الجمعة, نيسان 4, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, نيسان 4, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

التنمية الزراعية في الأرياف

التنمية الزراعية في الأرياف
فــرص حقيقيــة أم حنيــن إلــى مــاضٍ بعيــد

يُنفق الإتحاد الأوروبي مبلغ 365 مليار يورو سنوياً لدعم الزراعة في الدول الأعضاء للاتحاد، وتُصرف معظم بنود الدعم تحت عناوين «الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي ومكافحة البطالة». فالأمر بالنسبة لهذه المجموعة العريقة من الدول هو الحفاظ على استقرار العاملين في الاقتصاد الزراعي في أماكن سكنهم في المدن والبلدات الريفية، وهو ايضاً المحافظة على استمرار قدرة دول الاتحاد الـ 26 على تأمين معظم حاجاتها الغذائية من داخل أسواقها، فلا تكون مكشوفة بالتالي وفي لحظات الصراع والأزمات الكونية إلى الضغوط الخارجية (وخاصة من الحليف الأميركي) في ما يتعلق بالحاجات الغذائية الأساسية لمواطنيها.
هذا المبدأ الحيوي كان فيلسوف ملهم مثل اللبناني جبران خليل جبران قد لحظه ببساطة كلية عندما كتب في «حديقة النبي» سنة 1933:
«ويــــــلٌ لأمـــــةٍ تلـــــبس ممـــــا لا تنســـــُج، وتأكـــــلُ ممـــــا لا تـــــزرع، وتشـــــرب ممـــــا لا تعصُـــــر».
لبنان بلد الجمال، وأيقونة الطبيعة، كان عبر التاريخ يسمَّى «جبل لبنان»، أو بلاد الأرز، في إشارة لوجود شجرة الأرز السحيقة القدم في أعالي قممه. لذلك، فإن الطابع الذي يَغلُب على صورته، هو في كونه قرىً ودساكر جبلية، وأريافاً تَقطُنها المجموعات اللبنانية المتنوعة منذ مئات السنين، أي أن لبنان في الأساس ليس بلداً «مدينياً» (أي مكوّنٌ من مجموعة مدن على الطريقة اليونانية القديمة)، مع التقدير الكامل لدور مُدنه الساحلية، ومنها بيروت، التي شكلت على مرّ العصور أهم الثغور والحواضر التجارية في البحيرة المتوسطية من دون أن يعني ذلك أنها كانت مدينة مكتظة بالسكان، والدليل على ذلك أن بيروت كانت حتى الاستقلال محصورة في الحدود الإدارة الضيقة لها بينما كانت أقسام كبيرة منها وكذلك الضواحي المنبسطة حولها ما زالت تعيش على الاقتصاد الزراعي وتعتبر الممون الرئيسي لسكان المدينة في ما يحتاجونه من سلع عبر المواسم المختلفة.
وعلى الرغم من موجات النزوح الكبيرة التي حصلت من أطراف لبنان الريفية في البقاع والجنوب وعكار وجبل لبنان إلى بيروت (خصوصاً مع انفتاح باب الوظائف الحكومية بعد الاستقلال) فأنه وحتى مطلع ثمانينات القرن الماضي كان 35 % من سكان لبنان ما زالوا يعملون في الزراعة، ويعتاشون من دخلها بالكامل. لكن هذه النسبة تقلصت اليوم إلى 20 %، كما تراجع إسهام القطاع الزراعي في الناتج المحلي
إلى 6 %، علماً أن الصادرات الزراعية ما زالت تمثل نحو 17 % من مجمل الصادرات اللبنانية إلى الخارج.
وفي مطلع الثمانينات كان اللبنانيون أصبحوا يتوزعون في سكنهم مناصفةً بين المدن والقرى. أما اليوم فقد أصبح أكثر من 60 % منهم يقطنون في بيروت وضواحيها ( أو ما يسمى بـ بيروت الكبرى). وهذا التكوُّر، أو التحول الديموغرافي، خلق تشوهات في جسم الوطن، فانتفخت بعض أعضائه ونواحيه، وضعُفت أخرى. وهذا ما نراه في الاكتظاظ الهائل والمخيف الذي تشهده بيروت ومحيطها، بينما تفرغ جباله وقراه من سكانها. وبات لبنان الجديد الذي نَحلمُ به مولوداً مشوهاً يحتاج إلى عمليات تجميل، لتقويم الاعوجاج، وهذا إذا ما نجحت هذه العمليات، وإذا كان الأطباء مَهرة.

