لكن-الملك-احتفظ-بشخصيته-وآرائه-المستقلة
الفيلسوف-أرسطو-أشرف-على-الاسكندر-الشاب-لكن-الملك-احتفظ-بشخصيته-وآرائه-المستقلة

بين الملك والفيلسوف
بالنظر لإقامته القصيرة في مدرسة أرسطو وطبيعة البرنامج الذي خضع له مع زملاء له، فقد نشأ تباين بين المؤرخين في تقدير حجم التأثير الذي مارسه المعلم على تلميذه فمنهم من يعتقد أن أرسطو مارس تأثيراً مهماً على الاسكندر خصوصاً في مجال علم السياسة وإدارة الدولة والمنطق وبصورة عامة في العديد من النواحي التي ساعدت على تكوين رؤيته للعالم. وقد بلغ من تعلق الاسكندر بمعلمه أرسطو أن اعتبره بمثابة والده الروحي وهو كان يعقد المقارنة دوماً بالقول إن والده الطبيعي منحه الحياة بينما ساعده أرسطو على أن يعيش تلك الحياة بصورة أفضل.
إلا أن من المؤرخين من يعتقد أن السنوات الثلاث التي قضاها الملك الشاب في مييزا وإن كانت قد زودته بنظرة إلى العلوم الأساسية والنظرية التي كان يدرِّسها أرسطو، إلا أنها لم تكن العامل الأساسي في تكوين شخصيته الفذة، وهو الذي كان أظهر علامات العبقرية والتفرد منذ صغره. حجة هذا الفريق أن الشجاعة المذهلة للاسكندر في الحروب واحتقاره للموت وخصاله الملكية الرفيعة وعبقريته العسكرية لم تكن نتيجة الدرس في كتب، بل كانت ملكات طبيعية ولدت معه وتفتحت بسرعة ربما في سياق القدر الذي كتب له أن يلعبه في مسيرة البشرية. إلا أن العامل الأهم الذي اعتبره المؤرخون دليلاً على استقلال الملك بآرائه عن معلمه هو التباين بين نظرة السيادة اليونانية التي تبنّاها الفيلسوف وبين النظرة العالمية للاسكندر. إذ اعتبر أرسطو كغيره من الفلاسفة اليونانيين في زمانه أن اليونان هي النموذج الوحيد للحضارة الإنسانية في العالم بينما نظر إلى الشعوب الأخرى باعتبارها من صنف البرابرة الذين لا يوجد لهم أي اهتمام بما يتعدى الحاجات الطبيعية الأساسية والبعيدين بالتالي عن أي فهم للشؤون الروحية والفكرية السامية التي بنيت عليها الحضارة الهيلينية. وبناء على تلك النظرة فقد اعتبر أرسطو أن تلك الشعوب ليست مؤهلة لأن تمارس حقوق المواطنة أو أن تمنح مؤسسات كالتي تقوم عليها حضارة اليونان، ولهذا فهو نصح تلميذه الاسكندر بأن يميّز في المعاملة بين اليونانيين وبين «الشعوب البربرية» التي أخضعها فيكون ملكاً على اليونانيين يعاملهم كأصدقاء وكمواطنين ويكون حاكماً مستبداً على البرابرة الذين يتم إخضاعهم. ويشير بلوتارك إلى أن الاسكندر افترق عن معلمه في هذا الشأن إذ كان قد طور آنذاك رؤيته السباقة لمجتمع عالمي واحد يسوده السلام وتدار أموره بعقلانية واحدة وقوانين واحدة وعدالة لا تفرق بين يوناني وأجنبي.

تأثير كتاب «سر الأسرار»
تختلف الصورة السابقة بالطبع عن النظرة التي استقرت لفترة طويلة عن العلاقة الوثيقة بين أرسطو والاسكندر وخصوصاً تأثير الأول على الثاني. وهي صورة تعود ربما وبالدرجة الأولى إلى عامل تاريخي هو التأثير الذي مارسه الكتاب المعروف بإسم «سر الأسرار» أو «السياسة والفراسة في تدبير الرئاسة» في التصور العام للعلاقة بين الرجلين. والكتاب المشار إليه موضوع، وقد نسب عدة قرون إلى أرسطوطاليس وتمّ تداوله بلغات عديدة باعتباره رسائل بعث بها الفيلسوف اليوناني إلى «تلميذه قائد اليونان الأكبر الاسكندر ذي القرنين». ويتضمن الكتاب الكثير من العلوم والفروع التي يفترض أن أرسطو سطرها خصيصاً لتلميذه وخصوصاً في السياسة وإدارة الحكم وجاء في مقدمة الناسخ أن الاسكندر «استوزر أرسطو وارتضاه واستخلصه واصطفاه»، كما جاء فيه أن الاسكندر تمكن من أن يسود العالم بسبب أنه اتبع رأي الفيلسوف «فلم يخالف له قولاً ولم يعصِ له أمراً»، وبالطبع فإن هذا التقديم للكتاب وحده كافٍ ليجعل من الاسكندر تلميذاً نجيباً للفيلسوف بل صنيعة له وتابعاً.
لكن من المتفق عليه أن كتاب «سر الأسرار» الذي لا يوجد له أصل باليونانية منحول ولا صلة له بالتالي بالفيلسوف اليوناني. وقد وضع الأصل باللغة العربية في القرن العاشر الميلادي وظهرت أول ترجمة لاتينية له عن العربية في منتصف القرن الثاني عشر. لكن على الرغم من ذلك، فإن نسبة الكتاب إلى أرسطو جعلت له تأثيراً كبيراً في القرون الوسطى فترجم إلى اللاتينية أولاً ثم إلى العديد من اللغات الغربية. إلا أن الاهتمام به ضعف كثيراً منذ منتصف القرن السادس عشر بعد أن تأكد أنه موضوع.
أضف إلى ما سبق أن تواصل الاسكندر مع أستاذه توقف بعد قليل من اعتلاء الملك لعرش مقدونيا وبدء حملته الآسيوية المضنية، إذ أن الاسكندر انشغل بالتحضير للحملة بينما غادر أرسطو مقدونيا إلى أثينا بهدف تأسيس أكاديميته (ليسيوم) سنة 335 ق.م. أي بعد سنة فقط من اعتلاء الاسكندر لعرش مقدونيا سنة 336 ق.م. وهو لن يجتمع به أبداً بعد ذلك طيلة الفترة الأهم من حياته وهي الحروب الآسيوية التي ستمتد لـ 12 عاماً وحتى وفاة الملك المقدوني سنة 323 ق.م. وبهذا المعنى، فإن الاسكندر الذي أمضى بقية حياته في الجبهات لم يكن ممكناً له أن يستوزر أرسطو، ولهذا فإن المعروف من تأثير الفيلسوف على الاسكندر هو ما يتصل بمرحلة التعليم التي خضع لها الأمير الشاب في صباه. فضلاً عن ذلك، فإن العلاقة بين الرجلين أثر عليها أيضاً النضج السريع الذي اكتسبه الملك الفاتح خلال حملاته واحتكاكه بمختلف أنواع الشعوب وتعرفه على المدى الشاسع لجغرافية آسيا، وقد أدت تلك الاختبارات إلى إغناء الرؤية المستقلة التي كانت للاسكندر، والتي ازدادت نضجاً ووضوحاً مع الزمن.

 

كتاب سر الأسرار المنسوب لأرسطو
كتاب سر الأسرار المنسوب لأرسطو

سر الاسكندر
اعتبر الاسكندر في زمنه ظاهرة تعلو على الطبيعة الإنسانية فقدسه معاصروه من اليونانيين، كما فعلت ذلك أيضاً بعض الشعوب التي أخضعها الملك. وقد اتسع تقديس الاسكندر بعد وفاته ليدخل في العقائد اليهودية والمسيحية، كما اعتبر ذكره المطول في سورة الكهف من القرآن الكريم تثبيتاً لمكانته كمرسل أو كحاكم صالح تعهدت إليه الإرادة الربانية بأعمال محددة في خدمة العباد. واختلطت العقائد الشعبية حول قداسة الاسكندر بعدد كبير من القصص الشعبية التي نسب للاسكندر شتى الخوارق وحوّلته إلى بطل اسطوري، وقد جمعت تلك القصص مع الوقت تحت عنوان «قصة الاسكندر» Alexander Romance، وانتشرت بلغات عدة بما في ذلك العربية تحت اسم «قصة الاسكندر».
وبغض النظر عمّا نسج حوله من قصص بعد حياته، فإن الاسكندر اعتبر أسطورة حيّة في زمانه، كما اعتبر فتحه للعالم القديم بتخومه الشاسعة وتنوع جغرافيته وشعوبه بجيش صغير نسبياً، وفي مدة قصيرة، نوعاً من الخوارق أيضاً. لكن اللافت هو أن حياة الاسكندر تضمنت حسب التدوين التاريخي أسراراً وعلامات عززت المعتقد الشعبي الذي اعتبره رجلاً من رجال الله مؤيداً ومبعوثاً لمهمة معينة وليكون آية للعالمين.
فقد ذكر أن والدته حلمت قبل ولادته أنها تمسك بشهاب من نار في يدها كما حلم والده الملك فيليب أنه وضع ختماً على جسد زوجته وكان الختم عندما تأمله في المنام على شكل وجه أسد. وقد سأل الملك عن مغزى هذا الحلم فقال له بعضهم أن عليه الانتباه لزوجته أولمبياس، لكن أحد مفسري الأحلام المقربين منه أنبأه أن معنى الحلم هو أن زوجته تحمل طفلاً ذكراً سيكون مضرب مثل في الشجاعة والبطولة.
وذكر المؤرخون أن أبرز ما اشتهر به الاسكندر هو الرائحة الزكية لجسده ولثيابه، والتي كانت تفوق في أثرها عبق المسك أو العنبر، وقد حار المقربون من الملك في تفسير سر تلك الرائحة التي لم تفارقه وقد عزاها بعضهم الى طبعه الحار الذي يحرق كل الخبائث، بينما اعتبرها البعض الآخر بكل بساطة علامة على صفاته الملكية وعلى كرامة من السماء تشير بها إلى مقامه وإلى اصطفائه على غيره من البشر.
وقد تخللت حياة الاسكندر أحداث اعتبرت في حدّ ذاتها علامات ملغزة مثل إخضاعه بسهولة وبسلوك ماهر وحكيم للحصان المتمرد بوسيفالوس، وكان بعد صغيراً مما اعتبر إشارة إلى شخصية استثنائية من حيث الشجاعة والحكمة والقوة والتأثير. ثم هناك زيارته بعد اعتلائه العرش للحكيم ديوجينوس ثم ذهابه إلى غورديوم وقطع العقدة الغوردية بسيفه ثم سفره وحيداً على ظهر باخرة إلى مضيق هلسبونت مفتتحاً الحملة على آسيا برمية رمح من الباخرة باتجاه اليابسة، ثم زيارته إلى أطلال طروادة ووضعه أكليلاً على قبر البطل أخيلوس ثم سفره إلى أعالي مصر وسط مخاطر الصحراء لزيارة معبد آمون المصري، حيث أخبره الكهنة أنه سيسود على آسيا والعالم. وذكرت الروايات أن الاسكندر أكرم من القدرة بمطر غزير رافق رحلته وخفف عنه قيظ الصحراء، كما أنه أرشِد إلى طريق المعبد عبر الصحارى بواسطة سرب من الغربان الذي بقي يطير أمامه إلى أن بلغ وجهته.
وأظهر الاسكندر قوى خارقة عقلية مثل قدرته على أن ينادي 3000 من جنوده وقواده كلٌّ باسمه، هناك أخيراً معجزة بقاء الاسكندر على قيد الحياة رغم عشرات المعارك التي خاضها والجراح الخطرة التي تعرض لها. لكن أعظم كرامات الاسكندر التي اعتبرت دليلاً على تأييد كبير له من القدرة كانت شجاعته الاسطورية واحتقاره للموت وانطلاقه بكل حماس لمقارعة الصناديد وأبطال الجيوش، وهو في مقدمة الجيش مرتدياً لباساً مميزاً جعل التعرف عليه ومحاولة قتله سهلين على خصومه. ثم هناك أخيراً ما روي أنه وقبل ساعات من الملحمة الشرسة والفاصلة مع داريوس في غاوغاميلا ذهب إلى خيمته حيث وجده قواده يغط في نوم عميق وهو ما اعتبر في حد ذاته مأثرة عجيبة تدل على إيمان أو يقين بالنصر صعب على كثيرين إيجاد تفسير له في ذلك الزمن.

مدينة-ناوزا-هي-الاسم-الحديث-لبلدة-مييزا--االتي-أنشأ-أرسطو-مدرسته-بالقرب-منها
مدينة-ناوزا-هي-الاسم-الحديث-لبلدة-مييزا–االتي-أنشأ-أرسطو-مدرسته-بالقرب-منها

نذر موته في بابل
كما أن حياة الاسكندر أحيطت بالأسرار، فإن موته أيضاً رافقته ظواهر وأسرار ذات دلالة. فهو عندما أمر جيوشه سنة 323 ق.م. بالاستعداد للتوجه إلى بابل، قابله في الطريق بعض كهنة الكلدان ونصحوه بعدم دخول المدينة لأن ذلك سيترافق بخطر على حياته، كما نُصِح الملك بأن دخول المدينة ووجهه يقابل مغرب الشمس علامة نحس لأنه يشير إلى غروب شمس مملكته، وهو نصح لذلك بدخول المدينة من جهة يواجه فيها مشرق الشمس، وهو ما فعله إلا أن تلك الناحية كانت زاخرة بالمستنقعات وصعبة المسالك ويبدو أنها كانت أيضاً زاخرة بالبعوض وهو أحد الأسباب التي قال العلماء إنها قد تفسر إصابة الاسكندر بالملاريا بعد أيام فقط من دخوله بابل.
تلتقي نبوءة الكهنة الكلدانيين مع نبوءة أخرى حصلت في الفترة نفسها تقريباً من أحد زهاد الهنود العراة المدعو كالانوس. وكان الاسكندر التقى كما يبدو في مناطق الهند النائية بزهاد وحكماء يعيشون في العراء أو الكهوف ويقتاتون مما تجود به الأرض من غذاء، وهو ما جعله يدرك أكثر أن شعوب تلك المناطق ليسوا برابرة بل لديهم إرث غني جداً من الحياة الروحية والحكمة، وأن لديهم بالتالي ما لا يحصى من الحالات من أمثال ديوجينوس اليوناني.
أحد هؤلاء الذين التقاهم كان من منطقة البنجاب وكان قديساً وحكيماً وقد طلب منه الاسكندر أن يرافقه في طريق العودة إلى بابل وأن يبقى في جواره. وفي طريق العودة وكان الاسكندر لايزال بعيداً عن بابل ولم يقرر بعد التوجه إليها أخذ هذا الزاهد الغريب المسمى كالانوس قراراً فاجأ الاسكندر وحاشيته إذ أنبأ الملك بأنه بات كهلاً لا يرجى منه شيء وأنه قرر وضع حد لحياته الدنيوية بواسطة النار. وعبثاً سعى الاسكندر لإقناعه لكن الرجل أصر وقام جنود الاسكندر بناء على طلب الرجل بإعداد محرقة كبيرة تم إيقادها ثم مضى الزاهد الهندوسي إليها رابط الجأش وكان وفقاً لتقاليد مذهبه قد طلى جسده كله بالرماد وجلس وسط النيران كما لو أنه يجلس في هواء عليل حتى اندمج بالحريق واضمحل تدريجياً أمام الأعين المشدوهة للحاضرين. لكن اللافت أن الزاهد الهندوسي قال للاسكندر وهو يتجه صوب النار: «سنلتقي في بابل». وقد حيّرت كلمة الحكيم الهندوسي الحاضرين ولم يفهم مغزاها. لكن وفاة الاسكندر بعد قليل من دخوله بابل اعتبرت تفسيراً كما اعتبرت دليلاً على أن الحكيم كان يعلم غيوب الأمور وأنه تنبّأ بموت الاسكندر في بابل وأراد أن يترك إشارة إليها قبل أن يفارق جسده في سعير النار.

أكثر المجتهدين والمفسرين وكتاب السيرة وعلى رأسهم ابن هشام اتفقوا على أن الاسكندر هو الذي كرّمــــــه القرآن الكــريم بإسـم «ذي القرنين»

لوحة-تخيلية-تظهر-المعلم-أرسطو-يلقي-دروسه-على-الاسكندر-الشاب
لوحة-تخيلية-تظهر-المعلم-أرسطو-يلقي-دروسه-على-الاسكندر-الشاب

خاتمة
توافق أكثر المؤرخين على أنه لو قيض للاسكندر أن يعيش عمراً كاملاً فإن وجه البشرية كان ربما تغيّر إلى الأبد، ذلك أن الاسكندر الأكبر تمكن في سنوات معدودة من أن يحدث ثورة في حضارة العالم فهو فتح الممالك ووحدها وسعى الى مزج الأعراق وأسس المدن ونشر الثقافات وأسس لقيم جديدة في الفضيلة والتآخي البشري، لذلك وبسبب طاقاته الهائلة وعزيمته الجبارة وحكمته وحصافته فإن الاسكندر لو عاش حياة مديدة كان في إمكانه أن يبدل في وجه البسيطة ما يعجز عن تصوره أي إنسان وأن يجعل فيها نظاماً حضارياً جديداً ومديداً.
لكن لله الحكمة البالغة وهو القائل
} ولو شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ{
(هود: 118)
}لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ{ (المائدة 48). لقد كان الاسكندر متحركاً بحس الرسالة والدور التاريخي وكان يعتقد واثقاً أن لديه من الإدراك والوسائل لتحقيق تلك الرؤية السباقة لكن كان من الواضح أن لله في خلقه أمراً آخر، ولهذا السبب ربما فإن هذا البطل الذي خاض أقسى المعارك وأخضع العالم ولم تقوَ عليه السيوف والنبال مات شاباً في أوج انتصاراته على يد بعوضة (بمرض يعتقد أنه الملاريا) ولم يقيّض له بالتالي أن يرى تحقق حلم البشرية الواحدة، وفي ذلك عبرة وتذكير من الله جل وعلا بأنه فعّال لما يريد وإنه هو الذي } يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ{ (السجدة:25).

من أقوال الاسكندر الأكبر الخالدة

أنني أفضل أن أتفوق على الآخرين بالمعرفة والكمال على أن أتفوق عليهم بجبروتي واتساع ملكي.
لا يوجد مستحيل لذاك الذي يبذل جهده.
قالها وهو يتقدم صفوف الجنود في الهجوم على قلعة محصّنة
إن من أشد أنواع العبودية على الإنسان هو الارتهان لسهولة العيش وأن الأخلاق الملكية هي أخلاق العمل والجدّ.
في تعليق له على انغماس بعض أصحابه في الرفاهية ومتعها
مخاطباً الأموات والقتلى بعد معركة شيرونا التي انتصر فيها الجيش المقدوني على تحالف الممالك اليونانية:
أيتها الأرواح اللطيفة للأموات، لست أنا من يتحمل مسؤولية مصيركم البائس والمرير بل هي الخصومة الملعونة التي تجعل الشعوب الشقيقة تقاتل بعضها بعضاً. لا أشعر بالسعادة لهذا الانتصار بل على العكس إنني كنت سأسعد لو رأيتكم جميعاً واقفين إلى جانبي باعتبارنا أمة عظيمة توحدها اللغة والدم والنظرة الواحدة للكون.
لست ممن يأخذ النصر خلسة أو يسرقه.
قالها رداً على اقتراح قائد جيشه بارمنيو شنّ غارة ليلية على معسكر داريوس بهدف كسب المبادرة وتشتيت الجيش الفارسي قبل طلوع شمس يوم القتال.
عندما وصلته رسالة من داريوس يعرض عليه تقاسم مملكته مقابل عقد الصلح وإعادة أسرته الأسيرة إليه، نصحه قائده بارمنيو بقبول العرض قائلاً: لو كنت الاسكندر لقبلت العرض. وقد ردّ الملك على الفور: وأنا لو كنت بارمنيو لقبلت العرض!!. وفي هذا الجواب المفحم إشارة إلى الفارق بين الملك صاحب الرسالة والرؤية والشجاعة وبين القائد العسكري المفتقد لجسارة وبصيرة الملوك.
عندما دعاه أصدقاؤه، وكان بعد أميراً فتياً، لدخول المباراة الأولمبية وقد كان أسرع أقرانه في الجري، أجاب الاسكندر على ذلك بأن سأل: هل الذين سينافسونني في المباراة ملوك؟ فلما أجيب بالنفي قال إن سباقاً كهذا لن يكون عادلاً لأني لو ربحت فسيكون ذلك فوزاً على أحد عامة الناس وإن خسرت فسيكون ذلك خسارة لملك.
قبل معركة أيسوس توجه الاسكندر إلى جيشه بهذه الكلمات:
«إن خصومنا الميديين والفرس هم رجال اعتادوا عبر القرون حياة الرفاه والنعومة أما نحن المقدونيين فقد تربينا منذ أجيال في المدرسة الصعبة للمخاطر والحروب، أضف إلى ذلك أننا قوم أحرار أما هم فمن صنف العبيد. صحيح أن هناك يونانيين يقاتلون في صفوفهم لكن شتان بين القضية التي يقاتلون من أجلها وهي المال والقليل منه وبين قضيتنا التي نذرنا لها أنفسنا وهي قضية اليونان. إن جيشنا الذي يضم أقوى وأصلب المحاربين في أوروبا سيجد في مواجهته جيوشاً هشة ضعيفة العزيمة،كما أن جيشكم هو بقيادة الاسكندر أما جيشهم فقائده داريوس!!»
لأنني اخترت أن يكون هدفي دمج ما هو أجنبي بما هو يوناني وأن أفتح القارات وأنقل إليها روح الحضارة وأن استكشف أقاصي الأرض والبحار وأن أوسع حدود مقدونيا باتجاه المحيطات البعيدة وأن أنشر وأعمم بركات الحضارة اليونانية وعدالتها على جميع الأمم، فإنني لم أقبل الجلوس الهانئ في نعم السلطة والثروات بل اخترت أن اتشبه بتقشف ديوجينوس الحكيم وقوة وصلابة هرقل وأن اتبع خطى برسيوس وديونيسيوس وهو الأب الروحي لعائلتي. وكلي أمل بأن أرى اليونانيين المنتصرين يحتفلون في بقاع الهند ويحيون تقاليدنا الرائعة بين قبائل وشعوب القوقاز وما وراءها.
مر بتمثال لمؤسس الإمبراطورية الفارسية قورش الكبير سقط أرضاً فخاطبه بالقول: هل أخلفك ورائي وأتركك ملقياً على الأرض بسبب الحملة التي جردتها على اليونان أم هل أرفعك وأعيدك إلى مكانك بسبب عدلك وما اشتهرت به من فضائل؟
اقترح عليه أحد المعماريين إنشاء مدينة بإسم الاسكندر في مكان اعتبره غير مناسب لأنه يقضي على بقعة خضراء وجميلة قال:
إنني أقدر عالياً تصميمك وقد سررت فعلاً به لكنني أخشى أن من سيجد مدينتك هذه في المكان المبين سيحكم عليَّ بالشطط و بسوء التقدير. إذ أنه كما أن الطفل الرضيع لا يمكنه العيش من دون حليب الأم أو أن ينمو ليبلغ المراحل التالية من الحياة، كذلك فإنه لا يمكن لمدينة أن تزدهر وتحيا من دون الحقول الخضراء والبساتين التي تدفع الثمار إلى داخل أسوارها.

هنا-جلس-الإسكندر-للدرس-مع-أرسطو
هنا-جلس-الإسكندر-للدرس-مع-أرسطو
مدينة-ناوزا-هي-الاسم-الحديث-لبلدة-مييزا--االتي-أنشأ-أرسطو-مدرسته-بالقرب-منها
مدينة-ناوزا-هي-الاسم-الحديث-لبلدة-مييزا–االتي-أنشأ-أرسطو-مدرسته-بالقرب-منها

أكبر معرض

من لم يستكشفها فهو محروم

أكبر معرض على الطبيعة
للتنوع الهائل في بيئة الجبل

تتمتع محمية أرز الشوف بامتداد شاسع يجعلها تغطي مناطق جغرافية وبيئات طبيعية شديدة التنوع، لكن أهم ميزات المحمية هو مساحتها الكبيرة ووعورة المناطق الجبلية والغابات، وهو ما يوفّر الحد الأدنى من العمق الجغرافي ويتيح تطور الأنواع التي تعيش فيها، ويساعد على حمايتها كما يساعد على خلق حياة برية لا اختلاط فيها مع المدنية المعاصرة وملوثاتها الكثيرة. وبسبب توافر هذه الشروط فقد أعلنت منظمة اليونيسكو سنة 2005 محمية أرز الشوف محمية المحيط الحيوي Biosphere reserve وأدخلتها بذلك ضمن شبكة المحميات التي تحظى بحماية دولية بإعتبارها مناطق ذات أهمية كبيرة لتطوير نهج متكامل للتعايش المتناغم بين الإنسان والطبيعة المحيطة.
إن هذه الخصائص تجعل من استكشاف المحمية والسير في طرقها الجبلية متعة واكتساباً علمياً وثقافياً في الوقت نفسه.
ماذا في محمية أرز الشوف، وما هي الاكتشافات والمشاهد الفريدة التي يمكن أن يراها الزائر المراقب في حال قرر يوماً استكشافها؟
تقدّم المحمية بيئة غنية متكاملة من الغطاء النباتي ومن أجناس الطيور والحيوانات البرية، كما تنمو فيها كمية كبيرة من النباتات الطبية أو العطرية أو الصالحة للأكل، فضلاً عن مئات الأنواع الزهرية التي يقصدها النحل من القرى المجاورة ليصنع منها بعض أفضل أنواع العسل الطبي في العالم. وهنا عرض موجز لأهم مكونات المحمية:

الغابــات
تشتمل المحمية على سبع غابات أرز، ثلاث منها رئيسية وهي غابة أرز عين زحلتا والقرى المجاورة لها، وغابة أرز الباروك، وغابة أرز المعاصر. وتتميز هذه الغابات بتنوع بيولوجي غني جداً وتكاثر طبيعي قل ّمثيله.
في غابة أرز عين زحلتا (110 هكتارات) توجد بحيرة جبلية أنشأتها جمعية أرز الشوف بتمويل من السفارة اليابانية، بهدف المحافظة على استقرار الحياة البرية وإخماد الحرائق في حال نشوبها. وهناك ممرات للمشي وموقع لمراقبة الطيور والحيوانات قرب البحيرة.
أما غابة أرز الباروك (400 هكتار ) فهي أكبر غابات الأرز في لبنان، وتحتوي على ممرات جبلية عدة لهواة المشي لكافة الأعمار، ويمكن للزوار دخولها بواسطة حافلة أو سيراً على الاقدام. أما غابة أرز المعاصر (7 هكتارات) فتضم اكثر أشجار الأرز المعمرة. وفيها ممرات لزيارات متنوعة بحسب الوقت والمسافة.
وقد أحصت الدراسات تنوعاً بيولوجياً غنياً جداً في المحمية. فعلى صعيد النباتات، تمّ تسجيل ما يزيد على 500 نوع، منها 30 نوعاً يحمل اسم لبنان، مثل البربريس اللبناني وغرنوقي لبنان والقرنفل السحاري اللبناني. وهناك 25 نوعاً مهدداً بالإنقراض على الصعيدين العالمي والوطني، بالإضافة الى 50 نوعاً تنفرد به المنطقة و12 نوعاً نادراً مثل جُلبان لبنان وباذنجان الغول، و30 نوعاً من النباتات الطبية مثل الورد البرِّي والبيلسان، وما يزيد على 50 نوعاً من النباتات الغذائية مثل العكّوب والهندباء. هذا بالإضافة الى عدد كبير من النباتات العطرية. وفي المحمية أيضاً 24 نوعاً من الأشجار، بالإضافة الى الأرز اللبناني، وأهمها الغبيراء والعفص والملّول والسنديان والقيقب والقطلب وخوخ الدب والزعرور والإجاص واللوز والتفاح البريّ.

