الجمعة, تشرين الثاني 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, تشرين الثاني 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الحوار واحترام الآخر في ثقافة الموحدين الدروز

الحوار واحترام الآخر
في ثقافة الموحدين الدروز

دَخَلتْ في أحاديثنا الاجتماعيّة اليوميّة، السياسيّةُ منها والدينيّةُ، مُصطلحات مثل الحوار واحترام الآخر وقبول الآخر وغيرها، مُصطلحات عامّة تجري على ألسنة البعض دون أن يكون لها أيّ انعكاس أو مفعول في أدائهم الدّينيّ أو السياسيّ، فمنهم من يعتبرها مبادئ غير قابلة للحياة أو التّحقُّق في زمن التّعصّب والعنف والتّخندق المذهبيّ أو الدينيّ ممّا يجعلها مُجَمِّلات خطابيّة ليس أكثر، ومنهم من يعتبرها غطاء أو ممرّاً لتغطية استيراد المفاهيم الغريبة عن المجتمعات أو ذريعة لزيادة الآراء والاختلافات التي تساهم في تفتيت النّسيج الاجتماعيّ. أمّا عند البعض الآخر فقد تحوّلت هذه المُصطلحات إلى ما يوازي القضيّة من حيث الأهميّة باعتبارها دواء ناجعاً يساهم في نهضة المُجتمع دون الحاجة إلى إلغاء أو تهميش أي مُكوّن من مكوّناته.
وكتمهيد نظريّ للخوض في موضوع الحوار واحترام الآخر عند الموحّدين الدّروز، لا بدّ من توضيح أنّ كلّ اعتبار من الاعتبارات التي سبق ذكرها له من الأسباب ما يبرّره، وقد يكون تفضيل أيّ اعتبار على الآخر دون دِراية وفَهْم للطّبيعة البشريّة وتطوّرها تفضيلاً يخضع للمشاعر والمصالح، فالانفتاح والحوار يلزمه بعض الشّروط ليكون نافعاً ومُنتجاً:
֍ أوّلُها معرفة الإنسان لنفسه، وقد غاص الفلاسفة والمفكّرون منذ التاريخ القديم وصولاً إلى المفكّرين المُعاصرين في التّحليل والتّعليل حول ذلك، فقد تكون أَشهر حكمة وأقصرها وصلت إلينا عن أرسطو أحد أكبر الفلاسفة القدماء الذين بصموا حياة البشرية بفكرهم وأخلاقهم هي قوله: اِعرف نفسَك، وقد تُختَصر رائعة فريد الدين العطار التي جَسّدها في كتابه “منطق الطّير” وصف مشقّة الطّريق إلى الحقيقة والتي كلّفت طيور السّيمرغ كلّ أصناف الاحتمال والعذاب في طريقها إلى “جبل قاف”، تُختَصر في أنّهم وجدوا الحقيقة في انعكاس صورهم وحقيقتهم بوجهها الكماليّ. فمن لم يعرف نفسه سيبقى خائفاً من غيره لا مَحالة، وسيلجأ إلى تنمية العصبيّة الفرديّة والجماعيّة لفرض سياج حول نفسه لا يخترقه منطق أو حقيقة.
֍ ثانيها معرفة الإنسان لغيره، فلا حِوارَ دون احترام، ولا يُمكن واقعيّاً احترام الآخر دون معرفته ومعرفة حدود خصوصيّته، ولعلّ أحدث نصٍّ تشريعيّ صدر على نطاق عالميّ يكفل هذا الحق هو ما ورد في الفقرة الثّانية من المادة التّاسعة والعشرين من الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان.
֍ ثالثها وليس آخرها قناعة الفرد أو الجماعة بأنّ التّنوُّع في كلّ أشكاله هو سرٌّ من أسرار الوجود، وهو حقيقة لا يستطيع عاقل أن يتجاهلها، ومن أكثر الآيات ترداداً قوله تعالى في كتابه العزيز: “يا أيُّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لِتَعارفوا أنّ أكرمكم عند الله أتقاكم”. وفي الجانب الفلسفي والوجودي فإنّ الحركة هي ضدّ الجمود، ولذلك يقوم الكون من أصغر جزئياته إلى أكبرها على الثنائيّات أو الثلاثيّات أو غيرها، تتحرّك ضمن القوانين الفيزيائيّة ممّا يخلق التوازنات التي تكفل ديمومة الحياة وعدم جمودها.
أمّا تاريخيا، فقد طوّرت معظم المذاهب والأديان خطابها في القرون الأخيرة خصوصاً في القرن العشرين، الظاهريّ منه على الأقل، وانتقلت من المناداة بحصريّة الحقيقة عبر طُرُقها ومؤسّساتها إلى إمكانية خلاص الآخر بصلاح عمله ولو كان يحمل إيماناً مُختلفاً، نُلاحظ أنّ عديداً من العلماء ورجال الدّين المُعاصرين قد غيّروا من توجّهات وتقنيّات أبحاثهم وخطابهم، فبعد أن كان الأولون يبحثون في الفوارق مع الآخر في ما يُشبه السّعي الدّائم إلى تبرير وإثبات الهُوِّية المستقلّة لمذهبهم، وقد يكون ذلك خدمة للمسارات السياسيّة حينها، نرى أن توجّهات المعاصرين ركّزت على المساحات المشتركة بين المذاهب والأديان، وكذلك ركّزت على استنباط القيم الإنسانيّة المُشتركة المودوعة فيها، واقتنع معظم رجال الدّين المُتنورين أنّ خطابهم يعبّر عن إرادتهم هم وليس عن إرادة الدّين، فالكتب الدينيّة المُقدّسة لم تُكتب دفعة واحدة بل نزلت أو كُتبت بترتيب زمنيّ مُعَيّن مع تسلسل الأحداث، ويمكن لرجل الدّين أن يقرأ من الكتاب ما يتوافق مع إرادته ونيَّته، فإنْ شاء التقرُّب من الآخر المُخلتف وجد ما يسانده، وإن شاء إقصاءً ورفضًا وجد أيضا ما يسانده.
فيما يتعلّق بنهج طائفة المُوَحِّدين الدّروز تحتمل هذه المقالة أن أذكر ما فهمته واكتسبته من متابعة عُلَمائها وشيوخها تحت ثلاثة عناوين:
1- حُرِّيَّة الالتزام الدينيّ لأبناء المذهب وللآخرين،
2- المسلك العِرفانيّ – فَهْمٌ للوجود واحترامٌ للتّنوُّع،
3- اِحترامُ الخيارات الشخصيّة للأفراد.

مع التّوضيح أنَّ ما يَرِدُ في هذه المقالة، خصوصاً في الجانب الدينيّ، ليس بالضّرورة موضع إجماع إذ لا يوجد نصٌ أو مصدر مَرجعيّ يُلزم أبناء المذهب بدراسته والالتزام به، وأتحمّل شخصيّاً مسؤوليّة بعض الاجتهادات والاستنتاجات التي قد لا يستحسنُها أو يوافق عليها غيري من المُفكّرين والباحثين الذين يجهدون مشكورين ومقدّرين في توضيح الالتباس المُزْمِن الذي يُحيط بفَهْم مجتمع المُوَحّدين الدّروز، والذي نتج عنه الكثير من الافتراء والقذف والتَّجنّي بحقّ هذه الطائفة على مُستويات عدة.
1- حُرِّيَّة الالتزام الدينيّ لأبناء المذهب وللآخرين: يميل علماء المَسلك وشيوخه في التاريخ القديم والمُعاصر إلى حَثِّ الفرد على إصلاح نفسه طَوعاً، فلا إكراه في الدّين، ولم يسجِّل التّاريخ أيّة محاولة لرجل دين من طائفة الموحِّدين سعى إلى فرض العقائد الدّينيّة عبر استعمال القوّة أو السّلطة على أفراد مجتمعه، ولم يَسْعَ حتى الدُّعاة الأوائل في المسلك إلى استخدام السّلطة لفرض المَسلك الجديد. وذلك عن قناعة بالثَّابت المُشترك بين كُلِّ المذاهب والأديان أنَّ وصايا الله هي الرّحمة والمَحبَّة، وليس القتل والإلغاء. وما أدلّ على سِعَة رحمة الله إلَّا قوله تعالى: “إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والنّصارى والصّابئين مَنْ آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرُهم عند ربِّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون”، ورغم اعتبار بعض العلماء والمُفسّرين أنَّ هذه الآية قد نُسِخَت بغير آية، إلّا أنَّها تبقى نصّاً مقدّساً لا يُمكن تجاهُلُه، يكفل أنّ من يعمل خيراً وصالحاً ويؤمن بالحساب فهو من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، خصوصاً أنّ العديد من الآيات أشارت إلى أنَّ العدل الإلهيَّ لا محالة يعكس أعمال المرء إليه، مع رحمةٍ وعفوٍ من الله لمن يشاء، كقوله تعالى: “وما أصابكم من مُصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير”، وكذلك قوله: “فمن يعملْ مثقالَ ذرَّة خيراً يَرَهْ ومن يعمل مثقال ذرة شرّاً يَرَه”، أو قوله: “ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسِك”. وانطلاقاً من هذا الإيمان فقد صار لازماً على الموحد أن يسعى لإصلاح نفسه ولجم جموحها، وبصلاحها يصطلح المجتمع لأنّ صلاح الجزء يساهم في صلاح الكُلّ، والأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكر لا يُخوِّلان العبدَ أنْ يَحكُم على عبد آخر ويُصدر الأحكام عليه إلّا مَنْ كان قاضياً أو والياً يحكم بموجب القانون والشّرع على الأفعال لا على النيّات. وأقصى عقوبة دينيّة تحلّ بالمُلتزم دينيّاً إذا بَدَرَ منه ما يستوجب العقاب هو هجرانه دينيّاً وحِرمانه من حلقات الذّكر لفترة من الزَّمن، فيكون هذا دافعاً له على استشعار ذنبه وطلب التّوبة والاستغفار من ربِّ العالَمين.

2- المسلكُ العِرفانيّ – فَهْمٌ للوجود واحترامٌ للتنوُّع: إنّ هذا المسلك يرتقي بالعقول والنّفوس لما له من دور في قمع الشّهوات، ومتى ما تهذّبت شهوة التسلُّط وما ينتج عنها من إلغاء معنوي ومادِّي للآخر فإن قَبُولَه سيصبح أمراً طبيعيّاً لا تَكلُّفَ فيه. كذلك فإنّ النظر إلى هذا الوجود كَتَجلٍّ لنور الحقيقة المُطلقة التي لا يخلو منها مكان ولا هي إلى مكان أقرب من مكان كما قال موسى عليه السلام، يُصبح مَحَبّةً وعِشْقا لأنَّه الكلمة التي تدلّ على المَعنى دون أن تكون هي هو. ويصبح النّظر إلى الإنسان الآخر كنظيرٍ في الخَلق كما قال الإمام علي (ع) أمراً إنسانيّاً طبيعيّاً، وتُصبح مُعاملة الناس بالتي هي أحسنُ سلوكاً دينيّاً وإنسانيّاً كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: “الخلقُ كلُّهم عيال الله وأحبُّ خَلْقه إليه أنفعهم لعياله”. اتِّباعا لهذا المسلك يرى الموحّدون الدّروز أنّ الوجود بأنظمته هو تنوُّعُهُ وألوانُه واختلافاتُه له معنًىً حقيقيٌّ واحدٌ لا يُمكن للعقل البشريّ أن يُحيطَ بكلِّيَّته، بل يُحيط بشيءٍ منه على مستوى العقل الطبيعيّ والغريزيّ، ويعرفُ من الماورائيّات على مستوى العقل المُكْتسَب والعقل الدّينيّ، فاللهُ “يُؤتي الحكمةَ من يشاء ومن يُؤتَ الحكمةَ فقد أُوتِيَ خَيْراً كثيراً”، “وقَتَل داوودُ جالوتَ وآتاه الله المُلك والحكمة وعلَّمه ممّا يشاء”، وفي سورة آلِ عمرانَ خاطب الملاكُ مريمَ يُخبرُها عن عيسى: “ويعلِّمُه الكتابَ والحكمة والتّوراة والإنجيلَ”، وفي سورة لُقمانَ: “ولقد آتينا لقمان الحكمة أنِ اشكر الله”، وفي سورة الإسراء خاطب النّبي صلّى الله عليه وسلّم: “ذلك ممّا أوحى إليك ربك من الحكمة”. يتجلّى معنى هذا الوجود للقلوب على مقدار صفائها وجلاء الرّان عنها وعلى مقدار ما تعقل من هذه الحكمة، والرّان هو حِجابٌ من الذنوب والمعاصي والانغماس بالماديّات تغلّف القلب فتَحُول بينه وبين استشعار الحقيقة، ويُصبح هذا القلب قاسياً لا يقبل اللّطائف ولا يزدجر عن النّواهي، وفي هذا المنحى قال تعالى: “لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيتَه خاشعاً مُتَصدِّعا من خَشْية الله”، ومن لم يتخلّص من الرّان لا يصل إلى لبّ التّوحيد الذي هو الإحسان، وقد أجمع المسلمون أن الإسلام ثلاث مراتب: إسلام فإيمان فإحسان، والإحسان هو أن تعبدَ الله كأنك تراه فإن لم تَرَه فهو يراك. وبما أنّ رؤية الحقيقة الإلهيّة هي قِمّةُ النّعيم الذي وَعَدَنا تعالى بها، وجحيمه هو الحرمان من هذه الرُّؤية: “كلّا إنّهم عن ربّهم يومئذ لَمحجوبون”، ممّا يدلُّ على أنَّ أهل الجنّة لن يكونوا عن ربّهم محجوبين، فصار نصيب الإنسان في الدّنيا هو رؤية انعكاسات الحكمة والتدبير الإلهيين في مخلوقاته، فيرى معنى الحقيقة في كلِّ ما يراه: “ولله المَشرق والمغرب فأينما تُولّوا فثمّ وجه الله”.

أمّا على صعيد الأخلاق وكيفيّة انعكاس هذا المَسلك العِرفاني عليها، فبعد أن كَفل القرآن الكريم تنوّع واختلاف خَلقه مُحَدِّداً أنّ أقربهم إليه أتقاهم، اعتمد المُوَحّدون مبدأ اقتران حُسن النّتيجة بحُسن السّبب، وبهذا فإنّ حُسْنَ الإيمان وصدق العبادة لا بدَّ إلّا أنْ يُترجَم حُسناً في معاملة الآخرين، لذلك يُردِّد مشايخُنا وعلماؤنا قولاً مُختَصراً شدّد عليه الشيخ الفاضل أبو الهلال محمّد: “يُسْتدَلُّ على صِحّة دين المرء من صِحّة مُعاملته”، وهذا القول المُبَسّط يحمل روحيّة قول نبيِّنا الكريم “المُسلم مَن سَلِمَ الناس من يده ولسانه”، والتّديُّن والإيمان لا يتعارضان مع الأنظمة والقوانين الوضعيّة، فالدّين عند المسلمين كافّة هو شِقّان: عبادات ومُعاملات، أمّا العبادات فهي حقٌ لكلّ إنسان بموجب إيمانه وباعتبار أنَّ حرّية الإيمان مقدّسة، وكل طائفة تقوم بطقوسها كما تشاء. أمّا المُعاملات، وهي الشّقُّ الذي يتعلّق بالتّعامل مع الآخر، فهو يتوافق مع القوانين جملة وتفصيلاً خصوصاً لجهة حفظ الحقوق وعدم التعدِّي على حقوق الآخرين.

3- اِحترام الخيارات الشّخصيّة للأفراد:
وينطبق ذلك على أبناء المذهب وأبناء المذاهب الأُخرى:
֍ بالنّسبة لأبناء المذهب فقد اعتمد مَسلك التّوحيد في كثير من قضاياه مبادئ دون مسميّات، فالمُسَمّى قد يتغيَّر مع مرور الزّمن بينما المبدأ يبقى ثابتاً، فمن مبادئ التّحريم مثلاَ وقوع المُحَرّم تحت أحد هذه الخصائص الأربعة: إذهابُ العقل أو إذهابُ الصِحّة أو تبذير المال أو تبذير الوقت دون مردود أو منفعة، وتحت هذه الخصائص يقع التّدخين مثلاً، بكل أصنافه وأشكاله، لأنّه مُذهِبٌ للصحّة ومُذهِبٌ للمال ممّا يجعله مُحَرّماً عند المُوَحِّدين الدّروز حتى لو لم يوجد في القرآن الكريم والسنّة النبويّة ما يُحَرّمه، ومن اختراعات العصر الحديث مثلا المُفَرقعات الناريّة، ولا يوجد نصٌّ حولها لأنّه لم تكن موجودة، آن نزول النّص لكنّها تبذيرٌ للمال فجاز تحريمها.

أمّا في الأمور الحياتيّة فقد اعتمد المَسلك التّوحيديّ أيضاً في كثير من الجوانب التي تتعلّقُ بمرتبة وعلوّ درجة المُوَحّد مع ربّه في غير المطلوب ضمن دعائم الإسلام، اعتمد وضع قواعد مُثلى دون أن يحدّد التفاصيل وعتبة الاجتياز، فتكون درجة الموحّد وعلوّ شأنه أمام ربه على مقدار اقترابه من هذه القاعدة المُثلى، كعلاقة العقل بالشّهوة مثلا، فمن غَلَبَ عقلُه شهوتَه تقرّب وتشبَّه بالملائكة، ومن غلبَت شهوتُه عقلَه انحدر في إنسانيَّته نحو الغرائزيّة. انطلاقاً من هذه المبادئ وهذه القواعد يَحْترم رجال الدِّين خيارات الفرد الشّخصيّة لأنّه هو وحده من يحمل وِزْرَ أعماله من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ الله عز وجلّ وحدَه يعلم أسباب ودوافع الفرد في خياراته، لذلك يكتفي رجل الدّين بالأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكَر، باستثناء ما يُنظّمه قانون الأحوال الشّخصيّة كالزَّواج والميراث، وكذلك الدّور المعنويّ في التّوجيه الأخلاقيّ الاجتماعي والوطني العامّ. مع الإشارة إلى أنّ الكثير من العادات الاجتماعيّة المعروفيّة الموجودة حاليّاً بنسب متفاوتة بين مِنْطقة وأُخرى تختلط على الباحثين فيعتبرونَها دينيّة.
֍ بالنّسبة لأبناء المذاهب والأديان الأُخرى فالتّوجّه منذ البداية كان احترام عقائد الآخرين احتراماً تامّاً دون الدّخول في مُناظرات أو مُقارنات أو نقاشات، فكلّ ما يُشوّش إيمان الآخر أو يُوصِل إلى نزاعات يُعتَبرُ مكروهاً غير مرغوب فيه. ومن واجبات الموحّد أن يلتزم بمراتب الإسلام الثّلاث ولا يكتفي بالتزام المَسلك العِرفاني الذي نشأ متأثِّرا بمرتبة الإحسان، فالإحسانُ لا وصولَ إليه إلّا من الإيمان، والإيمان لا وصول إليه إلّا من الإسلام، فالإسلام هو جذع الشّجرة والإيمان أغصانُها والإحسان ثمارُها. ولا يجني الثّمرَ من أهمل الأغصان والجذع، وقد ذكّر وحسم بذلك الأمير السيّد جمال الدّين عبدالله التنّوخي وكذلك الشيخ الفاضل أبو الهلال محمّد وضوحاً وصراحةً، وتشدَّدا على من عاصرهما للالتزام التامّ في ذلك. والالتزام بهذه المراتب فعليّاً يعني الالتقاء مع الأمّة قِيَمِيّاً وروحيّاً دون أن تكون خصوصيّة أيّ مذهب أو دين سبباً للنّزاع أو التّفتّت.

وفي الختام يمكن أن أوجز انعكاس ما حاولت إيضاحه في هذا النّص عن مُجتمع الموحّدين الدّروز وأخلاقيّاتهم على سلوك أبرز القادة السّياسييِّن ونُصرة الموحّدين المعروفييِّن لهم في التّاريخ المُعاصر، فبعد أن امتلأت ذاكرة التّاريخ ببطولاتهم وتضحياتهم في الدّفاع عن ثغور بلاد الشّام، واستبسالهم في قطع طرق الإفرنج نحو القدس على مدى عقود، فقد تصدّر سلطان باشا الأطرش صفحات تاريخ جبل العرب في مطلع القرن العشرين في مواجهة الانتداب، ولُقِّبَ الأميرُ شكيب أرسلان بفتى الثَّورات العربيّة التي أوصلت الدّول العربيّة إلى استقلالها من شمال أفريقيا إلى شبه الجزيرة العربيّة، ولا زال التقدّمي المُتَصَوِّف كمال جنبلاط أبرز شهيد للقضيّة الفلسطينيّة التي ما برحت تنزف مدى ستِّين عاماً. نعم كُلّهم يحملون من مبادئ مسلك التّوحيد وخِصاله، وتجري في عروقهم نخوة المعروفييِّن المجاهدين، يَدعون إلى التّعاضُد والتّعالي عن الانقسامات والحِسابات المذهبيَّة التي تُشكل أقوى سلاح يستعمله الأعداء والمتربِّصون، ولم تُشكلْ خصوصيّة مذهبهم حائلاً أمام انفتاحهم على الآخرين فكانوا رِيادييِّن في الدّفاع عن قضايا المِنطقة لا سبباً في تفتيت نسيجها كما يُرَوّج بعض المُتَشَدِّدين الإلغائييِّن الذين مازالوا يتوهّمون بأنّ ضَعفَ الأُمّة سببُه التنوُّع في مجتمعاتها.

المكتبةُ الوطنيّة

المكتبةُ الوطنيّة
من أغنى الصروح الثقافية في لبنان والعالم العربي وتضم 140 ألف كتاب و280 ألف مطبوعة دورية

مدير المكتبة الوطنيّة غازي صعب لـ :
طموحي أن نرتقي بالمكتبة الوطنيّة الى مصافّ كبرى المكتبات في العالم.

لدينا مشاريع كثيرة بحاجة الى أريحيّة أصحاب الأيادي الخيّرة لتنفيذها.

تمثال الأمير فخر الدّين المعني شكَّل هاجساً لدى النائب جنبلاط حتى أعيد تركيبه في الباحة الخارجية

قد تكون المكتبةُ الوطنيّةُ في بعقلين من أهمّ الإنجازات التي تحقّقت في منطقة الجبل، ويعود الفضل في تأسيسها إلى رئيس اللّقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط الذي أصرّ على الرّغم من كلّ الاعتراضات التي واجهته أن يحوّل هذا المكان الذي كان محكمة وسجناً إلى مكتبة، متجاوزاً المثل القائل (من يفتحْ مدرسة يقفلْ سجناً) إلى القول: من يفتح مكتبة يقفلْ كلّ السجون ويفتحْ أبواب العلم والثّقافة أمام روّاد العلم والمعرفة لتكونَ في مُتناوَل الجميع دون عناء. تلك هي رسالة المكتبة الوطنيّة، شاءها راعي الثقافة في الجبل الأستاذ وليد جنبلاط منارة في قلب هذا الجبل الذي أعاد إليه عزّه وعنفوانه فسما به إلى العلى مَجداً خالداً لا ينحني ولا يلين.

تلك هي المكتبة الوطنيّة في بعقلين؛ فيا أيها الساعون إليها من أيّ مكان أتيتم لتنهلوا العلم من معينه مهلاً إنْ أضعتم البوصلة في الاهتداء إليها، فذا تمثال الأمير فخر الدّين المعني الثاني الكبير؛ المنتصب في باحتها الخارجيّة، بما يرمز من شموخ وكبر، يحفظ لكم في بطانة عباءته عشرات آلاف الكتب القيّمة والمطبوعات النادرة تغرفون من بحورها ما تشاؤون.
تشغل المكتبة الوطنية في بعقلين اليوم مبنىً أثريّاً مميّزاً يعود بناؤه إلى سنة 1897م أيام المتصرفيّة، وكان يُعْرَف بِسَراي بعقلين حيث يضمّ محكمة بدائية ومخفراً للدّرك وسجناً.

تم افتتاح المكتبة الوطنيّة في 13 آذار 1987 بعد ترميم المبنى وتأهيله من الداخل والخارج وتجهيزه بكلّ المستلزمات الخاصّة بالمكتبات العامة بمبادرة من معالي الأستاذ وليد جنبلاط. وفي العام 1996 تبنّى مجلس الوزراء في قراره رقم40 بتاريخ 6/3/1996 هذا الصّرح الثقافيّ المجتمعي. ثم تعاقدت وزارة الثّقافة مع الموظفين العاملين فيها بناء على القرار رقم 44 تاريخ 6/10/ 1996 وهي تضمّ مجموعة أقسام: الإدارة – الفهرسة والتصنيف – الخدمات القرائية والمرجعية – التوثيق والأرشيف – التزويد والاقتناء – الكمبيوتر ــ مكتبة الأطفال – اللغة الإنكليزية – قاعة النّشاطات والنّدوات – مسرح وصالات احتفالات مركزيّة هي اليوم قيد التنفيذ.

وفي هذا الحوار مع مديرها الأستاذ غازي صعب إضاءة مشرقة على ما تحقق من إنجازات وفيما يلي نَص الحوار:
منذ مدة والعمل في المكتبة الوطنيّة لم يتوقّف، فما هي أبرز المشاريع التي نُفِّذَت والمنويّ تنفيذها؟
من الواضح أنّ المكتبة الوطنيّة كانت في السنوات الماضية تقتصر على السّراي القديم، ولقد أصبحت اليوم تضيق بالنّشاطات التي تستضيفها بشكل دائم. وبطلب من رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط تقرر توسعتها وإنجاز الأقسام الباقية مع شرط المحافظة على طابعها العمراني القديم. ومنذ ثلاث سنوات تمّ افتتاح قاعة المحاضرات في المبنى الجديد، وهي تتّسع لنحو 250 شخصاً، وفي المبنى نفسه يوجد المركز المخصّص للأرشيف، ويضم نحو 280 ألف مطبوعة دوريّة من بينها مجلّات وصحف ونشرات متعدّدة. وبعد أشهر قليلة سيتمّ افتتاح مسرح المكتبة الوطنيّة الذي يتّسع لنحو 450 شخصاً وفق أحدث نظم المسارح العالميّة، ويضمّ أيضاً عدّة قاعات قد تُستخدَم للمعارض وصالات للسينما.

من هي الجهة المُموِّلَة لهذه المشاريع الضّخمة؟
مصدر التمويل هو وزارة الأشغال العامّة والنقل، أمّا توقيع الاعتماد فقد تمّ في أيام الوزير غازي العريضي مروراً بوزارة الثقافة وديوان المحاسبة، وقد تطلب الأمر مني متابعة شخصية حتى أصبح قيد التنفيذ.
هل هناك من مشاريع مُلحِّة يجري تنفيذها؟
بعد أن ضاقت الأمكنة بالكتب المُنتقاة، نعمل حاليّاً على تحويل القاعة في الطابق السُّفلي الى مكتبة وتجهيزها لتستوعب الكتب والمراجع الجديدة، وهي بغالبيتها مُهداة للمكتبة من النائب وليد جنبلاط، وهو مشروع كبير تتولّى وزارة الثقافة تنسيقه وتمويله، كما بدأنا بتطوير برنامج مكننة المكتبة وتحويله إلى برنامج حديث يمكّنها من تقوية موقعها الإلكتروني على شبكة الإنترنت. وفي العام 2002 كنّا من أوائل المكتبات اللّبنانية والعربيّة التي سهّلت لروادها البحث عن مصادر المعلومات من خلال موقعها الإلكتروني www.baakeenlibrary.com وهذا الموقع نال المرتبة الأولى من حيث المضمون والمحتوى وقد تمت المقارنة بين موقعنا الإلكتروني والعديد من المواقع المشاركة بشكل دقيق.

مدخل المكتبة الوطنية
مدخل المكتبة الوطنية

ما هي البرامج والأفكار التي أطلقتَها لتحديث المكتبة؟
من أهم البرامج التي اشتغلنا عليها لتحديث المكتبة وتطويرها، برنامج الإعارة الخارجيّة الذي باشرنا العمل عليه منذ ثلاث سنوات بعدما أتَحْنا فرصة الإعارة الخارجية المجانية للجميع على مستوى لبنان، ولقد بلغ معدّل الإعارة سنويّاً عشرة آلاف كتاب، وهذا رقم قياسي إنْ في لبنان أو في بعض الدّول العربيّة. والجدير ذكره في هذا الموضوع أننا خطّطنا لتشجيع المطالعة للفئات العمرية كافّة، وكنّا نستهدف بشكل خاص الأطفال والناشئة وجيل الشباب، وأعتقد أننا حقّقنا هدفنا إذ بلغ عدد المستعيرين 65 بالمئة من روّاد المكتبة. ومن المفيد ذكره أنّ هناك الكثير من طلّاب الدراسات الجامعيّة والجامعيّة العليا يزورون المكتبة لمتابعة دراساتهم وأبحاثهم من مختلف المناطق اللبنانية، وهذا أمر نعتزّ به ونفتخر لأنّنا استطعنا أن ننشرَ المعرفة بين أبناء الوطن بكل فئاته.