نسبة العاملين في الزراعة في لبنان تراجعت من 35 % من السكان في الثمانينات إلى 20 % وإسهام الزراعة في الناتج المحلي تراجع إلى 6 %

ماذا وقع لبنان في مرض التورم المُدُني؟
ساهمت مجموعة عوامل في إنتاج هذه المشكلة، منها الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، وإجبار مجموعات كبيرة من أبناء الجنوب على النزوح إلى ضواحي العاصمة، ومنها أيضاً – وأبرزها- تدني دخل المزارعين اللبنانيين، بسبب عدم اهتمام الدولة بالقطاع وغياب أي سياسات فعّالة للحفاظ عليه وتطويره. وقد أدى الإهمال الرسمي المتراكم إلى إضعاف مقومات الاقتصاد الزراعي والحياة الريفية وبالتالي تدفق أبناء الأطراف إلى المدينة بحثاً عن مصدر عيش يكفي أو باب لهجرة الأبناء، أو مردود لائق. ولا ننسى أيضاً تأثير الحروب الداخلية المقيتة التي مرَّت على لبنان وساهمت في إعادة التموضع السكاني الجديد.
لقد كان لتقهقر القطاع الزراعي آثارٌ مدمرة على البُنية الاقتصادية والاجتماعية للبنان، وقد كان لهذا التقهقر أسبابه الموضوعية بالطبع مثل ازدهار الدور الوسيط للبنان ومعه قطاعا التجارة والخدمات. لكن كان يُمكن تلافي بعضاً إن لم يَكن جزءاً كبيراً من تلك النتائج لو توافرت الرؤية السليمة ثم الإرادة عند الدولة، وعند هيئات المجتمع المحلي من بلديات وجمعيات وتعاونيات، وفعاليات سياسية واقتصادية، لأن الأمر ليس مجرد تراجع قطاع ونمو قطاع آخر مكانه، بل هو مقاربة وطنية لدور لبنان، ومستقبل أبنائه وأمنهم الغذائي، واستقرارهم الاجتماعي.
لقد ساهمنا جميعاً في تدعيم نمو قطاع الخدمات على حساب تراجع قطاعي الزراعة والصناعة، فأدى ذلك إلى أن يصبح سعر المتر المربع في بعض مناطق بيروت 15000 دولار أميركي، بينما في بعض القرى ما زال ثمن المتر دون الـ 5 دولارات، وارتفعت أسعار السلع – وخاصة الغذائية – وتصاعد غلاء المعيشة الذي يتطلب مداخيل أكبر، لا تؤمنها عائدات الزراعة، خاصة وأن هذا القطاع في لبنان ما زال يدار بصورة بدائية، كما أن إنتاجه مرتفع التكلفة بسبب ضعف الفعالية ونقص التقنيات وغياب الإرشاد وسياسات الدعم المطبقة في معظم دول العالم.
إن محاولة وقف التراجع في التنمية الريفية مسؤولية وطنية، كما أن تأمين البيئة الحاضنة والملائمة للزراعة الجبلية واجب تاريخي، لن ترحمنا على التقصير فيه الأجيال القادمة.
لقد أدى عدم وجود بنية تحتية للتنمية الريفية، وخاصةً للزراعات الجبلية، إلى التدهور الحاد لهذا القطاع، وبالتالي إلى التغيير الديموغرافي غير المناسب لبنية وواقع لبنان. فشبكات الطرق ولا سيما الطرق الزراعية ما زالت في وضع بدائي، إذ يعود تاريخ تنفيذ معظمها إلى فترة الستينات من القرن الماضي، عندما كان في لبنان حوالي مئة ألف سيارة، بينما يسير على طرقاته اليوم ما لا يقل عن المليون وسبعمائة ألف سيارة. أما الكهرباء والمياه فنكاد نقول إنهما ربما كانتا متوافرتين في ذلك الوقت أكثر مما هما اليوم، بينما تتوافر الاتصالات لكن بأسعار مرتفعة. أما طريقة ريّ المزروعات فما زالت بمعظمها تشبه ما ورثناه من حقبة الأمير فخر الدين (التطويف). ولبنان اليوم لا يستطيع ان يُخزِّن أكثر من 1 % من كمية الأمطار المتساقطة على أراضيه في السنة، جراء عدم وجود سدود وبحيرات جبلية لهذه الغاية، بينما أعلن سفير الصين السابق في لبنان أمامنا في أحد اللقاءات: أنه في الصين لا تسقط نقطة مياه واحدة من السماء وتذهب إلى البحر مباشرةً دون الاستفادة منها، في الريّ أو لتوليد الكهرباء، أو للنقل بواسطة الممرات المائية، أو لتربية الأسماك.
ويستورد لبنان 80 % من حاجاته الغذائية، وفاتورة هذه الحاجات تتجاوز الـ 3 مليارات دولار أميركي سنوياً وهي إلى ازدياد، وأكثر من 75 % من مزروعاتنا بعلية (أو مطرية) بمردود منخفض، ولا يستخدم في الريّ أكثر من 700 مليون متر مكعب، بينما تقدر كمية الأمطار التي تتساقط سنوياً فوق أراضيه بنحو 8 مليارات متر مُكعب تقريباً.
