الجمعة, تشرين الثاني 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, تشرين الثاني 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

ســـر الله في صنعـتـــه
من كتـــاب "قطوف على درب الحيـــاة" للشيخ نبيل رعد

أوّل كلمة نزلت في الوحي «اقرأ»، والقراءة سبيل المعرفة، والمعرفة جوهر الفكر، ومن الفكر انطلاق العلوم. والقراءة لا تقتصر على اتّباع الأركان فحسب؛ فالتأمّل في ظواهر الكون والتفكّر فيها كان الدافع الأول للعلماء للوصول إلى أسرار صنع الله. فالكون هو الكتاب الأول الذي قرأه الإنسان، وفيه عظمة الخَلْق دلالةٌ على عظمة الخالق. ومطالع القول من نظرٍ فيه اعترافٌ وتقديسٌ وسَعْيٌ.

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى في كتابه المجيد:

( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ)[الحج: 63]،

وقال سبحانه:

( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) [الحج: ٦٥].

وجاء في الحديث الشريف: «تفكّر ساعة خير من عبادة سنة»، لأن الفكر السليم هو انطلاق العقل في استكشاف الحقائق واختيار الأفضل وتصويب المسار. والله تعالى في هذه الآيات – وآيات كثيرة تبدأ بـ «ألم ترَ» – يريد لنا أن نفعل عملية التفكّر، ونقتحم أسرار الكون لنعرف عظمة الخَلْق التي تؤدي بنا إلى معرفة عظمة الخالق؛ لأن المعرفة هي سرّ العبادة وسرّ الحبّ والتعلّق، وهي نتيجة الفكر ووعي العقل.

وفي حديث آل البيت (عليهم السلام): «أوّل العلم معرفة الجبّار، وآخر العلم تفويض الأمر إليه».

 

من الألفة إلى التأمّل
من العادة أن ننظر إلى الشمس في شروقها وغروبها، وإلى القمر في سيره ومراحله، وإلى حركة الفصول في الأرض وتغيّر المناخ في أقاليمها، وإلى السماء وأجرامها وكواكبها، وإلى خلق الإنسان: نطفةً، علقةً، مضغةً، عظامًا، فكسونا العظام لحمًا، ثم طفلًا، شابًا، شيخًا، عجوزًا، وإلى الحيوانات في سلوكها ونظامها. ولكننا لا نعيش عظمة هذه الظواهر لأننا ألفناها، فأصبحت بالنسبة لنا عاديّة. لكن تصوّر أن الشمس لم تظهر لكان هذا شيئًا مدهشًا يستحقّ التفكير والوقوف عنده.

ومن هذه الآيات يريد الله لنا أن نخرج من ألفة هذه الأمور العاديّة إلى أسرارها، لتستقرّ عظمة الخالق في فكرنا، فتبقى معنا في كلّ مواقع الحياة التي نعيشها. فكلّ ما في الكون يحمل عبرةً وفكرةً تختار الألباب في تدبّر حكمة القدير.

 

آيات في النبات والمطر
فمن ألف العادة أن يهطل المطر، وتتفاعل البذور مع المطر والتراب، وتنطلق النباتات والخضرة اللينة من الحبوب اليابسة. كيف وُلدت هذه الخضرة؟ ومن أعطاها النموّ وبعث فيها الحياة؟ ومن سخّر لها الضوء والحرارة سببًا للنموّ، فتراها تتسابق صعودًا لالتقاط النور؟ ومن أودع في الخضرة سرّ امتصاص ثاني أكسيد الكربون وتفكيكه لإرجاع الأكسجين إلى الجوّ – عنصر الحياة الحيواني الأساسي – وتحتفظ بالكربون عنصر النموّ فيها؟

كيف تنوّعت الأزهار بأشكالها وألوانها وروائحها؟ كيف تفرّقت الألوان وتنوّعت، والخضرة والماء واحد، والتراب واحد، والهواء واحد، والحرارة واحدة؟ من أين تنوّعت خصائص النباتات؟ بل في الثمرة الواحدة تجد في الغمد الذي يحمل ثمرةً طعمًا، وفي اللبّ طعمًا، وفي القشرة أحيانًا طعمًا، وفي البذرة أو النواة طعمًا، والكلّ تغذّى من ماء واحد جرى في عروق الغمد.

من مآثر تلك الظواهر العجيبة؟ نزل المطر فاهتزّت الأرض، كناية عن اهتزاز الحياة في البذور اليابسة، تشبّعت بالماء، وتخرّجت النباتات وربت وارتفعت وأخرجت من كلّ زوج بهيج. فهو تعالى يريد لنا أن نفكّر في هذه المألوفات وفي أسرارها، حتى نستطيع من خلالها أن ندخل إلى سرّ عظمة الله من خلال خلقه، وأن نعرف من سرّ هذا الخلق لطف الله تعالى بعباده، وأنه خبير بحاجاتهم، يسّرها لهم. وبهذه اليسّر سخّر خلقًا لخلق، وسخّر العناصر لبعث الحياة؛ حيث النباتات هي منتج الغذاء، والحيوان هو المستهلك، والحشرات – وهي كائنات متناهية في الصغر – تفكّك جثث وبقايا الكائنات إلى عناصرها الأساسية وتعـيدها إلى الطبيعة لتدخل في تكوين كائنات جديدة، فيما يشكّل دورة الحياة الدائمة.

ألم ترَ النباتات تنام مع المطر في فصل الشتاء، وأخرى تدخل في سكون شتويّ، حتى إذا أقبل الربيع انبعثت فيها الحياة من جديد؟ ألم يسخّر لها الكريم ﷺ الحرارة والبرودة، وسرّهما في الحياة والموت؟ ولكلّ تدبيرٌ لطيفٌ خبيرٌ، له ما في السماوات وما في الأرض، ولكلّ مالكه من حيث الإيجاد والتكوين.

 

عظمة الخالق وسعة ملكه
فإذا عرفنا الله تعالى في مواقع عظمته، وفي مواقع خلقه، وفي مواقع إمداد الخلق وامتداد ملكه اللامتناهي – ولا يمكن لمخلوق أن يصل إلى إدراك نهاية ملكه – فكيف لهذا الإنسان المحدود القوّة والإمكانية أن يدرك إلا اليسير من بدائع خلق الرحمن؟ فمجرة درب التبانة يُقدّر طولها بألف سنة ضوئية، وفي كلّ مدّة يُعلن عن اكتشاف فلكي جديد.

وإذا رجعنا إلى الأرض التي نعيش عليها وفكّرنا بها: كم يعيش عليها من كائنات؟ وكم تختزن في طبقاتها من أسرار، وتخزّن من معادن وطاقات سخّرت جميعها للإنسان ليعيش الحياة باكتفاء. فلنفكر بمن السماوات والأرض ملكه، وجميع ما نتقلّب فيه من نعم هي من بعض هباته. كيف نفضّل عليه من يملك شيئًا من حطام هذه الدنيا؟ وما يملك هذا الإنسان شيئًا لولا تمليك الله تعالى له. كيف نفضّل ونقدّم نزواتنا وشهواتنا على طاعته وحقوقه؟ كيف نفضّل أنفسنا ونهمّ بالفاني من مال وأهل وولد، ونغفل عن الله سرّ الوجود وسرّ الحياة لكلّ حي موجود؟ ألم يكن تسليم ما يملكه المؤمن لله هو سرّ العهد الذي ارتضيناه على أنفسنا؟

 

مقارنة تظهر العظمة
فلتتجلّ عظمة الله في أنفسنا، وندخل في مقارنة بين خلقه الذين نقدرهم، والذين نحبهم، والذين نسعى في مصالحهم لما لهم من جاه أو مركز أو قدرة ماديّة أو معنويّة، مقارنة بينهم وبين الخالق الذي يملكهم، فما بهم فيه إلى وقت محدود. فهو تعالى يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء، يعطي الملك من يريد وينزع الملك ممن يريد.

فكل مظاهر عظمة الخَلْق مستمدّة من عظمة الخالق، وفي المقارنة الخفيّة تظهر الفائدة الكبرى في التعلّق والالتجاء إليه وحده، صانع وجهها واحدًا يكفيك كلّ الوجوه. ( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [يونس: 62].

عظُم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم. وهو الغنيّ عن عباده، لا يزيد في ملكه طاعة من أطاعه، ولا ينقص من ملكه معصية من عصاه. فهو الغنيّ بذاته، والناس أغنياء به مفتقرون إليه، إن شاء خلق وإن شاء أغنى، أعطى كلّ موجود وجوده ونظامه وقوامه وحياته، وهو الحميد الذي يستحقّ الحمد في كلّ ما فعل، لأنه يتصرّف في ملكه، وكلّ مالك له حقّ التصرّف في ملكه.

 

دعوة «ألم ترَ» للرؤية المتكاملة
وفي قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ» دعوة منه جلّ شأنه أن ننظر بعيوننا وبعقولنا، لأن العين هي نافذة العقل، وأن تكون عندنا الرؤية البصريّة والرؤية العقليّة والرؤية القلبيّة الواعية المدركة ببصيرة شفّافة. ما حجم قدراتك أيّها الإنسان؟ كيف سخّر لك الأرض بسهولها وجبالها وبحارها وخزائنها وأمطارها وأنهارها لتأكل من خيراتها وآثارها؟

فكّر في السماء فوقك، من أمسكها بكلّ نجومها وكواكبها وأقمارها وشموسها أن تقع على الأرض؟ من علّقها في الفضاء وأوجد فيها عناصر التوازن، وسيّرها في أفلاك متداخلة فلا تتصادم؟ فكّر من ألهم الإنسان صنع الفلك والسفن، واكتشف سرّ التوازن في البحر ودفع الريح وقوانين الحركة والعوم، فكانت السفن تقرّب برًا من برّ وتسهّل التواصل بين الشعوب، وكلّ هذا من رأفته ورحمته بعباده. سخّر الكون لهم وأعطاهم عناصر الحياة وألهمهم بالعقل الذي وهبهم إيّاه أن يعيشوا ويصنعوا ويتحرّكوا بحرّية مشروطة بهدايته لهم إلى طريقين: طريق الخير وطريق الشرّ. أعطى الإنسان الحرية وأقام الحجة عليه، وملّك تعالى نتائج الأعمال.

 

بين شاطئي الأمان والعذاب

ومع كلّ هذا نرى في الناس الكفور، فالذي أعطاه ما أعطاه وسخّر له ما سخّره له، يعصيه ويعبد غيره. فأين نهاية التكبّر وغمط الله حقّه؟ إنّ عذاب الله شديد. إلى أين ستصل عندما تنطلق في الحياة وتتمرد فيها؟ ستصل إلى أحد شاطئين: إمّا إلى شاطئ الأمان إن ركبت سفينة العمل الصالح، أو إلى شاطئ العذاب إن ركبت سفينة المعاصي كفرًا أو شركًا أو خيانة. اذكر ربّك في مواقع عظمته، واجعل المألوف والعادة عبادة، واشكر ربك بالإيمان به، واشكر ربك باللسان بدوام الذكر الواعي، واشكر ربك بالعمل الصالح.

فلن يبقى لك من الناس شيء. فكلّ الأيدي التي تصفّق لك ستسكن حركتها، وكلّ الألسن التي تهتف لك ستخرس يومًا، وكلّ الأحضان التي تضمّك ستجمد حتمًا. فلو سجد الإنسان – وكلّ من على وجه الأرض – إلى سبعين سنة، لا يبقى الساجد ولا السجود له.

 

خاتمة: كن صديق ربك
كن صديق ربّك، كن حبيب ربّك، كن عاملًا لربّك، كن مراقبًا لربّك، لأن مراقبته مطلعة عليك في قولك وعملك وموافقاتك، لا يتحرّك متحرّك ولا يسكن ساكن إلا وجبّار السماوات والأرض مطلع عليه.

فالإنسان الذي يعيش معرفة ربّه يعيش الهدوء في حياته والنجاة في آخرته، ومن يعيشون شهوات الدنيا في غفلة عن الحقّ، وما قدروا الله حقّ قدره. ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) [الحشر: 19].

واعتصموا بالله، هو مولاكم، فنعم المولى ونعم النصير. ■

الـــزيّ الملـتـــزم:
حين يتجلى الإيمان في السلوك والمظهر

إنّ الزِّيّ الملتزم ليس مجرد لباس يُرتدى أو مظهر خارجي، بل هو انعكاس صادق لقناعات روحية وفكرية عميقة تتصل بنظرة الإنسان إلى نفسه، وإلى ربّه، وإلى المجتمع الذي يعيش فيه. فهو ليس شكلاً منفصلاً عن المضمون، ولا مظهراً قائماً بذاته بعيداً عن الجوهر، بل هو ثمرة من ثمار الوعي الداخلي، وأثرٌ ظاهر لما يستقر في القلب من حياء وتقوى وسمو والتزام.

فالإنسان لا يصوغ مظهره بمعزل عن فكره، ولا يختار هيئته بمعزل عن القيم التي يحملها، من هنا يصبح الزيّ الملتزم لغةً صامتة تتحدث عن الوقار وتوحي بالاحترام.

ولذلك لا ينبغي النظر إلى الزيّ الملتزم على أنه مجرد عادة اجتماعية أو تقليد موروث، إن قيمته الحقيقية تتجلى في الرمزية الأخلاقية التي يحملها، وفي المعنى التربوي الذي يرسّخه؛ بأن الملتزم دينياً قادر على تهذيب حضوره الخارجي بما ينسجم مع رسالته الإنسانية والإيمانية.

من هنا تأتي أهمية الربط الدائم بين المظهر والجوهر، بين الهيئة والسلوك، وبين الزيّ والوجدان، فالزيّ الحقيقي لا يكتمل إلا إذا سانده صفاء السريرة، ونقاء النيّة، وحسن المعاملة، وصدق الكلمة، والتواضع في التعامل مع الناس.

إن المجتمع أحوج ما يكون إلى هذا الفهم المتوازن، ولأن التوازن هو السبيل الأمثل وضرورة الربط بين المظهر الذي يعبّر عن الهوية والرسالة، والباطن الذي يمنح هذا المظهر معناه وصدقه. ومن الأهمية بمكان أن يكون لدى الأجيال الصاعدة القدرة على الاختيار الواعي المنسجم مع المبادئ، ومقاومة الضغوط التي تسعى إلى تمييع الهوية الروحية والأخلاقية.

ويساهم الزيّ الملتزم في تثبيت القيم داخل البيئة العامة، فهو يُرسّخ ثقافة الاحترام والوقار في زمن تزداد فيه النزعة إلى التفلت من الضوابط، وتحويل الإنسان إلى مادة للعرض والاستهلاك. فالإنسان الموحّد يسعى إلى حالة من الانسجام الداخلي، حيث تكون العبادة أخلاقاً، ويكون الإيمان سلوكاً، ويكون الالتزام حضوراً يومياً.

إنّ الجمال الحقيقي في الزيّ الملتزم يكمن في الطمأنينة التي يُدخلها إلى نفس المؤمن، فهو لا يدعو إلى التشدّد والانغلاق، بل إلى الاتزان والارتقاء، فيكون الإنسان أميناً على صورته كما هو أمين على قلبه، وأن يفهم أن المظهر ليس تفصيلاً عابراً، بل جزءاً من رسالة أخلاقية متكاملة.

وفي النهاية، يبقى الزيّ الملتزم في جوهره بين الإيمان المتجذّر في الداخل والصورة التي يقدمها الإنسان في الخارج، فإذا صلُحت النيّة واستقام القلب، ونضج الوعي، جاء المظهر معبّراً بصدق عن هذا العمق، وصار الزيّ لغةً للحياء، ورايةً للوقار، وعلامةً على إنسان أراد أن يعيش الشجاعة مع نفسه وربه ومجتمعه. هكذا فقط يصبح الزِّي الملتزم قيمة حيّة، ورسالة تربوية، لا مجرد عنوان خارجي. ■

الإحســـــان

الإحسان في اللغة العربية من أكثر الألفاظ تعبيراً عن الحسن والجمال والإتقان في عمل البرّ والعطاء والفضل به، ويعني تحسين الشيء وإتقانه، والقيام به على وجه أكمل وأفضل، وهو مشتقّ من الجذر العربي «حسن” الذي يعني الجمال والطيبة.

والإحسان لا يقتصر على عمل الخير، بل يشمل أيضاً معاملة الآخرين بالسخاء والرحمة، ويُعتبر من أسمى الصفات التي ينبغي أن يتحلّى بها الإنسان في مختلف جوانب حياته.

لكن، بالإضافة إلى هذه المعاني اللغوية الجليلة، فإن الله تعالى أعطى للإحسان معنىً عظيماً، وجعل له مكانته الخاصة جدّاً، إذ هو ليس معنىً عائماً عامّ الدلالة بعموم المدلول اللغوي، بل الإحسان رتبة في الدين ودرجة في التقوى، بل هو غاية العبادة ورتبته الأسمى.

ومن أجل تنبيه الناس على هذه المنزلة القصوى للإحسان، وحتى لا يفهم المسلمون دينهم فهماً سطحياً ساذجاً، وبالرغم من ذكر الله للإحسان والمحسنين والمحسنات كثيراً في كتابه العزيز، احتاج إيصال معنى الإحسان لألباب العباد أمراً من العزيز المنان، أن يتمثّل ملك الوحي جبريل – عليه السلام – في صورة بشر ويدخل على الرسول الكريم ﷺ وهو في مجلسه بين أصحابه، ويسأله ويستجوبه، ويشهد أصحابه هذا الحوار المثير للدهشة بين الرجل الغريب والنبيّ، فقال – عليه الصلاة والسلام -: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك»، فرُسمت في أذهانهم لوحة ربانية فيها من التعليم الإلهي ما يكفي لينقش في صدورهم وصدور من يأتي بعدهم إلى يوم الدين، رتبة الإحسان العليا، درجة ثالثة فوق الإسلام والإيمان.

وعلى هذا فإن كلّ محسن مؤمن، وكلّ مؤمن مسلم، ولكن ليس كلّ مسلم مؤمن كما بيّنه الله تعالى في كتابه العزيز: ( قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُواْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ ) [الحجرات: 14]، وليس كلّ مؤمن محسن، لقوله تعالى: ( وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ) [يوسف: 106].

فالمحسنون هم أهل الخواصّ الذين نزع الله من قلوبهم حبّ الشهوات والأعراض الخفية، وأسقط عن جوارحهم الذنوب والمعاصي المردية، وأسبل عليهم من نوره ورعايته ما أوجب لهم الخشية والإنابة والخشوع والرهبة والمراقبة لله تعالى.
وخير ما عُرِّف به الإحسان، ما قاله الرسول ﷺ: «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك». وعلى هذا يكون الإحسان على مرتبتين أو مقامين: أدناهما «مقام المراقبة” وهو أن تعبد الله على أنّه يراك، حيث يعلم العبد ويتيقّن أنّ الله مشاهدُه ومعاينُه ومراقبُه في كلّ عمل من جوارحه، أو نطق من لسانه، أو خطرة من فكره، أو وهم يقع في قلبه. وأعلاهما «مقام المشاهدة” وهو أن تعبد الله كأنّك تراه، وهذا مقام عظيم، وأهله عزيزون، هم قوم تجرّعوا مرارة المكابدة، وصدقوا الله في معاملته، واغتنموا سلامة الأوقات ومهل الزمان، وأماتوا شهوات النفوس، ترى أرواحهم تتردّد في أجساد قد أذابتها الخشية، وذلّلتها الخدمة، ويسرْبلها الحياء، وصمّها القرب، وأسكنها الوقار، وأنطقها التذكار، وخالفها السهر، وأنطقها الحذر، أنيسها الخلوة، وحديثها الفكرة، وشعارها الذكر، شُغلها بالله متصل، وعن غيره منفصل، نفوس ساسها وليّها وحفظها باريها.

