الجمعة, تشرين الثاني 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, تشرين الثاني 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

السبيل إلى التوحيـــد

مشيخـــة العقـــل تنشـــر دليـــل المهتميـــن والطالبيـــن
للتعـرُّف علـــى مرتكـــزات الإيمـــان والسلـــوك التوحيدييـــن

الحلقة الثانية

[su_accordion]

[su_spoiler title=” الفصل الثاني فرائض الإيمان التوحيدية ” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

الفصل الثاني: فَرائِضُ الإيمان التوحيدية

غلاف كتاب السبيل إلى التوحيد

إنَّ للإيمان فرائضَ وَاجِبَات شأنُهَا تحقِيق ثمرة الطّاعَة في ذاتِ المُوحِّد في العاجلة والآجلة. وسَبَقَ أن ذكَرنا مَا علَّمهُ جِبريل للنَّاسِ، بِواسِطَةِ النبيّ ، مِن أُسُس عَقائِد الدِّين ومفتَرَضاته. لكنَّ هذِه العَقائِد تحتَاجُ إلَى أعمَال الجَوارِح، وإشغَال خواطِر الصُّدُور، فيما يَقتضِي الوصُول إلى الغَايةِ مِنهَا مِن التزامٍ بقاعِدةِ العِلمِ والعمَل والإخلاص فيهِمَا، لِكَي يَستَشعِرَ المُوَحِّدُ الصِّلةَ بِالحقّ، وتَنكَشِفَ لبَصيرَتِهِ حقائِقُ نِعَم الله، وأسرَارُ لطائِفِ مَحبَّتِه. ومن أهم الفرائض الإيمانية الواجبة:

الطَّاعَـة
هِيَ الانقِيادُ لأمرِ الله ونَهيِه في الإقبالِ والعمل بالمَعروفِ، والإدبارِ عنِ المُنكَر، وَالانشِغَال بِكلِّ مَا فِيهِ رِضى وتقرُّبٌ إلى الله تَعالَى. وَالطَّاعةُ ثمرةُ المَحبَّة، فمَن أحَبَّ الحَقَّ، انقادَت جوارحُهُ وخَواطرُهُ فِي المَسالِكِ الحميدَة، والسُّبُل المُستقِيمَة، بِهَديِ التَّعالِيمِ الشَّريفَة، والسُّنَنِ الفَاضِلَة. قَالَ عزَّ مِن قائِل وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزاً عَظِيماً (الأحزاب 71)، وَهُوَ أن يُصلِحَ باطنَهُ وقلبَهُ، فإنَّهُما مَوضعُ نَظَر الحقّ، ويُصلِحَ ظاهرَهُ بالأعمَال الطَّيِّبَة، واتِّبَاع طَرائَق الهُدَى.

العِبَادَة
هِيَ “اسمٌ يَجمَعُ كمَالَ الحُبِّ لله ونِهايتَهُ، وكَمالَ التضرّع والتذُّللِّ لله ونِهَايتَه”، لِذَلِكَ هِيَ تألِيهٌ وتَقدِيس لاَ يَستحقّهُمَا إلاَّ مَن لهُ العِزَّة والمُلك، رَبُّ السَّمَاواتِ وَالأَرضِ وَمَا بَينَهُمَا فَاعبُدْهُ وَاصطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعلَمُ لَهُ سَمِيّاً (مريم 65)، أي أَطِعهُ بِجَسدِكَ وَنفسِكَ وَقَـلبِكَ وَسِرِّكَ ورُوحِكَ، مُتغْـذِيًا بِلطائِف العلم، ومُقتبِساً فَوائِدَ العَقـلِ مِن نُورِ الذِّكر الحَكِيم، ومآثِر أَهلِ العِفَّةِ وَالفضلِ والثِّقَة. وَلاَ تَصِحُّ العِبَادَةُ دُونَ استِشعَارٍ يَقِينيّ لله الواحِدِ المَوجُود، كمَا قالَ مَا يكُونُ مِن نَجوَى ثلاثَة إلاَّ هُوَ رَابِعُهُم وَلاَ خَمسَة إلاَّ هُوَ سَادِسُهُم وَلاَ أَدنَى مِن ذَلِك وَلاَ أَكثَر إلاَّ هُوَ مَعَهُم أَينَ مَا كَانُوا (المجادلة 7). وعن لِسانِ الإمام عليّ (ع) كمَا وردَ فِي شروح “نهج البلاغَة أنَّهُ قال: “إنَّ قوماً عبدُوا اللهَ رَغبةً، فتِلك عبادةُ التّجَّار، وإنَّ قوماً عبدُوا اللهَ رهبةً، فتلكَ عبادةُ العبِيد، وإنَّ قوماً عبدُوا اللهَ شكراً، فتلكَ عبادةُ الأحرار”.
الصَّلاة
عَدا عن كَونِها صلاة مخصُوصَةً مَوقُوتةً، بِهَا كلاَمٌ ودُعاءٌ وتسبيحٌ وركوعٌ وسجُودٌ لله، فإنَّ الصَّلاةَ فِعلٌ مِن أفعَال لَطائِف الرُّوح إذ تَتوجَّه بالتَّضرُّع والخُشوع والاستِغفَار إلى الواحِد الأحَد، ربِّ العِباد، وَغَايةِ الغَايَات. وأجمَلُ الصَّلاة هِيَ التِي تبلُغ حَدَّ الصِّلةِ باستِشعارِ الله سُبحَانَهُ وتَعالَى “كأنَّـك تَراه”، ولكِنه منزَّه لَيسَ كمِثـلِه شَيْء
(الشورى 11). وقَد جاءَ فِي الحَديثِ الشَّريف: “أقرَب مَا يَكُون العَبْدُ مِن رَبِّه إذَا سَجَد”.

النوايا الخيِّرة
النِّـيَّةُ عمَلٌ قلبيٌّ خالِص خصَّهَا الشَّرعُ بالإرادةِ المُتوجِّهَةِ نَحو الفِعل ابتغاءً لِوَجه الله، وامتِثالاً لحُكمِه. جاءَ فِي الحديث الشَّريف: “إنَّما الأعمَالُ بالنِّـيَّات، وإنَّـما لكلِّ امرئٍ مَا نَوى”. فالنِّـيَّةُ روحُ العمَل، يَصفو ويُثاب بصفائِهَا، ويخيبُ ويبور بِكَدَرهَا، لذلِكَ يقولُ السّالكون: “رُبَّ عمَلٍ صَغِير تُعظِّمُهُ النِّـيَّةُ، ورُبَّ عمَلٍ كبير تُصغِّرُهُ النِّـيَّة”.
يردِّدُ الموحِّدون الحَدِيثَ الشَّريف: “إنَّ اللهَ لاَ ينظُر إلَى أجسَادِكُم، ولاَ إلَى صُوَرِكُم، ولكِن يَنظُر إلَى قـلُوبِكُم”، ومَوضِع نَظَر ربِّ العِبَاد أولَى أن يَكُونَ نقيـّاً، بريئـاً مِن كلِّ شائبَةٍ، ليحصل التَّوفِيق، وتتحقَّـقُ الغَايةُ المرجوَّة. والثِّقات الكِبار يُدركُون مبلغ عظم صفو النيَّة، فالنَّوايَا عندَهُم قُطبُ الأعمَال وَسَابقَة لهَا، و”الأمُورُ بِمقاصِدِهَا”، ومَا مِن ميزانٍ راجحٍ فِي الخَير دُون نِيَّة طيِّبَة مَعقودَة بِه.

الفرق بين الحَلال والحَرَام
الحَلالُ هُوَ مَا أبَاحَهُ الشَّرعُ، وأمّا مَا نَهَى عنهُ وحظَّرهُ فهُوَ حَرام. إنَّهُ مِن قَواعِدِ الدِّينِ العِظَام معرفَةَ مَا هُوَ حِلّ ومَا هُوَ مُحرَّم وفقاً لِمَا رَسَمَتهُ الأصُولُ الدِّينيَّة الّتي أوحَى بِهَا اللهُ عزَّ وجَلّ. وَمَن يعدَم التَّمييز بينَهُمَا، لاِ يَستقِيمُ بهِ مَسلكٌ مُثمِر. وِيُسلِّمُ المُوَحِّدُ بحَقيقَةِ وُجُوب التِزام الحَلال فِي جُملَة أعمَالِهِ الظَّاهِرَة والبَاطِنَة، فِي سعيِهِ الحَمِيد إلَى المُحافَظَةِ علَى صفَاء القَـلبِ ونقَاءِ السَّريرَة، ويقِينُهُ أنَّ الخُبثَ يتأتَّى مِنَ الوُقُوعِ فِي الحَرَامِ لقَولِهِ تَعَالَى وَيُحِلُّ لهُمُ الطَّيّباتِ وَيُحَرِّمُ عَليهِمُ الخَبائِث (الأعراف 157).