هل لك أن تذكر لنا أبرز المعوقات التي اعترضت قيام هذه المكتبة؟
المعوقات كانت كثيرة في بداية الأمر ولكنها ذُلِّلَت. والقِصّة بدأت في العام 1985 عندما حاولت الدّولة استرجاعها والإبقاء عليها كسجن. لكن أهالي بعقلين رفضوا ذلك وطلبوا من النائب جنبلاط المحافظة على طابعها الجديد وتحويلها إلى مكتبة فكان لهم ما أرادوا، وقد اعتصمت الهيئات الثقافية اللبنانية في المكتبة دعماً لاستمرارها. في العام 1986 قام النائب جنبلاط بترميمها وأمر بإزالة الزنازين والقضبان الحديديّة التي كانت تحيط بها ومحو معالم السّجن عنها، وحوّلها إلى مكتبة وطنيّة وقدّمها إلى الدولة اللبنانية التي انتظرت عشر سنوات حتى اتّخذت قراراً بضمّها إلى وزارة الثّقافة بقرار من مجلس الوزراء في العام 1996، ثمّ جرى التعاقد مع الموظّفين المختصّين في السّنوات اللاحقة.

من يُموّل النشاطات التي تُقام في المكتبة الوطنية؟
لدينا معاناة كبيرة بالنسبة لتمويل الأنشطة والأعمال المطلوب تطويرها، فوزارة الثقافة تؤمن رواتب الموظّفين، وتقدّم القليل من المصاريف والنّفقات الضّرورية، كأعمال الصيانة وتأمين المحروقات لجهاز التدفئة، والقرطاسية، ولكي نؤمّن الموازنة التي تحتاجها المكتبة نقيم كلَّ سنة عشاء سنوياً ندعو إليه بعض الشخصيّات البارزة لتقديم الدّعم للمكتبة. كما أن جمعيّة أصدقاء المكتبة تضمُّ عدداً من المتطوّعين من الشخصيّات الفاعلة في المجتمع وتبذل جهدها لمساعدة إدارة المكتبة.

قاعة المحاضرات والمعارض
قاعة المحاضرات والمعارض

لملاحظ أنّ تمثال الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير عاد لينتصب من جديد في باحة المكتبة، فماذا أضاف هذا الرّمز التاريخيّ على المكتبة الوطنية؟
منذ أن أزاح الرّئيس الراحل سليمان فرنجية الستار عن تمثال الأمير فخر الدين ممتطياً ظهر حصانه في هذا المكان. كان لهذا التمثال حكاية طويلة، ففي الحرب الأهلية أصيب التمثال بقذيفة من العيار الثقيل أدّت الى تحطّمه آنذاك، وقد شكّلت إعادته إلى هذه الساحة هاجساً بالنسبة لوليد بك، حتى أنّه أوعز بتحضير تمثال بدلاً منه، وهذا ما حصل، وقد أشرف الفنان عساف عساف وأخواه على تصميمه، وعند الانتهاء منه أصرَّ النائب جنبلاط على وضعه في باحة المكتبة مع الإبقاء على اللوحة الرخاميّة نفسها التي كتب عليها (تمّ وضع هذا التمثال في عهد الرئيس سليمان فرنجيّة) مع الإشارة إلى أنّ معظم المكتبات في العالم تزدان بمنحوتات وتماثيل لقادتها وزعمائها وأدبائها وعباقرتها. ولقد أضفى هذا التمثال على باحة المكتبة جماليّة خاصة ومميزة.

ما أهميّة وجود مكتبة وطنيّة بهذا الحجم في قلب الجبل؟
لا تقتصر أهمية المكتبة على منطقة الجبل فقط، وإنّما على لبنان كلِّه، فقد استطعنا من خلال التواصل الدائم مع وليد بك ووزارة الثقافة لاحقاً، أن نجعل منها مكتبة لكلّ لبنان لما تقدمه من خدمات تقليديّة وعينيّة ومرجعيّة؛ ولما نقيمه من أنشطة ثقافيّة وتربويّة يشارك فيها معظم الأدباء والشعراء والمبدعين من كلّ لبنان.

متى يتدخَّل النائب جنبلاط في شؤون المكتبة؟
أجزم أنّ مؤسس المكتبة وليد جنبلاط، لا يتدخّل في أيِّ شأن من شؤون المكتبة منذ أن أصبحت تابعة لوزارة الثقافة، وأذكر بالمناسبة أنّه مرّة أرسل لنا كتاباً بالّلغة الإنكليزية لنضعه في المكتبة، وبعد فترة سألني إذا تم تسجيل الكتاب في أرشيف المكتبة فأجبته بنعم، فردّ سائلاً ما إذا كان يستطيع استعارته لمدّة أسبوعين فقط فأجبته بالتأكيد، ولكنّه قبل انقضاء المدّة اتّصل وأبلغني عدم الانتهاء من قراءته فأعطيناه فرصة أسبوعين آخرين غير أنّه أعاده إلى المكتبة بعد أسبوع، وهو كما أشرت يَهَبُ المكتبة كلَّ ما يَصِل إليه من كتب ودراسات.

من هي أبرز الشّخصيات التي قمتم بتكريمها؟
كثيرة هي الشخصيات التي جرى تكريمها في المكتبة الوطنية منها: مئوية الشاعر الكبير سعيد عقل، والشاعر الكويتي عبد العزيز البابطين، ومن أبرز الأنشطة التي أتذكّرها، زيارة العديد من السفراء العرب والأجانب، المعتمدين في لبنان الذين تعاونّا معهم في العديد من الأنشطة المشتركة وأخص بالذكر إمارة الشارقة تحديداً، وزيارات العديد من الوفود العربية والأجنبية التي تشارك في المؤتمرات التي تعقد في لبنان، ومن الزوار المهمين مدير المكتبة الوطنية في طهران، وأصدقاء المكتبات العربية المشاركة في مؤتمر جمعيات المكتبات العربية، والعديد من الباحثين من دول أوروبا والشّرق الأوسط. وبالمناسبة أتمنّى على كل اللبنانيين القادرين وخاصة من أبناء الجبل زيارة المكتبة لتشجيع هذا الفريق العامل فيها، والمميّز بدقة عمله وبخبرته المكتبية لدعم المكتبة لنعمل معاً على تطويرها بشكل أفضل ولدينا مشاريع كثيرة بحاجة إلى أريحية أصحاب الكرامة لتنفيذها.

ل لديكم إحصاء حول مجموع روّاد المكتبة في العام 2017؟
بلغ مجموع المشاركين في مُجمل الأنشطة التي أقيمت في المكتبة للعام 2017 ما مجموعه 20369 شخصاً، وهذا العدد فاق كلّ التوقعات لهذه السنة.

لمزيد من المعلومات عن المكتبة يرجى زيارة:
www.baakeenlibrary.com

المقاربة الرّوحيّة لمفهوم الأخلاق في نهج الأمير السيّد (ق)

سيـرةٌ أثـيلَة

عاشَ الأميرُ السيِّد جمال الدّين عبد الله التنوخي قَدَّس الله سرّه منذ بداية العقد الثالث إلى ما قبل منتصف العقد التاسع، في القرن التاسع للهجرة (820 – 884 ه) / (1417 – 1479 م) وفقاً لما ورد في مصادر سيرته التي كتبها بعد وفاته من عرفهُ ووعاه واستنار بلطائف فوائده الروحيَّة والتزم نهجه في التدبير الحكيم لأمور المسلك والتعليم والتهذيب الأخلاقي الذي هو قاعدة أساسيَّة من قواعد أصول العبادات والمعاملات في الدّين.

وَتَتطابقُ رواية الفصول الأساسيَّة في سيرته التي كتبها، كلّ وفق أسلوبه، ثلاثة من معاصريه، منهم اثنان من خواص تلاميذه وإخوانه هما الشيخ أبو علي مرعي، والشيخ أبو يوسف علم الدِّين سليمان بن حسيْن، والثالث هو حمزة ابن أحد التلاميذ المعلّمين الذي كان يُقرئ غالبية التلاميذ القرآن الشّريف (أي يعلِّمُهُم قواعدَ قراءته) كما جاء في كتاب “صِدق الأخبار”، وهو الفقيه شهاب الدّين أحمد بن صالح الشهير بابن سباط. وكان حمزة، ابنه، في رَيعان الشباب عند وفاة الأمير السيِّد.

وأمَّا ملامح تلك الفصول فهي التزام الأمير جمال الدّين المسلك وفق الأعراف الأثيلة، وظهور مآثره الاستثنائيَّة خلال شهر واحد أدرك فيه سنّ البلوغ، ومن ثمَّ طوافه في البلاد طلباً للفائدة والمذاكرة مع “الأجواد”، ثمَّ تَشَكُّل كوكبة من المريدين النابهين المتيقظين حوله حملوا معهُ أمانة النهوض بالوعي الرُّوحيّ من التباسات “عصر الانحطاط” (يُسمّيه د. أسد رستم في أحد بحوثه: العصور المظلمة، ويتحدَّث عن الدور التنويري الذي قام به الأميرُ السيّد في تلك الحقبة)، إلى منافذ الإنابة والاستبصار والسَّعي الحثيث علماً وعملًا نحو “القبول والترقّي والعروج إلى حدِّ الإنسانيَّة” حيث تكون ثمرة أفعال المرء “العقل والحِلم والسُّكون والرَّزانة والرُّجحان، والعفاف والصِّيانة والنَّظافة والطَّاعة والطَّهارة ومكارم الأخلاق” إلى ما ماثلها من فضائل راقية سامية.

وتتعرَّض مصادر السيرة إلى ما واجهه من “مضادَدة” من العديد الذي “لم يفهم مبناه”، الأمر الذي أدَّى في ظروف معيَّنة إلى مغادرته “منطقة الغرب” إلى دمشق، حيث مكث فيها ما يناهزُ اثني عشر عاماً حتَّى تبدَّت للخَلق كراماته برزانة العقل وثاقب البصيرة وتوقّد القريحة وسموّ المسلك واتّساع فسحة المعرفة إلى آفاق لا تفي “بشرح معانيها الطّروس”. ومن ثمَّ عودته إلى بلدته، وانصرافه، بعد وفاة ولده الذي بلغ درجة العالِم في مستهلّ شبابه، إلى توضيح دقائق المعاني ولطائف مكنوناتها ممَّا يُحيي القلوب ويهذّب النفوس ويهيِّـــئُها إلى امتثال “مراسم الحقّ” كما هو لائق بكلِّ عاقِل.

والمرجَّح أنَّ السببَ المباشَر لعودته من دمشق إلى جبل لبنان بعد غيابٍ مديد هو وقعُ الرِّسالة الخطيرة التي كتبها “إلى جماعة البلدان وهو قاطن بمدينة الشام” (الاقتباسات من مجموع “مكاتبات الأمير السيِّد”)، ونبَّه فيها إلى عدم جواز بقائها في أيديهم، وقصْده من ذلك أن يُصار إلى قراءتها “في جميع البلدان”، كما أنَّه أنذر الكلّ بانَّه لم يبقَ عنده “مراجعة ولا كتاب، وهذه الصَّحيفة آخر القول والخطاب، ونهاية اللوْم والعتاب، إلَّا أن يكونَ الجوابُ حُسنَ المآب، والرّجوع إلى الحقِّ والصَّواب”. .

الكسلُ هو الفتور والتهاون والتقاعس، عن بذل الهمَّة سعياً إلى تهذيب النَّفس، وتعليمها ما يُفيدُ نباهتَها وحسنَ إدراكها

تضمَّن الكتابُ “تعتُّب وتعنيف وحثّ لجميع الإخوان”، وتبدَّى في ثنايا سطوره الكثيرُ من الإشارات الواضحة الدالَّة على التقصير والتأخير “عن عنوان منازل السَّابقين”، وعلى القعود كلالًا (أي تعباً وضعفاً) وتخلُّفاً “عمَّا انتهَت إليه عزائمُ المجتهدين اللاحقين”، وذلك يُردُّ لأسبابٍ منها النزوع إلى “طلب الجاه، وحبّ الرئاسة وكثرة الأعوان، والمبالغة في إقامة الحُرمة والناموس إلى أبعد غاية وأقصى مكان” (مصطلح “الناموس” في المأثور الرُّوحيّ الذي نهل منهُ الأميرُ السيِّد بات يعني الانكباب على عمل الظاهر والاطمئنان إليه من دون اكتراث بتعلّق القلب وأهواء النفس المتلاطمة بزخاريف العالم الدنيويّ). تلك المنازع هي كلّها “مصارع” لأهل الزمان، مؤدية إلى سلبهم الدّين والدّنيا، وهدم المنزلة، وخسارة السّعي. ومن استبصر “ما هو كائن من أحوال المعاملات” لوجد في ذاته القناعة والغنى لوقوفه في مقام الاعتبار واستشعار النَّصيحة.
قاعدةُ السَّعادة

أراد الأميرُ السيِّدُ أن يكونَ في رسالته فصل الخطاب مع كلّ الّذين لم يستشعروا في مساره الروحي، ومقاربته الإصلاحيَّة البالغة العُمق، سوى مقابلتها كعادتهم “بشخص السماع”، ومعاملة لطائف المعاني بما في مادّتهم “من كثيف الطّباع”، وجعلها “سنْحاً لا على سبيل الانتفاع، وصفحاً عن العقول بخلاف الاعتراف والخضوع والارتجاع”. أراد، بما أضاء به جَنانَه من نور المعرفة، وبما حقـقه في نفسه العاقلة من ثمار التحقّق، “بذلَ النَّصيحة وإنهاج طرُق الرَّشاد” لئلَّا يقولوا “ما جاءنا مُنبِّهٌ ولا واعظٌ، ولا رأينا في الزمان مشمِّراً ولا ناهضاً”، بل هي “حُجَّة لله” عليهم.

هكذا، تبلْوَرَ في كتابه هذا، وأيضاً في كتابه إلى الشيخ أبي عبد القادر زين الدِّين ريَّان “الّذي فرَّغ قلبَهُ لتحصيل ما يوجب الفوز العظيم(1)”، الكثير من “اللُّـمَع” الروحيَّة البليغة الواردة في مقام النُّصْح والتعليم، والتي من شأنها إيضاح المقاربة الرُّوحيَّة لمفهوم الأخلاق من حيث هو، من كلِّ وجوهه المعرفيَّة والمسلكيَّة، شرطٌ أساسيّ وضروريّ لصحَّة “الدّيانة” ولتحقق “حدّ الإنسانيَّة” الآنف الذِّكر.

تشتدُّ لهجةُ الأمير السيِّد حين يعدِّد بعضَ الآفات التي من شأنها أن تُـقْعِد “عن سلوك الطريق الواضح” وهي: “موتُ القرائح، والكسل الفاضح، وعدم القبول من الناصح، والتعامي عن الذّنوب، والرّخصة في اتّباع الحقّ المطلوب”. فأمَّا القريحةُ، عدا عن كونها مَلَكَة تُمكِّنُ من استنباطِ العِلم، فإنَّها تدلّ أيضاً على “ما خرجَ من طبيعة الإنسان من غير تكلُّف”، وعليه، يكونُ موتُها سبباً لغلبة التكلُّف والتصنُّع والبلادة وركود الذّهن على حركة التصرُّفات والأعمال.

والكسلُ هو الفتور والتهاون والتقاعس، في هذا السياق، عن بذل الهمَّة سعياً إلى تهذيب النَّفس، وتعليمها ما يُفيدُ نباهتَها وحسنَ إدراكها لحقائق الأمور، وإلَّا صارت “عَرَضاً لأسباب البلاء… متورِّطة في مهاوي الحَيْرة والعمَى… كلَّما أيقظها المُنذرون تناعست… وكلَّما شافهتها الأنوار أظلمت…”

إنَّ العجزَ عن “درْك العبارة والتكييف” هو بلْوى تُصيبُ النّفس فتأبى “أنْ تَـتَّحِدَ بالعنصر الكريم الشَّريف”، و”درْك العِبارة” هو إدراك معناها بالعقل وفهمه، ومن ثمَّ “تكييف” السلوك على ما تقتضيه مقاصد المعنى، أي مواءمة النَّفس مع تلك المقاصد بإحداث التغيير في الأعمال ظاهراً وباطناً فيما يؤدِّي إلى حالة الانسجام مع غاياتها الشَّريفة، ويؤكِّدُ الأميرُ السيِّد بأنَّ العجزَ عن بلوغ ذلك، وإهمال مكابدته سعياً إلى تحقيقه، يولِّدُ في النَّفس حتماً نوازع النفور والامتعاض والامتناع بل والعجز عن الاتّحاد “بالعنصر الكريم الشَّريف”، وهو معنى قوله: “أبَتْ نفوسُكُم”.

إنَّ “تـنقية النّفس وتصفيتها بعون الله سبحانه” هي الشَّرط الحتميّ لـ “اتّصالها بباريها واتّحادها بأنوار عظمته، وكمال التذاذها بجماله وجلاله… وهذا هو الدِّين الصَّحيح”(2) ويُسمِّي الأمير السيِّد هذا “الاتِّحاد” بصريح العبارةِ: “عَوْدُها إلى مشاهدة باريها” مؤكِّداً أنَّ “قاعدة السعادة في الدّنيا والدِّين أنَّ العبدَ يستشعرَ وجود حضور خالقه في سرِّه وطَوِيَّته… ولا ينطبع في جوهر العبْد مشاهدة الخلَّاق إلَّا بعد تهذيب الأخلاق…”

مقام الإحسان

ولا بُدَّ من توضيح مفهومَي “الاتِّحاد” و “المشاهدة” على قاعدة السَّنَد الشَّرعيّ السليم للحؤول دون الانزلاق في متاهة التباسات المعنى.
وردَ الحديثُ الشَّريف المشهُور المتعلِّق بمراتب الإسلام والإيمان والإحسان في كتُب السّـنَّة عن جماعة من أصحاب رسول الله (ص)، وأخرجهُ أئمَّة الحديث، واعتُبر في غاية الأهميَّة حيث ينتهي بتوضيح الرَّسول (ص) لهويَّة السائل عن تلك المراتب، وكان رجلًا “شديد بياض الثياب شديد سواد الشَّعر لا يُرى عليه أثرُ السَّفَر ولا يعرفُه منَّا أحد” قال: “فإنَّه جبريلُ أتاكُم يعلِّمكُم دينكم”(3) .

ما يهمّ هنا على وجه الخصُوص، الجزءُ من الحديث في سؤال السائل لرسول الله (ص): “فأخبرني عن الإحسان. قال: أنْ تعبدَ الله كأنَّك تراهُ فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنَّهُ يراك”(4)
ويشرح الشيخ الحَكمي في “معارج القبول…” ما سمَّاهُ “مرتبة الإحسان، مستهلَّا الفصل بهذين البيتيْن:
وثالـــثٌ مــرتبــــــة ُ الإحســــــــــانِ وتلكَ أعلاها لدى الرَّحمنِ
وهي رسوخُ القلبِ في العرفانِ حتَّى يكون الغيبُ كالعِيانِ

ويقولُ موضحاً: ” وهي أعلى مراتب الدِّين، وأعظمها خطراً، وأهلها هُم المستكملُون لها، السابقون بالخيْرات، المقرَّبُون في علوّ الدرَجات… والإحسانُ هو تحسينُ الظاهر والباطن… ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾(5).
ويلزمُ المرءُ أن يحقِّقَ “مقام الإخلاص” في تهذيب النفس، واتّباع مكارم الأخلاق، وبذل الهمَّة في السَّعي علماً وعملًا بصفاء نيَّة ونقاء قلب كي يصلَ إلى المقام الأعلى في الإحسان أي “المشاهدة”(6). “وهو أن يعملَ العبدُ على مقتضى مشاهدته اللهَ عزَّ وجلَّ بقلبِه، وهو أن يتــنوَّر القلبُ بالإيمان، وتنفذ البصيرةُ في العِرفان حتَّى يصيرَ الغيْبُ كالعِيان”(7)، وهذا كلّه لا يخرج عن معاني الحديث الشّريف: “… وما يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافِل حتى أحِبَّهُ، فإذا أحببْتُه كنتُ سمْعَهُ الذي يسمعُ بِه، وبصرَهُ الذي يبصر به… وإن سألني لأعطينَّه، ولئن عاذ بي لأعيذنَّه…”(8) وقد جاء في القرآن الكريم ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾(9).

يقومُ العملُ على «تطهير القلب من الخبث والخيانة» مقام النَّسغ الحيّ لشجرة الأخلاق الطيِّبة في الكيان الإنسانيّ

تهذيبُ الأخلاق

تبيَّن أنَّ المدخلَ الحتميّ لتحقيق “قاعدة السَّعادة في الدّنيا والدِّين” هو “تهذيبُ الأخلاق”، والسَّعادة هنا متعلّقة بكمال “الجوهر الأنسيّ”، لا بالوهْم الَّذي يولِّدُه الانهماكُ في طلبِ اللذَّة الآنيَّة العابرة.
والتَّهذيبُ هو التنقية والإخلاص والإصلاح، ذلك أنَّ ما يشوبُ النَّــفس من عُيوب ونزوع إلى الهوى وإباحة الأشياء، هو من الأمور المؤذية، بل المُميتة، في المدى البعيد، لفطرتِها المولودة بالخيْر، وقد وُصِفت في القرآن الكريم بأنَّها “أمَّارة بالسُّوء”(10)، وتتضمَّن سورة الشَّمس فيه قسَماً يتلوهُ بيانٌ في قوله عزَّ وجلّ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا 9 وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾، “فبيَّنَ لها طريقَ الشَّرّ وطريقَ الخيْرِ، قد فاز مَن طهَّرها ونمَّاها بالخيْر، وقد خسر مَن أخفى نفسَه في المعاصي”.

إنَّ الرّسالتيْن المميَّزتيْن للأميرِ السيِّد المذكورتيْن آنفاً، فائضتان بالتَّعبير عن نهجِ روحيّ ذي مستوى راق في المعرفة، حيث أنَّ مسألة “التهذيب” تشكِّل مُرتكزه ولبَّ مُحاجَّته وصولًا إلى الغاية الشَّريفة التي توخَّاها من كلِّ ما قام به في سيرتِه المعروفة، وتكثر “المدارج” المُفعَمة بالدلالات داخل نصَّيْهما والتي من شأنها الإضاءة بقوَّة على ما يتوجَّب التنبُّه إليه في أغوار النّـفس ودواخلها من دقائق الأسرار ولطائفها، ومن تناقُض الطّباع وانفعالاتها والتباسات نوازعها في الكثير من الأحوال. ومن هذه المدارج، فضْلًا عمَّا جرى اقتباسه أعلاه، ذِكْرُ ما قيل إنَّ “المفتاح كلمة التوحيد”(11)، ولا يُفتَح به إلَّا بعد “تطهير القلب من الخُبث والخيانة، وتطهير اللسانِ منَ الكذب والنَّميمة، وتطهير البطن من الحرام والشّبهة، وتطهير العمَل من الرِّياء والبدعة”(12).

فالقلب “خزانة كلّ جوهر نفيس”، وهو موضع نظر ربّ العالمين كما جاء في الحديث الشريف: “وإنَّما ينظر إلى قلوبكم”، وفيه لطائف أثر العقل والبصيرة والنيَّة ومدارك العلوم والحِكَم(13)، ولكن ثمَّة آثار ملوِّثة فيه تُسبِّبها الآفات الظاهرة والباطنة التي من شأنها أن تحجبَ عن مرآته إمكان استجلاء الحقيقة واستبصار السُّبُل إليها بالمعرفة والتحقق، لهذا سُمِّيت في المأثور المعتمَد “آفـات مُهلِكة”، وهي بالنتيجة “أخباث” مُضادَّة لـ “الطيِّـبات” وفقاً لِما ورد في القرآن الكريم ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾(14)، وظاهرُ الخبيث الأفعال المذمومة، والموبقات الشائنة، وباطنُه الطّباع المفترِسة لأثر العقل، والعقائد الفاسدة وكلّ ما يُضادِدُ الخيْر، ﴿قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(15). بطبيعة الحال، فإنَّ استسلامَ “القلب” لطغيان الخبائث هو “خيانة” للفطرة الإنسانيَّة في أصل التكوين، ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾(16)، بذلك، يقومُ العملُ على “تطهير القلب من الخبث والخيانة” مقام النَّسغ الحيّ لشجرة الأخلاق الطيِّبة في الكيان الإنسانيّ، وهو عملٌ لا يغفل الباتّة عن حركةِ الدَّاخِل مهما كان الالتزام بادياً في حركة الظاهر، لأنَّ ما يعوَّلُ عليْه هو نقاء القلب كما جزمت به الآية الكريمة ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.(17)

وفي نقده الحادّ لواقع الحال الرُّوحي لكثيرين من أهل عصره الَّذين التبست في دواخلهم معايير القيَم ولم ينسلخوا “مِن حُلَّة الكثائف”، يصفُ الأميرُ السيِّد قلوبَهُم بأنَّها “حواصلُ المذق والرّيا والنّفاق”، أي إنَّ ما بقي فيها وثبت وذهَب ما سواه هو “المِذْق” أي المزج والخلط وعدم الإخلاص في الودّ، وأمَّا الرِّياء فأصلُه “طلب المنزلة في قلوب النَّاس يُرائيهم خصال الخيْر”(18)، وفي الحديث الشريف: “إنَّ أخْوف ما أخافُ عليْكُم الرِّياء والشَّهوة الخفيَّة”، فكأنَّهُ يرائي الناس بتركه المعاصي، والشَّهوة لها في قلبه مُخفاة(19). وأمَّا النّفاق فقد أتى تحديد معناه في “شرح الخصال”: “هو مخالفة الظاهر للباطن بالقوْل أو الفعْل، وكلُّ من طلبَ المنزلةَ في قلوب النَّاس فيضطرّ إلى النِّفاق معهُم، والتظاهر بخصال حميدة هو خالٍ عنها، وذلك عينُ النفاق”.

هكذا، وبالوتيرة ذاتها، يُمكن متابعة ما تقتضيه الأمور في تطهير اللسان، الذي هو “أشدّ الأعضاء جماحاً وطغيانا، وأكثرها فساداً وعدواناً…”، من آفة الكذب المدمِّرة لأساس الأخلاق، ومن آفة النّميمة التي هي “معصية… توغر الصدور وتفتح الشرور وتوصل إلى عظائم الأمور(20)”, وتطهير البطن من الحرام المؤدّي إلى عصيان الجوارح، وتطهير العمل من كافَّة أشكال الزّينة الباطنة، والنزوع في أهواء الرأي والقياس إلى ما ينأى عن الصِّحَّة في الأقوال والأفعال ومكنون الضمائر.

ينبوعُ الأخلاق

وفق هذا النَّهج، أي البحث عن ينبوع المفاهيم الأخلاقيَّة داخل الحقل المتحرِّك أبداً في أغوار النَّفس البشريَّة، والمُـعَرَّض بالقوَّة (أي بالإمكان) إلى عواصف المضاددة والأهـواء، يمضي الأميرُ السيِّدُ في مُحاجَّته لذوي الالتباس والشّبهات(21)، مُوضِحاً، على غايةٍ من العُمق والإبلاج والبيان، سُبُل المسالك الناجعة في “تهذيب الأخلاق” من حيث هي السَّمْتُ القويم لتحقيق الغاية التي بها يلاقي الإنسان حقيقة معناه.

