الجمعة, تشرين الثاني 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, تشرين الثاني 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

فضائل من سورة يوسف

المُقَدَّمَة

الحمدُ لله الذي بنعمته تتمُّ الصَّالحات، سبحانه لا إله إلَّا هو، أحمده وأشكره، وأصلِّي على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه الطَّيِّبين.

أمّا بعد فإنَّ الله / خلق الإنسان وميَّزه بالعقل ليختار طريق الفضيلة لتوصله إلى برِّ الأمان. ولمّا كانت معرفة الفضائل والعمل بها هما الحجر الأساس في نجاح الفرد والمجتمع، والطَّريق الموصل إلى الفردوس الأعلى، كان لا بدَّ من تسليط الضّوء على الفضائل لبيان أهمِّيَّتها وتأثيراتها.

فالمَيْدان الأوسع لاقتباس هذه الفضائل وتَعلُّمِها هو القصص الواردة في الذّكر الحكيم،المعقودة بالفضائل، الزاخرة بالحِكَم والمواعظ، وفي مقدّمة ذلك ما وصفه تعالى بأحسن القَصص، فكانت كذلك، إذ احتوت على آيات بيّنات وحِكَم ومواعظ واضحات، أظهرت الفضيلة بأشكال مختلفة وظروف مُنوّعة، فكانت (الفضيلة) سيّدة الموقف في حلّ ألغاز القصّة وإعادة شمل العائلة والإخوة، والوصول بذلك المجتمع المصري القديم إلى برّ الأمان في الدّنيا والدّين.

في هذا البحث سنقوم بسرد مُختصر لقصّة نبيّ الله يوسف بن يعقوب، ثمّ نجمع ما تيسّر من فضائل وحِكم وعِبَر وردت في آيات السّورة الكريمة، فنعرّفها ونحلِّل نتائجها، مُستخلصين منها دروساً نستفيد منها في حياتنا ومجتمعنا، والله وليُّ التوفيق.

مختصر قصّة نبيّ اللّه يوسف(ع)

في أرض فلسطين عاش يوسف(ع) وأخوته الأحد عشر في كَنَف والدهم النبي يعقوب حفيد إبراهيم الخليل، وذات ليلة قصّ يوسف(ع) على أبيه رؤياه الغريبة قائلا: ﴿… يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (يوسف، 4)، نصح الأب ولده ألّا يُخْبر أخوته برؤياه خوفاً من كيدهم، ولعلمهم بمحبَّة والدهم العظيمة ليوسف(ع). إلّا أنّ الحسد الْمُكمِن في نفوس الإخوة جعلهم يتآمرون على يوسف(ع) ويأخذونه بعيداً عن أبيه ويرمونه وسط الجبِّ ويرجعون إلى أبيهم قائلين إنَّ ذئباً قد افترسه. لم تنطوِ الحيلة على الوالد المفجوع، لكنّه سلّم أمره إلى الله /صابراً خاشعا متوكّلاً.

من وحشة الجبّ إلى قصر عزيز مصر، مُكرَّماً مُعزّزاً إلى أن صار فتيَّاً حيث أنعم الله عليه بالحكمة والعلم وجمال الخلقة ما جعله فريد أهل زمانه. كانت إحدى هذه الإنعام سببا لابتلاء كبير امتحنه الله به، إذ أُعجبت امرأة العزيز ببهائه وحسن صورته، فلجأت إلى أساليب مختلفة لإغوائه والإيقاع به، لكنّه أعرض عنها مُعتصماً بالله، فكان مصيره السّجن لسنوات عديدة.

في السّجن أخذ يوسف(ع) يدعو إلى توحيد الله /، ويذمُّ عبادة ما سواه ويُصَغِّر أمر الأصنام والأوثان، فاكتسب ثقة المساجين خصوصاً بعد تفسير رؤياهم وتحقُّقها. جاءه طلبٌ من الملك بتأويل رؤيا له، فأُعجِب بما قاله يوسف(ع) وما قدّمه من خطط لتفادي كارثة طبيعيّة تَنبَّأ بوقوعها من خلال تلك الرؤيا. عندها أمر الملك بخروج يوسف(ع) من السِّجن معلنا براءته ممّا نُسب إليه، مُسَلّماً إيّاه زمام الأمور ليكون كما قال أميناً حكيماً.

أصبح يوسف(ع) ذا مكانة عالية عند الملك بعد ما رأى من براعته ونزاهته، فجعله أميناً على خزائنه مُتصرِّفاً في أمواله، ومرّت السّنون السَّبع الخِصاب وبدأت سنوات الجدْب، وعمَّ القحطُ ووصلَ بلاد كنعان (فلسطين) حيث النَّبي يعقوب(ع) وأولاده. وجاء إخوَةُ يوسف(ع) إلى الدِّيار المصرية يمتارون طعامًا، فَدخلوا عليه فَعرَفَهم وهم لَه منكِرون،فأعطاهم حِصَّتهم من الْمُؤَن واشترط عليهم أن يأتوا في المرّة القادمة مع أخيهم الصّغير. وهكذا عادوا إلى مصر مرّةً أُخرى هم وأخوهم بعد أن عاهدوا أباهم على رعايته، فأخذوا نصيبهم من الكيل وشرعوا بالعودة إلى ديارهم، فأوقفهم المأذون مُتَّهِما إيّاهم بِسَرِقة صَاع الملك، وعند تفتيش أوعيتهم وُجِد الصَّاع في مَتاع أخيهم، فبقي في مصر مُحتَجزاً.

لم يكن النبي يعقوب(ع) قد نسي ولده يوسف(ع) أو سلاه، وعندما جاء أبناؤه بخبر احتجاز أخيهم ازدادت حرقته واشتعل قلبه حزناً، وطلب من أولاده العودة إلى مصر لاقتفاء أثر ابنيه المفقودَيْن. وفور دخولهم على يوسف(ع)، بادرهم بالسؤال عن فعلتهم بأخيهم يوسف، فأدركوا على الفور أنّ الذي يخاطبهم هو يوسف، فاعترفوا بذنبهم وأقرُّوا بأنَّهم أساؤوا إليه وأخطؤوا، فغفر ذنبهم وسامحهم على فعلتهم،وأرسل في طلب أبَوَيه وأجلسهم على العرش حيث سجدوا له جميعا. وهكذا اجتمع شمل آل يعقوب بعد فراق طويل وتحقَّقت رؤيا يوسف التي رآها في البداية، إذ إنّ الأحدَ عشر كوكبا هم أخوته والشّمس والقمر هما أبواه.

إنّ الناظر في تفاصيل أحداث القصة يجد فيها الكثير من الخيرات البارزة من تصرّفات النّبيَّين الكريمَين يعقوب وابنه يوسف(ع)، ومن هنا كان لا بدّ من الإضاءة على هذه الفضائل الكريمة والسّعي إلى العمل بها، لتكون معراجاً لنا في الوصول إلى رضا الله/. وسنعتمد اسم الفضيلة ليكون عنوانا لكلّ قسم من هذا البحث، فنقوم بتعريف الفضيلة أولاً ثم نذكرها كما وردت في الآيات الكريمة، ثم نشرحها ونحلّلها مستخرجين منها ما استطعنا من دروس وعِبَر.

التَّوحيد

قال عزَّ وجل: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة،163). فالتَّوحيد هو: «هو اعتقاد الوحدة لله تعالى والإقرار بها»(١)، وقيل هو: «إفراد الموحَّد بتحقيق وحدانيته بكمال أحَدِيَّته إنَّه الواحد الذي لم يلد ولم يولد، بنفي الأضداد والأنداد والأشباه بلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل»(٢).

إنَّ التوحيد أفضل عطيّة يمنُّ بها الله تعالى على عباده الصّالحين، لأنَّ من اعتقد بوجود الله تعالى ونزّهه عن صفات الخلق والعبيد، وعمل بمواجب الأوامر والنواهي، فاز بالثّواب الأبديّ. وقد رأينا نبيَّنا يوسف موحِّداً مُصدِّقا بالله الواحد الأحد، على خُطى آبائه وأجداده، كيف لا وهو المسمّى صِدّيقاً.

تنتشر معاني التّوحيد في سورة يوسف في مواضع كثيرة منها:

 توحيد الأسماء والصّفات، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (يوسف، 6) ، وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (يوسف، 53)، و ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف، 92). فهذه الأسماء والصفات التي ذكرها تعالى، هي بعض ممّا اثبته لنفسه ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا …﴾ (الأعراف،180)، وهو بالحقيقة منزَّهٌ عن الأسماء والصِّفات.

توحيد الالوهية: كانت دعوة يوسف إلى توحيد الإله الواحد الحقّ، وخلْع عبادة الأوثان المتعدِّدة، دلالةً على إقراره بألوهيّة الباري تعالى وأنّه واحد في ذاته لا شريك له. قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف،40)، وكذلك قوله بعد اجتماع شمل آل يعقوب: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف، 108).

توحيد الرّبوبيّة: قال تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف، 101). فكان توحيد يوسف جليَّا بأنَّه أَفْرَدَ الله سبحانه بأفعاله فهو وحده الخالق الفاطر وهو المحيي المميت.

إنّ هذه الفضيلة التي سار عليها نبي الله يوسف(ع) كانت سببا لنجاته في كلّ المواقف العصيبة، بل كان توحيده يغذِّي في نفسه الفضائل وينمّيها فتنشط به ويقوى بها. فالتّوحيد هو أصل الفضائل وجوهرها، وهو الدَّافع القويُّ الّذي عصمَ يوسف من رذيلة الفاحشة، والبلسم الشّافي له عند دخوله السّجن، حيث استأنس بخالقه تعالى، وكان سجنه فرصة استغلَّها في الدّعوة إلى التّوحيد. وباختصار يمكن القول: إنّ سورة يوسف تدور حول قضية جوهرية هي التوحيد، إذ استطاع هذا النبي المرسَل أن ينقل أهل مصر من ظلمة الشرك وعبادة الأصنام إلى نور التوحيد وعبادة الله الواحد الأحد.

الصِّدق

لعلّ أكثر الفضائل ارتباطاً بالنّبي يوسف هي فضيلة الصِّدق، ولأجل صدقه في جميع أقواله وأفعاله وأحواله تسمَّى صدّيقا. وفي مضمون سورة يوسف الكثير من الأحداث والعبارات التي تدلُّ على ذلك. فالصّدق هو «الإخبار عن الشّيء على ما هو عليه»(٣). وقيل هو: «استواء السّر والعلانية»، والصِّدِّيق «مَنْ صدَقَ في جميع أقواله وأفعاله وأحواله»، وعرّف بعض العلماءُ الصّدقَ بأنّه: «صحَّة التّوحيد مع القصد»، وقيل: «حقيقة الصِّدق أن تَصْدق في موطن لا ينجِّيك منه إلَّا الكذب»(٤).
فيوسف الصّدّيق، إضافة إلى قوله الصّدق في كلّ ما ينطق به، فإنّ الصّدق قد تجلّى بوضوح في رؤياه الخاصّة، وفي تفسيره لرؤيا غيره، وعندما استفتاه السّجينان عن تأويل رؤياهما قال: ﴿يَاصَاحِبَي السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي سيِّدَه خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رأْسِهِ﴾ (يوسف،41)، وصحَّ تأويله وصدق، فنجا أحدهم وصُلِب الآخر.

ويمكننا القول إنّ تأويل الرؤيا كانت اختباراً حقيقيّاً أثبت صدقه لأنّ مُفسّري الأحلام بمعظمهم لا يَصْدُقون، إلّا أنَّ الأمر مختلف مع نبيٍّ خَصَّه الله بالعلم والمعرفة وكشف له من الغيب ما لم يكشفه لعموم البشر.

يمكن القول إنّ صدقه في تأويل رؤيا السَّجينَين شكّل نقطة مفصليّة في أحداث حياته، فحين جاءت الملك رؤيا غريبة وعجزَ الجميع عن تأويلها، تذكّره السَّجين الذي صَدّقَ تأويل يوسف في رؤياه ونجا، فأخبر الملك بأمره، وكان ما كان من استحسان الملك لتأويل يوسف، وخروجه من السّجن بعد أن أقرّت النّسوة ببراءته،
﴿… قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (يوسف،51)، فقد اعترفت بصدقه وهي التي اتّهمته بالخيانة، فخرج من السّجن عزيزاً وعلى خزائن الملِك أميناً، فصحّ قول الحكماء إنّ صِدق اللِّسان أوّل السّعادة(٥).

وبالصِّدق يكتسب المرء ثقة الآخرين، فحين اعترفت امرأة العزيز بصدقه، ازدادت ثقة الملك به وبنزاهته وملَّكه خزائنه، بعكس أخوة يوسف الذين لم يَصدُقوا فخسروا ثقة أبيهم، ولم يسمح لهم باصطحاب بنيامين معهم بعد ذلك إلّا بعد إبرام العهود عليهم حيث قال ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّه…﴾ (يوسف،66).

وكانت شهرته بالصّدق دلالة على صدق سريرته، فكما كان صادقا في أقواله وأفعاله كذلك كان صادقا مع ربّه، وهذا هو الصِّدق الحقيقي الذي تجلّى في صحَّة توحيده فأخلص لله تعالى في عباداته ومعاملاته.

الإحسان

وَرَدَ في الحديث المشهور عن الرسول محمّد(ص) في تعريف الإحسان قوله: ﴿أنْ تعبدَ الله كأنَّك تراه فإن لم تكُن تراه فإنَّه يراك﴾(٦).

الإحسان فضيلة محوريَّة نجدها في سورة يوسف في غير موضع، وهي من الصّفات التي تحلّى بها الصِّدِّيق يوسف. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف،56). وفي موضع آخر: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف،78). وقد أمر الله تعالى بالإحسان بقوله: ﴿… وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة، 195).

والْمُحسِنُ كما ورد في تعريف الرسول(ص) هو مَن يعبُد الله ويستشعر حضوره دائم الأوقات وفي شتَّى الأحوال، وَمَن كانت هذه صفته لا يُقدِمُ على فعلٍ يغضِبُه تعالى، وقد رأينا كيف استعاذ يوسف بربّه إذ قال لامرأة العزيز حين راودته عن نفسه ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ (يوسف، 23)، قالها بنبرات المحسن المراقِب المستشعر وجود الله تعالى وهذا هو الإحسان في العبادة. ولعلَّ ما وصل إليه من فضل وعلم وعلوِّ درجة كان جزاء إحسانه، لقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف،22).

أمَّا إحسانه في المعاملة مع النّاس فقد ظهر جليًّا في قيامه بدعوة النّاس إلى التّوحيد وهو أجَلُّ طرُق الإحسان إلى الآخرين وأتمُّها نفعاً، وكان في نصيحته للملك حين أوَّل رؤياه، وفي إطعامه طالبي الرِّزق ممّن حلَّ بهم القحط والجوع، إحساناً كبيراً، ونتيجة هذا الإحسان اجتمع شمله بأهله من جديد، إذ حين ذاع صيته في البلاد إنه يُحسِن إلى من يأتيه وصل الخبر إلى أهله فجاؤوه يبتغون الميرة. ولعلَّ معاملته لأخوته أيضا أدلّ دليل على إحسانه وكرمه، فعندما كشف لهم عن هويَّته بعد غيابٍ طويلٍ ومعاناةٍ شديدةٍ كانوا هم سببها، قال لهم: ﴿…لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف،92). فهو لن يثرِّب عليهم أو يعيَّرهم بذنبهم، وبهذا القول أعطاهم الأمان ولم ينتقم منهم أو يقاصصهم على ما ارتكبوه رغم مكانته وقدرته، ثم ذكر لهم سجنه ولم يذكر الجبَّ حين قال: ﴿…إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي…﴾ (يوسف، 100)، رغم أنّ الجبَّ كان أشدّ خطرا وأكثر إيلاما له من السّجن، لكنَّه لم يذكّرهم به ونسب الشّرَّ كلَّه إلى الشَّيطان كرماً منه ودلالة على إحسانه وشهامته.

أحسن النّبيّ يوسف في عبادة الله حين استشعر قربه فابتعد عن الخطايا، وعمّ إحسانه البلاد والعباد حين بذل ما استطاع من النَّفع والخير والنَّصيحة.

النَّصيحة

كان للنَّصيحة دور فعّال في أحداث هذه القصة ومجرياتها، وقد عرفها أحدهم بأنها «الدُّعاء إلى ما فيه الصّلاح، والنّهي عمّا فيه الفساد»(٧).

وقد تجلَّت النصيحة في قصّة يوسف في مواضع مختلفة، إذ بعد رؤيا يوسف، نصح الأب ابنه بعدم الكشف عن حاله لإخوته، بقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (يوسف، 5). وجاءت نصيحته هذه بعد عِلْمه بما يدور في خَلَد أولاده وما يضمرونه، فكان من الطبيعي أن يلجأ الأب الخائف على ولده إلى نصيحته كوسيلة لحمايته والذَّود عنه.

ثم كانت نصيحة يعقوب لأولاده عند خروجهم إلى مصر طلباً للكيل والمؤونة، دلالة على حرصه عليهم ومحاولةً منه لإبعاد الخطر عنهم، فقال: ﴿… يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾.(يوسف، 67). ثم نرى كيف أنَّ يوسف في سجنه يبادر إلى النّصيحة فيدعو المساجين من هذا المكان الموحش إلى عبادة الله وحده وينهاهم عن الشِّرك، بقوله تعالى ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف،40). وإذا كانت النصيحة كما عرّفناها دعاءً إلى الصَّلاح ونهياً عن الفساد، فيكون يوسف قد ارتقى بنصيحته هذه إلى أسمى وأشرف النصائح، وهي الدَّعوة إلى التَّوحيد التي هي أعظم صلاح للإنسان، به يحقِّق سعادته في الدنيا وفوزه في الآخرة، وفي النَّهي عن الشرك يكون خلاص المرء من فسادٍ في حياته وعقابٍ يوم حسابه.