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”  الفصل الثالث التخيير في الأعمال” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

الفصل الثالث: التَّخيير في الأعمال

معرفة النفس
ان النفس صفوة المخلوقات، وانها من عالم البقاء، حيّة جوهرية شفافة، عالمة عاقلة قابلة للخير، معقولة بحبائل العقل، وهي أمّارة بالسوء، عاجزة جاهلة قابلة للشر، مهددة بحبائل ابليس.
يَعتبِرُ الشُّيُوخُ الثِّقات أنَّ الأخلاقَ في الحَقيقَة هِي سَجايَا الخَير فِي ذاتِ النَّفسِ، أي في جوهَر طبيعتِهَا الكامِن، فإذَا لم يحقِّقها الإنسانُ بِالفِعل، جَنحَت النَّفسُ الأمَّارَة إلَى مَا يُضَادِدُهَا، وارتدَت ثوبَ الأخلاق المذمُومَة. أمّا إذا جهدَ المرءُ فِي تغذِية سجَايَا الخَير بِالعِلم اللطيف الشَّريف، وبِالمسَالِك العَادِلة المستقيمَة، فيَظهَر مِنها بتوفيقِ الله الأفعال الجميلَة، والأخلاقُ الرَّضِيَّة، والآداب والسَّمت القويم المتولِّدة جميعها من تلك السّجايَا “المحمودَة السَّعيدَة” كمَا سمَّاها الشَّيخُ الفَاضِل، لأنَّها “مقـرُّ الدِّين ومعدنه، ولاَ ثباتَ للدِّين إلاَّ بِهَا”.فمَن يعملْ مثقالَ ذرَّةٍ خيراً يرهُ* ومَن يعملْ مثقالَ ذرَّةٍ شراً يرَه (الزلزلة 8-7).

الاجتِـنَاب والاكتِسابُ
يُنبِّهُ الشَّيخُ الفَاضِل فِي إرشَادِه الحَكِيم إلَى “أصْلٍ أَصِيل” فِي مَسلكِ الطَّاعَة، وهُو “أنَّ العِبادَةَ شَطرَان، شطرُ الاجتِـنَاب وشطرُ الاكتِسَاب، فالاكتِسَابُ فِعلُ الطّاعَات، والاجتِنَابُ الامتِنَاعُ عن المَعَاصِي والسيِّئَات، وهُوَ التَّقوَى. وأنَّ شطرَ الاجتِـنَابِ أسلَم وأصلَح وأفضَل وأشرَف لِلعَبدِ مِن شطر الاكتِساب. ويَشتغِلُ أولُو البصَائِر مِنَ أهلِ العِبَادَة بِشطر الاجتِـنَاب، إنَّما همَّتُهُم أن يَحفَظوا قلوبَهُم عنِ المَيلِ إلَى غَير الله، وبطُونَهُم عنِ الفُضُول، وألسِنتَهُم عنِ اللَّغـو، وأعيُنَهُم عنِ النَّظَر إلَى مَا لاَ يعنيهم.” ويؤكِّدُ الشَّيخُ الفَاضِل أنَّ حصُولَ الشَّطرَين فِيهِ استِكمَالُ الأمر، وبلوغُ المراد، وتحقِيقُ السَّلامَة وَالفَلاَح.

الأمر بالمَعروف والنَّهي عن المُنكَر
تكرَّر أمرُ البَارِي تعالَى فِي العَدِيد مِن آياتِ الكِتَابِ الكَريم اسْجُدُوا لآدَم (البقرة 34)، “فكأنَّهُ تَعالَى، لمّا خلقَهُ بحيث يكونُ نَموذجاً للمُبدَعاتِ كلِّها بَل المَوجُودَات بِأسرِها، ونُسخةً لِما فِي العالَمِ الرُّوحانِيّ والجِسمانيّ، أمرَهُم بالسُّجود تذلُّلاً لِما رَأوا فيه مِن عظيمِ قدرتِه، وبَاهِر آياتِه، وَشكراً لِمَا أنعمَ عَليهِم بِواسِطَتِه”(البيضاوي). فسَجدوا إلاَّ إبليسَ أبَى واستكبرَ (البقرة 34)، وَيَصِفُ المُوَحِّدُون عِصيَانَ الأمرِ هذا بالمُضَادَدة، ويردُّوه إلى اختلافٍ جوهريٍّ في الطِّباع هُوَ فِي أسَاسِ التَّميِيز بينَ الخَير وَالشَّرّ، وَبَينَ المَحمُود وَالمَذمُوم، وَبَينَ المَعرُوف وَالمُنكَر، وَبمَعنَى أعمّ، بَينَ التَّوحِيد وَالشِّرك.
الضِّدِّيَّةُ هَذِه، جَسَّدَهَا إبليسُ بالخُبثِ والبُعدِ عنِ الحَقّ، وعَدَم الامتِثَال لأمر الله عزَّ وجلّ، وَمِن طَبعِه، فِي بَعضِ مَا وُصِفَ بهِ في الكتابِ العزيز، الأمرُ بالفحشاء والتضليل والكَيْد والوسوَسَة والإغواء والمعصية والفِتـنة ومَا شاكَل ذلك، لِهذَا كانَ الشَّيطانُ للإنسَانِ خَذولا (الفرقان 29)، أيْ “يخـذُلُه عنِ الحَقّ، ويَصرِفُه عنه، ويستعـمِلُه في الباطل، ويَدعُـوه إلَيه” (ابن كثير) وَ”يُواليه حَتَّى يُؤدّيه إلَى الهَلاك ثم يتركه ولا ينفعه” (البيضاوي).
إنَّ طبيعَةَ العَقـلِ المُتَّصِل بالحَقائِق اللطِيفَة هِيَ طبيعةٌ حَاكِمَة، فِي حِين أنَّهُ يَتوجَّب علَى النَّفسِ الأمّارَةِ الجَامِحَةِ عَن طَريقِ الحَقّ أن تَكونَ مَحكُومَة، ليَستَقيمَ مسلكُ الإنسانِ فِي طَريقِ الفضِيلَة. وقد مثَّـل أحدُ الحُكَمَاء العقـلَ بقَائدِ العَربَة الَّتي يقودُها جَوادَان. فَالعَربَةُ هِيَ الجِسمُ، والجَوادان أحدهُمَا قوّةُ الغَضَب، والآخَر قوَّةُ الشَّهوَة، فإذَا جَمَحَا وعَصَيَا القَائِد الَّذي هوَ العقل، ابتَعَدتِ العرَبَةُ عنِ الوُصُولِ إلَى غَايَةِ الطَّريق، وجَنَحَت عنِ السَّبيلِ السَّويّ وُصُولاً إلَى مَا لا تُحمَد عُقبَاه، ألاَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرانُ المُبِين (الزمر 15). وكَفَى بِالعَقـلِ نَاصِحًا أنَّهُ المُوضِحُ سبيلَ الحقّ، وقد قال الإمامُ عليّ (ع) فِي هذَا المعنَى: “كَفاكَ مِن عَقـلِكَ ما أوْضَحَ لَكَ سُبُلَ غَيّـكَ مِن رُشْدِكَ”.

العِلمُ والعَمَل
يُردِّدُ الشّيُوخُ الثِّقات قولاً راسِخاً فِي عُقولِهِم باعتِبَاره حِكمَة بالِغَة فِي محلّ أدقّ النَّصائِح وألطفها: “عِلمٌ بِلا عمَلٍ عقِيم، وعمَلٌ بِلا عِلمٍ سَقِيم، وعِلمٌ وعَمَلٌ صِراطٌ مُستقِيم”. إنَّ واجِبَ الارتِبَاط الجوهريّ بينَ العِلم والعمَل هوَ قاعِدَة ضَروريَّة فِي قـلبِ المَسلك السَّلِيم مِن آفاتِ الغَـفلةِ الباطِنَة. ذكر الأمير السيد(ق) في إحدى رسائله “أجهلُ النَّاس مَن تركَ العَمَلَ بِمَا يَعلم، وَأعلمُ النَّاس مَن عَمِل بِمَا يَعلم، وَالحُكمُ جَازِمٌ بِأنّ العالِمَ إذَا لَم يَعمَلْ بِعِلمِه فليسَ بِعالِم.” كذَلِكَ، فإنَّ الشَّيخَ الفَاضِل حذَّرَ مِن خُطورَةِ العِلم وإثمِهِ الكبير إذَا لم يقتَرن بالعَمَل والإخلاص فِيه لله تَعَالَى، وقال الإمام علي (ع) ان لسان العلم يعبر عن الحلال والحرام والحدود والاحكام، وهو زين المؤمن وفضيلته (ختم الانبياء). وقالَ عن أحدِ الحُكمَاء ناصِحاً:” لِيكُن طلبُ العِلم طلبَ دِرَاية لاَ طَلب روَاية، فمَن طلبَ العِلمَ ليَصرِف بهِ وُجُوهَ النَّاس إلَيه، أوْ يُجالِس بهِ الأُمَراء، وَيُباهِي بهِ النُّظرَاء، أو يَتصيَّد بهِ الحُطامَ، فتِجارتُه بَائِرة، وَصفقـتُهُ خَاسِرة.” ومِن نَصَائح أصحَابِ الفَضل فِي تفضِيل العمَل الصَّالِح علَى كلِّ شيءٍ سواه، قولُهم: “قـلِيلٌ مِنَ العِلم مَع العَمَل بِه، خَيرٌ مِنَ الكَثِير مِنهُ مَع عَدَم العمَل به”.