مزار الشيخ الفاضل (ر)
مزار الشيخ الفاضل (ر)

الأخلاق التوحيدية الإطار، المرتكزات، والقواعد التطبيقية

الأخلاق التوحيدية
الإطار، المرتكزات، والقواعد التطبيقية

في أهمية الأخلاق
لم يخطء أمير الشعراء، أحمد شوقي، حين قال:
إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

الأفراد، كما الجماعات والمجتمعات، إنما تُختصر في أخلاقها. هي أفضلُ الحلي ليتزيّن بها المرء، لا تشترى بمال وإنما بالأعمال الصالحات، وقبل ذلك بالنية الحسنة والقصد الموقوف على عمل الخير. لا يذهب بها فقر أو مرض، ولا يزيدها مال ولا غنى. فالأخلاقُ مع الفقر أو المرض حسنةٌ يُحسبُ لها حساب وأجر، وهي بعض الصبر الذي كان عليه المتقدّمون في الدين والتقوى والنضال الشريف بكل ألوانه. والأخلاق مع المال والغنى مكرمةٌ وخلقٌ وحليةٌ وبخاصة إذا رافقها ما يناسب من التواضع وأدب المعشر وعمل الخير والالتزام بما أمر به الإنسان من معروف وما نُهي عنه من مُنكر.
والحضارات نفسها عبر التاريخ الطويل إنما قويت واشتد عودها وزاد بأسها وعظم قدرها بما توفر لبنيها من أخلاق ولمجتمعاتها من إيمان ولأحكامها من عدالة ولحكّامها من شجاعة وحلم وحكمة، وكلها عناوين أخلاقية. وبالمقابل، فالحضارات التي ذوت واضمحلّت، أو في الطريق لذلك، هي تلك التي ساء حاكمها وفسُد حكمه وفقد رجال حكمه النزاهة والشجاعة والسمعة الحسنة، فتراجع مجتمعها، وتقاعس أفراده، وتنازعوا بدل أن يتراصّوا، فضعفت لذلك شوكتها وباتت ضعيفة أمام كلّ عارض وتحدٍ، وأزفت بالتالي ساعة غروب شمسها.
هوذا ديدنُ حضارات عظمى (وفي مقدّمها الحضارة العربية الإسلامية التي بسطت شمسها وفي فترة قصيرة جداً من أقاصي الشرق إلى أقاصي الغرب المعروف يومذاك) فهي إنما قامت وتوحّدت ونهضت وسادت بالتالي بما توفر في روحها وسلوكها من إيمان وشجاعة وإخلاص، ومن تراصّ بين أبنائها وطبقاتها، ومن تفانٍ واقتدار لدى قادتها وحكامها. وغياب أو فقدان الخصال الأخلاقية تلك هو ما يذهب بالحضارة نفسها أو بسواها، حيث لا يكفي مال أو عدد أو مدد وحده، وما من شيء في وسعه أن يعوّض غياب العنصر الأكثر قوة في بناء الحضارات: الأخلاق.
وحتى في الدين نفسه، فالأخلاق شرط الإيمان، بل هي الوجه الخارجي الملموس للإيمان الداخلي، ولا يعتدّ في زعم من يزعم أن لا صلة راسخة ضرورية بين الإيمان والأخلاق. الأخلاق في كلّ الأديان، وبخاصة في الأديان التوحيدية، ثمرة طيبة من ثمار الإيمان، والمؤمن يُعرفُ بأفعاله قبل أقواله، وبتقواه وسلوكه الحسن وسمعته العطرة كما يُعرفُ بما يعرِف، يحفظ ويذاكر. وقد كان الدين الاسلامي الحنيف حاسماً في ربطه الإيمان بالأخلاق، وأولُ ذلك حين خاطب الله رسوله قائلاً: ﴿…وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، أو حين قال الرسول الأكرم في ما يشبه العنوان لبعثته النبوية المشرّفة: “إنما بُعثتُ لأتممَ مكارمَ الأخلاق”، أو في قوله في مكان آخر: “أحبّكم إلي أحسَنكم أخلاقاً”. وحتى على مستوى الأخلاق “التطبيقية”، كان القرآن الكريم حاسماً في ربطه النيّات بالأفعال والإيمان بالأعمال، فلم ينِ يردد في عشرات الأمكنة، وعلى نحو لم يسبقه إليه دين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ…﴾، أي هو جعل عمل الصالحات في مرتبة الإيمان أو تليها مباشرة. وفي ذلك ما يكفي للدلالة على أولوية الأخلاق، لدى الفرد، كما في التاريخ والحضارات، ومن باب أولى في الدين نفسه، وهو ما رفع الفعل الأخلاقي والأخلاق بعامة إلى مرتبة الصدارة فلم تعد فعل اختيار بل فعل ضرورة واضطرار لا يتقدّم عليها منطقياً إلا الإيمان بالله والرسّل، إذ لا نفع في أخلاق، بل لا تقوم أخلاق، إن لم يكن في إس تكوينها الإيمان بالخالق وبواسع حكمته ورحمته وسداد أحكام رسالاته السماوية، وبخاصة مبدأ الثواب والعقاب والحساب واليوم الآخِر.

في الأخلاق عموماً
نبدأ، كما نفعل غالباً، بالتعريف، تعريف الأخلاق. الأخلاق، كمبحث نظري أو ما نسميه بـ “الأخلاق النظرية”، هي العلم الذي نعيّن به الخير، ونميّزه بالتالي عمّا هو شر. أي هو بمعنى ما علم التمييز بين ما هو خير وما هو شر. أما الأخلاق كمجال عملي، أو ما نسميه بـ “الأخلاق التطبيقية” فهي الحثّ على طلب الخير والعمل به وتجنّب الشر ومهاويه.
لكن الأخلاق، وفي كلّ الأحوال، ليست بالأمر المثالي أو المجرد فقط، بل هي في صلب التكوين الفردي (الضمير والعقل)، والاجتماعي (القوانين والشرائع الوضعية) ومسرح تجلّي الحكمة الإلهية الكونية وعلى أحسن صورة متخيّلة. وعليه، فإذا انتبه المرء من غفلته لدقائق، لا أكثر، فسيكتشف أن الإنسان السويّ وحده قد اختصّه الله بمجال “الأخلاق” وأحكامها. وحده الإنسان، لا الملائكة ولا الحيوان، هو موضوع علم الأخلاق، ومحل أحكامه ونواهيه. الملائكة لا تحتاح علم الأخلاق، لأنها عقول/أرواح خالصة، وخير خالص بالتالي؛ والحيوان خارج حقل أحكام الأخلاق لأنه بدن أو جسد محض محكوم بالغريزة الحيوانية، الآلية، وخالٍ (عموماً) من العقل الذي له وحده أن يميّز بين الخير والشر. وكيما يكون إنسان سويٌ ما خارج الأخلاق يتوجب أن يكون: إما آلة ميكانيكية صمّاء، أو ملاكاً (بدون جسد) أو حيواناً (بدون عقل). لكن الإنسان السوي ليس كذلك على الإطلاق: هو ليس آلة ميكانيكية صمّاء، ليس ملاكاً، ولا حيواناً.
هوذا مبعث الإشكالية الكبرى في علم الأخلاق: لماذا الإنسان وحده موضوع علم الأخلاق؟ ويقود السؤال إلى حقيقة أخرى، وهي احتواء الإنسان (وحده) على جوهرين متصلين مترابطين: المادة (أي الجسد)، من جهة، والعقل/الروح (أي النفس) من جهة مقابلة. ما نعرفه عن كيفيات هذه الصلة أو العلاقة قليل جداً، ولكن ما نعرفه بالتأكيد هو أن الإنسان واقع تحت ضغط الجوهرين المتقابلين: حاجات الجسد من جهة ونواهي العقل/الروح من جهة مقابلة. كيف يحدث الاتصال بين الجوهرين؟ وأين؟ سؤالان ليس هناك إجماع على الإجابة عليهما، ولا فائدة من الدخول في نزاع حول من له اليد الطولى أو النفوذ الأعظم في الآخر: الجسد أو العقل. ما نعرفه حقيقة هو أن الجسد والعقل/الروح قائمان بحق، وأنهما يتبادلان التأثر والتأثير، وأن شخصية الإنسان ثم سلوكه هما مسرح الصراع (وأحياناً الوفاق) بين حاجات الجسد وأحكام العقل. يحدث النزاع والصراع بين الجسد والعقل حين تتحوّل حاجات الجسد الطبيعية والمقبولة إلى دوافع عمياء دائمة، فيعود الإنسان القهقرى نحو غريزته وحيوانيته، أو حين تتحوّل حدود العقل/الروح عن فضيلة الاعتدال نحو الغلو والتطرّف.
وعليه، فالتكليف الأخلاقي أعلاه الذي اختص به الإنسان ليس فعل مصادفة، أو بالأمر العارض؛ وإنما لحكمة سامية وكجزء حيوي من النظام الكوني، وليس الاجتماعي فحسب، الذي أراده الله لخلقه. فالمجتمع لا ينتظم، والنظم الكوني لا يستوي، إلا على قاعدة العدل: العدل في التكليف والعدل في الحساب. وفق الآية القرآنية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، أو قوله في آية أخرى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ 7 وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ 8﴾. الله لا يمكن أن يكون ظالماً – ومن صفاته وأسمائه الرحمة والمغفرة والإحسان. لكن الله أيضاً عادل، والعدل مبدأ وأصل. فكيف تتحقق العدالة – وهي الترجمة العملية لمبدأ العدل – ومن دون أن ننزلق إلى الظل، والله ليس ظالماً ولا يحب الظالمين؟ الجواب هو ببساطة، ولحكمة إلهية ومنطقية فإن مبدأ التكليف الأخلاقي القائم (وكيما يكون عادلاً ولا يعتوره شبهة ظلم) فيجب أن يتوفر له مرتكز أساسي: مرتكز المسؤولية، مسؤولية الفرد الواعي والحرّ عن أفعاله الإرادية:﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ 7 وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ 8﴾. الوعي والحرية هما شرطا المسؤولية، والمسؤولية شرط التكليف الأخلاقي للفرد.
حين تتوفر المسؤولية الفردية القائمة بدورها على الوعي (لا الغريزة) والحرية (لا القسر) يتحقق شرط العدالة، ويتحقق جوهر التكليف الأخلاقي والغاية منه، ولكن بمضمون أعلى متسام ومختلف. فبتحقق العدالة القائمة على المسؤولية والحرية يتحوّل التكليف الأخلاقي من إلزام خارجي قسري (كما هو الحال في الشرائع الوضعية) إلى خيار داخلي طوعي، يجري التعبير عنه بالعقل أو بالضمير، وكلاهما واحد في المجال الأخلاقي (كما هو الحال بامتياز في العقائد الدينية وفي بعض الفلسفات، لا جميعها). في العقائد الدينية، الالتزام الأخلاقي الفردي الطوعي (أو الضمير في الفرد) هو نتاج الثقة بالحكمة الإلهية والطاعة لنواهيها بالتالي (مبدأ الرضى والتسليم). وهو في الفلسفات العقلانية والمثالية (وكلها بدأت بفيثاغوراس وأفلاطون) نتاج الثقة بالعقل وبمنطقه وأحكامه، حيث الخير (والفضيلة) نتاج المعرفة العقلانية الصحيحة، بينما الشر (والرذيلة) نتاج الجهل أو غياب المعرفة العقلانية الصحيحة ومضاددة العقل. في الفعل الإنساني الأخلاقي الطوعي يلتقي العقل بالضمير، والدين بالفلسفة، وتغدو الأحكام الأخلاقية موضع قبول، بل وإجماع تقريباً، بضمانة الوحي الإلهي والاعتبار العقلاني في آن. ويزول من ثمة التناقض المفتعل بين العقل والدين، كما يظن بعض ضيّقي التفكير، فإذا الحكمة الإلهية الكونية أفق مشرق لامع جاذب أنّى جئته، أكان من جانب الدين أو من جانب العقل. فهما مستويان في رؤية الحقيقة الواحدة نفسها، ولكن من زاويتين مختلفتين، أو من موقعين مختلفين.

يحدث النزاع والصراع بين الجسد والعقل حين تتحول حاجات الجسد الطبيعية والمقبولة إلى دوافع عمياء دائمة

مبادئ الأخلاق التوحيدية
تُشتقُ مبادئ الأخلاق التوحيدية من الإطار القرآني الواسع والحديث النبوي الشريف، ومن مرتكزات مسلك التوحيد، وأخيراً من أعمال السادة العلماء والمشايخ العارفين ومن السير العطرة للأنبياء والصحابة وكبار المتعبّدين والزهّاد والأتقياء الصالحين؛ وفي مقدّم هؤلاء عند الموحدين الدروز أعمال العالمَين العلَمَين التقيَين الأمير السيّد عبد الله التنوخي والشيخ الفاضل.
ترسي آيات القرآن الكريم، ومعها الحديث النبوي الشريف، المبادئ العامة للأخلاق الإسلامية بعامة، وللأخلاق التوحيدية على وجه الخصوص، موضوع هذه المقالة. فعلى قاعدة أركان الإسلام الخمسة المعروفة، يحضّ القرآن الكريم المؤمن (بين الأمر الصريح حيناً والحث حيناً آخر) على التمسُّك بالفرائض والعبادات والنواهي التي تضمنها الشرع والتي تبدأ مما هو مبدأي وأساسي ومفصلي ولتنتهي بما يتصل بكيفية سلوك المؤمن المتعبد في حياته الدنيا.
وفي الجانب الثاني (وهو موضوع الأخلاق التطبيقية) حضّ القرآن الكريم والحديث الشريف على: 1) ترك غواية الدنيا وإغراءاتها الملتبسة والزائلة، والتمسك بدلاً من ذلك بموجبات اليقين الذي لا يعتوره شك؛ و 2) ترك ما يزول ويموت ويفنى ويفسد من غايات وأغراض، والتمسك بدلاً من ذلك بما لا يفنى ولا يزول ولا يفسد، أي ترك ما هو شر وفساد أو ما هو أقرب إلى الشر والفساد وطلب ما هو خير خالص أو أقرب إلى الخير، في الأفعال كافة، وفي النيّات مع الأفعال أو ربما قبل ذلك. ومنطق هذه القاعدة بسيط ومتين: الدنيا “دار فناء”، فيما المبادئ والقِيم ومن ثمة الآخرة “دار بقاء”، وعليه فالعاقل هو من يسعى إلى دار البقاء، فدار الفناء متبدلة، لهذا السبب أو ذاك، بل وزائلة في النهاية، غداً أو بعد غد، أي في يوم ما. وبالمنطق نفسه، وفي باب الأخلاق التطبيقية، فما نفعله في هذه الدنيا يزول مع هذه الدنيا، إلا الرصيد الإيماني والأخلاقي الذي وفّرناه للحساب الأخير على أبواب دار البقاء. في الحياة الدنيا نحن مجرد آلة نحمل فيها ما هبّ ودبّ، ومعظمه ما لا حاجة لنا إليه، أما القليل الذي نفعله لدار البقاء فكله لنا، بل وأجره ليتضاعف ويزيد لأن الله جلّ جلاله مُحب ورحيم وغفور فيلاقي عبده المتجه إليه في منتصف الطريق، يمدّ له يد العون والرحمة، فيمنحه دفء الإيمان ورضى الواصلين، ما يملأ عقله باليقين التام وقلبه بالفرح الغامر. ولذلك فأنت لترى العارفين الأتقياء الواصلين، أو من اقتربوا من الوصول، أشدّ الناس سعادة وفرحاً وحبّاً، يغمرهم نور في وسع من امتلك بعضه أن يراه بوضوح فتكون له إشارات مشجعة ومطمئنة ودافعة له في طريق التقوى والخلاص.

مرتكزات الأخلاق التوحيدية يمكن تلخيصها بثلاثة:
1- التوحيد التام لله تعالى وترك سائر ما عداه، أي اليقين الثابت
لا يخالطه أو يعتوره شك،
2- الصدق،
3- الرضا والتسليم بما قدّره أو يقدّره الله تعالى.
على هذه المرتكزات تقوم محاور الأخلاق التوحيدية ومطالبها، في أوامرها كما في نواهيها.
مبدأ الأخلاق التوحيدية ومصدرها الأساس التوحيد لله تعالى لا يخالطه شك أو التباس أو شبهة، وتنزيهه عمّا عداه من صفات ولواحق وأسماء وتشبيه. حين يملأ التوحيد عقل المؤمن وقلبه، يتشكّل هذا المؤمن من جديد، ويتشكّل عالمه الخارجي، كما نواياه ومقاصده، من جديد أيضاً. حين نقرع الباب ويملكنا الخالق لا شيء أدنى منه يبقى معه أو يليق أن يسكن معه. حين تقيم مع الله، ويقيم الله معك، حين تملك الحق أو يملكك الحق، فلا مكان بعد ذلك لدنيا زائلة خادعة غير حقيقية. لا مكان ساعتذاك، لا في النوايا ولا في الأعمال، لشيء، لا للمادة وفسادها وطغيانها، ولا للنفس ونوازعها. لا مكان للدنيا الفانية وغرائزها – عدا ما هو ضروري وكاف للعيش واستمرار الحياة. ولا مكان، قبل ذلك كله، لـ “الأنا” وشيطنتها و”أبلستها” في تعبير المرحوم الدكتور سامي مكارم. فالمسافة دون الآخر، ودون الله، إنما تصطنعها “الأنا”. أما حين نتحرّر من الأنا، فالآخر هو أنا، الوجه الخارجي مني، تماماً كما “أنا” هي الوجه الخارجي منه. حين نتحرّر من “الأنا” نتحرر ربما من ثلاثة أرباع مفاسد الدنيا وسقطاتها، إن لم يكن كلها. فالشرور وفي طليعتها الجشع والطمع والغرور والكبر وغيرها كلّها من نتاج “الأنا” الفردية البشعة. وحين نتحرّر من “الأنا” الفردية تسقط الحُجُب التي حجبت الحقيقة عنا، وتنفتح فرصة السفر في الاتجاه الصحيح صوب الحقيقة والحق، الله تعالى. نقول فرصة، إذا لا تسقط الحجب تلقائيا بل يحتاج الوجه السالب الأولي ذاك إلى وجه موجب يستكمله وذلك بالعلم والسعي والبذل والمجاهدة وغيره مما يحتاجه المريد في طريق الخلاص.
والصدق ثاني مرتكزات الأخلاق التوحيدية. الصدق، كما قال العارفون، هو كمال التوحيد. وننقل عن الدكتور سامي مكارم قوله: “من هنا قول مسلك التوحيد: إن مثل الصدق من الدين كمثل الرأس من بقية الجسد، وأن الصدق هو كمال التوحيد، فالمقامات التوحيدية كلها تكون باطلة من دون صدق في السريرة واللسان، وتصديق بالجنان” (العرفان في مسلك التوحيد، 126). بالصدق نفتتح صفحة المعرفة الصحيحة والخير والأعمال الصالحات وكل ما يشتق منها أو يعود إليها. تماماً كما نفتتح بالكذب صفحة نقيضة تماماً، صفحة الشر والوهم والفساد والجهل. بالصدق نفتتح صفحة الحق، تماماً كما نفتتح بالكذب صفحة العدم. وشتّان ما بين الحق والباطل، الخير والشر، الحقيقة والعدم.
والرضى والتسليم ثالث مرتكزات أخلاق التوحيد. إذا كان التوحيد هو بلوغ الحقيقة، والصدق هو كمال العمل بموجبها، فالرضى والتسليم هما كمال ديمومتها، ديمومة التوحيد، أو الحقيقة، التماهي فيهما، وعيشهما في كلّ لحظة من لحظات حياتنا ومندرجاتها؛ في نهارها وليلها، حلوها ومرّها، يسرها وعسرها، بأسها وبؤسها، قوتها وضعفها، غناها وفقرها، إلى سائر ما يعرض لنا أو يصيبنا في حياتنا الدنيا. ومن بلغ التوحيد والحقيقة فماذا ينقصه؟ وإلامَ يحتاج بعد ذلك؟ هذا هو مبدأ الرضى والتسليم. حين نبلغ الحق، ويمتلكنا الحق، وحيث لا شيء فوق الحق، أو قبله، حق للنفس أن ترضى أي أن تطمئن. وهو ما يجعل المؤمن يشعر بطمأنينة عجيبة، راسخ التوحيد رسوخ الجبال، وثابت الجنان ثبات الجلمود، (تنأى الحوادثُ عنه وهو ملمومُ). والمؤمن في ذلك كله عارف ما يفعل، مدركُ مآل رضاه وتسليمه، وهو الرضوان التام الذي ينتظره وفق الآية الكريمة: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾ (التوبة 21). أما التسليم فخطوة مكملة على طريق الحقيقة. فإذا كان الرضى هو القبول فالتسليم هو الفعل: لقد أسلمت نفسي وما لي وما أملك للحق والحقيقة، بعدما ارتضيت التوحيد مذهباً، والصدق مسلكاً. التسليم هو الغاية القصوى للمؤمن. بالتسليم يكتمل التوحيد. فنُسلٍم الدنيا إلى مالكها، والأنا إلى باريها، والدار إلى صاحبها، فلا يبقى إلا الحق والحقيقة، أو وفق ما قال كمال جنبلاط في واحدة من قصائده العرفانية “ليس في الدار إلاّ صاحبها”.
يمكن على قاعدة الأسس الأولى أعلاه التقدّم أخيراً لتعيين آداب السلوك والقواعد العملية التفصيلية، أو الأكثر وضوحاً بينها، والتي يحتاج المؤمن معرفتها أولاً والعمل بها ثانياً في مسلكه اليومي.
وفق العالم الجليل الشيخ الفاضل(ر)، فإنّ أهم الآداب والقواعد هي التالية (كما نقلها الصديق الدكتور أسعد البتديني في أطروحته للدكتوراه “فلسفة الأخلاق عند الموحدين الدروز، الشيخ الفاضل نموذجاً”، 2007):

العاقل هو من يسعى إلى دار البقاء، فدار الفناء متبدلة، بل وزائلة في النهاية

أولاً: تقوى الله سرّاً وعلانية. أي معرفة الله، والثقة به، والإخلاص له، في السر والعلانية. وهذه مقدمة أولى ضرورية، إذ لا تقوم أخلاق، من دون تقوى الله، أو خارج الله.

ثانياَ: الاجتهاد في العلم والعمل. المعرفة هي الخير، والمعرفة الصحيحة هي الخير كله. ولكن العلم من دون عمل يبقى ناقصاً، فالعمل الصالح هو كمال العلم الصحيح الخيّر الذي ينتفع به.

ثالثاً: القيام بالفرائض الإلهية والواجبات الدينية. فمن لا يقوم بالأصول، حسب الشيخ الفاضل، لا يعرف الفروع. والفرائض الإلهية هي أصل الدين. والموحّد هو من قام بالواجبات الدينية المعروفة وعلى قاعدة الفرائض الإلهية أعلاه.

رابعاً: حُسنُ المعاملة. حسن المعاملة في كل شيء (في الأخذ والعطاء، في البيع والشراء، في القرض والوفاء، وسواها) هي أيضاً تطبيق مباشر لأصل الدين وفروعه، وقد قال رسول الله: “الدين معاملة، وأحاديث أخرى كثيرة تدعو إلى الحديث اللطيف، والدعوة اللطيفة، وأخذ الناس باللين”.

خامساً: حُسن الأخلاق، وطيبُ الصحبة والمعشر، ونفي الطيش والغلاظة. كما تقول الآية الكريمة: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾(آل عمران 159). وإذا كان اللين مطلوباً في الدين نفسه، فكيف في الأسرة، والحياة الاجتماعية؟

سادساَ: ترك الدعاء بالسوء بالكلية، سواء على إنسان أو حيوان. فالدعاء بالسوء إشارة إلى خبث النوايا وسوء المقاصد، وهو ما لا يتوافق وسريرة المؤمن الموحّد الموقوفة للخير الخالص ولرب العالمين.

سابعاً: ترك المباهاة والزهو والخيلاء والريا والزينة لأنها كلها وسائل لطلب الجاه في هذه الدنيا، وكلها بقايا من “أنا” واهمة يجب أن لا يبالغ المؤمن في امتلاكها، أو إظهارها، لأنها منازعة لله تعالى في ملكه، ولله الأرض والسماء والكون وما فيه، فضلاً عن كونها حجاباً يحول بين المرء وبلوغ الحقيقة والخلاص.

ثامناً: ترك الكبر والعجَب. فالكبر وفق الشيخ الفاضل(ر) هو استعظام النفس برؤية قدرها فوق قدر الآخرين. أما العجب فهو أن يعجب المرء بنفسه وعلمه وعمله ورأيه، فلا يرى علم غيره وعمله ورأيه. أي أن يرى نفسه أفضل من غيره، وهو مرة أخرى من فعل “الأنا” النافية للآخر، والمنافية لجوهر التوحيد.

تاسعاً: ترك الحسد. فالحسد جحد للحق، وتعريض بالمحسود، وبعث للضغينة والكراهية، وإشارة إلى الجشع والطمع والعداوة، وقبل كل ذلك تعظيم ما في الدنيا الفانية؛ أو هو في كلمات الشيخ الفاضل(ر)، ظالم في صورة مظلوم.

عاشراً: صون النفس عن حب المجد والجاه وطلب الرئاسة. وحب المجد والجاه مذموم، بحسب الشيخ الفاضل، لأن المرء إذا شُغل بذلك فسيجانب الصدق لصالح الكذب والتودّد والرياء، وهو باب للنفاق والفساد. ومن جديد فذاك مرض من أمراض الأنا المتكبرة التي تنافق في الظاهر بغية تحقيق المآرب. وهو في كل الأحوال هوى في النفس يخرجها عن جادة الإيمان والإخلاص لله تعالى والاستغراق في عبادته.

حادي عشر: ترك الغِيبة، لأنّ الغِيبة كما يقول الشيخ الفاضل من علامات عدم الأمانة، وعدم الأمانة كذب وبهتان. وفي الغيبة، إلى ذلك، ظلم للغائب، والله لا يحب الظالمين.

ثاني عشر: ترك النميمة. في النميمة شيء من الغيبة؛ ولكن فيها إلى ذلك إيغار للصدور، وهي باب للعداوة والبغضاء. والنميمة تذهب بالود بين الناس، وتفرّق بينهم، فيما الآية الكريمة تحث على الوحدة والتعاون على البر والتقوى.
ثالث عشر: مداومة الصلاة. الصلاة فرض عين، لأنها الصلة بين القلوب، وبين المتعبّد والخالق. وهي فرصة لاستذكار الحقيقة، ودوام ذكر الله، والوعد بطاعته، والعمل بموجبات الطاعة تلك.

رابع عشر: الاحتشام في الملبس والمظهر. والاحتشام بحسب الشيخ الفاضل سترة عظيمة ودرع مانع وحصن حصين ووقاية للجسد وجمال ظاهر وكمال في المروءة وشدة في الحياء. والاحتشام باب آخر من أبواب الفضيلة. وهو استشعار وحياء أمام الخالق قبل المخلوق، واحترام أولاً وأخيراً لقدسية الإنسان وتعبير عن الورع والتسامي عن البدن ومتعلقاته. هو تعليق لحضور الجسد كيما تتمكن الروح/العقل من أن تتفرغ لصورها ومُثُلها الكلية والثابتة.

خامس عشر: الحرص على الطهارة. والطهارة نوعان، طهارة الظاهر وطهارة الباطن. والجانبان متلازمان، فبمقدار ما تحمي طهارة الظاهر صحة الجسد وكرامته وجماله، تحمي طهارة الباطن صحة النفس وكرامتها من طغيان “الأنا”. بالطهارة تتحقق الفضيلة، وتكتمل حلقات التوحيد في ترك ما يجب تركه كي تتفرغ النفس للعلم والمعرفة والصلاة والمجاهدة وما تقتضيه رحلة طلب الحقيقة والاستغراق فيها.

مزار الشيخ الفاضل (ر)
مزار الشيخ الفاضل (ر)

خلاصة:
يتضح من القواعد والشروط الخمس عشرة التي فصّلها الشيخ الفاضل (وفق الدكتور أسعد البتديني) أنها بدأت بما بالأصول وانتهت في الفروع، وبدأت بالنظر الذي لا بد منه وانتهت بالعمل التطبيقي في أدق تفاصيل السلوك الذي لا بد للمؤمن والمؤمنة من أن يأخذا به في تجنُّب الدنيا الفانية وإغراءاتها وأفخاخها، (وهو جانب السلب أو النفي)، ليتمكنا بعد ذلك من بناء أخلاق الموحّد العارف المتجّه بكليته ناحية الحقيقة والحق والسعي للتوحد بهما والتخلّق بما يتناسب والمقام ذاك.
أما إذا حللنا القواعد والوصايا أعلاه فسنجد أنها تبدأ بما تتطلّبه الحياة الاجتماعية السوية (ترك النميمة والحسد والغيبة وحُسن المعاملة والاحتشام وسواها)، إلى ما نص عليه الشرع (من مداومة الصلاة وترك المباهاة والجاه) وأخيراً إلى ما ألزم به أهل الزهد والعرفان أنفسهم من موجبات التوحيد الخالص والعبادة التامة وعدم إشراك ما عدا الله في عبادة الله ويتضح ذلك في التقوى والعلم والعمل بوجب الفرائض الإلهية.
وفي الحقيقة، فالقواعد والوصايا تلك هي في صلب الأخلاق الإسلامية كما بلغتنا من سيرة صحابة الرسول عليه السلام، و”أهل الصفاء” إلى جانبه، مروراً بأهل المعرفة والبرهان من حكماء وفلاسفة، (راجع مثلاً المدينة الفاضلة للفارابي)، وصولاً إلى أهل الحقيقة والعرفان، وجميعهم يعودون إلى منظومة القِيم والأخلاق التي جاء بها القرآن الكريم، وإلى سيرة الرسول (الفقير الأمين الزاهد) والأحاديث النبوية الشريفة. بل في وسعي القول بثقة أن وحدة تفكير المسلمين والفرق الإسلامية (على اختلاف اجتهاداتهم) لتتضح، في الغالب، أكثر ما تتضح في باب الأصول والفروع والقِيم والقواعد الأخلاقية والمسلكية التي يتوجب على المسلم المؤمن الأخذ بها، كما تلك التي يتوجب عليه تركها واجتنابها.
ونعود في الخاتمة فنكرّر أنّ الأخلاق ليست فرعاً، بل هي من الأصول، في الدين كما في الدنيا، وأنّ كلّ جسر موّدة نمدّه بالخير بيننا وبين الآخر، إنما هو أيضاً جسرٌ بيننا وبين الله الذي لا يريد بنا إلا يسراً، في داخل ذواتنا، في أسرتنا، مع جيراننا، كما مع الآخر، كلّ آخر، كلّ إنسان: وكل الناس إنسان واحد، فإن أسأت إلى إنسان أسأت إلى كلّ الناس. قال الله في كتابه العزيز:
﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ… فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة، 32).