وثمار الإحسان في العبادة عظيمة وكثيرة، وهي دنيوية وأخروية، فالمحسن يجد ثواب إحسانه مبروراً في الدنيا وبين أبنائها، مطمئن القلب سعيد النفس، وموفوراً في الآخرة عند مليكها ومُلاّكها، مضاعف الأجر والثواب. لذلك كان الإحسان هو جوهر الإسلام وروحه، وهو مقياس تفاضل العباد عند الله، فمن ارتقى إلى درجة الإحسان بلغ أعلى مراتب القرب من الله.

والإحسان منهج يجمع بين العبادة الصالحة لله القائمة على عقيدة التوحيد، وبين المعاملة الطيبة، لأنها كلٌّ لا يتجزأ. فعندما يؤمن العبد تمام الإيمان بعبوديته لله تعالى، يكوّن ضميره وسلوكه مع ما يحبّ هذا الربّ المعبود، فتتعدّد عبادته وتغدو أعمالاً تترجم ما يسكن في قلبه من تقوى الله عزّ وجلّ ومراقبته، وتنقلب أعماله كلّها إلى عبادة عندما يخلص فيها النية لله وحده. فإذا تربّى الناس هذه التربية، تحوّلت حياة المجتمع بهذه النماذج الصالحة إلى وحدة متماسكة متينة البنيان، تحكم أفرادها علاقات جماعية اجتماعية واقتصادية وسياسية وأخلاقية ترتكز على أسس المنهج الرباني السليم القائم على الإحسان في كلّ شيء، وهو الدرجة التي تسمو فوق العدل وفوق كلّ شيء، وتتجاوز إلى البرّ والإكرام، فهو الفضيلة التي تجعل صاحبها من أصحاب الفضائل والأخلاق القويمة، لأنه يعني الرقيّ بالنفس بعد مغالبتها ومجاهدتها إلى مستوى رفيع، بالعفو عن المسيء، والصفح عن المذنب، وصنع الجميل لذاته، لا لدفع مغرم ولا لكسب مغنم، بل حبّاً في الله وإيثاراً لمرضاته، لأن من الأخطار المحدقة بأبناء هذا العصر أن يقوم المسلم بعبادات كثيرة لله ربّ العالمين دون أن يقرن ذلك بالإحسان في العبادة، أي الإخلاص فيها.

ولأن العنصر الأهمّ في الطاعة هو قبولها من المثيب عليها، ولما كان شرط القبول هو التقوى، قال الله تعالى: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) [المائدة: 27]. فكان حريّاً بالإنسان أن يخاف على عمله أن يكون مردوداً، والذي يفسد العمل هو الرياء، وهو الشرك الخفيّ الذي حذّر منه الرسول ﷺ بقوله: «أيّها الناس! إيّاكم وشرك السّرائر». قالوا: يا رسول الله، وما شرك السّرائر؟ قال: «يقوم الرجل فيصلّي فيزيّن صلاته جاهداً لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شرك السّرائر».

وعلاج هذا الداء يرجع إلى العلم بأن الله يراك ويطّلع على سريرتك، وبإخلاص القلب وتفرّد القصد بالعمل لله وحده، وهذا يرجع إلى الإحسان، وهو شرط قبول الأعمال.

فالأعمال لها صورة شرعية كما بيّنها الكتاب والسنة، وبالالتزام بها تصحّ الأعمال، لكن يبقى أن تكون هذه الأعمال مقبولة عند المجازي عليها، وهنا تكمن أهميّة مقام الإحسان في العبادة، إذ به تقبل الأعمال. ولنتخيّل أنّ إنساناً أفنى عمره في العبادة والمجاهدة والمكابدة، ثمّ عند الامتحان رُدّ ذلك في وجهه، وقال العزيز الجبّار: إنّ عبدي استهزأ بي، وكان عمله للناس وليس خالصاً لي، فيا له من خسرانٍ ما بعده خسران، ويا لها من حسرة لا تعدلها حسرة.

لأن عمل الجوارح بالخير في أصله هو خير ولا يمكن تبديله، ولكن الذي يغيّره ويحيله شرّاً هو توجّه القلب، الذي ما سُمّي قلباً إلا لتقلّبه؛ فالنية – التي محلّها القلب – سابقة العمل، وهي التي تجعل العمل خيراً مقبولاً، أو تجعله مردوداً، كما قال ﷺ: «إنّما الأعمال بالنيات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى». ومراقبة القلب ليست بالأمر السهل، بل هي أصعب الأعمال على العبد، وقد قيل: إنّ أشدّ الأشياء على النفس هو الإخلاص. فمن هنا تكمن أهميّة الإضاءة على مقام الإحسان، وهو أكثر ما نحتاجه في أيامنا هذه حتى تصفو لنا أعمالنا مع قلّتها.
وإنّ انغماس الإنسان في محرّمات النظر والسمع والأكل وما شاكل ذلك، يجعل هذا الإنسان – وإن كان عالماً بجميع أصول الدين وضرورات الشرع – لا يزال دون درجة الإيمان المفضي إلى نيل رضا الله تعالى. فالنفس الأمّارة بالسوء – وإن علمت بجميع ما يعرفه المؤمن وزيادة – فإنها لا تزال قاصرة عن نور المعرفة الحقيقية، التي لا يحقّقها إلا الاعتقاد القلبي بأنّ الله يرى الإنسان في كلّ لحظة، وأنّه مطلع على سره وما ينطوي عليه قلبه من اعتقادات ونوايا، وهذا هو الإيمان الحقيقي الذي يؤدّي إلى اجتناب المعاصي والذنوب، فقد قال رسول الله ﷺ: «لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن».

إنّ الإيمان المعرفي يجب أن يؤثّر في السلوك والأخلاق، وإلا كان حينئذ حملُ المسلم للعلم دون أن ينتفع به، وقد استعاذ النبيّ من ذلك: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من قلبٍ لا يخشع، ومن دعاءٍ لا يُسمع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن علمٍ لا ينفع…». فلا يكفي إذاً أن يكون المسلم الموحّد منتسباً إلى الدين باسمه ورسمه فقط، وقلبه مضطرب ومشتّت ومتردّد ومتّبع لوساوس الشيطان، فهذا الإنسان وإن كانت له معرفة بالدين، إلا أنه لا يرقى إلى مستوى الإيمان والإحسان، وإن نطق بالشهادتين، لأن أفعاله لا تصدّق أقواله.

وهذا يقودنا إلى التحدّث عن مرض العصر، حيث نرى شبابنا متعلّقاً بالشاشة الرقمية ووسائل الاتصالات المتنوعة، التي تجذبهم وتسيطر عليهم وتذهل عقولهم وتحيّر ألبابهم، وتعدل بهم عن طريق الخير والحقّ، فضلاً عن تمضية الأوقات الطويلة والعيون شاخصة إلى شاشات اللهو والغفلة والفحش والمنكرات. فحريّ بنا بهم اليوم أن نغلق وسائل التواصل الاجتماعي وندبر عنها، ونفتح وسائل التواصل الإلهي وندير لها وجوهنا، وننظر إلى أفئدتنا ونتدبّر ما يختلج فيها من خواطر وهواجس وأفكار وعقائد.

وبالعودة إلى المفهوم التطبيقي للإحسان، نرى أنّ الإنسان يستحضر قلبه للعبادة ويهيّئ لها باطنه، فيصبح قلبه حاضراً وعقله متفكّراً بما يقوم به من عبادات، وما يأتيه من معاملات، وما يشتغل به من حركات وسكنات في نفسه ومع سائر المخلوقات. فإذا تمّ له ذلك بقيت له العقبة الأخيرة، وهي عقبة كؤود لا يجوزها إلا المخلصون المحسنون، وهي أنّ المجازي يقبل العمل الخالص لوجهه تعالى، الذي لا يشوبه رياء ولا عجب ولا فخر ولا تكبّر، فيجازي عليه خيراً. وحتى يتمكّن الإنسان من تحقيق ذلك، يجب أن يعرف المجازي المثيب حقّ المعرفة، لأن معرفته جلّ جلاله هي مفتاح كلّ الخيرات والطاعات والحسنات، ولا سبيل إلى معرفته تعالى إلا بمعرفة الإنسان لنفسه. يُروى أن الله تعالى أوحى إلى داود – عليه السلام -: «يا داود اعرفني واعرف نفسك». فتفكّر داود وقال: إلهي عرفتك بالفردانية والقدرة والبقاء، وعرفت نفسي بالعجز والفناء. فقال: «الآن عرفتني». وقال النبيّ ﷺ: «أعرفكم بنفسه أعرفكم بربّه».

فكلّ ما يلزم الإنسان معرفة نفسه بالعبودية، ومعرفة معبوده بالربوبية، وهذان المقامان الجليلان هما جناحا الإحسان، وهما مقام المراقبة ومقام المشاهدة. فالمراقبة هي مقام معرفة النفس والتفكّر بعجزها ووهنها، والتبصّر بعيوبها وطغيانها؛ والمشاهدة هي مقام معرفة الربّ جلّ جلاله والتفكّر بعظمته وجلاله وقدرته. فمن سلك طريق الهدى والنور، ترقّى بإسلامه وإيمانه إلى رتبة الإحسان، وتخلّص من التخبّط في دياجير القلق النفسي والهمّ والاكتئاب والضياع.

إنّ نور الإحسان وفضله يشعّ في الدنيا على المحسن من كلّ حدب وصوب، ويلقاه في الآخرة عملاً مبروراً مسطوراً في صحيفته، ثقيلاً في موازينه. كيف لا يكون ذلك وقد قال العزيز الكريم: ( هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ) [الرحمن: 60].

وخلاصة ثمرات الإحسان على الفرد، وخاصّة في أيامنا هذه، هي أنّ العبد يكون في دائرة نظر الله تعالى، وفي ظلّ حماه وصونه، فيُلهمه إلى المحافظة على صلواته المفروضة عليه، ويتقرّب إليه سبحانه بالنوافل والأوراد والأذكار، فيعصمه من أهواء نفسه وشهواتها، ومن نزغات الأبالسة المبثوثة سمومهم في وسائل اللهو والغفلة، وما أكثرها اليوم.

وأمّا الثمرات الآخروية للإحسان فعظيمة بعظمة من وعد بها، ونحن أعجز من أن نصف ذلك ونتصوّره، وكيف نستطيعه وقد ورد عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إنّ الله يقول: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». ويكفي قول الله عزّ وجلّ: ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [السجدة: 17]، وقوله تعالى: ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ) [يونس: 26]. وإنّ الله تعالى كما أحسن إلى عباده المحسنين في الدنيا، فقد أعدّ لهم أعظم الإحسان في الآخرة ممّا لا يمكن وصفه.

فكيف يدخل حضرة الملك القدوس أرباب النفوس؟ فالعبد إن ترفّع عن حظوظه الشهوانية، وتقدّس عن آفاته النفسية، وتطهّر من علّاته السفلية، كان أكبر قدراً من الوجود، ولا عجب إن طويت له الأكوان؛ وإن هو تلطّخ بالآثام، ونزل منازل الهوى، واحتجب بما يهوى، كان أصغر موجود.

فمن لم ينفطم عن هواه طال سفره، وإن وصل ردّه التعلّق بالشهوات من على باب الحضرة، لأنها منازل التوّابين ومعارج المتطهّرين. فمتى لم تترك هواك وتأت الحقّ، تبقَ أسيراً عند دركة ما تهوى، وأنّى لك السير في طريق أنت حجابك الوحيد عمّن تحبّ ومن تريد؟ وإلا فكيف يفسّر المريد كلام الحقّ سبحانه: ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) [ق: 16]؟ فليس ذلك إلا أنّ وهم تعاظم إحساسك بذاتك، أعماك عمّن هو أقرب إليك من حبل الوريد. ■

السّلوك الإنسانيّ بين الاجتناب والاكتساب

يقول تعالى في كتابه العزيز: ﴿كُنتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَتْ لِلنّاسِ تَأمُرونَ بِالمَعْروفِ وتَنْهَونَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنونَ بِالله﴾ (آل عمران 110).

إذا تدبّرنا هذه الآية الكريمة نجد أنّها قد وضعت المفهوم الحقيقيّ للسّلوك الإنسانيّ القويم، إذ إنّها بيّنت لنا التّوصيف الدّقيق للإنسان الخيّر ﴿كُنتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ﴾، واشترطت لبلوغ هذه المنزلة الرّفيعة شرطين أساس هما: الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ثمّ اقترن ذلك كلّه بالإيمان بالله تعالى ﴿وَتُؤْمِنونَ بِالله﴾، فالإيمان بالحقيقة هو قول باللّسان وتصديق بالجَنان (القلب) وعمل بالأركان (الجوارح)؛ ولا يكون المؤمن آمرًا بالمعروف دون ائتمار، ولا ناهيًا عن المنكر دون انتهاء؛ أمّا المراد بالمعروف فهو كلّ ما أمر الله به، وبالمنكر كلّ ما نهى الله عنه، فبماذا أمر سبحانه وعَمَّ نهى؟ تجيبنا على هذه التّساؤلات الآية الكريمة ﴿إنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ بالعَدْلِ وَالإِحْسانِ وإِيْتَاءِ ذِي القُرْبى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرونَ﴾ (النّحل 90)، والإحسان -هنا- هو فعل ما ينبغي فعله من الخير، والعمل بالفضائل، وقربة إلى الله، أمّا المنكر فهو كلّ ما أنكره الشّرع والعقل السّليم لفساده وضرره من المعتقدات والأقوال والأفعال.

يتّضح لنا ممّا سبق أنّ الخالق جلّ وعلا أمر عباده بأوامر وأوجب عليهم الائتمار بها، ونهاهم عن نواهٍ وأوجب عليهم الانتهاء عنها، ولا سبيل للمرء إلى «الائتمار بالأوامر والانتهاء عن النّواهي»، إلّا باعتماد قاعدة «الاجتناب الاكتساب»، اللّذين لا يصحّ أحدهما دون الآخر، فمن لا يجتنب تتراكم السّيّئات على قلبه فيكدر، وينآى به عن موارد الخير، ومن يجتنب ويقعد عن اكتساب الخيرات يكن كمن أفرغ كأسه من العَكَر، ثمّ لم يملأه بماء طاهر، فلا يرتوي أبدًا.

إذن علينا، لكي نطبّق الاجتناب أن نتعرّف على معناه وأهمّيّته …، وكذلك معرفة الاكتساب، وهذا ما سوف نتطرّق إلى عرضه في بحثنا -وبالله المستعان- …

الاجتناب

الاجتناب يعني الاحتراز من الشّيء والابتعاد عنه، فعلى المرء أن يبتعد عن كلّ فاسد في القول والفعل والمعتقد، وذلك بأن يطهّر قلبه من الآفات الباطنة كسوء النّيّة والحقد والحسد وحبّ الجاه … ويراقب أعمال الجوارح (أعضاء الجسم الّتي يكتسب بها الخير والشّرّ) ويرفّعها عن المنكرات والفواحش كالكذب والغيبة والنّميمة وفحش الكلام، وإيذاء النّاس بقول أو بفعل، والحرام في المال أو المأكل أو الملبس … فإذا فعل ذلك مع الإخلاص في النّيّة صفت نفسه، وأمِنَ ظُلمها﴿وَتِلْكَ حُدودُ اللهِ وَمَن يَّتَعَدَّ حُدودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾(الطّلاق 1)، وطاب عيشه.

وممّا يساعد على الاجتناب عدم الانصياع لشهوات النّفس ورغباتها ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (يوسف 53). كما يساعد على ذلك الاحتراز من كلّ ما يقرّب من تلك المفاسد الّتي ذكرناها، فلنحترز من مصادر الفساد ومواقعه، وها نحن نرى الأهل إذا خافوا على ولدهم السّوء حذّروه من المعشر السّوء، فليُحسن كلّ منّا اختيار البيئة المحيطة به، ثمّ إنّ مصادر الفساد قد تعاظمت في أيّامنا هذه، بانتشار بعض الإعلام غير المسؤول، وبوجود الهواتف الذّكيّة الّتي تفتح أمام روّادها أبواب الإفساد على أوسع مصاريعها، فلينتقِ المرء المواقع المفيدة ويحسن استعمال الآلة الّتي بين يديه لئلّا تجذبه إلى الوقوع فيما لا تحمد عقباه.

أهمّيّة الاجتناب

إنّ للأعمال تأثيرها في القلب وفي النّفس، فهي تطبع على القلب بالصّدأ والرّان ﴿كَلَّا بَلْ رَّان َعَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كانُوا يَكْسِبون﴾ (المطفّفين 14).

ثمّ إنّ في الإنسان قوّتين متضادّتين متصارعتين، وهما قوّة الخير وقوّة الشّرّ، وعلى المرء أن يعمل على تغذية قوى الخير، وإضعاف قوى الشّرّ، ولا يمكن إضعافها -بعد الاستعانة بالله عزّ وجلّ- إلّا بالاجتناب، فالمعصية تحفّز النّفس على تكرارها والاستمرار فيها، كما قيل: «إنّ المعصية تولّد المعصية»، فتبعد المرء عن ربّه، وتتعاظم قوى الشّرّ في نفسه، وفي ذلك حرمان من موارد الخيرات، وخير مثال على هذا خبر أخوة يوسف -عليه السّلام- الّذين عصوا ربّهم بحسدهم لأخيهم، فأساؤوا الظّنّ بأبيهم يعقوب النّبيّ -عليه السّلام-، ثمّ تمرّدوا على إرادة الله في اختيار أخيهم ليكون خليفة أبيه، وجرّهم ذلك إلى إضمار النّيّة على القتل، ثمّ ارتكبوا خطيئة رميه في الجبّ، ثمّ دفعتهم معصيتهم إلى الكذب للتّغطية على فعلتهم، فحرمهم الله تعالى نعمة التّوبة سنين كثيرة؛ هكذا نرى كيف أنّ معصية الحسد ولّدت وراءها سلسلة من المعاصي والذّنوب، أدّت إلى أن ران على قلوبهم فابتعدوا عن ربّهم وحُرموا النّعمة، ولا ننسى حال الذّلّ الّذي وقفوا موقفه أمام أهلهم وأمام أخيهم، ولا شكّ أمام أنفسهم. فإنّ المعاصي تورث الذّلّ … ولو أنّهم اجتنبوا شهوة نفوسهم ورغبتها بالجاه والسّلطان، واحترزوا من آفة الحسد لوفّروا عليهم كلّ ذلك؛ هذا مثال على الآفات الباطنة الّتي قد لا تختلف في نتائجها عن الآفات الظّاهرة الّتي هي شهوات جوارح البدن كالعين والأذن واليد … بل قد تكون مسبّبة لها دافعة إليها، فعصيان المرء لنفسه خير له من عصيانه لربّه، وكما قال مالك بن دينار -رضي الله عنه-:
رأيتُ الذّنوبَ تُميتُ القُلوبَ
وقــــد يـــورِثُ الــذُّلَّ إدمـــــــانُهـــا
وترْكُ الذُّنوبِ حَياةُ القُلـــوبِ
وخيرٌ لِنـفـسِــــــــــكَ عِـصيـــانُهــــــا

ولا يفوتنا -ونحن بشر- أنّ كلّ ابن آدم خطّاء، وأنّنا لسنا معصومين عن الوقوع في معصية، ولكن على الإنسان أن ينوي الاجتناب ويسعى إليه، وأن يستعين بالله تعالى عليه «وإنّما لكلِّ امرئٍ ما نوى» (رواه البخاري ومسلم)، ﴿وَأَنَّ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ (النّجم 39)، ثمّ أن يكون له من نفسه على نفسه رقيبًا؛ فإذا فعل ذلك أعانه الله خير معين، فلا يقع في المعاصي وكبائر الآثام، وإذا غلبته نفسه بعد ذاك وارتكب ذنبًا، فقد فتح الغفّار لنا من رحمته باب التّوبة، فلنتنبّه حينها ونقبل على ربّنا بصدق، تائبين مخلصين.