الدنيا دار مَمَر لا دار مُستَقر
إنَّ الله سبحانه وتعالى أوجَدَ الدّنيا كاملة النظام لإرادة له فيها، هي الإنسان، لإرادة له منه. وقد جعلها في ظاهرهَا محبوبة مطلوبة، موهوبة مسلوبة، وجعل فيها مَسَالك ومَهَالك، كما جعل لها طرقاً شتى منها ما يُحمد، ومِنهَا مَا يُذمّ. والإنسَان محتاجٌ إلَى الدّنيا ولا غنى له عنها، فيها غذاء جسده وتمام قصده، وجعل الفوز في تجاوز عقباتها.
هَذه الدُّنيَا وُصِفَت فِي الكِتابِ الكريم بأنَّها ليسَت إلاّ مَتاعُ الغُرُور (الحديد 20) لأنَّها “مُعَرَّضَةٌ للزَّوال، غيرُ لابِثةٍ ولا ماكِثـة، فَمَن طلَبَها لِذاتها قَسَا قـلبُه، وصَدِئت مِرآةُ بصيرتِه، والتَبَست في خَواطِره معالِمُ التَّمييز بينَ موجِبات اكتِسابِ الفضيلة مِن جانِب، وبَينَ متطلِّبات المصالِح الأنانية مِن جانبٍ آخَر. ومَن سعَى فيهَا فِي الحَلال، وجَعلَ فرصتَهَا وَسيلةً لبَذل الخَير، واقتِناء الزَّاد، ونفع النَّاس بالمعرُوف، فإنَّهُ بها وفيها ومنها يَسعد السّعادة الكُبرى، ويَتَـبَوَّأ مقعدَهُ منَ النّـعيم في الدّار الأُخرى، لأنَّه جَعَلهَا سبيلَ الجَـنَّة، ومِضمارَ السِّباق، وميدانَ اللِّحاق، ومَتْجرَ الاكتساب، وشِعارَ ذَوي الألباب، ومَوْقفَ العِلم، ومُـدَّةَ العَمَل، وَبَدْوَ الثَّواب، وفرْصةَ ذَوي الهِـمَّة، وبَيتَ الاجتِهَاد، ومحَلَّ التّقوى.

التَّـوبَة
قالَ عَزَّ مِن قائِل فأَقِم وَجهَكَ لِلدِّين حَنيفًا فِطرةَ الله الَّتي فَطَر النَّاسَ علَيها (الروم 30)، أي أخلِص قصدَكَ لله، واحفَظ عهدَك مع الله، واقبِل إليهِ واستقِم لأنَّهُ سُبحَانَهُ وتَعالَى أوجَدَ الخَلق وفِي طبيعتِهِم الإنسَانيَّة القُدرة علَى قبول الحقّ، وَالمَكِنَة مِن إدراكِه، والتَّهيُّوء العَادِل ليكونَ مِن جُملَةِ الَّذينَ يُوفُونَ بِعهدِ الله ولاَ يَنقُضُونَ المِيثاق
(الرعد 20)، وهُوَ “مَا عقدُوهُ علَى أنفُسِهِم منَ الاعتِرافِ بربُوبيَّتِه حينَ قالوا بلى، أو مَا عهدَ اللهُ تعَالَى عليهِم فِي كُتُبِه” (البيضاوي).
إنَّ ارتِكابَ الذّنُوب والآثَام يُورِثُ فاعلَهُ العَجزَ عَن دَركِ العِبادة، ويُصيِّرُهُ عَرَضاً مِن عَالَم الحِسِّ والهَوَى، ويُخرِجُهُ مِن غَايَات المَعَانِي، ويُبعِدُهُ عنْ كَنَف الأُنس بِالخَيراتِ المعنويَّة إلَى وَحشةِ الحيْـرَة والتكلُّف كما أوضحه الأمير السيد (ق) بأفصح العبارات. لِذَلِك، كانتِ التَّوبَةُ بَاباً مِن أبوابِ رحمَة الله الَّتي وسِعَت كلَّ شيء، بَل مِن الأبوابِ إلى مَحبَّتِه كمَا قالَ تعَالَى إنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ويُحِبُّ المُتطَهِّرِين(البقرة 222).
والتَّوبُة هُي تركُ الذَّنب علَى أجمَل الوُجُوه، يعنِي بالاعتِرافِ والنَّدَم والإقلاع. والتَّوبةُ كمَا وردَ فِي الحدِيثِ الشَّريف: “أن تبدلَ بدَل الجَهل العِلم، وبدَل النِّسيَان الذِّكر، وبدَل المَعصِيَة الطَّاعَة”. وَهِيَ الرُّجُوع عنِ المَذمُومَات فِي الشَّرع إلَى المَحمودَات فِيه، أي مِنَ المخالفَة إلَى الموافقَة، ومِنَ الطَّبع إلَى الشَّرع، ومِن الغَـفلَةِ عنِ الحقّ إلَى السَّعي فِيه، قبُولاً لأمر إلَه العَالمِين فِي قوله يَا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى الله توبةً نَصُوحا (التحريم 8)، والتَّوبة النَّصُوح هِيَ تَوثيقُ العَزمِ علَى ألاَّ يعُود بمِثـلِهِ، وَهِيَ “مِن أعمَال القـلب، يعنِي تنزِيه القَـلب عنِ الذُّنُوب، وعلامتُهَا أن يكرهَ العبدُ المَعصِيَة ويستقبِحَهَا، فلاَ تخطُر علَى بالهِ، ولاَ ترِدُ فِي خَاطِرهِ أصلاً (التهانوي).

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”الفصل الرابع المسلك الروحاني البسيط  ” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

الفصل الرابع
المسلك الروحاني البسيط

الصِّدق
يعتبِرُ المُوحِّدونَ أنَّ الصِّدقَ هـوَ “عمادُ الأمر، وبهِ تمَامُه”، قالَ تَعَالَى يَا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّـقوا اللهَ وكُونُوا معَ الصّادِقين
(التوبة 119)، قِيل: همُ الَّذينَ اسْتوَت ظَواهِرُهُم معَ بَواطِنِهم. والمَعنَى الأشمَل للصِّدقِ عندَهُم هوَ التَّصدِيقُ بِخَالِقِ الكَون الأحد، وبأصفِيائه الأنبياء، وبِرسَالاتِهِم التَّوحِيديَّة، وبِاليَومِ الآخِر، وبِأنَّ الخَيرَ غايةُ الكَون، وبأنَّ الحقَّ هوَ الغَرَضُ مِن خَلقِ الإنسَان، وبأنَّ السَّعيَ فِي تحقِيقِ خِصَالِ الخَير هوَ السَّبيلُ إلى رِضَى الله حيثُ السَّعادة الَّتي هيَ الثَّواب الأعظَم. لِذَلكَ، يَكُون الثَّباتُ فِي قَولِ الصِّدق ثَمرةَ حُسن الاعتِقادِ، وصَفاء القَـلب، ونقاء النيَّة، وَالرَسُوخ الحمِيد في استِكناه معنَى الفَضيلَة والالتِزام بموجِباتِهَا.
تنعقـدُ أمورُ المَسلك عندَ الموحِّدِين بالصِّدق، فهُو كالنَّواةِ التي لاَ يصِحُّ دون صَلاحِها دِين. لِذلِك، تـزخَرُ الآثارُ الوَعـظيَّةُ لثِقاتِ المُوحِّدِين بالحَثِّ علَى إيلاءِ أَمر الصِّدق فِي الأقوال والأفعَال العنايَة القصوَى. والصَّادِق عندَ الشَّيخ الفَاضِل هوَ المُتَّقِي الَّذي إذا قالَ قالَ لله، وإذا عمِلَ عمِلَ لله، فِي السِّرّ، أي فِي أعمال القـلب، ونقاء السِّرِّ وصفاه، وفِي العلانيَة، وهوَ مَا يَظهَر مِن أفعال الجَوارح.
تَهذِيبُ الأخلاق واستِشعَار الخلاَّق
التَّسليمُ عند الأمير السيد (ق) هُـوَ الفِعـلُ الَّذِي يُقدِمُ عَليهِ المَرءُ بَعدَ الرِّضى بِعَهدِ الله المُتمثِّـل بِحُسنِ الاعتِقاد، وَقواعِـد الأمر والنَّهي الدِّينيَّة. وبَعدَ أنْ يُؤَكِّدَ علَى أنَّ أوَّلَ المَواجِب اللازِمَة علَى السَّالِك المُريدِ هُـوَ مَعرفَةُ النَّفس مَدخلاً إلى السَّبيلِ القائِد إلَى تحقِيق الفَضِيلةِ والثَّبَات، يُحَدِّدُ القَاعِدةَ الَّتي هِيَ “الينبُوع الأعظَم” لِفِعلِ الطّاعات، وَالَّتِي اعتبرَهَا الشَّيخُ الفَاضِلُ أنَّهَا “أسَاسُ الخَيْر كلّه”، وهِي “تَهذِيبُ الأخلاَق واستِشعَار الخلاَّق”.
وأسْمَى الأفعَال الأخلاقيَّة عندَ الموحِّدين هِي الفَضل، أي بذل الخَير والإحسَان وَالمَعرُوف لِوَجه الله بِخالِص النِّيَّة، وأصلُ الفَضل هُو بِيَدِ الله يُؤتِيهِ مَن يَشَاء (آل عمران 73). وَالشَّرَف وهُوَ فِي المَعنى المسلَكيّ سُموّ وارتِقَـاء عَنِ الغَايَات الدّنيويَّة إلَى التّعلّق بالفَضيلَة ومُوجِبات تَحقِيقها فِي القـلب. والعَفاف وهُوَ الكفُّ عمَّا لاَ يَحِلُّ، وَعنِ طَلب الحُظوظِ، وضبْطُ النَّفسِ عنِ النّزوع إلَى شَهوَاتِهَا، واجتـِناب السَّرَف، وقَصد الاعتِدَال.
والبَابُ الأعدَل لتهذِيب الأخلاق هُوَ التَّقوىَ، لأنَّ “فِيهَا جَمَاعُ الخَير كلّه” كمَا وردَ فِي آثار الشَّيخ الفاضِل، الَّذي عدَّد الشّروط الواجِبَة علَى كلِّ مَن أرادَ الخَير، ومِنهَا: معرفَة الفَرائض الإلهيَّة، والمَواجِب الدِّينيَّة، وحُسن المُعامَلة، وحُسن الخُلُق، وترك الزِّينَة والتَّكبُّر والحَسَد والغِيبَة والنَّمِيمَة، والتَّحرّز مِن حبِّ المَجد والجَاه وطلَب الرِّئاسَة.