ثمّ جاءت نصيحة يوسف للملك بقوله ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ (يوسف،47)، لتكون على جانب كبير من الأهميّة، إذ أنقذت مصر وجوارها من القحط الكبير الذي حلّ بالبلاد، فرغم أنّ الجوع والقحط انتشر وعمَّ الأصقاع المجاورة إلَّا أنَّ نصيحة يوسف خلّصت مصر من هذه الأزمة، بل كانت البلد المنقذ للجوار.

العفَّة

العفّة هي: «ضبط النفس عن الشَّهوات وقصرها على الاكتفاء بما يقيم أود الجسد ويحفظ صحته فقط، واجتناب السَّرف والتّقصير في جميع الملذات وقصد الاعتدال…»(٨).

إنَّ من يقرأ سورة يوسف يدرك أنَّ نجاته من مخالب الشّهوة والخديعة لم يكن أمراً عاديّاً بسيطاً، فلولا قدرته على ضبط النفس، واستعانته بالله، لما نجا منها مع تهيّؤ كلّ الأسباب المُسهِّلة لها: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ (يوسف،23).

تجلّت العفَّة في قصة يوسف بأبهى أشكالها، فهي حِصن يوسف الحصين الذي به خَلص من هوى النَّفس ومن الفتنة، فقد عفَّ نفسه عن إغواء امرأة العزيز حين راودته عن نفسه: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ…﴾ (يوسف،23)، ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَم…﴾ (يوسف،32)، وقد رأينا أنّ هذه المرأة صاحبة مركز وسلطة فهي زوجة الحاكم، ومكانتها هذه تجعل الجميع في خدمتها وتحت طاعتها وربَّما يتمنَّوْن قربها فلا يرفضون لها أمرا، لكنَّ يوسف لم يأبه لهذا كلّه، ولم يستجب لطلبها المخالف لأمر الله، ورغم تهديدها له بالسّجن، قَالَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ…﴾ (يوسف،33)، عرف يوسف أنّ مصيره عذاب السّجن والمرارة، إلّا أنَّه اختار السّجن على مُواقَعَة المحذور وهو الفاحشة وهوى النَّفْس، وفضَّل العذاب الحسِّي الذي مهما طال فلا بدَّ له من نهاية وآثر رضى ربّ العالمين على رضى المخلوقين.

أصبح يوسف، وبفضل نزاهته وبراءته، ذا مكانة عالية عند الملك واكتسب ثقته. صحيحٌ أنّ تفسير الرّؤيا لاقى استحساناً عند الملك فأخرجه من السّجن، إلَّا أنّ الملك كان منذ البداية على علم بنزاهة يوسف وعفَّته بدليل الشّاهد الذي عرف أنّ قميصه قد قُدَّ من دبر، ثمّ قُطِع الشّك باليقين حين طلب يوسف سؤال امرأة العزيز والنّسوة الَّلواتي قطَّعن أيديهنّ: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (يوسف، 51)، فكانت هذه الشّهادة بعفّته وطهارته ما شدَّ ثقة الملك به، فلو لم يكن أمينا على أهل بيته، كيف له أن يُملِّكه خزائن ماله ويجعله أميناً على مملكته؟ فقد أعطاه الله الثّواب على هذه الفضيلة في دنياه قبل آخرته.

ورأينا كيف قام يوسف بتدبير الأمور حين طلب من الملك أن يولّيه إدارة المملكة، لقد كان مثالا في العفَّة والأمانة ولم يكن عليه مشرف ولا يدٌ تعلو يده فهو المتصرِّف الوحيد بالشّؤون الماليّة، وفي مثل هذه المواقع المهمّة يفشل الكثيرون عن ضبط نفوسهم خصوصاً حين تصبح الأموال تحت تصرُّفهم فنراهم يُسرِفون، لكن نبيّنا الكريم حقَّق كلَّ شروط العفَّة، فضبطَ نفسه عن الشّهوات واجتنبَ الإسراف وقصَدَ الاعتدال.

العدل

جاء في تعريف العدل: «العدل وهو القسط اللازم للاستواء وهو استعمال الأمور في مواضعها وأوقاتها ووجوهها من غير سرَف ولا تقصير ولا تقديم ولا تأخير»(٩).

قال تعالى ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (المائدة، 42). أمر سبحانه وتعالى بالعدل وبيَّن أنّ الحاكمَ العادلَ ينالُ محبَّةَ الله، وما بعد محبَّة الله سوى الحياة الطيِّبة في الدُّنيا والنَّعيم الأبديّ في الآخرة. ولا يقتصر فعل العدل على الحُكَّام، بل هو واجب على كلِّ انسان من موقعه. يقول في الحديث الشريف: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيّته»(١٠)، فالحاكم مسؤول عن رعيّته والمدير مسؤول عن عماله، والعمّال عن عملهم، والأهل عن أولادهم، فعلى كلّ راعٍ أن يقيم العدل في رعيّته، ولا نجاح لأيّة مسؤولية بغير العدل.

كان العدل سمةً اتَّصف بها النبي يوسف(ع) أثناء سنوات حكمه، ورأينا كيف كان عدله مُعينا له في خطَّته لاستقدام إخوته مرّة ثانية ومعهم أخيهم بنيامين حين قال لهم: ﴿أَلَاتَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ (يوسف، 59)، فلا أبخِّس النّاس أشياءهم، بل أعطيهم بحسب ما يستحقِّون، وكان يعطي لكلِّ رجل حملَ بعير، ليعدلَ بين الجميع. فأخبر أبناء يعقوب أباهم بهذا الأمر ليرسل أخاهم معهم، قالوا: ﴿نَزْدَادُ كَيْلَ بعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ (يوسف، 65)، فعادوا إلى يوسف برفقة أخيهم.
وقد ورَدت حادثةٌ أخرى بيَّنت كيف كان يوسف(ع) يحكم بالعدل بين الناس، فحين أمَر بحجز أخيه عنده لوجود الصّاع في أمتعته، طلب أخوته أن يأخذ أحدهم مكانه فقال ﴿… مَعَاذَ اللَّهِ أَن نأخُذ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ﴾ (يوسف، 79)، فلا تَزِر وازرة وِزْر أخرى. ويُستشَّفُّ من هذا القول أنَّ يوسف لم يكن ليساوم في أمور الرّعيّة، وإن كان في تلبية طلبهم وإخلاء سبيل أخيهم هذا نوع من الإحسان والرَّحمة لأبيهم الشّيخ الكبير، إلَّا أنَّ الإحسان إنَّما يكون إحسانا إذا لم يتضمّن فعلا مُحَرَّما أو ترك واجب، فترك العدل ظلما وليس إحساناً بأيّ وجه. لذلك حكم على أخيه بالعدل وطبَّق عليه القانون الجاري من غير سرف ولا تقصير ولا تقديم ولا تأخير.

ولا شكّ أنّ هذا المسلك الذي سار عليه النّبي يوسف قد بعث روح الولاء والطّمأنينة لدى رعيّته، وكانت هذه الحادثة التي ذكرناها وحكمه بالعدل فيها سببا لإبقاء أخيه عنده تمهيدا لعودة إخوته مرة أخرى ومن ثمَّ جمع شمله بوالده.

إنِّ عدل يوسف(ع) مع رعيّته كان انعكاساً لعدله مع نفسه، حيث زكّاها وطهَّرها من العيوب ولم يظلمها بالذنوب والوقوع في المحذور، ومن كانت معاملته لنفسه بهذه الأمور فقد عدل معها ولم يكلِّفها وزرَ المعاصي وثقل الخطايا والسّيئات وهذا ظلم للنّفس لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ…﴾ (النساء، 110).

وإذا كان الحاكم لا يملك قدرة على العدل مع نفسه بترفُّعها عن الرَّذائل، فكيف سيتمكّن من إقامة العدل مع رعيّته؟ ولم يكن عبثا قيام الفيلسوف اليوناني أفلاطون بوضع شروط لانتخاب رئيس مدينته الفاضلة، وأهمّ تلك الشّروط ترفُّعه عن الرّذائل والفواحش والموبقات.

{ارتَقَى يوسف} إلى أسمى وأشرف النصائح، وهي الدَّعوة إلى التَّوحيد التي هي أعظم صلاح للإنسان.

الصّبر

قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (النحل، 127).

سُئِل أحدهم عن الصّبر فأجاب: «هو تجرُّعُ المرارة من غير تعبيس»، وقيل «الصّبر مطية لا تكبو»(١١). وقال لقمان الحكيم: «الصبر صبران: صبر على ما تكره فيما ينوبك من الحقّ وصبر على ما تحبّ ممّا يدعوك إلى الهوى»(١٢).

إنّ الأحداث التي عاش فيها النّبيّان الكريمان يعقوب ويوسف(ع) استوجبت التّمسك بحبل الصّبر ليكون مطيّتهما التي لا تكبو، واستعانا بالصّبر مع الرّضا بقدر الله تعالى وقضائه، فكانا مثالين في الصبر الجميل، وقد تجلى ذلك واضحا في آيات السّورة الكريمة.
فمنذ أن فقد يعقوب(ع) ولده الحبيب وعد نفسه بالصّبر، إذ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (يوسف، 18) واستعان بربّه ليأخذ بيده ويمدّه بالعون، فنجح في ذلك،وصبر صبراً جميلاً، و»الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه إلى النّاس»(١٣).

كانت حرقته على فقدان يوسف كبيرة حتّى أنّه فقد بصره، ولكنَّه لم يفقد صبره، ولم تهتزَّ ثقته بالله بل كان الله شفيعه ومشكى همّه. فقوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (يوسف، 86) لا ينافي الصّبر، فالشّكوى إلى الله محمودة وإنّما ينافي الصّبر الشَّكوى إلى المخلوقين، لأنّ أيّوب(ع) كان شكى ألَمه إلى ربّه من غير اعتراض قائلا: ﴿… أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الانبياء، 83)، ومع ذلك فقد صحّ صبره وأثنى الله سبحانه عليه بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص 44).

ثمّ رأينا يوسف(ع) في خِضَمِّ المحن والبلايا التي توالت عليه رَضيَّ القلب مطمئنّاً إلى إرادة الله ومشيئته،إذ بالتوحيد عرف ربّه وأحبّه فرضي بفعله، وصبر على حكمه، فكان يناجيه ويستعين به على كلّ مكروه، فيزرع الله في قلبه المزيد من الصّبر والتّسليم عند كلّ ضيق وابتلاء.

كان البلاء الأوّل شديداً، هذا الطفل الذي تربَّى في كنف والده على العطف والمحّبة ولم يعهد عهداً للقسوة والظُّلم، ها هو يتلقَّى أوّل صفعة غدر وخيانة ومن أقرب المقرّبين إليه، ولم يقابل يوسف هذا الابتلاء بأيِّ اعتراض أو استنكار، فجاء وحي الله يثبّت قلبه ويقينه أنّه تحت الرعاية الإلهية وسينبّئ إخوته بأمرهم وهم لا يشعرون.

ثمّ اختار الصّبر على إغواء امرأة العزيز ومحاولاتها المتكرّرة لإيقاعه بحبائل الهوى فقال ﴿… رَبِّ، السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ…﴾ (يوسف، 33)، وهذا هو البلاء الأصعب الذي صبر عليه يوسف طوعا واختياراً، كما صبر على تهمة الزَّور ومرارة السّجن، وفي كلّ هذه الأحوال لم نرَه يلجأ إلاّ إلى ربّه ومالك أمره فهو الذي يسدّده كيف يشاء. فكان صبره على ما يكره مثل صبره على ما يحبّ، بلا تعبيس أو استياء.

وكان للصَّبر الذي تحلَّى به يوسف تأثيراً هامّاً على أحداث حياته من حين ابتعاده عن أهله إلى حين لقائه بهم، فصبره شدّ أزره، وثبّت فؤاده وقوّى عزيمته على المضي قُدُما في طريق الخير، فصبَر على المكروه من أذيّة وغربة وظلم، كما اختار الصّبر على الشّهوات من ملك وجاه وهوى، فنال بصبره أعلى الدّرجات، وخلص إلى القول: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف، 90).

هذا الَّذي يحصل مع كلّ مؤمن حين تحاصره المحن، لا يترك طريق الخير الذي رسمه لنفسه، ولو ضاقت به الحِيَل، بل يتمسَّك بتوحيده ويجدّد إيمانه بالله فهو وحده كاشف الكربات، ولا بدَّ من بعد الصّبر أن يأتي الفرج، فكان اللِّقاء المبارك بين يوسف وأهله الذي أثلج صدورهم ثوابا لهم على الصّبر وصحّة الإيمان.

هذا الَّذي يحصل مع كلّ مؤمن حين تحاصره المحن، […] يتمسَّك بتوحيده ويجدّد إيمانه بالله فهو وحده كاشف الكربات، ولا بدَّ من بعد الصّبر أن يأتي الفرج.

التّوبة

جاء في تعريف التّوبة بأنّها: «الرّجوع عمّا كان مذموماً في الشّرع إلى ما هو محمود فيه»(١٤).

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة، 222)، وقيل: «التّائب من الذّنب كمن لا ذنب له…»(١٥) وهذا من فضل الله على العباد أن يغفر لهم قديم زلَلهم بعد التّوبة.

إنَّ ما قام به أخوة يوسف من رميه في الجبِّ وإبعاده عن أبيه، هو ذنب يستوجب التوبة، ورغم مرور الزَّمن، لم نرَ أخوة يوسف مُقرِّين بذنبهم أو مستغفرين بل كتموا أمرهم، ولم يتوبوا إلّا بعد زمن طويل حين كشف لهم يوسف عن نفسه فاعترفوا بذنبهم وأقرّوا به: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ (يوسف، 91)، ثمّ ذهبوا إلى أبيهم وطلبوا السّماح واستغفروا، وأظهروا النَّدم: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ (يوسف، 97)، فكان اعترافهم بخطئهم واستغفارهم لله، دلالةً على توبتهم. فمن يَنْوِ التوبة يبدأها بالاعتراف بالخطأ ثم الإقلاع عنه بالكليّة ثمّ الاستغفار.

أمّا زوجة العزيز فرغم اعترافها بذنبها في المرة الأولى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ (يوسف، 32)، إلّا أنّها أصرّت على المضيّ قدُما في المعصية ولم تَتُب، ﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (يوسف، 32). وحين ظهر فضل يوسف وحان خروجه من السّجن، أقرّت بذنبها أمام الحاضرين وقالت ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (يوسف، 51). فكانت توبتها شهادة بيّنت فضل يوسف واستقامة طريقته، ونقلتها من رذيلة المعصية إلى فضيلة الطاعة والتوحيد.

رغم أن توبة أخوة يوسف جاءت في نهاية القصّة، إلّا أنّهم بتوبتهم كانت الخاتمة السّعيدة لهذه القصّة وتحقّقت الرّؤيا التي طلب يعقوب من يوسف أن يكتمها عنهم، حيث خرّوا له سُجَّدا وأقرّوا بفضله.

الخاتمة

في غيابةِ الجُبِّ المُظلمِ وَوَحشَته، لاذَ بربِّه فاطمأن…في وَحدة الغُربة المقفِرة وقَسوَتِها، لَجَأَ إلى خالقه فاستأنَس.به في غَيَاهُبِ السّجنِ الحالِكِ وقيودِهِ، ووحَّدَ بارِيهِ فَتَحرّر…

طريقُ طويلٌ شائكٌ وَوَعر، سلكه نبي الله يوسف(ع) بصبر ويقين وثبات. بلغ يوسف(ع) أعلى المناصب الدُّنيوية لكنّ وجهته هي الآخرة ورضى الله تعالى، لأنّ الدُّنيا لا تغني عن الآخرة بشيء بقوله: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف، 101). فسعى إلى الثَّواب ودعا الرّعيّة إلى معرفة الواحد الأحد، فنقل مصر من ظلمة الشِّرك إلى نور التّوحيد، وحازَ أعظم الفضل.

وكان جماله وحسن صورته ممزوجاً بجماله الرّوحي والأخلاقي، فأصبح جمالاً كاملاً تُضرَب به الأمثال، وعلى هذا فالإنسان مهما وهبه الله من الجمال والمظهر الكَيِّس، فلا يُسمَّى جميلاً إن لم يتمتّع بالأخلاق والفضائل الرّوحانيّة. ولم يبلغ يوسف ما بلغه من الرِّفعة والسُّموّ إلّا بالامتحان،فالله سبحانه يبتلي عباده بالشِّدة والرَّخاء والسُّرور والحزن واليسر والعسر ليمتحن صحّة إيمانهم بالشُّكر عند الرّخاء وبالصّبر عند الشِّدة والبلاء. ومن الَّلافت في هذه القصّة اتِّحاد الفضائل وسيرها بالتّوازي والتّوازن مع بعضها البعض، وكأنّها فريق واحد يعمل بتناغم وانسجام في سبيل ردع الرَّذائل وتحقيق الثّواب، والتَّوازن بين الفضائل ضرورة كي تقوى وتُحقِّق غايتها.

بعد هذا البيان لأهميّة الفضائل لابدّ ختاما من القول أننا إذا كنّا مؤمنين بالله وبرسوله الكريم وبكتابه العزيز وقد تحقَّق عندنا صدْقَ ما أنزله في هذه السُّورة المباركة من برهان جليّ على ثواب من تمسَّك بالفضائل وسار على طريقها، فَلْنبادر إلى تحصيل ما أمكننا من هذه القِيَم وتطبيقها في عباداتنا ومعاملاتنا فلا تبقى شعارات نرفعها بل نجعلها حياتنا التي نحيا بها ونعيش، علَّنا نخرج من الظّلمة فتشرق علينا أنوار الصّفي المختار ونصل إلى برِّ الأمان.