الاكتساب

الاكتساب يعني الكسب والرّبح، إلّا أنّه يحمل معنى الجدّ والاجتهاد في العمل للوصول إلى ما تريد كسبه، أمّا الاكتساب كمصطلح فهو يعني الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو دفع ضرر، فأيّ عمل يعمله المرء ليجتلب النّفع لنفسه أو لغيره هو اكتساب، وكذلك أيّ عمل يعمله لدفع ضرر أو ردّ أذى.

ولا سبيل إلى اكتساب الخيرات، إلّا بإنماء طبائع الخير المركوزة في النّفس، وذلك بتغذيتها بذكر الله سبحانه والاستعانة به، وتدبّر تعاليم دينه الحنيف، وتحقيق جانب الاجتناب.

ويكون الاكتساب بعمل القلب وبعمل الجوارح؛ فعمل القلب يتحقّق بطيب النّيّة وحسن الظّنّ، وتدبّر آيات الله، والسّعي إلى التّغذّي بحقائقها، لتكون الأساس الّذي تبنى عليه أعمال الجوارح؛ أمّا عمل الجوارح فهو استخدامها فيما خلقت له، وبالطّرق الّذي رُسمت لها، فاللّسان خُلق ليشتغل بذكر الله تعالى، ولقول الحقّ والصّدق والكلمة الطّيّبة، والعين خلقت لترى الجمال -دون خيانة- معتبرة مسبّحة الخالق العظيم، ولقراءة كلّ ما يعود على صاحبها بالخير والرّضى، واليد خلقت لتكون ممدودة للخير والإحسان، ولكسب الرّزق الحلال …

وبمقارنة ما قلناه مع مفهوم الإحسان، حيث «إنّ من معاني الإحسان أنّه فعلُ ما ينبغي فعله من الخير، والعمل بالفضائل»، نجد أنّ الاكتساب لا يبتعد كثيرًا عن معنى الإحسان، إذ إنّ فعل الإحسان يجتلب النّفع والخيرات، وما من محسن يحبّ الضّرر لنفسه أو لغيره، بل يسعى إلى دفع الضّرر والأذى ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

في محراب القيم الإنسانيّة

الحمد لله والصلاة على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد؛

فلم يكن الوجود الإنساني مجرّد صدفة فوق هذا الكوكب الصغير، كما أنّ القيم الإنسانيّة لم تكن لتتطوّر عبر العصور لولا وعي ُ الإنسان لهذا الوجود. فالإنسان بطبيعته يحبّ الحياة، لأنّه يدرك أبعادها الزمكانيّة، فهو قادر أن يعود بذاكرته إلى طفولته، أو أن يستشرف شيئا من المستقبل من خلال قوّة التخيل التي يتمتّع بها، وقادر أيضًا أن يتكيّف مع الظروف التي يعيش فيها مستفيدًا من تجاربه أو من تجارب غيره.

لذلك عندما نتكلّم عن هذا الوجود، فإننا نتكلّم عن القيم الإنسانيّة، فلولا وجود الإنسان لما كان ثمّة قيمة لهذا الكون الواسع الأرجاء، فبالإنسان تكتمل صورة الكون الذي وُجِد لأجله، فهو سرّ هذا الوجود المعنوي والماديّ علما ومعرفة ومسلكا وقدرة على التحليل والاستنباط. من أجله أنزلت الصحف على الأنبياء الكرام عليهم السلام، وتنزلت الكتب السماويّة على الرسل العظام عليهم الصلاة والسلام، فكانت خارطة طريق للإنسانيّة جمعاء، بها تكتسب العلوم الروحانيّة، وعليها تدور معرفة النفوس الإنسانيّة القادرة على الاختيار بين ما هو نافع لها، وما هو ضارّ، ألم يقل الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. وهذه الآية الكريمة شرحها السيّد الأمير جمال الدين عبد الله التنوخي قدّس الله روحه، فقال: «اعلم أنّا إن حملنا النفس على الجسد فتسويتها تعديل أعضائها، وإن حملناها على القوّة المدبّرة فتسويتها إعطاؤها القوى الكثيرة كالقوة السامعة والباصرة والمخيّلة والمفكّرة … ونفس إشارة إلى تلك النفس التي هي رئيسة عالم المركبات رئاسة بالذات. وأمّا قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ فاعلم بأنّ المعنى قد أفلحت وسعدت نفس زكّاها الله تعالى وأصلحها من الكفر والعناد، وطهّرها من الغوايات الخارجة عن الطاعة. واعلم أنّ التزكية عبارة عن التطهير، أو عن الإنماء. وفي الآية قولان أحدهما أنّه قد أدرك مطلوبه من زكّى نفسه، بأن طهّرها بفعل الطاعة ومجانبة المعصية. والثاني قد أفلح من زكّاها الله».



ولمّا كانت النفس الإنسانيّة محور الوجود المعنويّ للإنسان كان لا بدّ من توصيفها حتّى ندرك ما لها وما عليها. قال أحد الحكماء اليونانيين: «النفس الشريفة جوهر يفعل وينفعل لأنها عاقلة عالمة حيّة قابلة للصور فهي تقبل الجهل كما تقبل العقل» والجهل بمعناه الروحي يعني الصور الحسيّة التي تكتسبها النفس باستغراقها في عالم المادة من حبّ المال، والانغماس في المخدرات والشهوات والجرائم، والابتعاد عن التربية الصالحة التي تعنى بتنمية الطاقات العقلية والأخلاقية، ولهذا قال السيّد المسيح عليه السلام: «لا تعبدوا ربيّن الله والمال». أمّا العقل فيعني الصور الروحانية من فضائل نفسية وعلوم دينية تعنى بصقل النفس وتسوقها إلى معرفة الله تعالى وطلب المقامات السنية كالتوبة والورع والفقر والزهد والصبر والتوكل والرضا والأحوالِ القلبية كالمراقبة والقرب والمحبة والخوف والرجاء والشوق والأنس بالله والطمأنينة والمشاهدة واليقين، وهذه المقامات والأحوال هي التي تسكن في القلب فتطهره من أدران الذنوب وإليها أشار الله تعالى في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (78) النحل). يقول السيّد الأمير جمال الدين عبدالله التنوخي(ق) في بيان معنى هذه الآية الكريمة: «أشار الله تعالى إلى أنّ الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خاليًا من معرفة الأشياء كما قال: ﴿وَالله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ثمّ تفضّل عليه بأعظم وأكمل نعمة بخلق السّمع والبصر والفؤاد فيه، كما قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ والمعنى أنّ الإنسانيّة لمّا كانت في أوّل الخلقة خالية من المعارف والعلوم بالله، فالله تعالى أعطاها هذه الحواس لتستفيد بها المعارف والعلوم».



وبعد أن يستعرض السيد الأمير أهمية الحواس والأفئدة يقول: «واعلم أنّه لمّا كان الإنسان موضوعًا في وسط العالم فلا يمكنه أن يعيش ويحفظ نفسه إلاّ بمخالطته للأجسام المحيطة يأخذ منها وسائط معيشته. وأعضاء الحواس والجهاز العصبي هما المعدّان لمخالطته لهذه الأجسام كي يعرف بهما ما ينفعه، وما لا ينفعه؛ فيسعى في تحصيل الأولى وترك الثانية. ولهذه المخالطة أسباب ووسائط موجودة فيه، فأهمّ أسباب احتياجاته والوسائطِ، أعضاءُ الحواس، وينبوع هذه الاحتياجات منوط بوجود الحياة وتدرك هذه الاحتياجات في الإنسان بمركز المخالطة، ومتى كانت الأجسامُ الأجنبيّة غيرَ مخالطةٍ للسطح الظاهر من الجسم، ومركزُ الإدراك جاهلاً، فلا ينتج عن ذلك إلا مشقة محيّرة لا يمكن التعبير عنها، تؤدّينا إلى سعي لا نعرف نهايته. وعدم إدراك المخ للأجسام يعبّر به عن المشقة المذكورة، وعن تنهد الشباب في سن البلوغ الذين تربوا في الجهل بعيدين عن الأشياء المرضية».

ثمّ إنّ السيد الأمير يستفيض في شرح دور القوتين الإلهامية والحافظة في رعاية الإنسان منذ ولادته حتى وصوله إلى سنّ الشباب ذاكرا أثرهما في حفظ وجوده وتنمية قدراته المعرفية، مبينا أنهما وإن كانتا قوتين أساسيتين لكنهما لا يكتملان إلاّ بالقوة الحاكمة التي بوجودها يستقيم العقل عند الإنسان، وباختلالها يختل العقل فيجنح الإنسان إلى إيذاء نفسه، مما يسبب له الانتحار فيقول قدس الله روحه: «أمّا القوة الحاكمة فهي القوة التي بها يقف الإنسان على حقيقة النِسبِ الموجودة بين أجزاء الشيء الواحد على انفراده أو بين جملة أشياء متقاربة وهي أهم القوى العقلية، إذ بواسطتها نكتسب جميع معارفنا. وأول درجة منها مقابلة شيء بشيء؛ وهذه المقابلة متى اشتدت وطالت مدة الاشتغال بها سميت بالتأمل، وتسلسل الأحكام المرتبطة ببعضها يسمى تعقلا، والعقل الذي هو أصل للصفات النفسانية وكمال الذهن ليس إلا القوة الحاكمة التي بها نقتدر على تمييز الخير من الشرّ في أفعالنا. ومن المعلوم أن الحكم المستقيم، وهو ما لا يكون إلا بمقابلات ونسب محققة الوجدان فيما بين المحكوم عليها، أمر مهم جدًا، فإذا حكمنا على جوهر سامّ بالجودة فقد سعينا بالمخاطرة في إتلاف الحياة. فإذن يكون هذا الحكم الفاسد الصادر منا ضارا بنا، وقس على هذا كل ما كان من الأحكام من هذا القبيل.»

إنّ إتلاف الحياة لا يقف عند موت الإنسان جسديًّا، بل يعني إتلاف القيم الإنسانيّة التي ذكرناها سابقًا أعني المقامات الروحيّة والأحوال القلبيّة. وإذا كان الناس كما ذكر أحد الحكماء أربع طبقات طبقة نباتية وطبقة حيوانيّة وطبقة إنسانيّة وطبقة ملائكية لا تبلغها عزائم المجتهدين، فالواجب إذن أن نسعى جاهدين للخروج من الطبقتين النباتية والحيوانيّة اللتين من طبعهما الأكل والشرب والغضب والشهوة والشراسة وحب الرئاسة واللهو وما شاكل ذلك، إلى الطبقة الإنسانيّة التي من طبعها العقل والحلم والتواضع واليقين والتفكّر في عظمة هذا الوجود، وإخلاص العبادة لله تعالى، لنصبح جديرين بالوقوف أمام محراب القيم الإنسانيّة، التي لولاها لأصبح الناس كما ورد في القرآن الكريم،﴿أمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.

مقام الصدق في مسلك التوحيد

عرضنا في العدد السابق من الضحى (38) لمقام «المحبة» لمركزه الأثير في ثقافة التوحيد والعرفان؛ ونكمل في هذا العدد بيان أهمية مقام «الصدق»، صُنوِ المحبة، بل صورتها الملموسة.

تتدرج معاني الصدق من الأقرب منالاً، أي «الصدق» في معناه المباشر؛ إلى الصدق في معناه الاجتماعي؛ إذْ كيف يقوم مجتمعٌ أو تقوم حضارةٌ ( كالكثير من أحوال الحضارة المادية الاستهلاكية المسيطرة اليوم) على الكذب، نقيض الصدق؟ وصولاً إلى الصدق بمعناه الديني والتوحيدي على وجه الخصوص.

الصدق في أقرب معانيه، وربما أظهرها عياناً هو: صدق اللسان. هو التطابق بين الدّال مع المدلول، والتعبير مع الأصل؛ هو تطابق الظاهر مع الباطن، والفعل مع القصد أو النيّة.

وقبل أن نتناول الصدق في معناه الأعمق بعض الشيء، نقول ومن وجهة عملية، أنّ الصدق فضيلة أخلاقية، عملية، يقوم عليها إجماع منقطع النظير بين سائر الرسالات السماوية؛ وفي تعبير ابراهيم اليازجي النهضوي: «الصدق عمودُ الدين». وعن الإمام علي بن أبي طالب قوله : «النجاة في الصدق». وعن الخليفة عمر بن الخطّاب قوله: «لا تنظروا إلى صيام أحد، ولا إلى صلاته، ولكن انظروا من إذا حدّث صدق، وإذا ائتُمِن أدّى وإذا أشفى (همّ بالمعصية) ورع».

لكنّ الصدق في حقيقته الأعمق أكثر من ذلك: هو بطلان الثّنائية، وامحاؤها. إذ لا مكان لها في مقام الصدق. فالمعرفة الآن هي عينُ العارف، وبالحق تُعرفُ الأشياء. وأعلى مراتب العرفان الممكنة حين لا يحتاجُ الحق إلى برهان؛ فيغدو هو نفسه الدليل والشاهد والشهادة، وعلى قدر اجتهاد الساعي وقدراته. وكلما اقترب من عين المعرفة، اختفى الأين والكيف، واتّحد العارف بالمعروف، رمزيّا؛ فارتفع حجاب القول، وغدا الصمت أشدّ دلالة وأكثر إبلاغًا. وما النورُ الذي يضيءُ بعضَ الأمكنة، أو مُحيّا بعض المختارين، غير الترجمة المحسوسة (الهادفة أحياناً) لمقامَي المحبة والصدق. وعن ميخائيل نعيمه قوله: «الحياة مزيج من الصدق والكذب، أمّا السكوت فصدقٌ لا غشّ فيه».

وإذا انتقلنا إلى ثقافة مسلك التوحيد وأخلاقياته، فغيرُ خفيٍ المقام الرفيع الذي يوليه مسلكُ التوحيد لمقام الصدق، في مستوياته ومندرجاته كافة؛ فمثلُ الصدق من الدين، وفق مسلك التوحيد، كمثلِ الرأس من بقية الجسد.. وكذا تشديده على أن الصدق كمالُ التوحيد. وقد تجسّد التوحيد العرفاني هنا في مسلك أخلاقي، عملي صارم: الصدق في صلب الإيمان، لا مكان للكذب وأهله، ولا تبرير له في كل الأوقات والأحوال. وبسببٍ من التشدد هذا، أشار الرحّالة، والكتّاب، الأجانب والمحليون (الشدياق، اليازجي، مارون عبّود مثالاً)، إلى تجذّر فضيلة الصدق في سلوك الموحّدين، إذ جعلوا صدق اللسان فضيلة ترقى إلى مستوى الإيمان الديني. ومارون عبّود يقول: « إنّ ذلك متوقّع من رجال الدين، لكنّ الأمر عند الموحدين الدروز يتعدّى ذلك إلى عموم الجمهور» (مارون عبود، في مقدمته لكتاب أمين طليع «أصل الموحدين الدروز).

نقيضُ الصدق الكذب، بكل مندرجاته وألوانه. ولا تبرير للكذب، كما يُزعمُ أحياناً، إلا بما تدفعُ إليه أنانيّتنا، وغرائزنا، أي الجزء الحيواني فينا. وإذا كان الصدقُ هو صدقُ اللسان والسريرة والفعل ؛ فنقيضه الكذب وهو النفاق والتزوير والمخاتلة والرّياء والخداع. لكنّ مدلول ذلك أخطر شأوًا. فإذا كان الصدق هو تجلّي الإيمان عياناً، فالكذب هو الكفر، أي الشك، عياناً. وقبل أن يكون الكذب خداعاً للآخر، هو تجديفٌ على الحقيقة، بل محاولة مضحكة للتجديف على الحق المطلق أو الله تعالى، العارف العالم بما ظهر وما خفي، من أفعالنا ونوايانا «وكان الله بكل شيء محيطا» (سورة النساء، 4: 126)

هوذا حال مقام الصدق، المفضي إلى التّصديق؛ الأظهرُ لحقيقتنا كأفراد، والأظهرُ لحقيقة إيماننا، والأقربُ تعبيرًا عمّا فينا من خير بالمعنى الأشمل؛ أي الالتزام بالحق والحقيقة؛ والنأي كليًّا عن الشرّ، بما هو جهل بالفضائل، وشكٌ بحقيقة النظام الكوني، والبشري، المؤسس على مركزية فكرة الله الخالق لكل شيء، العارف بكل شيء، القادر على كل شيء، عن عدل لا عن ظلم؛ كمالُ الصفات، بل كمالُ الكمالات: ما نعرفُ منها، وهو القليل، وما نسعى إلى المزيد من معرفته والاستضاءة بنوره.

اختصارًا، الصدق يكون على أنحاء ثلاثة: صدقٌ مع الناس، صدقٌ مع الذات، وصدقٌ مع الله تعالى، وهو معنى التصديق.

وما من نحوٍ يُغني عن نحوٍ آخر، أو يقوم مقام نحوٍ آخر. بل الصحيح أن كل صدقٍ (إذا صحّ) إنّما هونَحوٌ يقود إلى النحو الثاني فالثالث. فإذا صحّ الصدقُ مع الذات، صحّ بسهولة الصدق مع الناس؛ وليكتمل ويتوّج بالصدق مع الله. وفي السويّة نفسها، إذا صحّ الصدقُ مع الناس، غدا سهلاً الصدقُ مع الذات، واكتمل بالصدق مع الله. وإذا صحّ أعظمها، الصدق مع الله، بات الصدق مع الذات والصدق مع الناس من باب تحصيل الحاصل، ولا يحتاج إلى جهد كبير.