إنَّمَا المُؤمِنُونَ إخْوَةٌ
الأُخوَّةُ الرّوحيَّة تَرعَاهَا آدابُ الدِّين وأوامرُه ونوَاهيه، وهِيَ حقولُ المسَالكِ الَّتي يُعبِّـرُ بِهَا الموحِّدُ عَن مدَى ارْتِبَاطِ آثار العَقـل، الَّتي هيَ هُنَا عُلومُ الدِّين اللطِيفَة، بِالنَّفس ومَا تُظهِرُهُ مِن أعمال، ذَلكَ أنَّ عِلاقةَ المُؤمنِ بأخِيه المؤمِن تتطـلَّبُ حِفظ العُهُود، وصِيانة الذِّمَم، ومواظَبَة الخِدمَة، وقضَاء الحَوائج، ومَحض المَحبَّة، والذَّبّ عـنهُ بِالمَال واليَدِ واللِّسَان، وإدراك المِيزَة بمِيزان العِلمِ والعمَل والعِفَّةِ عنِ الزَّلل. كمَا تتطلَّب إسْدَاء النُّصح، والتنزُّه عنِ الغِيبَةِ والنَّمِيمَة، ومعرفَة مَنزلة المُفِيد الفَاضِل لاستِدراكِ حُسن الاقتِداء والمُشابَهَة لِقولِه “المؤمِنُ مِرآةُ المُؤمِن”.
لِهَذا، يرتَقي المُوحِّدُونَ بِمَعنَى الأخُوَّة إلَى حَدِّ اعتِبارهَا امتِحَاناً حقيقيّاً لمَدَى تزكِية النَّفس، واختِبَاراً حَاسِماً لِمدَى انطِبَاق الأفعَال النَّاجِزَة علَى الأقوَال الواعِدَة.

التـربية
يُعرَّفُ مفهومُ الزواج عندَ إجراء العقد وفق طقوس الموحِّدين بأنَّهُ “سُنَّةٌ من سُنن الأنبياء، وشِرعةٌ من شرائع البقاء، وصونٌ عن الفحشاء، ووقايةٌ من ربِّ الأرض والسماء.
يقول الأميرُ السيِّدُ (ق) إنَّ طريقَ الزواج ركنٌ عظيمٌ في الدِّين، قاعدته الرِّضى، وغايته الائتلاف. وهذا أمر تأسيسيّ لنواة المجتمع الأولى: الأسرة. ولا يؤسِّسُ العاقـلُ صورةَ حياته ومستقبلها فوق جُرْف هار، وإنَّما على بيِّنةٍ راسخةٍ من حسن التدبير، وأهمّها الوعي ووَحدة القـلب والعقل معاً.
إنَّ تثبيت أواصر الكَنف العائلي بالألُفة والتفهُّم والتفاهُم وتبادُل العلاقات الواعية، وتوفير الأجواء الهادِئَة والرَّشيدة داخل حرمة البيت الأسري ومَا شابهها من أمور، من شأنِه أن يوطِّد أسُس التربية السّليمة التي تسهِم في بناء شخصيَّة إنسانيَّة مستقرَّة وقادرة لاحقاً على مجابهَة تحدّيات الحياة العمليَّة والفكريَّة وتطوّرها الرّوحِي المستقيم لتجنب مخاطر الفساد مهما بلغت نظريات التطور العلمي والتقني على كافة المستويات.
لقد أوصَى الأفاضل الثِّقات بتعليم الأبناء منذ بدو نشوهم قول بِسْم الله الرَّحمَن الرَّحِيم لدى المباشرة بأي عمل، ومثـله قول الحمدُ لله ربّ العالَمين لدَى الانتِهاء مِنه بداية لطريق الهداية والارشاد. إنَّ اكتِسابَ هذه العَادَة الجلِيلة، وما يتبعها من التَّذكير الدائم برِفعَة المسلك الخُلقي الحميد، يزرع في النّفوس وفِي القـلوب بذورَ الاستِشعار، ويفتَح البَابَ لِسوانِح البَركَة والتَّوفيق، ويُكسِب النفس سجايا الخَير والحياء والأدب، فلا تنزلق بسهولة، عند أولى التجارب، فِي التشبّه بمَعشر السوء، والتعلق برغباتٍ مُفسِدة للمروءة، وهادِمَة لطريق بناء المستقبل كما قال تعالى في كتابه الكريم:
انما اموالكم واولادكم فتنة (سورة التغابن 15) والمقصود هنا الولد العاق والمال الذي جُمع من الحرام.
إنَّ التربية العائليَّة الرَّشيدة، هي الكنف الأوّل الحاضِن للنفوس اليانِعَة لأبنائِنا الأعزّاء الأحبّاء، وَهيَ التي تبني المَداميك الراسخة الصلبة لكيانهم الإنساني، وهيَ التي تُمهِّد السُّبُل لفُسحَة العقـل عند النّضوج، لفَهم المسائِل الكُبرى المتعلِّقَة بمَصِير الإنسَان ومثوله أمام خالِقه، وأهمها محاسبة النفس فيبني في ذاته معبداً قبل ذهابه إلى المعبد. ولا بد لتحقيق ذلك من تربية مكتملة تجمع بين غذاء الجسد وغذاء الروح. انه ادب الحياة بجناحيه ومن ظن ان التربية تجري حسب الأهواء ولا يضبطها نظام فقد ظن سوءاً.

الرِّضَى
لُغةً، هُـوَ الاختِيَار والقبول، فإذَا تَحقَّـق خُـلُقاً توحِيديّاً كانَ ثمرةً مِن ثمَراتِ المَعرِفَة الرُّوحيَّة المترتِّبَة عَن اليَقين بِالحَقّ، المُوَلِّدَة لاستِشعَارِ وُجُود الله وتَنزيهِه. والمَعرِفَةُ فِي هذِهِ المَنزِلة تملأُ قـلبَ المؤمِن بالمَحبَّةِ والخَوفِ والرَّجاء، فَيصِير الرِّضَى كمَا يقُولُ السَّالكون “سُرُورَ القَـلب بِمَرِّ القَضَا، وسُكُونَهُ تَحتَ جَريَان الحُكم بِمَا أرادَ مَن لهُ المُلك.” فمَن رَضِيَ قَانِتاً، كانَ منَ الَّذِينَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَرَضُوا عَنهُ
(البينة 8)، فَرِضَى العَبد عنِ الله أن لاَ يَكرَهَ مَا يَجرِي بهِ قَضَاؤه، وَرِضَى الله عنِ العَبدِ هُـوَ أن يَراهُ مُؤتَمِراً بأمرِه ومُنتَهياً عَن نَهيِه.

التَّسلِيم
لمّا كانَ الرِّضَى متَرتِّـباً عَن المَعرفَة والمَحبَّة والقبُول، كانَت ثَمرتُه التَّسلِيم، وهُـو الفِعلُ والالتِزام المَسلكيّ بِما ثبتَ لِلنَّفسِ علَى خِلاف مُقتَضَى طبعهَا، مثل لزُوم الحِلم مَكان الطّيش، والعقل مَكان الجهل، والتّواضُع مَكان الكِبر، والتّحلِّي بالأخلاق المَحمُودَة عوض النّزوع نَحوَ النّزَق واللجاجَة وإفراط الرَّغبَة. وهَذِه الأفعَال الشَّريفَة قائِدَة حَتماً، مَع صِدق النَّوايا وإخلاص القَـلب، إلَى القُربِ كمَا قال تعالى أولئِكَ المُقرَّبُون (الواقعة 11)، “أي الَّذِين قربَت دَرَجَاتهم، وأُعـلِيَت مَراتبُهُم، ورقيَت إلَى حَظائِر القُدس نفُوسُهُم الزَّكيَّة” (روح البيان).وَمَن أَحسَنُ دِيناً مِمَّن أسلَمَ وَجهَهُ لله وهُو مُحسِنٌ
(الواقعة 11).
تسلِيمُ الوَجْه لله بإخلاَصِ النَّفس له، والرضى بقضائه في السراء والضراء، والإتيَان بالحَسنَات، وترْك السَّيِّئات، وبالإجمَال كمَا قالَ القُشيريّ: “لم يدَّخِرْ شيئاً عنِ الله، لاَ مِن مالِه ولاَ مِن جَسدِه، ولاَ مِن روحِه ولاَ مِن جَلَدِه، ولاَ مِن أهلِه ولاَ مِن وَلَدِه”.