الحواشي

  1. ثقافة إسلامية: محاضرة بعنوان: الإيمان بالله. تقديم الشيخ باسم أبو كروم.
  2. لأبي القاسم عبد الكريم بن هوزان: الرسالة القشيرية في علم التصوّف. مرجع سابق. ص: 377.
  3. أبو الحسن علي البصري الماوردي. كتاب أدب الدُّنيا والدين، تحقيق: د.محمّد صبّاح، د.ط. (بيروت، دار مكتبة الحياة:1987م).ص: 262.
  4. أبي القاسم عبد الكريم بن هوزان: الرسالة القشيرية في علم التصوّف. مرجع سابق.ص،ص: 285، 286،287.
  5. أنظر: أبو الحسن علي البصري الماوردي، كتاب أدب الدُّنيا والدين. مرجع سابق.ص: 261.
  6. رواه مسلم.
  7. علي بن محمد الجرجاني: مُعجم التعريفات. تحقيق ودراسة: محمد صدّيق المنشاوي. (القاهرة، دار الفضيلة للنشر، 2004م). ص: 203شوهد بتاريخ 1-12-2019. على الرابط:  https://www.noor-book.com-pdf
  8. ابن عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: تهذيب الأخلاق. تعليق: أبو حذيفة ابراهيم بن محمد. ط.1. (طنطا، دار الصحابة للتراث:1989م). ص،ص: 21-22.
  9. ابن عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: تهذيب الأخلاق. مرجع سابق. ص: 28.
  10. أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عمر.
  11. أبو القاسم عبد الكريم بن هوزان: الرسالة القشيرية في علم التصوّف. مرجع سابق. ص،ص: 258،259.
  12. جمال الدِّين يوسف الكفرقوقي: اللُّمَع النورانية والمعشرات الكفرقوقية. د.ط. (لجنة تكريم سيدنا الشيخ يوسف الكفرقوقي في كفرقوق: راشيا، لبنان). ص: 204
  13. أبو عبد الرحمن اللُّمى: الطبقات الصوفية. تحقيق: د.أحمد الشرباصي. ط2. (مؤسسة دار الشعب،1419ه). ص: 17.
  14. أبو القاسم عبد الكريم بن هوزان: الرسالة القشيرية في علم التصوّف. مرجع سابق. ص: 156.
  15. المرجع سابق نفسه. ص: 156.

المراجع

  1. ابن عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: تهذيب الأخلاق. تعليق: أبو حديفة ابراهيم بن محمد. ط.1. (طنطا، دار الصحابة للتراث:1989م).
  2. أبو الحسن علي البصري الماوردي. كتاب أدب الدُّنيا والدين. تحقيق: د.محمّد صبّاح. د.ط. (بيروت، دار مكتبة الحياة:1987م).
  3. أبو عبد الرحمن الُّلمى: الطبقات الصوفية. تحقيق: د.أحمد الشرباصي. ط2. (مؤسسة دار الشعب،1419ه).
  4. أبي القاسم عبد الكريم بن هوزان ابن عبد الملك بن طلحة القشيري النيسابوري الشافعي: الرسالة القشيريةفي علم التصوّف. ط.1. (بيروت،دار إحياء التراث العربي:1998م).
  5. ثقافة إسلامية: محاضرة بعنوان: الإيمان بالله. تقديم الشيخ باسم أبو كروم.
  6. جمال الدِّين يوسف الكفرقوقي: اللُّمَع النورانية والمعشرات الكفرقوقية. د.ط. (لجنة تكريم سيدنا الشيخ يوسف الكفرقوقي في كفرقوق: راشيا، لبنان).
  7. علي بن محمد الجرجاني: مُعجم التعريفات. تحقيق ودراسة:محمد صدّيق المنشاوي. (القاهرة، دار الفضيلة للنشر، 2004م).

طبائع الخير

  الموحِّدُ مسؤول، بمعنى أنَّهُ يُسأل عن أعمالِه وعن مكنونات صدره أمام الله تعالى. والعبْد دون إحساسٍ قلبيّ صادق بالمسؤوليَّةِ التي في عنُقه يُصبحُ ويُمسي وهو عُرضة لأهواء النّفس تأخذُ به كما تشاء مُبتعدةً عن نورِ العقل الذي لم يعدم غذاءَه بالمعرفةِ التوحيديَّة. وهذا أمر بالغ الخطورة يحذِّرُ منه الأميرُ السيِّد قدَّس الله سرَّه باعتباره «استدراج إلى غير الرِّضى»، أي إلى غضب الله عزَّ وجلَّ.

  يقول السيِّد الأمير(ق) ان العبد مطالب بثلاث… نَفَسٌ(1) يمضيه بغير محل الرضى، ولحظٌ(2) يلحظه في غير اعتبار في تصاريف القضا، ونطقٌ(3) ينطق به في غير سبيل الرضى.

  والـمسؤوليَّةُ التَّوحيديَّةُ دقيقة وجليلة يحملُها المرءُ في ذاتِه كلّ وفق المستطاع مع الحذر الشديد من الغفلة والإهمال واستسهال الأمر. وشيوخُنا من السَّلف الصَّالح جعلوا من ميزان الخوف والرَّجاء قاعدةً جوهريَّةً من قواعد المسلك. وقيل في الصوفيَّةِ القديمة: «إنْ غلبَ الرَّجاءُ على الخوْفِ فسد الزَّمان»، وقيل في المأثور التوحيدي: «مثَلُ الخوْف والرَّجاء مَثَل جناحين إن ضعفَ أحدُهُما سقَطَ المريدُ كما يقع الطَّيْرُ أرضاً عاجزاً عن التَّحليق».

الثَّمر الحقيقي هو نعمة شعور النّفس بالرِّضى حين تُدركُ بكينونتها الجوانيَّة معنى السَّعادة والاغتباط الرُّوحي.

  ويعتبر الأمير ناصر الدين التنوخي: «ان المعترف بذنبه ازكى لديه من المدّل بعلمه عليه». ويحث السيد الأمير(ق) على الخوف والرجاء والاستحياء فيقول: «لا يَخَافَنَّ أَحَدُكُمْ إِلا ذَنْبَهُ، وَلا يَرْجُوَنَّ إِلا رَبَّهُ، ولا يستحي إذا لم يعلم الشيء ان يتعلمه، ولا يستحي إذا سُئل عما لا يعلم ان يقول لا اعلم».

  العودةُ إلى مواجهة النّفس بالحقائق هي السَّبيل إلى استدراكِ الأمر. عودةٌ تكونُ فيها المعرفةُ المرسومةُ من صاحب الحقِّ «مرآةً وعلماً»، أي نواجهُ النّفسَ بميزان الحقّ وأوَّله قواعد الأمر والنَّهي. وهي قواعد من شأنها حماية الجوارح وصوْنها من كل أشكال التلوُّث المحيطة بنا. صفاءُ النيَّة في القلب، ويتبين من مواعظ الشيخ الفاضل(ر) أنّ القلب يشمل العقل، والبصيرة، والنيّة الطيبة، وجاء من مختصر اقواله بهذا المعنى:

  «فعليك بحفظ القلب وإصلاحه وتطهيره وبذل المجهود في ذلك، وأذكر أربعة أشياء، الأولُ قوله تعالى: «يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور»، وقوله تعالى: «يعلم ما في قلوبهم». والثاني قول النبيِّ(ص)، إن الله لا ينظر الى صوركم وابشاركم وإنما ينظر الى قلوبكم وأعمالكم، فالقلب إذاً موضع نظر رب العالمين. الثالث ان القلب هو الأصل والمركز، والجوارح كلها تبع له، وإذا صَلُحَ المتبوع صَلُحَ التابعُ. والرابع إنَّ القلب خزانة كل جوهر نفيس للعبد، أولها العقلُ واجلها معرفة الله تَعَالَى التي هي سببُ السعادة في الدارين، ثُمَّ البصيرة الشفافة التي تُدرِكُ الأشياء وبها التقدم والوجاهة عندَ الله تَعَالَى، ثم النية الخالصة في الطاعات التي بها يكون ثواب الأبد».

  نقاءُ العيْن بحجبها عن كلِّ ما يُـبطِلُ الحياء، والتزام اللسان أوَّل الخصال وأعظمها وهو الصّدق، واجتنابُ الإنصات إلى كلِّ لغْوٍ أو غيبة أو نميمة أو لجْلجة، وصدق اللسان التزامه بترك الكلام فيما لا يعني(٤)، قال بعضهم، الكلام أربعة أقسام: قسم ضرر محض، وقسم نفع محض، وقسم فيه منفعة وضرر، وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة، أما الذي فيه ضرر محض فلا بد من السكوت عنه، وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة، أما الذي لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فضول، فلا يبقى الا القسم الرابع وهذا الربع لا يخلو من خطر عدم الدقّة.

  وتطهير الجوف من كلِّ حرام، وقيل: «إن باب الجنة له مفتاح والمفتاح كلمة التوحيد. وله أسنان أربع لا ينفتح الباب الا بالمفتاح بأسنانه، فالسن الأولى تطهير القلب من الخبث والخيانة. والسن الثانية تطهير اللسان من الكذب والنميمة. والسن الثالثة تطهير البطن من الحرام والشبهة. والسن الرابعة تطهير العمل من الرياء والبدعة. فإذا صح للعبد هذا المفتاح بأسنانه انفتح الباب ودخل الجنة وشاهد العظمات. ما لا اذن سمعت ولا عين رأت ولا خطر على قلب بشر».

  وإخضاع آلة الرُّوح أي الجسم إلى كلّ ما يُرضي الله، وما يُرضيه هو استخدام الشيء لِما خُلقَ له دون انحلال الإرادة وطغيان الرغبة في استخدامها في المعاصي. وللمعاصي شبكة واسعة لا ينجو منها إلَّا كلّ عاقل لبيب أو كلّ مستجيب مُحبّ للفضيلة ولمعلّمي الفضيلة ولأهل الفضيلة.

  إنَّ طبائع الخيْر التي هي بيتُ الدّين ومسكنُه لا يُمكنُ أن تستقرَّ من دون تغذيتِها عِلماً وعملًا لا انفصال لأحدِهما عن الآخَر. وهذا هو جوهرُ المسؤوليَّةِ الرُّوحيَّة التي يحملها أمانةً كلُّ من التزمَ السلوكَ نهجاً توحيديّاً مثمراً. كان الشيخُ(ر) الفاضل يسألُ الله تعالى في دعائه الجليل «صحَّة الدّيانة» وهو الّذي أمضى عمره سائحاً في معارج الطاعات. هذا درسٌ عظيم علينا امتـثاله على الدوام. هذا أمرٌ جوهريٌّ لنا في كلِّ وقت. على الموحِّد أن يكون في عصرنا هذا، أي في يومنا هذا وفي كل يوم، شاهداً للفضيلةِ والاتّزان والخيْر والأخلاق الرَّفيعة والأدب الرّزين. عليْه أن يكتسبَ سمةَ الجُودة بقلبه وبروحِه وبصفاء داخله الأمين لتعاليم الكتاب الكريم. وليست مسألة جانبيَّة أن يشيرَ الأميرُ السيِّد قدّس الله روحه إلى أنَّ العائق يأتي «من قِـبَل العبْد» الذي لا يجب أن يرمي «سَوْطَ التأديب من يده» أراد تأديب نفسِه وتطهيرها من كلّ خيانة.

  قيل من أعظم الآفات ثلاثة: رؤية الخلق، ورؤية العمل ورؤية النفس، والواجب على العبد أن يغيب عن الثلاثة برؤيته خالقه تَعَالَى «ان تعبد الله كأنك تراه» هي المحبة لله وقال بعضهم من عبد على المحبة لا يحب ان يرى عمله سوى محبوبه وقال بعضهم: «من أحب أن يعرف بشيء من الخير او يذكر به فقد أشرك في عبادته».

  إنَّ الاجتماع على كلمة التوحيد هو أمرٌ جلل لا يليقُ به إلَّا زكاء العمل، أيْ المنقَّى من كلِّ دواخل طباع الخبْث عليه. نقولُ «الله يــثمر» والثمر الحقيقيّ الذي تسمو إليه نفوسُ الأجاويد هو رياضة النّفس بما أوتيَ لها من لطائف العقل ومعاني التَّوحيد، واتّحادُها به قلباً وقالباً أي علماً وعملًا كما هو سمتُ الشيوخ الثقات على الدوام. والثَّمر الحقيقي هو نعمة شعور النّفس بالرِّضى حين تُدركُ بكينونتها الجوانيَّة معنى السَّعادة والاغتباط الرُّوحي الذي يحقِّق أجمل ما في حقيقة الإنسان من معنى، وهو ائتناسُه بمن هو أحقّ بالوجود من كل موجود.


حواشي

1- (كل شهيق وزفير للإنسان) تمضي في تصرف وعمل بغير رضى الله.
2- نظرة العين للحظات أو ثوانٍ) والاعتبار (النظر في أحوال الدنيا كالموت والحياة والاتعاظ منها).

3- نطق أي كلام مهما كان قليلاً او كثيراً بغير ذكر الله ورضاه.
4- ﴿لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (النساء 148)

مَسْلكيّة الموحّدين الدّروز

مُحاضرة أُلقيت في مؤتمر الجالية الأميركيّة الدرزيّة ADS في ميامي فلوريدا في ٢٠١٦/٦/٣٠ وأُعيد إلقاؤها في لوس أنجلوس بطلب من اللّجنة المنظّمة للمؤتمر في ٢٠١٨/٦/٢٦.

أوقيانوس الصّفات النّبيلة، والأخلاق العالية، والمثاليات ومسلك الموحِّدين الدروز، كيف أُحيطُ به وأنتزِعُ الدُّرَرَ من لُجَجه؟؟ أمَا ترَوْنني بقصوري أعجزُ عن التّعبير؟؟ أسقطتم الكلمات، لِتسَطّروا على صفحات الخلود وبأحْرفٍ من نور، ذكرى أمجادَكم الخالدة إلى الأبد.

الموحّدون استلهموا الأخلاق الرّفيعة والدعوة السماوية الخالدة واستوحَوْها بِمَهداة العقل النيّر والفكر الثاقب الرّزين، وبنوْا على أساسها مجدهم وصانوا كرامتهم.

هي دعوة إلى معرفة الذات، دعوةٌ إلى المُثل والقِيم. دعوةٌ إلى الأصالة الأخلاقية عند الموحّدين الدّروز، وهي الرّكن الرَّكين والأساس المتين للشخصيّة الدرزيّة وللعادات والتقاليد الموروثة من الآباء والأجداد، وإنّه لَفخرٌ لي واعتزاز، أن أتكلَّم في أمريكا عن مسلك التوحيد لدى الموحدين وصفاتهم المُثلى ومسلكيّتهم الخلُقية، وتقرّبهم إلى الله تعالى، هذا التراث الكامل، هو مصدر شهامة وتَعالٍ لطائفة الموحّدين الدروز وإلى الأبد. الموحّد الدرزي إنسان آمن بالله، وحقّق وجوديته كاملة في خلال ألف سنة، فتوجّه بقدراته الإنسانية نحو الحقّ وبقي ذُخراً للحقيقة ومثالاً وعطاءً. إنّها حقيقة العقل الذي هو نور الله في جميع مخلوقاته فبِه هدانا الله إلى الخالق المبدع، وإنّه لصادِقُ العِلم… تجلّت منجزات العقل أيضاً بالعِلم في المُخترعات كآلة التلغراف والتلفون والراديو والطائرة، ثم بالانطلاق إلى القمر فالمريخ، وجعْلِنا نتبع مسلكيّة معينة ونؤمن إيماناً ساطعاً بالله «الإيمان بالله والتوحيد بكماله» «عَقِلتم فآمنتم وأدركتم فوحّدتم» لِنَسلكَ الطّريق المستقيم وما يقتضيه العقل المستنير بالحق والصّدق والعمل الصالح لنميّز بين الأفعال المحمودة والمذمومة، وبين الحلال والحرام، وبين الحقّ والباطل، ونسير على هدى الله في مندرجات الرقي الرّوحيّ والثقافيّ والحضاريّ والأخلاقي للوصول إلى كرامة الإنسان وشرفه ونبله، وهو ثمرة الهداية والطاعة للباري جلّ وعلا فنصل إلى السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة. مسلكيّة الموحّد هي تهذيب النّفس وهي الإسُّ المتين والرّكن الرّكين في عمليّة معرفة الله لترقى إلى جوهرها، وتُحاسَب على أعمالها في اليوم الآخر يوم يُدان الإنسان بالحساب (الطّبري ص 25). قال عزّ وجل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِين﴾َ (الأنبياء 47)، والأمير السّيد(ق) يقول: «أن يصرف نفسه عن الشّهوات والمُحرّمات، وأن يعرف الله حق معرفته ويوحده ويُنزهّه»، قال تعالى: ﴿وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ (النّحل 111).

عليك بالنّفـــــس فاستكملْ فضائلَهــــا        فــــــأنت بالنّفس لا بــــــالجسم إنسانُ

والدين مَعينُه في نفسي، يستحيل على إنسانٍ آخر أن يهديني الدّين، إذا لم تهدِني إليه نفسي، ومن يَقُل بلسانه الله ويعرف بقلبه الله، وتحبُّ روحُه الله، تتعلق بظاهره وبباطنه بين يدي الله. وليكن مطلب كلّ موحّد هو الله، وقصده هو الله، وذكره هو الله، ونطقه هو الله، وفكره هو الله، قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ﴾(العنكبوت 45). فالله فردٌ في أزليّته، لا ثاني مَعه، ولا شيء يفعل فعله. «مسلك التوحيد هو جوهرة غنيّة، رحِم الله من صقل هذه الجوهرة الثمينة إلى ذروة الإيمان التّوحيدي، إنّها تعاليم إنسانيّة راقية قديمة وحديثة» (نجيب العسراوي). التوحيد عُزلةٌ وسترٌ، التّوحيد آداب، التوحيد هو الإكثار من ذكر الله تعالى، مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكره كمثل الحي والميت، عليكم أيّها الموحّدون بفناء وجودكم في اللّه، فَتُصْقَلُ مراياكم، وتنجلي حقيقتُكم.