لقد أدت سياسة اللامبالاة وانعدام أي خطة لدعم المزارع في الأرياف إلى هجرة المزارعين في اتجاه المدن، وهجرة الشباب في اتجاه الخارج، (1) وأوقع ذلك لبنان في مشكلة أمن غذائي بالغة تتضح مدى خطورتها عند المحطات الأمنية الصعبة – لاسيما أثناء العدوان الإسرائيلي – كما أثناء أزمات الشح الدولية التي تؤدي فوراً إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، كما هو عليه الحال اليوم.
لكن السؤال المطروح هنا هو التالي: هل التنمية الريفية، وخاصة الزراعية ما زالت ممكنة وضرورية؟ أم أنها حنين رومانسي إلى ماضٍ لن يعود.
ان اعتبار الإنتاج الزراعي، والعمل بالزراعة موضة قديمة، ثقافة مدمرة، وكارثة بكافة المقاييس على الوطن وأهله، وهذا على الرغم مما يعتري القطاع الزراعي من تشوهات، خصوصاً بسبب الملكيات الصغيرة وعدم وجود قانون واضح ومُسهل لتأجير الأراضي الزراعية، وعلى الرغم من تدني أسعار المحاصيل بسبب تفرق المزارعين وسيطرة تجار الحسبة على الدورة التسويقية، وعلى الرغم من وجود 280 ألف هكتار أراضٍ زراعية جبلية متروكة بوراً ودون استغلال زراعي، واكتساح الباطون لمناطق أخرى كما في سهول الدامور والشويفات وصيدا وصور وطرابلس، على الرغم من كل ذلك، فإن التنمية الزراعية الريفية ضرورية، وممكنة، وليست مستحيلة، ولها أبعادها الوطنية في آن.
كيف يتم ذلك؟
أولاً : مسؤولية الدولة  على الدولة اللبنانية بوزاراتها المختلفة، وخاصةً وزارة الزراعة، القيام بسلسلة خطوات لتحقيق هدف إعادة الاعتبار للزراعات الجبلية، والنهوض بالقطاع بشكلٍ عام، ومن أهم تلك الخطوات:
1. تأمين البُنى التحتية الملائمة، من الطرقات العادية والزراعية وتأهيلها، وتأمين النقل المشترك ليتمكن المزارعون وأبناؤهم من الانتقال بكلفة معقولة إلى المدينة، ولاسيما إلى الجامعات والعودة منها إلى القرى.
2. إعطاء حوافز تشجيعية في أسعار الكهرباء والهاتف (أسوة ببعض الدول الأوروبية)، كما في تخفيض الرسوم والضرائب لمدد محددة على المزارعين الذين يقطنون في قراهم، وإعطاء جوائز على كمية الإنتاج وجودته.
3. إنشاء السدود والبحيرات الجبلية وتأمين المياه للمزارعين، مجاناً أو بتكلفة تشجيعية، وإنشاء شبكات للريّ الحديث ( التنقيط).
4. تفعيل الإرشاد الزراعي (وفق خطة الوزير د. حسين الحاج حسن) وتعميمه أفقياً، وإجراء الأبحاث المتطورة بهدف استنباط أفضل سُبل إنتاجية، وزراعة أنواع ذات ميزات نسبية بحيث يمكن بيعها أو تصديرها بأرباح جيدة.
5. إصدار القوانين والتشريعات الضرورية لمواكبة العصر، خاصة قانون سلامة الغذاء، وقانون تنظيم استيراد وبيع المستحضرات الزراعية (منعاً للاستغلال) وقانون الحجر الصحي النباتي، وقانون الزراعات العضوية، وقانون أو مرسوم لتحديد مصادر الفاكهة والخضار، تسهيلاً للمراقبة. كما أن مرسوم تصنيف الأراضي الصادر في شباط من سنة 2009 بحاجة لبعض التعديلات، على وجه الخصوص لناحية إعطاء حوافز استثمارية في المناطق الجبلية في مجال الزراعة، وفق مبدأ الحفاظ على البيئة، والإلتزام بمفاهيم التنمية المستدامة، لحفظ حقوق الأجيال القادمة في الطبيعة.
6. توقيع الإتفاقيات الملائمة مع الدول العربية والأجنبية، بما يكفل مصالح الزراعة اللبنانية، خاصة وأن لبنان يستورد عشرة أضعاف ما يُصدر من المواد الغذائية، وهذا الأمر يعطيه مكانة تفاضلية في الاتفاقيات. ولا بأس من بعض الحماية الجمركية التي لا تتناقض مع مبادئ منظمة التجارة العالمية، لأن فتح الحدود على الزراعات المدعومة في الخارج يعني القبول بشكل من أشكال الإغراق . (2)
7. إعادة النظر بسياسة الدعم الحكومي لثلاثة أنواع زراعية فقط، لا تستفيد منها إلا منطقتان من لبنان، وكبار الملاكين فيهما. وهي الشمندر السكري والتبغ والقمح، بينما لبنان مشهور بالفواكه والخضار الجبلية، مثل التفاح والكرز والعنب والزيتون، والخضار، وهي متروكة من دون أي دعم.