الأنحاء الثلاثة من الصدق نحوٌ واحد في الحقيقة: فإذا صدق المرء في واحد منها، صدق تلقائياً في النّحوَين الباقيين.
أخيراً، الصدق مطلوب ليس فقط حين يلائمنا؛ وإنما في كل الأوقات.
يبقى أن أفضل تعيين لمقام الصدق (وأهله)، ومن وجهة مسلكية أخلاقية عملية، القول: «الإيمان هو أن تؤثر الصدق حين يضرّك على الكذب حين ينفعك»
هكذا يكتمل، إلى حد ما، التعريف بالرّكن الثاني في ثقافة التوحيد، مقامُ «الصدق»، (دون الدخول في المعاني القصوى لمفهوم الصدق) وهي خارج حدود هذه الفقرة.

مقاما المحبة والصدق في مسلك التوحيد

رغم ما يجمع الحبّ إلى المحبة؛ فهما متمايزان، دون أن يكونا متناقضين.
المحبة أوسع من الحبّ. الحبّ جزئي، المحبة مطلقة.

الحبّ هو الودّ أو الإيجاب، أو الشوق المحدد، في المكان والزمان، المتّجه إلى غرض مقصودٍ بعينه دون سواه غالباً؛ وأحياناً على حساب سواه. هو أمرٌ جيّد محمود، لكنه يبقى محدداً، محدوداً، لا يتعدّاه، بل لا يخلو غالباً من تعلّق شخصي، نفعي، ظاهر، ولا يخلو من «الأنا» تحديداً.

أما المحبة (في معناها القريب) فهي الودّ، أو الإيجاب، أو الشوق بالمطلق غير المحدود بغرض مباشر، أو منفعة شخصية، أو غاية جزئية.

المحبة هي التخلّي عن «الأنا»، نحو المُطلق؛ والتوجّه بكلِّيتنا نحو ما هو أسمى من «الأنا»، والشوق، والتعلّق، بما هو أسمى من الظاهر والمتغيّر والجزئي والمحدود.

ولعل أظهر أشكال المحبة، محبة الإنسان لباريه، خالقه. وليست المحبة هنا عبادة في عدم، بل هي أبسط واجبات العبد تجاه خالقه، خالق كل شيء، مُوجِد كل موجود، فيضٌ من وجوده وخيره وكرمه…. ومحبته.

فمحبة الخالق سابقة لمحبة المخلوق. فمن محبة الخالق كان المخلوق، وكان معها وبها كل ما يجعل حياة هذا المخلوق، بل وجوده، أمراً ممكناً، مثمراً، جميلاً، ويبعث في نفسه الرضا وراحة البال والسلام والسعادة (وهي الغاية العملية لكل إنسان)، ولكن شرط أن يتوفّر لديه (أولاً) الإيمان الحق والمعرفة الحق – لا الإيمان اللفظي، أو المعرفة الجزئية القاصرة – وأن يتخلّق (ثانياً) بسلوك عملي نابع من المعرفة الحق والإيمان الحق، يعكس التزامه الداخلي، الطوعي، بهما، في كل شأن، صغير أو كبير. ويندرُ في آيات القران الكريم أن يرد مصطلح «الذين آمنوا»، إلا ومعها مباشرة «والذين عملوا الصالحات». فلا خير في علمٍ لا يلحق به عملٌ بالموصَفات والإلزامات نفسها. وهو عموماً مدارُ علم الأخلاق.

أمّا إذا توسّعنا أكثر في مفهوم المحبة – وهو خارج وظيفة هذه الفقرة المحدودة – فسنجد أن المحبة صفةٌ من صفات الله تعالى (وإن لم تُذكر حرفيا). ففيضُ الله في خلقه، وعلى خلقه، هو في باب المحبة، ولا تفسير آخر له غير ذلك. وقد ألمح القرآن الكريم إلماحاً يقترب من حد الإيضاح التام، إذ ورد في الآية الكريمة: «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً» (مريم).
وكما في القرآن الكريم، كذلك في الأناجيل التي سردت عِظات يسوع الرسول، وكلها دالةٌ إلى حب الخالق لمخلوقه، ومنها قوله: «من يحبُ أخاه يثبتُ في النور؛ أما من يبغضُ أخاه فهو في الظلمة».

حبّ الخالق لمخلوقه بستدعي، في أبسط الواجبات، حب المخلوق لخالقه. وطالما أن الخالق مستغنِ بطبيعته عن أي أمرٍ أو شأن، وجبَ أن يتحول حب المخلوق نحو خلق الله في كل الأحوال، لا بشراً فقط بل في كل ما يحمل آثار فيض الله، في طاعة ما أمر به، وتجنّب ما نهى عنه.

هذه مجرد مُقدَّمة تُدخلنا إلى ما أسهم به، بتمكنٍ وعمق، المرحوم الدكتور سامي مكارم. وسنخصص الفقرة التالية لنصٍ مطوَّلٍ من كتابه «مسلك التوحيد».

وفق الدكتور مكارم «على الموحّد إذ يسبح في بحر التوحيد أن يملأ قلبه بالحب….ولا يتحقق ذلك إلاّ إذا تجاوز الموحّد علمه إلى معرفة يقينية، وذلك لا يكون إلّا يحبّه للواحد الأحد حُبّاً كما يحبّه الواحد الأحد، أي حُبّاً مُتبرِّئاً من «الأنا»، متوجّهاً إليه سبحانهُ الذي لا موجود غيره. هذا الحبّ لا يصلُ المرء إليه بتكلّفِ الحبّ أو بتكلّفِ وسائلِ الحبّ تكلّفاً. لا يصلُ الإنسانُ إلى هذا الحبّ إلآ بالصدق، وبحفظِ حقوقِ أخيه الإنسان وهدايته إلى الخير وإرشاده إلى العدل وإعانته على قيامه بما هو حقٌّ وصلاحٌ وقضاء حاجاته المادية والروحية والعقلية بقدر الإمكان، ونهيهِ عن الشرّ والظّلم ومنعهِ من العدوان ومخاطبتهِ بالتي هي أحسن وقبولِ نُصحه وإرشادِه. كذلك، لا يصلُ المرء إلى التوحيدِ الحق إلا بالتخلّي عن عبادةِ العدم، وعن السيرِ على طريق البهتان والظلمة والغَيبة عن وجود الحق. فإذا تمّ له ذلك حقق التبرُّؤ من الإبليسية التي تعوقه عن التوجه إلى الحق. والإبليسية إنما تكمنُ في الأنانية التي تجرّهُ إلى طغيان الرغائب الدنيئة عليه. فإذا حقق الإنسان هذه الخصال دخل حالة من السلام الداخلي وانعتق من استبعاد الأهواء والشهوات والرغبات له التي تعوقه عن تحقيق كماله الأخصّ به، وارتقى في سلّم المعرفة وحقق الحرية؛ فإذا هو إنسان سيّدٌ على نفسه، مستغرقٌ بصفات الناسوتية الحق، أهلٌ لإدراك غايته ووعي حقيقةِ وجوده؛ فيعرف الله بوحدانيته الأحدية ويدرك أن لا موجود إلّا الله، فيحقق التوحيد الحق. وتنقله هذه الحالةُ المعرفية التوحيدية إلى حالة من الرضا، إذ يكون قد أيقن أن الله في وحدانيته هو الخيرُ المَحض، وأن ما يصدرُ عنه تعالى إنَّما هو مظهرٌ من مظاهر وجوده، وأنه حقٌ وخيرٌ وجمال؛ فيسلمُ ذاته إليه، إذ يدركُ أنه في ملكوتِ الله العالّ لكلّ علّة، الموجودُ الواحدُ الأحد الذي لا غيرَ له ولا حدّ.» (مسلك التوحيد، ص 121)

هذا في مقام «المحبة»، على أن نكمل البحث لاحقاً بمقام «الصدق»: وجهان لحقيقة واحدة.

المرضُ ونعمة الصحّة والعافية

بسم الله والحمد لله مولى النّعم وباعث الخيرات وقاسم الأرزاق، نعبده ونستعين به في السّرّاء والضّرّاء وقضاء الحاجات، والحمد والشكر لصفيّه في كلّ الأوقات حمداً لا نفاذ له وشكراً على كلّ الحالات.

يقال «إنّ الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء لا يراه الّا المرضى»، وهي نعمة مغبون فيها الكثير من الناس والمقصود بالغبن «الخسارة»، فمن استعمل هذه النعمة في معصية الله فهو المغبون الخاسر.

للصحة جانبان: صحة البدن وصحة النفس
ومن حكمة الله تعالى أن ركّب في المرء من مقومات الصحة ما يجعله سليم النفس قوي البدن وشرّع له من الأحكام ما يحفظ له ذلك ويحول بينه وبين الأسقام والعلل ونهى عن الإضرار بالنفس وما يؤدي إلى تلفها بأي وجه كان ولعلّ أهم أمراض النفوس الابتعاد أو الانسلاخ عن الأمور الدينية حيث تنمو وتعشعش فيها الذنوب المؤدية إلى هلاكها.

في موضوعنا هذا نلقي الضوء على:

أولاً: صحة البدن
ثانياً: صحة النفس

أولاً: صحة البدن

ورد في بعض النّصوص الدينية «ألا وإنّ من البلاء الفاقة وأشدّ من الفاقة مرض البدن وأشد من مرض البدن مرض القلب، ألا وإنَّ من النعم سِعة المال وأفضل من سعة المال صحة البدن وسلامة الدين وصحة البدن خير من المال».

من هنا نستنتج أن لبدننا علينا حقاً في المحافظة عليه وصيانته وإلّا فمسؤولية التقصير والإهمال ترتد علينا، وخاصة عندما نعي أن بدننا «جسمنا» يحمل في داخله أمانة وهبها الله تعالى لنا وهي «الروح»، فيصبح لزاماً علينا رعايته وفق ما شرعه الله عز وجل. فمسؤولية كل عاقل أن يمتلك ثقافة صحية تمكّنه من التعرف إلى ما يؤدي إلى الإضرار بصحته، فيصونها ممّا يسيء إليها، بالوقاية أولاً بأن يقيها كل ما يتسبّب لها بالضرر فيعتدل في طعامه وشرابه، فيتجنّب أكل المواد المشبوهة والعناصر غير المرغوب فيها، ويعمل على ترويض جسمه على الاكتفاء بالقليل، وتقبّل الموجود والمتوفّر، فبالاكتفاء بالضروري من المأكل والمشرب فائدة للفرد ولأسرته ومجتمعه وللبنية التي يعيش فيها.

فالشبع يورث البلادة، ويعوّق الذهن عن التفكير الصحيح، ويدعو إلى الكسل والنوم، لذا من الضروري الاعتياد على المقدار المناسب من الطعام، وهو ما يقيم الحياة ويحفظ الصحة ويبعد عن الأضرار والأمراض.

كما عليه أن يعتني بنظافته الشخصية والبيئية وأن يبتعد عن كل ما يهدد صحته، بل ولا يهملها ويتفقدها من حين الى آخر، ويعوّدها النشاط وممارسة الرياضة أو أي عمل بدني يساعد في تطهير بدنه من السّموم.

فالله سبحانه جعل هذه الأجساد التي تحملنا أمانة في أعناقنا لتعيننا على القيام بمسؤولياتنا وواجباتنا تجاه أنفسنا وتجاه الله وتجاه الآخرين، وأي تقصير في هذه المسؤوليات سوف نُسأل عنه ونتحمل تبعاته.

فالأمراض والأسقام والبلايا وإن صعبت مرارتها، إلّا أنّ الله تعالى جعل فيها حكما وفوائد كثيرة إذ إنّ أحدهم أحصى فوائدها فزادت على مائة فائدة، حيث قال: انتفاع القلب والروح بالآلام والأمراض أمر لا يحس به إلّا من فيه حياة. فالوقاية خير من العلاج والعافية مع الشكر خير من المرض مع الصبر.

ثانياً: صحة النفس

من وجهة نظر علماء النفس، فأمراض النفوس تحصل نتيجة الصراع بين الضوابط والقواعد والقيم الدينية والاجتماعية والاخلاقية التي تحكم بيئة ما ومجموعة أفراد معينة، وبين حاجات النفس الأمارة بالسوء أي رغباتها ومخاوف الإنسان التي تتعارض مع هذه الضوابط ممّا يؤدي إلى إضعاف إرادته فيقع فريسة الاضطراب النفسي.
إلّا أن من مبادئ العلاج النفسي أن يترافق مع مساعدة الفرد للتوافق مع بيئته ضمن الإطار الديني والإيماني الذي يحكمه، وهذا إن دلّ على شيء فعلى أهمية الدين في علاج أمراض النفوس بل هو في صلبه، فالصلاة والمناجاة والدعاء بما في ذلك من سمو ورقي، تقتلع من النفس الأفكار السلبية وتغرس فيها الطمأنينة والأمان وتُذهب السيئات وتبدلُها حسنات، فبذلك يكون للدين قدرة شفائية عظيمة، وعلاج فاعل لأعراض الخوف والاضطراب والقلق، حيث يملأ الفراغ الذي منه تتأتّى الاضطرابات، فيسيطر التفكير الإيجابي والقناعات المحمودة، وهنا نتوقف عند قوله تعالى:
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِّ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِين (هود 114)

وثمة قواعد دينية تحفظ صحة الإنسان النفسية ليبقى سليم الفطرة، موفور العطاء، متوازن الشخصية، ومن ذلك تلك القاعدة المثلى وهي تبديل السيّئات إلى حسنات، فتتبدل ظلمتها نوراً في القلب، ولا يبقى لها أثر أو خبر ويقول الله تعالى: «إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا» (الفرقان 70).

ولا بد من الإشارة إلى مدى تأثير الحالة النفسيّة للفرد على جهاز مناعته بشكل كبير، فإنّ الشعور بالحزن والاكتئاب ومشاعر الياس والإحباط تسبب إضعافه وقلة مقاومته للأمراض، وهذا ما شاهدناه في الآونة الأخيرة، فإنّ حالة الهلع والخوف من الإصابة بفيروس كورونا Covidf19 قد تضعف جهاز المناعة لدى الأفراد وبالتالي قد تزيد من احتمال الإصابة بوقت أسرع. إذ إنّ جهاز المناعة خط الدفاع الأوّل والرئيسي عن جسم الإنسان، يقي الجسم من الإصابة بالأمراض المعدية والخطيرة. إلّا أنّ مشاعر القلق والخوف والإرهاق الشديد قد تؤدي إلى إضعاف جهاز المناعة، وبالتالي تزيد من خطر الإصابة بالأمراض، بعكس الحالة النّفسيّة المستقرة التي تساعد في نشاط خلايا الجسم الدفاعية وزيادة كفاءتها.
ومن ذلك أيضا الأمل وعدم اليأس وحسن الظنّ بالله تعالى، وهذه مشاعر يفيضها الإيمان على القلب فيسري فيه النور، اذ لا يأس من رحمة الله تعالى ولا قنوط من مغفرته وعفوه. وقيل في الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدي بي، فليظنّ بي عبدي ما يشاء. فمن ظن بالله ظنّاً حسنا ناله الخير بحسب ما ظن، فعلينا التنبّه للظنون وما تكتنفه السّرائر فالله تعالى لا ينظر إلى وجوهنا بل إلى قلوبنا.

وحسن الظن جليل القدر إذ تهبُّ نسماته على القلب فتحميه من الأمراض، ثمّ تسكب عليه بَرْدَ الرضا والقناعة، الرضا بما منح الله تعالى وأعطى والقناعة بما لديه، وعدم مقارنته بما لدى الآخرين من مال وعلم وجاه وغير ذلك، حتى لا يدخل في القلب الحسد ويتولّد منه عدم الرضا، وهذا مدخل إلى القلق والاضطراب النفسي، فيكون على المرء بذلك ألا يشغل نفسه بما لا يعنيه، ويرضى بقضاء الله عز وجل ويعمل على إصلاح نفسه وتقويمها، ويحرص على جعل ساعته في طاعة الله تعالى فيبقى سليماً معافى من الاضطرابات والوساوس، ومع ذلك فالعلاج ضرورة يجب أن يطلبها المريض، بما لا يتنافى مع الشّرع وهناك خطوات قد تساعد الصَّابر(مَن يعاني اضطراباً نفسياً أو حالة نفسية) أن يلتزم بها ليحقق تكيّفاً سليماً، ثمّ صحة نفسية، ومنها:
– تقبّل الواقع، فبالقبول اعتراف بالمشكلة وهذا مدخل إلى إيجاد حلّ لها
– البحث عن الأسباب التي أدّت إلى ظهور الحالة التي يعاني منها، بدلاً من معالجة الأعراض (بالأدوية مثلاً).
– ممارسة الرياضة، وتحسين نوعية الحياة (كالأكل والنوم والعلاقات الاجتماعية… (
– البحث عن الموارد التي تسمح له بالتصدّي لصعوبات الحياة، (كالمطالعة، الصّلاة، العمل التّطوّعي..)

وعلى المريض أن يوقن بأنّ الشّفاء كلّه بإذنه تعالى، وأنّ الأطباء والمعالجين والأدوية، ولو اجتمعوا كلّهم ما استطاعوا أن يحدثوا ذرة شفاء وعافية إلّا أن يشاء الله.
اللهمّ أسبغ علينا لباس الصّحّة والعافية، واجعلها عوناً على طاعتك ومرضاتك.

.

حول مكانة الأخلاق عموماً

لا حاجة، بالتأكيد، لتكرار ما نبّه اليه علماء التربية من جهة، وعلماء تاريخ الحضارات والشعوب من جهة ثانية، حول الدور الحاسم الذي تلعبه، ولعبته، الأخلاق، والتربية على الأخلاق الرفيعة، في بناء الشخصية الإنسانية، كما في بناء المجتمعات والحضارات المزدهرة وحياة الشعوب السعيدة. والعكس صحيح، أي الدور الحاسم الذي تلعبه، ولعبته، الأخلاق الهابطة في تدمير الشخصية الإنسانية، كما، على نطاق أكثر شمولاً، في تدمير الحضارات التي تراجعت ثم زالت. وعليه، لم يخطئ الشاعر أبداً في إصداره حكم التاريخ، بل حكم الزمن، حين قال:

وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ
فإن هُمُ ذهبت أخلاقُهم ذهبوا

وهذا هو أيضاً حكم هيجل، فيلسوف التاريخ مطلع القرن التاسع عشر، في أنّ الأمم إذا فقدت ثقتها بروحها، وعقلها، فقدت الركن الأساس الذي نهضت على قاعدته. وهو أيضاً حكم علماء الحضارات في النصف الأول من القرن العشرين من أنّ انهيار أي حضارة إنما يبدأ بفقدانها المبرر الأخلاقي لوجودها.
وقبلهما بأكثر عشرين قرناً، بدأ أفلاطون كتابه الأكثر شهرة ونفوذاً، كتاب «الجمهورية»، بسؤال عن فضيلة العدالة: «لماذا عليَّ أن أكون عادلاً؟»، أي بسؤال أخلاقي، بل بالسؤال التأسيسي المركزي في كل منظومة أخلاقية، وفي تعريف علم الأخلاق أصلاً: ما هو الخير؟ لماذا عليّ أن أكون خيّراً؟ ومنهما اشتُقَ السؤال الأخلاقي العملي: كيف أفعل الخير؛ أو وفق كانط، فيلسوف الأخلاق دون منازع أواخر القرن الثامن عشر: إلزامية فعل الخير. معرفة الخير، لإفلاطون، هي أصل كل معرفة، وأصل كل الفضائل؛ وفعل الخير، لكانط، هو إلزام obligation.

