الأحد, نيسان 26, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الأحد, نيسان 26, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

التقية

حـــــول كتــــــاب

«التقيــة فــي الإســلام»

تأكيد الدكتور سامي مكارم لظاهرة التقية في الإسلام
أثار جدلاً وطرح تحدياً للتفكير المستقر

أول ما يلفت الانتباه في كتاب الدكتور سامي مكارم هو عنوانه: “التقيّة في الاسلام”، يطرح هذا العنوان علامات استفهام كبيرة.
أولاً: هل أنَّ في الاسلام تقية؟…أم أن التقية هي في مذهب دون آخر من مذاهب المسلمين؟
ثانياً: هل أن التقية سلوك اسلامي مكتسب تحت ضغط ظروف وأوضاع طارئة واستثنائية، أم أنها في أساس العقيدة يمكن اللجوء اليها في حالة الشدّة أو في حالة اليسر وفي حالة القلق أو في حالة الاطمئنان؟ بمعنى هل أن ضيق صدر حاكم اسلامي معين، أو مجتمع اسلامي في ظروف معينة باجتهادات فقهية ما، دفعت بهذا الفقيه الى ابتداع التقية سلامة لأبدان اتباعه من الأذى ولإيمانهم من الانتهاك؟ ام أن التقية رافقت الدعوة الاسلامية منذ اشراقتها الاولى في مكة المكرمة وقبل الهجرة الى المدينة المنورة، واستمرت فيها وبعدها؟ وتالياً هل أن للمؤمن حق اللجوء الى التقية حتى من دون اكراه أو اضطرار؟
ثالثاً: هل أن اللجوء الى التقية يكون خوفاً من أذى الآخر وتجنباً لشرّه، أم أنه يكون ايضاً مراعاة لمحدودية الفهم عند بعض المؤمنين، ولعدم قدرتهم على استيعاب حقائق ايمانية كبيرة؟ أو يكون خوفاً من اساءة فهم هذه الحقائق وتالياً تحسباً من سوء عاقبة التعامل مع هذه الحقائق على غير ما يقتضي الحال؟
رابعاً: هل التقية اجازة – ورخصة – من الله للمؤمنين، أم أنها مجرد اجتهاد فقهي انساني أخذ به هذا العالم المجتهد وانكره ذاك؟
خامساً: اذا كانت التقية في الاسلام، كما يقول الدكتور مكارم، فهل ثمة تقية في الأديان الأخرى أيضاً؟ في المسيحية واليهودية تحديداً؟
سادساً: هل أننا جميعاً نمارس التقية من دون أن ندري؟ وهل أن انفتاح معرفتنا على هذه الحقيقة (التي حاول الدكتور مكارم أن يؤكدها من خلال استشهاداته الكثيرة بالآيات القرآنية الكريمة وبتفاسير أئمة كبار علماء المسلمين) سيغيّر من نظرتنا الى التقية بحيث نتعامل معها على أنها ركن من أركان فضائلنا الايمانية؟ ومن ثم نرفع عن أهلها الشك وسوء الفهم؟
اذا خرجنا من هذا الكتاب بإجابات ايجابية على هذه الأسئلة، فإن الكتاب يكون قد أحدث صدمة في الفكر الاسلامي داخل منظومة الثوابت الايمانية، ويكون قد فتح آفاقاً جديدة في الاجتهاد الفقهي وحتى في فقه الاجتهاد. وهذا حكم جريء.
في توطئته للكتاب يؤكد الدكتور مكارم على أمرين أساسيين:
الأمر الأول هو أن التقية هي من الأسس المهمة في الاسلام، وأن القاعدة الرئيسية هي ممارسة التقية، وأن الفرق الاسلامية التي لم تمارسها هي الفرق الشاذة عن القاعدة، وهذا يعني أن القاعدة عنده هي ممارسة التقية.
اما الامر الثاني فهو أن للتقية شروطاً شرعية وأصولاً ومقتضيات أقرّتها الشريعة الاسلامية، ولم يقل الدكتور مكارم أقرّها الفقه الاسلامي. وهذا استنباط جريء ايضاً.
لقد كان واضحاً أن الدكتور مكارم اعتمد تعريف ابن حجر العسقلاني للتقية، وهو تعريف يقول فيه “إنها الحذر من اظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير” (ص9). وهذا تعريف عام جداً. إلا أن الأمر المحدد والمهم، هو أن الدكتور مكارم اعتبر أن كلمة التقية تعني ما تعنيه كلمة تقاة الواردة في الآية الكريمة لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء الا ان تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والى الله المصير. (سورة آل عمران – الآية 28)
وجاء اعتباره هذا كما قال في (ص 9) إن اللغويين يجمعون على ذلك. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل يجمع على ذلك ايضاً الفقهاء؟ في محاولة غير مباشرة – ربما – للاجابة على هذا السؤال قال الدكتور مكارم (ص 11) “يمكننا القول إن الآيتين القرآنيتين اللتين انطلق منهما المفسرون على العموم عند تناولهم التقية في الاسلام هما الآية المذكورة آنفا والآية التي تقول من كفر بالله من بعد ايمانه الاّ من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (سورة النحل – الآية 106)

مخطوطة-لأخوان-الصفا-تعود-للقرن-الثاني-عشر
مخطوطة-لأخوان-الصفا-تعود-للقرن-الثاني-عشر
مخطوطة لكتاب إحياء علوم الدين لأبو حامد الغزالي العالم الذي وقف بقوة في وجه تيارات التأويل في الإسلام
مخطوطة لكتاب إحياء علوم الدين لأبو حامد الغزالي العالم الذي وقف بقوة في وجه تيارات التأويل في الإسلام

وقد نزلت هذه الآية في أحد المهاجرين من مكة الى المدينة (عمار) وقع في أسر الكفار، فقال لهم كلمة اعجبتهم تقية فخلوا سبيله. ولما وصل الى المدينة وأخبر الرسول (ص) بما حدث قال له رسول الله: “كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت؟ أكان منشرحاً بالذي قلت أم لا”. قال: لا. فنزلت الآية إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان.
ويؤكد الدكتور مكارم (ص 15) “أن معظم المفسرين اقروا بصورة مباشرة أم غير مباشرة، بأن المضطر يجوز له التقية إما قولاً وإما فعلاً تيسيراً له من الله لا تعسيراً، واجتناباً للقتل أو للحرج. واذا نحن نظرنا الى جميع الآيات المذكورة آنفا نرى أنه رُخِّص للمؤمن المطمئن قلبه للايمان أن يظهر الكفر تقية من الكافرين إن هم أكرهوه على ذلك.
يرى الدكتور مكارم أن آراء العلماء اختلفت في شأن التقية من حيث جوازها ووجوبها وامتناعها، ومن حيث أحكامها وشروطها، كما يرى أن الآراء تعدّدت وتشعبت في شأن اسباب التقية حتى أنها تجاوزت الاكراه الى أسباب أخرى كالرغبة في هداية العدو باستدراجه الى الايمان واتقاء استعدائه”. وقد نقل عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود أنه لا يرى جواز التقية خوفاً على النفس فقط، بل يراها تجنباً لأدنى اكراه يلحق بالمسلم (ص 22).
وفي اجتهاد الدكتور مكارم أن مصطلح “التقية” أو “التقاة” تعزز بمصطلحين قرآنيين آخرين هما مصطلحا “الظاهر” و”الباطن”. ويقول إنه “مع أن المفسرين اختلفوا على بعض التفاصيل عند تطرقهم لهذين المصطلحين اختلافاً كبيراً في بعض الأحيان فقد اتفقوا على أن “الظاهر” هو ما يعلن، في حين أن “الباطن” هو ما يخفى في القلب، وأن “ظاهر الشيء” هو حرفيته، وأن “باطن الشيء” هو حقيقته التي لا يصل اليها إلا اولئك الذين يتوخون الولوج في جواهر المعاني وما ترمي اليه وتشير، وذلك بتأويلهم النص دون الاكتفاء بمعناه الحرفي. وهم يقولون بأن هذا التأويل، أي ما يشير الى المعنى الاصلي، لا يعلمه الا الله والراسخون في العالم، لقوله تعالى وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكّر الا اولوا الالباب (سورة آل عمران – الآية 7).

محمدالسماك
محمد السماك

اختلف المفسرون حول قراءة هذه الآية الكريمة وليس حول نصها. هل “والراسخون” مبتدأ خبره الجملة الفعلية، “يقولون آمنا به…”، أي أن الوقف في القراءة يجب أن يكون بعد اسم الجلالة،
بحيث تقرأ الآية: وما يعلم تأويله الا الله. ثم تتبع البقية: والراسخون في العلم يقولون آمنا به… الى آخر الآية. وبذلك يقتصر علم التأويل على الله وحده دون “الراسخون في العلم”. اما القراءة الثانية فهي تجعل “الراسخون” معطوفة على اسم الجلالة، أي أن الوقف في القراءة يكون بعد “الراسخون” معطوفة على اسم الجلالة، بحيث تقرأ الآية: وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم. ثم تتبع البقية: يقولون آمنا به… الى آخر الآية. وكذلك يكون الله والراسخون في العلم يعلمون تأويله.
أدت القراءتان المختلفتان لنص واحد الى قيام رأيين متباينين كل التباين، رأي لا يجيز للناس تأويل القرآن مهما رسخوا في العلم، فعليهم اذاً أخذ معانيه بظاهرها وعلى حرفيتها، ورأي يجيز للراسخين في العلم تأويل الكتاب والأخذ بمعانيه الباطنة. الدكتور مكارم في كتابه يدافع عن الرأي الثاني ويتبناه.
هنا انتقل الى كتاب آخر جديد أيضاً وإن لم يكن في مستوى جدية ورصانة البحث العلمي الراقي والعميق الذي يتسم به كتاب الدكتور مكارم. مؤلف هذا الكتاب هو جمال بدوي من مصر وعنوانه “الفاطمية” (دار الشروق 2004) ورغم أنني أشك في صحة ما ذهب اليه، فقد أردت عرضه لأنه يعكس وجهة نظر أخرى ليست معاكسة فقط، ولكنها سلبية ايضاً.
يقول المؤلف: “نشأت الدعوة الفاطمية ونظّمت مبادئها السرية للمرة الأولى على يد جماعة من الثوريين الذين تظاهروا بالإسلام وعملوا على غزو العقيدة الاسلامية …، ونشر التأويلات التي يتأول بها دعاتهم على القرآن والسنة، واعتبار أن لكل شيء ظاهراً وباطناً، حتى القرآن الكريم نفسه، جعلوا له ظاهراً وباطناً، أما الظاهر: فهو دلالات ألفاظه العربية حقيقة او مجازاً، وأما الباطن فهو ما وراء هذا الظاهر أو هذه الدلالات، وهذا لا يفهمه إلا أئمة المذاهب. وهذا الباطن لا تقيّده دلالات الالفاظ العربية، ومعانيها اللغوية، وليس الظاهر سوى رموزاً واشارات لا يفهمها العوام، وقد أدت بهم هذه النظرة الباطنية الى تأويل معاني القرآن الكريم تأويلاً غريباً يتناقض ودلالات اللغة العربية”.
إن المقارنة بين أسباب التأويل وأهدافه كما وردت في دراسة الدكتور مكارم، وكما وردت في كتاب جمال بدوي، تكشف عن هوة معرفية عميقة، لا تزال تعمقها باستمرار معاول الجهل بالآخر والتشكيك به، ولا تزال الصور النمطية السلبية عنه التي زرعها هذا الجهل منغرزة في الثقافة العامة، ولا تزال تشكل الاساس الذي تبنى عليه الاتهامات وأحكام الادانة المسبقة.
من هنا الاهمية الاستثنائية في اعتقادي لكتاب التقية في الاسلام، من حيث أنه يوضح الفرق بين المسلم، أي المقرّ بالإسلام اقراراً ظاهراً يقتصر على اللسان ولا يتعدى القول، من جهة، والمؤمن، أي المصدّق بالإسلام تصديقاً لا يقف عند الاقرار الظاهر وإنما يتجاوزه الى الايمان الباطن والعمل في سبيل الله، من جهة أخرى. ومن هنا ايضاً تفسيره لذلك بقوله (ص 20) إن التقية قائمة على رحمة المسلم، فلا يعطى ما لا يستطيع تحمله من الحقيقة دفعة واحدة، بل يتلقاها بالتدريج حرصاً على رسوخها في قلبه وتمكّنه منها.
هنا لا بدّ من الاشارة الى أنه لا يوجد موقف اسلامي واحد من موضوع “الظاهر والبـــــاطن” (ص 43 – 53) ومن موضوع التقية. فهناك من تعامل معها بتساهل كالرازي مثلاً الذي أجازها حتى دفاعاً عن المال، وحتى بين المسلمين انفسهم وليس فقط بين المسلمين والمشركين. وهناك من تعامل معها بتحفظ كالطبري وابن كثير والبيضاوي. ولأن التقية لم تكن بالأمر النادر في التاريخ الاسلامي، فقد الف ابو بكر بن دريد “كتاب الملاحن” لكي يكون دليلاً للمكرهين على الكفر. فالتقية التي تمارس بكتمان الدين وحتى باظهار الكفر لا تؤدي الى الكفر. فالقاعدة هي “لا اكراه في الدين”.
واللا هنا نافية وليست ناهية فقط، بحيث لا يقتصر المعنى على الدعوة الى عدم اكراه الناس حتى يؤمنوا، ولكنه يتجاوز ذلك الى اقرار المبدأ الاساسي وهو أنه لا يكون هناك ايمان بالاكراه. وإذا كان الايمان ينتفي بالإكراه، فمن الأولى أن لا يكون هناك كفر بالإكراه. والرسول عليه السلام يقول: “إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه”. وهو الذي قال أيضاً “من رأى منكم منكراً فيغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”.

احترام الآخر واعتماد الكلمة الطيبة في الدعوة يلغيان حاجة المسلمين الى أن يكره بعضهم بعضاً على رأي عقدي أو سياسي فيضطر المكرَه الى مداراة المكرِه تقية

إفشاء الحقيقة لغير اهلها خطر لا يقل عن خطر منعها عن أهلها، وذلك تقية لصاحب الحقيقة ممن لا يقدرون على معرفتها، وتقية للحقيقة ممن ليسوا من أهلها، وتقية لمن ليسوا من اهلها إن يعميهم سطوعها فيصعقوا

وعلى اساس ذلك رأى حجة الاسلام الغزالي “وجوب ستر الحقيقة عمن هو محجوب عن تقبلها، فلا يعطى الا بقدر التهيؤ المعرفي.”
وقد نقل الدكتور مكارم عن بعض العارفين قولهم: إفشاء سر الربوبية كفر (ص 55). ويفسر الدكتور مكارم ذلك بقوله: “إن اعطاء الحقيقة، في نظر حجة الاسلام، يجب أن يكون في غاية من الحذر. فإفشاؤها لغير اهلها خطر كبير لا يقل عن خطر منعها عن أهلها، وذلك تقية لصاحب الحقيقة ممن لا يقدرون على معرفتها، وتقية للحقيقة ممن ليسوا من أهلها، وتقية لمن ليسوا من اهلها إن يعميهم سطوعها فيصعقوا”. وما اجمل قول الامام محمد بن ادريس الشافعي:
سأكتم علمــــــي عن ذوي الجـــهل طاقتـــي
ولا أنثـــر الـــدر النفيس علـــى الغنـــــــم
ولعل البحث الذي أورده الدكتور مكارم “عن قصة موسى عليه السلام والعالِم بما لم يكن موسى النبي على علم به كما وردت في القرآن الكريم” (ص 61 – 72) ما يكشف عن الكثير من أسرار الحكمة من وراء كتمان المعرفة عمن ليس اهلاً لها حتى ولو كان نبياً. ويمكن الرجوع الى التأويلات الذكية والعميقة التي توصل اليها الدكتور مكارم من خلال عرضه لوقائع تلك القصة المثيرة.
ولكن رغم كل التأصيل العلمي والأكاديمي المثبت بالمراجع الشرعية والاجتهادات الفقهية لمبدأ التقية في الإسلام، فإن الدكتور مكارم يرى أنه “بقبول الآخر والاعتراف به تبطل أسباب التقية إكراهاً، اذ يُقضى على الخوف من طغيان الاكثرية على الاقلية أو طاغوتيتها، فيفسح في المجال امام الاقلية أن تعبّر عن رأيها دون خوف أو تقاة”. إن الدكتور مكارم على حق عندما يقول إن انكفاء الاقلية عن المشاركة في الفكر بلجوئها الى التقية سبّب في الماضي ويسبب في الحاضر الشكوك المتبادلة بين افراد المجتمع، كما سبّب ويسبب ظهور “وحدات” اجتماعية متنافرة لا يربطها الا روابط واهية قائمة على الخداع الاجتماعي والرياء والتعالي والتكاذب والولاء الطائفي، وهي كلها صفات تسم المجتمع الاسلامي بالهشاشة والضعف والتفسخ.
اما كيف تنتفي حاجة المسلمين الى أن يكره بعضهم بعضاً على رأي عقدي أو سياسي فيضطر المكرَه الى مداراة المكرِه تقية، فبالعمل بما دعا اليه القرآن الكريم الى كلمة سواء – أي الى كلمة طيبة – كما يفسرها الدكتور مكارم. وهو يرى عن حق “أن الكلمة السواء تكون ناتجة عن المودة لا عن الكراهية، فتتجاوز اللسان الى القلب، فإذا هي تعبير عن الحقيقة التي تغذي الناس، كل على قدر ما هو عليه من صحة دينه وعقله، وعلى قدر ما هو مهيأ له من الارتقاء في مراقي الاسلام”.
وأودّ أن أردّد معه تأكيده على أنه “عندما تعم هذه الثقة المتبادلة بين المسلمين ولا يعود المسلم، الى أية فرقة أو مذهب انتمى، يشعر برفض الآخر له وتكفيره اياه وبرفضه وتكفيره الآخر، عندما يصل المسلمون الى قبول بعضهم بعضاً يصلون بالتالي الى قبولهم لمواطنيهم أجمع دونما فرق بين منتمٍ الى دين أو آخر”.
وأختم بأننا عندما نقول بحوار الحضارات لا تصارعها، علينا أن نبدأ بأنفسنا ومن داخل عقيدتنا وانطلاقاً من ثوابتها الايمانية. فالحوار من حيث هو البحث عن الحقيقة في وجهة نظر الآخر، يجب أن يكون سبيلنا الى احترام الاختلاف والمختلف معه، والى الاقرار بأن ايّاً منا لا يملك الحقيقة المطلقة وأن للمرء إلا ما سعى، وأن الله وحده هو عالم الغيب والشهادة. وهو وحده يحكم بيننا يوم القيامة في ما كنّا فيه مختلفين.