مرآة التجلِّي في رمزية العطّار

مرآة التجلِّي
في رمزية العطّار

وصلتم ثلاثين فرأيتم ثلاثين!

“الحضرةُ مرآةٌ ساطعة كالشمس، كلُّ مَنْ ينظر إليها يرى نفسَه فيها”، عبارةٌ اختتم بها الشاعر النيسابوري المتصوِّف فريد الدين العطّار رحلةَ الطيور إلى “الحضرة” في منظومته “منطق الطير” وجاءت ثمرةً لتبلور مفاهيم فلسفية وصوفية عبر الأجيال. فكَثُرَ ما تحدَّث المتصوّفون عن مبدأ “صَقْل مرآة القلب” لتصبح مجلوّة وتنعكس عليها الأنوار الإلهية، وذلك بالتخلُّص من كلّ شوائب النفس والأنا نحو الصفاء والنقاء والتحقُّق. فرمزية المرآة في الفكر الصوفي هي أنّها “تعكس الحقيقة”، وهذه الدلالة الصوفية المرتبطة بالمرآة تعود إلى ماضٍ سحيق، منذ أنْ وُجِدَت تلك النقوش والرسومات الهرمسية على جدران الأهرامات والمعابد المصرية القديمة وطي أوراق البردى وتُصوِّر ملوكاً عظماء يُحدِّقون في المرآة! وصَقْلُ مرآة القلب لدى المتصوفة هو بالذكر والمجاهدة الرُّوحية والتحلّي بالفضائل والتخلُّق بأرفع الخُلُق والآداب الروحية لتنقية القلب من شوائب الأنا ومفاسد النفس الأمّارة بالسوء لتصبح صافيةً نقيّة جليّة تعكس الأنوار الإلهية، وعلى قدر ما يزداد النور سطوعاً على تلك المرآة بقدر ما تتراءى ذراري غبار الشوائب فتستلزم مزيداً من الصَّقْل.
وتحدَّث أهلُ التصوّف برمزية المرآة وأبعاد التجلّي الشهودي منذ عهد أبي الحسين منصور الحلاج وصولاً إلى أبي حامد الغزّالي وجلال الدين الرومي ومحي الدين ابن عربي وغيرهم من المتصوّفة، بيدَ أنّ أفضل تصويرٍ لرمزية المرآة وإشارتها إلى التجلِّي الإلهي شهوداً نجده في منظومة “منطق الطير” للعطّار (توفي 627 ه)، تلك الملحمة الشعرية الطويلة التي تتألف من نحو 4,500 بيت، وهي تحفل بالرموز الروحية واللغة الإيحائية الصوفية، عن رحلةٍ للطيور تجتاز فيها الأودية السبعة بقيادة مُرشدها طائر الهدهد نحو حضرة “الطائر الأعظم”، السلطان المُطلق الدائم، “السيمُرغ”.

منطق الطير
تجتمع الطيورُ في منظومة “منطق الطير” وتختار لها طائرَ الهدهد، طائر سليمان الحكيم، ملكاً ومرشداً لها، وسرعان ما يحثّها على القيام برحلةٍ صوب الطائر الأكمل و”السلطان المطلق” المُسمَّى “السيمُرغ” (وهو في الفارسية كشأن “العنقاء” لدى العرب، وطائر “الفينيق” لدى الأقدمين). وأخذت الطيور تباعاً تُقدِّم الأعذارَ والتبريرات لكي لا تتجشَّم عناءَ هذه الرحلة، إلا أنّ الهدهد يُقدِّم لها إرشادات روحية وصوفية راقية للتخلِّي عن العلائق الدنيوية والارتقاء بآداب النفس وصفائها وتحقيق ذلك الحب الإلهي الأرقى واجتياز أودية العشق السبعة وصولاً إلى “حضرة السيمُرغ” ومشاهدته (المقالة الثامنة والثلاثون).
وفي ذلك يقول المتصوّفُ الكبير جلال الدين الرومي: “لقد اجتاز العطّارُ مدنَ العُشق السبع، وما زلنا عند زاويةٍ في طريقٍ ضيق”. لقد اتّبع العطّارُ نهجَ أهل التصوّف في ذكر المقامات والأحوال، حيث تُجاهِد النفسُ في طريقها إلى الحقّ متخلّصةً من كلّ العلائق ومُتطهَّرة من كل الشوائب، لا تُفكِّر في شيء سوى الغاية التي تسعى إليها عقلاً وعشقاً ومجاهدةً، فيجعل الطيرَ تجتاز سبعة أودية هي “وادي الطلب”، حيث يجب التطهُّر من كلّ العلائق وعدم الكفاف أو التواني لحظة عن الطلب والتحلِّي بالصبر؛ ومن ثم “وادي العُشق”، حيث يُقدِّم العاشق روحَه طواعية تلبية لأمر المعشوق؛ وبعده “وادي المعرفة”، حيثما كلّما واصلَ السالكُ المسير كلّما زادت معرفته بالأسرار، ووجبَ ألا يقنع بما يُحصِّله من معرفة بل عليه أن يقول دائماً “هل من مزيد؟”؛ ومن ثم “وادي الاستغناء” بأنْ يتخلّى عن كلّ شيء في الدنيا؛ ويليه “وادي التوحيد؛ و”وادي الحيرة” ومن ثم أخيراً “وادي الفقر والفناء” قبل الوصول إلى “الحضرة”.

العطّار والرمزيّة الصوفية
تنتمي منظومة “منطق الطير” إلى الأدب الرمزي الذي تبدَّى بحُللٍ سنيّة مع أعمالٍ فريدة اعتبر بعضُ الباحثين أنّها قد تركت أثراً كبيراً على العطّار، من مثل “رسالة الطير” للفيلسوف ابن سينا، و”رسالة الطير” للإمام الغزّالي، و”رسالة الغفران” لأبي العلاء المعرّي التي تعكس قلقاً فلسفياً، لكنّ البُعد الصوفي يبدو أكثر وضوحاً لدى العطّار الذي صاغه بلغةٍ رمزية أدبية عالية المستوى، حيث يرى بعضُ الباحثين أنّ الكاتب الإنكليزي جيفري تشوسر (Geoffrey Chaucer) قد تأثّر به في كتابه الشهير “مجلس الطيور” (Parlement of Foules).
وتتناثر في أرجاء المنظومة حكايا رُصِّعَت برموزٍ حِكْميّة فيها ما فيها من المغزى الصوفي الرمزي عن التحقّق والمشاهدة اليقينية، ولعلّ أكثرها دلالةً (ص 213، ترجمة د. بديع محمد جمعة عن الفارسية، دار الأندلس، 1996) حكاية عن ملكٍ وسيمٍ غاية في الجمال وحُسْنٍ لا مثيل له في الدنيا، “فما الصُّبح إلا إشراقة من وجهه وما الرُّوح القُدُسيّة إلا نفحة من طيب مِسْكه ولم يتمكّن أحدٌ قط أن يجد نصيباً من جماله، وبسببه غصَّ العالم بالإضطراب وحُبّه فاقَ كلّ حدٍّ لدى الخلق”.
ويستطرد العطّار في إشاراته الرمزية: “لكنّ هذا الملك الوسيم ساقَ جوادَه الأسود خارج المدينة، وأسدلَ بُرقعاً داكناً على وجهه … وإذا فكَّرَ شخصٌ في وصاله أصاب الفناءُ روحَه وعقله … وما أبهى هذا الأمر! إذ ليس لإنسانٍ أن يصبر على فراقه، وليس لإنسانٍ مقدرة على رؤيته، فكلُّ مَنْ رأى جمالَه عياناً، أسلمَ الرُّوح وماتَ متأوهاً. ويا للعجب! لو قُدِّر وتوفَّرت لشخص القدرة لحظة، لظَهر وجهُ السلطان له عياناً، ولكن إذا انعدم الشخصُ القادر على رؤيته فما استطاع أحدٌ محادثته ومرافقته..
.. فأمرَ السلطانُ بإحضار مرآة حتى يستطيع الخلقُ النظر في تلك المرآة، فشيَّدوا للسلطان قصراً جميلاً ووضعوا المرآة في مواجهته ثم صعد السلطانُ على سطح ذلك القصر، ونظر في التو إلى المرآة، وما إن أطلَّ وجهُه مشرقاً من المرآة، حتى أدرك كلّ شخصٍ منه علامة!”.
ويخلُص العطّار في تلك الحكاية إلى القول في ذروة الرمز: “إنْ ترغب في رؤية جمال الحبيب، فاعلَمْ أنّ القلب هو مرآة طلعته، ليكُنْ قلبك على كفّك، ثم انظرْ جمالَه، ولتكُن روحكَ مرآةً له، ثم انظرْ جلاله، إنّ مليككَ في قصر الجلال والقصر مضيء بشمس ذلك الجمال، وللمليك طريقٌ صوب كلّ قلب، ولكن لا طريقَ للقلب الضال صوبه … انظرْ إلهكَ في قلبك..”.

رسم فارسي للعطار مستوحى من كتاب منطق الطبير
رسم فارسي للعطار مستوحى من كتاب منطق الطبير

وحدة شهود لا وحدة وجود
إنّ العطّار بذلك يرمز إلى وحدة الشهود، الفناء عن شهود الكثرة والتعدُّد في شهود الأحادية، خلافاً لمفهوم وحدة الوجود الذي ينفي وجود الكثرة والتعدُّد ويوجِد الكل في الواحد.
وهنا يتحدّث الهدهدُ عن “الاستغراق في الحقيقة، وعدم إفشاء سرّها”، ويقول العطّار في إشارةٍ إلى اتّهام الحلاج وأبي يزيد البسطامي بالحُلولية “فحاشا لله أن تقول أنا الحق”، ويتساءل “كيف يكون المُستغرِقُ حُلولياً”، بل هو “في الحق دائماً مُستغرقٌ”. ويقول الهدهدُ عن ضرورة ظهور “مرآة لُطف” السيمُرغ في الدنيا: “فإنْ لم تكن لك عينٌ مُبصرِة تُدرِك السيمُرغ، فلن يكون لك قلبٌ كالمرآة المجلوة، ولا بُدّ من عشق هذا الجمال الأخّاذ، وكيف لا، وقد صنع مرآةً من كمال لطفه، هذه المرآة هي القلب، فامعِنْ النظر إلى القلب، ولكي ترى وجهه، أمعِنْ النظر إلى القلب..”. ويقول عن الاستغراق، فيما هو يوصي بالتشبُّه برابعة العدوية: “فقد كانت على الدوام غارقة في نور الحق، متطهِّرة من الفضول، وفي الله مُستغرِقة”.
وفي هذا الإطار يتحدّث العطّارُ عن “السيمُرغ” في بداية كتابه (المقالة الثانية) بشكلٍ محفوف بالغموض والرمزية، فيذكر أنّ بداية أمره من ديار الصين! ومن ثمّ يتحدّث عن وجوده خلف “جبل قاف”، ولذلك يخلُص إلى القول كما قال رسول الله (صلعم)، “اطلبوا العلم ولو في الصين!”. ويحثُّ الهدهدُ الطيورَ إلى السير في الطريق في طلب السيمُرغ: “امضُوا قُدُماً نحو تلك الأعتاب، فلنا ملكٌ بلا ريب يُقيم خلف جبلٍ يُقال له جبل قاف، اسمه السيمُرغ ملك الطيور، وهو منّا قريب، ونحن منه جدّ بعيدون..”. ويؤكّد الهدهد أنّ العلم والعقل لا طريق لهما إليه، ولو كثُرَ المشتاقون، فليس للعقل ولا للرُّوح مقدرةٌ على إدراك كماله، ولا إبصار جماله … مشيراً بذلك إلى شهود الحُبّ واليقين!
وهنا لا بّد من التمييز ما بين “وحدة الوجود” (Pantheism) و”وحدة الشهود” (اعتمد بعض العلماء لها مصطلح Panentheism) عند المتصوّفة، فلطالما حذّر كبارُ المتصوّفة في العهد الذهبي للتصوُّف من الوقوع في شرك وحدة الوجود بمنحاها الاتّحادي أو الحُلولي. ففيما تتحدّث وحدة الوجود أنّ للوجود حقيقةً واحدة ذات وجهين، حقّاً وخلقاً، فإنّ وحدة الشهود هي فناءٌ عن شهود الكثرة والاستغراق في الوحدة، ويقول المستشرق الألماني هلموت ريتر (Hellmut Ritter) إنّ من الأفكار المنسوبة خطأً إلى العطّار قوله بوحدة الوجود، فيما يبدو جلياً أنّ العطّار ابتعد كلّ البُعد عن أي أفكارٍ توحي بالحُلول والاتّحاد، بل إنّه يتحدّث عن وحدة شهودية استغراقاً في الله، ويؤكّد على لسان الهدهد “كلُّ مَنْ سارَ هكذا فإنّه يكون مُستغرِقاً، فحاشا الله أن تقول أنا الحقّ، وكيف يكون المُستغرِق حُلولياً..”.
ويلحظ ريتر أنّ غاية الصوفي هو الفناء في الله، فناءً شهودياً لا وجودياً، وما سفر الطيور إلى السيمُرغ إلا لتحقيق هذا الهدف الشهودي، ولو أنّ العطّار تحدّث في النهاية عن البقاء بعد الفناء بشكلٍ غامض استرسالاً في سرده الشعري.

إقرار شهودي يقيني
ويتحدّث الإمام أبو حامد الغزّالي في هذا الصدد عن وحدة الشهود التي تُثبت الوجود شهوداً، أي أنّ فناء الصوفي هو فناءٌ عن كلّ شيءٍ إلا عن الواحد المشهود، فهو “غائصٌ في بحر عين الشهود”، وبذلك يصبح الشهود بمفهوم أهل التصوّف “رؤية الحق بالحق”، والبقاءُ بعد ذلك إنّما هو بقاءٌ في الحقيقة إقراراً وعُرفاناً.
ذلك التوحيد الشهودي أو وحدة الشهود الذي يتجاوز ما هو نقلي يلتمس الدليل العقلي إلى ما هو شهودي، أي توحيدٍ يقيني ذوقي. وفي ذلك يقول الدكتور أبو العلا عفيفي “هو التوحيد الناشئ عن إدراكٍ مباشرٍ لِمَا يتجلَّى في قلب الصوفي من معاني الوحدة الإلهية في حالٍ تَجلُّ عن الوصف..”.
وكان العلّامة محمد علي التهانوي قد استدرك ذلك بقوله “يرشدُ فهم هذا المعنى إلى تنزيه عقيدة التوحيد عن الحُلول والتشبيه والتعطيل” في إشارةٍ إلى الطَّعن في المتصوّفة من قِبَل “طائفة من الجامدين العاطلين عن المعرفة والذوق”، فالمتصوّفة عندما يتحدّثون عن حالهم الشهودي يفهم هؤلاء الجامدون أقوالَهم بكونه وحدة وجودٍ حُلولية، متغافلين عن أنّ أهل التصوّف هم أكثر مَنْ يُكفِّر القائل بالحُلول والاتّحاد.
إذاً، في “مقام الإحسان”، تجمع هذه الوحدة الشهودية اليقينية معاً “التعالي أو المُبيانة التنزيهية” (Transcendence) و”محايثة الوجود الشهودية” (Immanence).
فالتجلِّي اليقيني الشهودي أو ذلك التجلِّي العُرفاني هو كشفٌ وشهودٌ يقيني، كشفٌ تختبره عينُ البصائر والأبصار معاً فتشهد باليقين بل بـ “عين اليقين” بحسب استعدادها ومدى صفائها. وقد استخدم أهل التصوّف والشهود المرآة التي تعكس الصور المقابلة لها مثالاً على ذلك الشهود، فالناظرُ إلى صورته في المرآة يرى نفسَه وكأنّه ليس فيها. وذلك ما تحدّث عنه محي الدين ابن عربي، بحسب شرح ابن سودكين، إذ بالنسبة إلى ابن عربي فإنّ “آدم هو العين التي تُبصِر الحقائق الإلهية المُنطبعة في مرآة الوجود…”.
وثمة شيخٌ صوفي آخر يعود إلى عصر ابن عربي تحدّث عن هذا الشهود اليقيني هو الأمير المكزون السِّنجاري، الذي يقول:
كـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلٌّ يــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــراكَ كــــــــــــــــــعينه إذ أنــــــــــــتَ مــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرآة الــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوجود
وســــــــــــــــــواكَ مــــــــــــــــــــــــــــــا يبــــــــــــــــــدو لــــــــــــــــــه فيغيــــــــــــــــــــــــــــــــــــب فــــــــــــــــــي حــــــــــــــــــال الشهود
ويقول أيضاً:
تجلَّــــــى لــــــي فجــــــلَّاني لــــــــــــــــعيني كما لي صــــــــــــــــــــــــورتي المرآةُ تجــــــــــــــــلو
أمّا الأمير عبد القادر الجزائري، الذي عاش في القرن التاسع عشر، فيتحدَّث مطولاً عن تشبيه التجلِّي بالمرايا، وذلك في كتابه “الموافق”، ويقول باختصار: “فما خلقَ اللهُ المرايا إلا ضرْبَ مثالٍ لتجلِّيه، وليست الصورة الظاهرة بسبب المقابلة للمرآة عين المُتَوجِّه على المرآة .. فالحقُّ يتجلَّى بالصور التي هي مراياه، بحسب استعدادها، أي أنّ هذا التجلِّي ليس حلولاً لا من قريب ولا من بعيد ولا اتّحاداً بين المتجلِّي والمُتَجلَّى لهم، بل هو خالص التوحيد”.
وكان الحلاج قد اعتبرَ هذا التجلِّي الشهودي “لطفاً إلهياً”، فالخالقُ “يُحدِثُ الخلقَ تلطُّفاً فيتجلَّى عليه، ثم يستتر عنهم تربيةً لهم، فلولا تجلِّيه لكفروا جملةً، ولولا سترَهُ لفتنوا جميعاً، فلا يُديم عليهم إحدى الحالتَين..”.

مقام فريد الدين العطار في نيسابور
مقام فريد الدين العطار في نيسابور

شمس الحضرة.. مرآة
ونعود إلى رحلة الطير صوب الحضرة، أخيراً، وبعد جهدٍ وعناء شديدين وصلت طيور العطّار إلى مبتغاها، (في المقالة الخامسة والأربعين): “فما إن وصلوا وأضاءت جباهَهم شمسُ القُربى فأضاءت أرواحَ الجميع من هذا الشُعاع، وفي تلك الآونة رأى الثلاثون طائراً (سي مُرغ) طلعةَ السيمُرغ في مواجهتهم، وعندما نظر الثلاثون طائراً على عجل، رأوا أنّ السيمُرغ هو الثلاثون طائراً. فوقعوا جميعاً في الحيرة والاضطراب .. حيث رأوا أنفسهم السيمُرغ بالتمام، ورأوا السيمُرغ هو الثلاثون طائراً بالتمام، فكلّما نظروا صوب السيمُرغ، كان هو نفسه الثلاثين طائراً في ذلك المكان..”. ويبرع العطّارُ في هذا الجناس في دلالته الشهودية بين عِبارتَي “سي مُرغ” أي ثلاثين طائراً، و”سيمُرغ” أي ملِك أو حاكِم الطير!
غرقوا جميعاً في الحيرة، إذ إنّ الثلاثين طائراً ما إن وصلوا وشاهدوا السيمُرغ حتى رأوا أنفسَهم على مرآة جلاله، فطلبوا من السيمُرغ شرحَ هذه الحال فأجاب أنّ “الحضرةَ مرآةٌ ساطعة كالشمس، فكُلُّ مَنْ يُقبِل عليها يرى نفسَه فيها.. وصلتُم ثلاثين طائراً، فبدوتم في هذه المرآة ثلاثين طائراً..”

علّم بالقلم

علّم بالقلم

مركز الدّراسات في مشيخة العقل

تطوَّرت معاني المفاهيم التّوحيديَّة في معراجها الأخير عبر مرحلةٍ زمنيَّةٍ ممتدَّةٍ من صدر الإسلام إلى بدايات القرن الخامس للهجرة. كلمةُ الوحي الأولى كانت: اِقرأ. والإشارةُ الأولى كانت إلى العِلمِ والتعلُّم: ﴿إقرأ وربُّكَ الأكرم* الّذي علَّمَ بالقلم* علَّم الإنسانَ ما لم يعلَم﴾. فالقلمُ سببُ عِلمِ الإنسانِ بما لم يعلم. الإرادةُ تسطُرُ بالقلَم المعاني التي يُدركُها الذِّهنُ الَّذي هوَ الفَهمُ والعقلُ. فإذا شاهدنا الشجرةَ وعَلِمنا بوجودِها فنحنُ بحاجةٍ إلى سلامة البصر لتصحّ لنا رؤيتها، لكنَّنا إذا ما أردنا إدراكَ الفضيلةَ في الفاضل فنحنُ بحاجةٍ إلى سلامةِ البصيرة. فمن حيث كانتِ الفضيلةُ معنًى في الذِّهن والقلب، احتاج المرءُ في ذاته لإدراكها إلى ما يُشبهُها. إنَّ ما يُساعدُهُ في تحقيق ذلك هو المعاني المسطورة وأجلّها ما احتواه الكتابُ المسطور، كما سمّاهُ تعالى وأقسمَ به ﴿والطور* وكتابٍ مسطور﴾ الّذي كان بمثابةِ الرسالة التي سُمِّيت أيضًا فُرقانًا ﴿تباركَ الَّذي نزَّلَ الفُرقانَ علَى عبدِه ليكونَ للعالمينَ نذيرا﴾، والفُرقان هو البُرهانُ والحُجَّة، وهو كلُّ ما فُرِقَ به بين الحقّ والباطل. بمعنى آخر، فإنّ استبصار دلالة الحجّة يثمر التمييز بين ما هو حق وما هو ضياع، ولا حاجة إلى مزيد من الشّرح للقول بأنَّ ما هو أولى للإنسان، ولمعنى وجوده وغايته، ومن ثمَّ لخِياره في مسالك الحياة، هو الحقّ. ولا يرضى بمتاهة الضّياع إلا الحائر، والحيرةُ عينُ الظّلام.
لقد كان من أثر تبليغ الرِّسالة الإلهيَّة أن ارتقت البيئةُ العربيَّة آنذاك من محنة الجاهليَّة وعصبيّاتها الغرائزيَّة، إلى طريق الهدى والفلاح، بحيث حلَّ مفهومُ “الأمَّة المؤمنة” محلّ واقع تشتّت القبائل ونزاعاتها وحروبها. ثمَّ كان من شأن استبصار النصّ هذا “ولَّد الحياةَ الإسلاميَّة كلَّها” كما قال أحدُ العلماء شارحًا: “فمن النظر في قوانين القرآن العمليَّة نشأ الفقه. ومن النظر فيه ككتاب يضعُ الميتافيزيقا نشأ الكلام. ومن النظر فيه ككتابٍ أخرويّ نشأ الزّهدُ والتصوّف والأخلاق. ومن النظر فيه ككتابٍ للحُكم نشأ علمُ السياسة. ومن النظر فيه كلغةٍ إلهيَّة نشأت علومُ اللغة… وتطوّرُ العلومِ الإسلاميّةِ جميعها إنّما ينبغي أن يُبحثَ في هذا النطاق: في النطاق القرآنيّ نشأت، وفيه نضجت وترعرعت، وفيه تطوّرت، وواجهت علومَ الأمم تؤيِّدُها أو تنكرُها في ضوئه” (النشّار، ج1، ص 227). ما يهمّ هنا تحديدًا، هو محاولة تلمُّس بواكير المنحى الزّهديّ من حيث هو البدايات المسلكيَّة التي توخَّت النفاذ إلى قلب المعنى في النَّصّ، وامتثاله، واتِّحاد النَّفس بآثاره العقليَّة وصولا إلى الغاية من التَّوحيد.

النَّظـــرة إلى التصـوُّف
تضاربت آراءُ علماءِ المُسلمين قديمًا وحديثًا في النّظرة إلى التصوُّف. منهُم من لم يستسغ عندهُم ما رأوه غلوًّا وشطحًا ونزوعًا وجدانيًّا جارفًا نحو تجاوز الأداء الشكلي لفروض العبادات. ومنهُم من اعتبرهُ السبيلَ الأرقى والأصدق لتحقيق الغاية منَ العبادةِ، ومعرفةِ الله على الحقيقةِ، والاتّحاد بإرادته سبحانه وتعالى. ولكن، لا يمكنُ في هذا السِّياق الاستهانة بشهادةِ أبي حامد الغزالي الملقَّب بحُجَّة الإسلام، والتي صاغها إثر اختبارٍ معرفيٍّ و رُوحيّ ٍمُزلزِل روى تفاصيله في كتابه “المنقذ من الضلال”. قال:”كان التعطّشُ إلى دركِ حقائق الأمور دأبي وديدني من أوّل أمري وريعان عمري غريزة وفطرة من الله وُضعتا في جِبِلّتي… حتى انحلَّت عني رابطةُ التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصّبا” يتابعُ الغزالي سردَ رحلته المعرفيَّة في البحث لفهم عقائد الفِرَق، واستكشاف أسرار المذاهب، وسبر أغوار الفلسفة إلى أن أقبلَ بهمَّته على طريق الصوفية، وعلم “أن طريقتهم إنما تتم بعلمٍ وعمل؛ وكان حاصلُ علومهم قطعَ عقبات النفس، والتنـزُّه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بـها إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى وتحليته بذكر الله.” تيقَّن الغزاليُّ أن العُبَّادَ المتصوِّفة هُم أربابُ أحوال، لا أصحاب أقوال، فتخلَّى عن رعاية الوزير الشهير نظام المُلك، واعتزل التدريس بعد أن ذاع صيته إمامًا، وانصرفَ إلى الشام متزهِّدًا مُتَّبعًا ما ذاقهُ القلبُ بالعِلم وصولاً إلى تذوّقه بالحال. استغرقهُ الأمرُ سنواتٍ ليتحقّق يقينًا كما شهد من “أنَّ الصوفية هم السالكون لطريقِ الله تعالى خاصة، وأن سيرتَهم أحْسن السير، وطريقَهم أصْوب الطرق، وأخلاقَهُم أزكى الأخلاق. بل لو جُمع عقلُ العُقلاء، وحكمةُ الحُكماء، وعِلمُ الواقفين على أسرارِ الشَّرع من العُلماء، ليغيِّروا شيئاً من سِيَرهِم وأخلاقهم، وَيبدِّلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً. فإن جميعَ حركاتـِهم وسكَناتِـهم، في ظاهرِهِم وباطنِهم، مُقتبَسَةٌ من نور مِشكاة النبوَّة؛ وليس وراء نور النبوَّة على وجه الأرض نور يستضاء به”.