الحياة البرية
تعتبر محمية أرز الشوف أيضاً، منطقة هامة للطيور المهاجرة بين أوروبا وأفريقيا، وقد تم إحصاء نحو 250 نوعاً من الطيور فيها، بينها أربعة أنواع مهدّدة على الصعيد العالمي كالدرسة الرمادية والعويسق، و10 أنواع مهددة على الصعيد الإقليمي كالنسر وعقاب سقعاء الصغرى، وهناك أكثر من 30 نوعاً معششاً كالبيدق والنسر والحجل والهدهد، بالإضافة الى 10 أنواع محتملة التعشيش مثل ملك العقبان والبومة الاذناء.
وتمّ التعرف على 32 نوعاً من اللبونات البرية، منها 12 نوعاً مهدداً بالانقراض على الصعيد العالمي كالذئب والغرير، وثلاثة أنواع مهدّدة على الصعيد المحلي هي الهر البري والهر النمر والذئب، وتسعة أنواع نادرة منها الخفاش القديم والوطواط العمري.
على صعيد الزواحف والبرمائيات، تمّ إحصاء نحو 27 نوعاً، منها الحرباء المهدّدة بالانقراض على الصعيد العالمي، والنقّاق ذو القيمة الاقتصادية، ونوعان متفردان هما السقاية الجبلية والقاروت، بالإضافة إلى نوعين نادرين هما السقاية الجبلية وحنش الباروك، الذي تمّ تسجيله من قبل فريق المحمية بالتعاون مع الجامعة الأميركية في بيروت كنوع جديد على لائحة الزواحف العالمية.

ابو زيد

سلطان العارفين

أبو يزيد البسطامي

العـــــارف لا يكــــدره شــــيء ويصفــــو بــــه كــــل شــــيء
من عــــرف الله بهــــت، ولــــم يتفــــرغ للكــــــــلام

حسب المؤمن من عقله أن يعلم أن الله غني عن عمله

مَا النَّــــــــارُ؟ لأَسْتَنِــــــــدَنَّ إِلَيْهَــــا غــــَداً
وَأَقُــــوْلُ: اجعَلْنــــِي فَــــدَاءً لأَهْلِــــهَا

الجنة هي الحِجاب الأكبر لأن أهل الجنة سكنوا إلى الجنة
وكــــــــل من سكــــن إلــــى سِــــواه فهــــو محجــــوب

ازدان تاريخ الإسلام خصوصاً في عصوره الأولى بعدد كبير من أهل المعرفة اللدنية والأحوال والأسرار، وكان السالكون إلى الله يلجأون إليهم كما يلجأ المسافر في ليلة ظلماء إلى سراج مضيء في واحة وارفة. وكان أهل الله هؤلاء ملح الكون فعلاً وطلبة كل من هاجت في نفسه مشاعر الشوق إلى الله تعالى وإلى فتوحات الحق. ومن رحمة الله تعالى للناس أنه بعث العارفين على مقدار طبقات السالكين وأعطى لكل منهم صورة ولساناً يخاطب به أهل زمانه فيقرب إلى قلوبهم، حسب أفهامهم وبلغتهم الشعورية، معاني الربوبية ويرشدهم في الوقت نفسه إلى سبل التطهر والقرب لعلّ من كتب اسمه بين السعداء في كتاب الغيب يصل إلى غايته عن طريق حملة مفاتيح العرفان هؤلاء.
كان أبو زيد البسطامي (طيفور) من أعظم المصابيح التي أضاءت في عالم الإسلام والسلوك الحق إلى الله .وقد ذكره الإمام أبو عبد الرحمن السلمي صاحب طبقات الصوفية ضمن الطبقة الأولى مع أئمة التصوف من أمثال الحارث المحاسبي وذي النون المصري وأبي سليمان الدارني وترجم له المناوي وقال عنه: هو أمام أئمة العارفين وشيخ مشايخ الصوفية المحقِّقين، فضلاً عن وصف الخوافي له بـ “سلطان العارفين”.
أشار إليه الشيخ الاكبر محي الدين ابن عربي باسم “أبو يزيد الأكبر”، وقال عنه إنه كان القطب الغوث في زمانه، وقال العارف الهجويري في كشف المحجوب في ترجمته عن أبي يزيد: “كان من أجلّ المشايخ وأرفعهم حالاً وأعظمهم شأناً”، وقال عنه الجنيد: “أبو يزيد بمنزلة جبريل من الملائكة”.
في هذا العدد تعرض مجلة “الضحى” للجوانب المختلفة لشخصية البسطامي وأبرز تعاليمه والأقوال التي نقلت عنه، وهو الشخصية التي تعتبر بين أكثر الأولياء الصوفية إثارة للاهتمام إلى جانب أعلام مثل جلال الدين الرومي وأبو منصور حسين الحلاج ومحي الدين ابن عربي.

ولد أبو يزيد سنة 800 في بسطام في جبال طبرستان في عهد الخليفة العبّاسي هارون الرشيد، في القرن الثالث الهجري وتوفي عن ثلاثة وسبعين عاماً في عهد الخليفة المعتمد ، بذلك فقد عاش في عزّ الدولة العباسية كما شهد أول ملامح أفولها، وهو عايش بعض أكبر أعلام الصوفية البغداديين من أمثال المحاسبي والسر ي السقطي وأبو حمزة، كما رافق كبار الصوفية في مصر مثل ذو النون المصري، وصحب كبار صوفيي خراسان مثل ابن كرم ويحيى الرازي وصحب من صوفيي إيران سهل التستري.
كان جده زرادشتياً وأسلم أما والده فكان مسلماً تقياً وكان له شقيقان هما آدم وعلي وقد تكرسا أيضا لطريق القوم لكنهما لم يبلغا ما بلغه.
لم يُعرف مكان دفنه وإن كان بعض المؤرخين يعتقدون أنه في بسطام مسقط رأسه، لكن بسبب التقدير الهائل الذي حظي به بين المؤمنين عبر الأزمنة فإن للبسطامي على ما يعتقد، نحو 40 مزاراً وقبة وضريحاً في العالم الإسلامي.
التقى أبو يزيد العديد من أقطاب الصوفية والعرفان في زمانه لكنه لم ينسب علمه إلى شيخ محدّد، كما كان المألوف من أكثر أعلام الصوفية، بل ردّ علمه في أكثر من قول إلى الإلهامات والواردات الربانية التي منّ الله بها عليه اصطفاء وتقريباً، أي أنه أخذ العلم تعليماً من السماء من دون واسطة وهو القائل “ليس العالم من يحفظ من كتاب فإذا نسى ما حفظ صار جاهلاً بل من يأخذ العلم من ربه أي وقت شاء ولا درس، وهذا هو العالم الرباني “.
والعلم الرباني هو ثمرة إدمان الطاعة والمجاهدة، وهو المشار اليه بقوله تعالى: } وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{ (البقرة: 282) أي أن صفوة الصفوة من أهل الله يعلمهم الله وعلمهم العلوي أو اللدني هو محض لا يداخله لبس ولا يعتريه خطأ، بخلاف العلم الكسبي الذي يعتريه الجدل والخلاف لأن للعقل مدخلاً اليه والعقول متفاوتة في الإحاطة.
وكان أبو يزيد يقول: “أخذوا ميتاً عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت”، لكن نور البسطامي أبهر كثيراً من العيون وفاق طاقة كثيرين على التحمّل فوقع كثيرون بسببه في الحيرة وعجزوا عن فهم إعجازه وتاهت عنهم بالتالي معانيه. وهذه في الحقيقة حال بعض أهل الكشوفات الذين يغلبهم نور الكشف وبحاره العظيمة فيندفعون، في محاولة وصف ما لا يوصف، إلى شتى الصور الكلامية ويعجزون، ويبقى الاختبار حبيساً في وجودهم كأنما كتب الحق على هؤلاء لحكمة منه أن يكتموا سرّ الإمنان وعجائب الفيض فلا ينبسون منه إلا بالقليل تورية ومجازاً.
وقد اختار البعض مثل الشهيد أبو منصور الحلاج الإفصاح فلم يتورّع عن كشف بعض أسرار الاختبار الأعظم فكان أن ناله ما ناله من الجهلة فدلّ بذلك على حاجة أهل العلم الخاص للكتم والحيطة في الحديث عن أسرار الاختبار العرفاني بين العامة وغوغاء أهل الزمان. واستفاض الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي أيضاً في شرح الفتوحات والحكم اللدنية فرمي من قبل ضيقي الأفق بالزندقة أو بمذهب وحدة الوجود وتعرّض ولا يزال إلى الأحكام المتسرعة ممن اعتقدوا أنهم في نقدهم له إنما يدافعون عن الدين وهم في الحقيقة يدافعون عن معتقدهم هم وتأويلهم للعقيدة كما يفهمونها.
وفي هذا التضاد بين عالم التحقق وأنواره وأسراره وبين سجن اللغة والتعبير البشري، كمنت معاناة العديد من الصوفية الذين اعتذر كثير منهم -كما فعل جلال الدين الرومي- عن الإفصاح متذرعين بأنهم يخافون أن يفتنوا عامة الناس ويزعزعوا عقائد العبادة الظاهرة للعامة. بل أن الرومي لم يجد سبيلاً للإفصاح عن تجربة التحقق الصوفي سوى اللجوء إلى باب آخر هو السماع أي الرقص الصوفي والدوران الرمزي للدراويش حول مركز وجودهم في الله تعالى وفنائهم الرمزي فيه.
أين نضع أبا يزيد البسطامي في هذا السياق. وهو الذي عرف بلغته الصادمة في التعبير عن دقائق الاختبار الروحي وعن أمور العقيدة والسلوك والعلاقة بالخالق والزهد والإيمان، وقد كان لتلك الجرأة ربما أثرها في ما رمي به من “شطح”، والشطح الصوفي هو في تعريف أهل العلم ما يصدر عن الصوفي العارف أثناء السكر الروحي أو الغيبة من وصف لاختباره الروحي يتجاوز به حدود الأدب مع الله وما قد يندم عليه عند الصحو. لكن اللافت أن أبا يزيد على الرغم من أنه تجرأ في إفصاحه أحياناً بالدرجة نفسها التي بلغها الحلاج وزاد على ذلك أحياناً إلا أنه لم يلقَ المصير الذي لقيه الأخير، بل هو حظي باحترامعام وإجلال عبر الأزمنة ولم يشكك سوى نفر قليل من الجهلة في إيمانه وصحة إسلامه.
حقيقة الأمر أن الطريقة الصادمة لأبي يزيد لم تتضمن أي معارضة للدين أو الشريعة إذ عرف عنه التزامه التام بفرائض الإسلام وبالعبادات كلها وأدبه الشديد مع الله ورسوله وأنبيائه وهو القائل:
“لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرفع في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحد، وأداء الشريعة”.
وهذا التوضيح المهم لعقيدة أبي يزيد كان ربما من أهم الاسباب الذي شفعت له وبرّأته من تهمة المروق أو تهمة رفع التكاليف أو إسقاط الفروض.
ويعتقد بعض كبار الصوفية أن اللغة البليغة والقاطعة للبسطامي كانت تصدر عن مقام يقيني ورؤية مثل وضح النهار، لكنها في جرأتها وصدمها كانت أسلوباً في شدّ قلوب المريدين وعزائمهم وتنفيرهم في الوقت نفسه من الركون إلى العبادة الظاهرة أو الوقوف عند بعض الأحوال، حثهم بدلاً من ذلك على المضي في المجاهدات والطاعات حتى آخر الطريق وهو طريق الفناء في الله. أراد أبو يزيد أيضاً حثّ أهل زمانه على عدم التهاون في العبادة والإخلاص فيها، إذ كان يعتقد جازماً أن الإنسان الحق خُلِق ليكون عبداً لله لا يشغله عن عبادته والتقرّب منه أي شيء من أشياء هذه الدنيا.
رغم ذلك فقد وجد من يؤوِّل بعض أقوال أبي يزيد باعتبارها تشدّد على أهمية الإخلاص والإيمان القلبي أكثر من اهتمامها بالعبادات الظاهرة. وفي هذا المجال يروى عن سلطان العارفين قصتين:
القصة الأولى نقلها جلال الدين الرومي عن شيخه شمس تبريز وجاء فيها أن أبا يزيد أراد السفر إلى مكة لأداء فريضة الحج‏ّ، فلما وصل إلى البصرة التقى درويشاً من الصوفية فسأله هذا: ما هي غاية سفرك يا أبا يزيد؟
قال البسطامي‏:‏ أريد مكة وزيارة بيت الله‏ الحرام
قال الدرويش‏:‏ هل معك زاد لهذا السفر‏؟
قال البسطامي‏:‏ نعم لدي 200‏ درهم‏
قال الدرويش ‏:‏ أعطني الدراهم وتعال طُف حولي سبعة أشواط،‏ وكان الدرويش يشير بذلك إلى الحديث القدسي الذي جاء فيه‏:‏ “ما وسعتني أرضي ولا سمائي،‏ ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن‏”، كما قصد أيضاً- ومعه جلال الدين الرومي الذي أورد القصة- أن في عبادات الأكابر والواصلين من الأحوال والمقامات ما يصعب شرحه ويتجاوز كثيراً العبادات الظاهرة وتكاليفها.
القصة الثانية هي أن رجلاً من أهل الحديث قال لأبي يزيد وهو صبي: يا غلام، تُحسن أن تصلي؟
قال: نعم إن شاء الله
فقال له: كيف تصلي؟
قال: أكبر بالتلبية، واقر بالترتيل، وأركع بالتعظيم، وأسجد بالتواضع، وأسلم بالتوديع. فقال: يا غلام، إذا كان لك هذا الفهم والفضل والمعرفة فلم تَدَعِ الناس يتمسحون بك؟ قال أبو يزيد: ليس بي يتمسحون، لكن يتمسحون بحلية حلانيها ربي، فكيف أمنعهم من ذلك؟ وذلك لغيري؟ وتشير هذه الرواية إلى أن أبا يزيد كان قد اشتهر أمره وهو صغير السن كأحد أصفياء الله، وأن الناس بدأت تعامله بإجلال كبير وتطلب البركة في زيارته أو لمس ثيابه، كما تشير أيضاً إلى اعتباره أن الأصل في العبادة والركوع والسجود هو في الإخلاص وفي الموقف القلبي وليس في الحركات المجردة عن الخشوع والاستغراق في الله.

حج أبو يزيد

يروى أن أبا يزيد أخذ 12 عاماً لإنجاز رحلة الحج إلى مكّة، إذ كان عند مروره بكل مصلى على الطريق يبسط سجادة الصلاة ويصلي ركعتين وكان يقول في ذلك: إن الكعبة ليست مقاماً لملك من ملوك الأرض يمكن للمرء أن يسابق إليه.
وقد وصل أبو يزيد إلى مكة أخيراً لكنه لم يزر المدينة قائلاً: أخجل أن أعرج على النبي (ص) كما لو أن زيارته أمر بديهي بسبب بلوغي مكة، إنما سأعود إلى زيارته خصيصاً وبإحرام أصنعه للمناسبة،
وهذا ما عاد وقام به في السنة التالية.

مقام-أبا-يزيد-البسطامي-في-بسطام
مقام-أبا-يزيد-البسطامي-في-بسطام

تقواه في الصغر
رويت عن أبي يزيد من الأخبار المدهشة عن طفولته ومن ذلك أنه حفظ كتاب الله وهو في السابعة من عمره، وتهجد وقام الليل وهو ابن ثماني سنوات ، أي أنه قد تعشق التقوى من نعومة أظفاره، كما ورد عن ابن ظفر المكي في “أنباء نجباء الأبناء”:
وروي أنه كان صبياً صغيراً عندما استيقظ ذات ليلة فوجد أباه يصلي فقال: يا أبت علمني كيف أتطهر وأصلي معك.
فقال: يا بني أرقد فإنك صغير بعد. فقال: يا أبت إذا كان يوم يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم فسألني ربي أقول له: قلت لأبي علمني كيف أتطهر لأصلي معك فقال لي أرقد فإنك صغير بعد؟!
فقال له أبوه: لا والله يا بني لا أحب هذا وعلمه فكان بعد ذلك يصلي معه.
وكان أبو يزيد صبياً صغيراً لما حفظ: “يا أيها المزمل. قم الليل إلا قليلاً “، فقال لأبيه: يا أبت من الذي قال له الله تعالى هذا؟ قال: يا بني كان ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم. فقال: يا أبت فمالك لا تقوم الليل كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: يا بني لأن قيام الليل خُص به النبي صلى الله عليه وسلم دون أمته !! فسكت الغلام .
فلما حفظ قوله سبحانه وتعالى”إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك” قال: يا أبت أسمع أن طائفة كانت تقوم الليل فمن هي؟ قال: يا بني هؤلاء الصحابة. فقال: يا أبت فأي خير في ترك ما عمله النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته؟
فقال: صدقت، فكان أبوه بعد ذلك يقوم الليل .

قصته مع أمِّه
قيل أن أبا يزيد كان في مدرسة يتعلم القرآن عندما قرأ الأستاذ الآية 14 في سورة لقمان وفيها }أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ{ (لقمان: 14)، وقد أثرت فيه هذه الآية بحيث استأذن أُستاذه في الذهاب إلى البيت للتحدث مع والدته التي سألته عن السبب في عودته المبكرة إلى البيت، وعلى ذلك أجاب أبو يزيد بالقول: لا يوجد سبب محدد لكن لدى قراءتي للآية التي يدعوني الله فيها لأن أخدمه وأخدم والديّ شعرت بأنني في مأزق كبير لأنني لا أستطيع أن أخدم سيدين في آن. لذا فإني أرجوك يا أمي أن تسألي الله تعالى أن يسمح بأن أكون مكرساً لخدمتك بالكلية، أو أن تنذريني بالكلية له بحيث أكون عبداً خالصاً له جلّ جلاله”. وقد ردت الوالدة بالقول: “يا بني إني أسلمك لله عز وجلّ وأعفيك من أي واجب تجاهي، فاذهب وكن مع الله”.
ومع إجازة الوالدة له بأن يكرس حياته كلها لله غادر أبو يزيد بسطام وساح في الأرض لمدة 30 عاماً مخضعاً نفسه لشتى المجاهدات عبر قيام الليل والمناجاة والصوم، درس خلال تلك المدة على يد عدد كبير من المرشدين الروحيين. لكنه عاد في السنوات اللاحقة من عمره إلى حب الأم، بعد أن استيقن أنه لا يتعارض أبداً مع التكرّس لله. وقد ذكر في ما بعد كيف أنه عاد إلى منزل أسرته بعد تجواله الطويل ليرى والدته وقد انحنى ظهرها وفقدت البصر، وهو سمعها قبل الدخول منهمكة في الدعاء لابنها المهاجر. فألقى بنفسه باكياً بين يديها.

مجاهداته واشتهار أمره
ولد أبو يزيد في سنة 800 م في عهد الخليفة العبّاسي هارون الرشيد في القرن الثالث الهجري وتوفي عن ثلاثة وسبعين عاماً في عهد الخليفة المعتمد ، بذلك فقد عاش في عزّ الدولة العباسية كما شهد أول ملامح أفولها، وهو عايش بعض أكبر أعلام الصوفية البغداديين من أمثال المحاسبي والسري السقطي وأبو حمزة، كما رافق كبار الصوفية في مصر مثل ذو النون المصري، وصحب كبار صوفيي خراسان مثل ابن كرم ويحيى الرازي، وصحب من صوفيي إيران سهل التستري.
لم يعرف عن أبي يزيد البسطامي أنه اتخذ مريدين كثراً، لكن نفوذه امتد إلى أقاصي العالم الإسلامي وأصبح الكثير من أقواله والقصص المنسوبة إليه جزءاً من الإرث الروحي المتداول. ومما لا شك فيه أنه وكما حدث لجميع الأولياء ومنارات الروح فإن إرث أبي يزيد البسطامي تعرّض للزيادة سواء من المحبين المتحمسين أو من المغرضين الذين لم يستوعبوا الرمزية الرائعة في الكثير من أقواله أو ما نسب إليه من “شطحات” أرادوا اتهامه بالتطرف أو الخروج عن سراط الدين الحنيف.
لكنّ أبا يزيد البسطامي حظي على الدوام بمكانة رفيعة بين أعلام الصوفية وقد جعله العديد من فرق الصوفية أحد أركان السلسلة الذهبية التي تقوم عليها، أي سلسلة الورثة المحمديين الذين يتوارثون السر المحمدي بحيث يسلمه الشيخ إلى مريد مقدّم آمراً إياه بمتابعه مهمة الإرشاد وأمر التصرف بالقلوب وتسليك المريدين عبر المنازل والأحوال والمقامات.

دفاع الإمام الشعراني
تعرّض البسطامي مثل العديد من أعلام الصوفية إلى سياط بعض الأوساط الدينية المحافظة، والتي لم يكن ممكناً لها أن تفهم المغازي الحقيقية والبعيدة لأقواله فأخذتها على حرفيتها، لكنه بقي يحظى باحترام وإجلال كبيرين لدى أوساط العامة والسالكين على السواء بحيث أقيمت له الأضرحة والمزارات في فارس والعديد من بلدان المنطقة، كما أقيمت له القباب في الجزائر. كما تصدى العديد من أعلام الصوفية اللاحقين لناقدي أبي يزيد وكتبوا وألفوا بهدف تبيان المعاني الباطنة لأقواله وشرح الرمزية العميقة التي غلفت بعض ما سمي بـ “الشطحات”. وأحد أبرز من كتب في الدفاع عن أبي يزيد الصوفي الشهير عبد الوهاب الشعراني الذي ألّف كتاباً سماه “الفتح في تأويل ما صدر عن الكُمَّل من الشطح” ألفه في سنة 973 للهجرة.
يقول الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، في الدفاع عن أهل الأسرار: “إن من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله عز و جلّ ، فإن نطقوا به ، لم ينكره إلا أهل الاغترار بالله ، فلا تحقِّروا عالماً آتاه الله علمه ، فإن الله لم يحقره إذ أتاه إياه”.
قال عنه أبو نعيم في «الحلية»: «التائه الوحيد، الهائم الفريد، البسطامي أبو يزيد. تاه فغاب، وهاب فآب، غاب عن المحدودات إلى موجد المحسوسات والمعدومات. فارق الخلق ووافق الحق، فأُيِّد بأخلاء السر، وأُمِدَّ باستيلاء البر، إشاراته هائنة وعباراته كامنة، لعارفيها ضامنة، ولمنكريها فاتنة».

حوار طيفوري

سئل أبو يزيد عن ما هو أكبر عون للرجل في الطريق إلى الله فقال: أن يولد سعيداً. وتابع السائل الأسئلة فكان هذا الحوار:
فإن لم يكن له ذلك
جسد قوي
فإن كان يعوزه ذلك
أذن مصغية
ومن دون ذلك
قلب عارف
فإن لم يوجد
عين مبصرة
وإن لم توجد
أن يموت لساعته !

رسم-فار-سي-تخيلي-لأبا-يزيد
رسم-فار-سي-تخيلي-لأبا-يزيد

مواقف مأثورة عنه

سمع أبو يزيد رجلاً يكبر فقال له: ما معنى الله أكبر؟ قال: الله أكبر من كل ما سواه فقال أبو يزيد: ليس معه شيء فيكون أكبر منه. قال: فما معناه ؟ قال معناه أكبر من أن يقاس أو يدخل تحت القياس أو تدركه الحواس.
أبو موسى الديبلي قال: سمعت أبا يزيد يقول: الناس كلهم يهربون من الحساب ويتجافون عنه، وأنا أسأل الله تعالى أن يحاسبني فقيل له: لم ؟ قال: لعله أن يقول لي فيما بين ذلك: يا عبدي، فأقول: لبيك. فقوله لي: عبدي أعجب إلي من الدنيا وما فيها، ثم بعد ذلك يفعل بي ما يشاء .
أبو موسى الديبلي قال: سمعت أبا يزيد يقول: عرج قلبي إلى السماء فطاف ودار ورجع، فقلت: بأي شيء جئت معك ؟ قال: المحبة والرضا.
عبيد قال: قال أبو يزيد طلقت الدنيا ثلاثاً بتاتاً لا رجعة لي فيها، وصرت إلى ربي وحدي فناديته بالاستغاثة: إلهي أدعوك دعاء من لم يبقَ له غيرك. فلما عرف صدق الدعاء من قلبي، واليأس من نفسي، كان أول ما ورد علي من إجابة هذا الدعاء أن أنساني نفسي بالكلية ونصب الخلائق بين يدي مع إعراضي عنهم.
روى أبو يزيد أن “خرجت إلى الجامع يوم الجمعة في الشتاء فزلقت رجلي فأمسكت بجدار بيت، فذهبت إلى صاحبه فإذا هو مجوسي فقلت قد استمسكت بجدارك فاجعلني في حل قال أو في دينكم هذا الاحتياط قلت نعم قال أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمد رسول الله.
وقال أبو تراب: “سألته عن الفقير، هل له وصف” فقال: “نعم!، لا يملك شيئاً، ولا يملكه شيء.