[/su_spoiler]

[/su_accordion]

ندوة الضحى الشبابية حول الزواج المختلط

ندوة الضحى الشبابية

الشبـاب والــــزواج المختــــلط

المنصة ويبدو من اليمين رئيس التحرير، الشيخ مرسل نصر، الشيخ دنيل عبد الخالق والمهندس علاء رضوان

الشيخ مرسل نصر
الاختلاط والتربية والعاطفة والسفر والتعلم في دول أجنبية
عوامل مسببة ونعترف بتقصير المؤسسات الدينية في السابق

بعض الشباب أصبح يذهب في مسالك جانبية
بسبب شروط أهل العروس والتكلفة الباهظة للزواج

دانيل عبد الخالق
الشباب لا يدرك تبعات الانجراف إلا بعد خمود العاطفة
لكنه يحمّل النتائج الاجتماعية وحده في غالب الأحيان

علاء رضوان
نحن فرقة مسلمة لكن عندنا خصوصيات ثقافية وسلوكية
ومن الصعب على الشخص الاستقالة من بيئته الطبيعية

نظّمت “الضحى الشبابية” ندوة حول موضوع الزواج المختلط استضافت سماحة الشيخ مرسل نصر، الرئيس السابق لمحاكم الاستئناف الدرزية، وشارك في الندوة عن الشباب كلٌ من دانيل عبد الخالق، عضو مجلس الأمناء، والمهندس علاء رضوان، رئيس نادي أمد، وبشرى غرز الدين، أمينة السر في نادي عقول وميساء نصر. وتولى رئيس التحرير تقديم المشاركين وإدارة الندوة. وفي ما يلي عرض موجز بالمداخلات والمشاركات.

رئيس التحرير: سنحاول وبناءً على الخبرة المشتركة لكل من أعضاء هذه اللجنة الحوارية وكذلك تجربة الحاضرين أن نعرض لما يعتبره البعض الإشكالات المحددة الاجتماعية والنفسية والتربوية التي يثيرها موضوع الزواج المختلط. وسنعوّل في هذا المجال بصورة خاصة على الخبرة الطويلة والحكمة اللتين يتمتع بهما الشيخ مرسل نصر، الرئيس السابق لمحاكم الاستئناف الدرزية، وسنحاول أخيراً الخروج ببعض النتائج بشأن الظاهرة وكيف يمكن توفير إدراك موضوعي لأبعادها وذلك لاعتقادنا أن موضوع الزواج المختلط ليس واضحاً بكل تبعاته لمن يقرر دخول هذه التجربة، نظراً لأن أصحاب هذه التجارب غالباً ما يكون تركيزهم الرئيسي على الرابطة العاطفية والفكرية، كما أن الزواج المختلط في نظرهم هو في حدّ ذاته نوع من التمرد على المجتمع أو المحيط المباشر للأشخاص، وبالتالي فإن موضوع الانعكاسات الاجتماعية على المدى الطويل قد لا يكون في أبرز أولوياتهم.

الشيخ مرسل نصر : مذهب التوحيد من المذاهب الإسلامية يتميز عن غيره عبر التفسير الذي يعطيه الموحدون الدروز لبعض أحكام القرآن والسنة النبوية وأحكام الأئمة عليهم السلام. “احياء في الدين”، وسندخل الموضوع من بابه العريض وهو أن مذهب التوحيد يحرّم الزواج المختلط للأسباب التالية:
أولاً : لأن الدين الإسلامي وهو الأصل قد حرّم زواج المسلمة من غير المسلم ، وأجاز زواج المسلم من غير المسلمة ، غير أن مذهب التوحيد توسع في التحريم بحيث شمل الذكور والإناث الموحدين من الزواج من غير أهل التوحيد .
ثانياً:لأن مذهب التوحيد يعتبر جميع المذاهب والأديان مظاهر مختلفة لحقيقة واحدة، وعليه فإن الموحدين يقرون بصحة جوهرها، بينما أتباع المذاهب والأديان الأخرى لا يقرون بصحة جوهر مذهب التوحيد .
ثالثاً:إن مفاهيم مذهب التوحيد تختلف في بعض الأمور عن المفاهيم المعتمدة لدى الطوائف والمذاهب الأخرى وبخاصة لجهة المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات الدينية والدنيوية، وحرية الإيصاء، وعدم إعادة المطلقة، وعدم تعدّد الزوجات، ومعايير الحضانة للأولاد وتربيتهم، وعدم التعصب، وغير ذلك.
وبالتالي، فإن مذهب التوحيد حرّم الزواج من غير الموحدين حفاظاً على مزايا التوحيد الإنسانية والدينية .
وعرض الشيخ مرسل نصر بالاستناد إلى خبرته الطويلة لموضوع الزواج المختلط والإشكالات التي يثيرها في مداخلة مكتوبة قررنا نشرها كوجهة نظر متكاملة إلى جانب هذا الكلام.

رئيس التحرير: سماحة الشيخ تحدّث عن الإشكالات التي لا تظهر دائماً عند الإقدام على الزواج المختلط. لكن السؤال مطروح، لماذا يقبل الشباب على الزواج المختلط رغم هذه المحاذير، وما هي العوامل التي تدفع البعض لتحمّل أعباء هذا القرار على الرغم من تبعاته؟ أود أن أطرح السؤال على الزميل دانيل عبد الخالق .

الشيخ مرسل نصر: مذهب التوحيد يجعل الزوجين شريكين شراكة كاملة في كل ما يملكانه ويجنيانه وهذا مبدأ تقدميٌّ ينفرد به الموحدون الدروز

دانيل عبد الخالق: الموضوع في نظري يتعلق بالوعي والهدف اللذين يحددهما الإنسان لنفسه. إذا كان الهدف السامي هو ما يشغل الشخص فإن موضوع الزواج لا يتخذ هذه الأهمية المركزية في حياة البعض، بل ينظر إليه كمساعد على أداء مهمات الحياة الجسدية والروحية. قمة الشهوة وطلب الجنس الآخر يكونان في عمر المراهقة لكن هذه الرغبة تبدأ بالاعتدال مع تقدم السن وربما التجربة. يبدأ عندها طرح أسئلة جديدة تتعلق بمعرفة الوجود ومعرفة الله وسر وجوده. أذكر أنه في بداية الدراسة الجامعية لم أكن أجد سوى قلة يهتمون بهذه المسائل. الغالبية تهمها السيارة أو الأصحاب وتمضية الوقت بأمور عامة يومية أو حياتية أو جدل سياسي.. لكن الملاحظ أن أكثر الشباب بعد الأربعين وبعد الزواج وتربية الأسرة يبدأون بطرح الأسئلة الجدية. أفلاطون الحكيم وصف الإنسان بأنه حيوان متحضر وكان يقصد بذلك أنه يختلف عن الحيوان بوجود حاجات ترتفع عن الضرورات الوجودية مثل الطعام والتناسل. بعض الناس تتفتح عندهم ملكة العقل والتحضر باكراً فيبدأون في البحث وبعضهم مع الأسف يتخلف ويبقى في حدود الضروريات. وغالباً وبسبب قوة الحاجات المباشرة غير العقلانية مثل الجسدية والنفسية قد يندفع الشاب أو الشابة من دون أن يقيم أحدهما وزناً لما سيأتي بعد، وغالباً ما يحصل الانجراف ولا يدرك الشخص تبعاته إلا بعد حين عندما تكون قوة العواطف قد خمدت وبقيت النتائج الاجتماعية للعمل. لكن عندها سيواجه الواقع ويجد صعوبة في العودة إلى الخلف. كل إنسان حرٌّ في معتقده وبعض الناس عندهم توجه اليوم نحو العلمانية لكنهم يفسرون العلمانية بالزواج المختلط، وهذا استباق في غير محله لأن العلمانية المقصود بها أولاً تحقيق درجة من التطور الوطني والاندماج السياسي، وهناك مسافة كبيرة بين ذلك وبين القفز إلى الزواج المختلط واعتباره تعبيراً عن هذه العلمانية، لأن الواقع غير ذلك. هناك أيضاً فكرة ينطلق أصحابها من نية سليمة ولا شك لكنها فكرة ساذجة، وهي أن الزواج المختلط يقرّب الطوائف من بعضها البعض. في الحقيقة هو يخلق هوة بين الشخص وبيئته ويفكك لحمة الجماعة من دون أن يؤثر بأي شكل في التقريب، أي أننا نبقى مع المشكلة الشخصية والعائلية لكن دون الأثر المأمول على مستوى الدمج الوطني. وأعتقد أن الوئام يحصل في الزواج المختلط في حال كان الزوجان غير متدينين ولا يهمهما الموضوع. لكن لو بدأ أي منهما التفكير في الشأن الروحي وقرر مثلاً العودة إلى الجذور، فإن الآخر سيواجه حينذاك مشكلة وقد تتفاقم المشكلة وقد تنعكس بصورة خاصة على الأولاد وخيارهم الديني لأن كل شخص سيبدأ بالفطرة بالميل إلى دينه.