بواكير المنحَى الرُّوحي
“أهْلُ الصُّفَّـة”
والباحثُ في التاريخ الإسلاميِّ عن تباشير هذا المنحى النُّسكيّ لفَهم الدَّعوة لا بُدَّ من وقوفه مليًّا عند الصَّحابيّ الجليل سلمان الفارسيّ (رَ) الّذي قيل فيه ما يكفي للدلالة على فرادةِ شخصيَّته بين الصّحابةِ الأوائل. فالرّسول (ص) قال فيه كما هو ذائع: سلمان منّا أهلَ البيت. والإمامُ عليّ (ع) قال عنه كما روى ابنُ عساكر: “أدركَ علمَ الأوّلينَ والآخِرين”. وقال أحدُ الَّذين كانوا معه من أهلِ الصُّفَّةِ وهو أبو هُريرة: “كانَ صاحبَ الكتابين” بمعنى التبحُّر في دراستهما. ورأتِ الإماميَّةُ فيه أنَّهُ إحدى وسائل روح الأمر المذكورة في القرآن بأنَّها هي نوع من الفيضِ الإلهيّ يحقِّقُ تدريجيًّا مقاصدَ الله الخفيَّة. (النشار، ج2، ص238) واعتبرهُ ماسينيون، أحدُ كبار المستشرقين المتعمّقين في دراسةِ التّصوّف الإسلاميّ وأكثرهم شغفًا، “أوَّل مُبشِّر بالنَّزعةِ الرّوحيَّةِ في الإسلام، كأنَّهُ الباب”.
من مدينة “جَيّ”ناحية أصبهان، كما يروي ابنُ هشام في “السِّيرة النبويَّة”، انطلق سلمانُ قَصَصًا في إثر الحقّ كأنّه في تلكَ الرِّحلةِ عاينَ الأبدال. وفي السّنةِ الأولى للهِجرة كان في رِقِّ قُرَيظِيّ في المدينة، فعرِفَ الرَّسولَ (ص) الّذي قال له: “كاتِب يا سلمان”، فَافْتَكَّ نفسَهُ وشهِدَ الخندقَ حُرًّا.
إنَّ من شأنِ الوقوف على أحوال سلمان في المدينةِ قبل فتح مكَّة أن يوفِّرَ الدلائل الأولى على ما سوف يتمّ اعتبارُه لاحقًا المنحى العِرفانيّ في “سلوك القرآن”. يعودُ بنا ذلك إلى يوم أمرَ النبيُّ فيه أن يُبنى مسجدٌ في المكان الَّذي َبرَكَت فيه ناقتُه، فعملَ فيه المهاجرون والأنصار وهُم يرتجزون: لا عيشَ إلاَّ عيش الآخِرة. ومع تدفُّق المهاجرين، أُعِدَّ في مؤخَّر المسجدِ النّبويّ مكانٌ مُظلَّل لنزول الغرباء فيه ممَّن لا مأوى له ولا أهل. سُمِّي ذلك المكان الصُّفَّة، وهي تعني في اللغة الظُّلّة والسقيفة، وسُمِّي النازلون بها “أهلُ الصّفّة” الَّذين عانوا كما تذكر المصادرُ “من الجوع وفقدِ المَلبس والمأوى، وكانوا أعِفَّة لا يسألون الناس”. ويتفِّقُ الكثيرُ من المفسِّرين أنَّ المقصودَ في الآية الكريمة ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (البقرة 273) هُم أهل الصُّفَّة. يقولُ البيضاوي إنّهم “كانوا يستغرقونَ أوقاتهم بالتّعلُّم والعِبادة، وكانوا يخرجونَ في كلِّ سريَّةٍ بعثها رسول الله (ص)” ويرى القشيريُّ صاحب الرِّسالة المعروفة باسمه بوضوح سِيماهُم الصوفي فيقول: “أخذَ عليهم سلطانُ الحقيقةِ كلَّ طريق، فلا لهم في الشرقِ مَذهَب، ولا لهُم في الغربِ مِضرَب، كيفما نظروا رأوا سُرادِقات التوحيد مُحدِقة” وقال الطّوسيّ صاحبُ “اللُّمَع” عنهُم إنَّـهُم “لا يرجعون إلى نَدْع و لا إلى ضَرْع و لا إلى تجارة، وكان أكلُهُم في المسجد ونومُهم في المسجد، وكان رسولُ الله (ص) يؤانسُهم ويجلسُ معهم ويأكلُ وإيّاهم ويحثّ الناسَ على إكرامهم ومعرفة فضلهم”
أهلُ الصُّفَّةِ أولاء كان منهُم أبو ذرّ الغفاري، وعمّار بنُ ياسر، وسلمان الفارسيّ.

بعد وفاة النّبي، وُلِّيَ سلمان المدائن من قبل عمر بين الخطّاب، ونفى عثمانُ أبا ذرّ إلى الرَّبذَة، واستُشْهدَ عمّار في صفِّين، وفي هذا دلالة أنّ كبارًا من أهل الصُّفَّة كانوا في صُلب الحياة الإسلاميَّة معبِّرين في مواقفهم عن صفاءِ الرؤية التي استمدّوها من مرآة النَّصّ الحكيم والتحقّق في معانيه بتفانٍ وتجرُّدٍ وإخلاص. لذا، عُدّوا فيما بعد باكورة ما سوف يُسمَّى بأهلِ التصوّف الَّذينَ وُصِفوا بأنَّهُم”أهلُ القلوب الَّذين يعرفون أحكامَها ومواردَها وخَطَراتِها ووساوسها ولحظاتِها وإشاراتِها وخفيَّاتِ سرائرها، ويعرفون اختلافَ الوُرود بمشاهدةِ الوُجود. ويعرفونَ أحكامَ الدّنيا باللّحظات، وأحكامَ الآخِرة بالخَطرات، وأحكامَ الحقّ بالإشارات. انفردوا بوَجْدِهم وأقاموا على حقيقة عِلمهم، فهُم أهلُ تجريد التوحيد الَّذين آثروا الله على ما سواه” (أدبُ الملوك، 9). وكان لهُم آداب ومسالك وأحوال ومقامات حُفِظَت آثارُها في الكتُب الينابيع التي دوَّنت أخبارَهُم لما يعود إلى القرون الأربعة الأولى للهِجرة، فأمَّا بعد ذلك، فقد غلبَ القالُ على الحال، والتَّسويدُ على التَّجريد، كأنَّ دائرةَ عرفان الأوائل عادَت إلى نقطةِ التحقُّق في معراج الواجدِ نحو الحقيقة.

أهل البصائر
تَذَّخَرُ مجالسُ الذِّكر لدى الموحِّدين الدّروز بأخبار السّالكين دربَ التّحقّق وجُلُّهُم من عُبّادِ “ما قبل نشوء المذهب”. ومعلومٌ أنَّ كبارَ الموحِّدين في “جزيرة الشام” بعد القرن الخامس للهِجرة، وعلى رأسهم الأميرُ السيِّد والشيخُ الفاضل أرْسَوْا هذا التّقليد عبر درسهِم المعمَّق للتراث الإسلاميّ كما هو ثابتٌ في سِيَرهِم. وفضلاً عن حِفظهما لكتابِ الله العزيز، القرآن الكريم، كان الأميرُ جمالُ الدين عبد الله “يعتني كثيرًا بأخبار الأولياء والصَّالحين والعُلماء والزّهاد، مثل الفضل ومالك بن دينار وحاتم الأصم وأشباههم في الأحكام والمواعظ والزهد والورع” (ابن سباط). واقتفى الفاضلُ أثرَه حيث يتبيَّن أنَّه اقتبسَ عشرات الشواهد من الآيات القرآنيَّة والأحاديث النبويَّة وأقوال المتصوِّفةِ الثِّقات.
يُميِّزُ الأميرُ السيِّدُ بين ناظرَين: واحدٌ بفكره وخاطره، وآخَر بسمعه وناظره. النَّظرُ الأوَّلُ هو مقاربةٌ لإدراك اللطائف العقليَّة، واستشعار الدّلالات الحِكميَّة، واستنباط معنى الغايات الحقيقيَّة سبيلاً إلى التحقّق بما هو صلاح النفس وخيرُها ومعناها الَّذي مُنِحت الوجودُ من أجله. والنَّظرُ الثاني هو مقاربةٌ في المستوى الطبيعيّ يتلقَّى عبرها الإنسانُ بحواسِّه الجسمانيَّة الصُّور المحيطة به فيما سُمِّي قديمًا عالمُ الكون والفساد، من حيث أنَّ الجسدَ الطبيعيَّ مخلوقٌ
﴿مِن صَلصَالٍ مِن حَمَأٍ مَسنُون﴾ (الحِجر 26). وينبّه إلى أنَّ الوقوفَ عند حدِّ النَّظر الطبيعيّ، والذّهولَ إزاء ما يثيرُهُ في الحواس المتحرِّكةِ بالرّغبات، والالتهاء بأغراض الغريزة دون عقلها بحدِّ العدل وهو خضوعها لقواعد الحِكمة من وجودها، لهوُ أمرٌ بالغ الخطورة، وقد أوضحه بهذه الإضاءةِ الثاقبة قائلاً: “حِيدُوا عن طريقِ الموت، فلاَ مِحنةَ أشقُّ في هذا الزَّمان، من موتِ العقلِ والجَنَان.”

إنَّ مَلَكةَ التمييز في هذا الشأنِ بكلِّ متفرِّعاته هي بمثابةِ ضرورة لحياةِ النَّفس تَبَعًا لكمالِها الإنسانيّ. وقد أدرك شيوخُنا الأفاضل الأهميَّةَ القصوى لحقيقةِ الاستبصار هذه، فقالوا بوجوب الالتزام بقاعدةِ التّمييز.

شواشُ الصُّورة الحسِّيَّة
إنَّ الدَّرسَ الكبير الَّذي نتعلّمهُ من تلك البدايات، منذ صدر الإسلام وصولا إلى ما ذكره الأميرُ السيِّدُ ق، هو ضرورة التنبُّه أوَّلا إلى تنقية الدّاخل صونًا لهُ من الشّواش الكبير المتدفِّق عليه من صخَب الخارج. إنَّ الحَيّزَ الذي تحتلُّه الصُّورةُ في حياتنا المعاصِرةُ يكادُ أن يكونَ شاملاً. فالوسائلُ البصريَّةُ حاضرةٌ متسلِّطةٌ بدءًا من قارعة الطريق وصولاً إلى عُقر الدّار. إملاؤها كاسحٌ لا يعبأُ بالفُروقِ بين بيئةٍ محافظة وبين بيئةٍ مُستحدِثة. هدفُها الإغواء والجذب وصناعةُ “المُوضة” وتقرير ما هو الأمثلُ لمقاييس الشّكل ولقواعد الحضور الظاهر ولنماذج الجمال “المُفبرَك”.
الصُّورةُ البصريَّةُ سهلةٌ برّاقةٌ فاتنة، تدغدِغُ مكامنَ الرَّغبة، وتُذهِلُ العقلَ إذ تفتحُ الآفاق باتجاه أهواء النفس وتملُّصها من كلِّ قيدٍ مانعٍ لها من الانغماس فيما تتوهّمُه اللَّذَّة. لقد استطاعت الصُّورةُ في العقود الأخيرةِ من زمننا الراهن، أن تهيمنَ إلى حدٍّ كبير على أخْيلةِ الأجيال الصاعدة، وتاليًا على الأمزجةِ والعقول وما يستتبعُ ذلك من قلب معادلات طبائع العلاقات العامَّة، وتغيير قواعد السلوك، وتوسيع أبعاد الفجوة بين ذِهنيَّة التقليد من جهة، والذِّهنيَّة المعاصِرة من جهةٍ أُخرى. يتبدّى ذلك جليًّا إذا ما استعرضَ المرءُ نزعةَ التحرُّر السائدة لدى الجيل الشاب كما يُعبَّرُ عنها في ظواهر أساليب المَلبَس والاحتفال واللَّهو واعتناق الهوايات.

يُعبِّرُ رمزُ إحدى أكبر الشّركات المتعدِّدة الجِنسيّات العاملة على تصميم وتصنيع الالكترونيات الاستهلاكية ومنتجات برامج الكمبيوتر عن روح ما تقدِّمُهُ لنا من خدمات: تفّاحةٌ مقضُومة. بالطّبع، يحيلنا الرمزُ إلى القصَّةِ التوراتيَّةِ التي استحقَّ آدم عليها مخاطبة الله له قائلاً: “ملعُونةٌ الأرضُ بِسَببِك”. لقد غُويَ آدم فأكلَ من ثمرة شجرة المعرفة الَّتي نبَّهتهُ إلى مكامن الشرّ فيه وكان غافلاً عنها. واليوم، تتدفَّقُ المعلومات والصُّورُ على الأُمم كسيلٍ غامِر لا يتورَّعُ أمام حُرمة، ولا يتردَّدُ في اكتساحِ أيّ حِمىً مهما اتَّخذ له من مَسميَّات مثل: تراث أو تقليد أو هويَّة أو قِيم أثيلة أو أعراف متأصِّلة وما شابه. لكن شتّان ما بين تدفُّق المعلومات، وما بين اكتساب الشّخصيَّة الثقافيَّة التي تأخذ بيدِ الإنسانِ فلا يجرفُه السَّيلُ هَبَاء، و لا تستقُبلهُ الصورةُ على شاكلتِها وإنَّما يطفو فوق خشبةِ خلاص باحثًا عن شاطئ الأمان.
وِفقَ هذا المنظور، تضعُنا الصُّورةُ اليوم في مثلِ الكهفِ الأفلاطوني إذ يتسمَّرُ الخَلقُ إزاءها لتقرِّرَ لهُم اتجاهات أمزجتهم، وطرائق مظاهرهم، ووجوه سلوكيَّاتهم حتَّى إذا نفروا منها أو حادوا عنها اتُّهِموا بالتخلُّفِ والجمود! بالطَّبع، يتخلَّلُ هذا العرضَ المتواصل الكثيرُ من العِلم والنقد وأصواتِ المثَّقفين التي تتعالى “كصوتٍ صارخٍ في البَرِّيـَّة”. فأين هو الحكيمُ الَّذي يقودُنا خارج الكهف حيث شمسُ العقل ونور الحرِّيـَّة؟

النَّصيحةُ التَّوحيديَّة
هنا تمامًا يتوجَّبُ استحضارُ النَّصيحة التوحيديَّة القديمة التي أوصَت في مثلِ تنبّؤٍ نورانيّ قائلة بوجُوب النَّظَر بمرآة البصيرة لا بشحمانيَّة العين. فإذا كانت الحياةُ المعاصرةُ اليوم هي نِتاجُ الصورةِ بامتياز، يعني من البصرِ وإلى البصرِ تعود، فأين هي مرآةُ البصيرةِ في روح الإنسان، وهل هي نقيَّة و جليَّة وقابلة لانعكاسِ وجهِ الله، يعني الحِكمة والفضيلة والخير الأسمى؟
إنَّ التراثَ المسلكيّ التَّوحيديّ يكتنزُ إلى يومِنا هذا سرَّ استبصار هذه الحقيقة. وليست مظاهرُ التقشُّف في الخلَوات، واقتصارُ سُبُل عيش الشّيوخ الثِّقات الكبار على الضَّروريِّ إلاَّ وسيلةً لتحقيقِ المعنى على هَدْي الصِّراطِ الَّذي اختطَّهُ سادةٌ عِظام. فالسِّرُّ في الموحِّد يَحُكُّ البصيرةَ قبل أن يَستَـتبعَ البصر، لأنَّ التَّوحيدَ رسالةٌ إلى مرآة الداخل الإنسانيِّ حيثُ لا تنفعُ أقنعةٌ و لا يُغني تجميل.

وحقٌّ أن يُطرحَ السُّؤال: كيفَ السَّبيلُ إلى امتثال هذا المعنى الجليل، والقصد الأشرف، في مجتمعنا المعاصِر؟ تقولُ الآيةُ الكريمةُ ﴿وَذكِّر فإنَّ الذِّكرى تنفعُ المؤمنين﴾ (الذاريات، 55). إنَّ استذكارَ هذا النَّهج (حِفْظُهُ في الذِّهن) هو ذخيرةٌ حيَّةٌ (حِجابٌ عاصِم) تَهَبُ قلبَ الإنسان ـ أيـًّا كان موقعُه في الحياة- روحَ المناعةِ من خطرِ اضمحلال كِيانِه من حيثُ هو “أشرف المخلوقات” فلا يتشوَّه سرُّه، و لا تَتَشتَّتُ روحُه، و لا تنحلُّ إرادتُه، و لا يصيرُ غريبًا عن كُنهِ روحه
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ ولكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج، 46).

اعلان بيروت

«إعلانُ بَيروت للإعلام الدّينيّ المستـنير»

مكتب الدِّراسات في مَشْيخَة عقل الموحِّدين الدروز خطوةٌ في مسَارٍ حَكيم

بادرَ سماحةُ مفتي الجُمهوريَّة اللّبنانيَّة الشّيخ عبد اللّطيف دَريان في حَفل تنصيبه إلى توصيف كيفيَّات مواجهة المحنة العاصفة بالعالم الإسلاميّ، وهي التَّطرُّف من أيّة جهةٍ أتى، وذلك بالدَّعوةِ “إلى الخيْر قولًا وعملًا ونضالًا وتضحيةً، موضّحًا بأنَّه ليس صحيحًا أنَّ الاعتدالَ ضعيف أو خفيض الجانب، بل هو، مع كونِهِ اختيارًا صعبًا وسط صيحات التعصُّب، “قويّ وقويّ جدًّا بموازين الحياة الكريمة، وصلابة الحقّ، وقيَم الخيْر والعدْل وإنسانيَّة الإنسان”.

لم تكن تلك الدّعوة مجرَّد تعبيرٍ عن موقفٍ مثاليّ تجاه الوقائع، إذ إنَّ سماحتَه ما لبث أن أعلنَ عن التزام دار الفتوى النَّهج والمبادئ والوثائق المُكرَّسة في مواقف مُعلِنة لمرجعيَّاتٍ عُليا في الحقل الرُّوحيّ في مستوى العالم الإسلاميّ حيث أوضح أنَّ “نهجَ السّلم والاعتدال هو نهج القرآن والنّبيّ (ص)، وهو نهج وثيقة الأزهر الشَّريف الصادرة بتاريخ 31 يناير عام 2013 ووثائق إسلاميَّة أُخرى”. كما أكَّد على الاتّفاق التَّام مع وثيقة الأزهر الشَّريف الصادرة بتاريخ 8 يناير عام 2012 والمُسمَّاة بــ: منظومة الحرِّيات الأساسيَّة الأربع: حرِّيَّة العقيدة والعبادة، وحرِّيَّة الرّأي والتَّعبير، وحرِّيَّة البحث العِلميّ، وحرِّيَّة الإبداع الفَنِّي والأدبي”. ومن ناحيةٍ ثانية، في المستوى الوطنيّ اللّبنانيّ حيث أعلنَ عن التّمسُّك بالعيش المُشترَك الإسلامي المسيحيّ، وباتّفاق الطّائف، وبوثيقة الثّوابت الوطنيَّة الصادرة عن دار الفتوى عام 2011 والتي صرَّحت عن تأييدها لها في حينه معظم القوى السّياسيّة من كلّ الأطراف باعتبارها “موقفًا جامعًا عبَّر عن ثوابت الرّؤية الوطنيَّة في العيش المشترك وحماية لبنان”.

يندرجُ هذا الموقفُ في إطار استنهاضٍ عامّ، “رسميّ” بشكلٍ أساسيّ، في جهات العالم الإسلاميّ الواسع، للعمل عبر المؤسَّسات الرَّسميَّة، خصوصًا الدّينيَّة والثقافيَّة والتّربويّة منها، وعبر إطلاق المبادرات الكبرى، بهدف استعادة الوجه الحضاريّ للدِّين الحَنيف في عصر الإعلام المرئي والمسموع، والفضائيّات المتناسلة بإيقاع عجُول. ومعلومٌ أنَّ هذه الوسائل، بحُكم الضرورات المهنيَّة، والوقائع المتسارعة، طغتْ على الحيِّز الأكبر من هوائها المبثوث، الأخبار المتعلِّقة بالإرهاب وبقوى التطرُّف والغلوّ، التي بدورها تملَّكت ما استطاعتهُ من هذه الوسائل تُرَوِّج عبرها لرؤيتها العُنفيَّة، وخِياراتها المتطرّفة التكفيريّة للعديد من مفاهيم الدِّين.

إنَّ مؤتمراتٍ عدَّة انعقدت في هذا السِّياق في السّنوات الأخيرة المُنصرمَة، منها ما تطرَّق إلى مواضيعَ في العُمق الفِقهيّ والتّفسير العقديّ في دراساتٍ نهَجتْ سبيلَ المواجهة العِلميَّة “للأفكار المُنحرفة والمفاهيم الخاطئة “حول كثيرٍ من القضايا والمفاهيم الإسلاميَّة التي من شأنها أن تشكِّلَ منظورَ الرؤية للعالَم وللعصر الّذي نعيش فيه. ومنها ما يُمكِن اعتباره من الرَّوافد الحيويَّة لهذا المسار، نتوقَّف هنا عند آخرها الّذي انعقد في دار الفتوى تحت عنوان “الإعلام الدِّينيّ في تعزيز قِيَم التّسامُح والاعتِدال”.

طرح سماحةُ المُفتي في كلمته مسائل هامَّة في هذا الاتّجاه داعيًا إلى إنشاء شبكة إعلاميَّة فضائيَّة، واستحداث مواقع من شأنها أن تُقدِّمَ للشباب فُسحةً نضرةً وحيويَّةً عبر المُنافحة عن الإسلام بأساليب مميَّزة، تسمح أيضًا بمحاورة الآخَر المخالِف والمختلِف، على أن يتزامنَ ذلك مع وضع مناهج تعليميَّة دينيَّة وعِلميَّة، وتأهيل أئمَّة المساجد بأساليب علميَّة ونفسيَّة وتربويَّة، ملمِّحًا بأنَّ التّقصير في هذا الحقل، وسط ظواهر العنف والتطرُّف السائدين، سيؤدِّي إلى السّقوط في الهاوية.

سجَّل المؤتمرُ الذي شارك في افتتاحه شيخ عقل طائفة الموحّدين الدّروز الشّيخ نَعيم حسن مؤشِّرات عدَّة دالَّة على التَّصميمِ في المضيّ قُدُمًا في سبيلٍ تحديثيّ للمقاربة العامَّة للخطاب الإسلاميّ. منها مشاركة المُفتِيْنَ في تقديم الدّراسات لبحث الإشكاليَّة بالتّرابط مع الوقائع التي يواجهونها، وحضور بعض ذوي الاختصاص عبر تقديم بحوث واقتراحات، وفتح باب المناقشة والحوار، والخروج بتوصيات، وتُوِّجَت هذه المؤشِّرات بإصدار وثيقةٍ سُمِّيت بــ “إعلان بيروت للإعلام الدّينيّ المستنير” وقَّعها مُفْتُو لبنان ومصر والأردن. وتضمَّن الإعلانُ التزامًا بالخطاب الدّينيّ الإصلاحيّ والوسَطيّ، وبتطوير إعلام دينيّ مستنير، وبالتعاون بين دُور الإفتاء وتبادُل الخبرات والزيارات، والدّعوة إلى إنشاء “مَرْقَب” للعيش المشترك. إنَّ مضامين هذه الالتزامات تنسجم كُلّيًّا مع المسار العام المذكور آنفًا، ومن شأن المفاعيل النّاتجة عن التقدُّم في الخطوات التنفيذيَّة العمليَّة أن تعزِّزَ فضاء “اللّغة السّمحاء” التي هي التّعبير الأرقى عن مقاصد الدِّين الحنيف.

“السَّماحة” و “التَّسامُح”
طُرحَ في فعاليَّات المؤتمر الحِواريَّة سؤال حول بعض التّحفُّظات المتواتِرة بشأن الفرق بين مُصطلحَيْ “السَّماحة” و “التَّسامُح”. ونَحَتْ كلُّ إجابةٍ من الإجابتيْن منحًى مختلفاً من دون الدُّخول في التّفصيل، وحتَّى من دون ذِكْر العامل الأساسيّ لإثارة تلك التّحفُّظات. ولا بدَّ من الإشارة إلى الإطار العامّ للمسألةِ بشكلِ مدخلٍ إلى إشكاليَّةٍ يُستحسَنُ درْكُ أبعادها نحو المزيد من الوضوح.

لقد أُخِذَ مفهومُ “التّسامُح” على محمَل الفعاليَّة الفلسفيَّة/الدِّينيَّة/السّياسيَّة، خصوصًا، منذُ الرّبع الأخير للقرن السابع عشر، حين كتب جون لوك، الفارُّ من الاستبداد الدّينيّ إلى هولنده عام 1682، ما أسماهُ “رسالة في التسامُح” بتحريض من صديقه اللّورد شافتسبري “المُلتزم بالتسامح” في إنجلترا في أجواء الشّقاق الدّيني الذي كان سائدًا في أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت، ونشرَها بإغفال ذِكر اسمه عام 1689. كان يقصد بـ: التّسامح الدّيني بمعنى “إنه ليس من حقّ أحد أنْ يقتحمَ باسم الدّين الحقوق المدنيَّة والأمور الدنيويَّة… ولهذا فإنَّ فنَّ الحُكم ينبغي ألّا يحمل في طيَّاته أيّة معرفة عن الدِّين الحقّ؛ ومعنى ذلك أنَّ التَّسامح الدّيني يستلزم ألَّا يكون للدّولة دين لأنَّ خلاص النّفوس من شأن الله وحده…”. (“رسالة في التسامح”، تر. منى أبو سِنّه). كانت مقاربة “لوك” تتمحور حول “الفصل بين الكنيسة والدّولة فصلًا حادًّا… فما هو قانوني في الدّولة لا يمكن للكنيسة أنْ تجعله مُحَرَّمًا وممنوعًا” (د. بدوي، الموسوعة الفلسفيّة). كان هذا تطوُّرًا في مقاصد المفهوم الذي استمرَّ وبات “في آخرِ المطاف يشمل الفكر الحرّ” (موسوعة لالاند)، وأكثر ما جسَّد هذا الأمر في الزّمن الحديث هو ما صدر عن المؤتمر العامّ لليونسكو المنعقد في مدينة باريس عام 1995، إذْ اعتمدَ نصًّا اتَّفقت عليه الدّول الأعضاء في مُنظّمة الأمم المتَّحدة للتّربية والعلم والثقافة هو “إعلان مبادئ بشأن التّسامح” تضمَّن الالتزام باتّخاذ “كلّ التّدابير الإيجابيَّة اللّازمة لتعزيز التّسامح في مجتمعاتنا لأنَّ التّسامح ليس مبدأً يُعتـزّ به فحسب، ولكنَّه أيضًا ضروريّ للسَّلام والتّقدُّم الاقتصاديّ والاجتماعيّ لكلِّ الشّعوب”، بعد ذلك أطنب الإعلان في ذكر كيفيَّات القيام بهذا الالتزام، ليس فقط في كلِّ دولةٍ ضمن حيِّز سيادتها، بل وبين كلّ الدول الأعضاء في مستوى “الأسرة الدّوليَّة”.

يمكن اختصار المآخذ على استخدام مفهوم “التَّسامح” بصيغة المُقاربة “الدَّوليَّة” بما ذكره د. الجابري في كتابه “قضايا في الفكر المعاصر” في فصل “التّسامح بين الفلسفة والدِّين والإيديولوجيا”، وخَلُص فيه بعد مناقشة الإشكاليَّة إلى القول بأنَّ “فلاسفة التنوير في أوروبا وَقَعوا في تناقض صارخ حينما رفعوا شعار التَّسامح لتجاوز الخلافات الدِّينية، وعدلوا عنه إلى نوع من اللّاتسامح عندما تعلَّق الأمر بالقضايا السّياسيَّة والوطنيَّة… إنَّ عالَمًا يفتقرُ إلى العدل، وإلى الاعتراف بالآخَر وبحقّه في تقرير مصيره… هو عالم مبنيٌّ على الظُّلم… وبالتَّالي فلا معنى لرفع شعار التَّسامح ضدّه إلَّا مقرونًا بالعدل”.

أمَّا مفهوم “السَّماحة” في اللُّغة فهو يُفيدُ الجُود، ويُقال: “سَمُحَ”، إذا جاد وأعطى عن كَرَمٍ وسَخَاء. وفي الاصطلاح هو التَّيسير وعدم القهر. ويُقال في المسلكِ “مِن طبيعة النَّفس السَّمْحة أنْ يكون صاحبُها هيّــنـــًـا ليّنــًـا… يُلاحِظُ جوانب الخير في كلّ ما تجري به المقادير.” (نضرة النعيم). وبالإجمال، فإنَّ مفهوم “السّماحة” يقرِّب إلى الشّمول في المعنى الأخلاقيّ الرَّفيع الذي فيه اكتمال العقل المُسْتَنير بمقاصدِ الشَّرع الحنيف المتعلِّقة بكلِّ ما هو: أمرٌ بالمعروفِ ونهيٌ عن المُنكر، ولا يستقيم إلَّا بالاعتدال والحِلم والاستشعار العميق لسموّ أدب الدِّين. وفي الحديث الشّريف: قيل لرسول الله: أيُّ الأديان أحبُّ إليك، قال: الحنيفيَّة السَّمْحة. وقيل هي التي تلائمُ فِطرةَ النّاس، لا غُلوّ فيها ولا تقصير.

وفي كلّ حال، فالسَّماحة تشمل فيما تشمل معنى التَّسامح بالدَّلالة الأخلاقيَّة للكلمةِ، وتتجاوزه بكثير من الدَّلالات في باب قِيَم السُّلوك الأخلاقيّ المتكامل على حدِّ الوسط الَّذي لا يغيب عن ميزانه العدل الَّذي به تستقيمُ أمُور النّفوس والمُجتمعات وأنظمة الحُكم.

زيارة البطريرك

لقاء كفرمتى بحضور الأمير طلال أرسلان

مشهد من اللقاء الأخوي

علـــى هــــدي مصالحــــــة الجبـــل فـــي العــــــام 2001

زيارة البطريـــــــرك الراعي لدارة شيـخ العقل تعزز وحدة الصــــــف الــــدرزي المسيحــــــــــــــــي

الشيخ نعيم حسن: ليس مسألةً عرَضيَّةً أن يبقى لبنان عبر القرون
فكرةً عصيَّةً على الأفول بالرّغم من كلِّ العابرين

البطريرك الراعي: في هذا الجبل كتبنا معاً تاريخ حياتنا المشتركة
والرجولة والبطولة هي أنّكم طويتم الصفحة

إستقبل سماحة الشيخ نعيم حسن، شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في داره في البنية صاحب الغبطة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي يرافقه رئيس أساقفة بيروت المطران بولس مطر وكان في استقباله إلى جانب سماحة شيخ العقل، الوزير أكرم شهيب وقضاةُ المذهب الدرزي، ورئيسُ محكمة الاستئناف القاضي فيصل نصر الدين، ومشايخُ الطائفة وفي حضور النواب فؤاد السعد، فادي الهبر، هنري حلو، رئيس الصندوق المركزي للمهجرين العميد نقولا الهبر وحشدٌ من الفعاليات والأهالي. توزّعت صور البطريرك الراعي واللافتات المُرحِّبة به على طول الطريق المؤدّية إلى البلدة وفي أرجائها، بما يكرِّس فعلاً عهود المصالحة في الشحّار الغربي عامةً وكفرمتى خاصةً.