من أقوال أبي يزيد البسطامي
في أصول وآداب السلوك إلى الله

الغفلـــــــة عن الله طرفة عين أشــدّ من النــــار

أهل الحــجّ يطـــــوفون حول البيت فيطلبون البقاء وأهل المحبة يطوفون حول العرش يطلبون اللقاء

إن لله عباداً لو احتجب عنهم في الدنيا أو فـــي الجنة لحظة لاستغاثوا كما يستغيث أهل النـار

كم بين من يقول أنا وأنت، ومن يقول: أنت أنت.

لو بدا للخلق منه ذرة ما بقي الكون ولا ما هو فيه

المعرفة
إذا علموه هربوا من الخلق
إن أهل المعرفة بالله اجتمعوا في الأصول على معرفة الواحد، ثم تفاوتوا من بعد اجتماعهم على مراد الله فيهم.
إن الله تعالى أمر العباد ونهاهم، فأطاعوه، فخلع عليهم خلعة من خلعه، فاشتغلوا بالخلع عنه، وإني لا أريد من الله إلا الله.
أوصيك بإقبالك على ربِّك أيام حياتك بكليتك، ولا تولّ عنه وجهك إلى وقت، فإن نواصيكم بيده، وإنه لا بدّ من لقائه، والوقوف بين يديه، وأنت المسؤول عن جميع أعمالك، فشمّر لذلك، واستعد لمعادك، ولا تغفل وانتبه عن رقدة الغفلة، وتيقظ من نومة الغافلين، وألقِ كتفك بين سيدك كل صباح ومساء، والزم ذكره، واحفظ خدمته، وأحسن ظنك به، ولا تؤثر أحداً عليه، واصبر على ما أصابك من البلاء، وارض بحكم الله وقضائه وقدرته، وبحسن اختياره لعبده، واقتنع بعطيته، وثق به، وأمن لموعده، وأيقن بوعده ووعيده، وتوكل على الحي الذي لا يموت، واذكر الله واستعن بالله في كل أمورك، واحذر منه ما دمت حيّاً، واهرب من الخلق إليه، وفوِّض أمرك إليه.
الجنة جنتان: جنة النعيم وجنة المعرفة، فجنة المعرفة أبدية وجنة النعيم مؤقتة.
الحق مثل الشمس مضيء إذا الناظر إليه أيقن به، فمن طلب البيان بعد البيان فهو في الخسران.
الزاهد همه أن لا يأكل، وهم العارف ما يأكل
النفس تنظر إلى الدنيا، والروح تنظر إلى العقبى، والمعرفة تنظر إلى المولى، فمن غلبت نفسه عليه فهو من الهالكين، ومن غلبت روحه عليه فهو من المجتهدين، ومن غلبت معرفته عليه فهو من المتقين.
عرفت الله بالله وعرفت ما دون الله بنور الله
لا يزال العارف يعرف، والمعارف تُعرَف، حتى يهلك العارف في المعارف، فيتكلم العارف عن العارف، ويبقى العارف بلا معارف.
معرفة العوام ومعرفة الخواص ومعرفة خواص الخواص: فمعرفة العوام: معرفة العبودية، ومعرفة الربوبية، ومعرفة الطاعة ومعرفة المعصية، ومعرفة العدو والنفس. ومعرفة الخواص: معرفة الإجلال والعظمة، ومعرفة الإحسان والمنة، ومعرفة التوفيق. وأما معرفة خاص الخواص: فمعرفة الإنس والمناجاة، ومعرفة اللطف والتلطّف، ثم معرفة القلب، ثم معرفة السر.
من عرف الله بهت، ولم يتفرغ للكلام.
من عرف الله فإنه يزهد في كل شيء يشغله عنه.

أوفى صفـات العارف أن تجري فيه صفات الحق ويجري فيه جنس الربوبيـة

الطريق إلى الله
أطلب هواه في خلاف هواك، ومحبته في بغض نفسك، فإنه معروف عند مخالفة الهوى، محبوب عند بغض النفس.
الخلق يظنون أن الطريق إلى الله أشهر من الشمس، وأبين منها، وإنما سؤالي منه أن يفتح عليَّ من الطريق إليه ولو مقدار رأس إبرة.
الناس بحر عميق، والبعد عنهم سفينة، وقد نصحتك، فاحفظ لنفسك السكينة.
بالله أتقدم، وبنفسي أتأخر، إذا وجد نفسه كان مخيَّراً، وإذا فقد نفسه كان مختاراً.
رأيت رب العزة في المنام فقلت: كيف الطريق إليك؟ قال: اترك نفسك وتعال.
ربما أطلب لنفسي أشدّ عقوبات الله من سوء معاملتها إياي، فأجيل فكري في جميع عقوبات الله تعالى فلا أجد شيئاً أشدُّ من الغفلة؛ لأن الغفلة من الله طرفة عين أشد من النار.
قطعت المفاوز حتى بلغت البوادي، وقطعت البوادي حتى وصلت إلى الملكوت، وقطعت الملكوت حتى وصلت إلى المُلـْك، فقلت: الإجازة، قال: قد وهبتُ لك جميع ما رأيت، قلت: إنك تعلم إني لم أرَ شيئاً من ذلك، قال: فما تريد؟ قلت أريد أن لا أريد، قال: أعطيناك.
-كيف الطريق إلى الله؟ غِب عن الطريق تصل
لا تصل إلى المخلوق إلا بالسير إليه، ولا تصل إلى الخالق إلا بالصبر عليه، وإذا أردت أن تطلبه، فاطلبه في رجوعك عما دونه.
ما من شيء بأهون على أحدكم من تعظيمه لأخيه المسلم، وحفظ حرمته، ولا شيء أضرّ بكم في دينكم من تهاونكم بأخوانكم في تضييع حرمتهم.
من ترك قراءة القرآن، والتقشف بالجماعات، وحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وادعى هذا الشأن، فهو مُدَّعٍ.

العارف الصوفي
أحِبَّ أولياء الله وتحبب إليهم ليُحِبوك، فإن الله تبارك وتعالى ينظر إلى قلوب أوليائه في كل يوم سبعين مرة، فلعلّه ينظر إلى اسمك في قلب وليّه، فيحبك ويغفر لك.
أدنى صفة العارف أن تجري فيه صفات الحق وجنس الربوبية
إذا عرف عيوب نفسه، فحينئذٍ يبلغ حدّ الرجال في هذا الأمر، فهذا مبلغه، ثم يقربه الحق تعالى على قدر هِمّته وإشرافه على نفسه الأمّارة.
أمل الزاهد في الدنيا الكرامات، وفي الآخرة المقامات، وأمل العارف في الدنيا بقاء الإيمان معه، وفي الآخرة العفو (يعني للخلق).
إن أهل الحج يطوفون حول البيت فيطلبون البقاء، وأهل المحبة يطوفون حول العرش يطلبون اللقاء.
أن تراه يؤاكلك ويشاربك ويمازجك ويبايعك وقلبه مع الملكوت القدس، هذه أعظم الآيات.
إن لله عباداً لو حجبوا عنه طرفة عين، ثم أعطوا الجنان كلها ما كان لهم إليها حاجة، وكيف يركنون إلى الدنيا وزينتها؟.
أهل خاصة الله تعالى على أربع منازل: فطائفة مقيمون مبهوتون، لا يحتملون ما يرِدُ عليهم، فهم يريدون الخلاص من ثقل ما يرد عليهم، إلا أنهم ممنوعون من الاختيار، وطائفة يوادّونهم فيقولون: لا نبرح. وطائفة قد أحاط بهم لا يمكنهم البراح.
أوفى صفات العارف أن تجري فيه صفات الحق ويجري فيه جنس الربوبية
الدنيا للعامّة، والآخرة للخاصة، فمن أراد أن يكون من الخاصة فحكمه أن لا يشارك العامّة في دنياهم، وإنما جعلت الدنيا مرآة الآخرة نظر منها إلى الآخرة نجا، ومن شغل بها عن الآخرة هلك وأظلم مرآته.
الرجل هو الرجل الذي يكون جالساً فتجيئه الأشياء، أو يكون جالساً وتخاطبه الأشياء حيث كان
الزاهد يقول: كيف أصنع؟ والعارف يقول: كيف يَصنع؟
العابد يعبده بالحال، والعارف الواصل يعبده في الحال
العارف فوق ما يقول، والعالم دون ما يقول، والعارف ما فرح بشيء قط، ولا يخاف من شيء قط، والعارف يلاحظ ربه، وثواب العارف من ربه هو، وكمال العارف احتراقه فيه له.
العارف لا يكدره شيء ويصفو به كل شيء.
علامة العارف أن يكون طعامه ما وجد، وبيته حيثما أدرك، وشغله بربه. فهو مشغول ساجداً راكعاً، فإن عجز عن ذلك استروح إلى ذكر اللسان والثناء، فإن عجز عن ذلك استروح إلى ذكر القلب، فأما من يحبه الله عزَّ وجلّ أعطاه سخاوة كسخاوة البحر، وشفقة كشفقة الشمس، وتواضعاً كتواضع الأرض.
قال الله تعالى للكافر: آمن، وللمنافق، أخلص، وللعاصي: ارجع، وللعارف: أبصر.
له عباد لو بدت لهم الجنة بزينتها لضجوا منها، كما يضج أهل النار من النار.
لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرفع في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحد، وأداء الشريعة.
مررت على بابه فلم أرَ ثمَّ زحاماً؛ لأن أهل الدنيا حجبوا بالدنيا، وأهل الآخرة شغلوا بالآخرة، والمدَّعون من الصوفية حجبوا بالأكل والشرب والكدية، ومن فوقهم حجبوا بالسماع والشواهد، وأئمة الصوفية لا يحجبهم شيء من الأشياء، فرأيتهم حيارى سكارى.
من عرف الله صار على النار عذاباً، ومن جهل الله صارت عليه عذاباً، ومن عرف الله صار للجنة ثواباً، وصارت الجنة عليه وبالاً.
نعم القوم تكلموا من بحر صفاء الأحوال، وأنا أتكلم من بحر صفاء المِنَّة. فتكلموا ممزوجاً، وأكلم صرفاً، كم بين من يقول أنا وأنت، ومن يقول: أنت أنت.
مساكين أخذوا ميتاً عن ميِّت، وأخذت علماً من الحي الذي لا يموت.
صفاتي غائبة في غيبه، وليست للغيب صفات تعرف
ظاهر الصدق وباطنه سواء، ولقد اشترك الإيمان والحب في قلب الصِدِّيق، فكلما ازداد الإيمان ازداد الحب لله، قال الله تعالى
} وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ{ (البقرة:165) فإذا قال ذلك رمى قوس الدنيا بالفرقة، وقطع حلقوم الطمع بسكين الإياس، وألجم نفسه لجام الخوف، وساقها بسوط الرجاء، ولبيس قميص الصبر، وتردّى برداء التصابر، واستوى عنده المنع والعطاء، والشدّة والرخاء، والذمّ والثناء، فسقط من ظاهره وباطنه التصنع، فليس عنده فرق بين الدانق الدينار، لعلمه أنه لو بورك له في الدانق كان أعظم بركة من الدينار، ويعلم أنه لو سُلِّط عليه السنّور كان أضر عليه من الأسد، فإذا كانت هذه حالته قالت الجنَّة: اللهم أدخل هذا العبد بين ساكنيَّ، فكانت الجنَّة طالبة له دونه، وإذا رأته النار على هذه الحالة، علمت أن نوره يُطفئ شررها، فتعوَّذت النار منه، فلو عُرِج بذلك العبد أعلى عليين، لكان شكره ذلك الشكر الذي كان في أعظم البلاء، ولو أنزله الله من أعلى العليين، فأسكنه الدرك الأسفل من النار، لكان شكره ذلك الشكر الذي كان في أعلى العليين.
علامة العارف ألا يفتر من ذكره، ولا يملّ من حقِّه، ولا يستأنس بغيره.
علامة العارف أن يكون طعامه ما وجد، وبيته حيثما أدرك، وشغله بربه.
علامة العارف خمسة أشياء: أوله أن يقيم على باب ربه لا يرجع عن بابه بالبر، ويقبل إليه ولا يلتفت إلى شيء يحجبه عنه، ويكون دورانه وسيرانه في مجرَّة أنس ربِّه، وحول مناجاته، لا يرضى من نَفَسِه أن يشتغل بشيء دون الله عزَّ وجلّ، ويكون فراره من الخلق إلى الخالق، ومن جميع الأسباب إلى وليّ الأسباب.
لو أن ما خلق الله عزَّ وجلّ من العرش إلى الثرى، ومع ذلك كله أرض وسماء مع مائة ألف ألف آدم، لكلِّ آدم مائة ألف ألف ضعف مثل هذه الذريَّة، لكل واحد منهم مائة ألف ألف آلاف آلاف عالَم بحساب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل لاختفوا كلهم في زاوية من زوايا قلب العارف ، لم يحسّ به، ولا علم أنه في كون الله موجود.

مدخل-مقام-أبي-يزيد-في-بسطام
مدخل-مقام-أبي-يزيد-في-بسطام

الأسماء
الأسماء كلها اسم الصفات، والله اسم الذات، الاسم علامة المعنى، والمعنى علامة تعرف بها الذات، والأسماء علامة تعرف بها الصفات، والصفات علامة تعرف بها الذات، فمن أقرّ بالصفات ولم يقرّ بالذات فليس بمسلم، ومن أقرّ بالذات قبل الصفات فيسمى مسلماًـ ويجب أن يقر بالصفات، والدليل على ذلك لو أن رجلاً قال: لا إله إلا الرحمن، أو لا إله إلا الرحيم، ثم يأتي على الأسماء كلها لا يكون مسلماً حتى يقول: لا إله إلا الله، ومن أقرّ بهذا الاسم الواحد، وهو الله فالأسماء كلها داخلة في هذا السم، وخارج منها، يخرج من هذا الاسم معاني الأسماء كلها، ويدخل في هذا الاسم وجود الأسماء، ولا يحتاج هذا الاسم من سواها، والدليل على ذلك إن الله تعالى تفرّد بهذا الاسم دون خلقه، وأنه شارك خلقه في أسمائه كلها سوى هذا الاسم، ويجوز أن يسمى من الأسماء كلها إلا ولنفسه في ذلك نصيب، إلا (الله)، فإن ذلك حظ الله من عبده، ومعنى ذلك أن من طالب ربه برحمته فيقول: يا رحيم، ومن طالبه بكرمه فيقول: يا كريم، ومن طالبه بجوده فيقول: يا جواد، فكل اسم تحته معنى يدعوه إلى نصيب الناس من أمر الدين والدنيا إلا (الله) فإن هذا الاسم يدعوه إلى وحدانية الله تعالى، وليس للنفس في هذا نصيب، ومن أراد من الله عطاءً يدعو الله بأسماء الصفات، ومن أراد ذات الله يدعو الله بأسماء الذات.
لا يزال العبد عارفاً ما دام جاهلاً، فإذا زال عنه جهله زالت عنه معرفته.

عشرة أشياء

عشرة أشياء حصن البدن: حفظ العينين، ومعاودة اللسان بالذكر، ومحاسبة النفس، واستعمال العلم، وحفظ الأدب، وفراغ البدن من شغل الدنيا، والعزلة من الناس، ومجاهدة النفس، وكثرة العبادة، ومتابعة السنَّة. عشرة أشياء شرف البدن: الحلم، والحياء، والعلم، والورع، والتقى، والخلق الحسن، والاحتمال، والمداراة، وكظم الغيظ، وترك السؤال.
وعشرة أشياء تخرب البدن: مصاحبة من لا يهمه دينه، ومفارقة أهل الخير، ومتابعة النفس، ومجانبة الجماعة، ومجالسة أهل البدعة، وطلب ما لا يعنيه، وتهمة الخلق، وطلب العلوّ، وهم الدنيا.
وعشرة أشياء تميت البدن: قلة الأدب، وكثرة الجهل، ونعمة الخلق، وشهوة البدن، وطلب الرئاسة، والميل إلى الدنيا، ومحاباة النفس عند الحق، وكثرة الأكل.
وعشرة أشياء فيها ذلّ البدن: الحِدّة، والغضب، والكِبر، والبغي، والمجادلة، والبخل، وإظهار الجفاء، وترك حرمة المؤمن، وسوء الخلق، وترك الإنصاف.

الاتصال والأحوال
الاتصال بالله على أربعة مقامات:
المقام الأول واقفين متألمين من ثقل ما يرد عليهم من الواردات، وهم متضرعون.
والمقام الثاني يطردهم من حيث يعلمون، ويردّهم من باب آخر.
والمقام الثالث: يؤخرهم فيقولون: لا نبرح
والمقام الرابع قد أحاط بهم، فليس يمكنهم البراح
آخر نهايات الصدِّيقين أول أحوال الأنبياء، وليست لنهاية الأنبياء غاية تُدرَك.
للخلق أحوال، ولا حال للعارف: لأنه محيت رسومه، وفنيت هويته بهوية غيره، وغُيِّبت آثاره بآثار غيره.

الأدب
قعدت يوماً في محرابي فمددت رجلي، فهتف بي هاتف: من يجالس الملوك ينبغي أن يجالسهم بحسن الأدب.

الإشارة
أكثر الناس إشارة إليه أبعدهم منه

الأزل
النعمة أزلية يجب أن يكون لها شكر أزلي.
من أظهر من نفسه علم الأزل يحتاج أن يكون معه نور الذات

الاصطفاء
ما من عبد اصطنعه الله لنفسه وشغله بذكره وحماه عن مخالفته، وجعل له محادثة بقلبه إلا وسلّط عليه فرعوناً على كل حال من ذلك ينكره ويؤذيه.

الأعمال
حسب المؤمن من عقله أن يعلم أن الله غني عن عمله.
ما من أحد إلا وقد غرق في بحر الأعمال غيري، فإني قد غرقت في بحر البِرّ.

الأنس
هلموا إلى رغبة الزاهدين، وشوق الدارجين، وركون المتناسين، وحب الواصلين وأنس رب العالمين

التجلّي
يا مسكين، وهل وصل إليه أحد، لو بدا للخلق منه ذرة ما بقي الكون ولا ما هو فيه.

التصوف
التصوف صفة الحق يلبسها العبد
التصوف طرح النفس في العبودية وتعليق القلب بالربوبية، واستعمال كل خلق سَنِي، والنظر إليه بالكلية.

التوبة
توبة المعصية واحدة، وتوبة الطاعة ألف توبة

التوحيد
يستزيد أبو يزيد، ولا مزيد على التوحيد
-شهادة لا إله إلا الله مفتاح الجنّة- ولكن لا يفتح بغير مِغلاق، ومِغلاق لا إلا الله أربعة أشياء: لسان بغير كذب ولا غيبة، وقلب بغير مكر ولا خيانة، وبطن بغير حرام ولا شبهة، وعمل بغير هوى ولا بدعة.

التوكُّل
حسبك من التوكل أن لا ترى لنفسك ناصراً غيره ولا لرزقك خازناً غيره ولا لعملك شاهداً غيره.

الجوع
الجوع سحاب، فإذا جاع العبد مطر القلب الحكمة.

الحق والخلق
اللهم أنك خلقت هذا الخلق بغير علمهم، وقلدتهم أمانة من غير إرادتهم، فإن لم تعنهم فمن يعينهم؟
الناس كلهم يقولون به، وأنا أقول منه.
إن زعمت أن صلاتك مواصلة فهي مفاصلة، إن تركتها كفرت، وإن شاهدتها أشركت.
إن لله عباداً لو احتجب عنهم في الدنيا أو في الجنة لحظة لاستغاثوا كما يستغيث أهل النار.

الدنيا والآخرة
من اختار الدنيا على الآخرة يغلب جهله علمه، وفضوله ذكره، ومعصيته طاعته، ومن اختار الآخرة على الدنيا يغلب سكونه كلامه، وفقره غناه، وهمُّه سروره، وقلبه محبته، وسِرُّه قربَه، فتصير نفسه مقيَّدة بقيد الخدمة، وقلبه أسيراً لخوف الفرقة، وسِرُّه مستأنساً بأنس الصحبة.

الذكر
ذكر الله باللسان غفلة
ذكري لله حظّي منه ووقت غفلتي حظّ الله مني
لم أزل ثلاثين سنة كلما أردت ذكر الله أتمضمض وأغسل لساني إجلالاً لله أن أذكره.
ما ذكروه إلا بالغفلة وما خدموه إلا بالفترة
نظرت فإذا الناس في الدنيا متلذذون بالنكاح، والطعام والشراب، وفي الآخرة بالمنكوح والملذوذ، فجعلت لذَّتي في الدنيا ذكر الله عزّ وجلّ وفي الآخرة النظر إلى الله عزَّ وجلّ.

الذلة
نويت في سِرِّي، فقيل لي: خزانتنا مملوءة من الخدمة، فإن أردتنا فعليك بالذلة والافتقار.

رضا الله
إن أعطى عبداً من عباده رِضاه، فما يرجو بقصور الجنة؟
من لزم العبودية لزمه اثنان: يأخذه الخوف من ذنبه، ويفارقه العجب من عمله.
هذا فرحي بك وأنا أخافك، فكيف فرحي بك إذا أمنتك؟
السُّنَّة ترك الدنيا، والفريضة صحبة المولى؛ فمن يعمل السُّنَّة والفريضة كملت معرفته، لأن الكتاب كله يدل على صحبة المولى والسنة كلها تدلّ على ترك الدنيا، فمن تعلم السُّنَّة والفريضة فقد كمل.

عشر فرائض
عشرة أشياء فريضة على البدن: أداء الفريضة، واجتناب المحارم، والتواضع لله، وكف الأذى عن الإخوان، والنصيحة للبرّ والفاجر، وطلب المغفرة، وطلب مرضاة الله في جميع أموره، وترك الغضب والكِبر والبغي والمجادلة من ظهور الجفا، وأن يكون وصيّ نفسه: يتهيّأ للموت.
من سمع الكلام ليتكلم مع الناس رزقه الله فهماً يكلم به الناس، ومن سمعه ليعامل الله رزقه الله فهماً يناجي به ربَّه.
أقربهم إلى الله أوسعهم على خلقه
ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شرٌّ منه فهو متكبر
ليس العجب من حُبِّي لك وأنا عبد فقير إنما العجب من حبك لي وأنت ملك قدير.
من نظر إلى الخلق بالخلق أبغضهم، ومن نظر إلى الخلق بالخالق رحمهم.
إذا عرف عيوب نفسه، وقويت همته عليها، فحينئذٍ يبلغ مبلغ الرجال.
دعوت نفسي إلى الله فأبت عليّ واستصعبت فتركتها ومضيت إلى الله.
لا يعرف نفسه من صحبته شهوته
إن المريدين ليسوا يهدأون من السياحة والطلب.. صاحبي مقيم ليس بمسافر وأنا معه مقيم لا أسافر.
سأله رجل: من أصحب؟
– من لا يحتاج أن تكتمه شيئاً مما يعلمه الله منك.
لذَات الدنيا ثلاث: صديق وادّ وصحبة ملك جواد ومجالسة مفيد ومفادّ

ثلاثة محجوبين عن الله

أشد المحجوبين عن الله ثلاثة بثلاثة: فأولهم الزاهد بزهده، والثاني العابد بعبادته، والثالث العالِم بعِلمِه. مسكين الزاهد قد ألبس زهده وجرى به في ميدان الزُهّاد، ولو علم المسكين أن الدنيا كلها سماها الله “قليلاً” فكم ملك من القليل، وفي كم زهد مما ملك، إن هذا الزهد شرك، لأنه اعتقاد مع الله. إن الزاهد يلحظ إليه بلحظة، فيبقى عنده، ثم لا ترجع نظرته إلى غيره، ولا إلى نفسه. وأما العابد فهو يرى مِنّةَ الله عليه في العبادة أكثر من العبادة، حتى تعرف عبادته في المِنَّة. وأما العالم فلو عَلِم أن جميع ما أبدى الله من العلم سطر واحد من اللوح المحفوظ. فكم علم هذا العالم من ذلك السطر؟ وكم عَلِم فيما عَلم؟ ويكون هؤلاء الثلاثة ذوي شيء إلى يوم القيامة: واحد محجوب بزهده، وآخر بعبادته، وآخر بعلمه، والجنة هي الحِجاب الأكبر لأن أهل الجنة سكنوا إلى الجنّة، وكل من سكن إلى سِواه فهو محجوب.