هيجل

وفي ثقافتنا وحضارتنا الإسلامية العربية، كان القرآن الكريم الخزانة، بل الخزنة، الذي أعطى، وما انفك يعطي، الأخلاق الأولوية المطلقة، مقارنة بالثقافات الجاهلة التي كانت تسود الجزيرة العربية، والقسم الأعظم من الكوكب قبل ورود البعثة النبوية والدعوة إلى الإسلام الحنيف. فقد قال الله تعالى في مدح نبيّه (ص): « وإنّكَ لعلى خُلُقٍ عظيم». ولعله أعظم ما قيل في تبرير الأخلاق، واعتبارها أُسّاً مركزياً من أسس الدين الحنيف. بل لا يتردد كثرة من علماء التفسير (إبن كثير، وآخرون محدثون) في تفسير الآية تلك كما لو كان الله تعالى يقول: «إنك على دين عظيم» (ابن كثير).

لا شك في أن ذلك التفسير تضمّن أقوى رافعة ممكنة لعلم الأخلاق، إذا جعلها متلازمة مع الدين نفسه. والحقيقة إننا لا نبالغ حين نقول إن الأخلاق متلازمة مع الدين بل ستصبح جزءاً منه. يقول محمّد عبد الله الدرّاز (في كتابه: «بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان»، ص 33): «إذا نظرنا إلى الدين من حيث هو معرفة الحق الأعلى، وتوقيره، وإلى الخلق من حيث هو قوة النزع إلى فعل الخير وضبط النفس عن الهوى، كان أمامنا حقيقتان مستقلتان (متلازمتان)…، تختص أولاها بالفضيلة النظرية، والأخرى بالفضيلة العملية». إلا أنَّ ما يميّز الحقيقتين، إحداهما من الأخرى، هو أن الثانية مشتقة من الأولى، أو لاحقة بها، لأن العملي يتبع النظري، ولو على سبيل الأسبقية المنطقية لا الزمنية أو التاريخية. فالعمل بالحق أو الصحيح يتبع تعريف الحق أو الصحيح، وهو جوهر ما جاء به الدين من وحي ومن معرفة للحق. العملي يتبع النظري؛ وبهذا المعنى الدين هو الذي يزود الأخلاق بالمبادئ والقيم العليا.

بدأنا بذروة ما يمكن أن تكون عليه الأخلاق، أي جعلها مساوقة، موازية، متلازمة مع الدين الحنيف نفسه.
هنا بدت الأخلاق استجابة إلزامية، لا بد منها، لحاجة اجتماعية ملحّة. ورغم ما يقال عن أصل عقلي للأخلاق، أو أصل اجتماعي، أو اقتصادي، وخلافه، لا يستطيع المرء إلا ملاحظة أن الأخلاق لم تكن لتقع ذلك الموقع الإلزامي الحاسم في حياة الأفراد لو لم تكن مستندة ومؤيدة صراحة بمصدر علوي، إلهي، قدسي، قطع الطريق على كل راغب بتجربة الخطأ أو الحرام أو الشرّ عموماً. وعليه، يمكن أن نفهم بسهولة قوة الصلة بين الأخلاق والدين وصدقيتها.

تقع الأخلاق في ثلاثة أقسام، بل مستويات متدرجة، صُعُداً:
الأخلاق الفردية، والأخلاق الاجتماعية، والأخلاق المتسامية.
الأولى، وتتألف من القيم والفضائل التي تخص الفرد، أي التي تتصل بالخير الشخصي: من مثل المبادئ التي يؤمن بها ويعمل بموجبها، الشجاعة، والكرم، والتروّي، نزوعه إلى الخير وكره الشر، وتعلقه بما يتصل ويعزز العقل والضمير وينأى به عن الهوى والغريزة، وسلسلة طويلة من الخصال الشخصية من مثل الصدق، والأمانة، وعمل الخير، والإحسان، التواضع مع عزة النفس، والقناعة مع السعي لكسب الرزق بالطرق المشروعة، وسواها من القيم الفردية، أي المبادئ التي يؤمن بها الفرد، وتحكم سلوكه، ويسعى لتحقيقها.
ويدخل هنا على وجه الخصوص الدور الحاسم الذي تلعبه الأسرة في تنشئة أفرادها، وتزويدهم بالقيم والأهداف الحميدة. هو دور الأب والأم معاً، ولكن مع حيّز خاص للأم على وجه الخصوص، إذ هي التي تقضي الوقت الأكبر مع طفلها وتخلّقه عموماً بأخلاقها. وقد قيل الكثير في دور الأم هذه، وبحق؛ ومنها:
الأمُّ مدرسةٌ أذا أعددتها
أعددت شعباً طيّب الأعراقِ
وقيل أيضاً:
تربية الطفل في الأسرة تبدأ قبل خمس وعشرين سنة من ولادته، أي في التربية التي حصّلتها الأم في أسرتها الأولى وقبل أن يكون لها أسرتها الخاصة.
ويجب أن يتذكّر المرء هنا المكانة الخاصة التي أفرزها الأمير السيّد التنوخي (ق) حين شدد على أهمية تنشئة المرأة الصالحة، ومن ثمة الأم الصالحة، كي تنشأ من بعدها الأسرة الصالحة، والفرد الصالح، والمجتمع الصالح في النهاية.

وهناك أقوال مشابهة كثيرة أخرى، مصيبة دائماً، إذ يتفق علماء التربية دون استثناء على أن جزءاً كبيراً من قيم الفرد – أي المبادئ التي توجّه أخلاقه – إنما تُكتسبُ في سني حياته الأولى. دون أن ننسى هنا أهمية المدرسة في المرحلة التالية، ودورها التربوي الحاسم، وهي المؤسسة التي يقضي فيها الناشىء معظم سنواته قبل بلوغه سن الرشد.

في وسع الباحث أن يتوسّع في أنواع الأخلاق الفردية ما رغب في ذلك، إذ هي في النهاية مجموع الإرشادات والنواهي المحفّزة لصنع ما هو خير، والنأي عمّا هو شر. وهو عين ما جاءت به الأديان أيضاً. وعليه فهما لا يتناقضان في شيء، بل متوافقان على أهمية أن ينشأ الناشئة في أسرة فاضلة، ثم ما يتدرب عليه الفتى في المدرسة الصالحة، والنادي الصالح، كيما يكون فرداً صالحاً يصنع مع أفراد صالحين آخرين: المجتمع الصالح – وتعريفه: المجتمع الفاضل والسعيد. وهو موضوع المستوى الثاني من الأخلاق.
الثانية، هي الأخلاق الاجتماعية، أو ما يمكن تسميته: أخلاق المعاملات.
تشتمل الأخلاق الاجتماعية هذه على كل ما اتصل بسلوك الفرد والدور الاجتماعي الذي يلعبه، أي علاقة الفرد بالمجتمع، وبمؤسساته المختلفة: الأسرة، الحي، البلدة، المدينة، مكان العمل، وأشكال العلاقة الاجتماعية الكثيرة، والتي لا مفر للفرد عموماً من الانخراط فيها طوال حياته – من الولادة والنشأة في كنف أسرة، في طقوس اجتماعية محددة، إلى حين مغادرته هذه الدنيا في النهاية، وفي مكان اجتماعي محدد ووسط طقوس اجتماعية محددة أيضاً. بين أهم المبادئ التي تنشأ منها القيم الاجتماعية التي يلتزم بها الفرد الصالح:

إبن طفيل

– التعاون مع الأفراد الآخرين في الجماعة الصغيرة (الأسرة، أو المدرسة، مثلاً) ثم في الجماعة الأكبر، المجتمع، لتحقيق الأغراض الخيّرة من قيام الجماعة والمجتمع، وحسن إدائهما لوظائفهما. فمن دون هذا التعاون القائم على الخير لا تقوم أسرة بما يفترض أن تقوم به من وظائف أولية تربوية وأخلاقية حساسة؛ ولا تقوم مدرسة بما يتوقع منها من تربية وتعليم وتثقيف بالمعنى الصحيح؛ ولا ينهض مجتمع في النهاية إلا أذا تعاون أفراده تعاون أعضاء الجسم الواحد، بحيث يقوم كل فرد فيه بالوظيفة التي يصلح لها أو اختارها لنفسه والتي يجد نفسه فيها، متكاملاً مع الوظائف الأخرى التي يقوم بها الأفراد الآخرون في المجتمع: لا تنقص ولا تفضل وظيفة من أخرى، أو على أخرى، إلّا بمقدار ما يُحسن صاحبُها إداءها والإخلاص لها بمعزل عن الكسب المادي الذي يتأتّى عنها، بالمعنى المباشر، إذ إنّ الغاية من الوظائف الاجتماعية هي في الأصل تكامل المجتمع، لينهض، ويكون مجتمعاً فاضلاً، يجد كل فرد فيه نفسه، ينال حاجته من تقديماته، ولا يبخل بعطاء يستطيع تقديمه – أمّا تلبية الحاجة المادية المباشرة للفرد وللأسرة فلا تغيب عن البال لكنها يجب أن لا تتقدم على تكامل الوظائف الجوهرية للمجتمع.
– يلحق بهذه الوظيفة الأصلية سائر القيم الاجتماعية، وقد نصّت عليها تفصيلاً مواثيق حقوق الإنسان في الأندية المختلفة – وبخاصة شرعة حقوق الفرد والمواطن التي أصدرتها الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 11 كانون أول سنة 1949، والتي لا تتعارض في أي من بنودها مع ما جاءت الأديان من حقوق وموجبات – طبعاً خارج تفسير الجماعات المتطرفة والموجودة على هامش الأديان كافة والتي تفهم دينها على أنه إقصاء للآخر، بل وتكفير له. قائمة القيم هذه تتضمن طريقة النظر إلى الآخر، الرحمة والتراحم، قبول الآخر، الاحترام المتبادل، نظام الحقوق والواجبات التي يتضمن عموماً كل ما هو ضروري لتعزيز المجتمع واللحمة بين أفراده من غير إفراط أو تفريط.

أما المستوى الثالث من الأخلاق فقد أسميناها: الأخلاق المتسامية transcendental values، المستندة إلى قيم وأهداف أعلى مما هو فردي، ومما هو مجتمعي أيضاً.
قيمُ المجموعة الثالثة هذه، إنما تنشأ من حقيقة أن الإنسان ليس فرداً فقط، وكذلك ليس فرداً-في-جماعة فقط. هو أكثر من ذلك.

هو في الأصل والجوهر، كائن متسامٍ، أي فيه من الدوافع والتطلعات والمحركات والأهداف (أي القيم) أكثر بكثير مما يتضمنه الكائن البيولوجي (الأكل والشرب والتكاثر)، والكائن الاجتماعي (طلب الصحبة والتعاون والتجاور) – رغم عدم نفي وجود الكائنين فيه ولكن على نحو أوّلي (البيولوجي) ثم ثانوي زائل (الاجتماعي).

الإنسان هذا يملك فوق البيولوجي والاجتماعي مستوى ثالثاً أعلى، ويتفرّد به عن سائر المخلوقات، ألا وهو: مستوى البحث عن الحقيقة، مقاربتها ومحاولة بلوغها، ومن ثمة التماهي بها أو وفق هديها – إذا حالفه الحظ وتأتت له نعمة معرفة الحقيقة تلك.

ولا نأتي جديداً إذا كررنا مع الفيلسوف الأندلسي إبن طفيل (وآخرون) أن الطريق إلى الحقيقة العليا تلك يكون في واحد من اثنين: إما بالوحي (أي النعمة الإلهية) أو بالعقل (أي من خلال كمال التفكّر والتعقّل). كلاهما طريق صحيح، يوصل إلى الخاتمة نفسها، وعليه فواحدهما لا ينفي الآخر.

في الأخلاق المتسامية، يعود الباحث باستمرار إلى كانط (1724-1804) الذي جعل لموضوعة الأخلاق معظم كتبه الأخيرة، وبخاصة كتاباه «نقد العقل العملي» (أي الأخلاقي)، الذي صدر سنة 1788، وأعقبه سنة 1797 بكتابه «ميتافيزيقيا الأخلاق»، والذي وضع فيه أسس الأخلاق العملية، أخلاق الفضائل.

كانط

يمكن العودة إلى كانط، كفيلسوف أخلاقي نظري وعملي من الطبقة الأولى، ولكني أختصر هنا فكرته المركزية برؤيته إلى الأخلاق كمعرفة «قبْلية» apriori، أي تتجاوز، وسابقة، للمعرفة المنطقية الشكلية، من جهة، وللمعرفة التجريبية البحت من جهة ثانية. لا تستمد الأخلاق أولويتها، وقبليتها، من أي برهان منطقي، ولا من علم النفس، ولا من أية خبرة عملية تجريبة جزئية. هي بالعكس «قانون كلّي»، تقوم على فكرة «إلزامية الواجب»، الذي لا يستطيع أي عقل إلا التسليم به، كما لا تستطيع الطبيعة الإنسانية إلا الاستناد إليه، كما لا تستطيع الخبرة اليومية إلا الانصياع له.

هذا أعظم دفاع عن أولوية، وقبْلية، فكرة الأخلاق في العصر الحديث، وربما في كل عصر. وقد تركت أفكار كانط نفوذاً هائلاً في كل النظريات الدينية والفلسفية والأخلاقية التي جاءت بعده. ولعل أعظم برهان عليه ما نقوله هو الخلاصة التي انتهى إليها الباحث في أعمال كانط، الفيلسوف الألماني هرمن كوهين، حين انتهى إلى الخلاصة التالية: «حتى لو لم يوجد الناس، لبقيت الأخلاق مع ذلك موجودة» (من كتاب «الأخلاق عند كانط» للفيلسوف المصري الراحل عبد الرحمن بدوي، ص 36).

هذا القدر كاف، كما اعتقد، لتأسيس البحث في فكرة أولوية «الأخلاق»، بل أولويتها المطلقة، إلى الحد الذي ساوت فيه الآية الكريمة، التي مرّت معنا، بين الأخلاق والدين نفسه.
وللبحث صلة، وبخاصة في فضائل الأخلاق المتسامية.

الشّيخ العَلَم الوَرِع الديّان، أبو حسين محمود فرج،الجزء الثالث

مقدّمة:

ورث عقّال الموحدين الدروز منذ نشأة مذهب التوحيد الأخذ بسِيَر السابقين من النجباء الذين لم يخل منهم زمان، فشكلوا عبر الأجيال سلسلة لا تنتهي من العارفين بنقل أمانة التوحيد وخصاله ومسلكه الى إخوانهم ورفاقهم وأبنائهم من الناشئة، وهو ما يعرف بقاعدة «المفيد والمستفيد»، وترتكز على ثابتتين:

الأولى – إنّ العلم الحقيقي هو المنبثقُ من أمر الله وتأييده وواسطته، فهو للنفوس كالماء في الطبيعة، جُعِلَ منه كل شيء حي. وغاية العِلم المُثمر أن يهديَ النَّفسَ الى المعرفة الصادقة التي من شأنها أن تحيي الرُّوحَ، وتُسدِّد خطاها في مسالكها المعنوية والعملية.

والثانية- ارتباط العِلم بالعمل، فلا يُنتفَع بالعِلم حتى يصدقه العمل، كذلك، لا يُنتفع بالعمَل حتى يثبته الإخلاص وحسن النيَّة. وذلك استناداً الى قوله تعالى (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر 19)، وقوله تعالى أيضاً: (يعلم ما في قلوبهم (النساء 63)، وقول النبي (ص) (إنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأعمالكم).

يقول أحد العلماء العارفين: «إن المفيد في التوحيد هو الذي يُرشد ويحرّك وعيَ الطالب باتجاه نور العقل الكلي، أي علمُه المعبَّر عنه برسالات الأنبياء وصولاً الى الطور الأخير المعروف. بهذا، يصبح الإخوان حالة يشدّ بها الواحد منهم حال الآخر كما قال «على سررٍ متقابلين»، تجمعهم في ذلك «الصلة» بالحقّ، وكلٌّ يحترم شيخَه، وفي الوقت عينه الشيوخ الثقات.

المرحوم الشيخ احمد امين الدين

منهم قاصد بالتقوى والزهد، ومنهُم مجاهد بالورع والخوف، ومنهم مثابر بسعة الاطّلاع والدّرس، ومنهم متميّز بالشجاعة، ومنهُم متلهف بالشوق والوجد أكثر من غيره. ويوجب هذا على الموحّد أن يستقي المعاني من هذه الكوكبة المستنيرة بيقينها المرتكز على العمل، والتّحقّق، وصدق اللسان.
والدرس الذي يستفاد في موضوع المفيد من المفهوم التوحيدي، هو أن حلقة التوحيد لا بدّ أن تكون جامعة، تصل الكلّ بالكلّ في روضة الخير. صحيح أن علم الطالب ينمو بتوجيه شيخ من الشيوخ، ولكن على درب «الصلة» بالكلّ»(1).

فكيف إذا كان المفيد الشيخ أبو حسين محمود فرج صاحب الفضل والمعرفة والثبات في المسلك الذي جمع وجوهاً متعددة في قصد التقوى والزهد والمجاهدة بالورع والخوف، والمثابرة لسعة الاطلاع والدرس والتلهف بالشوق والوجد. فقد كانت لمريديه ورفاقه مناسبات تجددت فيها سعادات القلوب بنور التوحيد، وارتاضوا في رياض الخير الى حد أن تلك المرحلة باتت مثالاً للمعشر بين الاخوان. وقد اتفق المنصفون وسادة العصر وأعيان البلاد على الاعتراف له بالفضيلة فجعلوه لمحض تقواه إمامهم المطاع ومرجعهم الأعلى.

ومن المستفيدين الناجحين الذين تابعوا الشيخ أبا حسين ورافقاه الشيخان أبو سعيد حَمُّود حَسَن وأبو داوود كامل حسن وهما من بلدة البنيه المجاورة لبلدة عبيه، فكانا نغماً عطراً طيباً من نغمات أهل التوحيد والسلف الصالح، وتابعاه من الاجتماع الديني في خلوة الشيخ أحمد أمين الدين في عبيه،(الشخصية الثانية بعد السيد الأمير«ق» الذي أوقف كافة عقاراته لعموم الأجاويد) خلوة الصدق والإخلاص والعمل الصالح، الى معظم الاجتماعات واللقاءات الدينية، حتى زكت بهما النفس وطابت القلوب بحميد الذكر ونور الاستشعار، فكانا من الأعلام الشاهدة على الرسوخ في السبيل القويم واتباع النهج السليم الذي استقى من ينابيع السادة الأوَل، وارتقى في معراج الثبات في رياض الذكر الحكيم، محققاً للنفس شرفها الذي وجدت من أجله وهو العبادة والتوحيد.