كلمة سماحته
وبعد كلمة ترحيب من رئيس بلدية البنية الأستاذ فارس جابر رحّب سماحته بالبطريرك الراعي بكلمة مؤثِّرة قال فيها: “شرَّفتُم دارَكُم صاحبَ الغبطة. من هذه الأرضِ خبزُنا ومِلحُنا، ومن هذا الجبل ماؤنا وهواؤنا، وبخيراتِه لمْ تَقْوَ أجسادُنا وحسْب، بل تغذَّت أرواحُنا من نسائم الحرِّيَّة والكرامةِ وهِبةِ الحياة. لم يؤذِ الجبل عبر التاريخ إلا مصالح الدُّوَل الطامعة وسياساتِها. وليس مسألةً عرَضيَّةً أن يبقى لبنان عبر القرون فكرةً عصيَّةً على الأفول بالرّغم من كلِّ العابرين».
وتابع سماحته: “كلُّ لقاءٍ طيِّبٍ بين مكوِّناتِه هو لبنان. هذا هو الوطنُ شراكةُ القِيَم، ورسالةُ اللقاء الإنسانيّ الّذي يؤتي ثماره بالمحبَّةِ. دستورنا هو العيش المشترك. تشريفكم للقاء الأهل هو تعبيرٌ عن الإرادةِ الوطنيَّة التي لا يكون لبلدنا خلاصٌ إلا بها. نُقدِّر عالياً دورَكم اليوم باختتام جرح الشحّار وكفرمتى تكملةً لمسيرة العيش المشترك التي رعاها سلفُكم صاحب الغبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير ومعالي الأستاذ وليد بك جنبلاط. ونحنُ وإيّاكُم نلتقي دائماً على الثوابت التي تعبِّرُ عنها القِممُ الروحيَّة التي بها روح بلدِنا الغالي”.
وأضاف: “دعـنا يا صاحبَ الغبطة نرحِّبُ بكُم في فُسحة الضوءِ هذه التي ينيرُها اللقاءُ بكلِّ معانيه دون المزيد من الخوض في الشأن العام. دعـنا نعيشُ فرحَ هذه الهُنيهة لنوجِّهَ رسالتَـنا إلى كلّ اللبنانيّين وهي رسالة المحبَّة والمشاركة تحت سماءِ بلدٍ خصَّهُ اللهُ تعالى بجمال الأرض وجمال اللقاء والتعارف الإنسانيَّيْن. دعـنا نقول سويّاً بقـلبٍ مؤمِن أنَّ لبنانَنا باقٍ على رسالتِه مهما اشتدَّت العواصفُ، وأنَّ إيمانَنا به هو من معدِن إيمانِنا بالقيَم الساميَة التي نستمدُّها من الرِّسالات السَّماويَّة بعيداً عن كلِّ تعصُّبٍ وافتـِئات.

البطريرك الراعي
ثم تحدّث البطريرك الراعي فقال: “أشكركم سماحة شيخ العقل للصداقة الرُّوحيّة والإنسانية العميقة التي تشد بيننا منذ أن تعارفنا، يسرّنا هذا الاستقبال في دارتكم الكريمة، ونُحيّيكم خاصة وأنّ شعار البيت المِلك لله، وقد شعرنا بالحقيقة أنّنا في بيتنا”.
وأضاف: “إنّ هذا الجبل كما قلتم ماؤنا وهواؤنا، ونقول هو قلبنا النابض، وهو عمود فقري للحياة اللبنانية والكيان اللبناني، وهذا الجبل عليه كتبنا معاً كلّ تاريخ حياتنا المشتركة ولذلك فعل الإيمان اليوم هو الإلتزام بمسؤوليتنا المشتركة لأنكم في الجبل كنتم القدوة، كيف طويتم الصفحة السوداء. وأعتقد أنّ الجبل مرّ بخبرة مُرّة للغاية، ولكن الرجولة والبطولة هو أنّكم كلّكم طويتم الصفحة وعشتم جمال هذه المصالحة ونحن نواصل هذا الطريق، لكن ما أودُّ أن أقوله إنّكم كنتم سبّاقين في بدء صفحة جديدة، وجمال المصالحة أن نبدأ صفحة جديدة. ننسى الماضي وننطلق للمستقبل، ننسى الماضي لكن يظل عِبرة لنا بعدم العودة إليه. لكنّنا نبني المستقبل وهذا ما فعلتم وهذا ما رأينا بأُمّ العين في كلّ الرعايا والبلدات التي زرناها وأنا سعيد جداً أنّ معظم هذه البلدات هي بلدات فيها أخواننا الموحّدون الدروز. أنا أشكر سيادة المطران بولس مطر لأنّه أراد أن نبدأ هكذا. لذا نقول نحن في بيتنا، نحن في هذه الأخوّة الوطنية، وفي هذه المسؤولية التاريخية التي ينبغي علينا نحن كذلك أن نحملها معاً.
وأردف الراعي: “فرحتنا كبيرة اليوم أننا التقينا ولكن نلتقي وفينا الغصّة التي ذكرتموها والتي أنا أيضاً بإسم هذا الجمهور معكم نُجدِّد الدعوة للجماعة السياسية لنقول لهم تمثّلوا بأبناء الجبل، أبناء الجبل تصالحوا، أبناء الجبل نسوا الدماء، أبناء الجبل طووا الصفحة، اطووا الصفحة، اطووا الصفحة، يكفي اطووا الصفحة، تصالحوا، تقاربوا، احموا هذا الوطن. أنتم في الجبل تصالحتم حُبّاً بهذا الجبل، حُبّاً بالعيش معاً، حُبّاً بحفظ تاريخنا المشترك الجميل وكذلك ينبغي على الجماعة السياسية أيضاً القيام به حُبّاً بلبنان، لبنان الكيان ولبنان الشعب، لبنان المؤسّسات، لبنان التاريخ، لبنان الرسالة. إذا آمنا فعلاً بهذا الوطن أنّه فوق كلّ شيء وفوق الجميع لا شيء يمكن أن يقف أمام المصالحة”.

أيها السياسيون : احترموا الشعب!
وقال: “نحن نُحيّي من هنا كلّ أصحاب الإرادات الطيّبة، كلّ الذين يسعون فعلاً من أجل هذه الغاية ونحن نطالبهم ونقول لهم الشعب يثق بكم كونوا على مستوى ثقة الشعب بكم. وأقول الشعب يحترم السلطة السياسية يحترمهم ويقدرّهم ويعزّهم وهم يعرفون، وأنا أقول ينبغي عليكم أنتم أن تحترموا الشعب أيضاً، أن تُحبّوا الشعب أيضاً وأن لا تستهتروا بشؤونه أيضاً. وأضاف القول: يؤلمنا هذا المشهد المُذل بالنفايات، التي أيضاً تذلنا بكرامتنا الوطنية وبجمال هذه الأرض الجميلة، لكن يؤسفنا أيضاً أنّ كلّ المبادرات وخصوصاً المبادرة الرسمية التي تكلّف بها الوزير شهيب. وقال: نحن شعب فيه سمو وقِيَم وتاريخ وحضارة وثقافة، لذلك نحن نرجو ونأمل أن يتحمّل المسؤولون مسؤولياتهم التاريخية. ووجدتُ دارتكم الكريمة يا سماحة الشيخ أفضل مكان لقول ذلك وأمام هذا الحضور. ولا بدّ من القول إنّ إيماننا عظيم بلبنان، إيماننا عظيم بالجبل، سبحانه وتعالى يُلهمنا أن نمشي إلى الأمام.

جولة رعوية واسعة
جاءت زيارة البطريرك الراعي لسماحة شيخ عقل الطائفة في إطار جولة رعوية واسعة في منطقة عاليه، قام خلاها بدايةً بزيارة مركز جمعية الرسالة الاجتماعية في مدينة عاليه المدينة، حيث رحب به وزير الزراعة اكرم شهيب وكانت كلمة للبطريرك قال فيها: “أُحيّي أخوتنا الموحّدين الدروز لأنّ لهم فضل في تاريخ لبنان مع الموارنة. كلّنا مسؤول ولمسؤولياتنا جذور تاريخية لذلك علينا أن نعمل معاً». وزار البطريرك كنيسة مار جرجس للروم الأرثوذكس في عاليه.
كما انتقل البطريرك إلى بلدة بيصور حيث كان في استقباله عند مدخل البلدة فرقة من الخيّالة ترفع الأعلام اللبنانية تقدّمت الموكب إلى حين الوصول إلى مبنى الرابطة الثقافية الرياضية، حيث استقبله إلى جانب المشايخ والفاعليات النائب غازي العريضي. وحيا الراعي في كلمته في بيصور القيادات السياسية ولا سيما النائبين وليد حنبلاط وطلال ارسلان وجميع ابناء المنطقة «على الوحدة والتعاون الذي تعيشونه».
وفي إطار جولته الرعوية تفقد البطريرك عدداً من القرى منها شملان وعيناب وعين كسور ودفون ومجدليّا وتفقد في مجدليا كنيسة مار تقلا المارونية التي يعاد بناؤها وترأس قداساً في كنيسة رمحالا كما اجتمع بأهالي كيفون في حسينية البلدة وألقيت كلمات شددت على الوحدة وأهمية الحفاظ على لبنان وطناً للجميع.

لقاء في كفرمتى
وانتقل البطريرك الراعي إلى بلدة كفرمتى وفي دارة الشيخ نصر الدين الغريب وكانت بادرة رمزية استهدفت تكريس المصالحة التي تمت بين المواطنين المسيحيين والدروز في البلدة، وألقى وسط حشد ضمّ رجال الدين والوزير أكرم شهيب والأمير طلال أرسلان كلمة حيّا فيها “مصالحة الشجعان والأبطال” مشيراً إلى «أن الأبطال دائماً يتصالحون” وداعياً الى تجاوز الماضي.
وألقى الأمير طلال ارسلان كلمة قال فيها: هذا اللقاء التاريخي يأتي تتويجاً صادقاً لسلسلة المصالحات في جبلنا اللبناني. هو لقاء العودة الى الجذور الوطنية والإنسانية والتاريخية. بعد ذلك توجه البطريرك الراعي الى كنيسة مار الياس في كفرمتى.

لقاء في عبيه
بعد كفرمتى انتقل البطريرك الى عبيه حيث كان لقاء جامع بين أبناء البلدة مسيحيين ودروزاً كما انتقل الى رحاب مقام الأمير السيد عبد الله التنوخي حيث كان في استقباله الشيخ سعيد فرج وممثل شيخ العقل الشيخ غاندي مكارم.

الشيخ ابو حسين محمد الحناوي

سير الصالحين

الشيخ أبوحسين محمد الحنّاوي.

العارف بالله والعالم المتمكن المحيط بعصره

انصرف إلى العبادة والذكر وهو في سن الصغر
فبنى له والده خلوة صغيرة تضم اليوم ضريحه

كان المرجع المهاب يلجأ إليه طالبو العلم
وكان الحكم الفصل في كل خلاف أو نزاع

أحب الشعر الصوفي والروحي وكتب المقالات
وكان على تواصل مع الامير أمين آل ناصرالدين

هو شيخ من أعيان أهل الدين والتّقى، وقد كان فريد عصره من حيث بساطة حياته في ملبسه، ومأكله ومشربه، وعلمه الواسع، وفكره النيّر، وكفّه السّخي، وحكمته البالغة، ووعظه الآسر للقلوب. كان داعية للحق، تقياً زاهداً جامعاً بين لطف المعاشرة والهيبة بين الدين وأدب الدين، رقيقاً في الكلام لكن حازماً في المضمون خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأمور الدين وقيم الموحدين. ذاع صيته في ديار الموحدين وكسب محبين بالألوف يتناقلون سيرته ومواقفه. الضحى تعرض في ما يلي فصولاً من السيرة العطرة للشيخ أبو حسين محمد الحنّاوي الذي توفي سنة 2010 عن عمر ناهز المئة وأربع سنوات.

كتب سماحة شيخ العقل، أبو وائل حمّود الحنّاوي أنّه في عام 1907 شهدت قرية سهوة البلاطة إشراقة مولود أطلّ على الحياة، وأن علائم أهل الفضل والنبوغ، والتفوّق وسمات الإيمان ظهرت عليه منذ السنوات المبكّرة من حياته…
والده المرحوم الشيخ أبو محمّد قاسم الحنّاوي، ووالدته السيّدة التقيّة غضيّة كنعان من قرية الرّحى المجاورة للسّهوة، وقد امتحن الله الشيخ باليتم في سن مبكرة إذ توفي والداه وهو لم يزل بعد حدثاً يافعاً، لكنّ رعاية شقيقته الجليلة، الستّ أم علي ورد خفّفت عليه أعباء الحياة وهمومها، فقد كان مسلك الأخت متوافقاً مع منهج الصبي الشيخ من حيث الورع والزهد، والجود والتقى والمسلك الحميد…، وكان رحمه الله يقدّرها ويحترمها، ويعترف بفضلها، ويميّزها في صفاتها وطهارتها. وعند وفاتها رحمها الله تألّم لفقدها مع رضاه بقدر بارئه، إذ شعر بالفراغ الذي كانت تملؤه في حياته بأنس الأخت البتول.
يذكر مشايخ السهوة الحافظون لسيرة الشيخ أنه سلك مسلك الزهد مذ أن كان صبياً وتكمّل في زيّه واجتذبته العبادة والخلوة، وهو ما لفت نظر والده الشيخ قاسم الحنّاوي قبل وفاته المبكّرة، وقد أحس بأن الصبي يختلف عن أبناء جيله وأنه سيتكرّس للعبادة ومسلك التوحيد بأكمل وجوهه من زهد وعفة ودوام ذكر وأدب جم، وقد ألهمه الله توفير المناخ الملائم للصبي الذي كان يشعر باحترام شديد لتكرسه للدين وزهده في الدنيا الفانية. لذلك بادر الأب العطوف ببناء خلوة متواضعة أشادها من الحجر والطين، ولاتتجاوز مساحتها بضعة أمتار مربّعة للقراءة والتعبّد، وقد بنيت تلك الخلوة وسط غابة من أشجار السنديان، فوق قمّة مشرفة من جهاتها الأربع تطلّ على السّهوة التي طالما أحبّها.
هذه الخلوة الصغيرة في حجمها، غدت منارة ومزاراً يرتاده الزائرون ويتبرّك به أهل الاستجابة القاصدون، وبعد وفاته عام 2010 أقيم إلى جانب الخلوة مجمّع ديني كبير لم يزل قيد الإنشاء، وهو الآن على وشك تمامه بمساهمات من متبرّعين محسنين يبتغون وجه الله.

نشاط دؤوب، ودعوة مخلصة
لم يتوقف نشاط الشيخ أبو حسين محمّد عند حدود قريته السهوة، ولا عند حدود جبل العرب، فقد كان واعظاً وداعية ومعلّماً لأبناء التوحيد أينما وجدوا، في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن والمغتربات، ويشير الشيخ حمّود الحنّاوي إلى أنّه كان أينما حلّ يدير حلقات الذّكْر، فيذوب الليل في قيامه، ويملأ النهار في تعبّده، إذ لا فراغ لديه، ولا وقت مستقطعاً ينفقه إلاّ بالتواصل مع الله، ولا عمل يشغله إلاّ بالذكر مع أهل الثقة والاستجابة، كان يصلح الخطأ بالصواب، ويتّخذ الرأي بالسداد، إن وجد مخالفاً يهديه، أو تائهاً يعينه على تبين طريق إلى الرشد وقد تاب على يديه كثيرون وأخذوا بعد ذلك طريق الحق والفضيلة، وهو ما يدل على عظيم هيبته وتأثيره في نفوس معاصريه. عرف عنه أنه كان رغم استغراقه في العبادة بشوشاً ودوداً ناصحاً بلطف وكان يهتم بالجميع صغاراً وكباراً رجالاً ونساءً وكان يحترم المرأة العفيفة الطاهرة، فيقدّر منهنّ الصالحات، وقد أسّس المدارس الدينيّة، والمجالس الروحانية، وأقام حلقات الذكر وتابعها، فاستجاب على يديه الكثيرون.
ثقافته
احتوى شيخنا علوم عصره، فكان على بساطة حياته مطّلعاً على علوم الدين والشريعة، واعياً لأحداث التاريخ، وهبه الله تعالى الذكاء الحادّ والذاكرة الحافظة، فكان مفكّرة الأيّام، ماضيها وحاضرها ومستقبلها بشهادة مريديه وعارفيه، شغوفاً بالعلم، ختم المعلوم الشريف والقرآن وحفظ الكتاب الكريم في سنّ مبكّرة، ودرس الكتاب المقدّس، وقد تتلمذ على يد المرحوم الشيخ أبو حسين علي أبو حمدان، المعروف بالخطيب، ولمّا بدأ تميّزه، أفردوا له خلوة خاصة به في مقام عين الزمان في السويداء يختلي فيها للتعبّد والمذاكرة مع إخوانه ومريديه، فاستحق ما نعته به الإخوان من مشايخ لبنان وسوريا بأنه من شيوخ التصوّف التوحيدي. لذلك فقد وصفه شيخ العقل، الشيخ حمّود الحناوي بتعبير “شيخ الجزيرة، وسيّد العشيرة” وقال عنه أيضا إنه “كان سِفراً توحيديّاً حافلاً بالمكارم والكرم والكرامات” .
كان الشيخ أبو حسين محمّد يحبّ العلم ويشجّع عليه، وقد قرأ الأدب والتاريخ والعلوم الإنسانية، وكان متمكّناً من اللغة، إذ درس النحو والأدب والشعر، وكان يتوخّى الدقّة في الألفاظ ويلتزم المنطق السليم وكان يحب الشعر الروحي، ويحترم الشعراء الملتزمين ويحفظ لهم، وكان على تواصل مع الأمير أمين آل ناصر الدين صاحب جريدة الصفاء اللبنانية الغرّاء، وممّا هو جدير بالذكر أنّ الشيخ وبسبب صداقته مع الأمير الشاعر كتب لتلك الجريدة في مواضيع شتّى. ويذكر الشيخ حمّود الحناوي أنّ جريدة “الصفاء” نشرت له مقالات مناسبة لمركزه وعلمه وهدفه، كما أنّ المتخصّصين من أهل العلم كالأطبّاء والمهندسين والآداب والفنون، كانوا يعجبون بخطابه من حيث مناسبته لمعارفهم، وضلوعه بتقاسيم العلوم المحدّدة بالمنهج، فغدا العارف بالله، والعالم المتمكّن، المحيط بعصره أيضاً.

الواجهة الخلفية لمقام الشيخ أبو حسين محمد الحناوي
الواجهة الخلفية لمقام الشيخ أبو حسين محمد الحناوي

الشيخ المعلّم
عمل شيخنا معلّماً في كثير من المدارس السورية واللبنانية، إذ قام بتدريس العلوم الدينية، وتحفيظ القرآن الكريم، وقد شكّل بمنهجه هذا مدرسة روحانية تتلمذ فيها الكثيرون من المشايخ الأجلاّء والرجال الذين تسلّموا مراكز مهمّة في المجتمع، كذلك ساهم بتخريج أجيال من المشايخ المتعلّمين بما يضمن انتفاع الناس بعلمهم وإرشادهم.
الأمير أمين آل ناصر الدين نشر له مقالات في جريدته “ الصفاء”
ومن أبرز المدارس التي علّم بها الشيخ في لبنان مدرسة إبل السقي، وفي سوريا مدرسة بقعاتا في الجولان، وفي جبل العرب علّم في بلدات قنوات وسهوة البلاطة، وعرمان والمنيذرة والثعلة.

نشاط الشيخ في المجال الاجتماعي
بسبب مثابرته على منهج الحكمة، غدا الشيج أبو حسين محمد مرجعاً بارزا من مرجعيات التوحيد، ويشير الشيخ حمّود الحناوي إلى أنّه لعب دوراً كبيراً وبشكل متواصل ومستمر، في مختلف شؤون الحياة الدينية والاجتماعية والوطنية لأهله من بني معروف، ولا بدّ أن مؤهّلاته المعرفيّة التوحيديّة، وعمره المديد الذي نيّف على المئة عام، وانتماءه لأسرة آل الحناوي العريقة، كل ذلك ساعد في تسهيل مهمّاته، وقيامه بأداء دور كبير في مجال الإصلاح الديني والاجتماعي، وفي الدعوة إلى رأب الصدع بين فئات المجتمع، وكان محط الثقة عند أهل المجتمع التوحيدي في الجبل وفي مقدّمتهم مشايخ العقل الثلاثة.
ومن المهام الأولى التي فتحت لفضيلته الباب على مصراعيه لدى أهلنا في لبنان، الذين أحبّهم وأحبّوه، وتابع صلاته مع الأعلام من رجالاتهم على تنوّع توجّهاتهم، فكان بذلك العروة الوثقى التي جمعت بين الجبلين، جبل العرب، وجبل لبنان في مرحلة حفلت بالأحداث والملمات….
في زمن شيخ العقل المرحوم، أبو هاني علي الحناوي، وفي أعقاب الثورة السورية الكبرى، وكان الفرنسيون قد أقدموا على مصادرة وسلب مقتنيات من خصائص المقامات الروحية، لم يجد الشيخ أبو هاني علي أكفأ من الشيخ أبو حسين محمد ليكون رفيقه في استعادة ماسلبه الفرنسيون من مصادرات تخص أهل التوحيد، وقد سُلّمت في ما بعد إلى مقام البيّاضة الشريف.
بعد ذلك ساهم الشيخ محمد كمُصلح ووسيط خير في تسوية جملة من مسائل كانت مثار خلاف في الجبل، ومنها تباين وجهات النظر حول مكتب مشيخة العقل في عين الزمان، والتي استمرّت نحو ثماني سنوات…
وفي بلدته سهوة البلاطة، كان الساعد الأيمن لمشيخة العقل، فكان رأيه العامل الأساس في تعيين البديل، حدث ذلك بعد وفاة الشيخ أبو هاني علي، والشيخ أبو شبلي يحيى والشيخ أبو حسين شبلي رحمهم الله. ومن جانب آخر فقد كان يهتم بشؤون الأسر في البلدة بوجه عام، وخاصة الفقيرة منها، وأصحاب الحاجات من أهل السترة والمعوزين، ويرعى الأرامل والأيتام، ويزور المرضى والعائدين إلى الوطن، ويشارك المجتمع في السرّاء والضرّاء، وكان يواظب على المجالس والمقامات والمزارات، وكان حضوره في اللقاءات الدينية حضوراً لافتاً.

صلاته بالمغتربين
كان الشيخ أو حسين محمد يهتم بصورة خاصة بالمغتربين من أهل التوحيد فيستقبلهم، ويدعو لهم بالتوفيق، ويحثّهم على الاستقامة، والعودة بسلامة وغُنم، ويتواصل معهم ويراعي أحوالهم، ويشجّعهم على الكسب الحلال والتمسّك بأهداب الدين والفضائل، والمحافظة على الانتماء لقومهم بني معروف، والتمسّك بالعادات والتقاليد الحميدة في مسلكهم وفي تربية أبنائهم، والحرص عليهم من الانحراف والذوبان في مجتمع الاغتراب.

صورة من مأتم الشيخ أبو حسين محمد الحناوي رحمه الله أبو حسين محمد الحناوي
صورة من مأتم الشيخ أبو حسين محمد الحناوي رحمه الله أبو حسين محمد الحناوي

شهادات حيّة في الشيخ
لمّا كان الشيخ الفقيد المتوفّى عام 2010، يتعبّد معتزلاً الدنيا في خلوة متواضعة تقع على قمة مطلّة على ما حولها، فقد احتوت الخلوة بعد وفاته على ضريحه وقد وصف أحد الشعراء بعض ما احتوت عليه نفسه العفيفة من مزايا فقال:
ويحترس مــن نفسه خــــوف زلّــــــــــة
تكـــــون عليه حجّــــــــة هي مــا هيـــــــا
فقلّص بُرديـــــــــــه وأفضى بقلبــــــــــه
إلى البـــرّ والتقــوى فنال الأمــانيـــــــا
وجانب أسباب السفاهــــة والخنـــــــا
عفافـاً وتنزيهــــاً فأصبح عــــــاليــــــــا
وصان عن الفحشــاء نفســــاً كريمـةً
أبــــــت همّـــة إلاّ العلـــى والمعاليــــــــــــا
تراه إذا ما طاش ذو الجهل والصّبا
حليمــــاً وقوراً صائـن النفس هاديــــا

وقال فيه الشيخ أبو حسين فضل الله بلاّن قصيدة منها:
غَمَـر اللطــــيف كثيـفــــــه وبسيــــــــطه
فغـــــــــدا المُحيّــــــــا صورة من نـــــــــورِ
قمــــــــرٌ يشعّ بوجهــــــه مــــــن خافــــق
متوهّــــــجٍ من مُحكم المســـــطــــــــــــور
الزهــــــد فيه طبيعــــــــة لا حِرفـــــــــــةً
كاللحــن موطنــــــــه رؤى الشحــــــرور
عَبَر الحيــــاة بكِســــْرةٍ وبـــجرعـــــــــة
والفَرْش لبّــــــــــادٌ وبعــــــض حصيــــر
طوبى له، رضوان ربّـــــــــــــــــي دائــماً
في هذه أو بعـــد نفــــخ الصّـــــــــــــــــــور
طيرٌ تدرّج بالتــــقى حيث ارتقــــــــــى
لعوالـــــم تعصــــى علــــــــى التصويـــر

أمّا الأستاذ الشاعر جميل كنعان من بلدة الرّحى المجاورة للسّهوة فقال فيه قبل ثماني سنوات من وفاته أي عام 1992 قصيدة تصف اعتزاله الدنيا وعزوفه عن فتنتها، منها:
أبا حُسينٍ على صرف الزمان عـــــلا
بـــــــدر الســماء هلالاً تــمّ واكتمـــــــلا

يذكر أنّ الشاعر الأستاذ كنعان يقرّ معترفاً بأنّ كل ما نظمه من شعر لا يجاري هذه القصيدة التي نظمها في الشيخ الحنّاوي، والتي يقول فيها:
ما قلت شعراً من الأعصاب أسكــبه
إلاّ إليــــــــكم بدم القلـــب قد جُبــــــــلا
كل القصائد لو صُغناها ملحمــــــــة
ما خُطّ منــها وما قد قيل مُرتجَــــــلا
لا تـــــــــكفي الشيــخ جلباباً ولا كفنـــا
فالشيخ هامه فوق النجم قد وصــــلا
ما غرّك الجاه أو أغراك مُغريــــــــــة
أو بات قلبك من هول الردى وجـــــلا
أفنيــــــت عمراً لوجه الله معتكفـــــــــاً
تقضـــــي النهار وجلّ الليل مبتهـــــــلا
حيّاً وميتاً ستبقى في ضمائرنــــــــــــــا
نوراً مُشعّاً وفي أخلاقنـــا أمـــــــــــــــــلا
أعرضت عن متعة الدنيا وبهجتهـــا
كي تبقـى بالخالد الرحمن متّــصــلا
أعطاك ربّك فيضاً من هدايتــــــــــــه
نُبــــــل الكـــرام ونور العلم ما بخــــــلا
عن مغرياتها من مالٍ ومن ولـــــــــــــدٍ
بالصوم والصّون طوعاً كنت منشغلا
مَتّـــــــــعْ قلوبنا بالّلقيا وأعيننـــــــــــــــــا
لُقياك للنفس تُذكي تبهــــج المقـــــــــلا
منــــــك الدعاء ومنّا الشكر نبعثـــــــه
للراحتين وللوجه النــــــــــدي قُـــبَـــــــلا
لابدّ أن تلقى وجه الله مبتســـــمـــــــــاً
فالله خيراً بخيرٍ يجزي من عمــــــلا
أشهدت حيّاً لتبقى خالداً أبــــــــــــــداً
عبر الدهور شروقاً يـــــدعـم الأجلا

ومن لبنان رثاه الشيخ سامي أبي المنى، أمين عام مدارس العرفان التوحيديّة، ورئيس اللجنة الثقافيّة في المجلس المذهبي لطائفة الموحّدين الدروز، وهو من بلدة “شانَيهْ “ قرب عاليه، في قصيدة جملية ومعبّرة ومشحونة بالعاطفة الصادقة، وقد كان الشيخ سامي حينها بعيداً عن بلاد الشام، فأفاض بهذه القصيدة التي يقول فيها.
أبـــــكي عليك ونار القـــلب تشتعــــــــل
والروح تدمع والأفكـار والمُــــــــــــــــــقلُ
أبكي بعيداً وحيــــداً كلّمـــــــــا لمعــــــت
في البال خاطرة أو لاح لــــــــــــي طَلَلُ
أبكيك فــــي سفرٍ أبكيك في خـــــفــــرٍ
كأنني بدموع الشوق أغتســــــــــــــــــــلُ