من شعره
عَجِبـــــــــت لمــــــن يقول ذكرت ربِّي وهل أنسى فأذكر ما نســــــــــــيت
شربت الحُبَّ كأساً بعد كــــــــــــأسٍ فما نفِد الشــرابُ وما رَوِيـــــــــــتُ

أشـار ســــِرّي إليــــــــــك حتــــــــــــــــى فنيــت عنـــــي ودمــت أنـــــــــــــــــتَ
محوت اسمي ورســـم جســمــــــــــي ســــألت عنّـــي فقــلت: أنــــــــــــــتَ
فأنت تســــــلو خيـــال عيــــنــــــــــــــــي فحيثــــما دُرتُ كنــت أنــــــــــــــــــتَ

غرَستَ الحب غَرساً في فــــــــؤادي فلا أسلو إلى يوم التنــــــــــــــادي
جرَحتَ القلب مني باتصــــــــــــــــالٍ فشــــوقٌ زائدٌ والحُــبُّ بــــــــــــادي
سقاني شــــــربةً أحيا فــــــــــــــــؤادي بكأس الحب من بحـــــــــــــر الوِداد
فلـــــولا الله يحفــــــظ عارفيـــــــــــــــه لهــام العــــارفون بكـــــــــــــل وادي

 

من مروءات التآزر الدرزي المسيحي

الأمير شكيب أرسلان في استنبول
الأمير شكيب أرسلان في استنبول
معلوم أن أحداث الثورة السورية الكبرى سنة 1925 امتدت بتأثيراتها إلى لبنان وخصوصاً جنوبه، وذلك نتيجة لجملة أسباب منها قرب الجنوب من جبل العرب وتأثر أبنائه بما كان يحدث هناك. كما أن الوجود الفرنسي في قرى الجنوب وخصوصاً حاصبيا وراشيا خاف من امتداد الثورة إلى لبنان فبدأ بتحريك العصبيات الطائفية وإثارة مخاوف المسيحيين بهدف اجتذابهم للتعاون مع الدولة الفرنسية ضد الوطنيين، وذلك باعتبار فرنسا الحامية الوحيدة للوجود المسيحي في لبنان وسوريا. نتيجة لهذا الاستقطاب حصلت مواجهات محدودة وفتن مدبرة سقط فيها مصابون وضحايا من الطرفين. وقد بلغ الامر أمير البيان شكيب أرسلان في منفاه الاختياري في أوروبا فاعتراه قلق شديد وسارع إلى إعداد رسالة بعث بها إلى الموحدين الدروز والمسيحيين في الشوف ومناطق التعايش المشترك بينهم من ضمنها حث الفريقين على الحفاظ على أواصر المودة، كما نوّه في رسالته برجالات المسيحيين والموحدين الدروز ملقياً على عاتقهم أمانة الحفاظ على التعايش وأواصر المحبة والصلات التاريخية بين الطائفتين العريقتين. ومما قاله الأمير شكيب أرسلان في رسالته ما يلي:
“وأنا وإن كنت بعيداً عن الوطن، غير أنني أعلم بكل ما يحدث فيه، ومن هو المصلح وغير المصلح، وذلك لأن الناس تكتب لي؛ ونظراً لخبرتي بأحوال الوطن إذا جاءني القليل فهمت منه الكثير، وأخص بالذكر مآثر سيادة المطران أغسطين بستاني (مطران الطائفة المارونية في بيت الدين) ، هذا الرئيس الروحي والذي ينبغي أن يوجد في مثل تلك الأوقات العصيبة.
وهنا نحمد الله على أن مياه الصفاء بين الطائفتين رجعت إلى مجاريها بحسن مساعي سيادته ومساعي العقلاء والأفاضل. وإنني وإن كنت غائباً أو حاضراً ليس لي من وصية عند أبناء وطني سوى الإتحاد والتّحاب، لأن الطوائف المتنوعة في الوطن الواحد ينبغي أن تكون بعضها لبعض ركناً، وكل واحد من هذه الفئة أو تلك يُسدي معروفاً إلى أبناء الفئة الأخرى. ويجب أن يعلم أنه يخدم جماعته بذلك قبل الجماعة الذين أسدى إليهم المعروف.
وأثناء الحرب الكبرى، معلوم أنني كنت أعظ الجميع بالوئام والإنضمام ولاسيما الدروز الذين كانوا يسمعون مني أولاً لاعتقادهم بإخلاصي لهم، وثانياً لنفوذي يومئذ عند الدولة فكنت أقول لهم من كان منكم له صديق مسيحي يزوره في الشهر مرة صار يلزمه في هذه الظروف أن يشاهده في كل جمعة، وأي إنسانية تقدرون عليها نحو أبناء وطنكم النصارى فهذا وقتها، لأن الإتحاد على كل الأحوال هو العماد والراحة، ولأن القبيح يُقابل بمثله، وأنتم تعرفون المستقبل. فالأجدر أن يأتي المستقبل وصحيفتكم بيضاء عند هؤلاء الجماعة ولا يقدرون أن يمسكوا عليكم ممسكاً.
ثم يختم وصيته بلفتة تقدير واحترام لوجهاء دير القمر والشوف معاً إذ يقول:
”اسألوا لي عن خاطر سيادة المطران أوغسطين بستاني جزيل الإحترام في بيت الدين. وإن زرتم دير القمر قبّلوا لي عوارض الأخ عبدالله أفندي أفرام، والأخ نمر أفندي شمعون الذي كنت قديماً مغتاظاً منه ولكنني نسيت ذلك وعادت إلى قلبي محبته المتينة، ثم أهدوا سلامي وأشواقي إلى جناب الوجيه سليمان أفندي شمعون، وإن كان الأستاذ العلامة جرجس أفندي صفا في الدير فاسألوا لي خاطره واهدوه مزيداً من أشواقي لأنه صديق قديم ورجل كبير بعلمه وعقله”.
هذا، واسألوا لنا خاطر سيادة شيخنا الشيخ حسين طليع (شيخ عقل الدروز في حينه)، والتمسوا لنا دعاءه، وقبلوا لنا عوارض الأخ أمين بك طليع، واهدوا وافر التحيات إلى حضرات الأجلاء المشايخ أبي محمد قاسم أبو شقرا، ومحمود أفندي نجم أبو شقرا، ومحمود أفندي رافع ومحفوظ أفندي حميه، وإلى أنس المجالس الشيخ أبي علي الفطايري، وسلامي وأشواقي إلى حضرة أخيكم محمد أفندي طليع”. 1

المخلص شكيب أرسلان

 

كيس ذهب من دير القمر
ينقذ حياة زعيم آل أبو شقرا

مقام-أبا-يزيد-البسطامي-في-بسطام
مقام-أبا-يزيد-البسطامي-في-بسطام

كان أجدادنا يتناقلون لعشرات العقود من الزمن حادثة مؤثرة حصلت قبل نحو 200 عام وحملت الكثير من العبر عن أهمية التآزر الدرزي المسيحي، وعن الفوائد العظيمة التي يجنيها الطرفان من جراء علاقات الوئام الدائم بينهما. موجز تلك الحادثة أنه وعلى أثر شر السمقانية سنة 1825 بين الأمير بشير الشهابي والشيخ بشير جنبلاط أخذ الأمير بعد انتصاره على خصمه الشيخ الجنبلاطي بالإنتقام من أنصاره وأتباعه ومنهم الشيخ بشير حسن أبو شقرا، والذي توارى عن بلدته عماطور إلى إقليم الشومر في الجنوب واختبأ في قرية تخص وجيهاً من بيت علي الصغير اسمه أحمد بك. وعبثاً فتش عنه رجال الأمير في مختلف أنحاء الجبل فلم يقفوا له على أثر. واتفق ذات يوم وهو يتجول في صيدا أن عرفه أحد جواسيس الأمير بشير ووشى به فقُبض عليه واقتيد مكبلاً إلى بيت الدين.
كان لهذا الحادث الوقع الأليم في نفوس أقاربه آل أبو شقرا، وخوفاً على حياته من بطش الأمير وتعسّفه استنجدوا بالشيخين النبيلين ناصيف وحمود النكديين أنصار الأمير. وتقول الرواية إن النكديـِّـيْن دخلا على الحاكم الرهيب في الساعة التي كانت الشرطة تستعد لتنفيذ حكم الإعدام بالشيخ أبو شقرا، فلاحظ الأمير على وجهيهما علامات الإضطراب والحاجة فسألهما:
-”خيراً إن شاء الله ، هذه الزيارة في هذا الوقت مش بلا ؟”
أجاباه : رجاء نعرضه على سعادتك.
دهاؤه حدثه برغبتهما، فقال: كل شيء إلا العفو عن بشير أبو شقرا.
أجاباه: العهد بيننا أننا حلفاؤك حتى الموت، وأنك لا تخيبنا ولا تكسر خاطرنا.
تأثر الأمير وأجاب: لكم ما تريدون فاطلبوا..
-العفو من شيم الكرام، ونحن نرجو أن تعفوَ عن ابن أبو شقرا.
قال الراوي: أسقط في يد الطاغية، ولبى رجاء الشيخين النكديين على مضض وكره، ولكنه اشترط أن لا يطلق سراحه إلا إذا أدّى خمسة وثلاثين كيساً وكان المبلغ باهظاً وعظيماً في ذلك الزمان، فسعى بنو أبوشقرا إلى تدبيره بشق النفس، وباعوا حُلي ومصاغ نسائهم والعديد من أرضهم، ثم ساعدهم أصدقاؤهم من عائلة أبو حسن في بعذران، وعائلة جودية في حارة جندل حتى تجمّع لديهم، بعد العناء الشديد، أربعة وثلاثين كيساً، وبقي عليهم كيس واحد، ولكن الأبواب سدّت في وجوههم فحرّكت المروءة الشيخ نادر بو عكر كبير أسرة آل نعمة في دير القمر، وهي أسرة صديقة لآل أبو شقرا منذ القدم وتربط بينهما أواصر المحبة ووحدة الفرضية، فجمع هذا الشهم الكيس من عائلته الكريمة وقدمها إلى أبو شقرا وأنقذ بعمله هذا حياة كبيرهم من الموت المحتم.
ومما يرويه المؤرخ حسين غضبان في كتابه “ الحركات في لبنان، ص 22 “ أن الشيخ قاسم معضاد أبو شقرا، شيخ قرية عماطور في حينه، نزل إلى بيروت سنة 1880 لشؤون خاصة، وعندما همّ بالعودة شعر أنه متوعك المزاج، فمرّ بالشويفات ليبيت عند صديقه فارس محمود أبو حسن، ولم تمضِ بضع ساعات على وصوله حتى حضرته الوفاة.
في الصباح حُمّل الفقيد بموكب نحو بلدته عماطور، وقبل أن يبلغ الموكب دير القمر، كان النعي قد وصل إليها فتداعى رجال آل نعمة لملاقاة الموكب في ظاهر البلدة، ومن هناك انضموا إلى الموكب وساروا إلى جانب آل أبي شقرا يساهمون في حمل الجثمان حتى وصلوا عماطور، فوقفوا يستقبلون المعزين مع آل أبوشقرا وكأنه فقيدهم.

جميل ردّ الجميل لكن البادىء أفضل

الرجال سيفها ليس للعدوان
الرجال سيفها ليس للعدوان
مخطىء من خالج فكره يوماً أن الشعب المسالم في قراه ومدنه، كان السبب في تغيير مجرى الثورات من وطنية إلى فتن طائفية، فقد كان العامل الأهم هو الأيادي الخفية لعملاء السلطة المحتلة أو لعناصر الشر والمكائد من مخابرات محلية أو خارجية وجميعهم ممن ينطبق عليهم القول:”يفسدون في الأرض ولا يصلحون”.
هذا ما حدث يوم فتنة بلدة كوكبا في الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني سنة 1925، بعد أن تناهى لسمع زوجة الشيخ أبو محمد أسعد الزغير، أزيز الرصاص وضجيج الغوغاء وارتفاع الأصوات والعياط، قرب بلدة كوكبا، وكانت لم تزل تصطاف مع عائلتها في بستانها القريب من البلدة المذكورة، صرخت قائلة: “يا أبا محمد ولدنا مهنا ذهب للصيد هناك، إذهب وابحث عنه وعسى أن لا يكون قد أصابه مكروه”.
اعتلى أبو محمد ظهر دابته وانطلق نحو العين غير آبهٍ بالخطر المحدق به، كونه لا علم له بما حدث أو لم يزل يحدث. لدى وصوله إلى مبتغاه، وجد مهنا يبحث عن طرائده رغم أن طرائد غيره كانت من الأبرياء الضعفاء. عند اقترابه من العين المذكورة، إذ بنسوة مع أولادهن وأطفالهن ويربو عددهن على الثلاثين، يركضن نحوه صارخات مولولات يلتمسن النجدة والخلاص.
تحركت النخوة والعزة والكرامة التي انفطر عليها هذا الشيخ وأمثاله، خصوصاً وأن العديد من أؤلئك النسوة كنَّ ممن يعرفهن أو يعرف أزواجهن. ورغم استغرابه لهذا المشهد انتفض قائلاً: “ويحكن، ماذا يحدث هنا، ولماذا هذا الهلع؟ فأنتن بإذنه تعالى سالمات ولن يصيبكن أي مكروه وأنا حيٌّ ولي عرق ينبض”.
إنطلق أمامهن عائداً من حيث أتى بعد أن أودع العديد من الحوائج المهمة كالمصاغات وسواها في خرج دابته ووضع أمامه وخلفه أربعة أطفال وسار أمام النسوة وابنه مهنا يرافقهن.
مع وصوله إلى بستان الحرفاني القريب من بستانه، وجد العديد من الثوار وبينهم من يمتّ إليه بصلة فاستوضحهم عن السبب، ثم طلب من بعض أصحابه وأقاربه أن يعودوا معه لمساعدته وحماية مرافقيه حتى وصوله إلى بيته في حاصبيا، وذلك تحسباً لأي إنتقام ممن فقدوا أولادهم أو أحد أقاربهم.
في منزله، رحّب أبو محمد بالنسوة ثم دعاهن إلى الدخول آمنات مطمئنات غير أنه فوجىء بإحداهن والدموع تملأ مقلتيها وهي تولول وتلطم خديها وتقول: “ولدي حبيب لم يزل في السرير”.
ذُهل واستغرب من هذا الكلام، ثم سألها: لماذا لم تقولي قبل مجيئنا؟  وقبل أن تستجمع قواها للجواب سارع إلى طمأنتها بالقول:لا تقلقي سأعود وأجلبه فأين بيتك، وزوجة من تكونين؟
-صحيح يا عمي أبو محمد؟ صحيح؟ وهل باستطاعتك أن تعود؟ فأنا زوجة شكري أبونقول وبيتنا في الجهة الشرقية من الكنيسة.
وصل إلى البلدة والنيران لم تزل تلتهم ما تبقى من المنازل وما يحيط بها لكن المنزل المقصود كان لم يزل سالماً. فاندس إلى داخله وأخرج الطفل من سريره ثم عاد به إلى والدته.
هنا مشهد يرويه حفيد الشيخ عن لسان والده فارس قائلاً: “ بقي ذلك المشهد طيلة حياته لا يبرح فكره، كيف أن الوالدة تلقفت الطفل، وكيف ركضت ثم ركعت أمام والده شكراً وامتناناً، لكن الجد استغفر الله وأجاب: “هذا واجبنا تجاه ضميرنا وتجاه الجميع وكيف وأنتم جيراننا وأحباؤنا”.
بقيت النسوة في المنزل مكرّمات فترة من الزمن، غير أن خوف مضيفهن من الأيام المقبلة وعاقبتها جعله يذهب إلى الشيخ حسين قيس قاضي المذهب الدرزي آنذاك، طالباً منه النصيحة في ما يجب أن يكون موقفه تجاه النسوة.
أيقن الشيخ خطورة الأمر، لذا أشار إليه أن يوصلهن إلى سهل إبل السقي على أن يكملن طريقهن من هناك إلى مرجعيون، حيث أن البلدة عادت إلى يد السلطة المستعمرة ولربما أزواجهن وأولادهن يتواجدون هناك.
هذا ما حدث بالفعل، إذ قام بإيصالهن مع بعض أقاربه إلى السهل المقصود، ومن هناك توجهن إلى مرجعيون، وكان اللقاء المؤثر بين الفاقد والمفقود.
رد الجميل لم يطل كثيراً لأبي محمد أسعد الزغير، من قبل آل أبو نقول، إذ بعد اندحار الثوار وتركهم لبلدتهم حاصبيا ودخولها وحرقها من قبل الجيش الفرنسي وبعض المتعاونين معه، كان أن سلم بيت الشيخ أبو محمد من الحريق وذلك بإيعاز وحضور من والد ذلك الطفل، وكان من جرّاء ذلك أن تعمّقت الصداقة وتجذّرت بين آل الزغير وآل أبونقول حتى اليوم الراهن. ويكمل الراوي فيقول إن السيدين شكري وميشال أبونقول بقيا يناديان والده فارس حتى وفاتهما بأخي فارس.
هذه المأثرة حدت بي إلى إعادة ما رواه أمامي الطيب الذكر الأديب سلام الراسي عن مأساة بلدة كوكبا فقال: “أقسم اليمين عما سأرويه حيث كنت في الرابعة عشرة من عمري عندما أتى إلى بلدتنا إبل السقي، وفد حكومة حاصبيا برئاسة نسيب أفندي غبريل، وعضوية كل من السادة نزيه مؤيد العظم، وشكيب وهاب وفي جعبتهم المنشور الموقع من القائد زيد الأطرش وفحواه: “إن قدوم الثوار الدروز إلى هذه البلاد هو لإنقاذها من السيطرة الأجنبية، وإن ثورتهم هذه باسم الوطن لا بإسم الطائفية، وإن جميع أبناء الوطن، إخواننا في النفس والمال والحرية الشخصية. وعلى مبدأ “الدين لله والوطن للجميع”، راجين التفّهم والتعاون والله من وراء القصد”. ثم أخبروهم أن الثوار سيمرون غداً قرب بلدتهم متلمسين منهم عدم التحرش أو إطلاق النار عليهم.
أثناء تواجد الوفد في منزل الوجيه يوسف أبو سمرا علمت المخابرات الفرنسية المتواجدة في مرجعيون بقدومهم، لذا أرسلت ثلاثة من عملائها لاعتقال الوفد المذكور، لكن حالما عرف أبو سمرا بالأمر حتى أرسل رجاله لمقابلتهم وأمرهم بالعودة من حيث أتوا.
في اليوم التالي، قَدِم الثوار من حاصبيا إلى مرجعيون وقصدهم طرد الحامية الفرنسية المتواجدة فيها سلماً، كما حصل في بلدة حاصبيا ذاتها، حيث طردت الحامية من موقعها في تلة زغلة من دون سفك أي نقطة دم وتمّ إيصال الجنود الفرنسيين إلى مصنع الحمّر، مع تزويدهم بالطعام والماء، كما سُمح لهم بنقل جميع معداتهم وأسلحتهم”، غير أن المخابرات المذكورة سابقاً ما كان منها إلا أن أرسلت العملاء الثلاثة ذاتهم إلى زيتون المغاريق المتواجدة أمام بلدة كوكبا، وحيال وصول الثوار إلى هناك فاجأوهم بإطلاق النار عليهم فقتل منهم على الفور ثلاثة هم: أسعد شرف وقاسم ومحمود أبودهن.
صادف أن حصل هذا الاعتداء الغادر على الثوار بينما كان قائد الحملة حمزة درويش يشرب القهوة عند خوري البلدة، ونظراً إلى أن القائد المحنط لم يكن موجوداً في الوقت المناسب فقد عمت الفوضة بين الثوار و”فلت الملقّ”، كما يقال بعد أن اعتقد الثوار أن أهالي كوكبا هم الذين هاجموهم لذا توجهوا نحو البلدة وحدث ما حدث، وقتل نحو ثلاثين من الذين قاوموا وكانوا يحملون السلاح.

ليردد بعد ذلك الأمير عادل أرسلان، أحد قادة تلك الثورة، جملته الشهيرة: “هكذا أرادتها فرنسا: من ثورة وطنية إلى فتنة طائفية”.

يا محترم حياتكم غالية جداً علينا

حدّثني الأديب سلام الراسي عن أريحية ومروءة الشيخ أبو اسماعيل سليم خير الدين، فقال: “بعد اندحار الجيش الفرنسي التابع لحكومة فيشي سنة 1940، أمام الجيش الفرنسي التابع لحكومة الجنرال ديغول في الجزائر في منطقتي مرجعيون وحاصبيا حدث فراغ أمني في بلدة حاصبيا من جرّاء ذلك.
القسيس إبراهيم داغر، راعي الكنيسة الإنجيلية، ومدير المدرسة التابعة لها في تلك البلدة، وكان لم يزل يقطن فيها.
إحدى الليالي، نظر من نافذته، فوجد ثلاثة مسلحين يتجوّلون قرب منزله، لكنهم لم يطرقوا الباب، ومع هذا بقي طوال الليل يترقب حدوث عمل مشين.
بعد طلوع الفجر بقليل، أسرع القسيس إلى صديقه الشيخ أبو اسماعيل خير الدين وحادثه قائلاً :
“شيخنا الكريم، إذا كان وجودي في بلدتكم غير مرغوب فيه، فأرجو من حضرتكم إعلامي بذلك، وإنني على استعداد للرحيل ساعة تشاؤون، والسبب أن ثلاثة مسلحين بقوا طوال الليل أمام منزلي”.
تبسّم الشيخ بعد أن استراحت تقاسيم وجهه، وأدار بيده فوق لحيته وقال:
“يا محترم، لا يغرُب عن بالكم أن حياتكم غالية جداً علينا، وأن وجودكم بيننا لا يقدّر بثمن. فأنتم المرشد الروحي والفكري لأولادنا وللجميع، وخوفاً من حدوث مكروه لحياتكم في هذه الأوقات العصيبة، قمنا بإرسال الشباب لحراستكم، والسهر على راحتكم”.
تبسّم القسيس بعد أن سمع ذلك، وبعد أن استراح فكره، نظر نحو الشيخ من جديد وقال: “حييتم وبييّتم أيها النبيل الشريف، وحقيقة أنكم خلقتم للمعروف يا بني معروف”.

 

 

ابو جبر

قصّة واقعية لكنها أغرب من الخيال

الشّيخ أبو جبر سلامة الحمّود الأطرش و اغاثة الملهوف قي نراث الموحّدين الدّروز

القصة الغريبة لتاجر شركسي وقاتله وغاصب ابنته وكيف أدى تدخل سلامة الأطرش إلى معاقبة المجرم وجمع شمل أسرة فرقتها الأقدار

كان الأهل في مضافات جبل العرب يردّدون لقبه “سمّ الموت”، بإعجاب تمازجه الدهشة كلّما ذُكر اسمه، وذلك للدلالة على بطولته وكونه موتاً نازلاً على أعدائه.
يذكره الشاعر أحمد العلَيّان، وهو أحد أبرز الشعراء الشعبيين في القرن التاسع عشر فيقول فيه:
تلفي عا منـــزول مَلْفى لَلاِجْـواد لَلْغَضنــفرْ والنّمـــر،ْ إيضا الفــــــهدْ
تلقى (سَمّ الموت) مامِثْلَهْ أحَـــدْ عِزْ مَنْ ركب الفرس إيضا وْلَـــــــكَدْ
ولد سلامة (سم الموت) نحو أواخر القرن الثامن عشر، وبذا فقد عاش حياة حافلة استغرقت القرن التاسع عشر بطولِهِ، إذ ناف بعمره عن مئة عام، لكن حياة أبو جبر لم تكن إنفاقاً للسنين الرتيبة بل كانت سِجلاً من البطولات وإغاثة الملهوف لكنّه سجل امتزج في الوقت نفسه بمآسٍ موجعة قلّما تجد بطلاً سَلِم من معاناتها وامتحانها.
يتعرّض الأمير متعب الأطرش في مذكّراته لدور(أبو جبر) سلامة ــ وأبو جبر هو جد الأمير متعب لأمّه ــ، فيذكر بأنّه كان له الفضل الأوّل في تدعيم حكم إسماعيل الأطرش في الجبل، ذلك لأنّ أبا جبر كان من الفرسان الأشدّاء الذين تضافرت جهودهم في مجالات اجتماعية متعدّدة “لتوطيد الأسس الجديدة”، ولا بدّ أنه يقصد بالأسس الجديدة، إحلال الزعامة الفتيّة والفعّالة لإسماعيل الأطرش، والتي كانت تلبّي مصالح الموحّدين الدروز، محل الزعامة التي لم تستطع أن تتكيّف مع التغيّرات الاجتماعية في الجبل، من جهة أولى، وذلك بعد أن تزايدت أعداد المهجّرين من الموحّدين الدروز من جبل لبنان ووادي التيم وشمال فلسطين وديار حلب، وبعد أن تزايدت أطماع الولاة العثمانيين في خيرات المجتمع الجديد من جهة ثانية.

مؤامرة لقتل إسماعيل الأطرش
يستشهد الأمير متعب بحادثة جرت نحو سنة 1870م، تدلّ على حذر جدّه سلامة ــ ابن عم إسماعيل ــ وتوجّسه من العثمانيين، فيروي بأن الوالي العثماني في دمشق، تلقّى رشوة ثلاثة آلاف ليرة ذهبية من الشيخ واكد الحمدان، شيخ جبل الدروز آنذاك، مقابل التخلّص من إسماعيل الأطرش، عدوّه الّلدود ومنافسه على زعامة الجبل، والذي كان يقود معارضة الدروز لزعامة الحمدان الإقطاعية المستبدّة.
كان الشيخ الحمداني قد صوّر للوالي أن لا مصلحة للدولة في بقاء نفوذ إسماعيل الأطرش المتعاظم في أوساط الدروز، وسائر لواء حوران الذي كان يشتمل على جنوب سوريا وشمال الأردن، كان إسماعيل قد نجح في عقد سلسلة من المصالحات والاتفاقيات بين فريقه من دروز الجبل وبين جماعات من عشائر حوران والبادية، وقد جعلت هذه المساعي منه الرجل الأقوى في جنوب سوريا حينذاك ــ وكان المستشرق البريطاني القس بورتر قد زار إسماعيل في قريته، القرَيّا، فأعجب بشجاعته، وباهتمامه بمن حوله، ونعته بـ” أشجع رجل في شعب شجاع”.
استدعى الوالي إسماعيل لمقابلته في دمشق، وكان سلامة بين أبرز من رافقه في تلك الزيارة المشؤومة، ولمّا قابله الوالي أعجب بما تنطوي عليه شخصيّته من مزايا، فلم تُسَوّغ له نفسه قتله، لذا كتب كتاباً ضمن مُغَلّف موجه إلى قائمّقام بُصرى يطلب إليه في ذلك الكتاب بأن يسقي إسماعيل السّمّ، وأعطى المغلّف إلى إسماعيل نفسه، وفي الطريق إلى بصرى قال سلامة لابن عمّه إسماعيل:”افتح الكتاب لنتعرّف ما به”، فأجابه إسماعيل:”كيف نفعل ذلك والرجل وثق بنا على كتاب نوصله لعامله على بصرى؟ هذا لا يجوز، والأمانة لا تسمح لنا به”، فقال له سلامة:” أنا أرى بأن الوالي قد أرسل هذا الكتاب معك لتطّلع على ما به، ولتتجنّب خطره، وأنت يا إسماعيل أصابنا بك مثل الذي حمل كتاباً على قطع رأسه”.
لم يقبل إسماعيل أن يفتح المغلّف، وحاول سلامة أخذه والاطّلاع عليه، فلم يرضَ إسماعيل، بل أصرّ على قراره بعدم فتحه، وفي بُصرى دخل الرجلان على القائمّقام الذي اضطرب لدى قراءته الكتاب ــ كما روى سلامة في ما بعدــ لكن القائمّقام لم يكن أمامه إلّا أن ينفّذ الأمر، فقُدّمَت القهوة المسمومة لهما، سكب سلامة فنجان القهوة ضمن لثامه تحت شفته السفلى، أما إسماعيل فقد شرب القهوة التركيّة، وما أن استقرّت تلك القهوة في جوفه حتّى نظر إلى سلامة قائلاً: “قم نعجّل بالعودة إلى ديارنا”.
أدرك سلامة أنّ ما توقَّعه قد حدث، فركبا جواديهما عائدين، وعندما صارا قرب قرية جْمَرّين ــ شمال شرق بصرى ببضعة كيلومترات ــ ظهرت أعراض السم على الشيخ إسماعيل، فأرسلا “ المفَزِّع إلى المجيمر وهي أولى قرى الجبل ممّا يلي سهل حوران، وشيخها من آل الحمّود الأطرش، نزلا بها للاستراحة، ثمّ انتقل إسماعيل إلى قريته عرى، ولم ينفع معه طبٌّ ولا دواء، فوافته المنيّة بعد سبعة أيّام من الزيارة المشؤومة للموظّفين العثمانيين، وسَلِمَ سلامة بحذره.