التوحيد عقيدة علم، وفلسفة طريق سعادة. يا مُوَحّد، اِعمل بما أمرك به الله، والأديان منذ نشأة الكون لها هدف واحد: تعريف الإنسان بحقيقة دربه، وتعريفه على حقيقة ربّه: «خَلَقْت الوجود كلّه لأجلكم وخلقتكم لتعرفوني وتعبدوني». التّوحيد هو طريق النفوس النقيّة التقيّة والعقول المُدركة للأسرار، عقول من عرفوا الدنيا دار فناء، وعرفوا الحقّ إماماً فاتّبعوه، وميثاقاً وحُجَّة ودعوة استجاب لها الموحّد المؤمن المستجيب. التوحيد هو الارتقاء الكبير بين يدي النّور، على الموحّد أن يُدخل نورُ الحق والخير إلى قلبه حتى يحرق ما فيه من شهَوات، ويُجري فيه دماء الإيمان ونور اليقين، وإيمان الموحّد هو طريقه المستقيم، إيمانُه أبداً بالله سبحانه وتعالى، هو الحقّ، وأنّ الموت هو الحقّ، والقيامة حقّ؛ والميزان حقّ والجنة حقّ (شفيق أبو غانم). التوحيد أوّلُ ما أنزل الله من عِلم على جميع الأنبياء «أعبد الله كأنك تراه، فإن لم تَرَه فهو يراك».

مسلك التوحيد لا يصحّ إلّا إذا شعرنا بهيبة الله تعالى، قال عزّ وجلّ: «أنا عند ظنّ عبدي بي، إذا كان خيراً فلَهُ، وإذا كان شرّاً فلَه»، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة 7 و8). الدين هو التوحيد، هو الصلة بين العبد والمعبود، الدّين هو الإيمان «الإيمان بالله والتوحيد بكماله» هو منبع الفضائل في النفس والنور في القلب، الدين هو الطاعة ليسلك مسلك التوحيد للباري سبحانه وتعالى، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ﴾ (التوبة 33). مسلكيّة الموحّدين الدّروز أن يُحْيوا هذه القوة الكامنة في ثنايا هذه الروح، ليدركوا جوهر الدين، والبعد عن الخطايا والمعاصي. هو الدين، أرسله لنا بالهُدى والحقّ، فهو حقيقة الإرادة الإلهية، وعلى النّفس أن تعرفَ الله سبحانه وتعالى، وكمال معرفته توحيده، وكمال توحيده نفي الصّفات عنه.

مسلكيّة الموحّد هي الصّلاة وصدق اللسان، فالصّلاة هي الصّلة الروحيّة بين الله والإنسان، طَهّروا نفوسكم من الجشع والحسد والحِقد والنميمة، تَخلَّقوا بأخلاق الأنبياء والرسل الكرام، فيستطيعَ العالم الترقّي إلى درجات الكمال، والتقرّب إلى الله ذي الجلال والإكرام. فصدق اللّسان هو رأس الفضائل، هو التصديق بوحدانية الخالق وحده لا شريك له. الصادق يفي بالوعد والعهد، لا يكذب، لا يسرق، لا يشهد بالزور،
ولا يضرّ أحداً. الصدق منجاةٌ ولو تحت شفار السيوف، هو أفضل مكارم الأخلاق، ومن أقدس الواجبات عند الموحدين، لتبقى العبادة خالصة لوجه الله وحده. والعبادة المرتكزة على التربية الدينية الصحيحة، هي شرف للعابد، وأي شرف أغلى من صلة العبد بربّه، ليستقيمَ خلقه إنّها العبادة الحقيقية في الدنيا والآخرة إذا اقترنت بالإيمان. من يعمل على مرضاة خالقه بحسن أخلاقه تتجلَّى فيه الحكمة. إنّ التربية الدينية والوعي الخلاّق هي النّعم الوافرة. أمّا كسب المال الحلال فيكون بتجنّب الطمع والحسد، وهذان أساسا كلّ خطيئة، فتواضعوا يرحمْكُم الله، وابتعدوا عن التكبّر والإعجاب، لتصلوا إلى الرّضا والتّسليم فهما من أُسس التوحيد، والقناعة بالعدل الإلهي، وليُحبَّ كلٌّ منكم لأخيه ما يحبّه لنفسه. الخلق كلّهم عباد الله، فليسلّم المؤمن أمرَهُ لربه، راضياً بأحكامه، صابراً على بلواه بعيداً عن المحرمات، كالكذب والنميمة والطمع والكبرياء والسرقة والقتل وشهادة الزور، وليُمسك لسانه إلاّ عن الحق، وليعلم بأنّ اللّه جلّ وعلا ناصرٌ للحقّ.

«الصّدق في أقوالنا أقوى لنا والكذب في أفعالنا أفعى لنا». وأكبر الجهاد هو جهاد النّفس ومعرفتها: «من عرف نفسه عرف ربّه»، «العزّ في الطاعة والذلّ في المعصية» علينا بمخافة الله جلّ وعلا «رأس الحكمة مخافة الله»، والنبيّ هِرمس (النبي إدريس) دعا الناس إلى دين الله عزّ وجل، والقول بالتوحيد، وعبادة الخالق، وتخليص النفوس من العذاب وأمرهم بالصلوات.

وكذلك كان النبي داود(ع)، «اختار من الكهنة والقضاة، مائتين وثمانيةٍ وثمانين كاهناً، يسبّحون للّـه، ليبقى ذكر الله دائماً». والصّلاة هي من أعظم الشعائر، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ﴾ (الأعراف 55)، ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه 14). يا داود أعرف نفسك تعرفْني، «النفس المطمئنّة هي التي اطمأنت بذكر الله»، يا داود حذّرْ وأنذر قومك من الشهوات، فإنّ القلوب المتعلّقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عنّي. وعلى المرء ألّا يكون أسير المال والمُلك والموقِع. يقول الشيخ الفاضل(ر): «على المرء أن يسلّم أموره لله، ويتكّل عليه في السرّاء والضرّاء، ليرضَا بقضائه، ويصبر على بلائه ويستغفر ربّه، ويهذّب أخلاقه بالفضائل، وليُقْبل على الرزق الحلال، ويعتمد الصفاء والوفاء… فيكون صادق اللسان، حميد الخصال، حميد الفعال»، فمن جمع هذه الخصال نال عظيم المنال. قالت رابعة العدَويّة(ر): «نعبُده لذاته، ويكفينا نِعَمَه التي لا تُحصى، نخِّر له ساجدين»، ارتفعت رابعة عن درجة العبادة والزّهد إلى درجة الرّضا. كانت في رضاها أروع وأصلب العباد «سُئلت يوماً كيف أرضى بالله؟ أجابت: «يوم تفرح بالنّعمة كما تفرح بالنّقمة لأنّ كليهما من عند الله، وأردفَت: «ثمرة العِلم الرّوحي هي أن تصرف وجهك عن المخلوق كيماتوجهه الى الله الخالق وحده، لأن المعرفة هي معرفة الله». «من عرف خالقه تهذّبت أخلاقه، ومن أستغفر من ذنبه، قَبِل الله وسيلته، ومن بادر إلى التّوبة، لم يَعُد إلى الذنب»، «لا تأنَسْ بغيري إذا ما وجدتني، وستجدني حيث تطلبني، ولا تخشَ سلطاناً ما دام سلطاني».

والأمير السيد(ق) يقول: «لا حول ولا قوّة إلّا بالله، له البقاء والدوام، وله الحمد على ما أعطى ومنع، وعليه الاتّكال وبه المُستعان. قبول أوامره طاعة وصبر، والاتّكال عليه عزٌّ ونصر، فهنيئاً لمن أطاع وصبر». صاحب الخُلُق الرفيع، رزقه حلال، عقله يقوّيه بمقابلة العلوم الحقيقية، ونظره بمقابلة المُنعم ورؤية جماله، مستأنسٌ بالله عزّ وجل، فلا خطايا ولا ذنوب ولا مجال للشرّ، والله العلّيُّ القدير، هو العَوْن والنّصير، ولا يخَفْ أحدكم إلّا ذنبَه ولا يرجُ إلّا ربّه (نايف عبد الخالق) الدّنيا تطيب بذكره والآخرة بعفوه. حَسَنُ الخُلق لا يَغْضبُ، ومن كفّ عَصَبَه، كفّ الله تعالى عنه عذابَه «تواضعوا يرحمْكم الله، واعفوا يعزّكُمُ الله، وتصدّقوا يرحمْكم الله، وابتعِدوا عن التكبّر والإعجاب. أوحى الله سبحانه وتعالى إلى النبي داود(ع): «لا تجالس المُتكبّرين ولا النمّامين، وإنّما الكبرياء لي، وأنا صاحب العزّة والعظمة والجبار الأعلى»، لا تحتقروا الفقير، ولا تسخروا من غيركم، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات 13).

هي التقوى، اتَّقوا الله حتى يُصلحَ لكم أعمالكم، ويغفرَ لكم ذنوبكم. إنّ الله يحبّ المتّقين، ويُنْجي الذين يتَّقون والجنّة خُلقت للمُتّقين، لا تَحاسَدوا ولا تباغَضوا وكونوا عند الله إخواناً. فالموحّد الخَلوق مع إخوانه وجيرانه وقومه رؤوف شفوق، لا يتأخّر عن واجباته في التّعزية والفرح، يُسَرّ لِسرورهم ويحزن لحزنهم ويمدّهم بالعَون المادي والمعنوي، ويتّقي ربّه في السرّ والعلانية فللفرائض قُدسِيّتُها. يُرحّب بالضّيف، فالضّيف عنده ضيف الله، يؤمن بالقدَر وبالعمر المحتوم. الصادق الديّان صاحب الخُلُق الرّفيع، لا يُهمل العلم الرّوحاني ساعةً واحدة لأنّها ثمرة الرّوح وبه حياتها، وهو نور البصيرة وبدونه تستولي الظّلمة على النّفوس. الموحّد الحقيقيّ هو الزّوج العطوف والأبُ الحنون، حريصٌ على الكرامة، ونَيْل الرّزق الحلال، يعمل لتأمين أُسرته ورفع العوز عنها. والموحّدة الحقيقيّة، صفاتها صفات الموحّد، فهي الحانية على أولادها، المُخلصة لعائلتها، المتعاونة مع زوجها، تُتقن وتتمّم واجباتها الدينيّة والدنيويّة وشعارها «الكدُّ أمام العائلة عبادة ثانية». هي مهذّبة كريمة، عفيفة النفس، لا تلهيها بَهرَجةُ الدنيا عن عبادتها والأمير السيّد عبد الله التنوخي(ق) قد أمر بفتح المدارس للفتيات قبل الفتيان. وهو يعلم علم اليقين، أنّهنّ الركن الركين والأُسّ المتين في عملية بناء الأوطان المبنية على التقوى والفضيلة وتنشئة الأولاد والتّربية والتعليم والآداب والأخلاق العالية. فتاتَكم؛ هذّبوا خُلُقَها، ورَقُّوا نُهاها، وارفعوا قدرَها ولا تهملوها، هي بنتٌ لكم وأُختٌ وزوجة وهي أمٌ يطيب فيها بنوها.

إذاً، نستنتج إنّ مسلكيّة الموحّد والموحّدة الخُلُقيّة هي مسلكيّة حضارية، هي احترام للحياة العائلية، لا تفكيراً بالخروج عن الآداب الزّوجية. بيئةُ الموحّدين بيئةٌ نظيفةٌ، فيها عِفَّةٌ وعزّةٌ للنفس وبذلٌ للمعروف وصبرٌ ولينٌ وكرامةٌ وجِدٌّ ورِفقٌ، وصدقٌ مع النّفس ومع الآخرين، والتزامٌ بحسن التّعامل، «عامِلِ الناسَ بالتي هي أحسن، وبمثل ما تحب أن يعاملوك به». ومَن هو المسؤول عن بناء الأسرة وتربية الأطفال؟؟ لا شك أنَّ المسؤولية تقع ليس فقط على أكتاف الأمِّ وحدَها، بل على عاتق الأب والأم، في التأديب والتعليم والمراقبة. الولدُ أمانة عند والديه فإنْ عُوِّدَ الخيرَ نشأ عليه، وإنْ عُوّد الشرَّ نشأ عليه (الامام الغزالي). على الأهل أن يُحْسنوا التربية منذ الصّغر، لتترسّخ فيهم عادات السلوك الشّريفة وإشراق نور العقل وصفاء القلب، وذلك بفضل التربية الخلقية واستشعار هيبة الله، (الله معي، الله ناظري الله شاهدي)، وكذلك يقول الأمير السيّد(ق) «بدء الكلام بذكر الله: بسم الله، الحمد لله»، وأيَّة رسالة أشرف وأنبل وأعظم من رسالة العبادة للّـه.

والعبادة شرفٌ للعابد، هي صلة العبد بربّه ليستقيمَ خُلقه، إنّها السعادة الحقيقيّة في الدّنيا والآخرة إذا اقترنت بالإيمان والدِّين، يعمل على مرضاة خالقه بحسن أخلاقه، فتنجلي فيه الحكمة السامية، فيستطيع العالم الترقّي في درجات الكمال، والتقرّب إليه ذي الجلال والإكرام. إنّها النّعم الوافرة في معرفة علوم الدين التي أمدّنا الله بها عزَّ وجلَّ، لكسب المال الحلال، توصُّلاً إلى تمام النعيم بتجنُّب الموبقات والمعاصي، التي هي أساس كلّ خطيئة «فجنّات النعيم دوماً وأبداً لمن عمل الصّالحات».

إنَّها الثقافة التوحيدية الخلقية التي يجب أن تُعمّم، والصّلة الروحيَّة التي يجب أن تُحتَرم، لتكوِّن الموحِّدَ ذا الخُلق الحَسن:

وإنَّمــــــا الأممُ الأخـــــلاقُ مـــــــا بقيت         فــــــإن همُ ذهبت أخـــــلاقُهم ذهبـــــوا

وإذا أصيب النــــــــاس في أخــــــلاقِهم          فـــــــــأقِمْ عليهم مأتمـــــــــاً وعويـــــــــلاً

والله العليّ القدير هو العَوْن والنّصير، فتقرّبوا إليه بالعِلم والعمل، إنّها البُشرى، إذْ يعلم ويعمل فتحصيلهما هو الكمال الحقيقيّ، وهما مطلبان يقرّبان إلى الرّضا الإلهيّ. فالجهل يُخفِضُ أمّة ويذلُّها والعلم يرفعها أجلّ مقام. العلم فرح وسعادة، ونور، والعلم هو مِن نِعَم الله تعالى، والله سبحانه وتعالى اختار آدم، لِسرِّه المكنون وعلمهِ المخزون، فاعلمي يا نفس أنّك لم تُخلَقي إلّا للعلم والعمل. اقتران العلم بالعمل هو من الثوابت الأساسية في مسلك التّوحيد، وهما متلازمان. ﴿أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ مُعَلِّمُكَ لِتَنْتَفِعَ، وَأُمَشِّيكَ فِي طَرِيق تَسْلُكُ فِيهِ﴾ (سفر إشعياء ١٧:٤٨)، فالسيد المسيح كان يعلّم تلاميذه كلّ يوم في الهيكل. جاء في القرآن الكريم: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه 114). فغاية العلم: التّوحيد، الذي هو علم الحقيقة، ويهذّب النفس إلى المعرفة، لتسيرَ في مسالك الارتقاء الرّوحي ولتصلَ إلى مفاهيم التوحيد التي هي العدل والحق والخير. العلم الحقيقي هو المنبثق من أمر الله، هو الغذاء الروحيّ للنفس والعقل وسلّماً للارتقاء من فيض الحكمة الربّانية لنصل إلى الغاية المُثلى التي حضّنا الله عليها. إنّ مسلك المُوَحِّد يوجب عليه العمل الصالح بما يقتضيه التوحيد من واجبات مسلكيّة والتزامات أخلاقيّة. قال تعالى: ﴿وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ (النحل 111)، هو البرهان الصّادق على حقيقة نواياه، وتصديق قلبه بالحقّ وإيمانه الرّاسخ بوجود الله.

تلك هي باختصار مسلكيّة الموحّد وأخلاقيته وأُهيب بكم إخواني وأخواتي، احترامها حيث كنتم، فالتوحيد غير محصور بمكان أو زمان أو لُغة. هو نزعةٌ في القلب وتوجُّهٌ في العقل، نحو الارتباط بالعقل الكُلِّي، فهنيئاً لمن يستطيع التألُّق في رحاب عليائه.

علينا أن نقرأ تراثنا، ونحاول بثّ هذه الحقائق بين أفراد مجتمعنا، خاصّة في هذه الأيام التي فُقدت فيها التربية الدّينية والأخلاقية وطغت المادة على الأخلاق والقيم الرفيعة، وأصبح شبابنا وشابّاتنا في ضياع، لأنّهم لا يفقهون شيئاً من علوم الدّين، وأصبح القابض على الدين في هذه الأيام كالقابض بيده على الجمر ذلك موضوع مُهِمّ ولا مجال للتوسّع في البحث فيه الآن. أمّا مسألة استمساك أمّة التوحيد بأخلاق الدّين كما أمر بها الله تعالى فهو أمرٌ شهد لهم فيه القاصي والداني، بأنّهم أعفُّ الخَلق بفضل خَشيتهم لله عزّ وجلَّ ومحبّته الممزوجة بدمائهم إنها خيرُ أمَّة خصّها الله بالمكرُمات.