ويتمنّى الشيخ سامي لو كان حاضراً مأتم الشيخ الحنُاوي وهو الذي عرفه عبر الزيارات المتبادلة، ولقاءات المشايخ المتواصلة بين الجبلين، جبل العرب وجبل لبنان، وسائر جزيرة الشام. فيقول:
يا ليتني حاضرٌ والنـــاس زاحفــــــــــة
إلى يديــــــــك، إلى عينيك ترتحـــــــل
هذي أُقبّلها، هذي أُكحِّـــــــــــــلهـــــــــــا
ومثل جفنيك من كفّيك أكتــــــــــــحل
* * * * * * * *
تبكي السـويداء حنّاويّـــــــــها بأســـــى
“وسهوة” الخير حقّــاً خَطبها جَـــــلل
الحُبُّ ملمسها، والحزن ملبســــــــهــا على”الجليل”على”الجولان” ينسـدل
في”غوطة الشام”و”الإقليم” عاصـفةٌ
في كلّ “مقرن” عـزٍّ قد بكى بــــــــــطل
كلّ الجزيرة تبكي شيخـــها أســـــفــــاً
وفي القلوب بصمتٍ يعصف الأجــــل
يا شيخنا الصادق الصّدّيق يا علماً
بمثل صدقك أضحى يُضرب المثـــــل
يا طاهر النفس يا حرّاً ويا رجــــــــلاً
نِعْمَ الصبورُ الجسورُ الصادقُ الرجل
بساطة العيش بين النـاس مسلكُكُــم
وأخلص الناس من عاشوا، وما حــفلوا
“ أبا حسينٍ” صَــحِبـــــتَ الله في أدبٍ
فزدت لطفاً وحنّى وجهَك الخجـــــل
ولم تصاحب سوى الأخيار مكتفيـــــاً
بمن تغذَّوْا من التوحيد أو نهلــــــــــــوا
فكنتَ خيرَ أنيسٍ في مجالســـــــهـــــم
تنهي برفقٍ وتهدي الناس إن جهلــوا
وكنت تُبْحِرُ في الإيمان مرتقــــــيــــــــاً
إلى حيـــــاةٍ بنور الحق تنجبـــــــــــــــــل
حتى بلغت مقاماً بالرّضى وغــــــدت
خصال روحك بالتسليم تكتمــــــــــــل
يا من نشأت على التوحيد مُتــــّــــكلاً
حقّ اتّــكالٍ ولم يقعد بك الكســـــــــــل زهدت بالمال والدنيــــا وما قـــــــدرت
عليــــــــك في وهجها الآفـــــات والعلل
وعشت في خلوة التوحيـــــــد معترفـــاً
على جبينك راحت تسطــــــع الـــمُثُل
عرفت ربّك موجــــــــــــوداً تنزّهُــــــــــه
عن كلّ وصفٍ فلا شــــــكٌّ ولا خـــــلل
عرفت نفسك في مرآته فبــــــــــدا الــ
عجزُ اقتداراً وطاب العلم والعمــــــلُ
وازددت في الحقّ إيماناً وزدتَ عُــلى
مسافراً، ماثنــــــــاك الـــهمّ والـــــكَلل
سلكتَ أصعبَها دربـــــــــاً وأكملَهـــــــــــا
حتّى أطاعتك في معراجك السّـــــبُل
يا من رجعـــــت إلى باريك مقتنعــــــاً
ومطمئنّاً تحاذي دربك الشُّــــــــــــعَـل
رحلت طَوْعــــاً إلى مثواك منتـــصراً
بالروح فوق جسور الموت تنتقــــــــــــل
عِشْ خالداً في حياة الـــروح سيّدَنــــا
عليك سيلٌ من الرحمات ينهــــــــــمل
وألفُ ألفُ سلامٍ كلّمــــــــــــا بُعِثَـــــــــتْ
ذكراك فينا ومنها أشرقَ الجبـــــــــل

السبيل إلى التوحيـــد

السبيـــل الــى التوحيــــد

مشيخـــة العقـــل تنشـــر دليـــل المهتميـــن والطالبيـــن
للتعـرُّف علـــى مرتكـــزات الإيمـــان والسلـــوك التوحيدييـــن

تتابع مجلة “الضحى” في هذا العدد نشر فصول أول إصدار مرجعي تنشره مشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز بهدف تنوير المهتمين والطالبين من أبناء الطائفة وغيرهم من أبناء الجماعات الروحية المهتمين بالإطلاع على موجز سهل يبيِّن أسس المسلك التوحيدي الدرزي وثوابته الروحية والأخلاقية.
وفي ما يلي الحلقة الثالثة من هذا الإصدار المهم على أن يتبع ذلك نشر الحلقة الأخيرة في العدد المقبل، علماً أن مشيخة عقل الطائفة تستعدّ لإعادة إصدار هذا النص المرجعي باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، وذلك في طبعة مراجعة ومنقحة، ويؤمل أن يساهم هذا العمل الأول من نوعه في سدّ ثغرة مهمة في إيضاح أسس المذهب وإزالة الكثير من اللبس والأفكار الخاطئة التي نجمت عن غياب النصوص وغلبة المواقف والاجتهادات والتأويلات غير الدقيقة أحياناً.
وفي يلي الحلقة الثالثة:

[su_accordion]

[su_spoiler title=”الفصل الخامس: خلاصة مفهوم مذهب التوحيد” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

الرؤية أو المُشَاهَدَة
علَّمَ جِبريلُ النَّاسَ دِينَهُم لمّا أتى النَّبيَّ  رجُلٌ بينَ النّاس قَائِلاً: “مَا الإيمَانُ؟ قالَ: الإيمَانُ أن تُؤمِنَ بِاللهِ، وَمَلائكتِه، وبِلِقائِه، وَرُسُلِه، وتُؤمِنَ بِالبَعثِ. قال: مَا الإسلامُ؟ قالَ: الإسلاَمُ أن تَعبُدَ الله ولاَ تُشرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤدِّىَ الزَّكاةَ المَفرُوضَةَ، وتَصُومَ رَمَضَانَ. قالَ: مَا الإحسَانُ؟ قالَ: أن تعبُدَ الله كأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لمْ تكُن تَراهُ فإنَّهُ يَراكَ” (البخاري)، والإحسان هو التوحيد.
وفسَّرَ ذلِك ابنُ القّيِّم، قَال: “هُوَ ألاَّ تُزَايِل المُشَاهَدَةَ أبَدًا، وَلاَ تَخلِط بِهِمَّتِكَ أحدًا” (مدارج السالكين). وَالحقِيقَةُ الَّتي لاَ تغِيب عنْ قَـلبِ المُوَحِّد هِيَ أنَّ الله نُورُ السَّمَوات وَالأرض (النور 35)، وَأَنَّ مَنْ لم يجعَل اللهُ لهُ نُورًا فَمَا لهُ مِن نُور(النور 40)، وَأنَّ هَذِه اللَّطَافة اللَّدُنيَّة لاَ يُدرَك استِبصَارُهَا إلاَّ بِسلُوكِ السُّبُل المُستقِيمَة، وَتحقِيق الفضائِل الشَّريفَة، وبَذل الذّات فِي صَالِح الأعمَال، وحَميد الأحوَال سَعيًا إلَى وَجْه الله لقَولِهِ فَأينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجهُ الله(البقرة 115)، وَلِقولِهِ عزَّ مِن قَائِل ذَلِكَ خَيرٌ لِلَّذِينَ يُريدُونَ وَجهَ الله(الروم 38). وهَذا السَّعيُ المُبَارَك سُمِّيَ فِي الكِتابِ العَزيـز كَدحًا، فِي قولِهِ مِن سُـورَة الانشِقاق يَا أيُّهَا الإنسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ إلَى ربِّكَ كَدحًا فَمُلاقِيه(الانشقاق 6)، وهُوَ الرِّضَى أعظَم الثَّواب. وأجلُّهُ فِي الآخِرةِ مَا وَرَدَ فِي الذِّكر الحَكِيم وُجُوهٌ يَومَئذٍ نَاضِرَة * إلَى ربِّهَا نَاظِرَة (القيامة 22-23).
إن اصل الاعتقاد لدى الموحدين هو الاقرار بوجود الله عز وجل واهب الوجود، وجوداً حقيقياً محضاً دائماً قائماً بذاته لأنه الحي القيوم الذي لا يشوبه العدم ولا يعتوره التعطيل. قال تعالى: قُـلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (الإخلاص).
ثم تنزيه الذات العلية عن الماهية، وتقديس صفاته تعالى عن الكيفية، وأن الوجود لا يخلو منه طرفة عين وما يكون من نجوى ثلاثة إلا وهو رابعهم ولا خمسة إلا وهو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا وهو معهم (المجادلة 7) وجوداً متعالياً عن الحد والكمية.
وأن معرفة الله عز وجل هي أعظم المفترضات وأجل المذدخرات.
ولا بد للعبد من معرفة معبوده، وللمخلوق من تسبيح خالقه، وللمرزوق من حمد رازقه، معرفة جزئية وإدراكاً محدوداً من حيث الإنسان لتقوم الحجة وتتم النعمة.
وفي مسلك التوحيد فعبادة الله عز وجل شوقاً إلى رؤيته في الدار الباقية أسمى أهداف العبادة، كما قالت سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ر) ساعة النزاع: إليك ربي لا إلى النار، ولم تقل إلى الجنة.

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=” الفصلُ السادِس: قواعد الحَلال والحَرام” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

عرفت كثيرٌ منَ الشّعوبِ القدِيمَة العديدَ منَ أنواع الإباحَات التي ساهمَت في نهَايةِ المَطافِ في انحِطاطِهَا وتهافُت بنيانهَا. فكانت الرِّسالات السماويَّة شِرعةً ومِنهاجًا (المائدة 48)، أخرجَت شعوبًا بأسرِهَا مِن ظلمات الجَهل إلَى نُور الحضَارات الإنسَانيَّة المَشهُودَة. وكانَ أمرُ الحلال والحَرام والتَّمييزُ بينهُمَا، فِي كلٍّ منهَا، قوامَ الدِّين، ودَلِيلَ الإيمَان، ومِيزان الصِّدق الَّذي بهِ يصِحُّ مسلكُ المَرء أو يلتبس عليه. إنَّ الله سبحانَهُ وتعالَى، أرادَ بالتَّحليل والتَّحريم الرَّحمةَ بعبادِه لحِكمَةٍ منهُ بَالِغَة متعلِّقَة بِخَير النَّاس أنفسهم، فلم يُحِلّ سبحانه إلا طيِّباً، ولم يُحرِّم إلا خبيثاً، يُريدُ اللهُ بِكُم اليُسرَ ولاَ يُريدُ العُسرَ (البقرة 185)، إنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيم (البقرة 143).
إنَّ مِن واجبَاتِ المُوحِّد شَرعًا حِفظَ العَقل، وحِفظَ النَّفس، وحِفظَ المَحَارِم، وحِفظَ الدِّين، وحِفظَ المَال، لأنَّ بِهَذِهِ العَطَايَا تستقيمُ الحيَاة، وبِهَا يكونُ المرءُ قادِرًا علَى تحقيق الغَاية مِن وُجُودِه وفق قوله تَعَالَى يَأمُرُهُم بِالمَعرُوفِ ويَنهَاهُم عنِ المُنكَر ويُحِلُّ لهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ علَيهِمُ الخَبَائِثَ (الأعراف 157).
إنَّ قواعِدَ الحلال والحَرَام تُستمدُّ مِن كِتابِ الله المُبِين الَّذِي يفصل بينَ الحقّ وَالبَاطل، والَّذي هوَ هُدًى لِلنَّاسِ وبَيِّنَاتٍ منَ الهُدَى والفُرقَان (البقرة 185)، لِذَلِكَ، فإنَّ الحَلالَ مَا حلَّلهُ اللهُ تَعالَى الحَكيمُ العَليم، والحَرام مَا حرَّمَه عزَّ وجلّ، وَاللهُ يقولُ الحقَّ وهُوَ يَهدِي السَّبِيل (الأحزاب 4).

المأكل والمشرب
يُشدِّدُ الموحِّدون على ضرورة السَّعي لكسب الطَّعام والرِّزق الحلال لقولِهِ سُبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقنَاكُم وَاشكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُم إِيَّاهُ تَعبُدُونَ (سورة البقرة 172). فأمّا الحرام فِي مسألَةِ المأكَل والمَشرب عندهُم فهُو معيَّنٌ فِي آياتٍ كَريمَة منها:
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيكُمُ المَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحمَ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيرِ اللَّهِ (سورة البقرة 173)، وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزلَامُ رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجتَنِبُوهُ لَعَلَّكُم تُـفلِحُونَ (سورة المائدة 90).
ومِنَ الواجبِ أيضًا عندَ الموحِّدين الدّروز ذِكر اسم الله سبحانه وتعالى عند بداية تناول الطعام، وفي كل موقف يتوجَّب ذكره، ومنها ذبح الأنعام والمواشي وذلك لقوله تعالى:
وَما لَكُم أَلاَّ تَأكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسمُ اللَّهِ عَلَيهِ (سورة الأنعام 119)، فإنّ ذكرَه تعالى عند ابتداء تناوُل الطَّعام هو تذكُّر وشكر لنِعم الله عزَّ وجلَّ الَّتي لا تُعدُّ ولاَ تُحصَى، وكذلك عند الذبح لأن الذبائح لا تحلّ إلا باسم الله وحده.
الزَّواج
تضمَّن قانونُ الأَحوَال الشَّخصِيَّة لِطائِفة المُوحِّدِين الدّروز العديدَ من القَواعدَ المتعلِّقَة بقضَايا الخطبة، والزّواج، والطّلاق، والحجر، والوِصَاية، والوَصيَّة، والإرث وغيرها. وقد اعتمَدَت تشريعَاتُ الزَّواج علَى ما وَردَ فِي القرآن الكريم مِن آياتٍ طيِّبات، ومَا وَردَ فِي الحَدِيث الشَريفِ مِن الحَثِّ علَى الزَّواج وضوابطِه. وقد تمَّ اختِيار مسلك التَّحفّظ والحيطة فِي مسألة تعدُّد الزّوجات، فاعتُمِد الاكتِفَاء بِالزَّوجَة الواحدة استناداً لقولِه تَعالى: فَإِنْ خِفتُم أَلاَّ تَعدِلُوا فَوَاحِدَةً (النساء 3)، ثمَّ قالَ عزَّ مِن قائل وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ (النساء 129). كذلِك تمّ اعتمَاد عدم جواز إعادة المطلقة اجتهاداً إلى إمكانية الوصول للطلاق البائن والنهائي بعد مراعاة كامل التدرج في معالجة الخلاف الزوجي وفقاً للآيات التفصيلية الواردة في سورة النساء(34-35).

المحَارِم
إنَّ مَا يحرُمُ التزوُّج بهنَّ مِنَ النِّسَاءِ عندَ المُوَحِّدِينَ مُعيَّنٌ فِي الآيةِ الكَريمَةِ مِن سُورةِ النِّساء: حُرِّمَت عَلَيكُم أُمَّهَاتُكُم وَبَنَاتُكُم وَأَخَوَاتُكُم وَعَمَّاتُكُم وَخَالاَتُكُم وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُختِ وَأُمَّهَاتُكُم اللاَّتِي أَرضَعـنَكُم وَأَخَوَاتُكُم مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُم وَرَبَائِبُكُم اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِن نِسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلتُم بِهِنَّ فَإِن لَّم تَكُونُوا دَخَلتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيكُم وَحَلاَئِلُ أَبنَائِكُم الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُم وَأَن تَجمَعُوا بَينَ الأُختَينِ إَلاَّ مَا قَد سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا(سورة النساء 23).
كذلك تحرُم المَرأة المتزوِّجَة مَا دَامت فِي عِصمَة زَوجِها، وتحرُم المَرأة الَّتي لم تَستوفِ عدَّتها (أربعة أشهر) إما بطلاق من زوجها أو موت. وكذلك زَوجة الأب، فإنَّها تحرُم على ابنِ زوجها كمَا جاءَ في الآيةِ 22 من سُورَة النِّساء.
وعَدَّ الموحِّدون الزِّنَى مِنَ الكبائِر الَّتي يؤدِّي ارتِكابُهَا إلَى الضَّرر الروحيّ البَالِغ، لِذَلِك فهُوَ مُحرَّم استِنادًا فِي الأصلِ إلَى الرسالات السماوية ووَصَايا الأنبِيَاء، وأيضًا لِمَا يُمكِن أن يترتَّبَ عليهِ مِن اختِلاطِ الأنسَاب، وانحِلال الأُسَر، وتفكُّك الرّوابِط، وانتِشَار الأمراض، وأيضًا، لِمَا يُسبِّبُه مِن انطماسِ بصيرَة مُرتكبه الَّذي يعدم اكتِسَاب لطافَة الفائِدة الرُّوحيَّة، “فلا يستـلذّ بِكلامِ الحقّ، ولاَ يستحلِيه، وإن كثُر تردادُهُ علَى لِسَانِه” كمَا ذكرَ الشَّيخُ الفَاضِل.
إنَّ اللائقَ بالمرأةِ الموحِّدَة، وفقًا لأدبيَّات الثِّقات، أن تكونَ عاقـلةً، رصينة، عفيفة، ذات حيَاء، صادقة، تصون كرامتَها بشجَاعة، وتتجنَّب كلَّ مَا قد يُسيء إليها من اختلاءٍ بغير محرم، أو مِن لباس غير محتشم. وتكونُ متمسِّكةً بواجباتها العائليَّة والدينية، ملتزمةً بشروط الزّواج والإنجاب والتربيَة الصَّالِحة. وفِي كلِّ حال، تكون مستشعِرةً وجُود الخالق، متشوِّقة إلَى اكتِساب المعرفَة اللطيفة لتُضيءَ سِراج سجايا الخَير فِي روحِهَا، ويكون باستِطاعتِهَا تفهُّم المعانِي السَّاميَة للتربيَة المستقيمَة.
إنَّ غايةَ الحرِّيَّة فِي المفهوم التَّوحيديّ أن يحقِّـقَ الإنسَانُ فضِيلَةَ ذاتِه بالحقّ، كمَا جاء فِي قول السيِّد المسيح “إعرفُوا الحقَّ والحقُّ يحرِّرُكُم”.
ومِنَ الأمُور الَّتي تدخُل فِي بَابِ ارتِكابِ الحَرام كلّ أنواع العلاقات الشَّاذّة كالزّواج المِثـلي، والمَساكَنة وغيره. وبالإجمال، فإنَّ الرؤيَة الأخلاقيَّة لِلموحِّدِين، مِن حيثُ هيَ مرتبطةٌ ارتِباطًا وثيقًا وضروريًّا بقاعدَة الترقِّي فِي العُلوم المُثمِرَة، واقتِبَاس اللطائف العقـليَّة السَّاميَة، واستِخدَام الجَوارح فِيمَا خُلِقَت لهُ مِن دون انزلاقٍ فِي الإفراطِ المؤذِي، والتَّـلهِّي فِيمَا يطمس بصيرة القـلب، كلّ ذَلِكَ يُسهِمُ فِي تحدِيد الموقف أيضًا مِن أمُورٍ متعدِّدَة منهَا عدم الاحتشام في اختِيار الأزيَاء والألبِسَة، خصُوصًا عندَ النِّسَاء، ومِنهَا الاختِلاء بينَ الجِنسَين مع عدم وجُود محرم، ومِنهَا أيضًا الموقف مِنَ القَضايَا المندرجَة تحت عنوان “الأخلاق الطبِّيَّة” مثل الإجهَاض، والموت الرَّحيم، والاستِنسَاخ وما شَاكَل، وكلّهَا تُعتبَر دخُولاً فِي بابٍ من أبوابِ الحرام.
أمّا في ما يتعلَّق بالأولاد، فإن نسبَهُم يعُود إلى والدِهم، ويُنسب الولدُ إلى والدَيهِ المتزَوِّجين زواجاً شرعيّاً. أمّا فكرة التبني فقد تمَّ رفضهَا فِي أوساطِ الموحِّدِينَ الدّروز، لما يُمكِن أن يترتَّبُ عنهَا من مشَاكل أسريَّة.

المخدِّرات
المخدّرات آفَة محرَّمَة لِما تسبِّبُهُ من أضرار صحيَّة وعقـليَّة وروحيَّة وأدبيَّة واقتصاديَّة واجتماعيَّة، والرَّسول  يقول: “لا ضَرر ولا ضِرار”، لذلك تحرّم المخدّرات بمشتقاتها، بقاعدة دفع الشرّ وصدّ ذرائع الفساد.
يَستشعِرُ العدِيد من مؤسَّسات المجتمعِ المدنيِّ أخطار هذه الآفَة المتفشِّيَة فِي المجتمَعَات المُعاصِرة، ويعبِّرُ أهلُ الاختِصَاص عَن المدى الخطِر الَّذي تستحضِره المُشكلة، وكمَا يقولُ أحدُهم: “إنّ المخدِّرات تهلك الأرواح والمجتمعات، وتقوِّض التنمية البشريَّة المستدامة وتولِّدُ الإجرام، وهي تمسّ جميعَ قطاعات المجتمع في كلّ البلدان مؤثّرة على وجه الخصوص في حرّية ونموّ الشباب الذين يمثّلون أغلى ثروة يملكها العالم… ليس للمشكلة بُعدٌ شخصيّ بل أيضًا أبعاد اقتصاديَّة واجتماعيَّة وثقافيَّة وسياسيَّة بحيث يُصبحُ تنفيذ استراتيجيَّة خلق ثقافة مضادّة للمخدِّرات جزءًا لا يتجزّأ من تنفيذ الاستراتيجيّات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والتعليميَّة والصحّيّة والثقافيَّة.”
عُقدَت العديد منَ المؤتمَرات الإسلاميَّة لمعالجَة تحدِّيات هذه الآفّة. وَتمحورت مقرراتها حول مفاهيم إصلاح نظام التعليم والتربية، ودعوة الأسرة إلى النهوض بواجبها، ورعاية الشباب، وإنشاء مركز علمي دولي للأبحاث وما إلى ذلك، وَصعَّدت اللهجة لدى حديثها عن المهرّبين والمروِّجين والمتاجرين مطالبة بتوقيع أقصى العقوبات عليهم.
وفي الرؤيَة الأخلاقيَّة التَّوحيديَّة، يُعتبَر العقلُ والجسَدُ مِن نِعَم الله الكُبرَى، لِذلِك كان واجب الحفاظ علَى سلامتهما منَ الفَرائِض اللازمَة، لارتِبَاط ذلك بصحَّة المسلك ذاته. إنَّ مَا يؤذِي العقل بالتشويش عليه، وبتعمُّدِ تعطيل حركتِه الفِكريَّة، وقدرتِه علَى الاستنباط والتحليل، لَهُو أمرٌ لا يقرّهُ دِينٌ، ولاَ يسلِّم بهِ قانُون. كذلِك، فإنَّ تـلويثَ بيئَة الجسَد بفِعل استِخدام المواد المخدِّرَة هوَ هدمٌ للنِّعمَةِ المُعطاة للإنسَان، وتدميرٌ لمستقبل الحياةِ، والارتِمَاء فِي هَاويَةٍ لاَ يسلمُ مِنهَا إلاَّ ما رحم الله عزَّ وجلّ. وفِي كلِّ حَال، فإنَّ هذه المسألة تتطلَّب تضافُر جُهود الجميع لدرء خطرهَا، والحدّ من انتشارِهَا، ورعايَة ضحاياهَا بردِّهِم إلَى الثِّقَة بالحياة، والاقتِصَاص منَ المُتاجِرين بهَا بما يصون المجتمع مِن شرِّهِم.

التّدخيـن
مضار التدخين (وإدمان النارجيلة) يتفاقَم فِي ناحيتين: إتلاف الجِسم وإسقامه، وذهابه بالمال وإهداره. وبما أنه منَ الثَّابت علمياً وطبياً بما لا يدع مجالاً للشك وقوع ضرر التدخين بالنفس والمال، وقد جعلهما الله وديعتين عند كل إنسان، فإن المسؤولية بين يدي الله تعالى عنهما يوم لقائه مسؤولية كبرى.

الأمور الاجتماعية
أما في ما يتعلق بالأمور الاجتماعية، فإن تاريخ وتراث هذه الطائفة الشريفة هو خير شاهد على مدى تأصل أبناء طائفة الموحدين الدروز بالعادات والتقاليد والتراث العريق والقيم الإنسانية النبيلة. هذه القيم لا تتبدل في زمان أو مكان سواء في التاريخ القديم أو الحضارات المعاصرة.
وقد شدَّدت تعاليمُ الموحِّدين وأدبيّاتهم على ضرورة الامتثال بالمثال الأخلاقي، والالتزام بالفضيلة مسلكياً وعملياً، وبالتالي اجتناب الكثير من الأفعال والأقوال المنافية للأخلاق والقيم والآداب الإنسانية: كالقتل (الجائز منه الدفاع عن العِرض والنفس والمال)، والانتحار، والسرقة، وشهادة الزور، والظلم (البغي)، والغيبة، والنميمة، والخيانة، والتجسّس، والرشوة، والغش، والرياء، والفحش، والغدر، والكذب، والتعصب، والحسد، والربا، وارتكاب الذنوب، والتعدي على مال اليتيم، والتعدي على مال الأوقاف، كلها أمور محرّمة عند الموحدين الدروز عملاً بحدود الدِّين الحَنيف.
أما في موضوع وهب الأعضاء، فإنّه يُترك للموحِّد اتخاذ القرار المناسب من خلال قاعدة التخيير في الأعمال وقاعدة اكتساب الخير والشر من خلال جوارح الإنسان، وبعد الاطّلاع علَى توصِيَات المؤتمرات الطبيَّة الشّرعيَّة استئناسًا وتبصّرًا.
الإيصاء والإرث
قالَ اللهُ سبحانه وتعالى في كتابِه العزيز كُتِبَ عَلَيكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ إِن تَرَكَ خَيرًا الوَصِيَّةُ لِلوَالِدَينِ وَالأَقرَبِينَ بِالمَعرُوفِ حَقًّا عَلَى المُتَّقِينَ (سورة البقرة 180).
إنَّ الموحدين الدروز انطلاقاً من هذه الآية يرون أنَّ الوصيَّةَ واجبةٌ على كل مُوحِّد، ويتميَّزون في حريَّة الإيصَاء وفقاً لقاعدة التخيير في الأعمال.
فِي حال عدم وجود وصية، يُعتمد في توزيع الإرث على المذهب الحنفي. وقد نصَّت المادة171 من قانون تنظيم شؤون طائفة الموحدين الدّروز الصادر بتاريخ 24 شباط 1948 علَى مَا يلي: “إنَّه في جميع المسائل الداخلة في اختصاص قاضي المذهب والتي لم يرد عليها نصٌّ خاص في هذا القانون يُطبِّق القاضي المُشار إليه أحكام الشَّرع الإسلامي، المذهب الحنفي، وجميع النصوص القانونية التي لا تتعارض مع الشَّرع الإسلامي”.