علاء رضوان: هناك أهمية للوعي المبكر . ومن المهم أيضاً طرح السؤال: ما هي الغاية من الزواج، ربما يساعد الجواب على جلاء مسألة الزواج المختلط. أرسطو يحدّد العلاقات الاجتماعية بالقول إن أياً منها سيصبّ في ثلاثة أمور، إمّا في منفعة مشتركة أو في لذة معينة أو بعلاقة لها أهداف معينة. الزواج يؤسس لعائلة. العلاقة بين رجل وامرأة هل الغاية منها هي اللذة؟ إذا نظرنا إلى من يختار الزواج من خارج الطائفة نرى أنه لا يفكر غالباً بالنتائج أو الأطراف الأخرى المعنية بالزواج. عند التفكير في الزواج قد يتوقع الشخص المدرك وجود فضائل وميزات معينة عند الشخص الآخر، وهذه الفضائل موجودة عند الكل ولا نقول إنها مقتصرة على جماعة، لكن هناك خصوصيات ثقافية ونفسية لكل جماعة تسهل التواصل والتضامن بين أفرادها. نحن فرقة مسلمة لكن عندنا خاصيات معينة في السلوك والتعامل. إذا فكر الشاب بهذا الجانب فإنه سيجد أنه من الأسلم والأسهل لبناء الأسرة أن تكون متفرّعة عن الأسرة الكبيرة وليس مناقضة لها أو خارجة عنها وعندها فإن خيار الزواج المختلط لن يطرح بالنسبة له. الإرث الجماعي هو نتاج تاريخ طويل وتراكم، وأي شخص له جذور ويعيش حقاً داخل الجماعة لا يجدّ من السهولة اقتلاع نفسه من وسطها وهو سيسأل نفسه هل هذا الثمن مبررٌ من أجل علاقة عاطفية أو تعلق لا يدوم غالباً بشخص؟ المهم أن يكون للشخص أفكار واضحة عن الهدف من حياته ومن الزواج وعن العلاقة بالبيئة التي ينتمي إليها، وهي علاقة تفاعلية. ويجب أن ننتبه إلى أن العلاقات تتغير ولا يوجد ثبات في الحياة وهذا يشير إلى أن المخاطرة أكبر مما يظن البعض عند الإقدام على الزواج المختلط. ولهذا أيضاً نجدّ أن نسبة المشكلات في هذا النوع من الزواج مرتفعة وكذلك نسبة الحالات التي تنتهي بالطلاق لأن كلا الطرفين أو أحدهما سيستفيق لاحقاً على الصعوبات التي تحيط بالعلاقة، الأمر الذي يخلق توتراً وقد يذهب بالحب الأصلي ليحل محله الآلام والمشاكل.

رئيس التحرير: أقترح أن نواجه موضوع الزواج المختلط ليس فقط من منظور ديني، لأن الموضوع الديني يشدّد على موضوع التحريم. بغض النظر عن موقف الدين، فإن الذي ينتقل إلى ضفة أخرى إنما يقوم بذلك عن قناعة وإن كانت تلك القناعة هي بنت الظرف والوقت الذي يعيشه، لذلك أقترح أن نركّز أكثر على الناحية العملية.

بشرى غرز الدين
عامل المعتقد واختلاف البيئات وراء النسبة العالية للفشل

 بشرى-غرز-الدين

بشرى-غرز-الدين

 


الشيخ-مرسل-نصر

 

 

ميساء-نصر
ميساء-نصر

بشرى غرز الدين:أوّد الكلام عن قصة العاطفة. موضوع الحب. لا ينتبهوا إلا إلى تلك الناحية تغيب عنهم النواحي الإشكالية مثل احتمال التحول إلى علاقة روتينية أو حتى غير سعيدة بعد سنوات ومثل مشكلة هوية الأولاد وغير ذلك مما ينطبق عليه قول سماحة الشيخ مرسل نصر “تذهب السكرة وتأتي الفكرة”. الموضوع العاطفي غير مبرر لأن العديد من شبابنا نزل إلى الجامعات وتعاطى مع مختلف الفئات لكن أكثرهم قرر في النهاية أن الخيار الأفضل هو الاختيار من البيئة التي يعرفها.
وجود المناعة أمر مهم، وعندما نتعرّف على شخص من خارج البيئة يجب أن لا نترك العنان للعاطفة لأنها تقودنا، بل علينا نحن أن نقود العاطفة ونحكم عليها بالعقل. الذين ينتهون إلى تبرير الزواج المختلط بعامل العاطفة أخطأوا في الأصل عندما سمحوا للنفس أو للهوى بأن يقودهم في طريق يعرفون أنها شائكة ووعرة. لم يدركوا مثلاً أن عامل المعتقد مهم وأن اختلاف البيئات مهم لذلك كثيراً ما تنتكس هذه العلاقات بدليل النسبة العالية للفشل التي تسجلها. لماذا علينا أن نختبر ونفشل ولا نتعلم من اختبارات الآخرين؟. أخاطب الصبايا الزميلات لألفتهن أن أحكام الزواج في الشرع التوحيدي تحمي الزوجة وحقوقها وكرامتها، بينما الزواج المدني غالباً ما يتم كعقد وهو عرضة لتبدل القناعات أو الأهواء.

ميساء نصر
تأثير المدينة يختلف حسب الأشخاص ودور كبير للتربية الأسرية

ميساء نصر: الموضوع ليس عاطفياً بل الدين له أهمية لأن الشخص الموحد عندما يعرف معنى توحيده ويعمل به لا يحتاج لأي سبب لكي يضع الزواج المختلط خارج خياراته باعتبار أنه لا ينسجم مع قناعاته الروحية. العامل الثاني الذي يؤثر في الموقف من الزواج المختلط هو عامل التربية، إذا كان الأهل ساهرين على أولادهم فلن يكون الزواج المختلط خياراً مطروحاً. في حال توافر هذين العاملين أي الإيمان بالتوحيد والتربية الأسرية فإنه من الصعب أن تؤثر نزوة معينة أو انجراف في قرار الشاب الدرزي أو الشابة الدرزية.
بالنسبة لتأثير المدينة يختلف الأمر حسب الحالات وحسب الشخص. أنا شخصياً عشت في المدينة فكان تأثيرها عليّ زيادة في الاهتمام بقناعاتي وثوابتي الفكرية والروحية. على العكس من ذلك، فإن الصبية قد تكون تربّت في القرية لكن عند نزولها إلى المدينة لا تجد في نفسها المناعة الكافية أو الفهم الكافي للبيئة الجديدة فتقع في مشاكل. في ما خص العلاقات قبل الزواج، أعتقد أن الاقتصار على الصداقة يوسع الأفق ويظهر للشباب الموحدين الفوارق والتمايزات الثقافية لذلك يجعلهم على بينة من المحاذير، لكن شرط عدم التمادي بالطبع في تلك العلاقات.
أوّد هنا طرح السؤال، إذا كنا لا نريد التشجيع على الزواج المختلط، باعتبار أننا مدركون لسلبياته فلماذا نجيز إذاً للرجال الدروز الذين يتزوجون من خارج الطائفة وفق أحكام الزواج المدني أن يحتفظوا بهويتهم وأن يسجلوا أولادهم كموحدين دروز؟. هذا يطرح مشكلة بالنسبة للذين يهمهم أن يكون الشريك الآخر من أبوين درزيين لأننا مع توالي الأجيال لم يعد التأكد من ذلك سهلاً أو في متناول الفتاة أو الشاب.

الشيخ مرسل نصر
الأولاد يلحقون بالأب

الشيخ مرسل نصر :حسب الانتظام العام، الأولاد يلحقون بالأب. عندما يتزوج المرء من سنية مثلاً، وبين هلالين أقول إننا مذهب إسلامي له تفسيره الخاص للشريعة. أعود لأقول إن الأولاد يلحقون بآبائهم. هذه القاعدة لا يمكننا تخطيها، إذا كان الوالد درزياً فإن الأولاد يتبعونه.

رئيس التحرير: الصبايا ركزوا على اعتبار أن المعتقد أو التمسك به يجب أن يكون عاصماً للشباب من الانجراف باتجاه الزواج المختلط. لكن يجب أن لا ننسى أن قسماً كبيراً من الشباب والشابات اليوم ليس له بالضرورة التزام ديني. ربما له اهتمام بالعصبية أو بالعشيرة بحيث يهب إلى مؤازرة إخوانه أو الجماعة في حالات التعدي لكن موضوع الالتزام الديني ليس عاملاً أساسياً في تقرير الزواج. المشكلة اجتماعية ثقافية، وأي معالجات لموضوع الزواج المختلط يجب أن تركز بصدق وموضوعية كاملة من دون تهويل أو أحكام على الأشخاص. الشباب يقتنعون أكثر إذا قمنا بعرض الواقع كما هو والنتائج والمحاذير أكثر من اقتناعهم بأنهم سيُـكَفّرون أو سيخرجون من الدين إذا تزوجوا من خارج الطائفة. المهم هو أن يفهم الشباب إشكالات الزواج المختلط. هناك شباب مستعدون لتحمل النتائج ولا مشكلة بالنسبة لهم. لكن المهم أن يعرفوا وأن يكون هناك حوار عقلاني حول الموضوع.