قصة أغرب من الخيال
في وقتٍ ما من سبعينات القرن التاسع عشر، وبحسب المرويّات الشفهيّة للأهل، أنّ تاجر أبقار شركسيًّا من قرية “الجويزة” في ديار الجولان، جنوب غرب دمشق بنحو خمسين كيلومتراً، قد اعتاد القدوم إلى جبل الدروز، ليبيع أبقاره الجولانية المشهورة بإدرارها للحليب، وبقوّة بُنْيَتها، وبُنْيَة ما تُنْجبه من عجول، تصير ثيراناً قويّة تجرّ المحاريث في أرض الجبل، وفي مثل هذه الحال، كان لابدّ لذلك التاجر وأمثاله من مرتادي جبل الدروز، من أن يعبروا قرى حوران التي تفصل بين الجولان وبين الجبل، وكذلك لا بدّ له من أن يحلّ ضيفاً على أحدهم في إحدى القرى الحورانية، لعلّه يبيع بعض ما يتجر به، ثمّ إنّ المسافة بين الجولان وجبل الدروز يصعب قطعها في يوم واحد على شخص في مثل حاله.

إسماعيل الأطرش “أشجع رجل في شعب شجاع” وطّد نفوذه على جنوب سوريا لكن الوالي العثماني اغتاله بقهوة مسمومة بناء على تحريض واكد الحمدان

القصة الغريبة لتاجر شركسي وقاتله وغاصب ابنته وكيف أدى تدخل سلامة الأطرش إلى معاقبة المجرم وجمع شمل أسرة فرقتها الأقدار.
حلّ الرجل في رحلته تلك ضيفاً على أحدهم في بلدة بصرى. دارٌ رحبةٌ مسوّرة، تتصدّرها بوّابة عالية، وفي تلك الدار أرزاق موفورة، ونسوة وأبناء ومرابعون.
رحّب صاحب الدار بالتاجر، ولمّا علم وجهةَ رحلته حذّره من أنّ الدروز قد يغدرون به، ونصحه بعدم متابعة طريقه إلى جبل أولئك القوم، لكنّ التاجر كان واثقاً من سلامة طريقه، فهو قد خَبِر الدروز في أكثر من مرّة، وجرّب معاملتهم، واستنتج أنّ رأي مضيفه يستند إلى حزازات سببها أخطاء بعض الأشخاص من حوارنة أو دروز من الجانبين، ويستغلّها العثمانيون من جانب آخر، وبهذا يسهل على هؤلاء التحكّم في الفريقين الضّحيّتين، الدروز والحوارنة.
لم يأخذ الشركسي بنصيحة مضيفه، وفي صبيحة اليوم التالي انطلق بتجارته مبكّراً نحو الشرق من بصرى، حيث قرى الجبل التي تتناثر على السفوح الوعرة. قال له المضيف:”إذا رجعت سالماً فلا تنسَ أن تمُرّ بي”.

غدر في هزيع الليل
بعد أيّام من الاتِّجار في الجبل وُفِّق الشركسي في بيع أبقاره، وملأ جيوب كَمَرِه ليرات ذهبية من ثمنها، عند ذاك قرر العودة إلى قريته في الجولان، ولكنه أحبّ أن يلبّي دعوة مضيفه السابق في بصرى، وكان الغروب قد أدركه قربها، وهو يعلم حق العلم أنّ السفر ليلاً لأمثاله ممّن يحمل ذهباً في ذلك الزمن غير آمن، والطرق مُخوِّفَة حتى في وضح النهار.
نزل الشّركسيّ ضيفاً عند البصراوي، فرحّب به واستضافه، وبُعَيْد هزيع من الليل تأكّد المُضيف أنّ ضيفه قد استغرق في نومه، فعمد إلى بلطة مسنونة أهوى بها على رقبة الضيف الغافي ففصل رأسه عن جسده، وكان قد أعدّ حفرة في جانب من باحة داره، رمى جثة القتيل بها، وأهال عليها التراب ورشّ التبن والقش فوقه، فبدت الأرض متماهية مع ما حولها، ونظّف مكان الجريمة فكأنّ شيئاً لم يكن.
هي الأيّام تمضي، وانقطعت أخبار الشركسي عن قريته في الجولان، وشُغِل أبناؤه وبناته، وذووه بأمره، وأيقنوا بعد متابعة وتقصٍّ أن فقيدهم ضاع أثره وفُقِدَ في جبل الدروز، ولطالما عزّز الحاقدون على الجبل مثل هذه الأقاويل.

ألقاه-في-حفرة-في-الحديقة-وسوى-فوقه-التراب
ألقاه-في-حفرة-في-الحديقة-وسوى-فوقه-التراب

حكمة الأقدار
وفي يوم من أيّام بؤس أسرة ذلك الشركسي المفقود، مرت بقرية “الجويزة” جماعة من غَجَر ذلك الزمان، كانت تتجوّل في قرى وأرياف الجولان، فاختطفت صغرى بناته، الطفلة “زينب “، وعلى عجل، فرّت بها تلك الجماعة إلى الأردن.
كانت زينب في السابعة من عمرها يومذاك، وقد بقيت عند خاطفيها نحو ثلاثة عشر عاماً، أصبحت فتاة في العشرين من عمرها، صبية شقراء رائعة الحسن، خضراء العينين ممشوقة القد. ولما كان التّجوال سمة ثابتة في حياة الغجر، فقد شاء القدر لزينب أن تمرّ بها جماعتها في بصرى. هناك اشتراها أحد الرجال بأربع ليرات ذهبية ليتبنّاها، وصدف أن رآها الرجل قاتل ذلك الشركسي العاثر، سُحِر بجمالها، فغَصَب متبنّيها على بيعها له، وأخذها معه إلى بيته. أرادها زوجة رابعة له، بالإضافة إلى زوجاته الثلاث، فأبت زينب ذلك. وتمادت مع الأيّام في رفضها الزواج به، خصوصاً بعد أن علمت من كبرى زوجاته بمقتل تاجر شركسي كان عائداً من قرى جبل الدروز إلى دياره البعيدة.
أدركت زينب أنّ ذلك الرجل القتيل هو أبوها. كانت تلك المرأة قد حذّرتها بأنّه إذا استمرّت في عنادها له، سيقتلها كما قتل الرجل المطمور في تلك الحفرة من زاوية باحة الدّار، وحيث لا يعلم بسرّها غيرها بعد اثنين، هما: الله، وزوجها القاتل، كانت قد راقبته خِفْية عندما قتله وسلب ماله، وواراه التراب، ورشّ على وجه التراب التبن للتمويه، وكذلك أرشدتها إلى موضع حفرة المقتول.
تجاهلت زينب علمها بسرّ مقتل أبيها، وظلّت على رفضها الزواج بقاتله. تحمّلت صنوفاً من العذاب والإكراه، كان يذكّرها بأنّها ستظلّ خادمة في حريمه إلى أن تقبل به زوجاً لها، وعندها ستعيش حياة سعيدة، لكنّها لم تَلِنْ له، وقُدّرَ لها أن تتعرّف على امرأة بدويّة اعتادت المجيء إلى حريم ذلك الرجل، مالكها. أعْلَمَتها بأمرها، وباحت لها بسرّها، وبأنّها عرضة للإغتصاب من مجرم هو قاتل أبيها، فوعدتها البدوية بسبيل خلاص من محنتها.
كانت البدوية زوجة لراعٍ يرعى بأغنام وماعز لدروز قرية بكّا المجاورة، وتقع إلى الشرق من بصرى، على مسافة نحو سبعة كيلومترات منها، وشيخها سلامة الحمّود الأطرش.

زينب الحسناء الأسيرة اكتشفت أن سجّانها هو قاتل والدها فكشفت سرها لبدوية وطلبت منها تدبير نجدة تنقذها من أسر المجرم

استغاثة البدوية بالشيخ سلامة
خرجت تلك المرأة البدوية من دارة مُضيفاتها، فكّت رباط أتانها المربوطة في حوش الدواب، وانطلقت مسرعة إلى بكّا، وقد عزمت على أمر جَلَل، لقد عرفت تلك البدويّة كيف تبدأ به، أمّا خواتيمه فقد تجاوزت قدرات كل الأشخاص الذين مثّلوا أحداث هذه القصة الملحميّة.
ما إن أطلّت البدوية من على مشارف قرية بكّا حتى أخذت تصيح مستغيثة ــ وتلك من عادات الأعراب القديمة ، “آ..آ..آ سلامة، وين سمّ الموت؟” واستمرّت تكرّرها وهي تتّجه إلى بيت الشيخ سلامة، فما أن سمعها حتّى أسرع إليها، إلى باب دياره الواسعة ملبّياً: “أبشري يا بنت، لَكِ ما تريدين”. عند ذاك أخبرته بقصة الشركسية ومأساتها وأنّها تطلب نجدته، قال لها:” غداً صباحاً اذهبي إليها، أبلغيها أن تحضّر نفسها لأخلّصها، وعندما ينتصف الليل عليها أن تكون جاهزة لترفع لي رتاج بوّابة الدار، بحيث تكون قريبة منها، لتدلّني أين يكون الرجل، فأخلّصها وليكن بعدها ما يريده الله”.
الشيخ سلامة يعرف بصرى جيّداً، ويعرف الرجل وداره. انتظر حلول الظلام وانطلق إلى غايته على ظهر فرسه، سلاحه سيفه وبارودته المارتيني، وعبده يتبعه على فرسه، وله مثل سلاحه، كان قد اتّفق معه مُسْبَقاً، أن ينتظره جانباً قرب البوّابة، وما أن وصل حتّى ترجّل، ثمّ ناول العبد مقود فرسه، وتقدّم من البوّابة غير المُرْتَجة كما اتُّفِق. قليلاً قليلاً فتح ضلفة منها، وزينب شبح أسود يلطي قربها، كانت قد أطعمت كلاب الدار فأمنت منها بحيث لا تنبح، همست له:
ــ سلامة؟
ـــ هسّسّ
ـــ أينه؟
مشت أمامه إلى عِلّية في الدار بابها مغلق، أشارت له أن يتنحّى جانباً بحيث لا يظهر، رشّت نفسها بقليل من العطر، ثم طرقت الباب برقّة، لم يلبث أن فتح لها، كان شبحاً ضخماً متين البنيان.

المجرم ينال عقابه
ما إن رآها، عرفها، خَطَتْ أمامه خطوات فتبعها بلا سؤال. عندها تقدّم منه سلامة: “تخون الضيف وتسلب ماله وتغتصب ابنته؟، خذها…” كانت ضربة صاعقة بحيث بقيت صرخة القتيل محبوسة في حنجرته، وتدحرج الرأس إلى الأرض، أمّا الجسد فتمايل قليلاً وسقط أرضاً.
أشار سلامة لزينب فتبعته، ومضيا مسرعين، عَبَرا البوابة إلى الخارج، إلى حيث العبد والفرس ينتظران، تناول مِقْوَد الفرس من عبده ووثب على ظهرها، وكالبرق تناول بيمناه يد زينب اليمنى، ومدّ بقدمه اليمنى عَبْر الركاب بحيث تكون درجة، وضعت زينب قدمها اليمنى عليها وقفزت فكانت خلفه على ظهر الفرس، وانطلقا شرقاً إلى بكّا يتبعهما العبد.
شاع خبر إنقاذ زينب في البلاد، وأخذت السلطة العثمانية تلاحق الشيخ سلامة كقاتل، وأخذ الجنود العثمانيون من مركزهم في بصرى يلاحقونه ويقتفون أثره، أمّا زينب، فإنها صمّمت أن تظلّ إلى جانب عمّها سلامة، الذي أنقذها وحمى شرفها، فلبست لباس الرجال، وحملت سلاحاً وامتطت فرساً ولازمته كظلّه، كانا يتنقّلان بعيداً عن أنظار العثمانيين وجواسيسهم من مكان الى آخر ومن قرية الى أُخرى، ويعودان إلى بكّا في بعض الأيّام والليالي، إذْ لا بدّ للشيخ سلامة من أن يكون على بيّنة من شؤون قريته.

أخذ الفرس وانطلق ليلاً وفقاً للخطة
أخذ الفرس وانطلق ليلاً وفقاً للخطة

زينب تعثر على شقيقيها
وحلّ يوم نَكِد عليهما، إذ أحاط بهما الجند العثماني في خرائب قرية قديمة مهجورة، تقع إلى الشرق من مدينة القرَيّا الحاليّة ببضعة كيلومترات تُدعى”دَفْن”، كما تبعد شمالاً بشرق من بكّا ببضعة عشرة كيلومتراً. هناك قُبِضَ على الفارسين وسيقا مُكَبّلَيْن بسلاسل الحديد، وفي بعض الطريق إلى بصرى أخذ اثنان من الجنود يتكلّمان في ما بينهما باللغة الشركسية، وكان العثمانيون يتّخذون من الشركس وسواهم من غير العرب جنوداً في مخافرهم، ومواقع قوّاتهم على أطراف البوادي لقمع الحركات المناوئة لهم. فهمت زينب أن الشركسيين يريدان قتلهما قبل أن يصلا بهما إلى مخفر بصرى، وعندها نزعت لثام الفارس عن وجهها، وباللغة الشركسية ذاتها أفهمتهما قصّتها، وبأن هذا الرجل الذي معها هو مَنْ حرّرها، نخوةً وشهامةً منه، ولم يمسّها بسوء، وهو من أنقذ شرفها من قاتل أبيها التاجر الشركسي الذي انقطعت أخباره، واتّهم الدروز بقتله.
عندما سمع الشركسيّان كلام زينب، ترجّلا عن فرسيهما، وتعرّفا على شقيقتهما المفقودة، تعانقا بعد فراق، وفكّا القيود عن الأسيرين، وقبّلا يديّ الشيخ سلامة الذي ثأر لهما من قاتل أبيهما، وأنقذ شقيقتهما ممّا كانت تعانيه من محنة، وحين وصلا إلى قائدهما، عرضا عليه قصّتهما وقصّة شقيقتهما، زينب، ومن ثمّ تمّ الكشف عن الهيكل العظمي المدفون في دارة القاتل الذي استحق الجزاء العادل من سيف الشيخ سلامة.

مأساة الشيخ سلامة
كان مسعى البدوية لإنقاذ زينب الشركسية مسعًى فردياً، لكنّه ترك جرحاً عميقاً عند ذوي المقتول، قاتل الشركسي في بُصرى، صاروا يتحيّنون الفرص ليغدروا بالشيخ سلامة، فيُعتبرون أنهم أخذوا بثأرهم منه، وعلى الرغم من وجود مصالحة تمّت بين الدروز والحوارنة سنة 1896، فإن السلطات العثمانية جرّدت على جبل الدروز ماعُرِف بحملة ممدوح باشا ــ أو حرب عُرْمان ــ في أواخر ذلك العام، بدواعي فرض التجنيد على الشبّان الدروز، وتحصيل الضرائب، وبسط هيمنة الدولة. وبما أن تلك الحملة هُزمت هزيمة ساحقة أمام مقاتلي الدروز، إذ خسر العثمانيون أكثر من ألف قتيل، كما خسر الدروز أبطالاً بارزين منهم: عقاب البربور ومحمّد أبو خير، ومحمود غزالي ومنصور الشّوفي، وجبر الحَجَلي وحسين أبو خير ويوسف ياغي، وسليمان طربيه وحمد الصغير وعبّاس المتني، لذا فقد عمدوا سنة 1897 إلى إرسال حملة أخرى بلغ تعداد عناصرها نحو ثلاثين ألف جندي، وتمكّنت تلك القوات من احتلال السويداء، وفرض شروط قاسية على الدروز أقلّها نزع جميع الأسلحة، وتسليم عدد من الزعماء والوجهاء المطلوبين، ونفيهم وتهجيرهم مع أسرهم إلى الأناضول وجزائر البحر المتوسّط، ودفع غرامة قدرها خمسة آلاف ليرة ذهبية كتعويض عن الجنود القتلى من العثمانيين في المعارك، يضاف إلى ذلك تجنيد ثلاثة آلاف درزي لمدة خمس سنوات، للمشاركة في معارك العثمانيين في بلاد البلقان. وكانت سياسة التجنيد العثمانية تعني إفراغ الجبل من رجاله، وتركه هدفاً للغزوات البدويّة، ولأطماع الطامعين.
ومع ذلك لم تنجح الحملات العثمانية في القضاء على المقاومة الدرزية،” حاربوا بضراوة لا مثيل لها”، على حد ما جاء في أحد التقارير الدبلوماسية، وباعتراف الأتراك العثمانيين أنفسهم، إلى درجة أنه في إحدى المعارك بالقرب من بلدة قنوات، إلى الشمال من مدينة السويداء، مركز الجبل، كان بين شهداء الدروز أكثر من ثلاثين امرأة ــ يذكر ذلك عبّاس أبو صالح وسامي مكارم في كتابهما” تاريخ الموحدين الدروز السياسي في المشرق العربي”.(ص 302)
في ذلك الظرف الحرج أخذ العثمانيون يستغلّون التباين المذهبي بين الحوارنة السنّة، وبين الدروز، فيوقظون العداوات النائمة، ومن بينها ثأر ذلك المُضيف من بصرى، الذي غدر بضيفه التاجر الشركسي، ثم شاء له الهوى أن يغتصب ابنته، وكان أبو جبر سلامة ( سمّ الموت)، على إيغاله في العمر، ومع ولديه جبر ونايف وحفيده، ابن ابنته، رشراش، من بين أولئك الفرسان من بني معروف الذين أفلتوا من النفي والقتل، فاستمرّوا في مقاتلة العثمانيين حيثما وُجدوا، فيهاجمونهم في مواقع قواتهم التي انتشرت في العديد من قرى الجبل، ثم هم يؤوبون في بعض الليالي إلى قراهم وبيوتهم خفية عن أنظار الجواسيس لتدبير أمور أُسَرِهم، وتسيير شؤونها، وفي اليوم التالي يلتحقون بسواهم من المجاهدين لشن الغارات على القوات العثمانية ومباغتتها. أمّا ابنه فارس فكان قد سيق إلى المنفى في جزيرة كريت التي كانت آنذاك من ضمن الممتلكات التي أضاعها العثمانيون في ما بعد.

ثأر قديم وتحريض من الولاة العثمانيين مهَّدا الطريق لعملية انتقام غادرة من البطل سلامة الأطرش وأفراد أسرته

نكبة الأسرة
في ذلك الزمن المظلم من الليل العثماني المخيّم على جبل الدروز، من سنة 1897، وفي ليلة ظلماء، قدم جماعة من أهل بصرى في زِي ضيوف إلى دار الشيخ أبي جبر سلامة في بكّا، كانوا يشكون إليه سنين القحط والجوع، ويطلبون منه المعونة والمونة لأُسَرِهِم، وهو المعروف بسعة رزقه وكرمه وجوده، فرحّب الشيخ بضيوف الليل، وكَرّمَهم وأطعمهم من زاده، وسقاهم من قهوته، وواعدهم أن يأتوا مع صباح اليوم التالي بجمالهم ودوابهم، فيعطيهم ما يطلبون من قمح وطحين وسمن ودبس ومونة.
ومع فجر الغد جاء ضيوف الأمس بنيّة الغدر، وخلعوا زيّ الضيوف هذه المرّة، قدموا مع مهاجمين آخرين بأسلحتهم، وفاجأوا أهل الدار الآمنين الذين هبوا على جَلَبَة المهاجمين، المفاجأة الغادرة أفقدتهم تنظيم المواجهة، قُتل نايف برصاصة مزّقت صدره قبل أن تمكّنه صولة الغادرين من أن يتناول بندقيته، وهو الفارس المغوار الذي طالما أقلق الأعداء في غاراته عليهم مع والده سلامة، ومع أخيه الأكبر جبر، وابن أخته رشراش، ولم يلبث أن قتل جبر ثم ألحق المعتدون بهما أبن أُختهما رشراش، دقائق صاعقة مرّت كالعاصفة، قتل جميع من في الدار من رجال، ما عدا الوالد سلامة، الذي أُصيب برصاصة في فخذه عطّلت قدرته على المقاومة، وحِيْد به إلى زاوية خَفيّة من الدار فنجا.
على عَجَل نهب القَتَلَة ما استطاعوا نهبه من مؤونة وُعِدوا بها في الأمس، ولم يَعِفّوا عن نهب الأثاث والمقتنيات، ثمّ فرّوا إلى بلدتهم بصرى تحت حماية السلطة العثمانية وأمام أنظارها.
سَلِم من القتل في ذلك الصباح المشؤوم جنين ذكر كان في بطن أمّه ــ ذلك هو صيّاح، الذي سيصبح أحد أهم رجال الثورة السوريّة الكبرى إلى جانب سلطان ــ، أمّا “ بكّا”، القرية المغدورة، فرجالها وشبّانها مُوَزّعون بين منافي الأناضول، أو المُساقين إلى الخدمة القسريّة في جبهات البلقان، أو من هم خارج القرية في مهمّات ليلية لمناوأة معسكرات القوات العثمانية التي احتلّت معظم قرى الجبل، والقلّة الآخرون نأت بهم الغفلة عن صدّ المعتدين.
سريعاً انتشر خبر وقعة بكّا بين أهل الجبل، انتشر كنارٍ في هشيم جاف، لكنّهم في ذلك الظرف العصيب كانوا محاصرين في جبلهم المُدَمّى بين مدافع ورصاص الجيوش العثمانية، وبين سندان الحوارنة والبدو والشركس والأكراد الذين تمكّن العثمانيون من تأليب معظمهم ضدهم، وذلك بهدف إخماد مقاومتهم وكسر شوكتهم.

كان-التاجر-يغط-في-نوم-عميق
كان-التاجر-يغط-في-نوم-عميق

حزن شبلي الأطرش
شاع خبر نكبة الحمّود الأطارشة في الحواضر والبوادي، وتناقلته الركبان بعيداً، وعبر أسلاك التلغراف وصل إلى المنفيين من الدروز في الأناضول، وفي جزائر البحر العثمانية، كان شبلي الأطرش زعيم الدروز الأسطوري ــ كما تصفه المؤرّخة الألمانية بريجيت شبلر ــ منفيّاً آنذاك في جزيرة سيناب، إحدى جزر البحر المتوسّط. وصله نبأ نكبة أبناء عمّه، وكان شاعراً شعبيّاً، عُرِف برقّة شعره وشفافيّته، وتوثيقه لأحداث عصره في قصائده التي تنبض عاطفة وحنيناً وألماً وصدقاً. بعث شبلي بقصيدة عُرِفت بـ “ قصيدة الحمّود “ إلى عمّه سلامة يستنكر فيها المأساة التي قُتِل على إثرها إبناه وحفيده، ومنها:
إن جيــــــــت “بَكّا” ريــــح يــــا طارش الفـــــــــــلا
ما غيـــــــر هـــــــــذي يــــــــا فتــــــــــــى ما عـــــــــــــــــادْ
نــــــــــوّخْ ذَلولك وانســــــــف الكــــــــور جانِبُــــــــهْ
وانطــــــــي المسَطّــــــــــــر فــــي حـــــــــروف مــــــــدادْ
لَيَدْ “ أبــــــو جبــــر “ الشّجيـــــــــــــع المسمــــــــــــّى
وْفــــارس تَمــــــــام أمّــــــــا زمانــــــــــــو بـــــــــــــــــــــاد
اَلشّـــــــــــيبْ عيّا عــــا ذياب ابــــن غانــــــــــــــــم
لا يـــــا خَســــــــارهْ شــــــــــــاخْ نمـــــــــر الــــــــــــــــــــواد
أمّـــــــــا (سلامــــــــه) ماضيــــــــاتٍ مضاربـــــُهْ
لــــــــولا الكَبَــــــــــــرْ زيــــــــــــــر الحــــروب وْكـــــــــــاد
علــــــــى فَقــــدْ (جَبــــْرْ) انْهَدْ حِيْلــــيْ وقوّْتــــي
وعلــــــــى (نايــــــــف) الفــــرسان بالمِــــــــطــــــــــراد
تــــــــرى فقـدهــــم يا عـم خلخل عزايمــــــــــــي
وإدعــــــــــــا همومــــــــــي عَ الفهــــــــود اطْــــــــــــــــواد
تــــرى فقدهـــم يا عم ضعضــــع جوانبــــــــــــي
كأنّـــــــــي من البلــــــــــــوى بغـيــــــــــــر رشـــــــــــــــــــاد
يـــــا حيف عــــا تلك السبــــــــاع البواســــــــــــــل
مــــــــــــع مقطــــــــــــــــعٍ أقســـــى مــــن البـــــــــــــــولاد
فرســــــــان باللّقــــــــا، كَريمــــــــين بالعــــــــــــطا
وِنســــــــــــــــــين بالمحــــــــيا عيــــــــــــــــــال طــــــــــراد
هذا كلامي يــــا “ سلامــــــــــــه “ وبلوتــــــــــــــــي
عَ البُعــــــــْد أعــــــزّيكـــــــــــــم بغيــــــــــــــــر مــــــــــراد
بعد ذلك الاعتداء الغادر بفترة وجيزة، لم يلبث الجدّ، أبو جبر سلامة أن توفّي بعد عمر مديد نَيَّف على المائة عام، أمضى معظمها في ميادين البطولة والكفاح، لكنّها انتهت بمقتل ولديه جبر ونايف، وحفيده رشراش، توفّي قبل أن يرى أو يعرف جنسَ، أو اسم المولود الذي ستنجبه زوجة ابنه الشهيد نايف.