سامي مكارم

ســامي مكـارم

ركن المعرفة الذي خسرناه

غاب المفكر والأكاديمي والمؤرخ الدكتور سامي نسيب مكارم ولم يغب. غاب في الجسد وهو كما يعلم الموحدون الدروز سنة الله في خلقه وآية قهره وعزته وهو الخالق الموجد للأشياء من العدم. لكنّه لم يغب ولن يغيب في ما حفلت به حياته من أعمال وإنجازات سيبقى أثرها في الزمن شاهداً على ثراء فكري ومعارف وسبق في التفكير، كان يفاجئ في جرأته على التجديد وعلى استكشاف الحقائق في مسالك غير مطروقة دونما أفكار مسبقة أو جمود.
رغم مقاربته للتوحيد والمجتمع التوحيدي من موقع المفكر المنفتح والواسع الأفق، فإن سامي مكارم كان مشاركاً فعالاً في بيئة التوحيد، تواقاً للتفاعل مع قضايا الموحدين الدروز وتاريخهم. من أبرز عناوين مسيرته الطويلة اهتمامه الشديد بالأجيال الشابة التي نهلت من معين التوحيد على يديه ولا سيّما خلال السنوات العشرين الأخيرة في الندوات والمحاضرات وحلقات المذاكرة والجلسات التي لم تُحرَم منها منطقة في لبنان.
رغم مسؤولياته الأكاديمية في الجامعة الأميركية كمدير لمركز أبحاث الشرق الأوسط، فقد ركّز سامي مكارم إسهامه الفكري ونشاط التأليف على فكر التوحيد والثّقافة التوحيديَّة، وكذلك في ميادين الشعر والفنِّ والأدب والتاريخ والأبحاث اللغوية، وجعلت منه كتبه ومؤلفاته مرجعيَّة أكاديميَّة في الإسلاميات والتصوُّف والفِرَق الباطنيّة واللغة العربيّة والأدب العرفانيّ، والشّعر، والنثر الشعريّ، وآداب الرجال، وفنّ تشكيل الحرف، والـتَّـأريخ، والقصَّة، والفلسفة، وأدب السّيرة. وهو لعب دوراً فاعلاً في مواكبة مسيرة “مؤسَّسة العرفان التوحيدية” منذ تأسيسها في السبعينات من القرن العشرين، وكذلك في تأسيس “المجلس الدرزي للبحوث والإنماء”، ثم في مؤسسة “التراث الدرزي”، وهذا إضافة إلى كونه عضواً مؤسِّساً في جمعيّات فكريّة وأدبيّة وإنسانيّة عدّة في لبنان والعالم الاسلامي.

في هذا الملف، عرض لسيرة حياة الفقيد الغنية وإسهاماته العديدة والمتنوعة في الإرث الثقافي العام، وفي إرث الموحدين الدروز الفكري، كما يتضمن الملف شهادات في المفكر الراحل وبعض أعماله المهمة أعدّها كل من الأستاذ حسان زين الدين والشيخ غسان الحلبي والدكتور أنطوان سيف والسيد محمد السماك.

[su_accordion]

[su_spoiler title=” سامي مكارم الإنسان البحث الدؤوب في قلب المعنى حسّان زين الدين” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

الكنف العائليّ
“كان والدي، الشيخ نسيب مكارم، يحتفل بعيد مولد أخي سعيد وعيد مولدي بدعوته عدداً من رجال الدِّين إلى بيتنا لإحياء سهرة ذِكر ومذاكرة، الأمر الذي رسّخ فينا منذ الصغر المعنى ‏بأنَّ‏ ‏مناسبة‏ ‏كهذه،‏ هي مناسبة لتجدِّدَ في النفوس المعنى الإنسانيّ العميق في الأساس، مثلها مثل عيد الأضحى والأعياد الأخرى المباركة التي يرى فيها الصغار مناسبات لارتداء الجديد من الثياب، وهكذا فهمنا أنَّ للأمور الظاهرة معاني عميقة لا يدركها المرءُ بسهولة”. بهذه الكلمات علّق المرحوم الدكتور سامي مكارم على دعوة وجَّهها إليه حبيبٌ من أحبَّائه الشبّان الصغار لحضور عيد مولده، مذكِّراً بما كان عليه أمر بداياته ومستعيداً واحدة من أعزّ ذكريات قلبه المفترشة خبايا دفاتر الطفولة، حيث نشأ في حضرة شيخه ووالده الشيخ نسيب، خطَّاط الملوك والرؤساء الذائع الصيت؛ ومستذكراً أمامنا، روحيَّة التربية الأسرية التي ترعرع في أحضانها وتشكلتْ معها مداركه الأولى لتصقل شخصيَّته لاحقاً، خلال سنوات اليفاع، على يد أحد الشيوخ الذي عهد إليه الشيخ نسيب تعليم ولديه أصول التدبّر وفق كتاب الله وكيفية تفهّمه واستشفاف لطائفه.

كانت والدتُه وسيلة سليمان فرج من بلدة عبيه من النّساء المؤمنات المتَّصلات بلطائف الذِّكر، وكانت على درجةٍ من الثقافة، إذ حصلت في عشرينيّات القرن الماضي على شهادةٍ علمية، وكانت من هواة إنجاز أعمال فنِّـيَّة تشكيليَّة في التَّطريز، وهي تركت أثراً بارزاً في الطِّفل سامي المولود سنة1931؛ فكان من مكوِّنات شخصيَّته أثر حنان الأمّ وميولها الراقية من جهة، وحضور الأب بعقله وفؤاده وتهيُّبه الجمال في فنه وسلكه الروحي الهادف إلى تعبُد الحق من جهة أخرى.
إذًا، كانت والدته باباً من الرَّحمة كما أحسَّ بها الطفل سامي، وكانت سبيل التأديب والتقويم لطفليه، كما أرادها الشيخ نسيب. هذا نزرٌ يسير مما ذكره أمامنا الفقيد غير مرة، وكان قد ضمَّنهُ كتاب سيرة حياته الذي انتهى من تدوينه قبل أشهر من وفاته، وسوف يُنشر لاحقاً بإذنه تعالى. كان الدكتور سامي يذكرُ والديه كثيراً، وكان ممَّا يقوله في هذا الصَّدد: عرف والدي كيف يربينا بالكلمة الطيبة والمرافقة، وكيف يقيم القصاص بالتلويح بـ “قشة المكنسة”، وكيف يشذّب شخصيتي بمساعدتي على بناء الموقف ودفعي إلى التفاعل مع ما أتعرّض له ويعترض دربي عوضاً من الانفعال، وعرف كيف يوازن بين الأبوَّة وبين الصداقة والأخوَّة لي ولأخي سعيد، إلَّا في الحالات التي تخرج عن الحدّ، كتلك التي “تشاجرنا فيها سعيد وأنا، ووصل شجارُنا إلى مسامع أبي، فأقبل علينا وقال بحدَّة: “اثنان مش مناح بيختلفوا، وإذا واحد من الاثنين مش منيح بيختلفوا، وإذا الاثنين من أهل الخير ما بيختلفوا”، فانصعنا إلى صوت الحق في كلامه، وانتهى ما كان بيننا من شجار”.

محاضراً في فرنسا
محاضراً في فرنسا

دراستُه
تلقَّى الفتى دراسته في الليسيه الفرنسية في بيروت، ثمَّ في الكلِّـــيَّة اللبنانيَّة في سوق الغرب، وتنامت شهرةُ والده الذي كان قد بدأ حياته نجاراً، وسرعان ما اكتشف ما حباهُ اللهُ له من موهبةٍ في تدبيج الخطّ العربيّ، فراح يخدمها بما يرضي المولى عزَّ وجلّ، وأحسن في ذلك إحساناً بلغت معه شهرته الأقطار والجهات. وبقي إلى أن توفَّاهُ الله مطلع السبعينات خادماً أميناً لتلك الموهبة، معترفاً بالافتقار إلى الله حيالها، وحيال ما ترتب له عليها من منجزات غير مسبوقة في الخط العربي جعلته متربعاً على عرش فنه. لكنَّه واظب على النَّظر إلى نفسه بعين التقصير من حيث عدم بلوغه كمال فنِّه. وقال يوماً لولده رحمة الله عليهما: “لقد منّ عليَّ المولى بعظيم فضله وكرمه، وباتت أعمالي تنافس أعمالي، لكنَّني لستُ براضٍ عنها كلّ الرِّضى. أعني بذلك أنّ الفنَّ كما العِلم هو إرتقاء بعد إرتقاء”. ولا شك في أنّ فقيدنا تأثَّر بشخص والده وشخصيته اللامعة والجامعة للتفوق والتقوى في آن، وبحكمته القادرة على ضبط طغيان الأنا بالإنكباب على معرفة الله والشكر لنعمه، وبالتبرؤ من عين الشهرة بالتفاني في خدمة الجمال.
بعد حصول الشاب سامي على شهادة البكالوريا، إلتحق بالجامعة الاميركية في بيروت ليحصل على إجازة في الادب العربي والفلسفة سنة 1954، وعلى الماجيستر في الآداب سنة 1957. ترافق ذلك مع استمرار التنشئة الدينيَّة في رعاية والده وشيخه، وبين أصدقاء الوالد من الإخوان الأفاضل، وتعرّفه على شيوخ البلدان والشخصيات السياسية الدرزية والوطنية. ومن الطبيعيّ أن يتقاطع هذا كلّه مع احتكاكه بالأنتليجانسيا اللبنانيَّة عموماً، والدرزية خصوصاً، منها في الحياة الجامعية والصالونات الثقافية، واطّلاعه على ما راكمته من نتاج أدبي وفكري، وما تخلَّل ذلك النتاج من اجتهادات بعض الدّروز خارج السياق المألوف لأدبيات التَّوحيد خلال النصف الأول من القرن الفائت وبعده، أي في مرحلةٍ سبقت انتظام المؤسٍسات المذهبيَّة، ولا سيّما منها مشيخة العقل في سياق تنظيميّ عام. هذا الأمر، حفّز الشاب سامي مكارم آنذاك، على التفكير في اكتساب تخصُّص متعمِّق في شؤون الحضارة الإسلاميَّة. ونقل إلى والده رغبته في الانتقال إلى الخارج للإستزادة من العلوم في هذا الحقل. فما كان من الشيخ نسيب إلا أن قال لولده، “إنَّ العلمَ من لدُن الله تعالى، والتعلُّم واحدة من نعمه. فإذا مَنَّ اللهُ عليك بالعِلم، فاستخدِمه لغاية وجهه الكريم، وليكن الخيرُ زادَك والحقُّ مطلبَك. وقال له أحدُ أصدقاء والده من الموحِّدين الشيوخ: إذا كانت نيَّتك من التعلُّم خدمة أمَّتك وخدمة الحق، فأنا أدعو الله لك بالتوفيق، وإذا كانت غايتك استخدام عِلمك في غير ذلك فإني لا أدعو لك بالتَّوفيق”.

زيارة إلى الشيخ الفاضل أبي محمد جواد ولي الدين
زيارة إلى الشيخ الفاضل أبي محمد جواد ولي الدين

.

في الولايات المتَّحدة الأميركية
أمضى سامي مكارم سنوات التَّخصُّص في جامعة ميشيغن آن أربر في الولايات المتَّحدة الأميركيَّة دون أن تبرحَ قلبه وفكره تلك الوصيَّتان اللتَّان مثّــلتا له، إلى جانب ما اكتنزه من معارف روحيَّة، الحافز الأهمّ للإنكباب على ماهيَّات العلوم، وأمَّهات الفلسفات والأفكار الدينيَّة، وعلى التعمق في الأصول الإسلامية وتفرُّعاتها من مذاهب وفِـرَق. وتوسَّعت مداركُه، أيّ توسّع ودرس على يد مفكِّرين عالميين كبار. وكان أن زار لبنان في تلك الفترة غير مرَّة، فألقى محاضرته الأولى بدعوةٍ من رابطة العمل الاجتماعي في بيروت سنة 1959ـ وهو الذي كان من مؤسّسيها في حضور أركان من الطائفة روحيِّين وزمنيِّين، بينهم سماحة شيخ العقل محمَّد أبو شقرا، والزَّعيم المفكِّر كمال جنبلاط، والمربِّي شكيب النكدي. وعبَّرت تلك المحاضرة عن المسار العام لحراكه الفكريّ والمعرفيّ الذي انتهجه لاحقاً، عاملًا على تحقيقه خلال العقود اللاحقة. وكان كما ذكرنا، قد بذل جهوده لنيل الدكتوراه في الفلسفة والعلوم الإسلاميَّة، محدِّداً الفرَق الباطنية موضوعاً لأطروحته التي انجزها في سنة 1963. وفي الوقت نفسه كان قد باشر تدريس اللغة العربية في الجامعة التي درس فيها قبل أن يعود إلى لبنان ليبدأ مسيرةً استغرقت نحو نصف قرن من الزَّمان، مجاهداً ومحاولاً المواءمة والتوفيق والتوحيد بين نظرتين: نظرتنا إلى ذواتنا وإلى أمَّتنا بأعيننا نحن، ونظرة الآخرين إلينا وإلى أمَّتـنا عبر رؤية الآخَر في العالم الواسع لنا. واستمرَّ عاملاً في سبيل تصحيح الخلل الذي يشوب العلاقة الحضارية بين الشرق والغرب، وهو الخلل الَّذي يشوِّه الصُّورة السَّمحاء للإسلام الحق، ودوره الريادي في مسارنا الحضاري.

العودة إلى لبنان
عاد إلى لبنان سنة 1963 ليدرّس الفكر الاسلامي في الجامعة اللبنانية، ثمَّ جرى تعيينه سنة 1964 أستاذاً مساعداً في الأدب العربي والفكر الاسلامي في الجامعة الاميركية في بيروت، وترفّع لاحقاً ليصبح أستاذاً أصيلاً. وسرعان ما اندمج في الحياة الفكرية والأدبية مجَنِّداً مخزونه المعرفي وبراعة قلمه وموضوعية نقده وأكاديمية أسلوبه وحداثة لغته في خدمة قضيته الأساسية وهي المعرفة المتعمِّقة خاصَّةً في التوحيد، هذا الحقل القائم في جوهره على الثوابت، الحقل الشاق والشيِّق في آن معاً، كما وصفه ذات مرّة. ولم تمضِ سنتان على عودته إلى لبنان إلا وعهدت المرجعيَّات الروحية والسياسية في طائفة الموحدين الدروز إليه مسؤولية توضيح الالتباسات المترتِّبة عن الأزمة الناشبة من جرَّاء صدور كتاب “مذهب الدروز والتوحيد” لـ عبدالله نجار، الَّذي أثار جدلاً حول دقَّة المسائل المطروحة ومنهجيَّة تناولها. ووُفِّقَ الدكتور سامي مكارم، من خلال لغته الحازمة ومنطقه المحبوك وتبيانه للحقائق والقرائن الوافية والمبيّنة إسلامية المذهب، في وضع نقاط الحقيقة التي يمكن أن تعالج المسألة بكلِّيتها، وليس اجتزاءً مشوِّهاً لأساس الموضوع، وصدرت تلك التّوضيحات العِلميَّة في كتاب “أضواء على مسلك التوحيد” الَّذي كتب له الزعيم والمفكِّر كمال جنبلاط مقدّمةً بالغة الأهمِّيّة، فأعطى بُعداً فكريّاً آخر موازياً للبُعد المعرفيّ الروحانيّ الذي عبّر من خلاله الدكتور مكارم عن النظرة التوحيدية للمسائل التي طرحها النجّار، وعالج أيضاً جوانب أخرى مكمّلة.

وسام-المؤرخ-العربي-من-«اتحاد-المؤرخين-العرب»-تقديراً-لإنجازاته
وسام-المؤرخ-العربي-من-«اتحاد-المؤرخين-العرب»-تقديراً-لإنجازاته

آفاق همَّته ونشاطاته
تعزَّزت علاقتُه بأركان الطائفة الرّوحيِّين بعفوية خالصة، وتنامت مع الثِّــقاة والعلماء وتكاملت، في الوقت الذي اتَّسعت فيه آفاقه مع ما ترتَّب عليه تباعاً من مسؤوليات، سواء في حقل التعليم حيث شغل رئاسة دائرة الادب العربي ولغات الشرق الادنى في الجامعة الأميركية مرَّتين، كما كان أستاذاً غير متفرغ في برنامج الدّراسات العليا في الجامعة اللبنانية. وعُيِّنَ لاحقاً مدير مركز دراسات الشرق الاوسط في الجامعة الأميركية في بيروت؛ أو في اشتغاله في الفكر والثّقافة التوحيديَّة بحثاً وتأليفاً، وفي مسلك التوحيد بشكل ميداني إرشاداً وتوجيهاً، وبينه وبين خالقه عملاً وتحقيقاً؛ أو من حيث مواهبه التي تفتَّقت تباعاً في الشعر والفنِّ والأدب والأبحاث اللغوية وظهرتْ في أعمال قام بنشرها بدايةً في الصُّحف والمجلَّات والدَّوريات الأدبيَّة والعلميَّة، وأصدرها خلال العقود اللاحقة في كتب ومؤلَّفات جعلت منه مرجعيَّة أكاديميَّة في الإسلاميات والتصوُّف والفِرَق الباطنيّة واللغة العربيّة والأدب؛ فأمسى “حركة تنوير” في حدّ ذاتها، اشتملت على مدى عشرات السنين صنوف الأدب العرفانيّ، والشّعر، والنثر الشعريّ، وآداب الرجال، وفنّ تشكيل الحرف، والـتَّـأريخ، والقصَّة، والفلسفة، وأدب السّيرة، إلى جانب لعبه دوراً فاعلاً في مواكبة مسيرة “مؤسَّسة العرفان التوحيدية” منذ تأسيسها في السبعينات من القرن العشرين، ودوره المركزي عند تأسيس “المجلس الدرزي للبحوث والإنماء” في الثمانينات، وريادته أعمال البحث فيه، ومشاركته ككبير الباحثين في مؤسسة “التراث الدرزي” منذ تأسيسها سنة 1999. وبالإضافة إلى كونه عضواً مؤسِّساً في جمعيّات فكريّة وأدبيّة وإنسانيّة عدّة في لبنان والعالم الاسلامي، رعَى جمعيّات أهليّة وخيريّة، وشارك في عشرات المؤتمرات ومئات الندوات والمحاضرات. كما أقيمت للوحاته التشكيليَّة الحروفيَّة عشرات المعارض في لبنان والخارج، وتميّز خطُّه الفنيّ بمساحات من اللون والحركة أخرجت هذا الفن من قيد الكلاسيكيّة، وأسهمت في إثرائه بقواعد الجمال، ما جعله خطّاً مبتكراً في مجال هذا الفنّ له طابعه المكارميّ الخاصّ.

 

 

“كان أصيلاً في تمسُّكه بثوابت التّوحيد المعرفيَّة ومؤمناً بأنَّ المعارفَ والعلوم جميعَها سائرة إلى بلوغ غايتها في الوحدة بالعِلم الحقيقي”

رثهُ الغنيّ
فهمَ سامي مكارم الحرية على أنَّها العبودية للحق بكمالها وإتّباع إرادة الله وأمره بالكليَّة، فكان حرّاً بمقدار استطاعته، وكان داعيةً لحرّيَّةٍ معتمِدةٍ على التَّوحيد ومنبثقة منه، والحرّيَّة كما يقول هي المسؤوليَّة بكمالِها. وجسَّد بنفسه أنموذجاً في تحمُّل جسام المسؤوليات مع من حوله وفي ما حوله، وفي حرصه على إرث الأسلاف الأعراف والمحافظة عليه باعتباره إرثاً لا يورَّث توريثاً، ولا يُنقل نقلاً، وإنَّما يُعاش بالتَّفاعل، ويحياهُ المرءُ بالمؤالفة بين صدرٍ حرٍّ وبين صدر حرّ آخَر. فحاول صياغة هذا الإرث بلغةٍ معاصرة وأمانةٍ عالية ودقَّة متناهية وفق المستطاع، ليتركه ذخيرةً حيَّة فينا ويرحل عن 82 عاماً.
وخلّفَ الدكتور مكارم في الوقت عينه نتاجاً فكريّاً وفنيّاً كبيراً، وتاريخاً أكاديميّاً في الجامعة الاميركية في بيروت التي شهدت دأبه على عمله الفكريّ حتَّى الرَّمق الأخير، وسجِلًّا حافلًا في تجواله على المغتربات الدّرزيَّة كافّة لنشر كلمة التوحيد والدِّفاع عن مفاهيمها الصَّحيحة. كما أثرى المكتبة العربيَّة والإسلاميَّة بنحو ثلاثين كتاباً تنوَّعت مواضيعُها وفق ما سبق ذكره، وبقي بعضها مخطوطًا أو في طوْر الطباعة.

