بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه الطيبين وعلى أنبياء الله الطاهرين
تسارعت الأحداث وتراكمت التطورات منذ سنة ونيِّف، وتوقفت «الضّحى» عن الصدور مؤقتاً لعدة أشهرٍ خلت، لأكثر من سببٍ وعائق، لكنَّ مواقعنا الإلكترونيّة لم تتوقّف عن المتابعة (متابعة الأحداث والتّحديات) يوماً بيوم، وساعةً بساعة، وقد أثقلناها، ربّما، بالكلمات والمواقف والرّسائل الملحّة والضّروريّة، وكلُّها أكّدت وما زالت تؤكِّد أنّنا حاضرون في قلب الحدث، ثابتون في مواجهة التّحدّيات، وحريصون على ثوابتنا الرّوحيّة والاجتماعيّة والوطنيّة.
ولكي نكون أكثر إنصافاً لمتابعي مجلة الضّحى ، وأوفياء لأهلنا في مختلف المناطق اللبنانية، وامتداداً من لبنان إلى سوريا وفلسطين والأردن وفي بلاد الانتشار الواسعة، فقد رأينا ورئاسة التحرير ضرورة التعويض عن الانقطاع في الفترة الماضية بإصدار كتاب خاص بعنوان «كلمات ومواقف»، يتضمّن ما تميّزت به تلك المرحلة الممتدة حتى صدور هذا العدد، ليوزَّع مجاناً على جميع المشتركين في المجلّة، على أمل أن تصدر كتبٌ أخرى لاحقة تكون بمثابة هدية الضّحى المفيدة للمشتركين وعموم القرَّاء.
لن يكون هذا الكتاب مجرّد تجميع للأحداث والمناسبات في ظلّ التّطوّرات الّتي شهدها الوطن اللّبناني خصوصاً و»بلاد الشام» عموماً، والّذي برز فيها اسم طائفة الموحّدين الدّروز كونها موجودة بحضورها الأصيل، ودورها المؤثّر في بلدان هذا المثلّث الجغرافي الحسّاس، وفي هذه المرحلة الدّقيقة من تاريخ المنطقة، بل هو محاولة حثيثة لتجسيد فهم أعمق للرّؤية الّتي نراها حول الهويّة، ومفهوم الشّراكة الرّوحيّة الوطنيّة، ومهمة الإصلاح والإنقاذ، ومحاولة النّهوض بالطّائفة والوطن في زمنٍ تتشابك فيه الخيوط السّياسيّة والاجتماعيّة، وتكتظُّ الأوضاعُ الإقليمية بالتّحوّلات الّتي تثير القلق، وتضع أمام الأجيال الجديدة أسئلة مصيريّة حول مسارات وطنهم وأمّتهم. تلك الكلمات والمواقف إن هي إلَّا أشعَّةٌ من فكر وشموعٌ من أمل نسعى من خلالها للإضاءة على المواقف الرّاسخة والقيم النّبيلة الّتي تجمع بين الالتزام الدّيني، والحسّ الاجتماعي، والوطني، والإنساني.
في كلّ صفحة من كتاب «كلمات ومواقف» يتجلّى دور المجلس المذهبي، وتبرز مواقف مشيخة العقل الدّاعية إلى الحوار والتّفاهم، والتّأكيد على وحدة موقف الطّائفة وحضورها الوطنيّ، بما تحمله من تراث أصيل، وما تتمتَّع به من إخلاص ومن قوّة في مواجهة محاولات تفكيك الوطن وزعزعته، وفي ذلك انعكاس للدّور الرّيادي الّذي تجسِّده القيادة السّياسيّة للطّائفة، والّذي نواكبه بإخلاص وإدراك لصياغة مواقف التّوازن الدقيق بين السّياسة والدّين، بين الرّوحانيّة والأصالة من جهة، والحداثة والتّطوّر من جهة أخرى، مؤكّدين على ثوابت الطّائفة الّتي تتبنّاها مشيخة العقل والقيادة الحكيمة، والمتمثّلة بمعالي الأستاذ وليد بك جنبلاط، وما يمتاز به من حكمة وإصالة، والّذي يتحمّل ومعه القيادات المعروفيّة الوطنيّة المسؤولة مهمّة العمل على بناء ما تهدّم، وإصلاح ما فسد، وإنقاذ ما تبقّى.
إنّها رحلة تأمّل وعمل في وطن تعصف فيه التّحدّيات، وتثقل كاهله الضّغوطات الدّاخليّة والخارجيّة، لكنّنا مؤمنون بأنّه قادر على البقاء بالحوار والتّفاهم بين جميع مكوّناته، وبقيام دولته السيِّدة المسؤولة، وبإرادة الإصلاح القويّة لدى أبنائه في مختلف جوانب الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، بالرّغم من الظّروف المعقّدة والتّحدّيات الجسام الّتي واجهته في السّنوات الماضية، سواء أكانت على صعيد التّوتّرات المحليّة أم المواجهات الإقليميّة، إلّا أنّها شكّلت فرصة لإبراز مواقف التّضامن الثّابتة، وتجاوز التّحدّيات الآنيّة، ورسم ملامح الطّريق إلى مستقبلٍ زاهرٍ يتّسم بالاستقرار والتّقدم.
لقد أطلقنا عنوان «الشّراكة الرّوحية الوطنيّة»، لمواكبة مسيرة العهد الجديد، ليس تعبيراً عن صياغة طائفيّة لواقع البلاد، بل إطلاقاً لنداء يجمع اللّبنانيّين بمختلف أطيافهم، ليعلنوا معاً، وبصوت العقل والقلب، أنّه لا نجاة للبنان إلّا إذا تعاضدت فيه قوى المجتمع على مختلف مستوياتها الرّوحيّة والوطنيّة، لمحاربة الفساد، وتعزيز الدّيمقراطيّة، والحفاظ على سيادة الوطن، بعيداً عن كلّ مخطّطات التّذويب والتّحجيم والتّشويه والانغلاق أو الاستقطاب.
إنّنا نحاول استشراف المستقبل بالسّعي لتحقيق الأمن الاجتماعي والسّياسي للبنان وأبنائه، بما يمليه علينا واجبُنا الرّوحي، وما نمثّله من قيادة توحيديّة وطنيّة تعمل بصدق إلى جانب المرجعيّات الرّوحيّة الأخرى، وإلى جانب القيادة السّياسيّة المسؤولة، للمشاركة في مسيرة الإصلاح والإنقاذ وتغيير الواقع اللّبناني إلى الأفضل، معزّزين بذلك فكرة الشّراكة الرّوحيّة الوطنيّة الّتي تنبثق من إرث تاريخيّ عميق لتشكِّلَ مظلّةً واقية لتطلّعات اللّبنانيين نحو مستقبل زاهر ووطنٍ مستقرٍّ يسوده السّلامُ والازدهار.