الانتقام المخيف
أمّا فارس، الابن الذي أسلمه المنفى في جزيرة كريت من مذبحة الأسرة في قرية”بكّا”، فقد بقي على قيد الحياة، وعندما علم بنبأ ما حلّ بذويه من شؤم، صمّم على الفرار من منفاه، وبعد جهد، ومعاناة مريرة استطاع الهروب من الجزيرة، عبَرَ البحر، وقطع الفيافي والقفار متجنّباً رقابة العثمانيين، متحمّلاً الأهوال والصعاب، ومتحدّياً الأخطار، إلى أن وصل إلى قريته في نهاية الأمر، ومنها مضى مع ابن أخته قبَلان بن عبدي الأطرش يلاحقان المعتدين بثأر ذويهما للاقتصاص منهم، فكالا الصاع صاعين، وأصبحا شبحين مرعبين تتذرع بهما الأمّهات لتخويف الصغار، وتهديد الكبار، وبقيا على هذه الحال فترة من الزمن، إلى أن أدرك المعتدون أنّ شؤم ما فعلوه من غدر سيبقى عارُهُ يلاحقهم ما لم يطلبوا من أولياء الدم الصلح وحقن الدماء، وهنا تدخّل المصلحون بعد أن أصبحت صولات فارس وقبلان على الجناة حديثاً يتداوله أهل الحضر والبوادي، وعبرة يعتبر منها كلّ غادرٍ معتدٍ، فتوقّفت الملاحقات.

رحلة-للتجارة-انتهت-بمأساة-5
رحلة-للتجارة-انتهت-بمأساة

وصية فارس الأطرش
كان فارس قد حمل التركة الثقيلة من بعد وفاة أبيه سلامة، لكنّه لم ينجب أولاداً، كما أنّ القدر لم يمهله ليرعى تنشئة ابن أخيه، توفّي بعد أن وُلد صيّاح، وهو يحمل جرحاً لم يندمل من أثر العدوان على الأسرة ذات التاريخ العريق، لكنه ترك قصيدة يوصي فيها الأهل والأصدقاء والأصحاب برعاية الطفل اليتيم، ويأمل فيها أن تظل المضافة مفتوحة الأبواب للضيوف والمحتاجين، ويتمنّى أن يكبر الطفل ( صيّاح) ليملأ الفراغ الذي تركه الرّاحلون، وليجدّد الأمل المرتجى، يقول فارس في ما يقول من وصيّته:
أوّل وَصيــــّة يا هَلــــــــي وداعتـي لا تنسوهــــــــــــا
(بصيــــّاح) يــــا اللي ضاويــــــــاً فـي نواحيهـــــــــــــا
ثاني وَصيّة يا هلـــــــــــي المضافــــة لا تِخْلوهــــــــا
بالضّــــيف حَيــــــــّوا وبالترحيــــــب زيدوهــــــــــــــــــا
بَلْكي الزمـــــــان بْصَيّـــاح بيــعــــــــــــود ليــــــــــــها
وبلكـي يقــولوا بـــعــــــــد أصحابهــــــــا فيـــــــــــــــــــها

صياح الأطرش يعفو عن المعتدين
ولكن الجرح الذي خلّفه المعتدون لم يندمل، وظلّ جمراً تحت الرّماد إلى أن كبر حفيد سلامة ”صيّاح” إبن الشهيد نايف، وأصبح قائداً مشهوراً في معارك الثورة السوريّة الكبرى على الاحتلال الفرنسي لسوريا، في ذلك الوقت قدم إليه وفد من ذوي أولئك الذين غدروا بِجدّه وأبيه وعمّه وابن عمّته، وطلبوا منه أن يأخذ بثأره منهم دون سؤال أو جواب، فعفى عنهم قائلاً:” معاذ الله أن أقوم بعمل مشين، فالعفو عند المقدرة”، وأكرمهم، وهكذا عادوا سالمين إلى بُصرى.
كانت المعركة على أشدّها ضدّ الفرنسيين، ولم يكن الزمن زمن إحياء الثارات بين الدروز والحوارنة، وهم الجيران، وأهل الوطن، والظروف تتطلّب أن يكونوا في خندق واحد ضدّ المحتلّين، لكنّ ذكرى سلامة الحمّود الأطرش بقيت عنواناً للبطولات والنجدة في تاريخ بني معروف.

هذا العدد

التوحيد مسيرة لم تنقطع

في هذا العدد السابع تتابع “الضحى“ المسيرة التي وضعتها لنفسها منذ العدد الأول، وهي مسيرة لخصتها تحت شعار للأرض للتراث للمعرفة. هذا الثالوث هو الذي يأتي بالحياة السعيدة والكريمة لأي شعب وليس الاستهلاك التبذيري ولا الحياة الماجنة أو الجاه الفارغ أو التقاتل الجاهل.
مما يؤسف له أننا إذا بحثنا عن أي من الأهداف التي اختطتها الضحى لنفسها نجده فعلاً مهدداً بشتى المخاطر. فإن تحدثنا عن الأرض وجدنا الإهمال وهجر النشاط الزراعي المنتج وحياة الاكتفاء، وإذا نظرنا إلى التراث وجدنا أيضاً مظاهر الفساد والتقليد الأعمى للغرب تعمل فيه هدماً وتخريباً، وإذا نظرنا أخيراً إلى المعرفة نجدها في أيامنا هذه في آخر اهتمامات الناس الذين لم يعد يهمهم إلا اللهو وتمضية الوقت على شاشات التلفزيون أو في التخاطب النصي عبر الهواتف الحديثة أو أي نشاط عقيم ومفسد، بينما لا تهتم إلا قلة نادرة بتربية النفوس واكتساب المعارف والتقرب من الله تعالى بالعبادة والذكر.
هذا الواقع المؤسف لا ندّعي أن في إمكاننا تبديله لأن لله في هذا الكون حكمته، لكننا منذ أن بدأنا العمل تمكنّا من أن نوفر للفئة المهتمة بعض ما تحتاجه من غذاء للفكر والروح، وهذا الغذاء الذي توفره “ الضحى “ لا يمكن العثور عليه في وسائل الإعلام التي تكاثرت، كما يتكاثر الفطر لكنها لا تحمل للناس فائدة أو مغنماً فكرياً.
نلفت في هذا العدد إلى الحلقة الثانية التي ننشرها حول حياة الاسكندر الأكبر والأثر الكبير الذي تركه على مسار البشرية. وهذا الموضوع في حد ذاته مثال على تفرّد المجلة في الإضاءة على جوانب في تاريخ الثقافة والحضارة يغلفها النسيان أو الكثير من الالتباس. والاسكندر الأكبر رجل عظيم ومدرسة في البطولة والشجاعة، كما هو في الوقت نفسه عارف دلت حياته كلها على أنه نهل من منابع الحكمة والعلوم على يد الفيلسوف أرسطو قبل أن يكون لنفسه فلسفة عظيمة في الوحدة الإنسانية والعدل والمدنية.
لماذا يغرق الإرث المضيء للاسكندر أو فيثاغوراس أو سقراط في عتمة التجاهل أو النسيان؟ لأن العقائد التي سادت بعد العصر الهيليني ركزت كل اهتمامها على الشرائع الجديدة التوحيدية التي اعتبرتها الناموس الأمثل والشرعة التي يمكنها أن تنظم حياة الناس في كل زمان على أسس العبادة الحق والعدل والفضيلة. وفي خضم ذلك الاهتمام، تولّد انطباع خاطئ هو أن كل ما ظهر من افكار وفلسفات خارج الرسالات السماوية يمكن تصنيفه كله تحت عنوان الوثنية أو العقائد الشركية. وهذا التبسيط مفيد من الناحية التاريخية لكنه أدى إلى ضعف الاهتمام بالتراث الكبير للحكمة القديمة ولعقائد التوحيد التي كانت حيّة وموجودة في أوساط النخب وبعض المدارس الفكرية على الدوام، وإن كانت لم تأخذ شكل العقيدة بسبب اقتصارها على سلوك التأمل والبحث الفلسفي الذي لا يلبي حاجة العامة لمعتقد مبسط يلائم ظروفها ومستوى فهمها. رغم ذلك لا ننسى التأثير الكبير لهذه الفلسفات في المسيحية والمدارس الفكرية الإسلامية في العصور الوسطى.
إن اهتمام “الضحى“منذ البدء بالتراث العظيم لمنابع الحكمة القديمة يعكس نظرتنا الإنسانية الشاملة للتوحيد باعتباره حلقة في سلسلة طويلة من الكشوفات الحكمية والمسلك الزهدي، وقد كان لهذا التراث على الدوام ممثلون وأنبياء وحكماء يعلِّمونه لمن هم أهل له ويحافظون على شعلته المضيئة في جميع الأدوار والأزمان.
وهذا الانفتاح الإنساني لا يتعارض أبداً مع الرسالات السماوية بل يكملها ويساهم في إعلاء شأنها وفهم مغازيها. وقد جاء في الحديث النبوي الشريف:”اطلب العلم ولو في الصين”، وهذا الطلب هو من قبيل الوصية أو التوجيه من قبل سيد الرسل إلى أمته وهو يعني أن الرسول (ص) يعلي من شأن العلم، ومن شأن طالب العلم الذي لا يعبأ بالصعوبات والمسافات في سعيه لأن يزداد علماً.
إن قِدَم التوحيد والحكمة الإنسانية أمر ذكره الله تعالى في كتابه العزيز عندما قال مخاطباً الرسول (ص) }وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} (غافر:78) أي أن المولى جل وعلا يخبر عن وجود أنبياء ورسل كثيرين بعثهم مبشرين بالحكمة وبالتوحيد وبعض هؤلاء الأنبياء لم يذكرهم بالاسم أو يأتي على قصتهم مع شعوبهم، كما أتى على قصص خمسة وعشرين نبياً في القرآن الكريم، وهو ذكر لم يرد على سبيل الحصر.
تلك هي رسالة “الضحى“. رسالة الاستزادة من العلم والانفتاح على الحقيقة أينما كانت. إنها رسالة التنوع وطلب المعرفة من مختلف مصادرها وهي مصادر لا نهاية لها ولا حصر. والله تعالى هو القائل:
قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (الكهف: 109) وما هي كلمات ربي؟ إنها كلمات الحق والنبوة والعرفان والحكمة التي جرت وتجري على لسان الأنبياء والأولياء منذ مطلع الزمان مثل نهر عظيم لا يتوقف لأن الله لم يترك عبّاده في أي وقت دون مبشر أو نذير.

مستشفى الجبل

مستشفى الجبل في المتن الأعلى
ثمرة الإصرار.. والتعلم بالتجربة

الإرتباك الإداري والمالي أغلقه بعد أشهر من انطلاقته
لكن الدعم المتجدّد أحياه مجدداً وصحح مساره

إصلاحان بارزان يطمئنان إلى مستقبل التجربة:

مجلس أمناء فاعل يتابع العمل والأداء المالي
وإدارة مباشرة ومحترفة عبر المؤسسة الصحية

إدارة المستشفى تتوقع أن يفتح أبوابه
للمرضى في مطلع شهر شباط الجاري

مستشفى الجبل في المتن الأعلى مسيرة جهاد وتعاون وإصرار أثمرت في النهاية إنجازاً طبياً يليق بمنطقة المتن الأعلى، لكن الطريق إلى إكمال هذه المؤسسة لم يكن قصيراً كما لم يكن بلا تعرجات واختبارات صعبة أحياناً، لكنّه قصة عمل اجتماعي قام على الجهود الذاتية للمجتمع المدني وعلى المبادرات المخلصة لأبناء المنطقة، فلم تُتِح له بالتالي دوماً الموارد الكافية للإنطلاق بالصورة المثلى، وكان ذلك كما يبدو أحد الأسباب التي أدت إلى انتكاسة المؤسسة في مرحلتها الأولى. لكن الصعوبات التي ظهرت خلال المرحلة الأولى من العمل لم تضعف من إرادة العاملين لتحقيق هذا الإنجاز، بل دفعتهم إلى تحليل أسباب الخلل وضاعفت عزيمتهم لإقامة التجربة من عثرتها، وقد تمّ بالفعل تصحيح المسار بسرعة بهمة القيادة السياسية وعدد من رجال الأعمال الذين أخذوا على عاتقهم توفير التمويلات اللازمة لإعادة إطلاق المستشفى، كما ساهمت خبرات المرحلة الأولى في حلّ مسألة إدارة المستشفى، والتي عهد بها هذه المرة إلى مؤسسة عريقة هي المؤسسة الصحية في عين وزين، وهو قرار يضمن متابعة العمل في المستشفى على أسس صحيحة تعيد ثقة المواطنين به كمؤسسة يمكن الاعتماد عليها، هذا مع العلم أن المستشفى يتوقع أن يفتح أبوابه لاستقبال المرضى في مطلع شهر شباط الجاري.

طريق متعرج
يذكر أن مستشفى الجبل مرّ في مراحل عدة، فهو انطلق في مرحلة الحرب اللبنانية لمواجهة نتائج انقطاع التواصل بين المناطق وخطورة الطرق وظلّ يستقبل المرضى إلى ما بعد انتهائها بسنوات، وكان مركزه في بلدة فالوغا. وما لبث مستشفى الجبل أن أطلق مجدداً في بناء جديد متطور وتجهيزات حديثة في صيف 2010، نتيجة لجهود كبيرة تضافرت فيها مبادرات الهيئات الأهلية في المنطقة مع المساهمات السخية لأهل المنطقة ورجالاتها. لكن المستشفى الجديد اضطر إلى إقفال أبوابه بعد سلسلة من الأخطاء الطبية ومظاهر الارتباك الإداري والمالي، التي أفقدت المواطنين الثقة به، وشكل ذلك نكسة كبيرة لأمل الأهالي وتوقعاتهم من المؤسسة العتيدة.
ويعتبر موقع المستشفى، الذي ضمّ في افتتاحه الأول أكثر من 40 سريراً، موقعاً وسطاً بين المتنين الأعلى الجنوبي والشمالي ومحيطهما، وهو الوحيد الكامل التجهيز بأحدث المعدات الأساسية وغرف العمليات، ويتألف من 3 طبقات تضم ثلاث غرف طوارئ بأربعة أسرة، وخمس غرف عيادة، وغرفتي عناية فائقة بخمسة أسرة، 20 غرفة للاستشفاء بـ 44 سريراً، وثلاث غرف توليد بأربعة أسرة، وغرفة لغسيل الكلى بـ8 أسرّة، بالإضافة الى الغرف المخصصة لمرضى الدرجة الأولى، وجناح يؤمن كل وسائل الراحة والاستجمام من تكنولوجيا عصرية وخدمات.
35 الفاً سيخدمهم المستشفى
تضم منطقة المتن الأعلى نحو 44 قرية هي: العبادية، عاريا، أرصون، بعلشمية، بمريم، بتخنية، شبانية، دير الحرف، دليبة- العربانية، حمانا، كفرسلوان، قرنايل، قبيع، رأس الحرف، رأس المتن، صليما، ترشيش، بزبدين، شويت، فالوغا، حاصبيا المتن، جوار الحوز، جورة أرصون، الخريبة، الكنيسة، المزيرعة، القلعة، قرطاضة، القرية، القصيبة، رويسة البلوط، عين موفق، أرصون، بتبيات، الهلالية، شميسة، دير خونا، حارة حمزة، خلوات فالوغا، قتاله، زندوقة.
يقدر عدد المقيمين الدائمين فيها بحوالي 35 ألف نسمة، شريحة كبيرة منهم من الذين تجاوزوا سن الأربعين عاماً، في مقابل تمثيل ضعيف للشباب الذين نزح قسم كبير منهم سعياً للتحصيل العلمي أو بحثاً عن فرص العمل، وهذا يعني غلبة فئة السكان الذين هم في حاجة أكبر إلى الرعاية الطبية والصحية.
وأظهر إحصاء قام به إتحاد بلديات المتن الأعلى حول الخدمات الصحية المتوافرة في هذه المنطقة أن الخدمات الصحية الأولية (مستوصفات وعيادات وصيدليات) متوافرة في المتن لكن الخدمات المتوافرة هي من المستوى الأولي ومن نوعية متوسطة، وهو يفتقد بالتالي إلى مؤسسات الرعاية المتطورة والمتمثلة بالمستشفيات والعيادات المتكاملة المتخصصة.
وبالنظر إلى معدل أعمار السكان في المنطقة، فإنه غالباً ما تطرأ الحاجة إلى خدمات الطوارئ أو خدمات الاستشفاء، وقد يكون ذلك في ساعات متقدمة من الليل أو في أيام العطل أو في الأيام الماطرة أو المثلجة. والمعروف أن المنطقة تتعرض إلى موسم ثلوج قد يمتد أياماً أحياناً تصبح فيه الطرقات إلى خارج المنطقة صعبة أو محفوفة بمخاطر الجليد، علماً أنه يتعين على السكان حالياً وفي حالات الطوارئ الانتقال إلى خارج منطقة المتن الأعلى بحثاً عن أقرب مستشفى، وقد بات لكل مجموعة من القرى مستشفاها الذي يلائم موقعها. فسكان أكثر من 14 قرية (العيرون، عينطورة المتن، العيون، بعبدات، بزبدين، الدوار، جوار الحوز، الكنيسة، مجدل ترشيش، مشيخة، المروج، المتين وترشيش) يفضلون التوجّه إلى مستشفى بحنس الذي يبعد ما بين 6 و12 كلم عن هذه القرى. وهناك مستشفى عاليه الذي يتوجّه إليه قسم من المقيمين في العبادية وبعلشمية وقبيع ورويسة البلوط وصوفر، بينما قد يتوجه القسم الآخر مع بعض سكان القرى الأخرى في المتن إلى مستشفيات بيروت والحازميه (مستشفى سان شارل ومستشفى القلب الأقدس)، بالإضافة إلى مستشفى ضهر الباشق في رومية وعين وزين في الشوف، التي هي أيضاً مقصد لسكان المنطقة.

صورة على هامش أحد العشاءات الخيرية التي نظّمت لجمع التبرعات للمستشفى
صورة على هامش أحد العشاءات الخيرية التي نظّمت لجمع التبرعات للمستشفى

دور مميز للمجتمع النسائي

رافقت الهيئات النسائية في المتن الأعلى عن قرب مسيرة مستشفى الجبل عبر اتحاد سيدات المتن الذي يضم 12 جمعية نسائية في المنطقة. وقد جعل الاتحاد، الذي ترأسه السيدة سعاد أبي شاهين، موضوع المستشفى من أبرز أولوياته فكانت تعقد الاجتماعات الدورية لمتابعة المشروع ومتابعة جهود التعبئة المالية والاتصالات برجال الأعمال والمصطافين وهيئات المجتمع المدني. وكان الاتحاد أطلق حملته المالية لدعم المستشفى قبل 4 سنوات عندما وجه دعوة إلى حفل عشاء خيري في فندق فينيسيا. وقد لاقى الحفل نجاحاً كبيراً من ناحية حجم الحضور، وكذلك من حيث عائد الحفل وحجم التبرعات التي تمّ جمعها. وشجّع نجاح الحفل اتحاد سيدات المتن على تنظيم غداءات وعشاءات ومناسبات عدة حققت جميعها نجاحاً بارزاً وتمّ خلالها جمع مبلغ كبير من المال استخدم لاستكمال ما تبقى من مبنى المستشفى وأجنحته الخارجية.
وتقول السيدة فرح البنّا التي تولّت لفترة مسؤولية رئيسة لجنة العلاقات العامة في الاتحاد إن نساء المتن لعبن دورهن في إنجاز المشروع بسبب إصرارهن على إكماله والتأثير على إخوانهن وأهلهن من رجال الأعمال والاقتصاد وعامة المجتمع المدني.
ونوّهت البنا بالمساهمة المهمة التي قدمتها دولة الكويت بصورة خاصة، وهي التي استخدمت لاستكمال تجهيز المستشفى بما يمكنه من الحصول على تصنيف عالٍ سواء لجهة التجهيز أم لجهة نظام الإدارة والرعاية وتقديم الخدمات.

دور مهم للصليب الأحمر اللبناني
وسط الثغرة الصحية والاستشفائية في منطقة المتن الأعلى لا بدّ من التنويه بالدور المهم الذي تلعبه جمعية الصليب الأحمر اللبناني في عمليات نقل المرضى في الحالات الطارئة إلى المستشفيات الواقعة خارجها. ويتوافر للجمعية حالياً 5 سيارات إسعاف ملحقة بمركزها في قرية فالوغا، ويعمل فيها 44 مسعفاً يؤمنون الخدمة على مدار الساعة. ويقدّر أحد المسؤولين عن فرق الإسعاف أن مسعفي ومسعفات الجمعية يتولون نقل ما بين 60 و70 حالة شهرياً. وأبرز المستشفيات التي ينقل إليها المرضى هي: عين وزين، الإيمان، الوطني، اوتيل ديو، قلب يسوع، الساحل، الجامعة الأميركية، لبنان الكندي، الحايك، مار يوسف، طراد.

تحقيق: بشرى غرز الدين

 

تجربة مستشفى الجبل ومراحلها في حوار

وجيه عادل بو مغلبيه
المشروع الاجتماعي له مخاطره ومصاعبه

الهدف هو تركيز مستشفى الجبل وخدماته الأساسية قبل إطلاق المرحلة التالية وإضافة الخدمات الجديدة

طلبنا مساهمة دول عربية يعيش مواطنوها بيننا وحصلنا على دعم خاص من دولة الكويت الشقيقة

السيد-وجيه-بو-مغلبيه
السيد-وجيه-بو-مغلبيه

للسيد وجيه عادل بو مغلبيه، الأمين العام السابق لمؤسسة كمال جنبلاط الاجتماعية، إلمام تفصيلي بتجربة مستشفى الجبل، إذ أنه تابع من موقعه عملية التحضير له وتنفيذ أعماله منذ سنة 1992، وحتى عملية إطلاق المشروع في صيف 2010 والعهدة به إلى شركة خاصة لإدارة المستشفيات. وفي هذا الحوار الذي أجاب فيه على أسئلة “الضحى”يشرح بو مغلبيه المسار الذي مرت به التجربة والأسباب التي أدت إلى انتكاستها في مرحلة سابقة، وهو يعرض في الوقت نفسه لأهم التطورات والإصلاحات التي مهّدت لإعادة إطلاق المشروع على أسس سليمة وهنا الحوار:

ما هي أهم الدروس المستفادة من تجربة مستشفى الجبل وكبوته بعد فترة قصيرة من انطلاقه؟
المشاريع الاجتماعية تختلف كلياً في جوهرها وأهدافها عن المشاريع التجارية، وهي من هذا المنطلق مشاريع أكثر صعوبة مما يظن لأنها تتطلب جهوداً كبيرة بدءاً من بلورة الفكرة ودراسة جدواها وتسويقها وانتهاءً بإيجاد مصادر التمويل، ثم متابعة جميع الخطوات الهندسية والقانونية والعملية والتحضير لتجهيز المشروع، وأخيراً الإشراف على تنفيذه وإطلاقه. ويكفي القول إن مشروعنا استغرق في مرحلته الأولى اكثر من عشر سنوات من التحضير والعمل الجاد حتى تمّ إعداده لخدمة سكان المنطقة. لكن أهم ما تعلمناه من التجربة هو أن أهم عناصر النجاح في المستشفى ليست التجهيزات وحدها ولا المبنى بل الإدارة المحترفة والخبيرة.
كيف انطلق المستشفى في مرحلته الأولى، ولماذا تراجعت التوقعات التي بنيت عليه؟
توصّلنا من خلال عملنا الى استكمال بناء المرحلة الأولى وأصبح البناء جاهزاً للاستعمال من دون أن نتمكّن من تأمين التجهيزات والسيولة اللازمة للتشغيل إلى أن بدأت المؤسسات الضامنة بتسديد المستحقات، أي لحين تحقيق التوازن المالي في الدخل والمصروف، مما استدعى التعاقد مع شركة خاصة تقوم بمهمة التجهيز والادارة كي لا يبقى الفراغ مستمراً لوقت طويل. وتمّ ذلك بناءً على دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع المعدّة من قبل مرجع متخصص، ونظّمت عقود رسمية مع الشركة تضمّنت البنود والضوابط المطلوبة لحسن سير العمل، وتمّ الافتتاح في صيف 2010 برعاية معالي وزير الصحة الذي أبدى ارتياحه وإعجابه بالمشروع، كما الآخرين، باعتباره مميزاً في الموقع والبناء، وكانت التوقعات أن يستمر العمل اذا نفذت الشركة شروط العقد بعد أن اطمأنت لتقديرات الجدوى الاقتصادية.

لكن حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر كما يبدو؟
انطلق المستشفى بشكل جيد وفي جو إيجابي ومريح بعد الافتتاح، وبعد أن تمّ تجهيزه بالمعدات المطلوبة. لكن الشركة المديرة بدأت بالتراجع تدريجياً في تلبية متطلبات الإدارة حسب الأصول، إلى أن عجزت عن الاستمرار في العمل مما أدى الى اقفال المستشفى بعد سنة وبضعة أشهر على انطلاقته.