وصيّة المرحوم سماحة الشَّيْخ محمّد أبو شقرا

بسم الله الرحمن الرحيم

إخواني وأبنائي..

 لم أشأ أن أغادر هذه الدّار الفانية لملاقاة وجه ربِّي دون أن أُبلغكم بعض هواجسي التي لم تَغِبْ عن تفكيري وتوجُّهاتي طوال حياتي وقد رأيت أن أُوجِزَ تلك الهواجس في هذه الرسالة التي وددت أن تحمل معنى (الوصيّة) لما أُعَلِّقه على استيعابها والأخذ بها من أهميّة قُصوى في الحاضر والمستقبل بالنّسبة لطائفتنا الموحّدة الكريمة عامّة ولكلّ فرد من أفرادها بصورة خاصّة.

وعليه فإنّي أناشدكم بحقِّ ما عُرِفْتم به من إباء وشَمم ووعي ومروءة:
أن يتذكّر كلّ فرد منكم دائما أصله وتراث الطائفة الموحّدة وتاريخها وأمجادها وأن يروي لأحفاده وأولاده ويزرع في أفكارهم ونفوسهم فضيلة التمسّك بالقواعد المسلكيّة والأخلاقيّة التي كانت وراء تلك الأمجاد الباهرة والتاريخ المُضِيء وأن تحافظوا على تماسُكِكُم ووحدة صفّكم في السرَّاء والضرَّاء على حدٍّ سَواء.
أن تعملوا دائما على بقاء قيادتكم واحدة مُوَحّدة في جميع الظروف لأنّ التجاربَ الكثيرة التي مرَّت بها الأُمم والشّعوب قد أكّدت أن لا منعةَ لأيّةِ أمَّةٍ ولا رفعةَ ولا تقدُّمَ ولا طمأنينةَ ولا استقرار ولا كرامة إذا ابتُلِيَت بالتّخاصم والتفرّق.

أُحَذّركم من الهِجرة المُتَمادية التي تحمل في طيّاتها بذور التّفتُّت والتفكُّك المولِّدَيْنِ للضّعف العام على المدى الطّويل مع ما ينشأ عن ذلك في كثير من الأحيان من فقدان لهويّة وطنكم التي وفّرت وتوفِّر لكم كلّ عوامل المَهابة والاحترام والاستقرار.

أحذّركم الزّواج من الأجانب لِما في ذلك من تنكُّر لمبادئ العقيدة التوحيديّة وخروج عن كلّ تقاليدها وعاداتها الشريفة فضلاً عمّا يتولّد عن ذلك من طمس لهذه العادات والتقاليد ووأد لكلّ ما يتّصل بها – مما نفخَر به من تاريخ وتراث لا

تقتصر نتائجه عليكم بل تتعدّاكم إلى أبنائكم الذين يصبحون في غُربة تامّة عن كلّ تلك القواعد الصّلبة التي ساعدت آباءكم وأجدادكم على النّهوض بأشَقّ المسؤوليّات ومواجهة أفدح الأخطار واحتلال المركز المرموق خلال تاريخهم الحافل بالمآثر والمروءات.

أحذّركم من السّقوط في حمأة المُخَدّرات وتعاطيها والمُسْكرات وممارسة ألعاب القمار والتّدخين ليس لأنّها مُحَرّمات فَحَسْب بل لأنّها تُفْقِدُ الصحَّةَ والمالَ والرّجولة والكرامة أيضاً في أحيان كثيرة.
أحثُّكم على الإقبال على تحصيل العلوم التطبيقيّة وعدم الاكتفاء بالعلوم النَّظرية كما أحثُّكم على إيلاء النشاطات التّجارية والصناعيّة والفنيّة المُحْترمة قِسطاَ وافراً من جهدكم وذلك لكيلا يسبقكم الزّمن فتظلوا على ثقةٍ وثيقةٍ بما هو مألوف في العصر الذي تعيشون فيه والمليء بالتحدّيات القائمة بين الأفراد والجماعات.

أحثّكم على الاهتمام بإقامة المؤسّسات على اختلاف وجوهها ومواضيعها ونشاطاتها من صحيّة واجتماعيّة وثقافيّة وإنسانيّة لأنَّ المؤسّسات السّليمة تُحَصّنُ وجودَكم وتحفظ كرامتكم وتؤكّد عزَّتّكم وتساعدكم على تلبية حاجاتِكم وتدفع بكم إلى الأمام في مجالات التقدُّم والتَّحرُّر والازدهار

 هذه هي رسالتي بل وصيّتي لكم أيها الإخوان والأبناء الموحّدون وأتمنَّى أن تتأمَّلوا مضامينها وتدقّقوا أبعادها وتعلموا أفراداً وجماعاتٍ لأنّي مؤمنٌ بأنَّ في الالتزام بها صَوْناً لوجودكم الكريم وتحصيناً لهذا الوجود في الوطن وخارج حدود الوطن على مدى الأيّام والدُّهور والله المُستعان على ما فيه خيركم وعزّتكم وسعادتكم. ■

The will of Sheikh Mohammed Abou Chakra

In the name of of Allah the Merciful

My brothers and my sons…

I did not want to leave this finite world to meet the face of my Lord without advising you with some of my concerns that have never lost sight of my thoughts and intentions throughout my whole life, and I summarize those concerns in this letter, which I preferred to hold the interpretation of (a commandment) for its significance and value to be taken of utmost importance, for present and future generations to our gracious monotheistic faith in general, and to each of its members in particular.

Therefore, I appeal to you for the truth of what you have known from self-praise, elevation, awareness, and loyalty:

Each of you should always remember the origin and heritage of our gracious monotheistic faith, its history and its glory, to tell your grandchildren and children, and to cultivate in their thoughts and souls the virtue of adhering to the ethical and moral rules that were behind those glories and bright history, and to preserve your cohesion and unity in both good and bad.

  1. To always thrive for keeping your leadership unified in all circumstances because the many trials nations and people went through have always confirmed that there is no immunity for any nation, no elevation, no progress, no tranquility, no stability, and no dignity if it is plagued with conflict and division.
  2. I warn you against the prolonged migration that carries the seeds of disintegration and decay that give rise to long-term common weakness, with the consequent loss of your country’s identity, one that has always provided you with all the components of prestige, respect and stability.
  3. I warn you from marrying foreigners due to what it leads to in denial of the principles of our gracious monotheistic faith and in departure from all of its traditions and honorable heritage, and what results in blurring of these customs and practices and in prevention for everything related to it – what we take pride in from history to heritage are not only limited to you, but also to your children who may become in complete alienation from all the solid rules that have helped our ancestors take on the most demanding responsibilities, and helped them confront the greatest dangers, and also helped them occupy the most prestigious positions throughout a history rich with exploits and promotions.
  4. I warn you from falling into the sludge of drugs, abuse, alcoholism, gambling and smoking, not only because they are considered taboo, but also because they lead you to lose your health, money, masculinity and even dignity.
  5. I urge you to seek the achievement of education of applied sciences and not only theoretical sciences. I also urge you to enduldge in respectful commercial, industrial and artistic activities, such that you would not be overwhelmed by progress and to stay current with the era which you live in, where competition at the individual and group level will spread.
  6. I urge you to involve yourselves in the establishment of different types of activities of health, social, cultural and humanitarian natures, because such healthy establishments protect your presence and preserve your dignity and empowers you and helps to meet your needs, and pushes you forward in the areas of progress, liberation, and prosperity.

This is my message, but also my will to you brothers and children of our gracious monotheistic faith. I hope that you reflect on its content and examine its dimensions and educate individuals and groups about it. I believe that in committing to it, you will preserve your presence and protect it both internally in your homelands and externally outside the borders of homelands, over ages and ages to come. God be your companion and guardian to your virtue, dignity, and contentment.

الوحدة الإسلامية ومخاطر التصنيف والإقصاء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربِّ العالَمِين، والصَّلاةُ والسَّلام على سيِّدِ الـمُرسَلين وخاتمَ النبيِّين،
وعلى آله وصحبه أجمعين، إلى يوم الدِّين.

 قال اللهُ تعالى في مُحكَم كتابِه العزيز ﴿وَرَضِيتُ لكُمُ الإسلامَ دِينا﴾ (سورة المائدة – 3)، ذلك بعد استكمالِ الدِّين، ﴿الدِّينُ القيِّم﴾ أي دِين الله المستقيم الَّذي به يهتدي المرءُ إلى الاستقامة دون إشراك، وبعد إتمامِ النِّعمةِ وهي في جوْهرها إخراج الخَلْق من ظلُمات الجاهليَّةِ إلى نُور الإيمان بالله الأحد الصّمد الرَّحيمِ الحكيم العدْل الحقّ.

 وإذا ما عُدنا إلى «رأس النّبع» – كما يقولُ أهلُ الجبال – أي إلى مكنونِ الفطرةِ التي فَطَر اللهُ النَّاسَ عليْها وحقيقتُها «محبَّةُ الحقّ وإيثارُ الحقّ»، نراها متجلّيةً في الهمسات الأولى والخَلَجاتِ البِكْر التي قالها واستشعرها رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم مُذ طرقَت سمعَهُ في غار حِرَاءٍ كلمةُ الوحْي الـمُنير: ﴿اقْـرَأ﴾. وهيَ الكلماتُ البسيطةُ (مِدادُ الآيات البيِّنات) التي استبطنَتْ محمولات «الأمانةِ» التي عُرضَت ﴿علَى السماواتِ والأرضِ والجِبال فَأَبيْن أن يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ منْها وَحَمَلَهَا الإنْسانُ﴾ (سورة الأحزاب – 72). كلماتٌ قيلَت وانتشَرت تحت سَطْوةِ الاضطهاد والتنكيل في السنوات المكِّيَّةِ الأولى قبل
الهجرة، ممَّا دعا الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، بعد أن رأى ما يُصيبُ أصحابَه من البلاء، أن يدعوَهُم للخروجِ إلى الحبشة (مملكة أكسوم) «وهْي أرضُ صِدْق» كما وصفها صلَّى الله عليه وفق معيار العدْل الذي اتَّصفَ بهِ حاكمُها إذ كان «لا يُظلَمُ أحدٌ عنده»، وهذا تمييزٌ قائمٌ على أساس الأخْذ في عيْنِ الاعتبار بالقِيَم في «الـمُشترَك الإنسانِـيّ العام».

 ويُمكِنُ استخلاص فَحاوى الأحاديثِ التي كانَ يتمُّ تداولُها في تلك السَّنوات، خصوصاً في الدارِ المخزوميَّةِ دارِ الأرقم، من الإجابةِ التي فاهَ بها المهاجِرون إلى النِجاشيّ في سؤالِه لهُم عن ماهيَّةِ «هذا الدِّين» الَّذي قد فارقوا فيهِ قوْمَهُم. وهي إجابةٌ (كنَّا قوماً أهلَ جاهليَّةٍ… حتَّى بعثَ اللهُ إلينا رسولًا منّا… فدعانا إلى الله لنوحِّدَه…) تحمل هيولى المعنى في الدِّين الحنيف في لحظةٍ صافيةٍ نقيَّة من إسلامٍ خالصٍ لوجهِ الله. أحاديثٌ استولَتْ بنورها على قلوبٍ سارعتْ إلى الإيمان كظمآنٍ إلى عذْبِ المياه. ومن الجميلِ أن يتأمَّلَ المرءُ أبرزَ الأسماءِ الأربعين ممَّن اهتدوا آنذاك، وفيهم من كان معاندًا فانصدعَ قلبُه بأحقِّيَّة المعنى، ليُدركَ أنَّ منهُم (في التاريخ الاسلامي بعد ذلك) كوكبة من خلفاء راشدين وقادةِ جيوش ووُلاةِ أمْصار وكبارِ صحابةٍ ومقرئين وفقهاء علماء. كان المعنى يصْهَرُ الأفئدةَ في مَصهَرٍ واحد ما مكَّنَ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم من أن يكتبَ في صحيفة المدينةِ عن المؤمنِينَ بعد الهجرة «إنَّهُم أُمَّةٌ واحدةٌ مِن دونِ النَّاس». أمَّةٌ غيرُ مستأثرةٍ بحقوق أُممٍ أُخرى، قال تعالى ﴿وَمَا كانَ النَّاسُ إلَّا أمَّةً واحدةً فاخْتلفُوا﴾ (سورة يونس – 19)، لذلك، كتبَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في الصَّحيفة عينِها « وأنَّ بني عوْف أمَّةٌ مع المؤمنين لليهُودِ دينُهُم وللمسلمينَ دينُهُم» وجعل لقبائل اليهودِ في يثرب مثل ما لبني عوْف «إلَّا من ظلَم أو أثِمَ فإنَّهُ لا يُوتِغُ إلَّا نفسَه وأهْلَ بـيــتِه.». وكما يُـبـيِّنُ أحدُ كبارِ الـمُفكِّرين في الدّراسات الإسلاميَّة تعليقاً على «عهْدِ المدينة»، فقد باتَ «للأُمَّةِ دارٌ أو أنَّها تقومُ على مساحةٍ منَ الأرضِ لها عليْها السِّيادة، وبين الموْجودينَ عليْها تعاقُدٌ أو ولاءٌ أو موالاة. وهو ما جرى التَّعبير عنهُ في الأزمنة الحديثةِ تحت اسم: «المواطَنَة». وهذا ما أكَّدهُ «إعلانُ الأزهر» الصَّادر عن مؤتمر «الحرّيَّة والمواطَنة… التنوُّع والتكامُل» حيث ورد فيه في (أوَّلًا) ما يلي: «إنَّ مصطلحَ “المواطَنة” هو مُصطلَحٌ أصِيل في الإسلام، وقد شعَّتْ أنوارُهُ الأولى من دستُور المدينة وما تلاهُ من كتُبٍ وعهُود لنبيِّ الله (ص) يُحدِّدُ فيها علاقةَ الـمُسلِمين بغير الـمُسلِمين…»

 انْشقَّ فجرُ رحمةِ الإسلامِ عن ظلامِ الجاهليَّةِ والوثنيَّةِ والعصبيَّةِ في سنواتٍ لا تُقاسُ في مقاييس تحوُّل الأمَم بنصر الله العليّ القدير. وفي العقود المتتالية سطعت شمسُ الرّسالةِ من الأندلس إلى ما بعد سور الصّين حيث قدَّم المسلمون للعالم حضارةً فريدةً عظيمة تآلفتْ بالعقلِ الموحِّدِ مع كلِّ الحضارات، وحفِظت للأجيال إراثَ حضاراتٍ شتَّى بعيداً عن عقليَّة الأخذ بتعسُّفِ التَّصنيفِ والإقصاء.

 واليوم، حين يُواجهُ الإسلامُ مكائدَ الوصْمِ بالتطرُّفِ والإرهابِ، وتوليدِ الرُّهابِ منه بين الأمَم، نرى قادةً ومؤسّساتٍ عريقة وعُلماء حُكماء يتصدَّون بالحُجَّةِ والمعرفةِ والبيانِ الحقّ لكلِّ شنائعِ الدّسائس وباطِلِها، بل وينيرونَ حضورَهُم في العالَمِ بأزكى المقاربات الحضاريّة. ومن مكَّة المكرَّمة (رابطة العالم الاسلامي مثالا)، إلى القاهرة (الأزهر الشريف)، إلى فيينا (مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز للحوار بين أتباع الأديان والثقافات) تتراكمُ المواقف النيِّرة، والتوثيق المؤصَّل، والطَّرح المنهجيِّ السَّديد. ولا غَرْو في ذلك، فإنَّ النَّهَلَ من مَعِينِ الرِّسالةِ العذْب الصَّريح من شأنِه أن يرفدَ العقولَ والأفئدةَ المؤمنة بأشْرف ما ذخرتْهُ الإنسانيَّةُ في وجدانها وضميرها الحيّ. إنَّ في مكنُونات الدِّين الحنيف وتراثِه الأثيل ما فيهِ منَ البيِّناتِ والهُدى ما يُحصِّن النُّفُوسَ ويُلهم الخواطرَ والأحلام بكلِّ خيْر، ليس فقط فيما هو صورةُ الحقيقةِ عن الإسلامِ العظيم، بل وأيضاً ما فيه نوافذ الخلاص في عالَمٍ مُهدَّدٍ بأشنع الأخطار وفق مفوَّضة السياسة الخارجيَّة بالاتحاد الأوروبي التي لم تُخْفِ قلقَها من «سيطَرة قانونِ الغاب على العالَم». ﴿إنَّ فِي ذلكَ لَعِبْـــرَةً لِأُولِي الأبْصَار﴾ (سورة آل عمران – 13).

والسَّلامُ عليْكُم ورحمة الله وبركاته.

Islamic Unity and the Risks of Classification and Exclusion

In the name of Allah, the Compassionate, the Merciful.

All praise is due to Allah, Lord of the Worlds, and Allah’s Peace and Blessings be upon His Final Messenger, his pure family, his noble Companions, and all those who follow them with righteousness until the Day of Judgment.

Allah the Almighty says in His holy Book, ﴾I have approved Islam for you as religion﴿(Surat Al-Maidah-3),that is after perfecting the religion﴾ the right religion﴿, the true religion of Allah by which one is guided to integrity with no polytheism, and after the completion of grace, which in its essence is the removal of people from the darkness of ignorance to the light of faith by Allah, the One, the Eternal Refuge, the Merciful, the Wise, the Right, the Just.