الشيخ أبو داوود كامل حسن (1909 – 1982):
المرحوم الشيخ ابو داوود كامل حسن

هو الشيخ الدَّيان المخلص الواعظ والأخ المحب المتابع والجار الوديع للشيخ أبي سعيد حمود حسن، رفيقاً مجاهداً في الطاعة والعبادة. تابعا معاً اجتماعات الشيخ أبو حسين محمود فرج ورافقاه في معظم تجواله. كُلّف كلّ منهما لفترة مسؤولية سياسة مجلس البلدة وحقوق أوقافه مع لجنة من مشايخ البلدة الكرام.
حرص الشيخ أبو داوود، كما هو مسلك الأتقياء، على الرزق الحلال فعمل في الزراعة ومواسم الزيتون والقز وغيرها.

إلاّ أن القدر فرّق بينه وبين الشيخ أبو سعيد اثناء أحداث الشحار 1983 حيث شاءت الأقدار ان يبقى الشيخ أبو داوود في البلدة ولم يتمكن من مغادرتها، فقتل برصاص الغدر أمام منزله الذي تمّ حرقه، وبعد تحرير الشحار وُجدت محفظته سالمة بين رماد جسده الطاهر. فقد كان يحتفظ في جيب عباءته بأمانة أموال لمجلس البلدة ولعدد من أبنائها مُبيّنة بأسمائهم وبقيت سالمة وأعيدت الأمانة لأصحابها مما يعتبر حقاً كرامةً له.

الشيخ أبو سعيد حَمُّود حَسَن (1903 – 2004) (2):

هو ابنٌ لعائلة عريقة في التديّن والورع والتقوى، وعندما سُأل أحد معمّري البلدة عنه في تسعينات القرن الماضي اجاب أننا نعرف الشيخ أبا سعيد متكملاً، مرتدياً العباءة البيضاء منذ شبابه، وكان منزله عامراً بالسهرات الدينية للمشايخ الأعيان وكذلك بالزيارات والوفود. فقد كانت اليقظة الروحية والنهضة الدينية ملازمة له في سن مبكرة.

واجهته صعوبة الحرب العالمية الأولى وهو في الحادية عشرة من عمره، لكنه تخطّى الظروف الصعبة تلك بفضل ما منحه الله من ثبات الإيمان وقوة البُنية. وكان الشيخ يروي بعضاً من تفاصيلها وبخاصة المجاعة التي طالت لبنان في ذلك الحين، وكان يردد: « لم يسلم من المجاعة إلا من كان يملك رأس ماشية يدر لبناً».
وعلى خطى السلف الصالح وعن قول جبرائيل لداوود عليهما السلام: «وما من عبد أحب الى الله من عبد يأكل من كد يمينه». حرص الشيخ حمود على الرزق الحلال، وعلى جني رزقه من تعبه طوال حياته، فأستقر عمله (بعد سنوات عجاف) في الزراعة ومعاشرة الأرض، وجني مواسم الزيتون والصنوبر والفواكه ومواسم القز التي ازدهرت في منتصف القرن الماضي، وصناعة الصابون البلدي التي استمر بها حتى آخر أيام حياته.

مرحلة المرافقة مع الشيخ ابي حسين محمود فرج:

من المرجح أنه في أواخر عشرينات القرن الماضي تابع الشيخ أبو سعيد برفقة الشيخ أبو داوود كامل حسن اجتماعات الشيخ العلَم، حيث كان يردد في غالب الأحيان أن مرافقتهما استمرت أكثر من عشرين عاماً (وفاة الشيخ أبو حسين 1952). تأدبا بآدابه وتعلَّما الكثير من مآثر الخير على يده، بل يصحّ القول انهما تتلمذا على يديه، واقتديا بكثير من مسالكه الشريفة، وأخذا عنه الخصال الحميدة كالدقّة والحلم وسعة البصيرة وغيرها.

وقد منحهما الشيخ العلم لفتة خاصة من المودة والعطف، حتى أمكن القول إنه كان يصعب على شيخ البلاد الرجيح من عبيه، إذا قصد زيارة المشايخ والإخوان في لبنان او سوريا او بعض الأماكن المقدّسة في أي مكان، ألّا يكون الشيخان أبو سعيد وأبو داوود رفيقيه مع المشايخ الأفاضل.

وفي معظم لقاءات الشيخ أبو سعيد بعد ان تجاوز الثمانين من عمره المديد، كانت مذاكرته عندما يُزار، ويزور، عن المشايخ الكبار الذين سلفوا، وفي مقدّمهم الشيخ أبو حسين وتعلّقه به فكانت ذكراه حية على لسانه وفي قلبه وكان يُعيد ما وقع منه أو من أخيه الشيخ أبي داوود من أخطاء في بداية المتابعة بمنتهى البساطة والبشاشة وكيف كان الشيخ بحلمه الواسع يصحح لهما ويرشدهما ويدلهما على الأصوب والأفضل.

كما كان يروي عن مناقب الشيخ أبي حسين كما عرفها عنه، رواية شاهد من أهله، حيث كانت الزيارات بمعظمها تتم مشياً على الأقدام، وكثيراً ما يُعيد الشيخ أبو سعيد لطائف المودّة والعطف بدعوة الشيخ أبي حسين لهما لزيارة مقام النبي شعيب (ع) في فلسطين في أربعينات القرن الماضي والتي ألحّ بها شوقاً لرؤية الإخوان، أو مواقف الشيخ الذي قرر ترك بلدته عبيه لمدّة ثلاثة أشهر ليمنع وقوع خلاف بين بعض أقربائه وجيران له، أو حرص الشيخ العلم على العمل بالنية مع نفسه دون الحاجة الى قرطاس أو قلم أو الى الكلام مع الغير أحياناً، وهذا هو جمال التعامل مع الله، والمراقبة الدائمة للنفس. أو غير ذلك من سيرته العطرة.

واختصاراً نختار هذه الواقعة من مرحلة المرافقة التي تعبِّر عن صفاء العلاقة ومتانتها بين الشيخ أبي حسين ورفيقيه:
ففي موعدٍ سهرة دينية في بلدة عرمون الغرب، جرى حديث بين الشيخ ابي حسين والشيخين أبي سعيد وأبي داوود لحضور السهرة، وبعد ظهر ذلك اليوم تبدّلت الطبيعة وتحول الطقس ماطراً وعاصفاً. وقناعةً منهما ان الشيخ العلم لن يبقى في عبيه قررا الانتقال الى عرمون للقائه، وهذا ما حصل فعلاً، ولم تمنعهما الطبيعة من تنفيذ الوعد رغم الانتقال سيراً على الأقدام، في حين تعذّر على جمع غفير الوصول في تلك الليلة فعاتبهم الشيخ بطريقته اللطيفة في اليوم التالي. ويروي الشيخ أبو سعيد ان الشيخ أبا حسين لم يجد في تبدّل الطبيعة عذراً وأجاب على سؤال: «لو كان المرء في حقله وهطلت الأمطار فهل يبقى في الحقل أم يعود الى البيت»؟.

الشيخ أبو سعيد حمود حسن: مسيرة مستقلة
المرحوم الشيخ ابو سعيد حمود حسن

لقد كانت مسيرة الشيخ أبو سعيد مسيرة مستقلة مشرقة، واضحة لأصحاب البصائر، فأضفت احترامه ومكانته في المجتمع التوحيدي وفي مقدمّهم المرحوم الشيخ أبو حسن عارف حلاوي وخاصةً بعد ان أصبح الشيخ حلاوي المرجع الديني الوحيد المتوّج بالعمامة المدورة والشيخ أبو سعيد كبير مشايخ الغرب. وقد تعارفا في ريعان الشباب قبل ان ينتقل الشيخ أبو حسن عارف الى بلدة معصريتي. وهما متقاربان في المواليد وحياة الطاعة المديدة (الشيخ حلاوي 1899 – 2003) (الشيخ أبو سعيد 1903 – 2004). كذلك كان الحال مع المشايخ الذين تُوّجوا فيما بعد بالعمائم المدوّرة (الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين، الشيخ أبو محمد صالح العنداري، الشيخ أبو ريدان يوسف شهيب).

يقول سماحة الشيخ أبو علي سليمان أبو ذياب في مخطوط خاص عن المرحوم الشيخ أبو سعيد:
«أنه شيخٌ فاضلٌ صَرَفَ حياتَهُ في طاعة الله تَعَالى عابداً، زاهداً، مجاهداً، وراضياً قانِعاً، مُخلِصاً، أميناً، وفيّاً، محافظاً، ومثابراً تقياً.».

رافق شيوخَ البلاد وأعيانَها (في الجبلين) وصاحبهُم، وأحبوهُ وأحبَهم، وكان فيهم ومنهم رفيقاً كريما صحيحاً صالحاً، وأخاً محباً عطوفاً عفيفاً ناصِحاً، وشيخاً وقوراً رزيناً راجحاً.
إقتَنَعَ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يَكْفي وَجَلَسَ بيْنَ يَدَيْ خَالِقِهِ عَزَّ وجلَّ مُستأْنِسًا بِذِكْرِهِ حَامِداً شَاكِراً هَادِئاً مُطمَئِناً سَاكِناً ذَاكِراً.
زَارَهُ المشايخ والاخوان وزارهُمْ وأكرموهُ وأكرمهم وارتاحوا اليه وارتاحً إليهم.

ويتابع الشيخ أبو ذياب: كان الشيخ أبو سعيد وقورَ المحضر، رزين المنظر، تبدو مُراقبَةُ الخالق عزَّ وجَلَّ على وجهِهِ الهادئ ونَظَرِهِ الخاشِع يَعظُ حَالُهُ قَبْل قَالِهِ، حَسَن المُقَابَلَة حَسَن التَّرْحِيبِ بِضُيُوفِهِ يَبْدو عَلَى مُحْيَاهُ الْوُقُورِ اللُّطْفُ وَالْعَطْفُ وَالْمَحَبَّةُ وَالْحَنَان، جَزِيْلَ الإِكْرَامِ والكَرَم يُجَالِسُ ضُيُوفَهُ مُجَالَسَةَ المُرْتَاحِ السَّعِيدِ الْهَادِئ وَيَسْتمعُ إلى أَحَادِيثَهُم بِإِصْغَاءٍ وَوَعْيٍ وَاهْتِمَام. وإذا شَكَوا إليهِ هُمُومَهُمْ يُهَوِّنُ عليهم بكلماتٍ لطيفةٍ؛ يُحبّ الرِفْقَ والوِفاق ويأبى العُنْفَ وعدمَ الاتفاق، ويحملُ هَمَّهُمْ وَان اقتضى الأمرُ يسعى إلى مَنْ كانَ السَّبَبَ، مضَى إليهِ مُخلصاً وَأزَالَ الهُمُومَ بمَسْعَاهُ وَصحةِ نَوَايَاه.

كانت مساعيه في الخير ولله عَزَّ وجَلَّ مع ارتجاءِ رِضاهُ وكانَ يُوفَّق فاللهُ سُبْحَانَهُ يُوَفِّق مَنْ سَعى في مرضاتِهِ وكان مُعتَدِلاً في أمُورِهِ وأحكامِهِ وَحَيَاتِهِ حَيْثُ قَالَ الحُكَماء العِظامُ عَلَيْهِمِ أزكى السَّلام: خيرُ الأمورِ أوسطُهَا، وَحيَاةُ الاعتِدَالِ والفضيلة هي الحياة السعيدةُ الحقيقية لا تَحْتَمِلُ الزِيادَةَ أو الانتقاص وهي قانون الحياة الصحيح لكل ذي عقل رجيح ونعمةٌ مِنَ الله تَعَالى على من خُصَّ بِهَا وسرُّ القوةِ انّ يحتفظ الإنسانُ بطبعٍ هادئ كي يُفكِّرَ ويستعين بخالِقِهِ ويكونَ مُعْتَدِلاً كيْفَما تقلَّبَت ظروفُ الحياةِ وَصروفُها عليهِ.

هكذا مارس الشيخ أبو سعيد حَيَاة الاعْتِدال والفضيلة مُرتاحاً سعيداً سديداً، وَكان في خَلْوَتِهِ مَعَ خَالِقِهِ إذا اسْبَلَ اللَّيلُ سِتَارَهُ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ مُحَاسَبَةَ الأَلِبّاءِ الصّالحينَ الخَاضِعينَ الخَاشِعِينَ الْخائِفِينَ.

ومن أشهر ما عُرف عنه:

1. سداد الرأي والشجاعة في قول الحق:
عرف عن الشيخ أبي سعيد أنه: إذا استشير في أمرٍ فيتأنَّى ويفكِر ثُمَّ يُبْدِي رَأيَهُ وكان كثيراً مَا يُسْنِدُ رَأيَهُ الى رأي من سَبَقَهُ مِنَ المَشَايخ واستشيروا في أمرٍ يماثله، وكان مستنده في ذلك الكتاب الكريم وتفاسيره.

وكانَ سديد الرأي مَبْنِيٌ قولُهُ على الصَّواب، ولا يُطيلُ الشرح ولا يكثر الكلام يختارُ كلماتِهِ ويُوضِحُ ما يريدُ عن فكر رشيد، كريم الأخلاق. أما في المسائل العامة فكان يرغب بمشاورة المشايخ الأعيان.
ومن المعروف عنه أنه كان حازماً عندما يتعلق الرأي بأمر سبق حدوثه أو خطأ تم الوقوع فيه. وقد إتخذ الشيخ أبو سعيد العديد من مواقف الجرأة والشجاعة، حتى أنه امتنع مرّة عن تناول الطعام من أجل حلّ سريع لمسألة طرأت بين المشايخ الأفاضل.

2. قوله المشهور: لم أقل يوماً بلساني مخالفاً لما في قلبي
الصدق في التوحيد هو وحدة الحال في عمل اللسان والقلب والنيّة، وكافة الجوارح، والتبرؤ من المخادعة والتدليس، وما من سبيل للوصول الى حقيقة التوحيد دون المدخل الصدق اليه، وفي مذاكرة مع حفيده قال له: «يا جدي لم يخطر ببالي يوماً أني قلت بغير ما في قلبي؟».
وكان من مسالكه قاعدة « إذا غيّروا لا نغيّر»، وكثيراً ما حصل اتفاق ما مع آخرين ثم بدّلوا رأيهم، ولم يبدّل رأيه.

3. الابتعاد عن السياسة:
تميّز الشيخ أبو سعيد حمود حسن بالابتعاد عن السياسة، فلم يعرف قلبه الميل ولا الجاه على الرغم من متابعته لما يجري من قضايا وأحداث داخل طائفة الموحدين الدروز، ثابت الموقف والعمل تجاه وحدة الصف والكلمة، متلهفاً لجمع الشمل وحفظ الاخوان، وكانت شخصيته علامة فارقة، فريدة بين مشايخ عصره، ومواقفه خالصة لوجه الله كالماء العذب الزلال، مستقلة تماماً عن أي تأثّر دنيوي. وقد حرص أحفاده الذين عرفوا كثيراً من تفاصيلها أن تبقى في أوراق الذكريات.

4. العمامة المدوّرة:
تأكدت نية الشيخ أبو حسن عارف حلاوي والشيخ أبو محمد جواد ولي الدين مجتمعة بعد وفاة الشيخ أبو ريدان يوسف شهيب والشيخ أبو محمد صالح العنداري على تتويجه بالعمامة المدوَّرة ولكن ظروف لا تتعلق بالشيخ أبو سعيد حالت دون إتمامها قبل وفاة الشيخ أبو حسن عارف حلاوي فأصر الشيخ أبو محمد جواد وليّ الدين على إتمامها في اللحظات الأخيرة من حياته، مكرراً مزايا الشيخ أبو سعيد ومناقبه التي أهّلته للحصول على هذه المنزلة الرفيعة، فكانت بمثابة وسام ديني لعلو همّته وسامي منزلته.

وفاته

مَضَى الشيْخُ أبو سعيد في سَبيلِ النَّجَاةِ والهُدَى. وفي يوم وداعه تقاطرت الوفود من الجبلين الى إلقاء التحية الأخيرة. وألقى عدد من الخطباء ما يليق من المراثي ويكفي أن نقول أن العديد من المشايخ الأفاضل الذين ما زال بعضهم على قيد الحياة سمعوا صوت السماء بلحن الخلود المتعارف عليه دينياً أنه يصدر بإرادة ملائكة الرحمن ويخصص تكريماً للمشايخ الثقات يوم وداعهم الأخير؛ هو الصوت الذي تحدّث الشيخ أبو سعيد يوماً انه سمعه في وداع والده المرحوم الشيخ حسين بشير حسن. رحمهما الله.

مقامه وضريحه

على خطى المشايخ الأعيان أقيم له مقام في بلدته البنية، وكما في حياته كذلك بعد وفاته بقي مقصداً لأهل الفضل من المشايخ، وبخاصة مشايخ الغرب من عبيه وعرمون وبيصور وغيرها. وقد نُقش على ضريحه آية الكرسي من جهة وتاريخ وفاته من جهة أخرى تقدمة الشيخ منذر عبد الخالق، بالأبيات التالية:

يـا عَابِـداً زَانَـت التَقـوى مَنــَاقِبَهُ
أَلبِرُ تَاجُكَ وَالمِنهَاجُ محــــمُودُ
بُشـْرَاكَ في الجَنَّةِ العَلْيَـاءِ مِنْ حَسَـنٍ
تَنَالُ خَيــرَ جَزاً يَرْعَاكَ مَعْبُــودُ
لَـكَ المـآثِرُ فِـي التَـارِيخِ أحمَـدُهَا
أبو سَعِيدٍ رَبِيبُ الفَضـلٍ حَمُّـــود

ورد خطأ مطبعي في الصفحة 19 من عدد مجلة الضّحى 31 في الفقرة بعنوان (بعض الخصال) ضمن المقالة بعنوان «الشيخ العلم الورع الديان، أبو حسين محمود فرج الجزء الثاني».

السطر الخطأ التصحيح
الخامس عشر طيّباً طبيباً
السابع عشر رضاه في الباطل لا يدخله رضاه في الباطل
التاسع عشر للغيوم لغيوم
(المزيد…)

الشّيخ العَلَم الوَرِع الديّان، أبو حسين محمود فرج

شجاعتُه في دينه وجرأتُه في يقينه

شجاعته في دينه وجرأته في يقينه إنّه لم يكن يساير ذوي السلطان فيما يغضب الرحمن.
فَصَحَّ فيه قول القائل:
وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين العالمين خرابُ.

وكان شديد الخوف والحذر من حدوث شرٍّ ما بسببه وله واقعة مُهمّة أنه ترك عبَيه لمدَّة ثلاثة أشهر. كذلك كانت مهابته واحترامه لدى العقلاء والجُهلاء على السواء فسبحان من قدّر له الهيبة والاحترام في قلوب الناس.