هل جرى تحليل للأسباب التي أدت الى انتكاسة التجربة؟ وهل كانت المسألة مسألة ادارة؟
السبب الرئيسي والمباشر للتوقّف عن العمل كان عدم تمكّن الشركة المديرة من تأمين السيولة اللازمة لانطلاقة المشروع وتأمين تكلفة التشغيل المطلوبة، مما انعكس على كافة النشاطات الإدارية وسواها، وقد حاولنا جهدنا تقديم المساعدة عبر إجراءات وتسهيلات كثيرة لعل ذلك يساعد الشركة على تجاوز الصعوبات، لكن في النهاية أصبح من غير الممكن الاستمرار في العمل.

كيف ومتى طرحت فكرة إنشاء مستشفى الجبل؟
طرحت فكرة إنشاء مستشفى الجبل من قبل مؤسسة كمال جنبلاط الاجتماعية في بداية التسعينات، وكانت وليدة الحاجة الملحة لوجود مستشفى حديث في منطقة المتن الاعلى يعتمد معايير التقييم والتقنيات الحديثة، ويليق بهذه المنطقة ويلبي حاجاتها ويحقق الاهداف الانسانية المنشودة للمؤسسة، علماً بأنني تابعت المشروع منذ منتصف سنة 1992.

ما هي المبادرات والمساهمات التي سهَّلت انطلاقة المشروع؟
اعتمدنا في إقامة المشروع على أريحية ومساهمة الخيرين والملتزمين بحاجات مجتمعهم من المتمولين وحتى من أصحاب الدخل المحدود، وكان هناك دور أساسي للدعمين المادي والمعنوي اللذين قدمهما الاستاذ وليد جنبلاط، الرئيس الفخري للمؤسسة، كما تقدمنا بمشروعنا لدول عدة ومؤسسات أجنبية وعربية، لاسيما وأن منطقتنا يقصدها الكثيرون من رعايا الدول العربية الشقيقة الذين أحبوا هذه المنطقة وتملكوا فيها، وكانت باكورة التقديمات قطعة الأرض التي قدمها المرحوم بشير مكارم لمشروع تربوي، وما لبث أن تمّ تحويلها لصالح مشروع المستشفى بعد أن تمّ تأمين البديل المناسب للمشروع التربوي. وأذكر أننا واجهنا في البداية صعوبة في بناء الثقة بإمكان إنشاء مستشفى حديث في منطقة المتن، لقد استغرق ذلك فترة من الزمن قبل أن نتمكن من البدء في التحرك الفعلي لتنفيذ المشروع على الأرض.

هل أمكن توفير التمويلات اللازمة؟
إن تكلفة مشروع صحي بمواصفات عالية تقدر بملايين الدولارات نظراً لما يتطلبه من تقنيات ومعدات متطورة، وهذا ما استدعى تنفيذ المشروع على مرحلتين لكن التقديمات العينية وتجاوب العاملين والمتعهدين والمقاولين ومساهمات المهندسين والخيرين واستدراجات العروض التي حصلنا على أفضلها نسبة للهدف الانساني للمشروع وانكباب المكتب التنفيذي على هذا النشاط جعلت كلفة التنفيذ تنخفض بنسبة كبيرة مما ساهم في إنجاز المرحلة الاولى بالكامل.

من هي جهة الاشراف التي تابعت المشروع؟
قامت مؤسسة كمال جنبلاط الاجتماعية بالتعاون مع المهندسين وأصحاب الخبرة والاختصاص بإعداد التصاميم الهندسية والمواصفات العلمية الخاصة بالمستشفى، وتم تنفيذ المشروع بالمواكبة الدائمة والتنسيق الدائم معهم من أجل إخراج المشروع بالمواصفات المطلوبة، وكانت هناك مشورة قيّمة من أكثر من جهة ومرجع كل منهم في مجاله.
ما هي العوامل التي ساعدت في إحياء المستشفى؟
أحدث توقف المستشفى عن العمل، بعد مدة قصيرة من انطلاقته، بالطبع، صدمة لأهل منطقة المتن الاعلى وجوارها. لكن نتائج هذه الصدمة انعكست إيجاباً لأن القناعة لم تتغيّر في أن المشروع ضرورة حيوية وملحة للمنطقة. لذلك باشرت المؤسسة بالتحضير لخطة عمل جديدة ومدروسة بالتعاون والتنسيق مع الاستاذ وليد جنبلاط، وذلك بهدف ايجاد الأطر اللازمة وتعيين الجهة المؤهلة لإنجاح التجربة وتفادي الأخطاء السابقة. وهنا فقد رسا القرار على ضرورة التعاون مع مؤسسة عريقة ذات تاريخ في الحقل الصحي، وعلى ضرورة وجود هيئة داعمة تلعب دورها في تمويل ومواكبة المشروع ومتابعة أدائه. وبناءً عليه، فقد تمّ اختيار المؤسسة الصحية للطائفة الدرزية لإدارة المشروع نظراً لما لها من خبرة ومصداقية، كما تمّ تشكيل مجلس أمناء خاص بمستشفى الجبل من نخبة مميزة من المتمولين من أصحاب الأيادي البيضاء الملتزمين بشؤون مجتمعهم. وأخذ الأمناء على عاتقهم تأمين الأموال المطلوبة للتشغيل وفق خطة علمية مدروسة وضعتها المؤسسة الصحية. وهم سيواكبون عمل المستشفى ويطلعون على سير الأمور والميزانيات، كما جرى تنظيم الأطر القانونية والعملية حسب الأصول، وتجلت في هذا العمل أرقى مظاهر التعاون في سبيل الخدمة الاجتماعية.

هل هناك خطة لتطوير عمل المستشفى في المستقبل؟
علينا أولاً أن نقوم بتركيز التجربة والاطمئنان إلى سلامة سيرها. وهذا يعني اقتصار العمل في هذه المرحلة على الجزء المنجز من البناء والمجالات الصحية التي حددناها، وان شاء الله في المستقبل سيتم بناء الجزء الآخر من المستشفى الذي يشكل نصف حجم المشروع تقريباً، وستتم بالتالي إضافة خدمات تغطي اختصاصات ضرورية تحتاجها المنطقة، وهذا مع الإشارة إلى أن صيغة التعاون مع المؤسسة الصحية تسمح بمتابعة علاج أي مريض في مستشفى عين وزين اذا اقتضى الأمر.

ماهي المساعدات التجهيزية أو التقنية التي حصلتم عليها؟
حصلنا مؤخراً على لفتة كريمة من دولة الكويت الشقيقة بمساعدة قيّمة كما حصلنا سابقاً على مساعدات متنوعة من مصادر متعددة، ولدينا أمل كبير بالحصول على مساعدات جديدة لإتمام البناء الآخر مع تزويده بالتجهيزات الحديثة إن شاء الله. وهذا الجو من الالتفاف حول المشروع سيساعد في استكمال الخطوات اللاحقة تنفيذاً لخطة العمل الشاملة التي أشرنا اليها، وإننا نوجه الشكر الجزيل الى الاستاذ وليد جنبلاط، والى المؤسسة الصحية للطائفة الدرزية ومجلس أمناء المستشفى، وإلى اتحاد سيدات المتن الذي واكب التجربة وكانت له مساهمة مميزة في تأمين الدعمين الشعبي والمالي لها، والشكر موصول إلى جميع الخيرين الذين ساهموا وسيساهمون في إعلاء هذا الصرح الطبي العريق والشكر الخاص لمجلة الضحى الزاهرة، والقيمين عليها على دورهم الرائد في متابعة شؤون المواطنين.

محمية

محمية أرز الشوف الطبيعية
واحة في صحراء التآكل البيئي

نجـــــــاح أكبـر محميّة طبيعيـة في لبنان
حفّز على إنشاء المحميات في بقية المناطق

محمية أرز الشوف تشغل 5 في المئة من مساحة لبنان
وتحتضن مئات السلالات النباتية والبرية والطيور

مقصد عالمي للسياحة البيئية ورياضة الجبال
وعامل أساسي للتنمية في القرى المحيطة

أهمل لبنان لوقت طويل بيئته الطبيعية، فتركها نهباً للحرائق أو القطع الجائر أو زحف العمران ومطامع أهل النفوذ. وأكبر تهديد تعرّضت له المناطق الطبيعية الفريدة في لبنان كان ولا شك تهديد الزحف المخيف للإسمنت في كل الاتجاهات وسط انفلات المعايير البيئية للتطوير العقاري، وقد استهلك هذا الزحف حتى الآن العديد من الواحات الطبيعية النادرة في لبنان. ويكفي لأي كان أن يقود سيارته باتجاه الشمال أو الجنوب من لبنان ليرى بعينيه كيف تنهار الغابات وينحسر الغطاء الأخضر، (وما يحتويه من نظام حياة معقد)، بقعة بعد بقعة أمام جنازير الحفارات ومشاريع البناء.
لكن التقصير الرسمي الطويل أطلق العنان منذ عقدين من الزمن لحركة المحميات الطبيعية وحفّز العديد من هيئات المجتمع المدني والمؤسسات الأهلية والبلدية على إنشاء تحالف وطني قوي جعل بين أهدافه مراقبة وضع الغابات والمناطق الطبيعية والضغط بقوة على النواب والمسؤولين لإصدار التشريعات التي تفرض حماية من التطوير العقاري أو مشاريع الزراعة الكثيفة الضارة بالبيئة أو الصناعات الملوثة أو نشاطات الصيد العشوائي.
وفي سياق الصحوة البيئية، لعبت محمية أرز الشوف دور السبق والريادة، الأمر الذي جعل منها النموذج العملي الذي جذب مناطق لبنانية عدة إلى فكرة العمل على حماية مناطقها الطبيعية والتراثية النادرة.
فما هي محمية أرز الشوف، ما هي أبرز سماتها الطبيعية، وما الذي يمكن للزائر أن يجده فيها، وأي دور تمكّنت هذه المحمية الأكبر في لبنان من أن تلعبه على صعيد تطوير السياسة البيئية العامة؟

شهد لبنان سنة 1996 حدثاً مهماً بل تاريخياً تمثّل في إعلان منطقة واسعة من لبنان محمية طبيعية تحت إسم محمية أرز الشوف. وأتبع القانون بهذه المحمية مناطق واسعة من بينها عين زحلتا وبمهريه والباروك والمعاصر وعين دارة والسفح الشرقي من السلسلة الجبلية للمحمية.
وشكّل قيام المحمية سابقة مهمة، لأن فكرة حماية المناطق الطبيعية أو الإدارة العقلانية لمواردها لم تكن معروفة لدى اللبنانيين، علماً أن القيادة السياسية في الجبل منذ أيام الشهيد كمال جنبلاط ثم مع وليد بك جنبلاط فرضت نوعاً من الحماية الواقعية على منطقة الأرز ومحيطها قبل سنوات طويلة من إعلان المنطقة محمية بقوة القانون.

5.3 في المئة من مساحة لبنان
تبلغ مساحة هذه المحميّة نحو 50 ألف هكتار أو 500 كلم2، أي ما يعادل 5.3 في المئة من مساحة لبنان الإجمالية، وهي تشمل مستنقعاً عميقاً يقع في وادي البقاع شرق الشوف، وهو أحد آخر المستنقعات الموجودة في الشرق الأوسط، كما يضم نطاق المحمية أربع وعشرين قرية تقع على الجانبين الشرقي والغربي لجبلي الباروك ونيحا.
نموذج أطلق حركة المحميات
يعتبر الأثر الأكبر للمحمية أنها نجحت في وقت قليل في تعميم فكرة حماية البيئة، وكان لها أثر أكبر بكثير من تأثير الدولة أو وزارة البيئة نفسها المفتقدة إلى الموارد، وإلى الصلاحيات اللازمة، كما لعبت المحمية دور النموذج العملي الناجح الذي اطلع عليه الرأي العام، وبات الكثيرون بالتالي يودون نقله إلى مناطقهم.
على هذا النحو، وبفعل الشعبية الكبيرة لفكرة خلق محميات طبيعية قبل ابتلاعها من زحف الإسمنت والعقار، قرّرت الدولة إعلان عدد من المناطق الرائعة الجمال في لبنان محميات طبيعية أو بيئية، بدءاً بمحمية أرز الشوف (محميّة الشوف المحيط الحيوي)، ثم محميّة تنورين، ومحميّة إهدن، ومحميّة جزر النخيل، ومحميّة بنتاعل، ومحميّة جبل موسى المحيط الحيوي، ومحميّة جبل الريحان المحيط الحيوي، ومحميّة كرم شباط، ومحميّة شننعير، ومحميّة اليموّنة، ومحميّة شاطىء صور، هذا بالإضافة الى حمى كفرزبد.
إلا أن محميّة أرز الشوف تعدّ أكبر محميّة طبيعية في لبنان، وهي تمتد من ضهر البيدر شمالاً حتى جبل نيحا جنوباً وتغطي غابات البلوط منحدراتها الشمالية الشرقية، فيما تنتشر غابات العرعر والبلوط في المنحدرات الجنوبية الشرقية منها، إلا أن أشهر ما يميّز المحمية، غابات الأرز الموجودة في معاصر الشوف والباروك وعين زحلتا – بمهريه، والتي تشكّل عامل الجذب الأساسي للزوار، فغابات الأرز هذه تقدّر بربع غابات الأرز المتبقية في لبنان، وبعض الاشجار فيها يقدّر عمرها بألفي عام. وقد بدأت المحميّة عبر مدخل واحد هو مدخل المعاصر ومن ثم أخذت تتوسّع حتى أصبح فيها 4 مداخل من عين زحلتا شمالاً حتى نيحا جنوباً.
وفي سنة 2009 اشترت إدارة المحميّة بيتاً تراثياً في معاصر الشوف، تمّ تأهيله سنة 2010 ونقلت إليه مكاتب فريق العمل سنة 2011، وخصص الطابق الأول منه ليكون قاعة اجتماعات ومركز استعلامات، والطابق الثاني للمكاتب الإدارية.
يتمحور عمل فريق المحميّة على خمسة برامج هي: الأبحاث والمراقبة، السياحة البيئية، التنمية الريفية، التوعية البيئية، وبناء القدرات. ويتركز العمل على مراقبة التنوع البيولوجي والإرث الحضاري والثقافي في المحميّة ومحيطها الحيوي.

أرز-المحمية-تحت-الثلج--2
أرز-المحمية-تحت-الثلج

 

تكريم عربي لمحميّة أرز الشوف
كرّمت مبادرة “تكريم” للإنجازات العربية للسنة الثالثة على التوالي، نخبة من أبرز المبدعين العرب تقديراً لانجازاتهم الاستثنائية، برعاية قرينة ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، الأميرة سبيكة بنت ابراهيم آل خليفة، وبالتعاون مع وزارة الثقافة في البحرين. وحصلت محميّة أرز الشوف على جائزة “تكريم” للتنمية البيئية المستدامة، في حفل أقيم على مسرح “الصالة الثقافية” في المنامة – مملكة البحرين، وتميّز في حضور أكثر من 500 شخصية عربية وعالمية ونخبة من الصحافيين ووسائل الإعلام من مختلف دول العالم. وضمت لجنة التحكيم التي منحت الجائزة لمحمية أرز الشوف كلاً من: سمو الملكة نور الحسين، الشيخة مي الخليفة، نهى الحجيلان، مستشار ملك المغرب أندريه أزولاي، محمد البرادعي، الأخضر الابراهيمي، كارلوس غصن، الروائي مارك ليفي، الروائي أمين معلوف، ليلى شرف، ورجل الأعمال اللبناني رجا صيداوي.

70 الفاً يعيشون في نطاقها
تغطي محميّة أرز الشوف 5.3 في المئة من مساحة لبنان الاجمالية ما يجعلها إحدى أكبر المناطق المحميّة الجبلية في الشرق الأوسط، وهي موطن لأكثر من 70 ألف شخص يعيشون داخل المحيط الحيوي للمحمية وينتمون الى 24 بلدية موزّعة على أكثر من محافظة. وتحتوي المحمية على 620 هكتاراً من غابات الأرز اللبناني، وهو أكبر امتداد لهذا النوع من الغابات في لبنان ويمثّل نحو 25 في المئة من كل ما تبقى من غابات الأرز في لبنان.

مشروع الاحتياط ضد الحرائق
كما عملت إدارة المحميّة، ولا تزال، على إنشاء البرك الجبلية في أرجاء المحميّة وذلك بهدف: تخزين المياه والإفادة منها واستخدامها في نشاطات التحريج ومكافحة الحرائق. وتوفّر البرك فضلاً عن ذلك مصدر مياه أساسياً للحيوانات البرية والطيور المقيمة أو المهاجرة التي تعبر لبنان ذهاباً واياباً في موسمي الربيع والخريف. ويعتبر لبنان ثاني أهم بلد في العالم للطيور المهاجرة. الى ذلك أصبحت المحميّة تضم أربع محطات لرصد الطقس، تؤخذ منها البيانات ويتم تحليلها لمعرفة نسب احتمال اندلاع الحرائق في الغابات، وتتواصل ادارة المحميّة مع البلديات وتُرسل الرسائل القصيرة للتنبيه من إشعال النار. يتم هذا البرنامج بالتعاون مع مركز الدفاع المدني، وذلك عبر برنامج Risico الذي يطبّق في ايطاليا وبدأ تطبيقه في محميّة أرز الشوف، ومن ثم أصبح يطبّق في كل لبنان، حيث وزّعت 44 محطة للإنذار المبكر في مختلف المناطق الحساسة في لبنان.
وتقام في المحمية نشاطات متنوعة بمشاركة السكان المحليين والجمعيات الأهلية والبلديات والمدارس وجهات أخرى معنية، كما يتم تحفيز الوعي البيئي من خلال السياحة البيئية، وتنظيم رحلات ميدانية ومجانية الى المحمية لسكان القرى المحيطة.

برامج التنمية الريفية
تقوم جمعية أرز الشوف منذ سنة 1999 وبدعم كندي بتنفيذ مشروع للتنمية الريفية يستهدف المحافظة على الحرف التقليدية وتطويرها، وكذلك الحفاظ على أسلوب العيش الريفي، وذلك بالتواصل مع المجتمع المحلي الذي يساهم في إنتاج ما يزيد على 70 نوعاً من المأكولات الريفية التقليدية (عسل، مربيات، أعشاب، مقطرات، منتجات حرفية) ويتم تدريب السيدات على الطرق الصحيحة والحديثة لتصنيع وحفظ المنتجات.
وتقوم محمية أرز الشوف بتعريف الزائر على تراث وتقاليد المجتمع الريفي اللبناني من خلال تقديم تراثه الغذائي من مربيات وأعشاب وشراب ومقطرات، والتي يتم ترويجها على مداخل المحمية حيث يتم بيعها. ومنذ سنة تقريباً بدأت الجمعية بالعمل مع سيدات القرى المحيطة بالمحمية بمفهوم جديد، وذلك باستعمال مشاغل مجهّزة بكافة المعدات من طناجر، كركات، منصات عمل وأرفف وطاولات وكلها من مادة الستانليس ستيل، وذلك للحصول على منتج بأفضل المعايير الصحية، كما تمّ وضع قواعد لصنع منتجات بمعايير موحّدة وذلك من خلال تدريب السيدات على استخدام المواد الأولية نفسها وبمكاييل موحّدة في عملية التحويل. وأنشأت الجمعية بتمويل من البنك الدولي وتنفيذ مجلس الإنماء والإعمار مشغلاً مجهزاً بكافة المعدات اللازمة في بلدة مرستي، وهي تتولى الآن تأهيل وتجهيز ثلاثة مشاغل، إثنان منها في منطقة الشوف الأعلى وبالتحديد في بلدتي جباع وبعذران، والثالث يقع في منطقة المناصف في بلدة كفرفاقود، وذلك ضمن مشروع السيمي الزراعي الذي يموّله البنك الدولي.
وفي سنة 2010 وبالشراكة مع آل سكاف تمّ انشاء مبنى جديد ذي مواصفات بيئية عالية في قرية عميق من جهة البقاع الغربي، وتمّ افتتاحه سنة 2012 حيث تسلّم “سوق الطيب” إدارته وأطلق عليه إسم طاولة عميق. يعتبر هذا المشروع مدخل المحميّة الرئيسي من الجهة الشرقية ويتميز بقربه من مستنقع عميق الذي يعتبر من أهم المناطق الرطبة في لبنان خصوصاً للطيور المهاجرة، وهو يهدف الى تنمية المجتمع المحلي عبر تأمين الوجبات التقليدية الصحية، ويشهد اقبالاً خصوصاً في نهاية الأسبوع.

برنامج التحريج

من النشاطات المهمة التي تقوم بها إدارة المحميّة، تشجيع القطاع الخاص على التحريج عبر برامج متنوعة، منها برنامج “الأرز الخالد”، والذي يتيح لكل شخص تبني أرزة تسمى بإسمه في سجلات المحميّة.
وقد أثمر هذا البرنامج حتى الآن تبني نحو 300 ألف شجرة، وهناك برنامج آخر للتحريج خاص بالمؤسسات والشركات الخاصة الداعمة للبيئة، وذلك من خلال مشاريع صغيرة يزرع فيها برعاية المؤسسة أو الشركة من ألف الى 10 آلاف شجرة في المحميّة. ومن الجهات المساهمة في هذا البرنامج بنك HSBC، فندق الـ 4 Seasons، وشركة Nike، وجمعية الـ AFDC ، حيث زرع كل منهم 1000 شجرة.
كما تحرص ادارة المحميّة على المحافظة على التكاثر الطبيعي للغابات داخل المحميّة من خلال بذور الأرز.

زيارة-طلابية-للمحمية-خلال-الخريف-
زيارة-طلابية-للمحمية-خلال-الخريف-

السياحة البيئية
إحتلت محميّة أرز الشوف موقعاً مرموقاً على خارطة السياحة البيئية وأصبحت في السنوات الأخيرة مقصداً لمحبي الطبيعة ولهواة رياضة المشي في الجبال. وسجل عدد الزوار الوافدين إلى المحمية نمواً مطرداً سنة بعد سنة، إلا أن الأحداث والهزات السياسية الجارية في المنطقة أثرت على الإقبال الأجنبي والعربي. وعلى الرغم من أن عدد زوار المحميّة سنة 2012 لم ينخفض عن سنة 2011 إلا أن غالبية الزوار سنة 2012 كانوا لبنانيين ولم يأتِ الكثير من الاجانب، نظراً إلى الوضع السياسي المتوتر في لبنان، والذي أثّر على السياحة بشكل عام.
ولتسهيل التمتع بميزات المحميّة أقيمت فيها مواقع مخصصة لمراقبة الطيور وهي عبارة عن غرف صغيرة مجهّزة لهذه الغاية، خصوصاً في الباروك وعين زحلتا (التي يوجد فيها ثلاث غرف). ويمكن لزوّار المحمية المبيت في بيوت الضيافة التي أصبح عددها سبعة بيوت سنة 2012 (كانت 5 سنة 2011)، أو البيوت المصنوعة من الخشب في بعض القرى، كما يمكنهم استئجار الدراجات الهوائية، وكذلك تمّ تأهيل بعض بيوت الضيافة لاستقبال ذوي الاحتياجات الخاصة. وتدعم ادارة المحميّة كافة النشاطات والمهرجانات في القرى لخلق الترابط بين الناس والبيئة وتشجيعهم على الحس البيئي.
وبهدف تأمين سلامة الزوّار وعدم تعرضهم لحوادث الانزلاق أثناء التجول، عمل المسؤولون في المحمية على تأهيل طرقاتها فأقاموا ممرات تناسب كل الاعمار والقدرات الجسدية، فمنها السهل المخصص للصغار والمتقدمين في السن، ومنها ما يزداد صعوبة وهو مخصص لهواة رياضة المشي في الطرق الوعرة، كما استحدثت أيضاً “ممرات تثقيفية” مخصصة لتلامذة المدارس وطلاب الجامعات، تتوزّع فيها لوحات تعطي معلومات عن الطيور والنباتات والمعالم الأثرية وبعض أشجار الأرز المعمرة.

السوق-السنوي
السوق-السنوي

مبادرات مبتكرة للتوعية البيئية “السباق من أجل الطبيعة”

تعتمد الهيئة القيّمة على محمية أرز الشوف رؤية تشدّد على أهمية التوعية البيئية وتعريف أكبر عدد ممكن من العامة على ضرورة المحافظة على الطبيعة والتوازن البيئي وأهمها المناطق المحمية. ويعمل القيمون على المحمية لتحقيق هذه الرؤية من خلال نشاطات ومبادرات عديدة بعضها يمكن تنفيذه في القرى المحيطة بالمحمية، وهو يشتمل على لقاءات ومحاضرات في المدارس المحيطة بالمحمية ومدارس أخرى في لبنان وتنظيم ورش عمل في السياحة والتوعية البيئية لمجموعة من الشباب والشابات من القرى المحيطة بالمحمية، وكذلك تنظيم زيارات للآلاف من طلاب المدارس إلى المحمية، وهؤلاء تقدّم لهم كافة المعلومات من خلال الشرح المبسط، والعروضات المرئية والمسموعة وغيرها من الوسائط.
إلى هذه الوسائل، أضافت لجنة المحمية وسيلة مشوقة لتطوير الوعي الشبابي بأهمية المحمية، وذلك عبر إدخال “الألعاب البيئية” كوسيلة لتوعية الطلاب، لكن بأسلوب مشوق وفيه الكثير من المنافسة والتسلية. ومن هذه الألعاب البيئية مبادرة “سباق من أجل الطبيعة” (Rally for Nature) ضمن النشاطات الخارجية لطلاب المدارس.
تنظّم جمعية أرز الشوف هذا السباق سنوياً ويشارك فيه حوالي 1000 طالب وطالبة من مدارس مختلفة في لبنان من عمر 12 – 14 سنة (10 الى 20 طالباً أو طالبة من كل مدرسة)، ويهدف السباق إلى رفع الوعي بواقع ودور المحمية لدى الطلاب، فضلاً عن دفعهم لاكتشاف طبيعتها ومسالكها وتبادل الخبرات والمعلومات بين الطلاب المشاركين.