الإهمال الرسمي المتراكم أضعف الزراعة والحياة الريفية وحفز نزوح سكان الأرياف إلى المدن وضخم البطالة والضغوط على البنى التحتية

ثانياً: دور المجتمع المحلي
إن التنمية المحلية المستدامة، لا يمكن أن تأخذ طريقها الصحيح إلى النجاح من غير أن يكون هناك دور أساسي للمواطن والهيئات المحلية المُنتخبة (البلديات) والتعاونيات والجمعيات الأخرى، وهذا الدور يمكن أن يتلخص بالتالي:
1. تعزيز مشاعر تعلُق المواطن بأرضه، وأهمية المساهمة في إعلاء شأن سمعة السلع المُنتجة محلياً، وإبراز ميزاتها على السلع المنافسة.
2. تعميم أجواء التسامح والتعاون، لما فيه خير الجميع، وخاصةً في مجال تسهيل تنظيم عمليات الري المشترك وتوزيع المياه بالتساوي، وبالعدل، ومن دون طمعٍ أو استغلال، وبالتالي الحفاظ على سلامة المشاريع المشتركة.
3. على البلديات القيام بدورها، في تشجيع الاستثمارات الزراعية، وتقديم الخدمات الضرورية للمزارعين، وتنظيم شؤونهم المشتركة، ولاسيما منع استغلالهم من قبل التجار ومُوردي الأدوية الزراعية، ومطالبة السلطات المعنية في الدولة تأمين البنى التحتية اللازمة لتطوير القطاع الزراعي.
4. إنشاء المشروعات الصغيرة التي توزع خدمات على المزارعين، وخاصة البحيرات الجبلية لتجميع مياه الأمطار وتوزيعها.
5. إن البلديات والتعاونيات مدعوة لإنشاء أسواق شعبية للمساهمة في تسويق الإنتاج، كذلك الأمر في إقامة المعارض الإنتاجية، وتقديم الجوائز لأفضل المنتجات، وذلك بهدف إعلاء قيم الإنتاج وتشجيع المزارعين الناجحين وتسليط الضوء بصورة دائمة على ميزات الإنتاج المحلي.
6. التشدّد في منع الحرائق ومكافحتها، لأنها تشكل خطراً محدقاً على الثروة الزراعية والحرجية (مثال على ذلك، أنه في 6 آب 2008 التهمت النيران 20 ألف دونم من الأراضي معظمها زراعية في قرية عيناب ومحيطها في يومٍ واحد).

تجربة البحيرات الجبلية في مرستي الشوف

في سنة 1998، وبتشجيعٍ من الاستاذ وليد بك جنبلاط، أنشأت بلدية مرستي بحيرة على أملاكها العامة – دون تغيير وجه الملكية – تتسع لـ 15 ألف متر مكعب من المياه الشتوية، قدم الحفارة للعمل النائب نعمة طعمة مجاناً، وكانت البحيرة الأولى في المنطقة، وفي السنة التالية بدأ توزيع مياهها مجاناً على المزارعين، ثم قامت البلدية بإنشاء برك أخرى حتى أصبح عددها ست برك، تمّ تمويلها من عائدات الحفر وبعض الرمول، بشفافية مطلقة، وبتكلفة تقارب ربع تكلفتها السوقية أو التجارية، وذلك بفضل العمل المجاني، وتعاون أعضاء المجلس البلدي والأهالي، وقد تكرَّم الأستاذ وليد بك جنبلاط وساهم في تقديم أنابيب للري على النقطة إلى المزارعين .
أدى هذا الأمر إلى استصلاح الأراضي المهملة، وزراعة ما يقارب الخمسين ألف شجرة – خاصة من التفاح والكرز – كما أدى إلى دخول دورة الإنتاج الزراعي مجدداً من قبل نحو مئة رب عائلة، منهم مَن يعتمد على الزراعة بشكل كامل، ومنهم مَن يعتمد على مردودها بشكل جزئي. وتقوم البلدية بتكليف أحد الأشخاص للإشراف على توزيع المياه من البحيرات من دون مقابل، إلا أن المُكَلف يسترد بعض أتعابه من المزارعين.
إن النتائج الاقتصادية والاجتماعية التي نجمت حتى اليوم، من جراء هذا المشروع يمكن إيجازها كالتالي:
– زيادة الأراضي المستصلحة على نطاقٍ واسع في البلدة، وبالتالي تغيرت معالم الطبيعة إلى اخضرار، فيه حياة، ورائحة جهدٍ ونشاط وعمل من جراء إعادة التجليل والاستصلاح.
– عودة مجموعة كبيرة من أبناء البلدة إلى العمل الزراعي، وبالتالي الإنتاجي، بعد أن كان معظمهم نسيَ هذا الأمر، ومنهم مَن كان مقيماً خارج البلدة لكنّه ونتيجة للفرص التي فتحها المشروع قرر العودة إليها.
– زاد الإنتاج الزراعي بصورة كبيرة كما قفزت العائدات المالية المحصلة من المزارعين بصورة غير مسبوقة لتصل هذه السنة إلى نحو 250 مليون ليرة لبنانية (نحو 166,000 دولار) وذلك من مبيعات الكرز فقط، ومن دون احتساب الاستهلاك المحلي، وهناك عائدات مهمة بدأ الحصول عليها من مواسم أخرى مثل التفاح وغيره.
تجدر الإشارة إلى أن هذا العائد تمّ تحقيقه من أشجار حديثة الزراعة ولم تصل بعد إلى مرحلة الإنتاج الاقتصادي والنضج، وهذا يعني أنه في إمكاننا أن نتوقع تضاعف العائدات المالية للزراعات التي تمّ استحداثها بفضل مشروع البحيرات الجبلية سنة بعد سنة لتصل بعد سنوات عدة إلى مبالغ ضخمة وتتحول بالتالي إلى مصدر إسناد أساسي لمعيشة قسم كبير ومتزايد من السكان.
إلا أنه في المقابل تزيد هذه المشاريع من الأعباء على العمل البلدي، كونها بحاجة إلى متابعة دائمة، إضافةً إلى الصيانة والتَفقُد المستمر لها في فصل الشتاء، وإذا كان التعاون بين الأهالي والبلدية ضرورياً للحفاظ على استمرارية هذه البحيرات، ولكن بعضاً من استخدام سلطة القانون ضروري أحياناً للحفاظ على الحد الأدنى من الانتظام في توزيع المياه بالعدل بين الجميع، وكي لا نَغرق في بحر الفوضى الذي غالباً ما أدى في حالات عديدة إلى تعثر العمل المشترك وخسارة الكثير من فوائده من قبل الجميع.