لم يكتفِ رحمه الله بإصلاح طريقته، وتحسين سيرته الخاصة، بل أسرع لتلبية نداء صاحب الحق، إمام الخلق، سلام الله عليه، إذ فرض على نفسه القيام بحفظ الإخوان، الذي به اكتمال الإيمان، ولمّا كانت أصول المحافظة ستّة، وهي، محبَّة الإخوان، ومعونتهم، وإسداء الحسنات إليهم، وإفادتهم، والإصلاح بينهم، وقضاء حاجتهم، ولمّا كان القيام بهذه الفريضة، وما يتبعها من الفرائض الدينية التوحيدية، أصولها وفروعها، يقتضي التعاون الدائم بين الإخوان في جميع أمورهم، ويحتاج إلى معرفة الغاية الشريفة نادى رحمه الله إخوانه للاجتماع العام في الزيارات، ودعاهم للمذاكرة في دين الله ومعرفة الواجبات، والنهوض بالأمر والنهي لتحقيق المُفترضات.
وكان يريدها حسب نيّاته، المخلصة لوجه الله خالية من المقاصد السياسيَّة الدنيوية، مُقتصرة على الفوائد الدينية والعقلية ليرتقي بها الجمهور في المعارج التوحيدية، ويستنير بنورها في سبيله الروحاني بغير تكليف من الإخوان بنصرة أخيه الضعيف، ويسيران معاً في طريق الحق والنهج القويم، عملاً بالواجب المفروض وأملاً بعفو المولى الرحيم، وقد قيل، للمؤمن على أخيه المؤمن ثلاثون حقّاً، منها، إنّه يريد سلامته، ويُحسن مودَّته ويُديم نصيحته، ويقبل معذرته، ويقيل عثرته، ويستر عورته، ويحسن نصرته، ويقضي حاجته، ويرشده إلى ضالَّته، ويواليه، ولا يعاديه، ويحبّ له الخير كما يحبّه لنفسه، ويكره له الشرّ كما يكرهه لنفسه، رحم الله من عرف حقّ أخيه، ونهض لأدائه بإخلاص تام كما عرفه وأدَّاه دون أن يتلهَّى الإخوان بالولائم، إذ على الإنسان أن يأخذ ما يكفيه من الزاد، ثم ينصرف للإفادة والاستفادة الحقيقية، فذلك خيرٌ وأبقى، إذ قال تَعَالى (قد أفلح من تزكَّى، وأنْ لَيْسَ للإنسان إلّا ما سعى، وأنَّ سعيه سوف يُرى).

الزيارات السّنوية وتعدُّدُها ومواعيدُها

 

تقرّر تعدُّد الزيارات الدينية العامة كلّ سنة، مثل زيارة النبي شعيب عليه السلام في فلسطين، وجعل ميعادها في شهر نيسان، كما جعل ميعاد زيارة النبي أيوب (ع) في أواخر الصيف، وزيارة المقام الشريف (ع) في شمليخ في فصل الخريف، فيما بعد ثلاث زيارات، الأولى، لمقام النبي هابيل(ع) في جبل قاسيون بسوريا، والثانية لمقام سيدنا الأمير جمال الدين عبد الله التنوخي قدّس الله روحه (في عبيه) والثالثة، لخلوات البيّاضة الزاهرة، وكان الإقبال في تلك الزيارات شديداً.

مرحلةُ الشيخوخة وتركُه الدنيا وإقبالُه على الله بالكليَّة

 

قال أفلاطون الحكيم سلام الله عليه، في الإنسان، عقل، وهوى، وعفَّة، وشهوة، فالعقل ينهى الهوى، والهوى يقاتل العقل، والعفّة تنهى الشهوة، والشهوة تقاتل العفّة، والإنسان، مُسلَّط على مشيئته، فمن نصر العقل والعفة، على الهوى والشهوة، فقد أدرك الوطَر، وسَلِم من الخطر، ورقي إلى رتبة الإنسان، وظفر من الله بأمان وهذا هو الجهاد الأكبر، وبدا واضحاً بأن المرحوم الشيخ أبو حسين قد أمدَّه الله بمعونته، وأنار عقله بمعرفته، ووفَّقه لارتقاء الدرجات في طاعته، إذ استعمل في جميع أعماله العفَّة وَسَارَ في سبيلها، وملك بقوة إرادته زمام الشهوة فاضعف تأثيرها، وأخضع لمشيئته ببالغ عزيمته رغبته وهواه، وأوجب عليهما الانصياع، لِما أمر به العقل ونهى عنه، ولم يزل في رياضة نفسه الأبيَّة، وفطمها عن كثير من الملاذِّ الحسِّية، لتستزيد من صفاءِ النورانية، وقد أراد لمحض تقواه، التعفُّف عن الفضول، واكتفى في غذاء جسده بالضّروريات.

إذ قال تعالى «وأمَّا من خاف مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى» وقال الشاعر:
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ
وكلُّ نعيـــمٍ لا مـحـــــــالــــة زائِـــــــــلُ
وكلُّ امرئٍ يوماً سيعلمُ سـعيَـــــه
إذا كُشفت عند الإلهِ الحصائلُ

كان في أثناء كهولته وشبابه نادر المثال في ثباته، في كل أمرٍ تولّاه، في دينه ودنياه، وقد لبث على هذه الحال أكثر أيام شيخوخته، عاملاً نشيطاً ينسجُ في مهنته، عاكفاً على طاعة الله وعبادته، والإخوان الأطهار يتبارون في التشبه والاقتداء بورعه، وتقواه، ويتسابقون للتبرّك بكسوة أبدانهم ممَّا صنعته يداه.

ومن أقواله لولده حسين:
المرحوم الشيخ ابو حسين محمود فرج

 

«يجب على الإنسان أن يترك الدنيا قبل أن تتركه، ويتزوّد منها لآخرته قبل أن تُقْبِلَ عليه المنيَّة وتدركه، فقد صار عندي الآن فوق الثمانين، ومرَّ أمامي من العِظات والعِبَر ما فيه كفاية لكل موحِّدٍ ذي دين». وعندها تذكّر مُعتبراً الراحلين من إخوانه وَخُلاَّنِهِ الثُقات الصالحين وقد صدق من قال:

الــمــوْتُ أفْــنَــى مَــنْ مَضَــى
وَالــمــوْتُ يُفْني مَنْ بَقِي
وَالقبـــــــــر مَثْوًى جَامــــــــــعٌ
بَيْـــــــنَ المُنَعَّمِ وَالشّــــــــَقِي
يَا مُسْرِفًا فيمــــــا مَضَى
كُــنْ مُــحْسِنًا فِيمـــــــا بَقي
العِــــــــــزُّ فَـــــــــــــانٍ زَائـــــــــــِلٌ
وَنِعْــــــــمَ عُــقْـــــــبَى المُتَّقي

ولمّا كان المرحوم الشيخ لا يقول قولاً باللسان، إلّا بعد أن يعقد عليه ضميره والجنان، عازماً على إخراجه إلى الفعل والعيان، عندئذ، أقبل على ما في يده من مال، جمعه بجدّهِ ونشاطهِ من الرزق الحلال، فَوزّع منه الصدقات، وبذل الحسنات، وأقرض بقيته لذوي الحاجات، وانسلخ مُختاراً عن دنياه، مقبلاً على طاعة مولاه، جبّار الأرض والسماوات، وَجَعَلَ دأبه تلاوة الكتاب العزيز آناء الليل وأطراف النهار، ولسانه لا يفتُر إلّا قليلاً عن التسبيح والتقديس لله الواحد القهار، ودام على هذا النمط الشريف بقية عمره.
وقصده بذلك واضح وجلي نلخصه:
تهذيب الأخلاق واستشعار الخلّاق، والاهتمام الكلِّي في إصلاح النفس الجوهرية الخالدة، والانصراف التام عن الأعراض الزائلة البائدة، لأن المعرفة الحقيقية تفرض على صاحبها الإدبار بقلبه عن هذه الدنيا الدنيّة، والإقبال بكليَّة جهده على طلب الآخرة الأبدية، قال تعالى: «تلك الدار الآخرة نجعلها للَّذين لا يريدون علوَّاً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمُتَّقين».

وَفَاتُهُ رَحِمَهُ الله

 

ولم تزل الأيام تمرُّ مسرعةً، تُدْني، بسيرِها الآجال، وتفني الأجيال، وتُظهر الحكمة والعظمة والقدرة لله العلي المتعال، إلى أن حضر اليوم الذي أراد الوادع الحكيم أن يستردَّ فيه وديعته، وذلك نهار الاثنين الواقع فيه 17 ربيع – الأول سنة (1373) للهجرة الموافق (23) تشرين الثاني سنة (1953) للميلاد.

في مُلحق أُضيف لسيرة سيّدنا الشّيخ أبو حسين محمود فرج الفاضلة يذكرُ حفيده المرحوم الشّيخ أبو عفيف محمد فرج مجموعة من مناقبه أُثْبِتَت على أَلسُن مُعاصريه.

تدقيقُه في اللّفظ الصَّادِرِ عنهُ والوارد إليه

امتاز سَيّدُنَا الشَّيخُ عَلَى أهْلِ عصْرهِ بدقة لفظه وبالغ صِدْقِه بما لا صارَ بمثْلِهَا من سِواهُ، ولا لاقَ لِمَنْ حاول تقليدَهُ، بل غدا مَضَرِبًا للمِثَالِ، حتى عِنْدَ عَامَّةِ النَّاسِ وَعِنْدَ مَنْ يَعْرِفُهُ أو يسمعُ بهِ من الطوائفِ الأخرى.
اقتصرنا على تقديم أمثلة يُنتَفع بها وتدُلُّ على غيرها.
مرّةً قصد أحد الإخوان أن يُطعِمَهُ بُرتُقَالَةً قائلاً لهُ « قشِّرْ ها الليمونة « فقشّرها وأرجعها لهُ. فأوضح لهُ الأخُ أنَّ قصْدَهُ ليقشِّرَها ويأكُلَهَا. فأجابهُ مُذَكِّرًا: « قلْتِلّي قَشِّرْها…»
فنراهُ لا يُرَخِّصُ لنفسه بما يُسْتَدَلُّ عليه من مقاصِدِ الغيرِ مَا لَمْ توضَع هذه المقاصد في قوالِبِهَا وَيَتَّضِحُ ظَاهِرُهَا عَلَى الكمالِ. بينما نَرَاهُ يقومُ بتأديةِ ما هَجَسَ في قلبِهِ وَنَوَاهُ، وَلَوْ لَم تَتَبَلْوَرْ خَلَجاتُهُ عبر الأقوال. فإذاً، ما كان منه للغير حقَّقه وأدَّاهُ مُتبنِّيًا السِّرَّ وَالْمَعْنَى، وَمَا كَانَ لَهُ مِنَ الْغَيْرَ تَلَقَّاه بِحَسَبِ وُضُوحِ اللَّفظِ والمبْنَى.
وفي أحد الأحاييْنِ كانَ مَارًّا على طريقٍ، دَعَاهُ بَعْضُهُمْ إِلَى تَنَاوُلِ تِيْنٍ كانَ يحمِلُهُ مَعَهُ في سَلَّةٍ. فَسَاَلَ رَحِمَهُ اللهُ إنْ كَانَ التِّيْنُ لهُ فأَجَابَ إنَّهُ لِبَيْتِ عَمِّهِ. فَلَمْ يَتَنَاوَلْ شيئًا مِنْ ذَلِكَ.

نُبَذٌ مِن وَرَعِهِ

كانَ لأُسرةٍ من آل الخازن من نصارى بلدة «اعْبيه» مَمَرٌّ إلى منزلهم في جَلٍّ في أحد الأملاك التي يحقّ لسيدنا المرحوم استثمارُها وفي إحدى مواسِمِ زرْعِ القمح كلَّف مَنْ يَعْرِفُ حدودَ الأرض ليقوم بزرعها. وعندما آن حصادُها رأى أنَّ الجَلّ قد زُرِع بكامله ولم يُستثْنَ الممرُّ. أوْقَفَ الشيخُ الحَصاد ريثما يواجه صاحبة المنزل، التي كان قد مَاتَ زوجُهَا وكانوا يقطنون غالب وقتهم في المدينة. فطلب إلى شقيقته التي كانت تسكن بجوار منزلها أن تُعْلِمهُ حَال حضورها. وفي يوم من أيَّام الآحادِ أتَتِ المرَأةُ إلى البلدةِ، فواجَهها مع شقيقتهِ وطلب إليها أن تحصُدَ من الجلّ المساحة التي تختارُها، فأبَتْ بادِئَ الأمر كونَهَا لم تُساهم في كُلفةِ الزَّرع. أصرَّ المرحوم على ذلك طالباً من شقيقتِهِ إقناعَهَا وإلّا فسيترُكُ حَصَادَ الجَلِّ بكامِلِهِ. وبعد الحوار رَضَخَتْ السيّدة للأمر الواقع، وصارت تُخْبِرُ العديد من معارفها وأصدقاءهَا، وهي مُعَجَبةٌ وذاهِلةٌ من معامَلتِهِ.
وكان فَلاَّحٌ مِنَ الإخوان يحرُثُ لِسَيِّدِنَا المرحوم حقلَهُ وبرفقتهِ ولدُهُ القاصرُ. عندما حان وقت الغداء أتى الولدُ ببعض ما قطفه من الفول الأخضر من ذلك الحقل، ووضعه أمامهمْ وَدَعَاهُم للأكل مِنْهُ، وصارَ ووالدهُ يُطَمْئِنانِ سيِّدنا المرحوم أنَّ الفول من حقله. لم يكن معه رحمهُ الله سوى الزيتونِ والخبز، فأبى ذلك. وذهب وقطفَ من هذا الصِّنفِ بيدِهِ الطاهرةِ الكريمةِ ليضيفَهُ إلى طَعَامه ودعاهُما إليهِ مُجدَّدًا، ولم يسمح لنفسهِ العفيفةِ تناوُلَ شيءٍ من الفول المقطوفِ دونَ علم صاحبه واستئذانِهِ ولو كان هو الصاحب بالذَّات، مُعتبراً أنَّ الوسيلة التي استُعْمِلَتْ في قطفِ الفول مُنَافيةً للحقِّ والدِّينِ.. ويكون بهذا التعامل قد أعطى درْسًا غير مُباشرٍ بكيفيّة سلوك الطريق السليم الدَّاعيةِ لبراءَةِ الذِّمَّة وإثباتِ الحلال.

لُطفُهُ في التَّعليم

وبينما كان رحمُهُ الله سائراً مع جملةٍ من الإخوان، مَرُّوا بمكان حوى الكثير من الأشجار المقطوعة للاحْتطاب. فقال أحدُهُمْ: «يَا بارَك الله، ها الحطب كلوُّ سنديان»، فسمعه سَيِّدُنَا الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ وأشار بعصاه إلى حطبةٍ وسأله بتأنٍّ وَهُدُوءٍ: «شُوْ هَيْ»؟ فأجابَ الأخ «مَلوُّلْ»، وَبَعْدَ قليلٍ، وهُم في سيرهم دَلَّ إلى أخرى وسألَهُ: «شُوْ هَيْ»؟ فأجاب: «بُطْم» وكان هذا الأخ يرويها عن نفسه ويقول، بنبرته القوية: «وبَسْ»…. يعني، كانت هذه ملاحظة المرحوم ليس إلّا.
هكذا كانت اشاراته وملاحظاته رَحِمَهُ اللهُ بلطافةٍ وخفةٍ ولباقةٍ… كانت أشبهَ بالإيماء منها إلى التّصريح، لأنّ قصده بالتعليم لم يكن لأجلِ الانتقاد وإظهار المعرفة، بل كان بإخوانه رفيقاً وعليهم شفيقاً.

أمَّا في دقّةِ إشارته وحسن معاملتهِ، التي تُنْبِئُ عنْ لطافَةِ جوهريَّته، وسلامة نهجه، نسمع أنَّهُ حصل بين اثنين من الإخوان خلافٌ على أمرٍ ما، ذهب بعده أحدُهُمَا إلى منزل سَيِّدِنَا الشيخ مُشتكيًا ومُبَرِّئًا نفسَه ليثبتَ تعدِّي الآخر. وبعد مُدّةٍ اتّفق أن طرق مسامع بعض الإخوان هذا النَّبأ. فقصد إلى الأخ المُشتكىَ عليه وأخبرَهُ بما عَلِمَ، وَحَثَّهُ عَلىَ توضيح حَقِيْقَةِ الأمْرِ لشيخنا البصير رَحِمَهُ اللهُ، ورافقه هو أيضاً على هذه النيّة. بعد وصولهما بقليل طلب سيِّدنا المرحوم مِنْ هذا الأخ أن يقرأ له بعضَ وصايا لُقْمان الحكيم سلام اللهِ عليهِ، وكان رحمهُ اللهُ في سِنٍّ مُتَقَدِّمٍ وقد تأخَّرَتْ صِحَّتُهُ بعض الشّيءِ، فجلس مُتَّكِئًا يصغي إصغاءَ الأَلِبَّاءِ فما أن وصل الأخ في قراءته إلى القولِ: «يا بُنَيَّ، مَنْ عاملك بالقبيح فعامِلْهُ بالمليْح وكُلٌّ يلقى عملَه» حتَّى استَقَامَ مُسْتَقِيْمُ السَّجَايَا والْفَعَالِ، في جلسته وطلب منهُ إعادةَ قراءتِها، فأعَادَها، فَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ: «يا خَيّي؛ مَا قَالْ مَنْ عَامَلَك بالقبيح فاصْبِرْ عَلَيْهِ واكتفى، بل قال عامِلْه بالْمَليح» وَكَانَ هذا التَّوضيحُ قَبَسًا عانقَ سلامةَ طَوْيَّةِ هذا الأخ الذي اكتفَى بِمَا سَمِعَ طَارِحًا إلْحَاحَ رُفَقَائِهِ في تَبْرِيرِ مَوْقفه.

يضاف الى ذلك، حرصُه على تأدية الفرائض وتمسُّكُه بما رسم السّلف الصالح، وموافقته لقضاء باريه والحقّ أحقّ أن يُتّبع. وامتناعه عن دخول الأماكن المحظورة، وابتعاده عن السياسة، وتساويه بإخوانه، ويريد لإخوانه كما يريد لنفسه واهتمامه بجمع الشمل وإحلال الصّفاء.