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”الفصل السابع: البُعدُ الإنسانيّ الكونيّ” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

الحقيقةُ هيَ مِرآةُ الموحِّد في غايةِ القصْد. لِذا، فإنَّ قـلبَهُ ولِسانَهُ وجميعَ جوارحِه متَّحِدَةٌ في انسِجام لطيف لا تشوِّشُ عليهِ التباسَات المُركَّب. والتَّركيب يتأتَّى مِن التناقض الناتِج عن الفرق بين مضامين العِلم وَواقع الأفعال، واختِلاف النَّوايا عَن ظاهر المَسالِك، والرّكون إلى نسبيّة الرؤية من أجل أن يصِيرَ ثوبُ الحَقيقةِ على قِياسٍ خاص. فلا عجبَ إذن أن يكونَ الصِّدقُ سيِّدَ الخِصال الحَمِيدة المَطلوبَة، وحُسن الخُلُق قاعِدة أساسيَّة لتهذِيب الأخلاق، وتصفيَة القـلب، واكتساب المزايا الشَّريفة.
المُوحِّدُ تعلَّمَ بعقله وقلبه وحسه أن يميِّز ويتفهَّمَ الفضِيلَةَ ويثقَ بهَا مِن حيثُ أنَّ بِهَا وحدها تتحقَّق وحدةُ النَّفس المتَّزنَة الَّتي بهَا يكونُ الإنسانُ إنسَانًا بالمَعنى الأسمَى المتعلِّق بالغَايةِ مِن وجوده. وإنَّ من شأنِ هذَا التحقُّق الأشرَف أن يهبَهُ قوة الإدراك، والوعيَ، والرّزانَةَ، وسكون الرُّوح المطمئنة، والاستِقرار الداخليّ الَّذي هوَ حَاجَةٌ عزيزَة فِي قـلبِ عالَمٍ مُتأرجِح يعبُر أكثر عصُوره اضطرابًا والتبَاسًا ونزوعًا مُقـلِقًا نحوَ دوّامةِ النَّزَق واللجَاجةِ وتهافُت الغرائز. يُدرِكُ المُوحِّدُ سرَّ النِّعمَةِ والفَضل فِيمَن أتَى يُزَكِّيهِم ويُعلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكمةَ (آل عمران 164)، ويوقِـنُ بأنَّ مَن يُؤتَ الحِكمةَ فَقد أُوتِيَ خَيرًا كثيرًا (البقرة 269)، لِذَلِك، فهُوَ لا يفوِّتُ فرصَةَ التَّعـلُّم، وطَلَب الفائِدَة، واكتِسَاب المَعرفَة، لا لمُجرَّدِ أخذ العِلم، بَل لاستِدراك الأمر الإنسَانيّ المُلِحّ، والتَّحلِّي بِخصَال الخَير الَّتي تُنير القـلبَ والعقـلَ، وتأخذ بِيدِ الإنسَان بكلِّ عَطفٍ وحُبّ فِي أيِّ مكان وزمَن، الَّذي إنْ خذلته مَصاعبُ الحيَاة، وأوحشتهُ الأكدار، ونغَّصَت عليه عيشَهُ الهُمُوم، فلسَوفَ يجدُ فِي فَائِدةِ تِلك الخِصَال ملاذَه وسنَدَهُ وسبيلَ الخَلاص.
تمثِّـلُ حركةُ الإفادَة والاستفادَة فِي المعرفَة التوحيديَّة أصلاً راسِخًا من أصُول المسلك الصَّحيح، حيث أنَّ التَّعلِيمَ المُثمِر ينمو بالتربيَة الحسنة والمُذاكَرة وحُسن الرِّعايَة. إنَّ فِي صمِيم غاياتِ التَّربيَة بِشكل عام، إنضاج الشَّخصيَّة الإنسَانيَّة السَّويَّة المُتمكِّنَةِ بقوَّة سجاياها الخَيِّرة من مواجَهَة مخاطِر وقوع الأبناء الأعزَّاء في مزالِق الابتذال، والسطحيَّة، وضعف التَّدبير، وفقدان التَّمييز بين ما هوَ خيرٌ، ومَا هوَ مُؤذٍ وضار.
يقولُ الأميرُ السيِّدُ (ق) فِي رسالةٍ لهُ لأحد الأفاضِل مَا معناه أنْ ليسَ ثَمَّ غُربَة إلاَّ بالحُجبَةِ عن الحقّ، لأنَّ المُحِقِّينَ غُربتُهُم هيَ حُجبتُهُم عن اقتِباسِ أنوار الحَقيقَة، فالغُربَة هي الانقِطاعُ عن مَعرفَةِ الله، والانصِرَافُ عن فائِدَة العقـل، والرّكون إلَى الغَـفلة. إنَّهُ بالعَودةِ إلَى المفاهِيمِ البسيطَة الصَّادِقَة الجَوهريَّة، والسَّعي في إيقاظِ معناهَا فِي النُّفوس، لهُوَ أشرف الأعمال وأجلّها، لأنَّ انشغَالَ المَرءِ فِي تَهذيبِ نفسِه وجَوارحِه بنيَّةٍ صادِقَة، يكشِف بصيرتَهُ، ويُسدِّد عـقلَهُ، ويثبِّتُ روحَه فِي الحقّ، وهذا غايةُ الكمال الإنسَانيّ.

[/su_spoiler][/su_accordion]

التنمية الزراعية في الأرياف

التنمية الزراعية في الأرياف
فــرص حقيقيــة أم حنيــن إلــى مــاضٍ بعيــد

يُنفق الإتحاد الأوروبي مبلغ 365 مليار يورو سنوياً لدعم الزراعة في الدول الأعضاء للاتحاد، وتُصرف معظم بنود الدعم تحت عناوين «الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي ومكافحة البطالة». فالأمر بالنسبة لهذه المجموعة العريقة من الدول هو الحفاظ على استقرار العاملين في الاقتصاد الزراعي في أماكن سكنهم في المدن والبلدات الريفية، وهو ايضاً المحافظة على استمرار قدرة دول الاتحاد الـ 26 على تأمين معظم حاجاتها الغذائية من داخل أسواقها، فلا تكون مكشوفة بالتالي وفي لحظات الصراع والأزمات الكونية إلى الضغوط الخارجية (وخاصة من الحليف الأميركي) في ما يتعلق بالحاجات الغذائية الأساسية لمواطنيها.
هذا المبدأ الحيوي كان فيلسوف ملهم مثل اللبناني جبران خليل جبران قد لحظه ببساطة كلية عندما كتب في «حديقة النبي» سنة 1933:
«ويــــــلٌ لأمـــــةٍ تلـــــبس ممـــــا لا تنســـــُج، وتأكـــــلُ ممـــــا لا تـــــزرع، وتشـــــرب ممـــــا لا تعصُـــــر».
لبنان بلد الجمال، وأيقونة الطبيعة، كان عبر التاريخ يسمَّى «جبل لبنان»، أو بلاد الأرز، في إشارة لوجود شجرة الأرز السحيقة القدم في أعالي قممه. لذلك، فإن الطابع الذي يَغلُب على صورته، هو في كونه قرىً ودساكر جبلية، وأريافاً تَقطُنها المجموعات اللبنانية المتنوعة منذ مئات السنين، أي أن لبنان في الأساس ليس بلداً «مدينياً» (أي مكوّنٌ من مجموعة مدن على الطريقة اليونانية القديمة)، مع التقدير الكامل لدور مُدنه الساحلية، ومنها بيروت، التي شكلت على مرّ العصور أهم الثغور والحواضر التجارية في البحيرة المتوسطية من دون أن يعني ذلك أنها كانت مدينة مكتظة بالسكان، والدليل على ذلك أن بيروت كانت حتى الاستقلال محصورة في الحدود الإدارة الضيقة لها بينما كانت أقسام كبيرة منها وكذلك الضواحي المنبسطة حولها ما زالت تعيش على الاقتصاد الزراعي وتعتبر الممون الرئيسي لسكان المدينة في ما يحتاجونه من سلع عبر المواسم المختلفة.
وعلى الرغم من موجات النزوح الكبيرة التي حصلت من أطراف لبنان الريفية في البقاع والجنوب وعكار وجبل لبنان إلى بيروت (خصوصاً مع انفتاح باب الوظائف الحكومية بعد الاستقلال) فأنه وحتى مطلع ثمانينات القرن الماضي كان 35 % من سكان لبنان ما زالوا يعملون في الزراعة، ويعتاشون من دخلها بالكامل. لكن هذه النسبة تقلصت اليوم إلى 20 %، كما تراجع إسهام القطاع الزراعي في الناتج المحلي
إلى 6 %، علماً أن الصادرات الزراعية ما زالت تمثل نحو 17 % من مجمل الصادرات اللبنانية إلى الخارج.
وفي مطلع الثمانينات كان اللبنانيون أصبحوا يتوزعون في سكنهم مناصفةً بين المدن والقرى. أما اليوم فقد أصبح أكثر من 60 % منهم يقطنون في بيروت وضواحيها ( أو ما يسمى بـ بيروت الكبرى). وهذا التكوُّر، أو التحول الديموغرافي، خلق تشوهات في جسم الوطن، فانتفخت بعض أعضائه ونواحيه، وضعُفت أخرى. وهذا ما نراه في الاكتظاظ الهائل والمخيف الذي تشهده بيروت ومحيطها، بينما تفرغ جباله وقراه من سكانها. وبات لبنان الجديد الذي نَحلمُ به مولوداً مشوهاً يحتاج إلى عمليات تجميل، لتقويم الاعوجاج، وهذا إذا ما نجحت هذه العمليات، وإذا كان الأطباء مَهرة.

نسبة العاملين في الزراعة في لبنان تراجعت من 35 % من السكان في الثمانينات إلى 20 % وإسهام الزراعة في الناتج المحلي تراجع إلى 6 %

ماذا وقع لبنان في مرض التورم المُدُني؟
ساهمت مجموعة عوامل في إنتاج هذه المشكلة، منها الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، وإجبار مجموعات كبيرة من أبناء الجنوب على النزوح إلى ضواحي العاصمة، ومنها أيضاً – وأبرزها- تدني دخل المزارعين اللبنانيين، بسبب عدم اهتمام الدولة بالقطاع وغياب أي سياسات فعّالة للحفاظ عليه وتطويره. وقد أدى الإهمال الرسمي المتراكم إلى إضعاف مقومات الاقتصاد الزراعي والحياة الريفية وبالتالي تدفق أبناء الأطراف إلى المدينة بحثاً عن مصدر عيش يكفي أو باب لهجرة الأبناء، أو مردود لائق. ولا ننسى أيضاً تأثير الحروب الداخلية المقيتة التي مرَّت على لبنان وساهمت في إعادة التموضع السكاني الجديد.
لقد كان لتقهقر القطاع الزراعي آثارٌ مدمرة على البُنية الاقتصادية والاجتماعية للبنان، وقد كان لهذا التقهقر أسبابه الموضوعية بالطبع مثل ازدهار الدور الوسيط للبنان ومعه قطاعا التجارة والخدمات. لكن كان يُمكن تلافي بعضاً إن لم يَكن جزءاً كبيراً من تلك النتائج لو توافرت الرؤية السليمة ثم الإرادة عند الدولة، وعند هيئات المجتمع المحلي من بلديات وجمعيات وتعاونيات، وفعاليات سياسية واقتصادية، لأن الأمر ليس مجرد تراجع قطاع ونمو قطاع آخر مكانه، بل هو مقاربة وطنية لدور لبنان، ومستقبل أبنائه وأمنهم الغذائي، واستقرارهم الاجتماعي.
لقد ساهمنا جميعاً في تدعيم نمو قطاع الخدمات على حساب تراجع قطاعي الزراعة والصناعة، فأدى ذلك إلى أن يصبح سعر المتر المربع في بعض مناطق بيروت 15000 دولار أميركي، بينما في بعض القرى ما زال ثمن المتر دون الـ 5 دولارات، وارتفعت أسعار السلع – وخاصة الغذائية – وتصاعد غلاء المعيشة الذي يتطلب مداخيل أكبر، لا تؤمنها عائدات الزراعة، خاصة وأن هذا القطاع في لبنان ما زال يدار بصورة بدائية، كما أن إنتاجه مرتفع التكلفة بسبب ضعف الفعالية ونقص التقنيات وغياب الإرشاد وسياسات الدعم المطبقة في معظم دول العالم.
إن محاولة وقف التراجع في التنمية الريفية مسؤولية وطنية، كما أن تأمين البيئة الحاضنة والملائمة للزراعة الجبلية واجب تاريخي، لن ترحمنا على التقصير فيه الأجيال القادمة.
لقد أدى عدم وجود بنية تحتية للتنمية الريفية، وخاصةً للزراعات الجبلية، إلى التدهور الحاد لهذا القطاع، وبالتالي إلى التغيير الديموغرافي غير المناسب لبنية وواقع لبنان. فشبكات الطرق ولا سيما الطرق الزراعية ما زالت في وضع بدائي، إذ يعود تاريخ تنفيذ معظمها إلى فترة الستينات من القرن الماضي، عندما كان في لبنان حوالي مئة ألف سيارة، بينما يسير على طرقاته اليوم ما لا يقل عن المليون وسبعمائة ألف سيارة. أما الكهرباء والمياه فنكاد نقول إنهما ربما كانتا متوافرتين في ذلك الوقت أكثر مما هما اليوم، بينما تتوافر الاتصالات لكن بأسعار مرتفعة. أما طريقة ريّ المزروعات فما زالت بمعظمها تشبه ما ورثناه من حقبة الأمير فخر الدين (التطويف). ولبنان اليوم لا يستطيع ان يُخزِّن أكثر من 1 % من كمية الأمطار المتساقطة على أراضيه في السنة، جراء عدم وجود سدود وبحيرات جبلية لهذه الغاية، بينما أعلن سفير الصين السابق في لبنان أمامنا في أحد اللقاءات: أنه في الصين لا تسقط نقطة مياه واحدة من السماء وتذهب إلى البحر مباشرةً دون الاستفادة منها، في الريّ أو لتوليد الكهرباء، أو للنقل بواسطة الممرات المائية، أو لتربية الأسماك.
ويستورد لبنان 80 % من حاجاته الغذائية، وفاتورة هذه الحاجات تتجاوز الـ 3 مليارات دولار أميركي سنوياً وهي إلى ازدياد، وأكثر من 75 % من مزروعاتنا بعلية (أو مطرية) بمردود منخفض، ولا يستخدم في الريّ أكثر من 700 مليون متر مكعب، بينما تقدر كمية الأمطار التي تتساقط سنوياً فوق أراضيه بنحو 8 مليارات متر مُكعب تقريباً.
لقد أدت سياسة اللامبالاة وانعدام أي خطة لدعم المزارع في الأرياف إلى هجرة المزارعين في اتجاه المدن، وهجرة الشباب في اتجاه الخارج، (1) وأوقع ذلك لبنان في مشكلة أمن غذائي بالغة تتضح مدى خطورتها عند المحطات الأمنية الصعبة – لاسيما أثناء العدوان الإسرائيلي – كما أثناء أزمات الشح الدولية التي تؤدي فوراً إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، كما هو عليه الحال اليوم.
لكن السؤال المطروح هنا هو التالي: هل التنمية الريفية، وخاصة الزراعية ما زالت ممكنة وضرورية؟ أم أنها حنين رومانسي إلى ماضٍ لن يعود.
ان اعتبار الإنتاج الزراعي، والعمل بالزراعة موضة قديمة، ثقافة مدمرة، وكارثة بكافة المقاييس على الوطن وأهله، وهذا على الرغم مما يعتري القطاع الزراعي من تشوهات، خصوصاً بسبب الملكيات الصغيرة وعدم وجود قانون واضح ومُسهل لتأجير الأراضي الزراعية، وعلى الرغم من تدني أسعار المحاصيل بسبب تفرق المزارعين وسيطرة تجار الحسبة على الدورة التسويقية، وعلى الرغم من وجود 280 ألف هكتار أراضٍ زراعية جبلية متروكة بوراً ودون استغلال زراعي، واكتساح الباطون لمناطق أخرى كما في سهول الدامور والشويفات وصيدا وصور وطرابلس، على الرغم من كل ذلك، فإن التنمية الزراعية الريفية ضرورية، وممكنة، وليست مستحيلة، ولها أبعادها الوطنية في آن.
كيف يتم ذلك؟
أولاً : مسؤولية الدولة  على الدولة اللبنانية بوزاراتها المختلفة، وخاصةً وزارة الزراعة، القيام بسلسلة خطوات لتحقيق هدف إعادة الاعتبار للزراعات الجبلية، والنهوض بالقطاع بشكلٍ عام، ومن أهم تلك الخطوات:
1. تأمين البُنى التحتية الملائمة، من الطرقات العادية والزراعية وتأهيلها، وتأمين النقل المشترك ليتمكن المزارعون وأبناؤهم من الانتقال بكلفة معقولة إلى المدينة، ولاسيما إلى الجامعات والعودة منها إلى القرى.
2. إعطاء حوافز تشجيعية في أسعار الكهرباء والهاتف (أسوة ببعض الدول الأوروبية)، كما في تخفيض الرسوم والضرائب لمدد محددة على المزارعين الذين يقطنون في قراهم، وإعطاء جوائز على كمية الإنتاج وجودته.
3. إنشاء السدود والبحيرات الجبلية وتأمين المياه للمزارعين، مجاناً أو بتكلفة تشجيعية، وإنشاء شبكات للريّ الحديث ( التنقيط).
4. تفعيل الإرشاد الزراعي (وفق خطة الوزير د. حسين الحاج حسن) وتعميمه أفقياً، وإجراء الأبحاث المتطورة بهدف استنباط أفضل سُبل إنتاجية، وزراعة أنواع ذات ميزات نسبية بحيث يمكن بيعها أو تصديرها بأرباح جيدة.
5. إصدار القوانين والتشريعات الضرورية لمواكبة العصر، خاصة قانون سلامة الغذاء، وقانون تنظيم استيراد وبيع المستحضرات الزراعية (منعاً للاستغلال) وقانون الحجر الصحي النباتي، وقانون الزراعات العضوية، وقانون أو مرسوم لتحديد مصادر الفاكهة والخضار، تسهيلاً للمراقبة. كما أن مرسوم تصنيف الأراضي الصادر في شباط من سنة 2009 بحاجة لبعض التعديلات، على وجه الخصوص لناحية إعطاء حوافز استثمارية في المناطق الجبلية في مجال الزراعة، وفق مبدأ الحفاظ على البيئة، والإلتزام بمفاهيم التنمية المستدامة، لحفظ حقوق الأجيال القادمة في الطبيعة.
6. توقيع الإتفاقيات الملائمة مع الدول العربية والأجنبية، بما يكفل مصالح الزراعة اللبنانية، خاصة وأن لبنان يستورد عشرة أضعاف ما يُصدر من المواد الغذائية، وهذا الأمر يعطيه مكانة تفاضلية في الاتفاقيات. ولا بأس من بعض الحماية الجمركية التي لا تتناقض مع مبادئ منظمة التجارة العالمية، لأن فتح الحدود على الزراعات المدعومة في الخارج يعني القبول بشكل من أشكال الإغراق . (2)
7. إعادة النظر بسياسة الدعم الحكومي لثلاثة أنواع زراعية فقط، لا تستفيد منها إلا منطقتان من لبنان، وكبار الملاكين فيهما. وهي الشمندر السكري والتبغ والقمح، بينما لبنان مشهور بالفواكه والخضار الجبلية، مثل التفاح والكرز والعنب والزيتون، والخضار، وهي متروكة من دون أي دعم.

الإهمال الرسمي المتراكم أضعف الزراعة والحياة الريفية وحفز نزوح سكان الأرياف إلى المدن وضخم البطالة والضغوط على البنى التحتية

ثانياً: دور المجتمع المحلي
إن التنمية المحلية المستدامة، لا يمكن أن تأخذ طريقها الصحيح إلى النجاح من غير أن يكون هناك دور أساسي للمواطن والهيئات المحلية المُنتخبة (البلديات) والتعاونيات والجمعيات الأخرى، وهذا الدور يمكن أن يتلخص بالتالي:
1. تعزيز مشاعر تعلُق المواطن بأرضه، وأهمية المساهمة في إعلاء شأن سمعة السلع المُنتجة محلياً، وإبراز ميزاتها على السلع المنافسة.
2. تعميم أجواء التسامح والتعاون، لما فيه خير الجميع، وخاصةً في مجال تسهيل تنظيم عمليات الري المشترك وتوزيع المياه بالتساوي، وبالعدل، ومن دون طمعٍ أو استغلال، وبالتالي الحفاظ على سلامة المشاريع المشتركة.
3. على البلديات القيام بدورها، في تشجيع الاستثمارات الزراعية، وتقديم الخدمات الضرورية للمزارعين، وتنظيم شؤونهم المشتركة، ولاسيما منع استغلالهم من قبل التجار ومُوردي الأدوية الزراعية، ومطالبة السلطات المعنية في الدولة تأمين البنى التحتية اللازمة لتطوير القطاع الزراعي.
4. إنشاء المشروعات الصغيرة التي توزع خدمات على المزارعين، وخاصة البحيرات الجبلية لتجميع مياه الأمطار وتوزيعها.
5. إن البلديات والتعاونيات مدعوة لإنشاء أسواق شعبية للمساهمة في تسويق الإنتاج، كذلك الأمر في إقامة المعارض الإنتاجية، وتقديم الجوائز لأفضل المنتجات، وذلك بهدف إعلاء قيم الإنتاج وتشجيع المزارعين الناجحين وتسليط الضوء بصورة دائمة على ميزات الإنتاج المحلي.
6. التشدّد في منع الحرائق ومكافحتها، لأنها تشكل خطراً محدقاً على الثروة الزراعية والحرجية (مثال على ذلك، أنه في 6 آب 2008 التهمت النيران 20 ألف دونم من الأراضي معظمها زراعية في قرية عيناب ومحيطها في يومٍ واحد).

تجربة البحيرات الجبلية في مرستي الشوف

في سنة 1998، وبتشجيعٍ من الاستاذ وليد بك جنبلاط، أنشأت بلدية مرستي بحيرة على أملاكها العامة – دون تغيير وجه الملكية – تتسع لـ 15 ألف متر مكعب من المياه الشتوية، قدم الحفارة للعمل النائب نعمة طعمة مجاناً، وكانت البحيرة الأولى في المنطقة، وفي السنة التالية بدأ توزيع مياهها مجاناً على المزارعين، ثم قامت البلدية بإنشاء برك أخرى حتى أصبح عددها ست برك، تمّ تمويلها من عائدات الحفر وبعض الرمول، بشفافية مطلقة، وبتكلفة تقارب ربع تكلفتها السوقية أو التجارية، وذلك بفضل العمل المجاني، وتعاون أعضاء المجلس البلدي والأهالي، وقد تكرَّم الأستاذ وليد بك جنبلاط وساهم في تقديم أنابيب للري على النقطة إلى المزارعين .
أدى هذا الأمر إلى استصلاح الأراضي المهملة، وزراعة ما يقارب الخمسين ألف شجرة – خاصة من التفاح والكرز – كما أدى إلى دخول دورة الإنتاج الزراعي مجدداً من قبل نحو مئة رب عائلة، منهم مَن يعتمد على الزراعة بشكل كامل، ومنهم مَن يعتمد على مردودها بشكل جزئي. وتقوم البلدية بتكليف أحد الأشخاص للإشراف على توزيع المياه من البحيرات من دون مقابل، إلا أن المُكَلف يسترد بعض أتعابه من المزارعين.
إن النتائج الاقتصادية والاجتماعية التي نجمت حتى اليوم، من جراء هذا المشروع يمكن إيجازها كالتالي:
– زيادة الأراضي المستصلحة على نطاقٍ واسع في البلدة، وبالتالي تغيرت معالم الطبيعة إلى اخضرار، فيه حياة، ورائحة جهدٍ ونشاط وعمل من جراء إعادة التجليل والاستصلاح.
– عودة مجموعة كبيرة من أبناء البلدة إلى العمل الزراعي، وبالتالي الإنتاجي، بعد أن كان معظمهم نسيَ هذا الأمر، ومنهم مَن كان مقيماً خارج البلدة لكنّه ونتيجة للفرص التي فتحها المشروع قرر العودة إليها.
– زاد الإنتاج الزراعي بصورة كبيرة كما قفزت العائدات المالية المحصلة من المزارعين بصورة غير مسبوقة لتصل هذه السنة إلى نحو 250 مليون ليرة لبنانية (نحو 166,000 دولار) وذلك من مبيعات الكرز فقط، ومن دون احتساب الاستهلاك المحلي، وهناك عائدات مهمة بدأ الحصول عليها من مواسم أخرى مثل التفاح وغيره.
تجدر الإشارة إلى أن هذا العائد تمّ تحقيقه من أشجار حديثة الزراعة ولم تصل بعد إلى مرحلة الإنتاج الاقتصادي والنضج، وهذا يعني أنه في إمكاننا أن نتوقع تضاعف العائدات المالية للزراعات التي تمّ استحداثها بفضل مشروع البحيرات الجبلية سنة بعد سنة لتصل بعد سنوات عدة إلى مبالغ ضخمة وتتحول بالتالي إلى مصدر إسناد أساسي لمعيشة قسم كبير ومتزايد من السكان.
إلا أنه في المقابل تزيد هذه المشاريع من الأعباء على العمل البلدي، كونها بحاجة إلى متابعة دائمة، إضافةً إلى الصيانة والتَفقُد المستمر لها في فصل الشتاء، وإذا كان التعاون بين الأهالي والبلدية ضرورياً للحفاظ على استمرارية هذه البحيرات، ولكن بعضاً من استخدام سلطة القانون ضروري أحياناً للحفاظ على الحد الأدنى من الانتظام في توزيع المياه بالعدل بين الجميع، وكي لا نَغرق في بحر الفوضى الذي غالباً ما أدى في حالات عديدة إلى تعثر العمل المشترك وخسارة الكثير من فوائده من قبل الجميع.

فضائل الصوم

الصوم لغة هو الإمساك عن الشيء، فيقال صام عن الطعام أي أمسك عنه فلم يأكل، ويقال صام عن الكلام أي أمسك عنه فلم يتكلم. أمّا شرعاً، فإن الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب والشهوات من طلوع الفجر حتى مغيب الشمس. والصيام ركن من أركان الإسلام وقد فرض في السنة الثانية للهجرة عملاً بقوله تعالى: ” يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون”(البقرة 183)، ثم حددت الآية شهر رمضان شهراً للصوم وبينت فضل هذا الشهر: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ”(البقرة 185)، ولاحقاً اجتهد العلماء والفقهاء كثيراً حول الصوم، وعملوا على تفسيره ظاهراً وباطناً وغاية، فبعضهم رأى أنه صوم عن الأكل والشرب والشهوات فقط، والبعض اشترط النية مع الصيام بينما اعتبر بعض الصوفية الصيام صوم النفس عن الهوى والعبودية التامة لله تعالى.

رغم تنوع آراء العلماء والفقهاء والمذاهب إلا أنهم أجمعوا على أن من أهداف الصوم أن يشعر الغني والميسور بألم الجوع والعطش والحرمان فيكون دافعاً قوياً له نحو عمل الخير والزكاة والصدقة في المجتمع. ومن أهدافه أيضاً تقوية العزيمة وتدريب المؤمن على الصبر وإعانة النفس على شهواتها، فيقول الإمام الغزالي في الإحياء عن أسرار الصوم: “الحمد لله الذي أعظم على أوليائه المنة، بما دفع عنهم كيد الشيطان وفنه، ورد أمله وخيب ظنه، إذ جعل الصوم حصناً لأوليائه وجُنة، وعرفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الشهوات المستكنة، وأن بقمعها تصبح النفس المطمئنة ظاهرة الشوكة في قصم خصمها قوية المنة”، فنراه وضع الصوم سلاحاً للنفس يعينها على قهر شهواتها، لتستطيع بذلك التغلب على جوانبها الحيوانية والإرتقاء في معراج الإنسانية. ثم نقل عن رسول الله (ص) قوله: “إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع”، وكذلك نقل عن رسول الله (ص) قوله لزوجه: “داومي قرع باب الجنة”، فقالت له:” بم يا رسول الله”، قال:”بالجوع”.

أمّا الإمام جعفر الصادق(ع) فيقول: “الصوم يميت مراد النفس وشهوة الطبع ، وفيه صفاء القلب وطهارة الجوارح وعمارة الظاهر والباطن والشكر على النعم والإحسان إلى الفقراء وزيادة التضرع والخشوع والبكاء والالتجاء إلى الله، وسبب انكسار الهمة وتخفيف السيئات وتضعيف الحسنات”.

والأمير السيد جمال الدين عبدالله التنوخي يشدّد على حفظ البطن عن الشهوات والشبع دوما وليس في الشهر الفضيل فقط، فإن شهوة الطعام والشبع من محركات الشهوة ومغارسها، وحجاب للنفس عن معرفة باريها.

أمّا المتصوفون فيرون في الصوم معاني أبعد من صيام الأكل والشرب والشهوات، إذ يرون فيه نكرانا للذات وتقرباً من الله تعالى، وما يراه المؤمنون صياماً لله يروه هم صياماً بالله، وقد عبر الإمام القشيري عن هذا الإيمان بقوله:”من شهد الشهر صام لله، ومن شهد خالق الشهر صام بالله. فالصوم لله يوجب المثوبة، والصوم بالله يوجب القربة. والصوم لله تحقيق العبادة، والصوم بالله تصحيح الإرادة. والصوم لله صفة كل عابد، والصوم بالله نعت كل قاصد. الصوم لله قيام بالظواهر، والصوم بالله قيام بالضمائر. الصوم لله إمساك من حيث عبادات الشريعة، والصوم بالله إمساك بإشارات الحقيقة.

أمّا المبالغة في الصوم فهو أمر غير مستحب بحسب ما نقل من أحاديث عن الرسول (ص) وبعض صحابته، وذلك لما يسببه من ضرر على الصحة، والصحة أمانة لدى الإنسان لا يجوز التفريط بها، وقد روي أن سلمان الفارسي(ع)المشهور بورعه وزهده وتعففه زار أبا الدرداء فوجد أم الدرداء في حيرة فقال لها: “ما شأنك؟” فقالت: “إن أبا الدرداء ليست له حاجة في الدنيا، يصوم النهار ويقوم الليل”، فقال سلمان(ع) لأبي الدرداء: “ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل معه وبات عنده، فلما كان من آخر الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فحبسه سلمان، فلما كان الفجر قال سلمان: “قم الآن”، فقاما فصليا، فقال له سلمان: “إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك ولضيفك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه”، ولما بلغ هذا القول الى رسول الله(ص) قال: “صدق سلمان الفارسي”.

أخلاق توحيدية