تقرير عن تطور دور مشيخة العقل

تطور دور مشيخة عقل الطائفة
خصوصاً بعد قانون العام 2006

صورة جامعة للمجلس
المذهبي الجديد بعد انتخابه

قانون 2006 أعاد توجيه مسؤوليات مشيخة العقل نحو الأوضاع الداخلية للطائفة في جوانبها الدينية والحياتية والتي أهملت لوقت طويل

مشيخة العقل ليست «زعامة» أو تمثيلاً لحزبية في الطائفة على حساب حزبية بل هي مرجعية للوحدة والحكمة والتعقل والإرشاد في شؤون السلوك والدين

الموحدون الدروز مسلمون وهم وإن اجتهدوا كغيرهم أو أخذوا بالطريق الأصعب للسلوك فإنهم متمسكون بانتمائهم الإسلامي دون لبس

ما هو دور مشيخة العقل في طائفة الموحدين الدروز؟ سؤال مهم لم تكن الإجابة الواضحة عليه أمراً سهلاً حتى سنوات قليلة في غياب الإطار المؤسسي الذي ينظم شؤون الطائفة. وعلى الرغم من صدور بعض النصوص القانونية بهذا الخصوص (خصوصاً قانون العام 1963 والذي تمّ استبداله بالقانون الرقم 208/ 2000) فقد بقيت صلاحيات شيخ العقل ودوره وطبيعة علاقته بالمرجعية السياسية وببعض مؤسسات الطائفة وهيئاتها موضوعاً ملتبساً يتأثر بالأجواء العامة أو بموقف الأطراف المختلفة كما يتأثر بشخصية شاغل المنصب والتفسير الذي يعطيه هو لدوره، أي أن هذا الموضوع المهم بقي قابلاً للاجتهاد والتأويل وغالبا ما يؤدي الاجتهاد – مع غياب النص الواضح- إلى التوسّع في تعريف الدور أو التضييق عليه، وهو ما قد يدخل شيخ العقل –سواء أراد ذلك أم لم يُرِده- في أخذ ورد لا يمكن أن يكون مفيداً للموقع ولما يجب أن يحيط به من إجماع واحترام، كما أنه لا يمكن أن يسهل لشيخ العقل القيام بالدور الروحي والعمومي الجامع الذي هو في صلب رسالته ومسؤولياته. «الضحى» أعدّت هذه الدراسة التي توضح أهم التحولات التي طرأت على موقع مشيخة العقل ودورها الوطني خصوصاً بعد قانون تنظيم شؤون طائفة الموحدين الدروز الصادر في العام 2006.