If we return to the “source of the spring” – as the people of the mountains say- that is to the well-guarded instinct that Allah has created people upon and its truth which is “the love of Just and favor of Just”, that we see manifested in the first whispers and early heartbeats that the Messenger of Allah (Peace be upon him) has said and felt since he heard the word of enlightening revelation in the cave of Hira: ﴾Read﴿. These are the simple words (the distinct verses) that revealed the “trust” that was presented ﴾ to the Heavens and the Earth and the Mountains; but they refused to undertake it, being afraid thereof: but man undertook it﴿ (Surat Al-Ahzab-72). Words that has been said and spread under the severity of oppression and hazing in the first Meccan years before migration, which led the Prophet (Peace be upon him), after watching what afflicted his companions, to call them to flee to Abyssinia (Kingdom of Axum) “a land of truth” as described by the Prophet (Peace be upon him) in accordance with the standard of justice that characterized its king who “shall not tolerate injustice”,, and this distinction  is based on the consideration of values in the “ General Humanitarian Commonality”.

We can draw the essence of the narrations that were being circulated in those years, especially in Dar Al-Makhzoumiyah Dar Al-Arqam, from the answer given by the migrants to Al-Najashi upon questioning them about the core of “this religion” with which they left their people. The answer (We were people of the Age of Ignorance… until Allah sent us His messenger…that called us to believe in the oneness of Allah…) carries the meaning of the true religion in a pure moment of the wholehearted Islam for Allah’s sake. The Ahadeeth that captured by their light the hearts that hastened to faith just as a thirst to water. It is beautiful to ponder the most prominent forty names who were guided at that time, some of which were recalcitrant whose hearts were broken by the rightfulness of the meaning, to realize that some (in the Islamic history afterwards) were a group of Rightly Guided Caliphs, army leaders, governors of lands, senior companions, reciters, and scholars. The meaning melted all hearts in the same smelter, which enabled the Messenger of Allah (Peace be upon him) to write in the Charter of Medina about the believers after the migration that they are “one united nation”. A nation that doesn’t take over other nations’ rights, Allah says, ﴾ And mankind was not but one community, but then they differed﴿ (Surat Yunus-19), thus the Messenger of Allah (Peace be upon him) wrote in the same Charter “Banu Awf are a nation with the believers; the Jews have their religion and the Muslims have theirs” and he made what is for the tribes of Jews in Yathrib as in with what is for Banu Awf “except who has sinned or oppressed, then he has destroyed but himself and his family”.

As one of the leading scholars of Islamic studies shows, commenting on the “Covenant of Medina”, “the nation now has a house or it is based on a territory on which it has sovereignty, and between those present on it a contract, loyalty, or allegiance. This was expressed in the modern times under the name of “citizenship”. This has also been confirmed by the “Declaration of Al-Azhar” on the “Freedom and Citizenship … Diversity and Integration” Conference, where it states in (First) the following: “the concept of ‘Citizenship’ has its origin in Islam as it was perfectly applied in the constitutional document of Madina and the subsequent covenants and treaties in which Prophet Muhammad, peace and blessings be upon him, defined the relationships between Muslim and non-Muslims…”

The dawn of the mercy of Islam broke away from the darkness of ignorance, paganism, and fanaticism in years that are not measured in the standards of the transformation of the nations by the Almighty Allah’s victory. In the successive decades, the light of the mission shone from Andalusia to beyond the Wall of China, where Muslims presented to the world a unique civilization that was harmonized with the unified reason with all civilizations. It preserved heritages of several civilizations for the coming generations away from the mentality of arbitrariness of classification and exclusion.

Today, when Islam confronts the schemes of stigmatization of extremism and terrorism in addition to the creation of fear among nations, we see leaders, long-standing institutions, and wise scholars who confront by pretexts, knowledge, and the true statement all falsehoods and horrible conspiracies, along with illuminating their presence in the world with the most civilized approaches. From Mecca Al-Mukarramah (Muslim World League) to Cairo (Al-Azhar Al-Sharif) to Vienna (King Abdullah bin Abdulaziz International Centre for Interreligious and Intercultural Dialogue) accumulate bright stances, authenticated documentation, and the systematic methodological presentation.

And no wonder in this, delving through this treasured wisdom will fill the minds and souls with the noblest of what humanity has given in its beating heart and conscious mind. What lies in this true religion and deep-rooted culture including the clear signs and guidance strengthens souls and inspires thoughts and dreams with all goodness; not only with a sincere image of the great Islam, but also with its abundant salvation in a world threatened with the most atrocious dangers as per the High Representative of the European Union for Foreign Affairs and Security Policy that is concerned about “the control of the jungle law over the world”. ﴾In these things is indeed a lesson for those who have insight﴿ (Surat Al-Omran-13)

Peace, mercy and blessings of God be upon you.

وصيّة سلطان باشا الأطرش

 تتميّزُ وَصِيّةُ سلطان باشا الأطرش عمّا عداها من الوصايا التي يأذن بكتابتها الأشخاص المُتَوَفَّوْن. فهي لا تتعلّق بتوزيع ميراث بين الأبناء وذوي المتوفّى بل هي وصيّة رجل عظيم لأمّته التي يخاف عليها عوادي الزّمن، والنّص يفصح عن ذاته، أمّا سيرة سلطان باشا فهي سيرة وطنيّة نضاليّة عروبيّة ضد الاستعمار، وضدّ التّجزئة وتشتيت الأمّة وتمزيق الأوطان، فقد رفض تجزئة سوريّة، تلك السياسة التقسيميّة التي عمل عليها الفرنسيّون منذ احتلالهم البلاد عام 1920 إذ رفض مقولةَ الدُّولِ الطائفيّة ومنها الدَّولة الدرزيّة.
 كان سلطان عميقاً وأصيلا في وعيه الوطني والعروبي. سأله مرّة أحد الصحفيين: ما رأيك بالقضية الفلسطينية يا باشا؟، فانتفض في جلسته، وأخذ شارباه يتراقصان غضباً، وقال لمحدّثه: لا تقل القضية الفلسطينية يا بُنَيّ، بل قل الحقّ الفلسطيني، لأنّكم بتسميتها قضيّة تُضَيّعون وَجْهَ الحقِّ الثّابت لأهل فلسطين…

 يقول الدكتور حسن أمين البعيني مؤرّخ سيرة «سلطان باشا والثورة السوريّة الكبرى»، أنّ سلطان باشا تطرّق في وصيّته إلى الإرث المعنوي والسياسي الضخم الذي كان يملكه، وأهمّه قيادته الثورة السوريّة الكبرى الذي أوْلَتْهُ الأُمَّةُ إيّاها فأدّى الأمانة، فَوَصِيَّتُه هي توجيهاتٌ مُخلصة وواجباتٌ تُؤَدَّى فهو يطلب من أبناء العروبة كافّةً المحافظةَ على أمانة الاستقلال والجهاد مع النّفس وضدّ العدوّ والصّبر على الشدائد والإيمان بالحقوق، وتحقيق الوحدة العربيّة واستعادة فلسطين وسائر الأراضي المُغْتَصَبة. هي وصيّةُ خُطوط سياسيّة مبدئيّة ونضاليّة تمشّى عليها في حياته وأرادها نَهجاً لأبنائِه وإخوانه بعد مماته بهدف تحقيق العدل والنّهوض بالبلاد والانتصار على الأعداء، قُرِئَتْ يومَ مأتمهِ الحاشد الذي جمع مئات الآلاف من المشيّعين وهذا نَصُّها:

بسم الله الرحمن الرحيم

إخواني وأبنائي العرب:

 عَزَمْتُ وأنا في أيّامي الأخيرة أنتظرُ الموتَ الحقّ أن أُخاطبَكم مُوَدّعا وَمُوصِياً. لقد أولَتني هذه الأمّة قيادة الثّورة السوريّة الكُبرى ضدّ الاحتلال الفرنسيّ الغادر. فقمتُ بأمانةِ القيادة، وطلبتُ الشهادةَ، وأديتُ الأمانة. انطلقت الثّورة من الجبل الأشم ،جبل العرب، لتشملَ وتعمَّ، وكان شعارها “الدّينُ لله والوطنُ للجميع”. وأعتقد أنّها حقّقت لكم عزّة وفخراً، وللاستعمار ذلّاً وانكساراً.

وصيّتي لكم إخوتي وأبنائي العرب هي أنّ أمامكم طريقاً طويلة،ومشقّة شديدة تحتاج إلى جُهدٍ وجهاد. جهاد مع النّفس وجهاد مع العدو. فاصبروا صبرَ الأحرار. ولتكن وحدتكم الوطنيّة، وقوة إيمانكم، وتراصّ صفوفكم، هي سبيلكم لردّ كيد الأعداء، وطرد الغاصبين وتحرير الأرض. واعلموا أنّ الحفاظ على الاستقلال أمانة في أعناقكم بعد أن مات من أجله العديد من الشهداء، وسالت للوصول إليه الكثير من الدّماء، واعلموا أنّ وحدة العرب هي المنعة والقوة، وأنّها حُلُم الأجيال وطريق الخلاص. واعلموا بأنّ ما أُخذَ بالسّيف بالسّيف يؤخذ، وأنّ الإيمانَ أقوى من كلّ سلاح، وأنّ كأس الحنظل بالعز أشهى من ماء الحياة مع الذلّ، وأنّ الإيمان يُشْحَن بالصبر ويُحْصَدُ بالعدل ويُعَزَّز باليقين ويُقَوّى بالجهاد..

 عودوا إلى تاريخكم الحافل بالبطولات الزاخر بالأمجاد، لأنّي لم أرَ أقوى تأثيراً في النفوس من قراءة التاريخ لتنبيه الشعور وإيقاظ الهمم، ولاستنهاض الشعوب لتظفَرَ بِحُرِّيَّتها وتحقيق وحدتها وترفع أعلام النّصر. واعلموا أنّ التقوى لله والحُبّ للأرض، وأنّ الحقّ منتصر، وأنّ الشّرف بالحفاظ على الخلق، وأنّ الاعتزاز بالحُرِّيَّة، والفخرَ بالكرامة، وأنّ النّهوض بالعِلم والعمل، وأنّ الأمن بالعدل، وأنّ التّعاون قوّة.

 الحمد لله، ثم الحمد لله. لقد أعطاني عُمْراً فقضيتُه جِهاداً، وأَمضيتُه زُهداً. ثبّتني وهداني، وأعادني لإخواني. أسألُه المغفرةَ وبه المستعان، وهو حسبي ونِعْمَ الوكيل. أمّا ما خلّفتُه من رزق ومال، فهو زهد فلّاح متواضع تحكمه قواعد الشريعة السمحاء.

سلطان الأطرش

Sultan Basha Al Atrash Will

In the name of God the Merciful

My Arab brothers and sons:

In my last days, I have decided while waiting for righteous death, to address you as a retiree and a preacher. This nation has guided me to lead the great Syrian revolution against the precarious French occupation. So I undertook the honorable quest of leadership, I asked for martyrdom, I fulfilled the entrustment.

The revolution was launched from the great mountain, Jabal Al Arab, to spread and expand, and its motto was “religion is for God and the homeland is for all”. I believe it has brought for you honor and pride, and for Colonialism humiliation and shame.

My wish to you my Arab brothers and sons is that the long way awaiting you ahead demands great hardship that needs effort and struggle; a struggle with one’s self and a struggle with the enemy. So be patient like the free. Let your national unity, the strength of your faith, and the stability of your ranks, be your way to cease your enemies, to expel invaders and to liberate the land.

Be informed that the preservation of independence is your honorable quest after too many martyrs have died, and too much blood have been spilled for its purpose, and know that the unity of the Arabs is their power and strength, it’s the dream of generations and the path for salvation. And know that what was taken with the sword, by the sword can it only be taken back, and faith is stronger than any weapon, and that the cup of melancholy with honor tastes way better than the most delicious water of life with humiliation. And know that faith is grown with patience, harvested with justice, nourished with certainty and strengthened with struggle.

Go back to your rich history of heroism and achievements, because I have not seen a stronger influence in people than the influence of reading their own history to motivate their feelings and awaken their inspiration, and to mobilize people to earn their freedom and unity and raise the flags of victory.

Be informed that piety is for God and love is for the earth, and that virtue prevails, and that honor comes with virtue and pride comes with freedom, that pride is in dignity, and advancement is provoked by knowledge and hard work, and that security comes with justice, and cooperation is strength.

Praise be to God. He gave me a lifetime which was ruled by struggle and humbleness. He strengthened me and guided me, and sent me back to my brothers. I seek God’s forgiveness and to Him I return, He is my suffice and the best deputy. As for money and belongings I leave behind, it is of a humble peasant governed by the rules set by God.

Sultan Al Atrash

حُسن الخلُق

  • حسنُ الخُلُقِ في آية
شهد الله عزّ وجل للرّسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم بأنه على أكملِ الأخلاقِ وأتمّها وأرفعها وأفضلها، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم 4)، وهذا الخُلق الحسن العظيم، جسّد ما أمره به سبحانه
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف 199)
وليس في القرآن الكريم آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية، وقد تضمّنت قواعد الشّريعة في المأمورات والمَنهيّات، وجمعت أصول الفضائل الثلاث:
(أ) ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: (صلة القاطعين والعفو عن المذنبين والرّفق بالمؤمنين وغير ذلك من أخلاق المطيعين) وقيل: هو الأخذ باليُسر والسماحة، ودفع الحَرَج والمشقّة عن الناس، بالأقوال والأفعال.
(ب) ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغَضّ الأبصار، والاستعداد لدار القرار، وقيل: هو المعروف والجميل من الأفعال.
(ج) ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الحضّ على التخلّق بالحُلُم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزّه عن منازعة السّفهاء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة، والأفعال الرّشيدة، وقيل: عدم مقابلة السفهاء والجهّال بمثل فعلهم وعدم مماراتهم والحلم عنهم، والصبر على سوء أخلاقهم، والغضّ على ما يسوؤك منهم، ومقابلتهم بالعفو والصّفح.
  • المنبعُ الصَّافي للخُلق الحسَن
الأَخلاقُ في المَفهوم الدِّيني، ليست فقط مجموعة اصطلاحاتٍ ولِياقات، يَتَّفِقُ عليها النّاسُ في عصرٍ من العُصورِ بُغيةَ تنظيمِ حياتِهم الاجتماعيّة، وتيسيرِ أعمالِهم الدُّنيوِيّة، بل هي في الحقيقةِ ثمرةٌ فِعليّةٌ للعقيدةِ الدِّينيّة، فالعقيدةَ هي منبَعُها الصّافي الأصيل، وهي مِنه كالسَّواقِي المُتدفِّقة، والموحّدُ يَلتزِمُ الأخلاقَ الفاضلةَ مَسْلَكاً لأنّها مُرادُ الله تعالى، ولأنّها تعبِّرُ عن مَكنونِ صحّةِ العقيدة، وهومُلزَمٌ أن يُظهِرَها مَناقِبَ وخِلالاً، لِيكون القُدوةَ الحَسنة، ويُساهِمَ في بناءِ مُجتمع، قِوامُه الفضائلُ والآدابُ ومكارمُ الأخلاق.
ومن المُسْتَبعد جدّاً أن يكون الإنسان ذا خلق كريم مع النَّاس، محبّاً للحقّ، معطاء متواضعاً، صبوراً عليهم، رحيماً بهم، ودوداً لهم، متسامح النفس معهم، ثم لا يكون ذا خلق كريم مع ربّه، فلا يؤمن بحق ربوبيّته، وألوهيّته، ويذعن له بذلك ولا يؤدي واجب العبادة له، كما أنّه ليس من المعقول أن يكون ذا خلق كريم مع الناس، وهو يأكل حقوقهم ويعتدي عليهم.
ثمّ إنّ الإنسان مهما تخلّق بالأخلاق التوحيديّة فإنها ستبقى صورة بلا روح، إذا لم يَرِد بها وجه الله ورضاه، فليس الغرض من الأخلاق وجود صورتها الخارجية، التي لا تعدو أن تكون طلاء يسقط لأي حَكّة، وإنّما تهدف الأخلاق إلى أن تملك على الموحد قلبه، فيدفعه إليها إيمانه، ويزيده الالتزام بها إيماناً، فمصدرها قلبي، وأصلها صلاح الباطن، وما لم تكن الأخلاق خالصة فإنها ستظهر نفاقاً، ثم تزول ويظهر ما وراءها من سوء الخلق.
وإِنَّ دِيناً لا يُثمرُ الأخلاقَ لَجَدِيرٌ بأن يُترَك، وإِنَّ امْرَأً لا تُستفادُ المناقبُ مِنه قولاً وفِعلاً لَأَولَى أن يُهجَر، وكلُّ شجرةٍ لا تثمرُ ثِماراً زكيّةً تُقطَعُ وفي النّارِ تُلقَى.
  • تؤتي أُكُلَها كُلَّ حين
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ 24 تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (إبراهيم)
إذا كانت الكلمة الطيبة – التي تنبعث عن خُلق حَسن – تؤتي ثمارَها، فلا بدّ أن يكون هذا الأصل الذي صدرت عنه، ذا ثمار دانية، وكيف لا تكون كذلك وقد جُبل عليها أولياء الله، قال الرّسول صلى الله عليه وسلم: “ما جُبل وليّ لله إلّا على السّخاء وحسن الخلق”.
وقال الإمام عليّ بن أبي طالب (ع): “حسنُ الخُلُقٍ رأسُ كلِّ برّ”
وقال الأمير السيّد عبد الله التّنوخي قُدِّس سرّه: “إنّ في سعة الأخلاق كُنُوْز الأرْزَاقِ، وفي تصفية الأخلاق استشعار الخلاق”.
وكذلك ورد في شرح الخصال لسيّدنا الشيخ الفاضل عن حُسْن الأخلاق بأنّه “الخصلة المرضيَة والسجيّة المُنَجِّية، التي بها تُنَال خيرات الدنيا والآخرة، وبها تكون السعادة في الدارين إذا اقْتَرَنَتْ بالإيمان والدّين.”
من هنا يَسْتَشِفّ الإنسان معنى خَصلة تحدو بمالكها إلى السعادة في الدار الآخرة رضى عند الله، وفي الدار الدنيا محبّة وقبولاً عند الناس.
وما جمع من فضل حُسن الخلق يضيق المجال عن ذكره، ومن ثمرات هذه الخصلة:
البركة في الدّيار والأعمار: “صلة الرّحم، وحسن الخُلُق، وحسن الجِوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار”
المكارم تُثقِل الميزان يوم القيامة: عن أبي ذَرٍّ قال عليه السلام: “يا أبا ذر ألا أدلّك على خصلتين هما أخف على الظَّهر وأثقل في الميزان من غيرهما؟ قال: بلى يا رسول الله قال: عليك بحسن الخُلُق وطول الصمت” قيل “ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخُلُق”
سببٌ لتألُّف القلوب: “الأرواح جنود مُجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف”
كمال الإيمان: قيل “أكمل المؤمنين إيماناً أحسنُهم خُلُقاً”.
محبوب لله: أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلُقاً.
يكون في درجة الصُّوَّام القّوَّام: “إن الرّجل ليُدرك بحسن خُلُقه درجات قائم الليل صائم النهار”.
  • الأخلاقُ قُوْتُ الأمم
يُمكننا القول باستحالة قيام مجتمعٍ دون قيمٍ أخلاقيّة؛ فالأخلاق هي ما يُحدّد معايير السلوك الإيجابي الخيّر، ويُرسّخ مفهوم الواجب لدى الأفراد، كما أنها تكبحُ أفعال الإنسان الشرّيرة فتقاومها وتهذّبها، وبعبارةٍ أخرى هي ما يُملي على الإنسان ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله.
وصدق أمير الشّعراء عندما قال: وإنّما الأممُ الأخلاقُ ما بَقِيَتْ فإن همُ ذهبت أخلاقُهم ذهبوا. وإنّ المتعطش إلى السّعادة عليه أن يسترشد بقول أرسطوالذي يرى أنّ الأخلاق مُرتبطة بسعادة الإنسان التي هي غاية وجوده، فيعرّفها على أنها الأفعال الناتجة عن العقل، من أجل الخير الأسمى؛ السّعادة.
  • صبغة المشايخ الأجلّاء
إنّ لمشايخنا الأجلاء رصيداً وافراً من الخِصال الحميدة، التي حثت الكتّاب على أن ينشروا ما كان مطويّاً من فضلهم، وقد كان حسن الخلق صبغةً ظهرت آثارها في سَلكهم القويم، وتأدّبهم مع الله عزّ وجل، و مع النّاس.
ومن هؤلاء سيّدنا الشيخ الفاضل محمّد أبو هلال الذي كان ممّن وصفهم الكتاب العزيز: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران 134)
وقد كان عندما يحدث ما يثير غضبه – وما كان ليغضب إلّا لِما يخالف شرع الله – تظهر علامات الغضب عليه فيتمثّل قول الرّسول صلى الله عليه وسلم: “إذا غضبت فأمسك” وقول الصّحابي الجليل سلمان الفارسيّ عليه السّلام: “فإذا غضبت فأمسك لسانك ويدك” فيلوذ الشيخ بالصمت، ثمّ يتململ ويدخل يديه في طرفي كمّيه، ويسكن قليلا، حتى يسري عنه الغضب ويلين خاطره، ثمّ يتحدّث عن سبب غضبه بكلام موزون وبتمييز صحيح، فيصوّب الخطأ ويعالج الخلل، بحكمة ورويّة.
والحديث في سِيَر الأجلّاء وآدابهم يطول، فها هو سيّدنا الشيخ أبو حسين محمود فرج خير مقتدى لمن أراد أن يقتفي أثر ذوي الأخلاق الحميدة، والمسالك الحسنة الرشيدة، ويروى أنه – رضي الله عنه – سأل أحدهم “بتحب الحق أو الأفضل منه ؟” فتعجّب السامع، وما أفضل من الحق؟! فيشير سيّدنا الشيخ من له حق ويعفو عنه.
وكان يُسمع في أكثر من مناسبة يقول: “من لا يغاضي لا يراضي، وإنّ الرّضى من طبع العقل”.