قوانين السباق
بموجب السباق يلعب الطلاب ضمن مجموعات يتألف كل منها من 10 طلاب، وتحمل كل مجموعة اسماً معيناً ويتم توزيع إشارات خاصة تميّز كل منها. وعلى كل مجموعة أن تمرّ على 15 محطة مختلفة موزّعة على المسار المخصص للسباق داخل المحمية. وفي كل محطة تُسأل المجموعة سؤالاً واحداً أو يطلب منها تنفيذ نشاط معين يفترض إلمامه بواقع المحمية، وإذا كانت الإجابة صحيحة تتابع المجموعة مسيرتها الى المحطة التالية، أما اذا كانت الإجابة خاطئة فيجب على طالب واحد من المجموعة أن يخرج من السباق وعادة ما تقوم المجموعة باختيار الطالب الأضعف فيها.
عند وصول كل مجموعة إلى نقطة النهاية، يتم تسجيل عدد المشاركين الذين وصلوا، بالإضافة إلى الوقت الذي استهلكته المجموعة للوصول. والمجموعة الفائزة هي المجموعة التي تسجّل أقل وقت وأكبر عدد من الطلاب الذين يصلون الى نقطة النهاية. وتتنافس المجموعات الأربع الفائزة في الجولات الأربع الأولى للسباق على المركز الأول خلال الحفل النهائي، والذي يتم خلاله إعلان نتائج المسابقة البيئية لذلك العام.

من مروءات التآزر الدرزي المسيحي

[su_accordion]

[su_spoiler title=” من مروءات التآزر الدرزي المسيحي وصية عاجلة من الأمير شكيب أرسلان” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

الأمير شكيب أرسلان في استنبول
الأمير شكيب أرسلان في استنبول

معلوم أن أحداث الثورة السورية الكبرى سنة 1925 امتدت بتأثيراتها إلى لبنان وخصوصاً جنوبه، وذلك نتيجة لجملة أسباب منها قرب الجنوب من جبل العرب وتأثر أبنائه بما كان يحدث هناك. كما أن الوجود الفرنسي في قرى الجنوب وخصوصاً حاصبيا وراشيا خاف من امتداد الثورة إلى لبنان فبدأ بتحريك العصبيات الطائفية وإثارة مخاوف المسيحيين بهدف اجتذابهم للتعاون مع الدولة الفرنسية ضد الوطنيين، وذلك باعتبار فرنسا الحامية الوحيدة للوجود المسيحي في لبنان وسوريا. نتيجة لهذا الاستقطاب حصلت مواجهات محدودة وفتن مدبرة سقط فيها مصابون وضحايا من الطرفين. وقد بلغ الامر أمير البيان شكيب أرسلان في منفاه الاختياري في أوروبا فاعتراه قلق شديد وسارع إلى إعداد رسالة بعث بها إلى الموحدين الدروز والمسيحيين في الشوف ومناطق التعايش المشترك بينهم من ضمنها حث الفريقين على الحفاظ على أواصر المودة، كما نوّه في رسالته برجالات المسيحيين والموحدين الدروز ملقياً على عاتقهم أمانة الحفاظ على التعايش وأواصر المحبة والصلات التاريخية بين الطائفتين العريقتين. ومما قاله الأمير شكيب أرسلان في رسالته ما يلي:
“وأنا وإن كنت بعيداً عن الوطن، غير أنني أعلم بكل ما يحدث فيه، ومن هو المصلح وغير المصلح، وذلك لأن الناس تكتب لي؛ ونظراً لخبرتي بأحوال الوطن إذا جاءني القليل فهمت منه الكثير، وأخص بالذكر مآثر سيادة المطران أغسطين بستاني (مطران الطائفة المارونية في بيت الدين) ، هذا الرئيس الروحي والذي ينبغي أن يوجد في مثل تلك الأوقات العصيبة.
وهنا نحمد الله على أن مياه الصفاء بين الطائفتين رجعت إلى مجاريها بحسن مساعي سيادته ومساعي العقلاء والأفاضل. وإنني وإن كنت غائباً أو حاضراً ليس لي من وصية عند أبناء وطني سوى الإتحاد والتّحاب، لأن الطوائف المتنوعة في الوطن الواحد ينبغي أن تكون بعضها لبعض ركناً، وكل واحد من هذه الفئة أو تلك يُسدي معروفاً إلى أبناء الفئة الأخرى. ويجب أن يعلم أنه يخدم جماعته بذلك قبل الجماعة الذين أسدى إليهم المعروف.
وأثناء الحرب الكبرى، معلوم أنني كنت أعظ الجميع بالوئام والإنضمام ولاسيما الدروز الذين كانوا يسمعون مني أولاً لاعتقادهم بإخلاصي لهم، وثانياً لنفوذي يومئذ عند الدولة فكنت أقول لهم من كان منكم له صديق مسيحي يزوره في الشهر مرة صار يلزمه في هذه الظروف أن يشاهده في كل جمعة، وأي إنسانية تقدرون عليها نحو أبناء وطنكم النصارى فهذا وقتها، لأن الإتحاد على كل الأحوال هو العماد والراحة، ولأن القبيح يُقابل بمثله، وأنتم تعرفون المستقبل. فالأجدر أن يأتي المستقبل وصحيفتكم بيضاء عند هؤلاء الجماعة ولا يقدرون أن يمسكوا عليكم ممسكاً.
ثم يختم وصيته بلفتة تقدير واحترام لوجهاء دير القمر والشوف معاً إذ يقول:
”اسألوا لي عن خاطر سيادة المطران أوغسطين بستاني جزيل الإحترام في بيت الدين. وإن زرتم دير القمر قبّلوا لي عوارض الأخ عبدالله أفندي أفرام، والأخ نمر أفندي شمعون الذي كنت قديماً مغتاظاً منه ولكنني نسيت ذلك وعادت إلى قلبي محبته المتينة، ثم أهدوا سلامي وأشواقي إلى جناب الوجيه سليمان أفندي شمعون، وإن كان الأستاذ العلامة جرجس أفندي صفا في الدير فاسألوا لي خاطره واهدوه مزيداً من أشواقي لأنه صديق قديم ورجل كبير بعلمه وعقله”.
هذا، واسألوا لنا خاطر سيادة شيخنا الشيخ حسين طليع (شيخ عقل الدروز في حينه)، والتمسوا لنا دعاءه، وقبلوا لنا عوارض الأخ أمين بك طليع، واهدوا وافر التحيات إلى حضرات الأجلاء المشايخ أبي محمد قاسم أبو شقرا، ومحمود أفندي نجم أبو شقرا، ومحمود أفندي رافع ومحفوظ أفندي حميه، وإلى أنس المجالس الشيخ أبي علي الفطايري، وسلامي وأشواقي إلى حضرة أخيكم محمد أفندي طليع”. 1

المخلص شكيب أرسلان

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”كيس ذهب من دير القمر ينقذ حياة زعيم آل أبو شقرا ” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

دير-القمر-في-سبعينات-القرن-التاسع-عشر
دير-القمر-في-سبعينات-القرن-التاسع-عشر

كان أجدادنا يتناقلون لعشرات العقود من الزمن حادثة مؤثرة حصلت قبل نحو 200 عام وحملت الكثير من العبر عن أهمية التآزر الدرزي المسيحي، وعن الفوائد العظيمة التي يجنيها الطرفان من جراء علاقات الوئام الدائم بينهما. موجز تلك الحادثة أنه وعلى أثر شر السمقانية سنة 1825 بين الأمير بشير الشهابي والشيخ بشير جنبلاط أخذ الأمير بعد انتصاره على خصمه الشيخ الجنبلاطي بالإنتقام من أنصاره وأتباعه ومنهم الشيخ بشير حسن أبو شقرا، والذي توارى عن بلدته عماطور إلى إقليم الشومر في الجنوب واختبأ في قرية تخص وجيهاً من بيت علي الصغير اسمه أحمد بك. وعبثاً فتش عنه رجال الأمير في مختلف أنحاء الجبل فلم يقفوا له على أثر. واتفق ذات يوم وهو يتجول في صيدا أن عرفه أحد جواسيس الأمير بشير ووشى به فقُبض عليه واقتيد مكبلاً إلى بيت الدين.
كان لهذا الحادث الوقع الأليم في نفوس أقاربه آل أبو شقرا، وخوفاً على حياته من بطش الأمير وتعسّفه استنجدوا بالشيخين النبيلين ناصيف وحمود النكديين أنصار الأمير. وتقول الرواية إن النكديـِّـيْن دخلا على الحاكم الرهيب في الساعة التي كانت الشرطة تستعد لتنفيذ حكم الإعدام بالشيخ أبو شقرا، فلاحظ الأمير على وجهيهما علامات الإضطراب والحاجة فسألهما:
-”خيراً إن شاء الله ، هذه الزيارة في هذا الوقت مش بلا ؟”
أجاباه : رجاء نعرضه على سعادتك.
دهاؤه حدثه برغبتهما، فقال: كل شيء إلا العفو عن بشير أبو شقرا.
أجاباه: العهد بيننا أننا حلفاؤك حتى الموت، وأنك لا تخيبنا ولا تكسر خاطرنا.
تأثر الأمير وأجاب: لكم ما تريدون فاطلبوا..
-العفو من شيم الكرام، ونحن نرجو أن تعفوَ عن ابن أبو شقرا.
قال الراوي: أسقط في يد الطاغية، ولبى رجاء الشيخين النكديين على مضض وكره، ولكنه اشترط أن لا يطلق سراحه إلا إذا أدّى خمسة وثلاثين كيساً وكان المبلغ باهظاً وعظيماً في ذلك الزمان، فسعى بنو أبوشقرا إلى تدبيره بشق النفس، وباعوا حُلي ومصاغ نسائهم والعديد من أرضهم، ثم ساعدهم أصدقاؤهم من عائلة أبو حسن في بعذران، وعائلة جودية في حارة جندل حتى تجمّع لديهم، بعد العناء الشديد، أربعة وثلاثين كيساً، وبقي عليهم كيس واحد، ولكن الأبواب سدّت في وجوههم فحرّكت المروءة الشيخ نادر بو عكر كبير أسرة آل نعمة في دير القمر، وهي أسرة صديقة لآل أبو شقرا منذ القدم وتربط بينهما أواصر المحبة ووحدة الفرضية، فجمع هذا الشهم الكيس من عائلته الكريمة وقدمها إلى أبو شقرا وأنقذ بعمله هذا حياة كبيرهم من الموت المحتم.
ومما يرويه المؤرخ حسين غضبان في كتابه “ الحركات في لبنان، ص 22 “ أن الشيخ قاسم معضاد أبو شقرا، شيخ قرية عماطور في حينه، نزل إلى بيروت سنة 1880 لشؤون خاصة، وعندما همّ بالعودة شعر أنه متوعك المزاج، فمرّ بالشويفات ليبيت عند صديقه فارس محمود أبو حسن، ولم تمضِ بضع ساعات على وصوله حتى حضرته الوفاة.
في الصباح حُمّل الفقيد بموكب نحو بلدته عماطور، وقبل أن يبلغ الموكب دير القمر، كان النعي قد وصل إليها فتداعى رجال آل نعمة لملاقاة الموكب في ظاهر البلدة، ومن هناك انضموا إلى الموكب وساروا إلى جانب آل أبي شقرا يساهمون في حمل الجثمان حتى وصلوا عماطور، فوقفوا يستقبلون المعزين مع آل أبوشقرا وكأنه فقيدهم.

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=” جميل ردّ الجميل لكن البادىء أفضل” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

الرجال سيفها ليس للعدوان
الرجال سيفها ليس للعدوان

مخطىء من خالج فكره يوماً أن الشعب المسالم في قراه ومدنه، كان السبب في تغيير مجرى الثورات من وطنية إلى فتن طائفية، فقد كان العامل الأهم هو الأيادي الخفية لعملاء السلطة المحتلة أو لعناصر الشر والمكائد من مخابرات محلية أو خارجية وجميعهم ممن ينطبق عليهم القول:”يفسدون في الأرض ولا يصلحون”.
هذا ما حدث يوم فتنة بلدة كوكبا في الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني سنة 1925، بعد أن تناهى لسمع زوجة الشيخ أبو محمد أسعد الزغير، أزيز الرصاص وضجيج الغوغاء وارتفاع الأصوات والعياط، قرب بلدة كوكبا، وكانت لم تزل تصطاف مع عائلتها في بستانها القريب من البلدة المذكورة، صرخت قائلة: “يا أبا محمد ولدنا مهنا ذهب للصيد هناك، إذهب وابحث عنه وعسى أن لا يكون قد أصابه مكروه”.
اعتلى أبو محمد ظهر دابته وانطلق نحو العين غير آبهٍ بالخطر المحدق به، كونه لا علم له بما حدث أو لم يزل يحدث. لدى وصوله إلى مبتغاه، وجد مهنا يبحث عن طرائده رغم أن طرائد غيره كانت من الأبرياء الضعفاء. عند اقترابه من العين المذكورة، إذ بنسوة مع أولادهن وأطفالهن ويربو عددهن على الثلاثين، يركضن نحوه صارخات مولولات يلتمسن النجدة والخلاص.
تحركت النخوة والعزة والكرامة التي انفطر عليها هذا الشيخ وأمثاله، خصوصاً وأن العديد من أؤلئك النسوة كنَّ ممن يعرفهن أو يعرف أزواجهن. ورغم استغرابه لهذا المشهد انتفض قائلاً: “ويحكن، ماذا يحدث هنا، ولماذا هذا الهلع؟ فأنتن بإذنه تعالى سالمات ولن يصيبكن أي مكروه وأنا حيٌّ ولي عرق ينبض”.
إنطلق أمامهن عائداً من حيث أتى بعد أن أودع العديد من الحوائج المهمة كالمصاغات وسواها في خرج دابته ووضع أمامه وخلفه أربعة أطفال وسار أمام النسوة وابنه مهنا يرافقهن.
مع وصوله إلى بستان الحرفاني القريب من بستانه، وجد العديد من الثوار وبينهم من يمتّ إليه بصلة فاستوضحهم عن السبب، ثم طلب من بعض أصحابه وأقاربه أن يعودوا معه لمساعدته وحماية مرافقيه حتى وصوله إلى بيته في حاصبيا، وذلك تحسباً لأي إنتقام ممن فقدوا أولادهم أو أحد أقاربهم.
في منزله، رحّب أبو محمد بالنسوة ثم دعاهن إلى الدخول آمنات مطمئنات غير أنه فوجىء بإحداهن والدموع تملأ مقلتيها وهي تولول وتلطم خديها وتقول: “ولدي حبيب لم يزل في السرير”.
ذُهل واستغرب من هذا الكلام، ثم سألها: لماذا لم تقولي قبل مجيئنا؟ وقبل أن تستجمع قواها للجواب سارع إلى طمأنتها بالقول:لا تقلقي سأعود وأجلبه فأين بيتك، وزوجة من تكونين؟
-صحيح يا عمي أبو محمد؟ صحيح؟ وهل باستطاعتك أن تعود؟ فأنا زوجة شكري أبونقول وبيتنا في الجهة الشرقية من الكنيسة.
وصل إلى البلدة والنيران لم تزل تلتهم ما تبقى من المنازل وما يحيط بها لكن المنزل المقصود كان لم يزل سالماً. فاندس إلى داخله وأخرج الطفل من سريره ثم عاد به إلى والدته.
هنا مشهد يرويه حفيد الشيخ عن لسان والده فارس قائلاً: “ بقي ذلك المشهد طيلة حياته لا يبرح فكره، كيف أن الوالدة تلقفت الطفل، وكيف ركضت ثم ركعت أمام والده شكراً وامتناناً، لكن الجد استغفر الله وأجاب: “هذا واجبنا تجاه ضميرنا وتجاه الجميع وكيف وأنتم جيراننا وأحباؤنا”.
بقيت النسوة في المنزل مكرّمات فترة من الزمن، غير أن خوف مضيفهن من الأيام المقبلة وعاقبتها جعله يذهب إلى الشيخ حسين قيس قاضي المذهب الدرزي آنذاك، طالباً منه النصيحة في ما يجب أن يكون موقفه تجاه النسوة.
أيقن الشيخ خطورة الأمر، لذا أشار إليه أن يوصلهن إلى سهل إبل السقي على أن يكملن طريقهن من هناك إلى مرجعيون، حيث أن البلدة عادت إلى يد السلطة المستعمرة ولربما أزواجهن وأولادهن يتواجدون هناك.
هذا ما حدث بالفعل، إذ قام بإيصالهن مع بعض أقاربه إلى السهل المقصود، ومن هناك توجهن إلى مرجعيون، وكان اللقاء المؤثر بين الفاقد والمفقود.
رد الجميل لم يطل كثيراً لأبي محمد أسعد الزغير، من قبل آل أبو نقول، إذ بعد اندحار الثوار وتركهم لبلدتهم حاصبيا ودخولها وحرقها من قبل الجيش الفرنسي وبعض المتعاونين معه، كان أن سلم بيت الشيخ أبو محمد من الحريق وذلك بإيعاز وحضور من والد ذلك الطفل، وكان من جرّاء ذلك أن تعمّقت الصداقة وتجذّرت بين آل الزغير وآل أبونقول حتى اليوم الراهن. ويكمل الراوي فيقول إن السيدين شكري وميشال أبونقول بقيا يناديان والده فارس حتى وفاتهما بأخي فارس.
هذه المأثرة حدت بي إلى إعادة ما رواه أمامي الطيب الذكر الأديب سلام الراسي عن مأساة بلدة كوكبا فقال: “أقسم اليمين عما سأرويه حيث كنت في الرابعة عشرة من عمري عندما أتى إلى بلدتنا إبل السقي، وفد حكومة حاصبيا برئاسة نسيب أفندي غبريل، وعضوية كل من السادة نزيه مؤيد العظم، وشكيب وهاب وفي جعبتهم المنشور الموقع من القائد زيد الأطرش وفحواه: “إن قدوم الثوار الدروز إلى هذه البلاد هو لإنقاذها من السيطرة الأجنبية، وإن ثورتهم هذه باسم الوطن لا بإسم الطائفية، وإن جميع أبناء الوطن، إخواننا في النفس والمال والحرية الشخصية. وعلى مبدأ “الدين لله والوطن للجميع”، راجين التفّهم والتعاون والله من وراء القصد”. ثم أخبروهم أن الثوار سيمرون غداً قرب بلدتهم متلمسين منهم عدم التحرش أو إطلاق النار عليهم.
أثناء تواجد الوفد في منزل الوجيه يوسف أبو سمرا علمت المخابرات الفرنسية المتواجدة في مرجعيون بقدومهم، لذا أرسلت ثلاثة من عملائها لاعتقال الوفد المذكور، لكن حالما عرف أبو سمرا بالأمر حتى أرسل رجاله لمقابلتهم وأمرهم بالعودة من حيث أتوا.
في اليوم التالي، قَدِم الثوار من حاصبيا إلى مرجعيون وقصدهم طرد الحامية الفرنسية المتواجدة فيها سلماً، كما حصل في بلدة حاصبيا ذاتها، حيث طردت الحامية من موقعها في تلة زغلة من دون سفك أي نقطة دم وتمّ إيصال الجنود الفرنسيين إلى مصنع الحمّر، مع تزويدهم بالطعام والماء، كما سُمح لهم بنقل جميع معداتهم وأسلحتهم”، غير أن المخابرات المذكورة سابقاً ما كان منها إلا أن أرسلت العملاء الثلاثة ذاتهم إلى زيتون المغاريق المتواجدة أمام بلدة كوكبا، وحيال وصول الثوار إلى هناك فاجأوهم بإطلاق النار عليهم فقتل منهم على الفور ثلاثة هم: أسعد شرف وقاسم ومحمود أبودهن.
صادف أن حصل هذا الاعتداء الغادر على الثوار بينما كان قائد الحملة حمزة درويش يشرب القهوة عند خوري البلدة، ونظراً إلى أن القائد المحنط لم يكن موجوداً في الوقت المناسب فقد عمت الفوضة بين الثوار و”فلت الملقّ”، كما يقال بعد أن اعتقد الثوار أن أهالي كوكبا هم الذين هاجموهم لذا توجهوا نحو البلدة وحدث ما حدث، وقتل نحو ثلاثين من الذين قاوموا وكانوا يحملون السلاح.
ليردد بعد ذلك الأمير عادل أرسلان، أحد قادة تلك الثورة، جملته الشهيرة: “هكذا أرادتها فرنسا: من ثورة وطنية إلى فتنة طائفية”.

 

 

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”يا محترم حياتكم غالية جداً علينا” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

حدّثني الأديب سلام الراسي عن أريحية ومروءة الشيخ أبو اسماعيل سليم خير الدين، فقال: “بعد اندحار الجيش الفرنسي التابع لحكومة فيشي سنة 1940، أمام الجيش الفرنسي التابع لحكومة الجنرال ديغول في الجزائر في منطقتي مرجعيون وحاصبيا حدث فراغ أمني في بلدة حاصبيا من جرّاء ذلك.
القسيس إبراهيم داغر، راعي الكنيسة الإنجيلية، ومدير المدرسة التابعة لها في تلك البلدة، وكان لم يزل يقطن فيها.
إحدى الليالي، نظر من نافذته، فوجد ثلاثة مسلحين يتجوّلون قرب منزله، لكنهم لم يطرقوا الباب، ومع هذا بقي طوال الليل يترقب حدوث عمل مشين.
بعد طلوع الفجر بقليل، أسرع القسيس إلى صديقه الشيخ أبو اسماعيل خير الدين وحادثه قائلاً :
“شيخنا الكريم، إذا كان وجودي في بلدتكم غير مرغوب فيه، فأرجو من حضرتكم إعلامي بذلك، وإنني على استعداد للرحيل ساعة تشاؤون، والسبب أن ثلاثة مسلحين بقوا طوال الليل أمام منزلي”.
تبسّم الشيخ بعد أن استراحت تقاسيم وجهه، وأدار بيده فوق لحيته وقال:
“يا محترم، لا يغرُب عن بالكم أن حياتكم غالية جداً علينا، وأن وجودكم بيننا لا يقدّر بثمن. فأنتم المرشد الروحي والفكري لأولادنا وللجميع، وخوفاً من حدوث مكروه لحياتكم في هذه الأوقات العصيبة، قمنا بإرسال الشباب لحراستكم، والسهر على راحتكم”.
تبسّم القسيس بعد أن سمع ذلك، وبعد أن استراح فكره، نظر نحو الشيخ من جديد وقال: “حييتم وبييّتم أيها النبيل الشريف، وحقيقة أنكم خلقتم للمعروف يا بني معروف”.

[/su_spoiler]
[/su_accordion]

قلعة نيحا

من أبـــرز معالــم محميــة أرز الشــوف

قلعــة شقيــف فــي نيحــــا
حصــن منيــع لــه تاريــــخ

حـــررها صــلاح الــدين مــن الصليبييــــن
واحتفــــظ بهــا العثمانيــــون 400 سنــــة

تتميز المحمية بوجود كبير من المعالم التاريخية في نطاقها وهو ما يزيد جاذبيتها السياحية وقيمتها الثقافية، ومن هذه المعالم مقام النبي أيوب في نيحا، ومقام الست شعوانه في منطقة البقاع، وآثار قلعة قب الياس، لكن أهم المعالم التاريخية هي ولاشك قلعة شقيف تيرون التي تقع في بلدة نيحا على بعد 33 كلم من بيروت، وهي محفورة في قلب جرف صخري يطل على وادي بسري، وهذه القلعة المذكورة في بعض النصوص “مغارة شقيف تيرون” وردت في كتابات الصليبيين منذ القرن الثاني عشر ميلادي، ويدعوها سكان القرى المجاورة قلعة نيحا لأنها تقع في منطقة جبل نيحا، وبحكم موقعها الاستراتيجي المسيطر على الطريق الممتد بين صيدا والبقاع والشوف، أصبحت حصناً عسكرياً يتيح لحاميته المقاومة والصمود لأشهر طويلة.
ونظراً لأهمية الموقع الكبيرة، تعرضت القلعة للعديد من الاحتلالات والكرّ والفرّ وإعادة السيطرة، كونها شكلت هدفاً دائماً للحكام والجيوش المتعاقبة، فانتزعها اتابك دمشق السلجوقي شمس الملوك اسماعيل بن تاج الملوك بوري في سنة 1134م. من الضحّاك بن جندل، وسيطر عليها الصليبيون بعد ذلك قبل تحريرها من قبل السلطان صلاح الدين الأيوبي في سنة 1165م.. وقد هيمن عليها الصليبيون مجدداً (1182م.). لكن الملك صالح اسماعيل (ملك دمشق) استعادها سنة 1238م، وبعد أعوام عدة عادت إلى عهدة الصليبيين بموجب معاهدة والي صيدا سعد الدين بن نزار
(1251 م) وبقيت القلعة موضوعاً لكر وفرّ إلى أن احتلها شهاب الدين بن بحتر سنة 1260م. واحرقها قبل ترميمها وتحصينها من قبل السلطان المملوكي الظاهر بيبرس سنة 1270م.
ومنذ سنة 1516م وحتى أوائل القرن العشرين ظلّت القلعة تحت سيطرة أمراء الجبل والسلطة العثمانية، وفي سنة 1585م لجأ إليها حاكم الشوف آنذاك الأمير قرقماز (والد فخر الدين الثاني) بعد أن طارده العثمانيون بتهمة السطو على خزينة السلطنة في جون عكار، وتوفي بعد ذلك بقليل بعد انتقاله إلى مغارة قرب جزين.
عرفت القلعة في تاريخ لبنان الحديث بـ “قلعة فخر الدين” عندما اتخذ منها الأمير المعني فخر الدين الثاني ملجأ في سنة 1633م بصحبة عائلته وبعض المقربين، على أثر هزيمته أمام الجيوش العثمانية في عهد أحمد باشا كجك، وبعد حصاره لفترة طويلة وصموده قام أحمد باشا بتلويث المياه الجارية إلى القلعة بالدماء وكروش البهائم، بعد اكتشاف المجاري الجوفية من نبع الحلقوم القريب، عندها هرب الأمير واختبأ في مغارة جزين، حيث القي القبض عليه. وتزعم إحدى الروايات الشعبية أن ابنة الأمير انتحرت مع حصانها بعد أن عصبت عينيه وقفزت من أعالي القلعة خوف الوقوع في أسر الدولة العثمانية. أما الأمير الأسير فاقتيد إلى اسطنبول وأعدم هناك سنة 1635م.

صوت من التراث

قلعة حلب في خمسينيات القرن الماضي

2013