بعض الخصال

وكان رَحِمَه الله يريد الخير لإخوانه كما يريده لنفسه، ويلاحظ أحوالهم بالعناية والرعاية وَيُسْهِمُهُمْ بما قسم له المَولى من دينٍ ودُنيا. وإذا زاره إخوانٌ له، على غير ترقُّبٍ، من قرى بعيدة كـ «راشيّا وحاصبيّا مثلاً» أو من خارج البلاد، ولم يساعده الوقت على إنفاذ دعوة لبعض من يرغب حضورهم حتى يَحْضُر ويبصر المشايخ، كان يخصُّهم مع ضيوفه بزيارات تعوّض عليهم الحرمان. ومن عاداته رَحِمَهُ اللهُ أنّه كان يحافظ أشدّ المحافظة على توحيد الكلمة، ولَمِّ الشملِ، وحلول الصَّفاء في القلوب، قبل أن يُداخِلَهَا الكدرُ. وإذا أحسَّ بعكوراتٍ عند إخوانه يحاول إزالتها تمامًا، بأيَّةِ وسيلة، لتبقى النفوس قابلة لآثار العقل. وإذا تعرَّضَ الدّين لأيَّة مخالفة كان رحمه الله بلطافة معاملتِهِ، وصادق طَوِيَّته، وإخلاص محبَّته، وواسع حلمه وشفقته، يلقي عليه الملاحظة، والقصاص والمحاسبة، بمهابةٍ الوالد الصارم وهدْهَدَةِ الأمِّ الحنون، فتتمُّ المنفعة وينتشر شذاها، وتنطفئُ الفتنةُ ويندثِرُ أذاها. وكان رَحِمَهُ اللهُ طيّبًا حاذِقًا في وصف الدواءِ، وعالمًا ماهرًا في معرفة الأدواء، ومراقباً باسلاً في دفع السيِّئاتِ، لا يحسُدُ الأخيارَ، ولا يعيبُ الأشرارَ، رضَاهُ في الباطِل، ولا يُخرجُهُ غضبهُ -إذا غضبَ- عَن الحقِّ، مُطاوعًا لإخوانِهِ، غيرَ مُعْتمد على التَّفرُّد برأيِهِ وتبيَانِهِ قَالِيًا للمنازعاتِ، جاليًا للغيوم التّهماتِ، مُذْعِنًا للحَقِّ أينما كان موطِّدًا لهُ بالدلائلِ والبُرْهَانِ، مُتَرَفِعًّا عن الميل لأقرانٍ دُونَ أقرانٍ، مُحاسِبًا نفسَهُ قَبْلَ أنْ يُحاسَبَ، مُؤَدِّيًا الأمانة قبل أن يُطالَبَ، خاشِعًا لأمرِ مَوْلاهُ قبْلَ أنْ يُعَاتَبَ، طائعاً لهُ فَلَمْ يُغَالَبْ.

إنَّ النصّ المنشور في العدد السابق لمجلّة «» (كانون الثاني 2020) تحت عنوان: «الشيخ العلَم الورع الديَّان أبو حسين محمود فرج»، فضلا عن الجزء الثاني المنشور في العدد الحالي هما في الأصل مُنتخَبان من كتاب «الشَّيخ أبو حسين محمود فرج، سيرته الفاضلة» الصادر في طبعته الأولى في عبيه، عام 1956 م. وفي طبعة ثانية مزيدة عام 1982 م. وكان قد كتبه نجلُه الشيخ المرحوم أبو محمّد حسين فرج. وإضافة حفيده المرحوم الشيخ أبو عفيف محمد فرج.

والنيَّةُ أن يتمَّ إلحاق هذا الموضُوع بسيرةِ مشايخ أفاضل ممن رافقوا الشيخ الكريم، وذلك في إطار استحضار صفحات من تراث أثيل شريف في آداب الدِّين ومسالكه.

.

.

الشّيخ العَلَم الوَرِع الديّان، أبو حسين محمود فرج

مولده

وُلِدَ سيدنا الشّيخ أبو حسين محمود فرج رحمه الله، ورضي عنه وأرضاه، في بلدة (اعْبَيْه) من شحّار غرب لبنان، في شهر شوّال سنة ألف ومئتين واثنتين وثمانين (1282) للهجرة، من أبوين كريمين.

نَشأَتُهُ
المرحوم الشيخ ابو حسين محمود فرج

نشأ رحمه الله في رعاية أبويه عزيزاً مُكرّماً، وكان ذلك في أوائل عهد النهضة العلمية في لبنان، فتلقّى العلوم الابتدائية البسيطة، وحينما بلغ سنَّ الرّشد ظهرت عليه دلائل الورع والاجتهاد في البحث عن مناقب أولياء الله الصالحين، وطرائق أهل الفضل من الزهَّاد والعبَّاد الورعين، فجدَّ في استقصاء أخبارهم وتتبّع خططهم الشريفة، وكان أكثر تردّده في بداية أمره إلى بلدة بَيْصور، حيث يرى فيها ضالته المنشودة، من إخوانٍ له كثيرين أتقياء مؤمنين، وعلى رأسهم شيخ مشايخ ذلك الزمان في جبل لبنان، المرحوم الشيخ أبو علي اسماعيل حسيكة ملاعب.

وكان من جملة الواردين إليه شابّان ناهضان، هُما الشيخ أبو فارس محمود عبد الخالق من بلدة مجدل بعنا في الجُرد _ والشيخ أبو محمّد رشيد عيد، من بلدة بشامون في الغرب _ والشيخ أبو حسين محمود فرج ثالثهم.

وقد عَلِم رضي الله عنه وتحقّق، وأيقن وصدَّق، أن بلوغ الغاية والمُراد والفوز في دار المعاد، هو بامتثال الأوامر والنواهي الدينية، والنهوض التام في شطريها اللّذين هما الاكتساب، والاجتناب، وكان في كليهما من السابقين حقًّا.

وقال بعض الحكماء: الكمال في أربعة “رصانة العقل، وحسن الخلق، وسخاء النفس، وقمع الشهوة” وقد كانت هذه الفضائل والأوصاف من بعض مزاياه، التي خصّه بها مولاه، وتميّز بها وبأمثالها عن سواه.

منها مَيْزُ كلامِه، وصيانة لسانه دائم الأوقات، مع الصّدق التام في كل الحالات، وتجنّب الحرام والشّبهات، فكانت هذه الخصال الثلاث في بداية أمره، من الدلائل الواضحة، والبراهين الساطعة، على سمو فضله وصحة فضيلته، وعلو مقامه في الدين.

وكان رحمه الله، على مبالغته في تجنب الحرام شديد الحذر من الانسياق في شططه، ولطالما قال بتلهُّف وتوجُّع: إنّ بعض أهل الورع والخوف ممَّن سلف، كانوا يتركون اثنين وسبعين باباً من الحلال، مخافة دخول باب من الحرام.

ويردِّد مُستحسِناً قول لقمان الحكيم لابنه ثاران يا بني، من عاملك بالقبيح، عامله أنت بالمليح، وكلّ يلقى عمله.

ومن خصائصه المشهورة، التي أثبتت فضله، وشهرَت أمره، ورفَعَتْ منزلته منذ بداية أمره، حتى نهاية عمره، طول صمته وأناته، وصدق لسانه وطهارة جنانه، وحسن نيّته، وقلَّة كلامه، إلّا فيما يعنيه ويلازمه في الإفادة والاستفادة، بِرَوِيَّة فائقة، وحكمة بالغة، قال تعالى في كتابه العزيز (يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤتَ الحكمة، فقد أوتي خيراً كثيراً) وقال بعض الحكماء: أعقِل لسانك إلّا عن حقٍّ تُوَضّحه، أو باطل تدحضُه، أو حكمة تنشرها، أو نعمة تشكرها. وقيل: ما خلق الله شيئاً أحقّ بالسجن من اللِّسان، وسجنه طول صمته عن الكلام، إلَّا فيما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، بميزان الحكمة والعدل، وهو أنّ الكلام أربعة أقسام، قسمٌ هو ضررٌ مَحض، وقسم هو نفع محض، وقسم فيه ضرر ومنفعة، وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة، أمّا الذي هو ضرر محض، فلا بدَّ من السكوت عنه. وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة، لا تفي المنفعة بالضرر. وأمّا الذي لا منفعة فيه ولا ضرر، فهو فضول، والاشتغال فيه تضييع زمان، وهو عين الخسران. فلا يبقى إلّا القسم الرابع، فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام، وبقي ربع، وهذا الربع فيه خطر. وقيل: على العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مُقبلاً على شأنه، حافظاً لِلسانه، ومَن عَلِمَ أنّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلّا فيما يعنيه.

ويمكنني القول: إنّ المرحوم لم يَعِدْ وعداً في حياته كلِّها إلّا وفى به، ولا عاهد عهداً إلّا قام بموجبه، ولا قال قولاً صادراً عن نفسه الطاهرة، أو نقلاً عن غيره إلّا صدق فيه، اللَّهم إلّا أن يقع سهو، وَجلَّ من لا ينسى ولا يسهو….

عملُه وزواجُه

تعلَّم المرحوم الشيخ أبو حسين محمود فرج صنعة الحياكة على كِبَر وصار ينسج العباءات على أنواعها والبُسْط، فكانت هذه الصّنعة بتوفيق الله، أساساً لعمران البيت، وسبباً للاتصال والتعارف بينه وبين إخوانه مشايخ الدين، في المناطق اللبنانية عامة، ووادي التَّيْم والإقليم وفلسطين، وكان يعمل جادّاً في صنعته هذه، دون كلل أو ملل.

ولمّا بلغ من العمر ما يُقارب الثلاثين سنة، فكّر في أمر الزواج، سنّة الله في خلقه، على أن يأتي بقرينة صالحة تكون عوناً له في دينه ودنياه، وكان رحمه الله يقول، نقلاً عن شيخنا الجليل الفاضل المفضال، المرحوم الشيخ أبي محمّد صالح الجرَماني: “إنّ المرأة سترة للرجل، وأعمال الخير كثيرة. يعني بهذا إنَّ الرجل المُخلص في عمله، الساهر على صيانة نفسه، يتمكن من القيام بفرائض دينه، وامرأته في بيته تشاركه في أعماله وفي وجودها سترة لبعلها، ويتمُّ بذلك النظام الطبيعي الإلهي..

وحينما أراد الله سبحانه وتَعَالىَ توفيقه، سهّل في ذلك طريقه، فكانت الواسطة والهداية على يد الشيخ أبي محمّد علي نصّار من بَيصور، إذ كانت والدة المرحوم المُشار اليه، من بلدة معاصر الشوف، وكان لخاله هناك ابنة في سن الزواج تُدعى زهيّة، وهي ابنة المرحوم الشيخ أبي محمّد محمود سلمان فياض.

وقد ابتدأا حياتهما الأولى، في اجتهاد دائم مُقيم، واقتصاد حكيم، مع حسن تدبير، وأضاف المرحوم إلى شغله في النسيج أعمالاً أُخرى زراعية، مثل تربية دود القز، وهو موسم الحرير المشهور في لبنان، وقد كان من أعظم موارده ومحصولاته فيما مضى، وأخذا زيتوناً بالأمانة، يجمعان ثمره ويعصرانه، ويأخذان سهماً منه لقاء أتعابهما، فكان لشدة ورَعه، وخوفه على نفسه، أثناء جمع ثمر الزيتون، لا يتناول طعامه إلّا بعد أن يغسل يديه، كي لا يبقى أثرٌ لزيت الزيتون عليهما، وغير ذلك من الأعمال لبراءة ذمته.

وعلى النهج القويم استمرَّ سائراً مدَّة حياته، في سائر معاملاته، في البيع والشراء، والأخذ والعطاء، والقرض والوفاء، مُدَقِّقاً على نفسه في القطعة والدرهم، وقد تسهَّلت بعونه تعالى وحسن نيّته أشغاله، وبارك الله له في جميع أعماله، فغدت حركاته الشريفة دائماً موفَّقة وآراؤه بالخير والتسديد مُحقّقة، كما قال سيدنا الأمير قدَّس المولى روحه “العبد إذا كمَّل صفاه وأتمَّ تقواه وجرَّد قواه، واستعبد هواه، واستصحب في جميع أحوالهِ معرفة مولاه، وتوسَّل إليه بهادي الهُداة، وكان عقله الصافي أكمل سجاياه، واستعان بالله في كل ما يتوخَّاه، فلا شكّ في توفيقه في دنياه وأخراه”.

المرحوم الشيخ ابو فارس محمود عبد الخالق
مأكلُه ومشربُه

ان رحمه الله يقول، إنَّ النظام العادل التام، للأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام في طعامهم وشرابهم، الترفُّع عن ثقل الشّبع، وعن ألَم الجوع، وغاية الإنسان الاقتداء بهم، والنَّسج على منوالهم جُهد الاستطاعة مع العلم والتحقيق إنَّ الغذاء بمثابة الدواء، يجب أن يُحدَّد مقداره، ويُتناوَل في أوقاته، بعد ِّ المَعدة من فضَلاته، لكي تحصل بتناوله المُقنَّن المنفعة المتوخاة، من دوام الصحة، واتّقاء المضرَّة.

فبسلامة الجسم ونشاطه، يستمرّ الإنسان في العمل والخدمة، والشّكر لله الرازق الحكيم، ويكون لصاحبه صفة القادر الآمر، في سلوك النَّهج القويم، بحيث إنَّ العقل السليم، لا يكون إلَّا في الجسم السليم، ومن بعض ما أورده السيد الأمير(ق)، ورسَمه في تناول الطعام والشراب وحدَّده، قوله: “ينبغي للإنسان أن لا يأكل في نهاره وليله، سوى أكلتين، وأن يترك المائدة وعنده بقية من شهوة الطعام، وأن لا يشرب الماء وقت الأكل أو عقبه تماماً، والأحسن أن يكون الشرب بعد الأكل بساعة أو ساعتين، وأن لا يستوفي الشُّرب، بل يتركه ونفسه قابلته، وحكمه في ذلك مثل حكم الأكل، وإن كان للإنسان عادة في كليهما يشقُّ قطعها عليه أن يقطعها بالتدريج، فأحسن الأحوال الاعتدال، فلا شَبع ولا جوع.

ومن آدابه رحمه الله، أمام الرازق العظيم، في أثناء تناوله الطعام والشراب، دوام ذكره، وأداء حمده وشكره، قال السيد الأمير(ق)، “إذا شَرَعَ الإنسان في الأكل، فليعلم أنه ضيفُ الله، لأنّه تَعَالىَ وتقدَّس الذي يُطعم ولا يُطعَم، فليُسمِّه في الابتداء، وَيَحمَدْهُ في الانتهاء وإن استطاع فليفعل في كلِّ لقمة، وليعرف نعمة الله عليه في كلِّ حال”.

كان المرحوم الشيخ أبو حسين رضي الله عنه، لا يضع في فمه لقمة من طعام، ولا جُرعة من ماء، ولا ثمرة واحدة من جميع الثمر، حتى يذكر اسمه العزيز، قائلاً بلفظ صريح في كلِّ مرة: (بسم الله الرحمن الرحيم) ومن عادته في موسم الفواكه أن لا يأكل العنب، إلّا حبّة، حبّة، ويذكر البسملة عند تناوله كلّ حبة، والغاية من ذلك دوام المراقبة، والإ كثار من ذكر من له الحمد المُقيم، والشُّكر العظيم، كيلا يُنسيه ولا يُلهيه، شيء من شهوات الجسد في جميع الأحوال، عن استشعار وجود المُنعم الخلاَّق، ولزوم الأدب أمامه وتهذيب الأخلاق، لأنَّ الواجب على المُوَحّد العارف أن يُجرِّد المحبة لله تعالى وتقدَّس، ويُخلص العبودية له، ويلازم النظر إليه، والاعتصام بحبله، وأن لا يَسْكُنَ إلّا إليه، ولا يأنسَ إلَّا به، ولا يتقوَّى إلَّا بمعونته، ولا يُؤثر غيرهُ عليه، فيصير هو بعينه، لفرط الاتِّصال به، والتقرُّب إليه، عقلاً خالصاً، وحقَّاً محضاً، وروحاً صافياً، ونوراً إلهياً، وذلك هو الكمال الحقيقي المجوهر الأنسي.

اكتمالُ بدرِه، ودوامُ سؤدُدِه ونَصْرِه

في الحديث النبوي، “أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل” وكان رحمه الله لطيب عنصره، وعظيم صبره، وشدّة عزمه، وطهارة نفسه، كالفضّة الصافية، التي كُلما زادتها النار حَمَّاً، زادتها جوهراً وصفاءً وكان كلما زاده الزمان امتحاناً، ازداد في نفسه يقيناً وإيماناً. بعد كل هذا وصل راقياً بنفسه العفيفة، إلى الرتبة الشريفة، التي هي رتبة الإنسان كما وصفها وعيَّنها سيدنا الأمير(ق)، قائلاً: “ومَن منحه الله القبول والترقِّي والعروج إلى حد الإنسانية، كان من ثمرة أفعاله العقل، والسكون، والرّصانة، والرّجحان، والعفاف، والصيانة، والنزاهة، والنظافة، والطاعة، والطهارة، ومكارم الأخلاق، والزّهد في المطالب الدنيوية، والخوف من الله، والمراقبة له، والثبات على الأوامر، والتزام ترك النواهي، والصبر والاحتمال، والإغضاء عن بلوغ الأغراض، والانصراف بكليَّة الجهد في التطلّع إلى العلوم البسيطة، والتَّلَمُّح من إشارات مضمون معانيها، والمبالغة في العمل بأوامرها، والانتهاء بنواهيها، والبحث والاستكشاف عن أصول مبانيها، القائمة بالفروض الواجبات، والسُّنن المشروعات، إلى أن قال، فهذه درجة الإنسان، التي تبعها السلف الصالح من أهل الفضل والتَّبيان”.

وقد اقتضت الحكمة الربانية، ما ورد ذكره في النصوص الجوهرية، وهو: إنّ الدار لا تخلو من الفاضل، لتثبت به الحجّة على العالم والجاهل، فلمّا اكتملت في جوهره الشريف الأوصاف الإنسانية، وتفرَّد بنفسه حاملاً لواء الفضائل والمحامد الدينية وظهرت عليه هذه الآثار الحميدة، والآراء السديدة، والطريقة الرشيدة، بانت له الفضيلة والمزيَّة على الاقران، في جميع الأصقاع التي توطّنها المعروفيّون، لأنَّ المقامات تعلو بأهلها، والفضائل تشير إلى أصحابها، عندئذ أجمع المخلصون على اختلاف درجاتهم، واتفق المنصفون من سادة العصر وأعيان البلاد، على الاعتراف له بالفضيلة، والرتبة الجليلة، فجعلوه لمحض تقواه، ومراقبة مولاه، وتجرده عن هواه، في سره ونجواه إمامهم المطاع، ومرجعهم الأعلى ورمزهم الأسمى في السبيل الروحاني دون نزاع، وغدا موضع ثقتهم الوحيد، لمسلكه الدقيق الفريد، فأصبح منزله محطّ رحال الإخوان، أهل الفضل والتصديق والإيقان، من قاصٍ ودانٍ، ولطالما سعى الكثيرون من الناس شوقاً لرؤيته والتماس بركته، والتَّفكُّه بمحادثته، واقتباس إفادته، من لفظه العذب الموزون وحميد سيرته، ولطالما جاءه الكثيرون: شاكين: مُتظلّمين: وبه مستعينين ومستنصرين.

فكانت نيّته الصادقة، مصروفة دائماً إلى لمّ شمل إخوان الدين، والإصلاح العام التام بين الموحدين، ليكونوا قائمين على نفوسهم بقسطاس الحقّ والعدل، معروفين لدى الجميع بالإحسان والفضل، مُترفّعين عن الانغماس في الشّبهات والحرام، مقتصرين على طلب الحلال، لستر الحال، مع حسن الاتّكال، ولزوم الورع، وترك الطمع، والعدول عن الفساد، إلى طريق السَّداد، والصلاح والرشاد، فبهذا وأمثاله تتاجر الأبرار، في هذه الدار، وتُدَّخر الحسنات والأعمال الصالحات لدار القرار، أملاً بالرضى والعفو من الكريم الغفّار.

أخلاق توحيدية