نشير أولاً إلى أن قانون العام 1963 لم يتضمن تطوراً أساسياً في المنصب بل كل ما فعله ربما هو وضع العرف في إطار من التنظيم التشريعي، ولهذا السبب بقي ذلك القانون مجتزأً وملتبساً إلى أن تمت معالجة ثغراته بالقانون الرقم 208/ 2000. لكن التعريف الذي تمت صياغته في أحكام القانون الصادر بتاريخ 2006/6/9 كان هو الأقرب إلى توحيد الرؤية القانونية لما سمِّي «ترتيب شؤون البيت الداخلي» فوُضعت أسُس الانتخاب العام لأعضاء المجلس المذهبي، والاتفاق على موقع مشيخة العقل وتحديد أطر العمل المؤسساتي كما توزيع المهام والواجبات بدءاً من شيخ العقل وصولاً إلى اللجان المتخصِّصة داخل المجلس المذهبي للطائفة، وكل ذلك استناداً إلى قواعد التنسيق والإشراف التي يتولاها موقع مشيخة العقل بالتشاور مع القيادات وممثلي كافة قطاعات المجتمع.
في هذا السياق، يمكن القول إن دور مشيخة العقل أصبح أكثر وضوحا ًوتحديدا وعلى الأخص باعتبار شيخ العقل رئيساً للمجلس المذهبي للطائفة ورأس الهرم المكوّن من قاعدة أعضاء المجلس المذهبي ومجلس إدارة المجلس واللجان المتفرّعة عن مجلس الإدارة، لكن شيخ العقل هو من ناحية التمثيل الرسمي المرجع الأول في تسيير الشؤون الدينية للطائفة وهو بهذه الصفة، يتحمل مسؤولية خاصة في تدبير شؤون مجتمع الموحدين، والعناية بقضاياهم، والسهر على ترتيب أوضاع المجالس والمزارات بما من شأنه تحقيق الغاية من وجودها.كما لحظ التنظيم الأخير مهمّة القيام بالإرشاد المباشر للمجالس وللموحدين عبر مراسلات كتابيّة تتناول مواضيع راهنة ومهمة بهدف خلق الوعي المشترك بين عموم الموحدين بشأن أوضاع الطائفة وما يجري حولها. وقد لاقت هذه التوجيهات صدى إيجابياً كما كشفت أن هذا الدور التوجيهي مهم ومطلوب من جمهور الموحدين الذين باتوا يطمئنون إلى مشيخة العقل وإلى ما يمكن أن تساهم به في الإجابة على التساؤلات ومعالجة المسائل المتعددة اليومية والتوفيق بين المواقف أو الأشخاص.

تعزيز الدور التوجيهي والروحي
إن قيام مشيخة العقل في متابعة الشؤون اليومية والدينية يندرج أيضاً في سياق تعزيز دور المشيخة كمرجعية معنوية وروحية للطائفة وليس فقط كمرجعية مذهبية-مدنية (من خلال دورها في رئاسة المجلس المذهبي)، علماً أن هذا الدور لا يستند فقط إلى العلم الواسع لشيخ العقل بالمسائل الدينية والقانونية، بل يستند في الوقت نفسه إلى كفاءة الرئيس الروحي للطائفة في التعامل الفاعل مع فريق العمل الذي تكوّن حول مشيخة العقل بهدف مساندتها في هذا المجال. وهذا ما يجعل الاجتهاد في موضوع المسلك والتوجيه الإسلامي الروحي للموحدين الدروز مسألة تدارس وشورى وتكامل في الجهود، فالإحاطة بمختلف أوجه مسلك التوحيد وإنتاج مواد التوجيه وبلورة المواقف من بعض المسائل العامة أو السياسات المتعلقة بمواضيع النشر ومضمونها وأسلوب عرضها وغير ذلك من المسائل، كل ذلك يتطلب عمل فريق كما يتطلب التعاون واستقطاب الكفاءات المطلوبة والتي تجعل من مقام مشيخة العقل بدوره مؤسسة ذات موارد فكرية وعملية تمكّنها من القيام بالدور المطلوب والمرتجى منها. وعلى سبيل المثال، فقد لحظ قانون تنظيم شؤون الطائفة إنشاء هيئة استشارية تساند شيخ العقل وتبدي رأيها في العديد من المسائل بما في ذلك مسائل إنفاق الموارد المتاحة والمساعدات وغيرها.
لقد وضعت التطورات السابقة الأسس لواقع مؤسسي بات يخالف الصورة الخاطئة التي كانت ترى في مقام المشيخة «زعامة» أو تمثيلاً ذا نزعةٍ عصبيّة أو عائليَّة، بل على العكس من ذلك، إذ ان انتخابات المجلس المذهبي الأخير رفعت العديد من الالتباسات وأعادت لمنصب شيخ العقل ما توحي به التسمية أصلاً من مؤهلات التقوى والحكمة والتعقل والتفقه في شؤون الدين، وأعاد هذا التحوّل للموقع احترامه ومكانته الخاصة كما أعاد توجيه مسؤوليات مشيخة العقل كمؤسسة نحو الأوضاع الداخلية للطائفة في جوانبها الدينية والحياتية والتي أُهملت لوقت طويل.
الى ذلك، فإن تركيز عمل مشيخة العقل ومسؤولياتها على الوضع الداخلي يسير جنباً إلى جنب مع قيام شيخ العقل بدوره كممثل لطائفة الموحدين الدروز في علاقتها بالطوائف الأخرى ولاسيما الطوائف الإسلامية الشقيقة. ومن أول شروط ارتفاع مكانة الموحدين الدروز على الصعيد العام هو نجاحهم في ترتيب البيت والإعتناء بشؤونهم وتوحيد صفوفهم بحيث يتعاملون مع الآخرين كجماعة وليس كجماعات شتّى.
نهج الاعتدال والانتماء الإسلامي
وفي هذا المجال، فإن مقام مشيخة العقل يُثبت يوماً بعد يوم مكانته الخاصة بالنظر للتعامل الواعي والمتزّن مع مختلف الشؤون العامة يما يشدّد على نهج الإعتدال والإنتماء الوطني الجامع ثم الإنتماء الإسلامي الذي يحدّد الهوية الدينية والروحية للموحدين الدروز. ومن هذا المنطلق فقد ركّزت مشيخة العقل دوماً على كون الموحدين الدروز جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الإسلامي من حيث الالتزام بأسس الإسلام وشعائره دون لبس أو إبهام وذلك مع الاعتناء في الوقت نفسه بالقيم التوحيدية وبأوجه الخصوصية التي يتميز بها اجتهاد الموحدين في عدد من الشؤون الحياتية والسلوكية، علماً أن هذه الاجتهادات تأثرت بصورة واضحة بالتعبير التقشفي أو الزهدي للإسلام كما عمل به الرسول (ص) والخلفاء الراشدين وعدد كبير من الصحابة الكرام والأولياء الصالحين والشيوخ في ما بعد. وقد عملت مشيخة العقل على الإضاءة الإعلاميَّة على العديد من المناسبات مثل إقامة صلاة العيد بمناسبة عيدي الفطر والأضحى، وإحياء رأس السنة الهجرية، وتنظيم الإفطارات في شهر رمضان المبارك عملاً بمضمون الآية الكريمة
}ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ{ (الحج:32)
لقد أثبتت تجربة المجلس المذهبي أن منصب مشيخة العقل يتطلب كفاءات ومؤهلات عالية ولاسيما على مستوى النزاهة الشخصية والحكمة والقدرة على العمل الدؤوب والمتابعة والأسلوب الحكيم في التعامل مع الصعوبات والمشكلات التي تهب يومياً في وجه العمل العام، والتركيز على تحقيق الغايات المرجوّة من وجود المشيخة ومسؤولياتها وقيامها بالدور الحكيم في وجه الخلافات والمنازعات والمواقف الحادة، حيث أنَّ شيخ العقل ينأى بنفسه عن الجدل والخلافات ليكون الرمز الأبرز لوحدة الموقف، ولعلوّ القيم التوحيدية، ورفعة السلوك والحرص على الإخوان والابتعاد عن كل ما يفرق صفوفهم أو يبث بينهم خلافات عقيمة تستنزف جهودهم، فضلاً عن التأكيد دوماً على البُعد الوطني وعلى مصلحة البلاد العليا في المواقف العامة.
لكن ما هي الإنجازات و الإضافة المهمة التي تندرج في سجل إعادة تحديد وتفعيل الأدوار المطلوبة من مشيخة العقل؟ هذا ما سيتم تفصيله في الفصول التالية.