المؤلّفات
كَتَبَ في الفكر الدينيّ والعرفان وأدب السيرة والنثر الشعريّ، وأكثرها شهرة في البداية كتاب “أضواء على مسلك التوحيد” في الستينات، وThe Doctrine of the Ismailis, وThe Druze Faith في السبعينات، وكانت له إسهامات مهمة مختلفة بتكليف من مشيخة العقل صاحب السّماحة المرحوم الشيخ محمد أبو شقرا، وشارك صديق عقله وقلبه الراحل الدكتور عباس ابو صالح في تأليف كتاب “تاريخ الموحِّدين الدّروز في المشرق العربي”، الصادر عن المجلس الدّرزي للبحوث والإنماء في وقت عصيب من تاريخنا تعرَّضَ فيه الدّروزُ الموحِّدون لهجمةٍ شرسة شكَّلت خطراً على وجودِهم وصورة هويَّتهم الاسلاميَّة، فكانوا فيها عرضة لسهام الفتنة والتشكيك خلال حرب الجبل في الثمانينات.
كما تناول الدكتور مكارم في أحد كتبه شخصيَّة المتصوِّف الكبير الحلاج، وبيّن في “الدراسة التوحيديَّة” التي تضمَّنها الكتاب ملامح وسِمات “حلَّاجيَّة” لم يسبق لباحث أن أظهرها من قبل. وأنجز بحثاً روحيّاً لطيفاً تناول فيه سيرة حياة المرحوم الشَّيخ التَّقيّ المتشوِّق علي فارس من فلسطين، فتعمّق في سبر أغوار تجربته التوحيديَّة، ودقائق مسلكه الدّينيّ. وتناول والده الشيخ نسيب مكارم في كتاب أيضاً، جامعاً آثاره الفنّيّة وخفايا سيرته. وكَتَبَ عن أكثـر المتصوِّفات في الإسلام رِفعةً بعد أن جمعَ تراثهنّ في كتاب “عاشقات الله”. وأبحر في خفايا تجربته الخاصّة، ومعارجها الروحيَّة عبر نصِّه الوجداني “مرآة على جبل قاف” الذي اعتبره بعض النقَّاد أثراً عرفانيّاً في أدب السِّيرة الروحانيَّة قلَّ نظيرهُ في أدبيَّات العصر. وحاول مطلع الألفية الجديدة أن يصوّب حركة التأريخ من خلال وضعه لكتاب “لبنان في عهد الأمراء التنوخيين” (راجع في هذا الملفّ مقالة خاصَّة عنه)، الذي تمكّن فيه من تبيان حقيقة أنَّ أمراء الغرب وبيروت التنوخيِّين هم المؤسِّسون الأوائل للكيان اللبناني قبل الأسرة المعنيَّة.
كما تناول الدكتور مكارم بمنهجيَّة مدقِّقة مفهوم “التقيَّة في الاسلام”، فكتب بحثاً مسهباً نشرته “مؤسَّسة التراث الدّرزي” سنة 2005، أكَّد فيه ثبوت استخدام التقيَّة من قِبل الفِرق الاسلامية المختلفة خلافاً للإعتقاد السائد أنَّها مختصَّة بالفِرَق الباطنيَّة دون سواها. وكان له تراجم عدَّة عملاً وتحقيقاً. وفي السَّنوات الأخيرة من حياته ازداد ميلًا إلى الغوص المعمَّق في الذائقة العرفانيَّة فكتب “العرفان في مسلك التوحيد”، مبيِّــناً البنية العرفانيَّة الإسلاميَّة لعقيدة التَّوحيد. وترك عشرات القصائد والنثريَّات الموزعَّة في متون “قصائد حبّ على شاطىء مرآة”، و”ضوء في مدينة الضباب”، وكتب أُخرى تمَّ نشرها، وأُخرى غيرها هي قيد النشر الآن، بينها كتابا شعر هما: “نون والقلم” و”زهرة الليلك”. وقبل أشهر قليلة من رحيله، أنهى نصّاً تضمَّن ما أمكن من سِيرة حياته، وبعض أعمال لم تمهله الأيَّام وقتاً لإنجازها.

حراك حضاريّ
كان سامي مكارم “حِراكاً حضارياً” في بيئة “مطمئنَّة” لم تألف هذه الوتيرة المتصاعدة من مثل هذا الحِراك في بابه. ولا نُغالي إذا قلنا إنَّ عمقَ الأثر الإنسانيّ الَّذي ولَّده لم يُكتشف بعد بكليَّته حقّ الاكتشاف. فهو كان “أصيلاً” في تمسُّكه بثوابت التّوحيد المعرفيَّة، ومتشدِّداً بوجوب التَّعبير عنها عرفاناً في التجربة الذاتيَّة والجماعيَّة. ومؤمناً بأنَّ المعارفَ والعلوم جميعَها سائرة إلى بلوغ غايتها في الوحدة بالعِلم الحقيقي. وكان إلى ذلك صاحبَ نظرةٍ تجديديَّة في الأدب العرفانيّ، والشِّعر المنثور، وفي الحروفيَّة التشكيليَّة، جاعلاً للجمال غايةً متحرِّرة من قيد الحرف واللون والقالب. كما جاهد هو بنفسه أن تكون عليه “هويَّته” من النَّفاذ إلى الأفق الفسيح، حيث استمرَّ من خلال تعدُّد مواهبه، وتنوُّع اهتماماته، توَّاقاً إلى بلوغ إنسانيَّته كمالها الأنسيّ في هذه الوحدة الكونيَّة. لذا تراه اعتبر “الأنا” مصدر كلّ سُوء وتفرقة، وعدّها “سلاح الدمار الشامل”، ومسؤولة عن كلِّ تضارُب في هذا الكون، بدءاً من نزاع الخير والشَّرِّ في النَّفس، وصولاً إلى صراع الأضداد في عالم المعنى. واستمرّ يحذِّر من سطوة الأنا على الأفراد والجماعات والأنظمة والمجتمعات.
إنَّ الحياةَ المكافِحةَ في المعرفةِ التي عاشها الدكتور سامي مكارم هي تجربة فريدة فوَّتها الكثيرون من الباحثين عن كيفيَّات الالتزام بالأدب الروحيّ في الحياة المعاصرة، والإرادة والمشيئة لله عز وجل في كلِّ حال. لكنَّ الغايةَ الَّتي جاهد في سبيل نقلها إلى الأجيال اللاحقة ترسَّخت في مضامين الإرث الَّذي خلَّفه من حيث هو إرثٌ متأصِّلٌ في الجذور. ونحن بدورنا علينا خدمة هذا الإرث لكي نُحسنَ الانتفاع به واستخدامه في مواصلة خدمة غايات التربية التّوحيديَّة الراقية، وهو أمسى “حالة معرفيَّة متعدِّدة الأبعاد”، ولَّدتْ حالة الوعي، واستقرَّت “هنا” في صميم الذاكرة الجماعيَّة للموحِّدين أينما وُجدوا، وفي قلوب عارفيه ومحبِّيه في مختلف الأقطار والأرجاء إلى أيِّ طائفة أو دين أو فكر انتموا.
كان سامي مكارم داعية “الانخراط في الواقع”، وهو ترك فيه “بصمته الإنسانيَّة حتى لحظات حياته الأخيرة. فهو انتهج التَّوحيد منهجَ حياة معاصرة في التفكُّر والمحبَّة، وفي القول والفعل، وفي الذِّكر والمذاكرة، وفي البحث والاستشعار، وفي الإلقاء والسَّماع، وفي التدريس والتأريخ، وفي الفنِّ وتذوُّق الجمال، وفي الشَّغف بالتُّراث وشوقاً إلى التّجدّد، وفي النّظرة المسؤولة إلى الذّات ونظرة الشّفيق الرفيق إلى الآخر، وفي احترافه “النّـقد الناعم”، والتأديب بـ”قشّة المكنسة”، وفي عدم سكوته عن الظُّلم ومعونته للظالم حتى يعود عن ظلمه، وفي نبذ الخلاف واحترام الاختلاف، وفي انجباله بالصَّبر وحرصه على وحدة الكلمة، وفي براعته في فنّ التَّواصُل، ومراعاته خصوصيَّات الوعي عند كلّ الناس، وفي التَّعامل معهم بالتي هي أحسن من موجبات حاضرهم وممّا يفقهون، وفي تقديسه لأصول “العِلم” وأصحابه العِظام آباء المعرفة، وفي النَّهل من أوتاد الأرض الشيوخ الثّقاة، وفي تفانيه في خدمة كلّ ما حوله وكل من حوله. وفي الخلاصة: حاول سامي مكارم اكتشاف حقائق الأشياء بحقائقها ذاتها، فكان من الأوائل في حقله في وقـتـنا هذا، كما لكلِّ زمن أوائل.

 أجيال متعاقبة من الشباب نهلت من معين التوحيد على يديه ولا سيّما خلال السنوات العشرين الأخيرة في النّدوات والمحاضرات وحلقات المذاكرة
أجيال متعاقبة من الشباب نهلت من معين التوحيد على يديه ولا سيّما خلال السنوات العشرين الأخيرة في النّدوات والمحاضرات وحلقات المذاكرة

تعليم أجيال
أجيال تعاقبت على “مائدة” سامي مكارم ونهلت من معين التوحيد على يديه ولا سيّما خلال السنوات العشرين الأخيرة في النّدوات والمحاضرات وحلقات المذاكرة والجلسات التي لم تُحرَم منها منطقة في لبنان. كذلك شملت الدول العربية والمغتربات الدرزية في الأميركيّتين واستراليا وأوروبا وأفريقيا. وتحلَّقت تباعاً حوله كوكبةٌ من الشَّباب تتلمذت عليه وتنادوا في ما بينهم بـ “المجموعة”. وكان يردِّد أمامهم مُنبِّهاً قبل سنوات: ” لستُ قبطان الطائرة، لكنَّني واحدٌ من المسافرين”. حضر إلى منزله ذات صيف قبل ستّ سنوات شاب يدعى دانيال آتياً من الأرجنتين برفقة ولديه اليافعين، وقال: هاجر والد جدي إلى الأرجنتين ووُلِدَ جدي ووالدي ووُلِدتُ أنا هناك، وهذه رحلتي الأولى أحقِّــق فيها حلم حياتي في التعرُّف على جذوري في لبنان، لكنك يا د. سامي كنت معلّمي وشيخي خلال ثلاث عشرة سنة، مذ قرأت أحد كتبك تعرَّفت عليك، وكنت أقيم المحاورات معك، أسألك وأنت تجيب من صفحات الكتاب… وعاد دانيال “عن” غربتهِ مُفعماً بالأنس، مكتنزاً للحقائق خلال أسابيع قضاها في رحاب الوطن وأهل المعتقد، فكم من “دانيال” عاش غربته في الوطن وكانت لسامي مكارم يدٌ في انتشاله إلى حقيقة هويَّته في النور؟
ومع ذلك، فلا يمكننا إغفال حقيقة أن الراحل، الذي كان سبّاقاً بين بني زمنه، ومتَّبعاً أصالة الإحسان وروحيَّته، كان عاملاً فاعلاً على نهضة مرتجاة تمنّاها لأمَّـته، وهو ما لم يحدث بالكلّية خلال سنوات حياته الـ82. لكن غيابه وواقع الحال يحمِّلان جميعنا المسؤولية في أخذ المبادرة، وتسليمها الى الأجيال اللاحقة كما نهج الأسلاف الأعراف على ذلك ونَهَجَ سامي مكارم نهجهم، حيث تجاوزوا بقاماتهم المعرفية حواجز وصعاباً كثيرة على مرّ السنين. وأملنا يقينيّ في البيئة التوحيدية التي تفاعل فيها الراحل خادماً أميناً للحقيقة ومناضلاً من أجلها ومن أجل مستقبل أبنائها، البيئة التي تكتنز أصالةً معرفيةً، حضارية في العمق، أن تستمرَّ بيئة راعية وحاضنة لحركة الوعي التي عمل الراحل على توليدها في عقول وقلوب “الناس”، ومن بينهم أولئك الذين تتلمذوا عليه، إخوانه الشَّاهدون على البركات التي حاز عليها من الأعيان الثقاة الكبار، وكيف كانوا يشدُّون أزره، وشهدوا على الإجلال والإكبار والتفاني الذي أبداه الفقيدُ لأولئك الشيوخ الاطهار المنسجمين مع ذواتهم في الزهد والنقاء والورع والتقوى خلال عقود، ونهلوا (التلاميذ) مع شيخهم من عقول وقلوب أولئك الكبار “عيون العرفان”، المكتنزين لوعي عظيم تلحّفوا به، ولا يُصرف في معظمه في غير الابتهال ومناجاة الحق تعالى، في طلب نعمةٍ ربَّانيَّة آتية بالربيع الحقيقي إلى الكون وإليهم. ويذكرُ “الشّباب” مقولة الكتاب، وما كان يردِّده شيخُهم أنَّ ربيع العدالة والحقّ والخير آتٍ، وآمنوا بما آمن به وأمَّنَهُمْ عليه من أن الحساسين يمكنها أن تصنع ربيعها إذا ما حافظت على وحدة الكلمة، وإذا ما نجح “الشباب” في صيانة حلمهم الذي صاغه معهم شيخهم؛ وذلك يكون بتناغم معشرهم وبصونه من نظرة الفرق ومن الأهواء، وبالاستمرار في اعتبار الحق غاية قصدهم .

منزله في عيتات الذي كان منتدى للذكر
منزله في عيتات الذي كان منتدى للذكر

عاشق الكلمة
بذل الدكتور مكارم عمره كلّه في ما يحبّ، وساعات قليلة من النوم كانت تكفيه. هاتفتُ منزله يوماً في التاسعة إلا خمس دقائق صباحاً لألفت إنتباهه إلى صدور مقال افتتاحي في جريدة النهار كان قد تناول فيه كاتبُه كتابَ “العرفان في مسلك التَّوحيد”، أجابت زوجته السيدة ليلى على الهاتف، فنقلتُ لها غايتي من المكالمة وانتظرت أن أسمع صوته وأسلّم عليه، كما جرت العادة، لكنَّها اعتذرت منِّي قائلة: “سامي من شوي نام.بس يوعى بقلو يحكيك”! كان لم ينم طوال الليل، وسهر الفجر لكون الكتاب أنيسه، فكم أنِس بمن عشقوا الكتاب وعاشوا الحكمة عيشاً بالكلّية لا بالتكلُّف؟
هو نديم الكلمة والقلم، وقرين الباحث والقارىء والشّاعر والمؤلِّف. وهو من ناغمَ الحروف تغزّلاً قبل أن تنداح مرفرفة على لون المئات من لوحاته، وفيها صبْو لفرح عينيه ولتغريدة قلبه، كما صبْو كلّ من عرفه في كل مرّة يغادر فيها محضره. “الفَرِحُ” على الدوام، وفرحُه الداخليّ ينصبُّ فيك انصباباً مُطهِّراً إيَّاك من “حطام” دنياك، ويرتقي بك إلى حيثُ شفاف الإنسانية النبيلة المخبوءة فيك. كان “مدرسةً ومنهجاً ولغة ومعلّماً” في مخاطبة الناس بالتي هي أحسن، أحسَنَ فيهم وأحسَنَ إليهم، وكان يوحي لكلِّ من إلتقاه يوماً من عارفيه ومن أجيالٍ تعاقبت وكان مواكباً لوعيها أفراداً وجماعات، أن المعرفة كامنة في النَّفس، وما عليك إلَّا اكتشافها فيك، داعياً إياك إلى أمر واحد: “كن إنساناً”
منّا من آخاهُ على درب الحقيقة، ومنّا من تتلمذ عليه، ومنّا من واكبه، ومنّا من عاصَـرَهُ، ومنّا من صادقه، ومنّا من غادره قافلاً إلى حيثُ كان، ومنَّا من غادره إلى مكان أكثـر أمناً. وهو كان الأخ الناصح، والأب الشفيق، والمربي الرفيق، والمعلِّم “السقراطي السِّمات” لنا جميعاً، والمفيد المستفيد، والباحث دائماً عن كلِّ ما هو حق وخير وجميل فيه وفينا وفي هذا الوجود الأنيق.
تعامل مع الطفل ببراءته، ومع الزعامة من هيبتها، ومع الكريم بكرمه، ومع الفقير بمشاركته، ومع المرأة من أنوثتها، ومع الجاهل من حدِّ وعيه، ومع المتفكِّر من مضامين أفكاره، ومع الشَّاعر من أخيلتِه الشِّعرية، ومع المتواضع بالتذلُّل إليه. وخاطب كلّ ذي شأن من شأنه، إلَّا صاحب “الأنا” كان يدعوه بوسائل غير مباشرة وبأمثلة مختلفة إلى التبصُّر في حاله، ويتمنَّى عليه أن يستقيل من هوى نفسه ليرتبط بالسَّعادة مغتبطاً، وما السَّعادة غير عظمة التوحيد، “كفّ عن النظر بعين العظمة، تصل إلى مقام العظمة”، كما ذكر في أحد كتبهِ.