الشيخ مرسل نصر : هناك ذرائع كنت أسمعها من بعض الشباب وهي أن الطائفة ليست فيها بنات متعلمات وهذا لم يعد قائماً لأن معدل التعليم بين الفتيات الدرزيات مرتفع جداً وقسمٌ كبيرٌ منهن يعمل في المؤسسات، وبالتالي يعتبر منتجاً أيضاً، الأمر الآخر المهم يتعلق ربما بسلوك أهل الفتيات وطلباتهم الكثيرة من الخطيب أو المتقدم للزواج من بناتهم، وهذا الأمر قائم وقد يكون أحد أسباب التحوّل عن الزواج بصيغته الشرعيّة والمطلوبة. لذا أقول إن من المعيب أن تكون البنت بضاعة وأن يعتقد الأهل أنهم يعملون مصلحة ابنتهم عندما يرفعون المهر ويلقون بشتى الطلبات على طالب الزواج. ولا ننسى هذه الأيام نفقات ما قبل العرس ونفقات العرس والجهاز والمصاغ وغيره. وأعتقد أن هذا قد ينفر بعض الشباب ويجعلهم يندفعون في مسالك أخرى. كل هذه الطلبات في غير محلها لأن مذهب التوحيد يجعل الزوجين شريكين شراكة كاملة في كل ما يملكانه ويجنيانه وهذا مبدأ تقدميٌّ ينفرد به الموحدون الدروز. ومن أجل تكريس هذا المبدأ في القانون الوضعي تقدمت بمشروع لم يقر حتى الآن ينص على أن كل ما يتحصل من أموال منقولة وغير منقولة أثناء الحياة الزوجية تكون ملكيته مشتركة بين الزوجين. وبهذا المعنى فإنه في حال الطلاق يجب أن يقسم المال الذي استجدّ خلال فترة الزواج مناصفة على أن يدفع من يظلم أو يتحمل مسؤولية الطلاق تعويض عطل وضرر للفريق المظلوم قد يتجاوز قيمة الأملاك. لذلك أخاطب الأهل بأن يتقوا الله في الطلبات التي يقدمونها لطالبي الزواج.
في نهاية الندوة فتح باب الأسئلة وطرح أحد المشاركين على المحاضرين سؤالاً عن الأسباب التي تدفع في نظرهم الشباب للتفكير في الزواج المختلط. وهل السبب هو التربية أم هو المعشر والرفقة، وهل هناك فارق بين اختيار الشاب للزواج المختلط وبين اختيار الفتاة للزواج المختلط. وأثار السائل موضوع المناعة الذاتية سائلاً كيف تحصل هذه المناعة وما هو طريقها؟
الشيخ مرسل نصر: الأسئلة التي طرحت تتضمن الأجوبة: هناك ولا شك أثر للاختلاط وللتربية وللعاطفة الجياشة التي تشل التفكير العقلاني، السفر والتعلم في دول أجنبية أيضاً عنصر، لأن الكثير من الشبان سافروا في سن صغيرة وعانوا من الغربة ووجدوا هناك من يؤانسهم فاطمأنوا ودخلوا في تلك العلاقات وتزوجوا من جنسيات أجنبية. مشكلتنا هي أننا نستسلم للعاطفة ولا نهتم بالإطلاع على الواقع إن لم يكن على المذهب فعلى الأقل على واقعنا الاجتماعي. غياب عملية التفكير هذه ودرس العواقب سبب أساسي. طبعاً أنا لا أوافق على بعض من يقسون على الذين يقومون بتلك الخطوة لأنني أسأل أياً منهم: لو كنت في مكان هذا الشاب أو الشابة هل كنت ستصمد أو ربما وقعت في الأمر نفسه؟ فيجب علينا أن لا نحكم بل علينا أن نرحم ونسعى للحفاظ على الشخص ونرمم علاقته بالبيئة. يجب توعية الشباب قبل السفر. هناك من يحرص على أن يخطب للشاب قبل سفره وهذا أمر جيد ويدل على بعد نظر.
أحد المشاركين قال إن على الشاب الدرزي أن يدرك معنى كونه موحداً تختلف قراراته بشأن موضوع الزواج وغيره عن من لا يدرك أو يعرف حقيقة انتمائه، حتى لو نجح الزواج المختلط بين شخصين فإن ذلك ليس قاعدة ولا ينفي المشكلات الاجتماعية الكثيرة التي يثيرها.

جانب-من-الحضور-النسائي-في-الندوة
جانب-من-الحضور-النسائي-في-الندوة

الشيخ مرسل نصر : في الزواج المدني أي خلاف يحصل بين الزوجين يعاد إلى المحاكم المدنية. في المحاكم المدنية أحكام مخالفة للشرع مثلاً في القانون المدني الحضانة للأم حتى سن الـ15 للبنات، في الشرع حتى التاسعة. في الزواج المدني أحكام الإيصاء أيضاً تختلف .
أحد الحاضرين سأل أين التوعية وأين المرجع لهذه المواضيع؟
الشيخ مرسل نصر: السؤال يتضمن نقداً خفيّاً وهو سؤال محق. نحن كمسؤولين قصرنا كثيراً. لذلك لا يمكننا أن نلوم من يتخطى الأصول إذا لم يكن يعلم. لذلك نتكلم مع سماحة شيخ العقل لتأسيس لجنة أو مؤسسة لتوعية الشباب نحن ليست عندنا إذاعة دينية ولا تلفزيون . وهناك تقصير. البعض قد يتوجه بالسؤال إلى شيخ العقل. لكن لا تطلب من شيخ العقل بل قدّم مشروعاً، عندها يدرس ويبت.. لا نرى مشاريع. الشباب أيضاً يحتاجون إلى وعظ عصري يخاطبهم على مستواهم ويكون الحديث علمياً ومبنياً على وقائع. ونحن نشعر بهذا النقص وهذا التعطش للتوجيه في أماكن كثيرة. نقول إنشاء الله يحصل خير.

الصـــــــلاة

الصـــــــلاة

سبيــــــل العبــــادة الخالصــــة
أحــــد أهــــم أركــــان التوحيــــد

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسوله خاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين
الصلاة في جميع الأديان هي حلقة الوصل بين الإنسان وربه. وعلى الرغم من أن الصلاة تنوَّعت بتنوُّع الثقافات والأزمان، فإن الأساس فيها هو نية التوجّه بالخضوع نحو الخالق تعالى. والصلاة الصادقة عبادة محض، بمعنى أن العابد لا يرجو منها غرضاً، ولا يحملها طلباً أو رجاء سوى في ما يرضي الله، لأنها مجرد تسليم وخضوع واعتراف بالعجز في حضرة المولى جلَّ جلاله. كما أنَّ الصلاة تختلف عن غيرها من العبادات مثل الدعاء أو الأذكار في أن لها أوقاتها (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: 103). ولأن الصلاة امتثال في حضرة المولى، فإنها مشروطة بطهارة البدن (الوضوء)، والنفس (عدم انشغال الفكر بأي شيء سوى الله). فضلاً عن ذلك فإن الوقوف في حضرة الحق أمر عظيم، لذلك اعتبرت الصلاة عاصماً من الفواحش والمنكرات، كما في قوله تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)
(العنكبوت: 45).

أهمية الصلاة
الصلاة في الإسلام هي الركن الثاني، لقول النبي محمد (ص): “بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً”. وهي عامود الدين لا يقوم إلا بها، كما جاء في الحديث النبوي الشريف: “رَأْسُ الأمْرِ الإِسْلام وَعَمُوده الصَّلاةُ، وَذِرْوَة سَنامِهِ الجِهَادُ في سَبِيْل الله…” (أخرجه الترمذي).
فمداومة الصلاة أمر واجب ولا تستقيم حياة الإنسان إلاَّ بها. وهي – أي الصلاة الصادقة – تذكار دائم للمرء تشعره أنَّ خالقه معه ومراقبه، ممَّا يجعله متَّزناً متقياً عند أخذه لأي قرار في حياته اليومية، سواء أكان عادياً أم مهماً، وتردعه عن الإقدام على الفاحشة أو الرذيلة لدوام شعوره بمراقبة ربه. والتزام الصلاة هو أمر واجب ولا عذر للمؤمن في تركها، فمن تركها يكون قد أهمل العمَل بالواجب الشرعيّ، وهذا فيه خطر كبير، قال الإمام علي(ر): “فرض الله الإيمان تطهيراً من الشرك، والصلاة تنزيهاً عن الكبر”، وقد ربط الله تعالى بين تركها وبين اتباع الشهوات حيث قال إنها تنهي عن الفحشاء والمنكر، وحيث ذم المضيعين لها والمتكاسلين عنها: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ آلصَّلاَةَ وَآتَّبَعُواْ آلشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) ( مريم : 59 ). وقد تكلم العديد من العلماء عن فوائد الصلاة على النفس والروح، كقول ابن القيِّم الجوزي: “الصلاة مجلبة للرزق، حافظة للصحة، دافعة للأذى، طاردة للأدواء، مقوية للقلب، مبيضة للوجه، مفرحة للنفس، مُذهبة للكسل، منشطة للجوارح، ممدة للقوى، شارحة للصدر، مغذية للروح، منورة للقلب، حافظة للنعمة، دافعة للنقمة، جالبة للبركة، مبعدة من الشيطان، مقربة من الرحمن”. والشيخ الفاضل أبو هلال محمد (ر) يذكر بوجوب الصلاة في كل يوم، “لأنها أمر رب العالمين، وتشريع سيد المرسلين، وما أمرنا بها إلا لمصلحتنا”، ويقول أيضاً: “هي واجبة محتمة على كل عاقل ديان ممن تأسم بسمة الدين من الرجال والنسوان”؛ ويقول: “إن من خالف أمر الله ورسوله فقد عصى وحاد وكان من أمره في شك متماد”.