ورُوِيَ أن شخصينِ اختلفا على أمر ما، وبعد مدّة قصد أحدهما سيّدَنا الشيخ ليوضح حقيقة ما حصل مع خصمه، فطلب سيّدنا الشيخ من هذا الأخ أن يقرأ بعض وصايا لقمان الحكيم سلام الله عليه، فما إن وصل في قراءته إلى القول: “يابني من عاملك بالقبيح فعامله بالمليح” حتى استقام سيّدنا الشيخ بعد أن كان متّكئا، وطلب منه إعادة القراءة، فأعادها، فقال رحمه الله “يا خيي ما قال من عاملك بالقبيح فاصبر عليه واكتفى، بل قال عامله بالمليح”.

وما صدر عن شيخنا الجليل مُجَسّدٌ لمكارم الأخلاق، دالٌّ على الشِّيمِ العربيّة في العفو والصّفح، مُوافق لتعاليم السّيد المسيح عليه السلام، حيث قال: سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ، وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ،لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ، لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟

في الحقيقة إنّ النّاظر في قِصص هؤلاء المشايخ يجد البَون الكبير بين ماكانوا عليه، وما نحياه نحن في واقعنا اليوم، على الرّغم من أنّنا بحاجة للتمسّك بالفضائل في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى، لأنّها تقوّي هذا الجسد الذي “إذا اشتكى منه عضو تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى”.

خصال المرأة الموّحدة

شرف لي الغوص، في هذا البحر المتألق من صفاتهن، بموضوعية أتكلم، هي وقفة فخر أقفها مع اللواتي كرّمهن الله، بالعزة والسؤدد واعطاهن نفحة من روحه، وقد حملنَ جذور الأصالة الدينية، حملة رسالة، هي ثمرة أجيال تتكرر، متجذرة في معراج الترقي وتوهج الحق… وقد تنادين لحفظ التراث، تراث روحي، تعمقت جذوره مع أبناء التوحيد، وتفاعل مع نفوس فاضت أعماقها بقدسية التوحيد… تسلسل مجدٍ واكليل غار، نستنشق عطر أريجه، طمأنينة في القلب واستنهاضٌ لمآثر روحية، زرعت في النفوس، لتتوارثها الأجيال المتعطشة دوماً وأبداً، إلى معرفة الخالق جلّ وعلا. وان كان الطابع التوحيدي، هو الغالب في المعطيات، فلننطلق منه، مستكملين البحث، لتكون لنا صورة متكاملة، تظهر هذا الجانب الروحي التوحيدي، فأنا أريد أن أروي وأرتوي عبر رحلة، تتواصل مع الماضي، وتراكم العطاء وتكامل مع حاضر مشرق، ومعكم جميعاً.

المرأة الموحدة الدرزية بشكل عام وباختصار كلي: ماذا أقول فيك أيها الرسول المبارك، يا سرّ استمرارية الوجود، يا عهداً من الله لبني البشر، أطليت على الدنيا، لتجسدي الهوية الانسانية كاملة. الموحدة الدرزية انسان عظيم، باركها الانجيل، باركها الأنبياء والرسل، باركها النبي محمد (ص) انها العنصر الفعال في المجتمع.

فما التأنيث لاســـم الشمس عــارٌ                   ولا التذكيــــــر فخـــر للهــــــلال

فحضن الموحدة مهد تربية نساء ورجال عظام، ان التي تهز السرير بيمينها تهز العالم بيسارها. إن صلاح وفساد أي مجتمع تابع من صلاح وفساد النساء فيه.

الفساد هو في الجهل والصلاح هو في العلم
فالجهل يخفض أمةّ ويذلها والعلم يرفعها أجل مقاماً
أعطني أماً صالحة أعطيك وطناً صالحاً.
والمثل يقول: إذا علّمت رجلاً، علّمت انساناً منفرداً، ولكن إذا علمت امرأة، علّمت أسرة ومجتمعاً ووطناً، يسير في منعرجات الرقي والتقدم والحضارة، يا من هديت العقل بوعيك، وأظهرت صراط الحق بنور هدايتك، انت تصنعين الانسان وتعمرين الأوطان انت مبدأ جميع الخيرات، والتاريخ يشهد على عظمتك ودورك الريادي، والقيام بالمهمة الشاقة التي اؤتمنت عليها، انت الأس المتين والركن الركين في عملية بناء الأوطاد المبنية على التقوى والشرف الرفيع وتقدمها في مجال المعرفة والعلم والحضارة، وعلى عاتقك تقوم العملية التربوية التثقيفية الدينية. الموحدة الدرزية تواقة إلى العلم والمعرفة والعمل: أقانيم ثلاثة تقريباً مرفوعة إلى الله عزّ وجل “تقربوا إليه بالعلم والمعرفة والعمل”؛ جبارة في صبرها، متعاونة مع العائلة إلى أقصى الحدود “الزوج يجني وهي تبني” هي للأبناء المرشد والموجّه، هي فكر وقلب ووفاء، وهي أم الموحدين والموحّدات.
لا يمكن للمرأة الموحدة الدرزية تطبيق مفهوم التوحيد والقيام بواجباتها الدينية، كما يريدها الله والأنبياء والرسل والأمير السيد عبد الله التنوخي(ق)، الا بالترافق مع واجباتها نحو عائلتها والمجتمع. فقد نظر الأمير السيّد(ق) إلى المرأة الموحّدة نظرة رفيعة، لا تقل شأناً عن نظرته إلى الرجل الموحّد، أكان لجهة الإمكانيات والاستعدادات، أم لجهة التكليف. لكن التقدير ذاك، أكان للرجل، أم للمرأة، مرهون باتباعهما للمسلكيات الأخلاقية الدقيقة التي لطالما أشار إليها الأمير السيّد(ق) في كتبه ومراسلاته ووصاياه. والمسؤولية هنا متساوية، لا يقل شأن المرأة فيها عن شأن الرجل، وكذا الحقوق والواجبات. فحقوق المرأة هي في المبدأ حقوق الرجل بالمعنى الإنساني الشامل، لأن حقوق الإنسان واحدة، هكذا في الدين، منذ البدء، وكذلك في شرائع حقوق الإنسان المتعاقبة. وأي افتئات على حقوق المرأة، التي كفلتها الأديان والشرائع السماوية والدنيوية، افتئات على حقوق الرجل بالمقدار نفسه، وتعد على كرامة الإنسان كإنسان، والتي لطالما صانها الدين، ولم يميّز في ذلك بين رجل وامرأة، إلا بمقدار النجاح (أو التقصير) في القيام بالواجبات الشرعية والاجتماعية، وفي ذلك يتساوى أيضاً الرجل والمرأة – ويمكن هنا العودة تفصيلاً للأبحاث التي تناولت المكانة الخاصة التي احتلتها المرأة في وصايا الأمير السيّد(ق).

وأولى الوصايا للمرأة الموحّدة التعالي في جميع الأمور، والرضى بإرادة الله تعالى، وتقديس مشيئته، والقبول بجميع أحكامه، سارة كانت أم ضارّة، والله لا يطيق الضرر أو الشرّ للإنسان، فإذا صادف شيئاً من ذلك، فمن سوء تقديره أو سوء أعماله، وامتحان في الآن نفسه ليعود إلى جادة الإيمان والعقل والصواب.
ولا غنى للموحّدة عن الإيمان: فالله سبحانه وتعالى خلق الكون، وأحسن الخلق، وجعل العدل قسطاطاً في الكون. وعلى ذلك فنحن قادمون على حساب عادل على جميع أفعالنا لنتناول الثواب والعقاب: أنها انكار الذات قرباناً لله وتوسلاً إليه وعملاً بمشيئته. لا تعارض بين العقل والإيمان، وما يصوننا من المصائب سوى الإيمان والوعي والتوكل على الله بالعودة إلى الإيمان بالروحانيات والقيم الأخلاقية وبالمثاليات الإنسانية يحيا الإنسان.
ولا بديل عن الصلاة للموحدة. فالصلاة تطهّر القلب وتزكي النفس وتقوّي الإيمان وتغذي الروح وتقرّب إلى الله وتحبب الخير لجميع الناس اخواتنا في الإنسانية.
وعلى الموحّد الحث على تحصيل العلم، العلم الصحيح قبل سواه. وأن يتحول طلب العلم مثالاً لأبنائها ولعائلتها. وقد قدّم الله تعالى في كتابه العزيز العلماء على سواهم، واعتبر العلم (الصحيح) طريقاً من طرق معرفة الله. فالعلماء ورثة الأنبياء، وأيضاً “تقربوا إليه بالعلم والمعرفة والعمل”، انهم حملة الكتاب وقد خصهم الله تعالى بشرف المقام والعلم الشريف.

وعلى المرأة الموحّدة معرفة الدين. فالدين طريق إلى الله يسلكه الناس على اختلاف درجاتهم، وهو الطاعة والعبادة: انه باب الإيمان والإيمان باب التوحيد. أما العبادة فلله وحده: تقديس، تنزيه، توحيد. الدين هو الحق.
وعليها أيضاً معرفة الحلال والحرام، والخير والشر. هي الفطرة السليمة التي برى الخالق الناس عليها، فمن حاد عنها هلك: اعمل/لا تعمل: الحلال هو خير ونفع وطاعة وصدق، والحرام شر ومعصية وكذب. والأعمال كلها بين هاتين الحالتين والله تعالى أمر الموحّد والموحدة بالحلال ونهى عن الحرام وعاقب من فعله. فان فعلت الموحدة بأمر الله وانتهت عما نهاها عنه، سلكت السبيل إلى الطريق والاتصال بالله تعالى.

كذلك، عليها معرفة الدنيا وأحوالها ان تُجني نفعها وتميز بين الخير والشر. وقد سميّت بالدار لأنها دار ممر لا دار مقر ويكون طلب الموحدة من الدنيا ما هي بحاجة إليه من صلاح الأعمال ورحم الله من أتى من الأعمال أحسنه واتبع من الحق أبيانه.
والمرأة الموحدة تدرك أن لا بد من يوم يحاسب فيه الناس على الحسنات والسيئات واليوم الاخير يسأل كل واحد عن عمره كيف أفناه وعن جسده كيف ابلاه، وعن عمله وما عمل فيه، وعن ماله كيف اكتسبه وأنفقه، وأنه أهوال لمن عصى أو عصت ونعيم سرمدي لمن أطاع أو أطاعت، يوم لا ينفع مال ولا بنون وانما ينفع البعد عن المعاصي والمحرمات، وكلمة حق نطقتها المرأة الموحّدة وخير أدّته ومعروف أثبتته والويل للغافلين. فيه عظمة الخالق القهّار، فتخر الخلائق لعظمة الهيبة والجلال وتخشى منادية: المُلك والقدرة اليوم وفي كل يوم لله الواحد الجبار. أن تلقى الموحّدة وجه ربها الكريم بغبطة واطمئنان وفي هذا لذة اللذات وغاية الغايات. طلب الدنيا ذل النفوس وطلب الآخرة عزّها – واستغفري رب العزة والمنّة تفلحين وتخلدين في سعادة أبدية.

والمرأة الموحدة تدرك أن الاخلاص في العمل سبيل إلى الثواب: يقول الرسول (صلعم) “ان الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه” والعمل لا يكون إلا لله خالصاً لوجهه طالباً مرضاته وعليها بالأعمال المجيدة والإخلاص لها والأعمال الخالصة هي البغية والمراد بها الفوز يوم المعاد والله لا يرضى بالتقصير عن الطاعة وإهمال صالح الأعمال.

انطلاقاً من هذه المرتكزات وغناها، ومن تمسكها بقيم العقل (وذروته توحيد الخالق)، والأخلاق المثلى، وذروتها القيام بالواجبات الشرعية والاجتماعية والعائلية، سواء بسواء، تستطيع المرأة الموحدة أن تقوم بنجاح بمهام التوعية الدينية والأخلاقية التربوية لأسرتها ومحيطها وكما يريدها المؤمنون: يا من استلهمت الأخلاق الرفيعة والدعوة السماوية الخالدة واستوحيتها بمهداة العقل النيّر والفكر الثاقب الرزين وبنيت على أساسها مجدك وتقربك إلى الله تعالى وعظمتك الخالدة إلى الأبد.

ماذا عن الموحدات المثاليات؟؟ لجّوا معي قلاع التاريخ والحصون واقرعوا أبواب نسب التنوخية والدة الأمير فخر الدين المعني الثاني اخشعوا في رحاب مزارات الوليات وفاءً لعهد العرض والدين: الست ساره السلام عليها والتي تكون اسطورة في عزمها وقوة شخصيتها وتحمل المشقات: انجاز عجز عنه كبار رجل عصرها، حملت مشعل الدعوة من مصر إلى وادي التيم بالقرن 12 يتبعها جمهور من الشقيقات الملتزمات برأيها، مؤدية الأمانة، ملتزمة بالرسالة، والثقة الكبيرة جداً، شعارها: “ان الله لن يترك عبده أكرم منه” … وكل موحدة لها راية بيضاء مرتفعة، وهل من بين نساء الأرض من يتجاوزهن حكمة وعطاء؟ بهذه المفاهيم تستطيع الموحدة الدرزية أن تسير بأولادها نحو طريق الخير في معارج الرقى الروحي لأنها مظهر من مظاهر العفاف والطهر والقداسة. الموحدة هي الكائن الوحيد الذي بمقدوره أن يهيّئ الجيل الجديد لتحقيق آمال المستقبل المرتكز على الأخلاق والصفات النبيلة. ابتدعها الله نصف المجتمع وشريكة الحياة وأنسها وبهجتها: “جعلنا من أنفسكم أزواجاً تأتون إليها تسكنون”.