مشيخة العقل والمسؤولية الإدارية

جعل قانون تنظيم أحوال طائفة الموحدين الدروز من شيخ عقل الطائفة قانونياً وعملياً المرجعية الرئيسية لإدارة الشأن المجتمعي الدرزي وذلك من خلال الإشراف المباشر على عمل المجلس المذهبي ولجانه وانتداب الممثلين عنه في المغتربات وإرسال البعثات والإشراف على المزارات والمقامات والأوقاف وشؤون التعليم الديني والنشر وانتداب المشاركين والممثلين عنه في المناسبات أو الندوات وتمثيل الطائفة في علاقاتها اليومية مع الدولة اللبنانية ومع الطوائف الأخرى وإعلان المواقف بإسمها. لكن القانون الذي حدّد مهام ومسؤوليات شيخ العقل تضمن في الوقت نفسه تعيين الآليات التي تنظّم اتخاذ القرارات المهمة بما يحقق المشاركة في الرأي والتشاور والدرس وذلك من خلال الدور المناط باللجان المتخصصة ورؤسائها وأجهزتها. وبهذا المعنى فإن دور شيخ العقل، هو مثل دور أي رئيس تنفيذي في مؤسسة يتعامل مع خيارات واقتراحات يتم درسها وبلورتها من خلال الإدارات واللجان، لكن هذه القرارات والخيارات المتعددة تحتاج في نهاية المطاف إلى شخص يتحمّل مسؤولية الاختيار بينها وترجيحها. وبهذا المعنى فإن شيخ العقل يتحمّل مسؤولية كبيرة هي على قدر التفويض الممنوح له من القانون.