 

المعراج الأخير
ظلّ يحذِّر من الأنا، واستمرّ يحذّر منها إلى آخر يوم قبل توعُّكه، حيث كانت جلسة الوداع في أوَّل أيَّام عيد الفطر المبارك الواقع فيه 19 آب 2012، مع أطفال وشبّان وشابات، بلغ الصغير بينهم سنّ الـحادية عشرة، يومها قال لهم: أنتم أمل هذه الأمَّة ومحور التفاعل فيها. أنتم على تماسّ مباشر مع أبناء جيلكم. إذا ما وضعتم انتباهكم على الحقيقة لا على الشخص أو الأشخاص تنجحون. فالطبيعة يحكمها النّظام المتوازن وهي لا تقبل الفراغ، والفراغ هو فوضى التوازن. ضعوا النظام نصب أعينكم، واعلموا أنَّه من خلال الأنس بهذا النظام وحبّه يتطهَّر الإنسانُ من أناه. “. وعندما استأذن بعض الشبّان للمغادرة قال: ” لوين، بعد بكّير!” وأضاف: تكادُ عيني تدمع عند رؤيتكم، لكنَّني الآن بتّ مطمئناً أنَّ المستقبل واعد إنشاء الله”. لم نأخذ كلامه على محمل “الغياب”، لكنَّه أودع أمانته في أولئك الحاضرين، وكان عددُهم سبعة وأربعين.
أحبَّ الدكتور مكارم قصَّة الطّيور كما سردها فريد الدِّين العطّار في “منطق الطَّير”، وأيّ فرح كان يغمره لدى ذكرها على مسامعنا. وفي ذلك النَّص، الذي مثل ترنيمة روحيَّة لرحلةٍ نورانيَّة، ينزع الهدهد الرّيش عن أجنحة الطيور الثلاثين في رحلتها إلى الملك السيمرغي، فكان قدرُه، خلال ثلاثين ساعة أخيرة في حياته، قضاها في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، أن أُصيب بمثل نزع الرِّيش عن جناحيه قبل أن يلج فقيدنا وحبيبنا وشيخنا سامي مكارم المعراج الخير في رحلته.
سألناه في ساعاته الأخيرة: ماذا قال الحلاج حين قُطِّعت أوصالُه؟ فلم يُجِب، من فائق أدبه وحسن تواضعه. حينذاك، قلنا له: “حَسب الواجد … ” تابع عندها قائلاً: “…إفراد الواحد له”. لم يرَ إلى نفسه أنَّه “واجد”، أي أنَّه صاحب وجدٍ يؤهّله إفراد الحق له، وكان في ذلك سائراً على خطى الشيوخ الأعراف، وأحد كبارهم الشيخ الفاضل محمد أبي هلال رضي الله عنه الذي استمر معترفاً بعجزه وافتقاره للتوبة حتَّى الرَّمَق الأخير.
استمرَّ جسد سامي مكارم مَطرحاً لاختبار الألم وما كان يتلفَّظ بغير: “الحمد لله على كل شيء”، إلى أن بلغ التطهُّر بـ “الحبّ” تمامه في كينونته، فأمسى دمه نقياً من كل ماء شركيّ، وقلبه بريئاً من سلطان إبليس، عندها هبط ضغط القلب ليستقر على “واحد”، ونبض الجسد توقَّف عند “واحد”، وتمتمات الفؤاد سكنت في “واحد”. ولمّا لم يكن في الدار غير الواحد، راح جناحا العجز والعشق يطيران بالقلب، من على شجرة الجمّيز، بغير ريش، يحلّقان خلف هدهد الزمان المبحر بلا كلل نحو هذا الحبيب السيمرغي، الذي قال فيه فقيدنا، فقيد الأنس في كتابه “مرآة على جبل قاف: ” لكأنَّ طائر السيمرغ، إذ يبدو للطير وقد بسط جناحيه، وحملني، وطار بي، وغيَّبني في ملكوته، لقد صيَّرني منه وما صيّرني، وصلني به وما وصلني، فصلني عنه وما فصلني غير أنّه ما إن حلّق بي حتى حطّ بي من جديد. ما أوجدني إلا لأعود إليه. وما كوّنني إلا لأكون في كونه شاهداً لوجوده، ذاكراً لآلائه.” وتابع شعراً:
“واليوم عُدتُ إلى ما كنت أحذره ذكرى من الطيب في حِقّ من الطّين!”
استمر هذا الحبيب شاغل شغل سامي مكارم منذ اليفاع، وتدرَّج في اقتفاء أثره تماشياً مع اختمار تجربته الرّوحيَّة، إذ يقول في الكتاب عينه:
“حيــــــث ذاتي تعتلي شيئاً فشيّئًـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
جبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل “القــــــــــــــــــــــــــــــــــاف” السَّحيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــق
فـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــأرى ذاك المحيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــّا
حيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــث “سيمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرغ” الهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوى
يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدَّى لـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي مـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرآة
أرى فيهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا العوالــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم
كلّ ما في الكون من ماضٍ ومن آنٍ وقادم
(مرآة على جبل قاف ـ ص79).

وفي خلال الشهر الأخير من حياته، صرف اهتمامه بالكلّيّة في البحث عن خفايا جبل “القاف”، وعن ملاحقة أخبار ذاك الأعجمي الذي وطىء القاهرة يوماً وبدّل طعم ماء النيل.
سقط جواد سامي مكارم. نعم. وكم نفتقد “اعتزالنا” حضوره بيننا، وهو من كان لنا “أحلى هدايا العمر”، وإن عَمِلنا على معالجة مصاب انتقاله بالرِّضى، فنحن على يقين أنَّ فارس الحقيقة سوف يتابع مسار خروجنا إلى النور.
لقد توفّى المولى الدكتور سامي مكارم برحمته حيّـاً، وهو الذي كان “برحمانيته أوجدني في حدّ الإنسانية. ومن خلَل هذه الإنسانية قدّرني على الارتقاء من مقام إلى مقام، وعلى المسافرة في درجات تعاليم هذا الحدّ الأعلى العاقل للإنسانية الذي به أستطيع أن أتبيَّن ما تهيّأ لناسوتيَّتي أن تتبيّنه من الألوهة (مرآة على جبل قاف ـ ص141).
لقد توفّاك المولى برحمته وكنت حياً، وبقينا نحن (أو كاتب هذه السطور على الأقل) في الغمض مثلنا مثل جنين في الرحم يتلهف إلى لحظة “طلق”. مثلنا مثل نور اكتنزهُ السحَر علّنا نخرج إلى الحياة الحقّ ونقتديك ونقتدي أمثالك من الشيوخ الأطهار قدوة، ومعك ومعهم خلف قبطان السفر نحلِّق في رحلة الحقّ.

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”سامي مكارم <مرآة >المقابلة والمفارقة د. أنطوان سيف” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

يفاجئكَ سامي مكارم برغبة عارمة في الغزْل المستجدّ على نوْلٍ قديم استهلكَ كامل دلالاته ورموزه، بكفاءةِ عناصر أسلوبيَّة ثلاثة تبدو جدَّتها بتلازمها معاً في كتابه، وهي: الشِّعر الصّوفيّ، ومُضارعُه النّثري (لا من باب حلّ المعقود المنظوم)، واللوحة الحروفيَّة التي أحيا فيها الحرفَ الَّذي يُميت، وحوَّله – كما يقول أفلاطون – إلى صورة.
سعى مكارم إلى “إحياء الأدب الصّوفي وتحديثه، من دون أن ينزع عن مواصفاته وخصائصه، ومن غير أن يمنحه أشكالاً مبتدعة ومبتَكرة وغير مألوفة” لم يخرج عن المضامين الدينيَّة والفلسفيَّة التي باتت تقليداً في التصوُّف الإسلامي المعتدل: كتماهي صفات الله بذات الله، وأن “لا موجود إلا الله”، وأنَّ “الكتابَ يدخُل في المصحف” (وحدة الأديان) والوصُول إلى الله بالحُبِّ لا بالعقل، وأنَّ الحبَّ الحقّ حبُّ الحقّ، وكينونة الإنسان التي تغدو، عند الوصول، الكون كلَّه…
إلا أنَّ هذه المطابقة لم تطمس عنده ملامح مخصوصة، لا بل نافرة، تجافي المناخ العام للكتاب بمضمونه ولهجته. فصل “الثورة” الذي أبرز فيه الأحداث المعاصرة ومسالك رجال السياسة والدِّين فيها: “هارون الرّشيد وسلالته”، رمز الحاكم الماجن، سبب الانحطاط المعاصِر العربي والاسلامي. “رؤيا أبوكاليبس” لدينونة أخلاقيَّة تفشي عن انطباع بأنَّ مكارم يقوم هنا بضربة وقائيَّة يراها ضروريَّة، استباقاً لهجوم محتمَل، ومألوف، ضدّ أهل التصوُّف والعرفان، أو هو ردٌّ مسبَق على اتِّهام محتمَل بأنَّ التصوُّفَ هروبٌ من مشاغل النّاس وما يتهدَّدُ حياتهم في الدّاخل، وأوطانهم من الخارج.
باستثناء هذا الفصل فإنَّ الكتابَ، بباقي فصوله، يبدو وكأنَّه بلا تاريخ؛ صدر في أيِّ زمان، وأيِّ مكان من ديار العرب المسلمين.
إلا أنَّ جدَّته الأظهر هي في عنوان كتابه وموضوعاته المركَّبة: فقد أسكنَ مكارم “سيمرغ” فريد الدّين العطّار، ملكَ الطيور المحتجَب، على قمَّة جبل قاف، وجعلهُ مرآةً للعارفين يرونه، بعد طول سفر وشوق، ويرون فيه ذواتهم كاملةً.

غلاف-كتاب-مرآة-على-جبل-قاف
غلاف-كتاب-مرآة-على-جبل-قاف

*****
كي لا تهتزّ صورتُه في صفحةِ الماء، اخترعَ الإنسانُ المرآةَ المعدنيَّة والزجاجيَّة الصقيلة. وجعلها بمتناوَل الكلّ، مذّاكَ ازدادَ الوعيُ الأنويّ، وازدهرَ أدبُ السّيرة الذاتيَّة، كما لاحظ لويس ممفورد
(L. Mumford) وأصبحنا نعيشُ على الحقيقةِ في “حضارة المرآة” التي هي امتداد “لمرحلة المرآة” السيكولوجيَّة الطفليَّة.
مرآةُ سامي مكارم سابقة لهذا التاريخ، وخارجة عليه وعلى كلِّ التّواريخ. مرآة مضنون بها على غير أهلها وهُم قلَّة صافية نادرة. من مرآة الماء التي لا تبوح بصُورتها إلا بطأطأة الرأس باتّجاه العالَم السّفلي، إلى مرآة جبل قاف العالي، آثَر مكارم السّموّ والرِّفعة على التَّعمُّق والغَوص، حيثُ تتعالى النّاسوتيَّةُ صوبَ اللاهوتيَّة. لقد ماهى انتماءَهُ الأهلي الطبيعي إلى أهل الحكمة والتَّوحيد، بانتمائه الطَوعي الإرادي إلى أهل العرفان والحقّ، إذ هُم جميعاً موحِّدون. وهكذا غدا جبل قاف، جبل الموحِّدين، جبل الدّروز الَّذي هوَ الاسم الناسوتيّ لقاف اللاهوتي، قافُ الرؤية والمرآة، ولكن أيضاً قاف السّمع، قاف الدّروز. لقد أدرج ياقوت الحموي الرّومي جبل قاف في “معجم البلدان”، على الرّغم من وصفه له أيضاً بـأن “ما وراءه معدود من الآخِرة ومن حُكمها … وأنَّ وراءه عوالم وخلائق لا يعرفُها إلا الله تعالى”. “جبل قاف” جبل العارفين والموحِّدين، ومن غير واو العطف. وينبغي أن نتقبَّل هنا انحياز سامي مكارم في جعل المرآة على جبل قاف، جبله، وليست ما وراء الجبل كما ذكرها المصدر.
لقد انحدر الإنسانُ بالثّمرة المحرَّمة، وسمَا عندما صوَّب وجهته نحو مرآة قاف، يمحو بها ذاكرته، ينقِّيها، ويتسامى بها على سقوطِه التاريخي. “إنَّ ذكرى الثَّمرة المحرَّمة – قال برغسون – هي أقدم ما في الذّاكرة الإنسانيَّة، الفرديَّة والعامَّة على حدٍّ سواء”.
سامي مكارم العرفاني، فيلسوف الوجد، فنَّان الكلمة – اللوحة – الآية، شاعر الكلمة التي تماهى بها الله منذ البدء وإلى الأبد، عاشق الحقّ الأوحد، الجبليّ الرّيفيّ الَّذي حمل قرويّته معه إلى المدينة التي يمكنُ أن تراها مختبئة بخفر وراء مظهره الدائم ال، وفي ثنايا كلامه الَّذي لم يهجر مرَّة نبرته الهادئة والمهذّبة التي تحسب، وأنت تسمعها، بأنَّها تهمسُ باتّجاه شخص متوحِّد بنفسه في هدأة الليل “على جبل قاف”…
سامي مكارم لم يقل على مدى كتابه، وعلى مدى حياته، سوى هذه الحقيقة الانسانيَّة والوطنيّة الكبرى التي تعكسها المرآةُ المجلوَّة التي لا تُرى فيها الأنا ولا الأنوات ولا النّفس الأمّارة بالسُّوء ولا الرّهبة من الموت، إنَّما صفاء الحقّ يقولُه بوسائل وأساليب هو سيِّد من أسيادها.

[/su_spoiler]

[/su_accordion]

حول كتاب لبنان

حول كتاب “لبنان في عهد الأمراء التنوخيِّين”
المؤرِّخ الّذي استأنَس بروح القَوم

تشكِّل المصادر الأساسيَّة لتاريخ الدروز في القرن الوسيط العمود الفقري لكتاب د. سامي مكارم “لبنان في عهد الأمراء التنوخيِّين” (وهي على التوالي: “تاريخ بيروت” للأمير صالح بن يحيى، و”صدق الأخبار” لابن سباط، و”السجلّ الارسلاني” من حيث هو ثبتٌ.
بيدَ أنَّ مقاربة د. مكارم لتلك المصادر تتميَّز بما يُمكن وصفُه بـ”نور داخلي” متأتٍّ من طول مراس بحثيّ في متونها، حيث أنَّ المعالجة التاريخيَّة لها أتت استلحاقًا باهتمامات واسعة تناولت البُعد الرّوحي والفكري والاجتماعي للعشيرة المعروفيَّة في الجبل اللبناني التي قادها الأمراء التنوخيُّون من مطلع القرن الحادي عشر الميلادي إلى نهاية القرن الخامس عشر. وهذه حقبة استهلَّها الأثر الاجتهادي الفاطمي في فقه الشّريعة، واستجابة القوم له، ممّا أدّى إلى انعكاسات واضحة على نواحٍ مسلكيَّة عدّة عندهم، في حين أنَّ تاريخ حلف القبائل العربيَّة المسمّى “تنوخا” يرجع بالذّاكرة إلى ماضٍ غابر امتدَّ لقرون عدَّة قبل الإسلام – وهو أمر تطرّق إليه البحثُ تأسيساً للحقبات اللاحقة- ممّا يعزِّزُ قاعدة الدّراسة لتكون تاريخاً لـ “تنوخ” ذاتها، وهو العنوان الأصل الّذي تصدَّر مخطوطة مكارم قبل أن تجدَ طريقَها إلى النّشر.

حلف القبائل
يتقصَّى الباحثُ خبر “تنوخ” من البدايات الموغلة في القدم، وأتى على ذكره بطليموس المتوفى حوالي سنة 170 للميلاد، مُورداً اسم هذا الحِلف من بين قبائل العرب في جغرافيَّته، وهو “حلفٌ أقامته قبائل من الأزْد وقُضاعة وكهلان ولَخم وغيرها، فعُرفَت إثره بـ ”تنوخ”، وكان من شأنه أن أعطى قبائلَ هذا الحِلف قوَّة مكَّنتها من أن تنتقلَ من البحرين إلى غربي الفرات – ما بين الحيرة والأنبار – لتسيطر على قسم منَ الطّريق التّجاريَّة التي تربط الخليج وبلاد فارس شرقاً بالبحر الأبيض المتوسِّط غرباً”.
منطقة استراتيجيَّة أقامت فيها تنوخ في النّصف الأوَّل من القرن الثالث للميلاد دولةً كان أوَّل ملوكها، في ما يُروى، مالك بن فهم الأزدي. ويذكرُ الباحثُ استناداً إلى “المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام”، واعتماداً على المزيد منَ الإيضاحات من بعض أمّهات المصادر الإسلاميَّة (الطّبري، ابن الأثير، المسعودي إلخ…) أنَّ هذه الدّولة “تبوَّأت مركزاً مرموقاً بين العرب فخطب ودّها كلٌّ منَ الدّولتَين الكبريَين في ذلك الوقت: الدّولة الساسانيَّة والامبراطوريَّة الرومانيَّة…”، من دون أن تكون خاضعة لأيٍّ منهما.
ويستقرئُ الباحثُ بعضَ النّصوص الأثَريَّة ليعزِّزَ المعطيات التاريخيَّة، وليبيِّن من ثمَّ أنَّ سلطانَ المملكة التنوخيَّة امتدَّ من الحيرة شرقاً إلى بلاد الشّام غرباً إلى نجران جنوباً، و”كانت المملكة في وقتٍ من الأوقات تسيطر على معظم الجزيرة العربيَّة … وكانت لها شخصيَّتها المستقلَّة، ودورُها السياسيّ والعسكريّ الَّذي يتوخَّى مصلحتها الخاصَّة وإن كان يعودُ بالنّفع العميم لكلتا الدولتين المتصارعتَين”.

ملوك تنوخ
يستعرضُ الباحثُ من ثَمَّ أسماء الملوكِ الَّذينَ تعاقبوا على عرش تنوخ، مبيِّناً الأدوار التي لعبوها، والمآثِـر التاريخيَّة التي خلّفوها، ومنها بناء قصر الخورنق المنسوب للنعمان بن امرئ القيس، وصراع المنذر بن ماء السّماء ضدّ الرّوم من جهة، والغساسنة من جهةٍ أخرى، كذلك خبر يوم ذي قار، والموقف الشجاع لهانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود الشيباني في وجه كسرى، عندما أبى تسليم الودائع، التي أودعها النّعمان بن المنذر المعروف بأبي قابوس ملك الحيرة، إليه، وانتصار العرب على الفُرس في تلك الواقعة.
ومنذ صدر الإسلام، شاركت سيوف “تنوخ” في الفتوح. فقد اعتنقَ المنذر بن النعمان الاسلام. واشترك بقيادة خالد بن الوليد في الزّحف عند قدومه إلى الشّام، عون بن المنذر مع المسلمين، كما حضر مشاركاً في واقعة أجنادين بين المسلمين والبيزنطيّين سنة 13 للهجرة وقُتِل فيها.
وأمَّا الأمير مسعود بن عون بن المنذر فقد حضر فتح دمشق ومعركة اليرموك “وقاتل هو ومَن معهُ من لخم وجذام قتالاً شديداً”، كما يقول “السجلّ الأرسلاني” الَّذي يفتتح وثائقه الإثباتيَّة بذِكر تلك المآثـِر.
ويُعتبَر هذا السجلّ أحد الأصُول التاريخيَّة للتنوخيِّين كما سبقَ القول، إنَّما تتوجَّبُ قراءتُه منهجيّاً بعين ثاقبة، ونظر عميق يعقد المقارنة، ويقيمُ البحثَ على استقصاءٍ موضوعيّ للحوادث اعتماداً على موازنتها بالمصادر الأساسيَّة للحقَب الزمنيَّة التي جرت فيها، وهو أمر يجهد فيه الباحثُ وسع الجهد.