الموحدة هي من دعاة التقوى والعلم والشرف الرفيع، مسؤولة عن تربية أجيال فتمسكن بالتوحيد والأخلاق والدين. الموحدة مصدر الوحي والإلهام ومآثر التضحية والوفاء سمت قداسة من الله عز وجل. مستمدة قولها وعملها من الأمير السيد (ق) الذي حث على العلم وجعله فريضة وواجباً لها، فهي مع زوجها في السراء والضراء. كذلك دعاها إلى الاهتمام بالعائلة أولاً فتلك هي مسؤوليتها الأولى. العائلة هي رمز الوطن، فإلى تفاهم وتعاون مع شريك العمر ليتكامل الدور مع الرجل نضالاً وتوحداً وإنسانية. انها العبادة المرتكزة على التربية الدينية الصحيحة. التربية الدينية والوعي الخلاق هما النعم الوافرة وصاحبة الخلق الرفيع لا تهمل العلم الروحاني ساعة واحدة تعمل على مرضاة خالقها بحسن أخلاقها لبيتها بين عائلتها وأقرانها هو نور البصيرة وبدونها تستوي الظلمة على القلوب تتقن وتتمم واجباتها الدينية وشعارها الكد أمام العائلة عبادة ثانية. الاثنان معاً الموحد والموحدة يتبعان تعاليم الأمير السيد في تنشئة الأولاد والتربية الدينية والأدب والمساحة الزمنية بين الولد والولد. فالدين لا يتعارض مع الدنيا ضمن الضوابط الأخلاقية:
ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل

إنها خير موحدة خصّها الله بالمكرمات.
كم نحن بحاجة ماسة لرفع الوعي الاجتماعي ونشر وتفسير مفاهيم التوحيد السامية من أجل إنارة الدرب إلى طريق المعرفة الحقة خاصة للجيل الصاعد. كم نحن بحاجة ماسة إلى ثقافة دينية روحية. هذه الجوهرة الثمينة التي أرسلها الله لنا عن طريق الرسل والأنبياء حرام أن تبقى قابعة في الأدراج، هي الأس المتين والركن الركين في عملية بناء الأوطان المبنية على الأسس المتينة من الأخلاق والتربية الدينية والثقافة. يجب تعليمها في المدارس في المؤسسات. لقد طغت المادة على الأخلاق، وتكالب الناس على المادة وعلى الانحطاط الخلقي والثقافي. يجب الابتعاد عن المفاسد والأخلاق السيئة للسير على السراط المستقيم الذي رسمه لنا الله تعالى. وبالتفاعل والتكامل والتواصل مع جميع الأديان نصل إلى ثقافة دينية موحدة لأن كل الأديان تصب في أناء واحد إلا وهي معرفة الله والوطن (ومحبة الوطن من الإيمان) وهو انتماؤنا إلى الوطن الواحد، إلى المواطنية الصالحة، لا إلى الانتماءات الطائفية البغيضة وذلك يعود إلى التربية الدينية وإلى الوعي الثقافي. التربية والوعي الخلاق يحققان وجوديتنا كاملة متوجهين نحو الحق ويبقى نصراً للحقيقة ومثالاً للتربية. “تاريخنا الديني الحافل بالمآثر والمكرمات صورته قائمة جداً فالحاجة كبيرة جداً لإعادة إحياء هذا التراث خاصة مع الجيل الجديد والذين لا يفقهون أشياء عن تراثهم الإسلامي التوحيدي. يجب تقريب الجيل الجديد من مسلكه. نحن بحاجة ماسة اليوم إلى تعريف هؤلاء الأعلام في سياق معهد أو جامعة تعني بالدراسات التوحيدية فتشكل مركزاً لإعداد رجال الدين على قاعدة العلم الحقيقي والمعرفة الروحانية وإلى إحياء السلف الصالح. يجب المساهمة في نشأتهم ومصالحتهم مع الحداثة. علينا بتربية منفتحة لأن التقوقع والانغلاق مرض فتاك، والتعصب قتّال، والانفتاح على الثقافات والحضارات والتفاعل الخلاق دون إنكار الجذور الصلبة والانتماءات الأولية والتخلي عن الثوابت الدينية والثقافية الفقهية والتاريخية والسياسية والثقافية. يجب إبراز دور الموحدين الدروز كعنصر هام لوحدة لبنان واستقلاله وسيادته طوال ثمانية قرون. يجب تنشيط ودعم التوحيد لكي يؤدي دوره بفاعلية حتى لا يبقى مهمشاً. نحن بحاجة لإبراز تراثنا التاريخي والوطني ومن المفترض أن تقوم به النخبة المثقفة ويجب على الجيل الجديد أخذ زمام المبادرة وعدم نسيان الجذور والأصول التي نفخر بها ونعتز والعمل لمصلحة وطنهم دون إغفال الطوائف التي ينتمون إليها” (عباس الحلبي في كتابه “الموحدون الدروز ثقافة وتاريخ ورسالة” الصادر عن دار النهار).

وأخيراً، أتوجه إلى الأمهات آملة إدراك مخاطر الطلاق (مرض العصر في أجزاء واسعة من هذا العالم، وغير بعيد عن قيم حضارته المادية السطحية والمتسرعة) وانعكاساته الخطيرة على العائلة ثم على المجتمع بأسره. ونقيض ذلك، الاهتمام الكلي من الأب والأم في سبيل وحدتهما، أولاً، للحصول على عائلة متماسكة ملتزمة بقدسية الأمومة والأبوة وهذا يعود إلى التربية الأسرية الأصيلة المبنية على الدين والأخلاق. فالدين والأخلاق هما وجهان لعملة واحدة، هما متلازمان لزوم الرياح للفضاء، والروح للجسد والمعنى للفظ. هما التركيز على المبادئ السامية والأخلاق والصفات والنبل والتضامن المعادات والتقاليد الموروثة للموحدين إلى يوم الدين. ولا أغالي ان اعترفت بأنني فهمت دين التوحيد أكثر عبر رسالتي. فهمت نبل الرسالة، الرسالة التي لحظت الاحترام والالتزام بمفاهيم الأديان السماوية وعقائدها جميعها. من هذه المنطلق الأساس، وقد جعلته رسالة لي أيضاً، رسالة كل مؤمن ومؤمنة، كل موحّد وموحّدة، في تجاوز القوقعة الطائفية، واعتبار الدين بما هو معرفة للخالق، وتمجيد له، وعبادة له، وعمل في الدنيا في ضوء ذلك، أسمى بكثير مما تطرحه الطائفية، كل طائفية، فهي غريبة عن الدين. الدين دعوة إلى إعمال الفكر، فمن فكّر على نحو سليم لا بد أن يبلغ الإيمان. العقل والمعرفة طريق للإيمان. من عرف آمن، ومن آمن جعل حياته سبيلاً للعبادة والعمل الاجتماعي والعائلي الصالح. ومسؤولية المرأة في ذلك خطيرة جداً، وأهميتها هنا تتساوى، أو ربما، تفوق ما للرجل من دور. فناصية التربية في يد المرأة الأم، وفي ضوء نجاحها أو فشلها (لا سمح الله) يتقرر مستقبل أمور كثيرة.

(جزء من محاضرة أطول ألقتها الباحثة في الولايات المتحدة الأميركية)

المقــــــــال الأخيـــــــر

كلمة سواء

المقــــــــال الأخيـــــــر

إلى قرائنا الأعزاء الذين تابعونا بشغف خلال ما يزيد على سبع سنوات، الشباب منهم والكهول المهنيين والطلاب والمثقفين الرجال منهم والنساء..
إلى أخواننا في جبل العرب الأشم أحفاد سلطان والثورة والعروبة الذين أدركنا منذ البدء أنهم شركاء في هذا المشروع ويجب أن يرتبطوا به وبرسالته الثقافية،
إلى جميع الكتّاب والمساهمين والمحررين الذين تفاعلنا معهم حول كل موضوع وكل مناسبة أو إسهام فنشأت بيننا لذلك روابط مودّة وزمالة نعتزّ بها،
إلى أخواننا الأمناء وأعضاء المجلس المذهبيّ الذين دعموا رسالة المجلة والذين نقدّر صداقتهم جميعاً، إلى سماحة شيخ العقل الذي نشهد بأنه كان الضامن لحريتنا المهنية والذي وفّر الظروف المطلوبة للنجاح، من خلال احترام دورنا كرئيس للتحرير، مع الحضور الدائم لإعطاء التوجيه المناسب والنصيحة الرشيدة، إلى جميع هؤلاء أكتب هذا المقال الوداعي معلناَ أنني قررت التخلّي عن مهماتي كرئيس تحرير لمجلة “الضحى”، وأنا أترك “الضحى” راضياً وشاكراً الله على ما وفقني إليه من إعادة إصدار المجلّة الجامعة للمسلمين الدروز في لبنان وفي سوريا، ثم الإرتقاء بها لتصبح إحدى أفضل وأغنى المجلات التي يتابعها عدد لا بأس به من نخبة الطائفة ومهنييها ومثقفيها فضلاً عن المحبين والمتابعين للمجلة من أبناء البيئات الثقافية والروحية الشقيقة..

لماذا نجحت “الضحى”؟ ولماذا تميّزت عن غيرها؟
نجحت لأنها لم تمارس الثقافة بمعناها النظري أو النخبوي المنسلخ عن الحياة، وكم من خطاب ثقافي هذه الأيام يكاد لا يزيد على تعبيرات ذاتية أو مونولوج لا يغني القارئ المتعطش ولا يسمنه من جوع، وبسبب أسلوبها السلس والواضح في معالجة كافة الأمور كبيرها وصغيرها، تمكّنت المجلة من أن تصل بفكرها إلى الجميع، فخاطبت أهل الرأي والفكر لكنها تمكّنت في الوقت نفسه من اجتذاب الناس العاديين من المهتمين بالشأن الثقافي على تنوع مشاربهم واهتماماتهم.
أخذنا من المعلم الشهيد كمال جنبلاط مفهوم “العمل المباشر”، وهو الذي كان يعتبر أن التغيير لا يتم بالشعارات بل بتقديم القدوة والمثال للناس بما يعطيهم الثقة بأن في إمكانهم أن يبدّلوا ظروف عيشهم إلى الأفضل إن هم أخذوا المبادرة وبذلوا الجهد. والثقافة بهذا المعنى يجب أن تكون واضحة وحاملة لمضامين يفهمها الناس ويصدِّقوها فتصبح حافزاً لهم لكي ينهضوا ويبدأوا في تبديل واقعهم، أما ثقافة الكتب والتنظير فلا فائدة ترجى منها وهي قطعاً مضيعة للجهد وللوقت.
هذا المفهوم للثقافة كمحفّز للتغيير هو الذي ألهمنا وضع التصوّر الشامل للمجلة ولأبوابها منذ العدد الأول، وأي متابع لـ “الضحى” يدرك أن المجلة استقرت على تصميمها وترتيب موادها منذ الأعداد الأولى ثم حافظت على ذلك طيلة السنوات السبع من الصدور، والرؤية الصحيحة لا يشوبها تردد ولا تخبّط بل تترجم دائماً بعمل منسجم يزداد قوة ووضوحاً مع الوقت.
وبما أننا نخاطب قراءنا للمرة الأخيرة من هذا المنبر فإننا نجدّ فائدة في التذكير ببعض المبادئ التي بني عليها مشروع إعادة إصدار “الضحى”، ونحن نكتفي باقتطاف فقرتين مُعبّرتين من المذكرة التأسيسية بهذا الخصوص جاء فيهما التشخيص التالي:
1. هناك غياب واضح في الوضع الدرزي الحالي لأي وسيلة إعلام جادة يمكنها أن تمثل محور تواصل بين الموحدين أنفسهم وكذلك بينهم وبين العالم الخارجي الذي يزخر بالأفكار المسبقة أو الملتبسة عن الموحدين الدروز أو ينقصه معرفة الكثير مما يوضح الصورة المشرقة لهذه الطائفة الفريدة في مسلكها وثقافتها الخاصة والغنية بتاريخها والمهمة في موقعها الجغرافي وأدوارها السياسية.
2. إن الفراغ الإعلامي والثقافي ثغرة وجودية بكل معنى الكلمة لأنه لا يبقى فراغاً بل يُملأ على الفور من موج الأفكار والمؤثرات المحيطة سواء عبر الإعلام المتنوع والمفتوح على شتى التيارات أو عبر التقليد الأعمى أو عبر التشوّش القيمي والاجتماعي، وإن إحدى النتائج الملحوظة للفراغ الثقافي القائم هو أن الأجيال الشابّة والناشئة من الموحِّدين لا تمتلك تعريفاً واضحاً لذاتها ولا يربطها حالياً أي تفاعل حقيقي وجادّ بتاريخها وبالقيم والعناصر التي تكوِّن شخصيتها وتحدّد موقعها وروابطها وخياراتها الأساسيّة الوطنيّة والروحيّة والسلوكيّة.
ثم نقتطف من برنامج العمل والأهداف ما يلي:
1. إن الضحى الجديدة لن تكون منبراً للتحليل النظري أو عروض البلاغة بل ستسعى إلى تركيز اهتمام الدروز على المشكلات والتحديّات والقضايا الداهمة التي تواجه الطائفة في وجودها وتقدّمها ومستقبل أجيالها.
2. إن المجلة ستكون في أحد أدوارها وسيلة لتعريف الموحِّدين الدروز أنفسهم ولاسيما الشباب والناشئة بتاريخهم الغني وثقافتهم وبأعلامهم وأبطالهم وسير الصالحين ممن سبقوهم، لأن من لا تاريخ له لا هوية له، ولأن من لا يعرف ماضيه لا يمكن أن يفهم حاضره وما يفرضه من مسؤوليات وما يفتحه من خيارات وفرص.
3. إن المجلة ستكون وسيلة لنشر الإرث الروحيّ الواسع ووسيلة لإعلاء شأن القيم التي بني عليها مسلك التوحيد منذ القدم كما بنيت عليها مسالك الجهاد والترقي الروحي والسلوكي في جميع الحضارات والتيارات الإنسانية.
4. ستركز المجلة على استنهاض مساهمات أفضل الكفاءات والعقول المستنيرة في الطائفة كما ستمدّ في الوقت نفسه الجسور نحو الطاقات الفكريّة والعقول الخلاقة من خارج الطائفة، وذلك سواء عبر دعوة بعض المفكرين إلى المساهمة فيها أو عبر أنشطة الترجمة والنشر وعروض الكتب والأحداث والمحاورات وغيرها.
5. إضافة إلى دورها الفكري والروحي فإن مجلة الضحى ستمارس دورها كأداة فاعلة لحفز المبادرات الاجتماعية والتنموية في مناطق تواجد الموحدين الدروز، ويتضمن ذلك الاهتمام الحقيقي بنواحي الحياة اليومية وشؤون المجتمع المدني والبيئة ومسألة الأرض والزراعة والحرف واقتصاد المناطق وشؤون التعليم والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتمويلها.
لا حاجة للقول إننا التزمنا بجميع هذه الأهداف وتمكّنا من إنتاج مجلة تعكس بصورة إجمالية برنامج التحرير الذي ألزمنا به أنفسنا، وبسبب ذلك تحوّلت “الضحى” إلى وسيلة التواصل الجامعة للموحدين الدروز مما جعلهم يسعون في أثرها ويسألون عنها ويحرصون على جمع أعدادها في مكتباتهم، وغالباً ما كنا نسمع من بعض القرّاء المتابعين أنهم يقرأون المجلة من الغلاف إلى الغلاف وهذا تصريح مدهش لا يمكن أن تسمعه عن مجلة، أي مجلة، في زمن القحط الفكري وسيطرة الإعلام المرئي وأنماط الإثارة وصحافة الجدل والخصومات، وهو يدلّ على أننا أدركنا بالحدس الصحيح مواضع الفراغ المهمة للناس ولحياتهم وثقافتهم، والتي أهملتها الصحافة العامة أو السياسية وغيرها، وتمكنّا عن هذا الطريق من اجتذاب القارئ مجدداً ليس فقط إلى الكلمة المطبوعة، وقد فقدت اليوم الكثير من جاذبيتها لصالح الأقنية الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي، بل إلى الاهتمام الثقافي بأرقى صوره.
هذا كان الجانب السهل من تجربة “الضحى”، ونعتبره سهلاً لأنه كان متعلقاً بنا وبالتزامنا كرئيس للتحرير وككتاب ومحررين وكإخراج فني مميز، فهذه الأمور كانت في يدنا، لكن ما لم يكن في يدنا أو كان في مقدورنا أن نضمنه هو ظروف العمل نفسها ومعادلة الأشخاص والأهواء، ولكل عمل عام في الحقيقة محطات ترتبط بتبدل الناس – والمشاعر- ومدى اتساق الآراء والتواصل أحياناً بل أحياناً تسرب التعب هنا وهناك، والمؤسسات مؤلفة من بشر في نهاية المطاف وهي تستمر بهم أو تنكص بسببهم..
وصيتنا المخلصة لأخواننا الأمناء ولأعضاء المجلس المذهبي ولجميع من يتولون المسؤولية هو أن حافظوا على دور المجلة كأداة تنوير وتواصل للموحدين الدروز، وتابعوا رسالة الاهتمام بأخواننا في جبل العرب، وأخيراً اجعلوا للمجلة موارد تعينها على الاستمرار في دورها ودعماً حقيقاً يكون في مستوى هذا الدور.

أخلاق توحيدية