صدق الصلاة
كما أن الصلاة تفصل بين المؤمن والكافر، فإن صدقها يفصل بين المؤمن والمنافق: (إنَّ آلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ آللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى آلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاءُونَ آلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ آللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء : 142). فالصلاة الصادقة يتوجه بها المؤمن إلى ربه بصدق النية – وهي الشرط الأول لصحة الصلاة – مما يعكس خشوعاً على جوارح المؤمن وسلوكه ومعاملته في حياته اليومية: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) (المؤمنون :1-2)، أما المراءاة في الصلاة فهي حرام، لأنها عبادة للناس والقصد منها الشهرة، وقد قال الإمام جعفر الصادق(ع): “ان الله يكره الشهرتين: شهرة اللباس وشهرة الصلاة”. وقد نقل الصحابي الكريم عمار بن ياسر عن رسول الله (ص) قوله: إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها، وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها (أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبَّان). ونقل عن الصحابي الجليل سلمان الفارسي قوله: “الصلاة مكيال، فمن أوفى استوفى ومن طفف فقد علم ما قال الله في المطففين”. وتوضيحاً للحالة الروحيَّة التي يستحضرها الموحِّدُ إذا ما نوى الصّلاة وأدّاها، شرح الأمير السيِّد جمال الدين عبدالله التنوخي (ق)، في جواب لهُ لابن الكسيح، حقيقة الاستشعار عند الدخول في الصلاة، قال: “نقوم بالأمر، ونمشي بالسكينة، وندخل بالقصد، ونكبر بالتعظيم، ونقرأ بالتوسل، ونركع بالخشوع، ونسجد بالخضوع، ونسلم بالنية، ونتمثل الجنة عن يميننا والنار عن شمالنا، ونقول في أنفسنا ان الله حاضر معنا واننا قد لا نصلي صلاة بعدها”. والانتباه إلى أهمية الصلاة اختلاءً أمر مستحسن، وذلك لضمان صدقها وبعدها عن الرياء، ويكون هذا عملاً بنص الآية الكريمة: (واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول).
(الأعراف 205).
والله ولي التوفيق.

الصـــــــلاة

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسوله خاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين
الصلاة في جميع الأديان هي حلقة الوصل بين الإنسان وربه. وعلى الرغم من أن الصلاة تنوَّعت بتنوُّع الثقافات والأزمان، فإن الأساس فيها هو نية التوجّه بالخضوع نحو الخالق تعالى. والصلاة الصادقة عبادة محض، بمعنى أن العابد لا يرجو منها غرضاً، ولا يحملها طلباً أو رجاء سوى في ما يرضي الله، لأنها مجرد تسليم وخضوع واعتراف بالعجز في حضرة المولى جلَّ جلاله. كما أنَّ الصلاة تختلف عن غيرها من العبادات مثل الدعاء أو الأذكار في أن لها أوقاتها (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: 103). ولأن الصلاة امتثال في حضرة المولى، فإنها مشروطة بطهارة البدن (الوضوء)، والنفس (عدم انشغال الفكر بأي شيء سوى الله). فضلاً عن ذلك فإن الوقوف في حضرة الحق أمر عظيم، لذلك اعتبرت الصلاة عاصماً من الفواحش والمنكرات، كما في قوله تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)
(العنكبوت: 45).

أهمية الصلاة
الصلاة في الإسلام هي الركن الثاني، لقول النبي محمد (ص): “بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً”. وهي عامود الدين لا يقوم إلا بها، كما جاء في الحديث النبوي الشريف: “رَأْسُ الأمْرِ الإِسْلام وَعَمُوده الصَّلاةُ، وَذِرْوَة سَنامِهِ الجِهَادُ في سَبِيْل الله…” (أخرجه الترمذي).
فمداومة الصلاة أمر واجب ولا تستقيم حياة الإنسان إلاَّ بها. وهي – أي الصلاة الصادقة – تذكار دائم للمرء تشعره أنَّ خالقه معه ومراقبه، ممَّا يجعله متَّزناً متقياً عند أخذه لأي قرار في حياته اليومية، سواء أكان عادياً أم مهماً، وتردعه عن الإقدام على الفاحشة أو الرذيلة لدوام شعوره بمراقبة ربه. والتزام الصلاة هو أمر واجب ولا عذر للمؤمن في تركها، فمن تركها يكون قد أهمل العمَل بالواجب الشرعيّ، وهذا فيه خطر كبير، قال الإمام علي(ر): “فرض الله الإيمان تطهيراً من الشرك، والصلاة تنزيهاً عن الكبر”، وقد ربط الله تعالى بين تركها وبين اتباع الشهوات حيث قال إنها تنهي عن الفحشاء والمنكر، وحيث ذم المضيعين لها والمتكاسلين عنها: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ آلصَّلاَةَ وَآتَّبَعُواْ آلشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) ( مريم : 59 ). وقد تكلم العديد من العلماء عن فوائد الصلاة على النفس والروح، كقول ابن القيِّم الجوزي: “الصلاة مجلبة للرزق، حافظة للصحة، دافعة للأذى، طاردة للأدواء، مقوية للقلب، مبيضة للوجه، مفرحة للنفس، مُذهبة للكسل، منشطة للجوارح، ممدة للقوى، شارحة للصدر، مغذية للروح، منورة للقلب، حافظة للنعمة، دافعة للنقمة، جالبة للبركة، مبعدة من الشيطان، مقربة من الرحمن”. والشيخ الفاضل أبو هلال محمد (ر) يذكر بوجوب الصلاة في كل يوم، “لأنها أمر رب العالمين، وتشريع سيد المرسلين، وما أمرنا بها إلا لمصلحتنا”، ويقول أيضاً: “هي واجبة محتمة على كل عاقل ديان ممن تأسم بسمة الدين من الرجال والنسوان”؛ ويقول: “إن من خالف أمر الله ورسوله فقد عصى وحاد وكان من أمره في شك متماد”.

صدق الصلاة
كما أن الصلاة تفصل بين المؤمن والكافر، فإن صدقها يفصل بين المؤمن والمنافق: (إنَّ آلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ آللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى آلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاءُونَ آلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ آللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء : 142). فالصلاة الصادقة يتوجه بها المؤمن إلى ربه بصدق النية – وهي الشرط الأول لصحة الصلاة – مما يعكس خشوعاً على جوارح المؤمن وسلوكه ومعاملته في حياته اليومية: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) (المؤمنون :1-2)، أما المراءاة في الصلاة فهي حرام، لأنها عبادة للناس والقصد منها الشهرة، وقد قال الإمام جعفر الصادق(ع): “ان الله يكره الشهرتين: شهرة اللباس وشهرة الصلاة”. وقد نقل الصحابي الكريم عمار بن ياسر عن رسول الله (ص) قوله: إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها، وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها (أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبَّان). ونقل عن الصحابي الجليل سلمان الفارسي قوله: “الصلاة مكيال، فمن أوفى استوفى ومن طفف فقد علم ما قال الله في المطففين”. وتوضيحاً للحالة الروحيَّة التي يستحضرها الموحِّدُ إذا ما نوى الصّلاة وأدّاها، شرح الأمير السيِّد جمال الدين عبدالله التنوخي (ق)، في جواب لهُ لابن الكسيح، حقيقة الاستشعار عند الدخول في الصلاة، قال: “نقوم بالأمر، ونمشي بالسكينة، وندخل بالقصد، ونكبر بالتعظيم، ونقرأ بالتوسل، ونركع بالخشوع، ونسجد بالخضوع، ونسلم بالنية، ونتمثل الجنة عن يميننا والنار عن شمالنا، ونقول في أنفسنا ان الله حاضر معنا واننا قد لا نصلي صلاة بعدها”. والانتباه إلى أهمية الصلاة اختلاءً أمر مستحسن، وذلك لضمان صدقها وبعدها عن الرياء، ويكون هذا عملاً بنص الآية الكريمة: (واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول). (الأعراف 205).
والله ولي التوفيق.

أخلاق توحيدية