دفاعاً عن الثغور
بعد الفتح، كان بمعرَّة النعمان “جمع تنوخ المستكثر” على حدّ تعبير القلقشندي، وكما يقتبسُه مكارم الَّذي يستعرضُ من ثَمَّ المعطيات التي تشيرُ إلى أنَّ قبائل من تنوخ قطنت بلادَ الشّام شمالها وأوسطها قبل الفتح الاسلاميّ وفي أثنائه وبعده، وصولاً إلى وادي التَّيم و”بلاد الصّنوبر” على حدّ تعبير شاعر قُضاعي. هكذا، بدأت مهمَّة “المثاغرة” للإمارة التنوخيَّة التي وُصِفَت بأنَّها “غرس الملوك”، وكان من شأنها “الدّفاع عن عددٍ من ثغور دار الاسلام ضمن الدّولة الجامعة، كما كان من شأنها أن تسهمَ في طبع هذه المنطقة بالطّابع العربي”.
يتحرَّى الباحثُ بعد ذلك عن الامتداد التنوخي في ساحل الشّام بعد أن ميَّز بين سلالتَين هما الفرع الأرسلاني والفرع البحتري الجُميهري. ويروي في السّياق ما باشرته سيوفُهُم من الدّفاع عن ثغر بيروت لقربه من هجمات المرَدة الموالين للروم، ووقائع الانتشار مصحِّحاً العديد من الأخطاء التي وقع فيها بعضُ المؤرِّخين (تحديد موقع بلدة البيرة على المثال).
هكذا تبدأ الحقب الكبرى التي شهدت أدواراً قام بها “أمراءُ الغرب” في عهد الخلافة العبَّاسيَّة فالفاطميَّة، حيثُ نقرأ عن مبايعة سيف الدولة المنذر بن النعمان بن عامر أمير الغرب للإمام الفاطمي المعزّ لدِين الله عبر قائده جعفر بن فلاح الكتامي الَّذي فتح دمشق.
ويُلفِت مكارم إلى خطأ في السجلّ الأرسلاني – ليس الوحيد على كلِّ حال – حين يقف عند الالتباس الَّذي وقع فيه البعضُ بين الأمير أبي الفوارس معضاد بن همام الفوارسيّ، وبين الدّاعي أبي الفوارس معضاد بن يوسف الفوارسي. ثمّ ينتقلُ البحثُ إلى عهد الأتابكة وصراعهم مع الفرنجة، وبدء حملات الفرنجة، ودور أمراء الغرب فيها.
وهنا يدخلُ في سياق البحثِ تاريخُ الأمير صالح بن يحيى المذكور آنفًا. ويكشف مكارم مسألة التنافس بين سلالات الأمراء إذ تعبِّرُ إثباتات “السجلّ الأرسلاني” عن النسَب الأرسلاني، وتعبِّرُ وثائق “تاريخ بيروت” عن النّسب التنوخي (البحتري) على الرغم من ارتباط النّسَبَيْن بجدٍّ أعلى هو النعمان بن المنذر بن ماء السّماء، وهو كشفٌ يسلِّطُ الضّوءَ على آثار هذا التنافُس في قلب هذه المتون القديمة لجهة إغفال بعض الأحداث، أو إيلاء الأهميَّة لبعضها الآخَر.
من ثمَّ يتحدَّثُ عن أدوار الأمراء الجميهريِّين في عهد الأيوبيِّين، محلِّلاً المنشور الَّذي منحهُ صلاح الدِّين للأمير جمال الدِّين حجي بن كرامة، ومستنتِجاً منه أنَّ صفةَ الإمارة أُزيلت لتوزّع إقطاعات على الأمراء. كذلك يحلِّلُ منشورَ الملك الأفضل نور الدِّين الأيّوبي. ثمَّ يُسهبُ في شرح دور ثالوث الأمراء جمال الدِّين حجي وسعد الدِّين خضر وزين الدِّين صالح ودورهم المهم في الأحداث السياسيَّة والعسكريَّة التي دارت في زمنهم، الَّذي شهد اضطرابات كبيرة تَنازَع فيها الأيوبيُّون والمماليك والمغول والفرنجة. دورٌ بلغَ الذّروة في المشاركةِ في المعركةِ الطّاحنة التي جرت في عين جالوت بين المماليك والتتار.
وينتقلُ سياقُ الأحداث إلى عهدِ دولة المماليك البحريَّة، وأهمُّها في ما يعني أمراء الغرب الحملة على “شيعة وباطنيَّة كسروان”. كما يشرح أثَر التّرتيب العسكري الَّذي فرضهُ المماليك على فرسان الإمارة لجهةِ إدراج الجبل في النِّظام الَّذي فرضُوه على مقاطعات بلاد الشّام.

بيروت القديمة
بيروت القديمة

ويُرافق الأصل التاريخيّ “صدق الأخبار” لابن سباط، حقبة دولة المماليك البرجيَّة، وهو يُكمل تاريخ الأمير صالح المنتهي سنة 840 هـ. وهذه حقبة تميَّزت بانهيار أسُس النِّظام المملوكي في ما اعتبرهُ بعضُ المؤرِّخين “عصراً مظلماً” أضاءت فيه سيرةُ الأمير السيِّد جمال الدِّين عبد الله التنوخي بشكل لافت.

سيرة الأمير السيِّد
ويُسهِبُ د. مكارم في سردِ سيرة هذه الشخصيَّة المهيبة الفذَّة ليعطينا صورة تاريخيّة جليَّة عنها، وعمّا كان لها من أبعد الأثَر في تاريخ الموحِّدين ومسلكهم، مدقِّـــقًا في بعض المُعطيات، ومُبرزاً أبعاد النَّهضة الإصلاحيَّة المتعدِّدة الجوانب التي قام بها الأميرُ السيِّدُ وسط بيئته الاجتماعيَّة، راوياً الظروف التي دعتهُ الى تركِ البلاد، ثمَّ عودته، فابتلائه بفقد أولاده وصبره وقيامه برسالته حتَّى كان “نموذجاً للفناء عن الأنا، ومِثالاً للرضى والتَّسليم…”
ويتعقَّبُ الباحثُ أخبارَ تلاميذ الأمير السَّيِّد، ومن بعدهم آخر أخبار التنوخيِّين التي انتهَت بالمأساة التي سبَّبها الأميرُ علي بن علم الدِّين الَّذي ولّاه كجك أحمد باشا على “بلاد الدّروز”، بقتله لآخِر سبعة أمراء منهم بعد أن باغتهُم في قرية عبيه “ولم يترك من بيت التنوخ ولا ذكراً يخلفهُم” على حدِّ قول الأمير حيدر الشهابي.
ويخلص مكارم إلى الاستنتاج بأنَّ التنوخيِّين “قاموا بدور رئيسي في بناء الشخصيَّة المميَّزة لهذه البلاد، فحافظوا على هويّتها اللبنانيَّة العربيَّة، وكان لهم الفضل الكبير في إبقاء هذه البلاد جزءاً أساسيّاً من الدولة الجامعة، ولكنَّهم عملوا كذلك على إبقاء هذه البلاد جزءاً مميَّزاً، كما كان لهم الفضل الكبير في تكوين صفاتها اللبنانيَّة ذات الفرادة الأصيلة القائمة على الانصهار الاجتماعي بين السكَّان على مختلف انتماءاتهم الدينيَّة أو العرقيَّة، ذلك أنَّ ما شاهدهُ اللبنانيُّون من منازعات قليلة بين القيسيَّة واليمنيَّة في القرنين السادس عشر والثامن عشر، ومن منازعات طائفيَّة بدءاً من القرن التاسع عشر، لم يكن موجوداً في عهد السّيادةِ التنوخيَّة على الإطلاق”.

داروين نبي الإلحاد

الدجــــــال
العِلــم يفضــح زيف الداروينية

الـــداروينيـــة منظومـــة إلحـــاد تستهـــدف
هـــدم الأديـــان وإشاعـــة الفوضـــى الأخلاقيـــة

الله نفـــخ من روحـــه في الإنســـان وكرّمـــه
ودارون أراد إذلالـــه بـــرده إلـــى عالـــم الحيـــوان

عجـــزوا عـــن إثبـــات أن الحيـــاة نشـــأت صدفـــة
فزعمـــوا أنهـــا جـــاءت من الفضـــاء الخارجــــــي!

أدت الثورة العلمية والصناعية في القرن التاسع عشر إلى انقلاب شامل في نمط حياة الناس ونظامهم الاجتماعي، وكان من أهم علامات ذلك الانقلاب هو انتقال الثقل الاقتصادي والسكاني والاجتماعي والثقافي بصورة حاسمة من الأرياف إلى المدن الرئيسية، وأدى قيام الصناعات الكبيرة واكتشافات مثل الكهرباء والتلغراف والقطارات ثم العربات السيارة وغيرها إلى دخول الإمبراطوريات الغربية مرحلة غير مسبوقة من الازدهار والرخاء الاجتماعي، وقد تمّ تمويل هذا الرخاء من مصدرين رئيسيين التطور الصناعي في الداخل والاستعمار وقهر الشعوب الضعيفة في آسيا وأفريقيا في الخارج. وساهم التطور المتسارع في الولايات المتحدة ودول العالم الجديد في تعميم الثورة الصناعية ونمط الحياة المادية فبدأت تلك المجتمعات تتفلت من القيم المعنوية والأخلاقية التي تمّ الحفاظ عليها على مدى الأزمنة.

أعطت الثورة الصناعية والعلمية شعوراً هائلاً بالثقة والقوة للمجتمع الغربي لكنها ترافقت أيضاً بتزايد غير مسبوق في المشكلات الإنسانية وظلم الإنسان للإنسان، وقد وجدت قوى الأنانية والطمع الكامنة في البشر في التقنيات الحديثة وتطبيقاتها في الميدان الحربي وسائل عظيمة الفائدة للسيطرة وقهر الآخرين. ولم تقتصر عقلية القهر والفتح على موجة الاستعمار الخارجي، بل ارتدت أيضاً إلى داخل المجتمعات الأوروبية نفسها، إذ حتم اتساع نطاق الثورة الصناعية تعمق الانقسام بين مالكي الثروة والمصانع والمؤسسات وبين ملايين الناس الذين فقدوا أراضيهم وتحولوا من مالكين أحراراً إلى أجراء يتعرضون لأقسى أنظمة العمل وأبشع أشكال الاستغلال.

لكن في موازاة التحوّل الكبير على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، شهد العالم في القرن التاسع عشر انقلاباً موازياً في القيم ستكون له آثاره البعيدة وثماره المرة في ما تبقى من ذلك القرن وخلال القرن العشرين بصورة خاصة. فقد ازدهرت في تلك الفترة النظريات المادية الإلحادية وخصوصاً مع قيام الحركة الماركسية في العام 1848، والتي استهدفت قلب الأوضاع المستقرة في أوروبا، ولعب اليهود الأوروبيون الذين كانوا يعانون بقوة في الدول الأوروبية دوراً مهماً جداً في الترويج للحركات الثورية على اعتبار أن تحطيم الكيانات الأوروبية بما في ذلك الكنيسة التي كانت سداً منيعاً في وجه اليهود سيخلق وضعاً فوضوياً يسمح لليهود كأقلية منظمة وفعّالة في بسط هيمنتهم على القارة ومن خلالها على العالم.
في ذلك الوقت بالذات، وبعد 11 عاماً من إطلاق اليهودي الألماني كارل ماركس لما سمي يومها “البيان الشيوعي” في لندن، أصدر مؤلف يهودي آخر هو تشارلز داروين مؤلفاً بعنوان “أصل الأنواع” وقد وضع هذا المؤلف في كتابه مجموعة من النظريات والفرضيات والمزاعم التي تقول بأن الكون بكل تفاصيله إنما وجد بفعل الصدفة وإن الحياة وجدت بفعل الصدفة وتطورت من أشكال بسيطة مثل البروتين والخلية ثم البكتيريا إلى أشكال أكثر تطوراً إلى أن وصلت إلى وضعها المعقد الحالي. وتضمّن كتاب داروين فرضيات مثل أن الإنسان تطور من القرد وأن الطيور تطورت من الديناصورات وأن التمساح والزواحف تطورت من الأسماك وأن الفيل تطوّر من الدب والحصان من أحد الحيوانات الأصغر إلى آخر ما هنالك من المزاعم.

منظومة التطور المزعوم لاقت ترحيباً فورياً من مؤسسي الشيوعية والقيادة النازية لأنها تحقِّر الإنسان وتبرر العنف ونزعة السيطرة

لم تكن نظرية التطور التي قدمها داروين مستندة إلى أي أدلة علمية، لكنها بدت مفيدة إلى أقصى الحدود لكونها تخدم غرضاً إيديولوجياً مهماً وهو أنها تهدم نظرية الخلق والاعتقاد الراسخ لدى مختلف الأعراق والأديان والحضارات بأن الكون مخلوق وأنه الصنعة البديعة لخلاق عظيم والآية المعجزة الدالة على وجوده الفاعل في الكون. وبسبب فائدتها المباشرة في هدم المعتقد الديني فقد وجدت التيارات المادية التي غذاها اليهود في الداروينية سلاحاً ماضياً يمكن استخدامه لهدم الكنيسة ونفوذ الكهنوت وفي الوقت نفسه لهدم النظم الأخلاقية التي استندت إلى الدين والوصايا المتضمنة في الكتب السماوية. وقام على الفور تحالف مقدس بين الماركسية ومن بعدها النازية والفاشية وبقية التيارات الإلحادية وبين الداروينية وأتباعها وكتب ماركس إلى رفيقه أنجلز لافتاً إياه إلى أهمية ترويج الداروينية في خدمة الماركسية. وكذلك أعلن لينين في ما بعد وستالين وماو وهتلر أهمية الداروينية كأساس لمعتقدهم الفلسفي والسياسي.
ومما لا شك فيه أن اللوبي اليهودي العالمي لعب دوراً حاسماً في نشر الداروينية والترويج لها، كما أن قوى الإلحاد التي تلقفت النظرية نجحت بدورها وعلى مدى 150 عاماً تقريباً من العمل المنهجي في جعل نظرية التطور بمثابة الدين البديل للبشر الذي يقوم على أنقاض الشرائع، وتمّ هذا الترويج المنهجي ليس فقط دون مستندات علمية مقنعة، بل عبر استخدام وسائل الخداع العلمي وتلفيق الحالات والتلاعب بالوقائع واستخدام الرسوم التخيلية الوهمية لإثبات فرضيات التطور. واستفادت الداروينية خلال القرن العشرين بصورة خاصة من مؤسسات رئيسية كانت قد وقعت تحت سيطرة النخب اليهودية في الولايات المتحدة وأوروبا وأهم تلك المؤسسات:
وسائل الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع بما في ذلك مجلات “علمية” مثل ناشونال جيوغرافيك ونيو ساينتيست وتايم وغيرها من المجلات الواسعة النفوذ في العالم.
الجامعات الكبرى خصوصاً أقسام العلوم الطبيعية والتاريخ البشري والتي سيطر عليها الداروينيون وفرضوا عليها مع الوقت ديكتاتورية أكاديمية كانت ترفض تعيين أساتذة في الجامعات ما لم يعلن هؤلاء ولاءهم للداروينية ورفضهم لنظرية خلق الكون. وبالطبع فقد لعبت الجامعات التي سيطر عليها أتباع نظرية داروين والحلقات الأكاديمية الموالية لنظرية التطور دوراً حاسماً في وضع البرامج التربوية للناشئة وفي تكريس نظرية التطور على المستوى العالمي كنظرية علمية لا تقل في علميتها عن العلوم الاختبارية المدعمة بالبراهين القاطعة.
الحليف الثالث والمهم للداروينية كان ولا شك في فئة العلماء والأوساط العلمية التي تميل بتكوينها في غالب الأحيان إلى رفض غريزي للدين ولكل الأفكار التي قد ترتبط بمصادر دينية مثل الكتب السماوية. وقد تمثّل هذا العداء الغريزي للدين من قبل غالبية العلماء في مواقف إيديولوجية كانت تناصر نظرية التطور ليس لأنها نظرية علمية يمكن الدفاع عنها بالبراهين الاختبارية بل لأنها البديل الجاهز والأكثر فائدة في التصدّي للدين وتسفيه الأفكار الدينية وبصورة خاصة إنكار وجود الخالق.
ومما لا شك فيه أن أنصار الداروينية حققوا نجاحاً باهراً في تحويل نظرية لا تستند إلى أي أسس علمية إلى ما يشبه المعتقد العلمي بل الديني الذي لا يقبل الجدل حتى بات من الممكن القول إن الداروينية، وبسبب انتسابها المزيف إلى العلم، قد تكون النظام الفكري الأكثر نفوذاً في العالم اليوم. ويتمثل هذا النفوذ في مختلف وسائل الإعلام لكنّه يظهر بأشد قوته في برامج التعليم التي تسللت إليها الداروينية تحت ستار العلم لتمارس تأثيراً مدمراً على الأجيال الشابة، كما يظهر في الأحاديث اليومية للناس الذين يتعاملون مع نظرية التطور والانتقاء الطبيعي كما لو كانت علماً لا يقل قوة في براهينه عن القوانين العلمية الراسخة.
ويشير مناهضو الداروينية إلى أن هذه الأخيرة استفادت في السابق إلى حدّ كبير من كونها نشأت في منتصف القرن التاسع عشر عندما كانت العلوم الاختبارية الحديثة وتقنيات البحث العلمي في مرحلة بدائية، كما استفادت من الدعم الإيديولوجي الذي جاءها من التيارات الإلحادية المعاصرة وخصوصاً الحركة الشيوعية التي انتشرت في نصف الأرض تقريباً قبل زاولها شبه التام في أواخر القرن الماضي. لكن من حسن الحظ فإن العلوم ووسائل الاختبار الحديثة التي نشأت في القرن العشرين ولاسيما النصف الثاني منه باتت هي التحدي الأول للداروينية وساهمت بصورة أكيدة في زعزعة كل فرضياتها واحداً بعد الآخر.
ويجادل أخصام الداروينية اليوم بالقول إن مشكلة هذه الدوغما الفكرية المشابهة للدوغما الستالينية في روسيا ليس فقط في أنها لا تستند إلى أي أسس يمكن البرهنة عليها، بل في كون جميع التطورات العلمية التي توالت خلال العقود الأخيرة جاءت مناقضة تماماً للفرضيات الداروينية. وسنعرض في ما يلي إلى أهم التحديات والتطورات العلمية المهمة التي دحضت الفرضيات الداروينية وكشفت زيفها وطابعها الإيديولوجي بالدرجة الأولى.

إنسان النياندرتال هدم شجرة التطور الداروينية بعد أن أكدت الأبحاث أنه كان بشرياً مثلنا يخيط الثياب ويرسم ويعزف الناي

التأثير الحاسم لسجل الأحافير Fossil records
تقوم نظرية التطور التي ابتدعها تشارلز داروين على فرضية أساسية هي أن الكائنات جميعها تطورت باستمرار من أشكال حياة بدائية إلى أشكال أكثر تعقيداً إلى أن بلغت صورتها وخصائصها الحالية. من ذلك أن الحياة على وجه الأرض بدأت ببروتين منعزل تطور بعد ذلك وبالصدفة إلى خلية واحدة وتطورت الخلية بفعل مرور ملايين السنين إلى بكتيريا ثم تفرّعت إلى خلية ثم تجمعت الخلايا وتفرّعت بفعل الصدفة أيضاً لتنتج مع مرور الزمن مختلف الأجناس البشرية والحيوانية والنباتية التي نراها اليوم . ومن النظريات التي روّج لها داروين أن نجمة البحر تحولت إلى سمكة مثلاً وأن السمكة تحولت إلى حيوانات مختلفة منها التمساح والعديد من الزواحف، وأن القرد تحول إلى إنسان وأن أحد الحيوانات القارضة الصغيرة تحول عبر التطور الطبيعي إلى الحصان المعاصر، ومن المزاعم الداروينية غير المثبتة بأي برهان أن الديناصورات تحولت إلى طيور ونبتت لها أجنحة بفعل التطور إلخ..
لكن إحدى أكبر الهزائم التي لحقت بهذه المزاعم نجمت عن تطور علم الأحافير والتاريخ الطبيعي Palaeontology الذي يختص بدراسة الأحافير Fossils أو البقايا المتحجرة للأنواع والكائنات من نبات وأسماك وحيوانات وبشر. وقد شهد هذا العلم تطورات هائلة جرّاء تطور أساليب التنقيب وتقنيات تحديد العمر الزمني للمكتشفات والتحليل الإلكتروني والجيني وغير ذلك. كما ساهمت أعمال التنقيب والبحث المتواصلة في تكوين قاعدة بيانات واسعة عن الأحافير تضم أكثر من ثلاثة ملايين أحفور تمّ اكتشافها وتصنيفها وحفظها في متاحف التاريخ الطبيعي ومراكز الأبحاث وغيرها.
إن المشكلة الكبرى التي واجهت الداروينية والداروينيين هي أنه لم يوجد بين جميع تلك الأحافير أحفور واحد يشير إلى وجود أشكال انتقالية أو “تطورية” للحياة. بمعنى آخر، إذا كان داروين على صواب في افتراضه فقد كان على الأحافير أن تضم نماذج “انتقالية” عن الكائنات الموجودة بحيث نرى مثلاً متحجرات لسمكة في طور التحول إلى تمساح أو ديناصور في طور التحول إلى طائر أو نجمة بحر في طور التحول إلى سمكة. والحال لم يعثر العلماء في الـثلاثة ملايين من الأحافير التي عثروا عليها أي أثر من هذا النوع بل كل ما عثروا عليه هو متحجرات لكائنات شبيهة جداً بالكائنات التي تعيش الآن ولا تختلف عنها إطلاقاً. وبهذا المعنى فإن سمكة السردين مثلا وجدت في متحجرات عمرها أكثر من 250 مليون سنة وهذه السمكة لا تختلف أبداً عن سمكة السردين كما نعرفها اليوم. وقد وجدت كل أنواع الحشرات تقريباً متحجرة منذ مئات ملايين السنين بأشكالها التي نعرفها اليوم وكذلك النباتات وأوراق الأشجار والطيور وغيرها. وبالطبع فإن هذه الأحافير أظهرت أن الكائنات والأنواع لم تشهد أي تطور عبر ملايين السنين وأنها خلقت بأروع صورها وبكامل مكوناتها ووظائفها في وقت واحد وليست أبداً نتيجة لتطور مزعوم كما ادعى داروين وكما يستمر أتباعه في الزعم حتى يومنا هذا.
ولو أن هذه الأشكال الوسيطة التي تزعم الداروينية أن التطور الطبيعي مرّ بها قد وجدت حقاً، لكانت أعدادها أكبر بكثير من أعداد أنواع الحيوانات التي نعرفها اليوم، ولَما خَلا مكان في العالم من بقايا أحفورية لكائنات انتقالية ماتت ثم تحجرت وهي في طور التطور. وبسبب هذه الورطة الكبيرة التي تفضح قدر الدجل الذي بنيت عليه نظرية التطور فإن منظري الإلحاد في العالم لا ينفكون يبحثون بصورة محمومة وينقبون منذ القرن التاسع عشر في الأحافير لعلهم يجدون هذه الأشكال الوسيطة، ومع ذلك، فإنهم لم يجدوا أي أثر لهذه الأشكال. وبسبب هذا الحرج الكبير فإننا نجد أتباع نظرية التطور يحتفلون بأي اكتشاف قد يبدو أنه قد يظهر وجود شكل انتقالي لكن في كل مرة كان يتبين أن ظنهم خاب فعلاً، إن ما وجدوه لم يكن شكلاً انتقالياً بل آثاراً لكائنات وجدت دوماً. وبسبب الحرج الذي يشعرون به فقد جنح بعض علماء التطور من أمثال هيكل الألماني (صديق داروين) وبعده العديد من العلماء المزيفين إلى تزوير الأدلة أو تشويهها بهدف سد هذه الفجوة الخطيرة في المنطق التطوري. لكن في كل مرة كان ينكشف التلاعب ويضطر هؤلاء العلماء المتعصبون لنظرية التطور للإقرار بالفشل.

سجل الأحافير أوقع الداروينيين في حرج كبير لأنه كشف أن كل المخلوقات الموجودة اليوم وجدت كما هي قبل ملايين السنين

خرافة نشوء الحياة بالصدفة
في سعيه لتسفيه الإيمان الراسخ لدى أي إنسان عاقل بأن هذا الكون الكامل والمعجز في كماله وتناغمه هو الآية العظمى التي يدل بها الخالق جل وعلا على ذاته وعلى صفاته وكماله وحكمته، اتجه فكر داروين إلى الافتراض القائل بأن الكون بكل تعقيده وتنوعه وتناغمه وإعجازه لم “يخلق” إنما “نشأ” من تلقاء نفسه بالصدفة وبفعل تراكم التطور على مئات الملايين من السنين.
وبالطبع، فقد واجهت محاولة داروين نفي فكرة الخلق صعوبات شديدة كان أهمها: كيف يفسر نشوء الحياة من المادة الميتة، إذ أن نظرية التطور مضطرة للقول بأن العالم الذي بدأ ميتاً ومزيجاً من العناصر الجامدة مثل التراب أو الماء أو الهواء لم يبقَ كذلك، بل “حدث” فيه أمر ما نجم عنه ولادة أول عنصر دبّت فيه الحياة كما نعرفها في الكائنات الموجودة على وجه الطبيعة. وبغض النظر عن أن التحدي الأكبر يبقى في تفسير ظاهرة الحياة نفسها وفهم سرها، فقد أجمع علماء الأحياء المعاصرون أنه من المستحيل تولد الحياة من الجماد. ويشير المفكر والعالم التركي المناهض للداروينية عدنان أوكتار (يحيى هارون) في كتاباته ومداخلاته إلى أن تطور علوم الوراثة، والكيمياء الحيوية، والأحياء الجزيئية وعلم التاريخ الطبيعي أثبتت كلها استحالة أن تكون الحياة قد نشأت بالمصادفة، أو أن تكون قد ظهرت من تلقاء نفسها نتيجة ظروف طبيعية، كما أن هناك اتفاقاً عاماً في الأوساط العلمية على أن الخلية الحية تشكل أعقد تركيب واجهته البشرية حتى الآن. وقد كشف العلم الحديث أن التعقيد الموجود في تركيب خلية حية واحدة وفي ترابط نظمها يفوق ذلك الموجود في أي مدينة كبرى.
كما كشفت العلوم أن هذا التركيب المعقد لا يمكن أن يكون قد تكون بعملية تراكمية أو عبر التطور، وأنه من المستحيل أن يعمل بنظامه الحالي إلا إذا نشأت كل أجزائه المتفرقة في وقت واحد وكان كل جزء منها يعمل بتناغم مع الأجزاء الأخرى على أكمل وجه. ولا يمكننا أن نتوقع ظهور أجزاء هذا التركيب بمحض المصادفة على مدى ملايين السنين كما تدعي نظرية التطور. ولهذا السبب، يتضح بجلاء، من خلال التصميم المعقد لخلية واحدة فحسب، أننا أمام نموذج مصغر لمعجزة الخلق التي لا يمكن لأي عقل بشري تفسيرها أو فهم بدايتها أو منتهاها. وإذا كان هذا النظام الشديد التعقيد للحياة موجوداً في خلية واحدة لا أكثر، فكيف هي الحال، إذن، إذا بدأنا التفكير في عمل الأعضاء والجسد والدماغ وفي الوجود المعجز لكل كائن في هذا الكون، نباتاً كان أو حيواناً أو حتى جماداً، وكيف إذا تفكرنا في الأرض التي نعيش عليها وفي تكامل نظامها وحلقاتها ثم انطلقنا إلى المجموعة الشمسية ومنها إلى الأكوان التي عجز الإنسان على أن يعرف لها حداً أو أن يبدأ حتى بفهم حقيقتها.

تبارك الله أحسن الخالقين

صورة إيضاحية لـ”النيوكليوسوم”“nucleosome” الذي يحوي وحدات (د ن أ) في الصبغيات (الكروموسومات). وتحتوي الخلية على الكثير من التراكيب والنظم شديدة التعقيد، بل أن التعقيد الموجود في تركيب خلية حية واحدة وفي ترابط نظمها يفوق ذلك الموجود في أي مدينة كبرى. وقد أثبتت علوم الحياة الحديثة أن هذا التركيب المعقد لا يمكن أن يعمل إلا إذا نشأت كل أجزائه المتفرقة في وقت واحد وفي حالة عمل على أكمل وجه، وإلا فسيكون هذا التركيب بلا جدوى وسينهار بمرور الوقت ويختفي.

الداروينية ليست عِلماً
يدل كل ذلك على أن الداروينية ليست علماً، بل هي تنتمي إلى فلسفة الطبيعة وإلى المعتقدات الساذجة الوثنية العديدة التي سعت إلى تفسير وجود الكون Cosmogony بشتى النظريات والأساطير. وكما نعلم فإن تاريخ البشرية مليء بالأساطير حول بدء الكون وحقيقة الخلق وقد تمت صياغة تلك الأساطير وفق مستوى الفهم والخيال البشري لكل عصر أو حضارة قديمة، ربما لأن الناس يحتاجون إلى تفسير يعطي الطمأنينة لقلوبهم ويتكامل مع معتقداتهم ونظام حياتهم. وبهذا المعنى فإن الداروينية هي أيضاً محاولة لتفسير الإعجاز الرباني في الخلق لكن من منظور طائفة الملحدين الذين يحتاجون بدورهم إلى بناء أساطيرهم الخاصة التي تبرر موقفهم الفلسفي. لكن الغريب بالطبع هو أن الحضارة المادية في الغرب وبصورة خاصة بتأثير النفوذ اليهود المعادي للأديان الأخرى تمكنت من ترقية هذه الفلسفة الطبيعية إلى مكانة العلم والقوانين التي لا يمكن النقاش في صحتها.
يقول الحق تعالى في كتابه العزيز:
ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (الكهف: 51)
أي أن الحق تعالى ينبه عباده إلى التواضع والخضوع والتصديق بآياته ورسالاته وعدم إطلاق العنان للفكر في محاولة فهم ما يستحيل عليهم فهمه في ثوبهم البشري. وكيف يمكن للمخلوق أن يدرك فعل الخلق أو للمصنوع أن يدرك سر الصنع والصانع. يقول جل من قائل في شرح الخلق:
َدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (البقرة:117).

شعوذات ريتشار داوكن
عجزت الداروينية، وهي مجرد إيديولوجية مقتنعة بالعلم عن إيجاد برهان واحد على أن الحياة يمكن أن تولد صدفة من لا شيء. وما زال هذا الفشل أحد الأدلة الأهم على تهافت الداروينية كعلم مزعوم. لكن أتباع الداروينية الذين يصرون على رفض مبدأ الخلق لم يتورعوا في محاولة الخروج من مأزقهم عن اللجوء إلى حيلة صبيانية لفقها الفيلسوف البريطاني ريتشارد داوكن وتزعم أن الحياة بدأت عندما اصطدم نيزك أو أجسام فلكية بالأرض، الأمر الذي أدى إلى زرع أول جزيء Molecule والذي بدأ بعد ذلك باستنساخ نفسه والتكاثر موفراً الخطوة الأولى لتكوّن الحياة بمختلف مكوناتها وأجناسها. لكن أصحاب التفكير العلمي يسخرون من هذه الحيلة ويعتبرونها مؤشراً ساطعاً على إفلاس الداروينية وحالة اليأس التي تعيشها لجهة الفشل في إثبات أصل الحياة على الأرض. ويسأل هؤلاء: كيف تكوَّن هذا الجزيء الذي سقط على الأرض في الفضاء وكيف يمكن تفسير نشوئه، أي أن نقل مشكلة أصل الحياة التي استعصت على الداروينيين من الأرض إلى الفضاء لا يبدل شيئاً في المعضلة.
يقول المولى عز وجل : َيَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج: 74)

خرافة الإنسان-القرد
إذا كان الإنسان عاجزاً عجزاً مطلقاً عن فهم أصل الخلق والحياة، فإن المولى جل وعلا حرص مع ذلك على أن يكشف له عن حقيقة وجوده وعن رسالته في الكون. وقد بشر الله تعالى الإنسان بأنه خلقه من ذاته ووضع فيه سر الربوبية عندما قال في كتابه العزيز مخاطباً الملائكة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (البقرة:30) ثم قوله جل من قائل مخاطباً الملائكة أيضاً فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (الحجر: 29). أي أن الله تعالى أودع في الإنسان من روحه أي حقيقته ذاتها ورفعه إلى أعلى مراتب الخلق بل جعل مرتبته فوق الملائكة والذين أمروا بالسجود له. وهو القائل أيضاً وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (الإسراء:70).
ذلك هو تعريف الإنسان كما أبلغه المولى عز وجل لعباده، وهو تعريف يشرف الإنسان ويطمئنه إلى مغزى الخلق، كما يرسم له معالم الحياة السامية والشريفة التي يتعين عليه أن يحياها في الأرض. واستخلاف الله للإنسان في أرضه شرف كبير لكنه شرف يحتم عليه أن يسلك سلوكاً شريفاً يليق بمقامه عند الله وبالأمانة التي كلف بها. ويشكل هذا الإيمان اليقيني عند جميع الأديان السماوية وخصوصاً الإسلام والمسيحية الأساس الشامل لمنظومة القيم والأخلاق التي يفترض أن تسير حياتهم وقد أمرهم الله صراحة أن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (آل عمران:79) أي تخلقوا بأخلاق الله واعملوا بما أمركم به.
ذلك هو أصل الإنسان كما ورد في الرسالات السماوية وخصوصاً في الرسالة الخاتمة، وهو أصل يبعث شعور الرفعة والكرامة والسعادة في الإنسان ويثبـّـته على طريق الحق ويحميه من الزلل والضياع في حبائل الشيطان.
هذا المقام الرفيع الذي منّ الله به على بني آدم سعى داروين ثم أتباعه إلى تدميره بصورة ماكرة عندما ادعوا أن الإنسان لم يخلق إنساناً بل تحدّر من القرود. وقد كان لابتداع هذه النظرية الخبيثة أهداف عدة واضحة لكل ذي عقل. وأول تلك الأهداف هو إنكار الخلق والخالق وبالتالي هدم الدين. أما الثاني فهو قتل شعور العزة والكرامة لدى الإنسان عبر الزعم بأنه متحدّر من الحيوان بفعل سلسلة من الصدف ومن دون أن يكون لحياته معنى أو هدف. أما الهدف الثالث فهو التمهيد لسلخ هذا الإنسان عن قيمه البشرية وإغرائه باتباع السلوك البهيمي وسلبه من طمأنينة الإيمان وإلقائه في دوامة الحيرة والضياع. وبالطبع، فإذا تمّ ذلك يصبح الإنسان مادة يمكن التلاعب بها وتسييرها من قبل تلك العصبة الماكرة التي تقف وراء مؤامرة هدم الأديان والأخلاق في العالم وهي تسعى من خلال ذلك للسيطرة على الكون.
تزييف العلوم
يعمل الداروينيون وفق أجندة واضحة لا علاقة لها بالعلم، فهم يسعون إلى استخدام كل اكتشاف لآثار عن السلالات البشرية القديمة لتأكيد نظريتهم حول التطور التدريجي للإنسان من عالم القرود إلى عالم الإنسانية. ورغم انهماك هذه الفرقة في التنقيب على مدى أكثر من 150 عاماً فإن المعضلة التي واجهتها كانت وما زالت كيفية العثور في المتحجرات والحفريات على آثار يمكن اعتبارها أشكالاً وسيطة بين القرد والإنسان. لقد وجد الكثير من الآثار والبقايا التي تبين أنها جميعاً لسلالات القرود، كما وجدت آثار تبين أنها للإنسان القديم الذي لا يختلف في تكوينه وخصائصه عن الإنسان المعاصر. وبين صنف القرود الواضح في خصائصه وصنف البشر الأقدمين يحار الداروينيون في كيفية إيجاد أشكال “وسيطة” تبرر نظرية التطور التي يروجون لها. لكن هذه المجموعة المتعصبة التي تستطيع تسخير الإعلام والعلماء والجامعات لم تتردد مع ذلك في تزوير الحقائق واختراع سلاسل خيالية لأجناس أعطيت أسماء علمية وهمية واعتبر الداروينيون أنها تمثل خط التطور من القرد إلى الإنسان، بل أن بعض علماء الداروينية لجأ إلى التزوير أو وضع الرسوم التخيلية التي تؤخذ على أنها حقائق أو تركيب الجماجم أو تركيب فرضيات عن إنسان قديم بالإستناد إلى ضرس وحيد تبين بعد ذلك أنه يعود إلى خنزير بري. وتاريخ الداروينية مليء بحالات التزوير وفضائح التلفيق التي كشف العلم أمرها بسهولة بفضل تقدم وسائل التحقق وتقنياته. لكن هذه العصبة لا يردعها رادع في إصرارها على محاولة إثبات فرضيتها على الرغم من أن العلم كذّب هذه الفرضية على الدوام.

الداروينية هي اليوم، وبسبب انتسابها المزيف إلى العلم، النظام الفكري الأكثر نفوذاً في العالم خصوصاً في أوساط العلم والإعلام والمؤسسات التعليمية

صورة وضعها الفيلسوف الألماني المزوّر هيكل وهو صديق داروين تظهر تصوره الخاص لتطور الإنسان من الجرثومة إلى وجوده الحالي عبر المرور بمختلف الأنواع. وقد فضح العلم زيف هذه النظرية
صورة وضعها الفيلسوف الألماني المزوّر هيكل وهو صديق داروين تظهر تصوره الخاص لتطور الإنسان من الجرثومة إلى وجوده الحالي عبر المرور بمختلف الأنواع. وقد فضح العلم زيف هذه النظرية

إنسان النياندرتال
أحد أهم الأمثلة التي سعت الداروينية إلى استغلالها اكتشاف سلسلة بشرية عاشت قبل نحو 200.000 عام وانقرضت قبل نحو 60,000 عام. اجتهد أتباع داروين للتأكيد على أن إنسان النياندرتال هو كائن بدائي لم يكن في إمكانه أن يمشي منتصباً أو أن يتكلم وأشاروا إلى جبهته الضيقة ليبنوا على ذلك زعمهم بأن هذا الصنف البشري هو دليل على التطور لأن إنسان النياندرتال بهذا المعنى كان جنساً وسيطاً أو انتقالياً على طريق التطور من القرود. وبناء عليه فقد أدرج الداروينيون إنسان النياندرتال في “شجرة التطور” التي اخترعوها باعتباره يمثل مرحلة من مراحل تطور الإنسان من القرود.
لكن الأبحاث العلمية أثبتت بعد ذلك أن إنسان النياندرتال لا يختلف في خصائصه عن الإنسان وأنه يمثل جنساً بشرياً كان يجوب الأرض منتصباً ويخيط الثياب بل ويعزف الناي التي صنعها من عظام الدببة. وأدى تأكيد بشرية إنسان النياندرتال مجدداً إلى إسقاط “شجرة التطور” التي فبركها الداروينيون، وعاد هؤلاء إلى المربع الأول يبحثون عمّا يسمونه “الحلقة المفقودة” التي يمكن أن تستكمل شجرتهم المزعومة وتقيم بالتالي الدليل على أن الإنسان الذي كرّمه الله تعالى إنما تحدّر من القرود.

سجل حافل من المغالطات
لم يقتصر فشل نظرية التطور على حالة الإنسان الذي فشل الداروينيون في إثبات أنه مرّ بمراحل وسيطة، بل أن السجل الهائل للأحافير التي يربو عددها على ثلاثة ملايين أحفور أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك عدم وجود أي دليل على أن النباتات المعروفة اليوم تطورت من أجناس أخرى، أو أن الحيوانات والحشرات والطيور والأسماك التي عاشت منذ مئات ملايين السنين خضعت لتطور مماثل، بل أن التماثل التام بين ما وجده العلماء في الحفريات من متحجرات يثبت أن كل الكائنات على وجه الأرض لم تخضع لأي تطور، وأنها وجدت كما هي في الأزمنة السحيقة بكمال طبيعتها وصفاتها ووظائفها ولم تتغيّر أبداً.
على الرغم من ذلك، فإن الداروينية التي سيطرت على مؤسسات التعليم والإعلام وفرضت نفسها بمثابة دين عالمي للإلحاد المتستر بالعلوم ما زالت ماضية في إنتاج الحكايات وفبركة الحالات لإثبات نظرية التطور التي رفضتها العلوم ويرفضها أي عقل سليم، بل أنه كلما افتضح أمر الداروينية في مغالطة ما نجد أنصارها لا يتأخرون في فبركة حالة جديدة أو اللجوء إلى أحفور جديد قد يكون فتات من العظام أو بقايا جمجمة ليقدموا من خلالها الدليل على أنهم وجدوا هذه المرة الحلقة المفقودة. لكن الله جل وعلا يسّر دوماً فضح هذه الأحابيل عبر وسائل العلم بحيث باتت لعبة الداروينية مكشوفة أكثر وبات العديد من الناس يفتحون أعينهم على زيفها العلمي والأغراض الحقيقية التي تسعى إلى تحقيقها. يقول جل من قائل:
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (التوبة:2)
لكن هذا الإصرار المستمر لهذه الحركة الواسعة النفوذ في العالم إن دل على شيء فهو يدل على أن الداروينية لا يهمها العلم بقدر ما يهمها ترويج إيديولوجية إلحادية تستهدف هدم الأديان والقيم، وأن القوى الداعمة لها والتي تحميها وتقمع بلا هوادة المشككين بها لا تنتمي إلى العلم الذي يفترض أن ينشد الحقيقة وأن يتمسك بالبرهان بل هي قوى لها أجندة خفية إيديولوجية وبعيدة الأمد على النطاق العالمي.
إن علينا أن نكون على حذر شديد من تسلل تلك النظريات إلى معاهدنا وجامعاتنا تحت ستار العلم، وهو أمر حاصل مع الأسف لأن الدول العربية وبحجة العولمة والأخذ بالمعايير العالمية باتت تستورد البرامج التعليمية التي يتم طبخها في الغرب، ومن قبل هيئات يسيطر عليها الداروينيون. وهناك دلائل أكيدة على أن الجامعات المتقدمة في العالم العربي باتت تمارس تأثيراً خطيراً على الشباب الذين يدخلونها ولديهم الكثير من الإيمان ويتخرجون منها وقد اعترت قلوبهم الشكوك أو حتى الإنكار لكل ما هو دين بسبب الغسل المنهجي لأدمغة الشباب الذي يتم بتأثير النفوذ الكبير للداروينية في مؤسسات التعليم.

أحفور لعشب السرخس عمره ما بين 268 و360 مليون عام لم يتبدل أو يتحول إطلاقا !! أين التطور؟
أحفور لعشب السرخس عمره ما بين 268 و360 مليون عام لم يتبدل أو يتحول إطلاقا !! أين التطور؟

الداروينية سيطرت على مؤسسات التعليم والإعلام وأبعدت معارضيها عن الجامعات واضطهدت بلا هوادة كل من تجرأ على رفضها

موقف الموحدين الدروز من الزواج المختلط

موقف الموحدين الدروز
من الزواج المختلط

الزواج المختلط انقلاب أسري وعاطفي
له آثاره الجسيمة على الجميع وخصوصاً على الأولاد

الموحدون أكثر الناس انفتاحاً واعتدالاً تجاه بقية المذاهب
لكنهم متمسكون بمذهبهم التقدمي في شأن مساواة المرأة

الزواج المختلط 2
الزواج المختلط

أودّ الدخول إلى الموضوع من باب مذهب التوحيد الإسلامي، الذي لنا شرف الانتساب إليه وعلى سبيل التذكير وتبرئة الذمة أقول:
إن مذهب التوحيد مذهب إسلامي يتميّز عن غيره من المذاهب ببعض العادات والتقاليد المستمدة من تفسير لبعض الآيات القرآنية، وسنة الرسول (ص) وأقوال الأئمة (ع).
إن الدين الإسلامي وهو الأصل حرّم زواج المسلمة من غير المسلم، لكنّه أجاز زواج المسلم من غير المسلمة التي يمكنها الاحتفاظ بمعتقدها أو مذهبها، لكن مذهب التوحيد توسّع في التحريم بحيث شمل الذكور والإناث الموحدين من الزواج من غير أهل التوحيد . وقد يسأل سائلٌ: لماذا هذا التوسّع؟ وفي الحقيقة الجواب يكمن في أمرين:
الأول، هو أن مذهب التوحيد يعتبر جميع المذاهب والأديان مظاهر مختلفة لحقيقة واحدة ويقرّ بصحة جوهرها لكنه لا يزال مع الأسف عرضة لسوء الفهم أو الافتئات أحياناً لدى البعض وهو ما أوجب فضيلة حفظ الموحدين بعضهم لبعض وتفضيلهم ما هم فيه قائمون وذلك طلباً للوئام وحفظاً للإحترام المتبادل مع الآخر وطمأنينة الفؤاد.
أما الأمر الثاني، فهو الاختلاف البين في بعض الأحكام الشرعية الأساسية بين مذهب التوحيد وبين ما هو معتمد لدى الطوائف والمذاهب الأخرى، وبخاصة لجهة مساواة مذهب التوحيد بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات الدينية والدنيوية، وحرية الإيصاء، وتحريم إعادة المطلقة، وتعدّد الزوجات، ومعايير الحضانة للأولاد وتربيتهم، وعدم التعصب وغير ذلك.
وبالتالي، فإن مذهب التوحيد منع الزواج من غير الموحدين حفاظاً على مزايا التوحيد الإنسانية والدينية .
والواقع أنه وخلال ممارستنا للقضاء ما يقارب الأربعين عاماً صادفتنا مشاكل عدة في الزواج المختلط، وهذه المشاكل تحصل بعد انقضاء شهر العسل أو بعض شهور العسل لتبدأ بعدها شهور العلقم، وبخاصة بعد هدوء العاطفة وانقضاء جذوة الحب والغرام والهيام، وبعد دخول الواقع الى الحياة الزوجية، وحلول الحوائج والمتطلبات بدل العواطف، ويبدأ الزوجان أو أحدهما على الأقل يراجع حساباته بعد ذهاب السكرة وعودة الفكرة، وتبدأ المشاحنات عند كل مشكلة اجتماعية أو اقتصادية، والبعض يبدأ بمساحة واسعة من التنازلات المؤلمة عند وجود الاولاد كي يستقر وضع الأسرة في الحد الأدنى، وإن حصل الطلاق تكون الكارثة على الأولاد، حيث لا يجدّ الزوجان من يسعفهما، أو يتدخل لإصلاح ذات البين بينهما لكونهما غردا خارج سربهما وربما عمل الأهل على زيادة التوتر بهدف فسخ الزواج وإنهاء العلاقة بين الزوجين، وهذا يحصل أيضاً حتى ولو كان الزوجان من مذهب واحد، ولكن الأمر يختلف لجهة شعور الغير مع الزوجين المتجانسين حيث يتبرع البعض لرأب الصدع بينهما عكس ما يحصل في الزواج المختلط حيث يتحاشى الأهل وبعض الأصدقاء الدخول بينهما باعتبارهم لم يستشاروا في موضوع الزواج فلماذا ينبغي عليهم أن يهبوا لمساعدة الشريكين أو الابن العاق عندما يقع في ما حُذر منه مراراً.

من آثار الزواج المختلط
أولاً: لجهة الأسرة
لا يظنن أحد أن الزواج من خارج الطائفة هو زواج بسيط، بل هو انقلاب أسري وعائلي لأن الرجل يضم إلى أسرته بهذه الطريقة أسرة أخرى لها عاداتُها وتقاليدُها ومعتقداتُها الخاصة، فإذا لم يكن هناك توافق على الزواج يصبح الأمل ضعيفاً جداً في النجاح وتكملة الرحلة الزوجية. وبالطبع، فإن الأمر أصعب بكثير بالنسبة للفتاة التي تختار سلوك هذا الدرب الوعر.

ثانياً: لجهة الأولاد
تتأثر تربية الأولاد نتيجة هذا الزواج الهجين فهم يتأرجحون بين الإنضمام لأهل الأم أو الأب ويفقدون هويتهم الأصلية لتحل محلها الهوية المزدوجة التي لا محل لها في بلد يضم أدياناً ومذاهبَ مختلفة ومتباينة، ويصابون بانحلال الولاء وعدم استقراره، بالإضافة إلى مشاكل الحضانة بعد الطلاق عندما يحصل. وفي جميع الحالات فإن التباس الهوية غالبا ما يؤدي إلى تحاشي الكثيرين مصاهرة هؤلاء الأولاد مستقبلاً.

ثالثاً: لجهة المجتمع
الزواج المختلط يشكّل حالة غريبة وتحدياً لمجتمع كل أحد الزوجين أو كليهما، وكم من المشاكل تحصل بين الزوجين بسبب نظرة التجاهل أو اللامبالاة التي تواجه الزوجين وتسبب الحرج لأحدهما على الأقل مما قد يفقد الزواج متعة الشراكة الاجتماعية ويتسبب بانحلاله أو بانتقال الزوجين إلى مقام آخر أكثر انسجاماً مع واقعهما، لكن يترتب على هذا الإنتقال الإبتعاد عن الأهل والأقارب والأصدقاء. وفي الحالات التي يبدّل الرجل مذهبه أو دينه نتيجة الزواج المختلط فإن المجتمع المتمسك بتقاليده قد لا يسمح بدفنه في مدافن العائلة، وبالتالي يقع الإحراج الشديد لذوي القربى.

رابعاً: لجهة الميراث
إن التوارث لا يُقَر بين الزوجين في الزواج المختلط بسبب اختلاف الدين أو المذهب، فمن تزوج بإمرأة لأجل مالها وماتت والمال لا يزال بإسمها لا يرثها لاختلاف المذهب أو الدين، وكذلك الأمر بالنسبة للمرأة .

الزواج المختلط والطائفية
يعتقد البعض أن الزواج المختلط يخفف من العصبية والتعصب المذهبي والطائفي لكن الردّ على ذلك هو أن بعض البلدان كالمملكة المتحدة لم يخفف الزواج المختلط أو الزواج المدني من التعصب والنزاعات التي تحصل بين الكاثوليك والبروتستانت، أو بين المسلمين البريطانيين وبين غيرهم، كما أن حالات الزواج المختلط الكثيرة في لبنان لم تحقق شيئاً بل بقي وضع التعصب على حاله لدى عامة الناس.

خلاصة
نختتم بالقول بأننا، ومع تنبيهنا إلى المشاكل العملية والاجتماعية التي يثيرها الزواج المختلط، حريصون مع ذلك على أن لا يعني ذلك دعوة إلى الانغلاق السياسي أو الديني أو الثقافي. على العكس من ذلك، فإن طائفة الموحدين الدروز هي أكثر الطوائف انفتاحاً وتقرباً من الآخرين وذلك يتجلى في الأمور التالية:
1. مذهب التوحيد يأمر بالتمسك بأوامر الله دون التعصب لها لأن الله هو الديان وليس غيره، ويرفض تكفير أو تفسيق أحد ويعتبر- بنظرته الشاملة – أن جميع الأديان والمذاهب قد تباين مظهرها واتحد جوهرها، وأن الدين يعرض ولا يفرض.
2. الموحّد الدرزي يوصي ما يشاء لمن شاء، أي أن اختلاف الملة أو المذهب لا يمنع الإيصاء بكل أو ببعض ما يملكه للغير، وهذا القانون يتميز عن كثير من القوانين الوضعية، ويدل على الانفتاح تجاه الآخرين.
3. الاعتدال السياسي والولاء المطلق للوطن والتعايش مع بقية المواطنين باحترام متبادل، والابتعاد عن التبشير والتجاذب المذهبي أو الديني للأفراد والجماعات بقصد تكثير الأتباع لهذا المذهب أو ذاك.
4. عدم الاعتداء على المكاسب الشرعية للآخرين أو عليهم أو كرامتهم، وهكذا فإن الانفتاح على الآخرين يتحقق دون الخروج عن التقاليد والأعراف التوحيدية بواسطة الزواج المختلط أو غير ذلك.

الزواج المدني المختلط

عقدُ الزواج الديني فيه تشريفٌ للرابطة الزوجية
وضمانةٌ للاستقرار العائلي وتكريمٌ للمرأة الزوجة

قانون الأحوال الشخصية للموحّدين الدروز متطوّرٌ وقريبٌ من القانون المدني في كثيرٍ من الجوانب، بل يزيد عليه، من حيث المساواة بين الزوجين وتوخّي العدالة بينهما

ينبغي لأي نقاش حول موضوع الزواج المدني أن ينطلق من قاعدة ثابتة هي الإيمان بالله سبحانه وتعالى وبالتعاليم والتشريعات المستودعة في الكتب السماوية، وبأن هذه التعاليم والتشريعات الربانيّة تهدف الى خير الإنسان بما تراعيه من حاجاته الروحية والجسدية وطبيعته الإنسانية وقوانين علاقته بالكون وبالمجتمع. أمّا التشريعات الوضعية، فمع توخّي الدقة أحياناً في وضعها، فإنها لا يمكن أن تكون كاملة لأن من وضعها لا يتَّصفُ بالكمال ولا يمكن أن يتنزه عن الجور والظلم والميول البشرية الذاتية.
لقد أبدع الله تعالى نظاماً للطبيعة وكافة المخلوقات وفصل هذا النظام في الكتب السماوية والشرائع وخصّ الإنسان بتشريف كبير عندما جعل منه غاية الله من هذا الوجود وخليفته في الأرض، لكنه ألزمه في المقابل بقواعد شرعية وسلوكية الهدف منها حمايته من نزوات الهوى ودسائس النفس الشيطانية وكذلك حماية المجتمع وإقامة العدل في الأرض. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل:90). ومن أهم أحكام التقوى والعدل التي شرعها الله هي تلك التي تنظم علاقات الأسرة وواجبات الأهل والأولاد وحقوق كل منهم وعلى رأس هذه العلاقات مسألة الزواج والعلاقة بين الرجل والمرأة.

مذهب الموحدين الدروز يركّز على ضرورة إشهار الزواج ورضا الولي كفريضة حفاظاً على العائلة والقيم الاجتماعية

لهذا السبب وبسبب أن الله تعالى وضع أحكاماً واضحة لكل المسائل المتعلقة بسلوك الإنسان ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾
(الأنعام: 38) فإنه لا يمكن لأيِّ تشريعٍ مدنيٍّ أن يحلَّ مكانَ التشريع الديني، كما أن عقدَ الزواج بصورة خاصة يحتاج إلى نوع من الصيانة الدينية، والزوجان يجب أن يشعرا بأن عقدهما ليس عقدَ شراكة حرة (العقد شريعة الطرفين) تُحدَّدُ فيه الحقوق والواجبات حسب المصالح والأهواء، بل هو إنعام من الله على بني آدم وضع له أسساً وأحكاماً. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم:21) ولهذا، فإن أي بحثَ أو تعديلٍ أو تشريع في هذا المجال يستوجب التعاطي مع المرجعيات الأساسية من قبل أبناء كلّ طائفة فلا يكون موضوعاً مفتوحاً لكل ذي هوى أو لأفراد متنوعي التوجّهات والمشارب. وهذا الحصر في شأن مؤسسة الزواج أسلمُ للمجتمع وللوطن، كما أن رجوعَ كلِّ مجموعةٍ أو طائفة إلى قوانينها الخاصة بالأحوال الشخصية هو أكثر ضمانةً للاستقرار العام وللاستمرار. ولا يضرُّ تنوعُ الأديانِ والمعتقدات، فكلُّها تركّزُ على خير الإنسان وسموّه وشرفه، وهل تنوُّعُ الأشجار في البستان يقلّلُ من قيمةِ الأثمار الزكية؟ وهل تنوُّعُ الزهورِ البهيةِ يُزعجُ النظرَ؟
– إن الانصهار الوطني لا يكون بالزواج المدني، بل بإلغاء أسباب الطائفية السياسية، ودمج الاحزاب السياسية لا العائلات، لتكون مصهراً حقيقياً لجميع أبناء الوطن من كل الطوائف، وإلغاء الفروقات بين المواطنين. وخير دليل على ذلك هو أن المجتمعات المدنيّة لم تسلَمْ من الحروب والفتن، فالزواج المدني لم يكن حلاًّ للنزاعات بين الناس، بل أدّى إلى تفكك الأُسر والنسيج المجتمعي. بل أن الرأي الغالب هو أن تشريعَ الزواج المدني لا يوجدُ حلاًّ وطنياً شاملاً يوحِّدُ اللبنانيين تحت قانونٍ مشترَك، بل يُضيف طائفة جديدة هي “طائفة الذين لا طائفة لهم”.
إن من لا يَقتنعُ بالزواج الديني لا يضرُّ الوطنَ بشيء إذا عقدَ زواجه خارجَ بلده، وهو حُرٌّ في اختياره ويتحمل مسؤولية اختياره. ولكن لا يجوز أن نعتبرَ ذلك ذريعةً لنجدَ له تشريعاً خاصاً في مواجهةِ التشريع الديني.

قانون الأحوال الشخصية للموحدين الدروز
للإضاءة على الموضوع من وجهة نظر الموحدين الدروز، لا بدّ من التأكيد على بعض النقاط في قانون الأحوال الشخصية للموحّدين الدروز:
-إن التشريعات وقوانين الأحوال الشخصية عند الموحدين ترتكز على التشريعات الإسلامية الأساسية وتتّجهُ الى كمالها وتمامها، أي الى العدل والخير العام وصيانة الإنسان والمجتمع.
-قانون الأحوال الشخصية للموحّدين الدروز متطوّرٌ وقريبٌ الى القانون المدني في كثيرٍ من الجوانب، بل يزيد عليه، من حيث المساواة بين الزوجين وتوخّي العدالة بينهما، وحريةُ الرأي والقبول، وضرورة توقيع العقد من الزوجين والشهود، وعدم حلّ العقد بالطلاق إلاّ بحكم القاضي، ومنع تعدّد الزوجات، وإعطاء الحق للزوجين بطلب فسخ العقد بالتراضي، وإعطاء الحق للقاضي بتحديد العطل والضرر إذا لم يرَ سبباً شرعياً للطلاق، وحرية الإيصاء…

الانصهار الوطني لا يكون بالزواج المدني، بل بإلغاء أسباب الطائفية السياسية وبنظام تربوي يعزز الانفتاح واحترام الآخر

كما أن هناك نقاطاً إضافية، يجب التأكيد عليها:
وجوب مباركة العقد وضرورة تعريف الزوجين بواجباتهما وحقوقهما وبأهمية زواجهما.
وجوب احترام التقاليد الاجتماعية المنسجمة مع القانون ومع العُرف السائد.
وجوب إشهار الزواج ووجود الشهود الثقات، تأكيداً على أهمية عقد الزواج وتكريماً للزوجين.
التركيز على رضى الولي كفريضة في زواج الموحدين، وفي هذا حفاظٌ على العائلة والقيم الاجتماعية، ويُحدّد ذلك بحسب سنِّ الزوج والزوجة، وبالإستناد الى العادات الاجتماعية المتّبعة.
منع الزواج من غير الطائفة، مع احترام الأديان وتعدُّدها: ﴿لكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (سورة المائدة:48) واعتبار أن الزواج السليم يقضي بتقارب الزوجين سنَّاً وعقلاً وطباعاً وعاداتٍ، فكيف إذا اختلفا عقائدياً، وهذا ما ينعكسُ على الأولاد في المستقبل…
اعتبار الزواج تجانساً وتآلفاً في الأرواح، وهو نوعٌ من التوحُّد بين اثنين، إذا كان مبنياً على “الحبّ الحقيقي الذي هو مقياسُ كلِّ حلال، كما أن انعدامه مقياسُ كلِّ حرامٍ وضلال”، على حدِّ قول الشهيد كمال جنبلاط.
يجبُ أن يَسعى طالباً الزواج إلى هذا التجانس والتقارب، ولا يجوزُ الاستهانة بذلك، وفي ذلك بُعدُ نظرٍ وتفكرٌ بالمستقبل، حفاظاً على الاستمرارية، وتبصُّراً بالعواقب، لما ينتج عن الزواج من مفاعيل، خصوصاً في ما يخصُّ الأولاد الذين لا يجوز سلخهم عن دينهم، كما لا يجوز أخذهم الى هنا وهناك ممّا يؤدّي الى ضياعهم ويسبّب مشاكل اجتماعية ونفسية لهم.

الزواج من غير الطائفة
إنَّ التشدُّدَ في عدم الزواج من غير الطائفة عند الموحدين ساهم في إبقاء هذه الطائفة في لبنان وفي سورية وفي فلسطين والأردن، متماسكة الى حدٍّ كبير، محافظةً على أصولها العربية ودورها الوطنيِّ والقوميِّ والدينيِّ. وذلك لا يعني تعالياً على الآخرين أو انتقاصاً من أبناءِ الطوائف الأخرى، بل يعني السعي للمحافظة على وجود الموحدين الدروز كجماعة لها خصوصياتها ومنهاجها، ولأن التهاون في ذلك لا يفيد الآخر لكنه يصيب الطائفة بالضعف ويوهن أواصر التضامن بين أبنائها.
هناك تجاوزات ومخالفات فردية محصورة نوعاً ما، ولا تؤثر على المجتمع تأثيراً كبيراً، إنما تشريع ذلك والسماحُ به تحت شعار التقارب مع الآخرين فإنّه لا ينفعُ أحداً ويُسيء في الوقت نفسه الى الطائفة والى القيم التي تُمثلُها والموقع الوطني والقومي والديني الذي ما زالت تحافظُ عليه.

التعامل مع الحالات الخاصة
إن الحالات الخاصة موجودة في المجتمع، ولكن لا يمكن التشريع لها، بل على أصحابها تحمُّلُ المسؤولية بخروجهم عن التشريع الديني، علينا أن نوجِّهَ ونُرشدَ ونُحذِّر وندعو بمحبّةٍ كلَّ الشباب والأخوةِ والأخوات الى عدمِ تجاوزِ التشريع الديني والى مباركةِ عقودِ زواجهم، بعيداً عن أيِّ نزوةٍ عاطفية أو هوسٍ أو شعورٍ بالغبن والظلم، فالدينُ لا يظلُمُ بل يقودُ الى خيرِ الإنسانِ والمجتمع.
إن علينا أن نتعاطى مع الحالات الخاصة ومع المشاكل التي تعقبُ الزواج بالرعاية وخصوصاً في ما يتعلق بالمشاكل العائلية والاجتماعية والنفسية. هذا الموضوع قابلٌ للبحث والدراسة، أمّا البحثُ في استبدال التشريع الديني بتشريع مدني والعمل على وضع المسامير في نعشِ “التدخل الديني” كما يسميه بعض العلمانيين فهذا غير مقبول، لأن مكانة الدين يجب أن تبقى رحمةً بالناس وبالمجتمعات وبالبشرية، والدينُ بحدِّ ذاته حكمة ورحمةٌ منزلة من الله سبحانه وتعالى اتقاء لظلم البشر بعضهم لبعض..

الشباب والعيش فوق خط الزلازل –

الشبــاب، والعيــــش فــــوق خــــطّ الــــزلازل

قاعـــــدة الإصـــــلاح أن يبـــــدأ الإنســـــان بنفســـــه
والتمـــــرّد الـــــذي لا ينشـــــد الحقيقـــــة قـــــوة هدّامـــــة

الحـــــروب والفوضـــــى تهـــــدم ثقـــــة الشبـــــاب بالمستقبـــــل،
وقـــــد تـــــدفع بالبعـــــض للهـــــرب نحـــــو الإدمـــــان والعبثيـــــة

لم يتعرّض جيل لما يتعرّض له شباب هذه المرحلة من تحوّلات كونية وجيشان سياسي واجتماعي وقيمي في كل مكان، ومن هجوم غير مسبوق للصورة والأفكار غثها وسمينها. فكيف يختط شباب اليوم طريقه وسط هذه الغابة الكثيفة وطرقها الكثيرة الملتوية، التي غالباً ما تؤدي إلى متاهات مميتة؟ كيف يحفظ نفسه من الضياع ويحقق فعلاً كل طاقاته الخيرة والنافعة لتقدمه الشخصي، وكذلك بتقدم مجتمعه؟ الشيخ غسان الحلبي يعرض هنا ومن تجربته الشخصية لتأملات في الدوامة المعاصرة والسبل الممكنة للتفلت منها وتحقيق تطور صحي فكري وروحي للفرد، وخصوصاً لجيل الشباب.

تمحورت الأسئلة العميقة التي كانت تدور في الرأس، منذ سنّ اليفاع في الستينات، حول العالم الذي يُرى ولا يفهم منه الكثير. كان الصراع محتدماً في الأساس بين الأفكار السياسيَّة التي جعلتها بعض الأحزاب آنذاك ايديولوجيَّة شموليَّة، وبعضها الآخر قوميَّة إقليمية، وبعضها طائفيّة وطنيَّة اعتقدت اعتقاداً راسخاً بوجودٍ ميتافيزيقي لبلد الرب لبنان. وكان السّلاحُ الفلسطينيُّ في ضفَّةٍ عروس الأبطال، وفي الضفَّة الأخرى سمّ الأفعى الذي يهدد بالتهام بلد الأرز. وكان العديد من المناطق الجبليَّة والريفيَّة من الشمال إلى الجنوب، وتحت رايات «اليسار» و«اليمين»، يفرّخ معسكرات التدريب والتعبئة استعداداً للدفاع عن القضية المقدَّسة، وكان لكلِّ طرفٍ قضيّته المقدَّسة التي يهون لأجلها بذل العرق والدماء والنفوس المسكونةِ بهواجس تاريخ ملتبس.
اندلعت الحرب وبدت في أيامها الأولى عرضاً مثيراً للبعض، مثل لعبة «أبطال وحرامية». مسؤولون قالوا: يومان أو ثلاثة وننتهي من «الانعزالية». وانتشر السلاح في الأزقّة والأحياء كالفِطر في غابةٍ ملعونة. نعم، خلال يومين أو ثلاثة بات كلّ شيءٍ مستباحاً، لكنّ «الانعزاليين» ردّوا الصاع بأكثر من صاعين. هكذا، انزلقت البلاد بالتدريج –أو ربما دفعت دفعاً- في أتون رهيب من الفوضى والعبث والجولات القتاليَّة والحروب. دخل المقاتلون «هادس» أي عالم الموتى، بحثاً عن انتصارات صغرى يداوون بها جراح الهزائم الكبرى. صاروا كما قال أحدهم آنذاك: «أجساد تتفجَّرُ موتاً.. علّها تصبحُ صوتاً». أصوات مكبوتة سرعان ما تحول أصحابها إلى صور وملصقات على حيطان المدن المذعورة. وكم ابتلعت تلك الملصقات من وجوه الأصدقاء والرفاق والغرباء، وكم من الأبرياء وعابري الطريق ماتوا أيضاً لكن من دون ملصقات أو حتى ورق تذكر فيه عن أخبارهم.
في دويّ القذائف وزخّات الرصاص، وبإزاء الأجساد الممزّقة والأسواق المحترقة والمباني المهدّمة والميادين والحدائق التي انقلبت خطوط فصل وتماس، رأينا قعرَ العالم، وكم كان ذاك القعر حالكاً غوير السواد. تبدَّت الحقيقةُ المفجعة كشمسٍ سوداء: لقد تخلَّى عنّا العالم وحوّل بلدنا الجميل إلى مكبّ لحروبه وفي الأحياء الواجفة تحت القصف العشوائي، وفي الشوارع المفخَّخة وبين سيارات الموت وقطعان المسلَّحين الهائجين المتربّصين بكلِّ ما هو “آخر”، والمستعدِّين ولمجرد “كلمة واقفة”إلى تحويل الحيّ إلى ساحة قتال. استفقنا يومها برعب على أمر واقع جديد، شهدنا بأم أعيننا الحياة التي سيتعين علينا أن نحياها صاغرين بحضور عيانيّ لملك الموت.
بات الانهـيار قدراً متواصلاً ترسَّخ على مدى خمسة عشر عاماً، نشطت فيها الحرب وماكينة القتل والهدم بشكل متواتر، تتخلّله قفزات مجنونة عند كلّ منعطفٍ كبير. عبّأ الموتى هول الوقت بجنائزهم وأربعيناتهم واستذكار تضحياتهم بشكل يغذي عصبـيات الثأر وحكايا بطولاتٍ غائرة في عتمة زمن من “خارج الحياة”. هكذا، في غمار وطءٍ راعِب لا نهاية له، تهافتَ كلّ شيء.
شهدَ الشارعُ مذّاك التحوّلات الكبرى التي أصابت – وستصيب – المجتمع بآفاتٍ مستعصِية. فقد راجت أنواعٌ كثيرة من المخدِّرات في أجواء الرعب والقلق والضغوط النفسيَّة، وسيطرت ثقافة العنف والسلاح وانسداد الآفاق والحاجة إلى الهرب من الواقع الموجع. لم يعدّ الإدمان حالة شاذّة، بل تحوَّل إلى وباء تفشّى في كلِّ وسَط وفقاً لطقوسِ الأمزجة والمكانة الاجتماعية.
لبث لبنان وشعبه في قعر الجبّ سنوات طوال. كان العالم من حوله يتغيَّر وينقلب في كلّ اتّجاه. انهار الاتحاد السوفياتي وسقط جدار برلين وتراجعت حدة العدائية والمنافسة بين المعسكرَين الجبّارين. وتبدّد الحلم الشيوعي الذي بدا أكثر فأكثر طوباوياً بعيداً كل البعد عن الواقعيَّة ومناقضاً للطبيعة الإنسانية، وتزامنَ ذلك مع تنامي صعود الحركات الإسلامية في ساحات العمل السياسي الطامح إلى تغيير أوضاع أمَّة مأزومة.
في تلك الأثناء أدَّت ثورة الاتصالات الحديثة في ناحيةٍ أساسيَّة منها إلى «عولمة» النموذج الغربي في فهم الحياة المعاصرة، وإلى الدفع بقوَّة، في كلِّ الميادين، نحو «الانفكاك» من أنماط السلوك الموروثة. واكتسحَت «الصورة»، التي يسيطر على «صناعتها» الغربُ بنسبةٍ ساحقة، أبصارَ «الجماهير» وبصائرها، بشكلٍ يؤدّي أيضاً إلى تغيير مفاهيم علاقة الإنسان بذاته وجسده، وبعائلته ومجتمعه، وبالعالَم من حوله، وإلى اتّساع الهوَّة بين الأجيال، وإلى تغييرات جذريَّة في حقول السلوكيّات الاجتماعيَّة، والنشاطات الثقافيَّة، والأساليب التربويَّة والترفيهيَّة، في الوقت الذي ترزحُ فيها مجتمعاتنا تحت وطأة تخلُّفٍ مُزمن ذي شبكات قروسطيَّة معقَّدة.
ورهَّلت الحربُ بُنية المؤسّسات في كافّة القطاعات، ولاسيّما منها تلك المولِّدة لفاعليّات المجتمع المدني. وتجذّرت أزمة الحكم نتيجة الخلافات السياسيَّة، والولاءات الطائفيَّة. وبات الاقتصاد الوطني رازحاً تحت وطأة أعباءٍ قاصمة. وصارت وسائل الإعلام، بارتهانها الكامل للاصطفافات السياسيَّة، عامل شحن للعصبيّات، ومصادر مؤكَّدة للتعبئة ورفع منسوب التوتّر اليوميّ.
لا غرو إذاً أن تعصفَ الشكوك بعقول الأجيال الصاعدة نتيجة «العيش فوق خطّ الزلازل»، وصورة مستقبل الحياة محدقة بأخطار كبرى أقلها البطالة، وغلاء المعيشة، وندرة مؤسّسات «الأمان الاجتماعي»، وهشاشة الأمن. في خضمّ هذه الأحوال تكثر الشكوك، وبالتالي الأسئلة بدءاً بمعنى الهويَّة الوطنيَّة، وصولاً إلى سؤال المصير. وإزاء الضحالة الثقافيّة تتعمَّق الأزمات، بل والأخطار المرتبطة بانحلال القيَم، وتفشِّي الإدمان، والتردِّي في السوداوية المودية إلى تفكّك الروابط. كلّ هذا يبرز الضرورة القصوى للحثّ على النهوض، والدعوة إلى استنهاض الهمم في شتّى المجالات. إنّ أصحابَ «الحلّ والربط والمقدرة» في مجتمعنا مُطالَبون بدعم الأندية الثقافيَّة، والمشاريع الإنمائيَّة، والمؤسّسات الاجتماعيّة الخيريَّة والرياضيَّة، ومراكز البحوث والدراسات، والمبادرات «الشبابيَّة» الهادفة إلى دفع عجلة النهوض قدُماً. فبهذا التوجُّه يتصدّى المجتمع الحيّ لأزماتِه الحياتيَّة، ولئن «يضيءُ المرءُ شمعة أفضل من أن يلعن الظلام».
مهما تبدَّت ظروفُ الحياة عن صورةٍ معقَّدة، وصعوبات شائكة، وأخطار مُحتملة، فإنَّ في الروح الشبابيَّة قوَّةً وإمكانات قادرة في معظم الحالات على اتّخاذ خِيار المواجهة والمبادرة إلى العمل المثمر. لدى الشباب الفرصة السانحة لأيِّ خِيار يستحقّونه. لديهم العمر الغض والعقل اليافع، يعني الوقت المناسب لبناء ما يحصِّنون به أنفسَهم ضد أنفسهم (يعني النفس العاقلة ضدّ الإمّارة بالسّوء)، وهذا يعني أن يكون لهم العقل الممتلئ بالمعرفة والثقافة والنباهة لكي يفهموا، من جملة ما يفهمونه، الواقع وإشكالاته، والصّورة وما خلفها، وما هو موقعهم منها كلّ على قدر طاقته من الاجتهاد والطموح الأعلى والتطلع إلى ما هو أجل وأسمى من اللهو الخالص.
المستقبلُ الحقيقي لكلِّ شاب يكمنُ في ما تكتنزهُ بصيرتُه من وعي يتجاوز به الظواهر، ويلتقط الجوهريّ. المستقبل حيث يمكن لكلِّ شاب، منذ الآن، أن يباشرَ شيئاً فشيئاً، ببناء تلك القوّة العقلية القادرة على تأمل ذلك السيل المتدفق من الصُّور والأحداث والصعوبات، والذي بلا أدنى شك سوف يزداد اندفاعاً في تدفقه يوماً بعد يوم.
على كلِّ شاب أن يُحسنَ قراءة ما يقرأ (دراسة وثقافة)، يعني أن يعقلَه أيضاً. أن يُحسنَ الإصغاء لكل حديث مفيد، سواء أكان في قاعات الدرس أو في أي مكان آخَر. أن يعلمَ أنَّ المعرفة قوّة وطاقة Power، وأنَّ الدول التي تملك زِمام القرار في هذا العالم هي التي تملك المعرفة. ولكن، في الوقت نفسه، عليه أن يرذلَ كلّ سخافة وكل سطحيّة وكل ادّعاء كاذب لا يستقيمُ فوق أساس منطقي. أن يرذلَ كلَّ ما يخدع النَّفس بعدم السّماح لكلِّ ما هو خدّاع مزيّف من القول أو من الفكر أو من الصور من الاستيلاء على عقله وأفكاره وروحه، لأنَّ جمالَ الحقيقة لا يُساكِن أبداً أسربة الضلال.
لنتذكر دائماً أنَّ العلمَ لا يعني اكتساب ما يُمكـن من منافسة الآخرين واحتلال المناصب والفوز بعمل يدرّ القدر الأكبر من المال. إنَّ ما هو أرقى للإنسان وللعِلم الذي يجب أن يستزيدَ منه أيّ شاب عاقل في كلِّ يوم، هو أن يبني في ذاته حصناً معنوياً مكوِّناً لشخصيَّة إنسانية تعرفُ تماماً ما تريد، لا لخدمة أناها Ego بل لتكون فاعلاً خيِّراً في مجتمعها عاملة على تثبيت عوامل النهضة فيه، وبذلك لن يصيرَ الشباب المعاصر جيلاً مهزوماً على شاكلة ما رأيناه.
ولا يمكن لهذا المنحى أن يستقيم من دون أن يعي الشباب في ذاته الأهمية الجوهريّة للفضيلة من حيث هي الخميرة القادرة على تحويل الوضيع في الإنسان إلى رفعة، والخسيس فيه إلى إرادة ثمينة، والبخس إلى ذهبٍ خالص هو ذهب التوازن الداخلي الذي يصيِّرُ الناس أسوياء.
تتحقَّق الذات الشريفة بالفضيلة حين لا يدفعها التمرّد إلى نبذ الماضي والحاضر بشكل عشوائي تحت شعار “الحرّيَّة”. من الواجب أوّلاً فهم الواقع على حقيقته وليس كما يتأتى إلينا عِبر انطباعات سريعة خاطئة. والواقع هنا يعني أيضاً “الكنف” الذي انوجد المرءُ فيه بحكم الولادة، وهو يشمل العائلة والمجتمع والنظام التربوي والهوية الثقافية والفكرية وقبل أي شيء آخر: الروحية. إذا اكتسح التمرّدُ حبّ الحقيقة يصبح هدّاماً لأنه يقود صاحبه إلى العبَث والفوضى (الإهمال والكسل والإدمان واكتساب العادات السيّئة إلخ…)، أما إذا تحوّل هذا النزوع إلى إرادة إصلاح بات “طاقة” حيويَّة في حقل “النهوض” الاجتماعي، وقاعدة الإصلاح الحقيقي الفاعل هو أن يبدأ المرءُ بإصلاح نفسه. إنّ هذا الأصل يُبنى في أساس الشخصيّة الإنسانيَّة الواعدة في البدء بزرع بذار الوعي في تربة الروح.
إزاء خطر الفوضى الذي يهدِّدنا، فإن لدى الشباب فرصة الحياة عينها وما تمنحه للمرء من إمكان بناء شخصيِّة قادرة على مجابهة الصعاب مهما تعاظمت. قرأتُ يوماً الأحرف الصغيرة لجملةٍ موضوعة في أعلى المدخل إلى الحيّ الصيني في مدينة سيدني: “اعرف الفضيلة، وثِق بها”. نعم، يحتاج المرءُ إلى المعرفة ليفهم الأهميَّة الجوهريَّة لقيمة الفضيلة. إذَاك، فهو أمام خِيار مصيريّ: إمّا أن يستثـقلها، وإما أن يثق بها. إنّ الذين استثقلوها أوصلوا العالم إلى الحروب والصراعات وتأليه المصالح الذاتيّة وعبادة الثروة السريعة واسترقاق الإنسان، أمّا الَّذين وثقوا بها واختاروها سبيلاً لتحقيق الذات فإنَّهم، على الأقل، أبقوا نورَ الإنسانيَّة مضاءً في مكان ما من هذا العالم.

ملف العدد