دور مشيخة العقل في المجلس المذهبي للطائفة
بموجب القانون، فإن شيخ العقل يتولى تسيير شؤون الطائفة عبر اضطلاعه بالمهمات التالية:
يترأس جلسات المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز ويعتني لذلك بالإدارة الفعّالة للإجتماعات واتخاذ القرارات المناسبة والتوفيق بين الجوانب المختلفة لعمل اللجان، وبصورة عامة فإن أحد أهم الأدوار التي يقوم بها في هذا الموقع هو الحفاظ على جو الجدية والتعاون والعمل المثمر داخل المجلس.
يترأس الاجتماعات المشتركة للجان عندما يتطلب الأمر عقد اجتماعات للتنسيق بينها، وغالباً ما يتطلب الأمر هذا النوع من التنسيق بسبب تقاطع أعمال اللجان أحياناً والحاجة إلى حسم بعض المسائل المشتركة. وفي هذا المجال فإن دور شيخ العقل مهم أيضاً على صعيد الحفاظ على مناخ التعاون وحلّ الأمور العالقة في وقتها.
يشرف على مالية المجلس المذهبي وعلى مختلف نواحي الإنفاق ويتابع أوضاع الأوقاف ويهتم بكل ما من شأنه زيادة الموارد المالية للمجلس المذهبي ولجانه وذلك بما يساعد المجلس واللجان على القيام بمهماتها ومسؤولياتها.
يشرف على إدارة المقامات والمزارات والمجالس الدينية والخلوات ذات الطابع الديني العام.
يتخذ القرارات المتعلقة بإعادة تسجيل أبناء طائفة الموحدين الدروز وفقاً للقوانين المرعية الإجراء، ويحدد الأشخاص الذين يمارسون الشعائر الدينية التوحيدية من أجل إعفائهم من خدمة العلم.
يفـــوض لمـــدة معينة معتمـــدين مـــن أبناء طائفة الموحدين الدروز اللبنانييـــن للقيـــام في المهجر ببعض الأعمال المتعلقة بممارسة الشعـــائر التوحيدية وله إنهاء التفويض أو تعديله في أي وقت يشـــاء.

1. استقلالية وحصانة مقام مشيخة العقل
أعطى قانون تنظيم شؤون الموحدين الدروز شيخ العقل في هذا الإطار صلاحيات واسعة روحية وإدارية ومالية تعزز استقلاليته وتصون موقعه الذي لا يمثل شخصه بحسب بل يمثل الطائفة ويجب أن يرمز إلى قوتها وهيبتها ومكانتها داخل الوطن وفي ما يتعداه.
وفي سياق تحصين هذا الموقع وإبعاده عن الاعتبارات السياسية أو التدخل من أي نوع، فقد جعل القانون لشيخ العقل بمجرد انتخابه من الهيئة العامة للمجلس المذهبي حصانة تامة تنبع من المنصب نفسه وأهميته المعنوية للموحدين الدروز. وبهذا المعنى فإن القانون يحظّر عليه الجمع بين منصب مشيخة العقل وبين أي عمل آخر من أي نوع كان رسمياً كان أو خاصاً. فشيخ العقل مكرّس بكليته للطائفة وشؤونها.
وكما أعطى القانون لشيخ العقل حصانة قانونية فإنه أعطاه وفي نطاق إدارته لمؤسسة مشيخة العقل استقلالاً واسعاً إدارياً ومالياً. فمشيخة العقل تتمتع بميزانية مستقلة عن ميزانية المجلس المذهبي. وبهذا المعنى فإن شيخ العقل يمسك الحسابات بالواردات والنفقات ويعين مدققاً داخلياً لضبطها وله منفرداً فتح الحسابات المصرفية بإسم المشيخة والسحب منها والإيداع فيها. وبسبب استقلالية ميزانية مشيخة العقل عن ميزانية المجلس المذهبي فقد ترك القانون لشيخ العقل الحرية في تزويد المجلس المذهبي بنسخة عن ميزانية مشيخة العقل “على سبيل العلم”.
ويضع شيخ العقل موازنة المشيخة من موارد ثابتة تأتي من نسبة معينة من حصيلة التبرعات المقدمة للمزارات الدينية (25 %) التي تقع تحت إشراف المشيخة ومن إيرادات الأوقاف والأملاك الموضوعة بإشراف مشيخة العقل (أملاك الشيخ احمد أمين الدين) والتي تتم جبايتها بمساعدة لجنة الأوقاف فضلاً عن الهبات والتبرعات والوصايا الواردة لحساب مشيخة العقل. إن إنفاق التبرعات المقدمة من المزارات الدينية يتم بموجب قرارات من الهيئة الاستشارية لمشيخة العقل.
إن الاستقلالية الممنوحة لشيخ العقل في إدارة هذا المقام المهمة جداً في إدارة الشأن الديني لم تفهم دوماً على حقيقتها كما لم يقدر البعض المغزى المعنوي المهم من وراء النصوص القانونية التي كرستها. وسبب ذلك هو على الأرجح الاختلاط الذي قد يحصل أحياناً في النظر إلى مقام مشيخة العقل إذ يغفل البعض التمييز بين دور شيخ العقل في مهامه الروحية وبين دوره كرئيس للمجلس المذهبي للطائفة. ومن الواضح أن موجبات وحقوق كل من المنصبين ليست ذاتها. فبصفته رئيساً للمجلس المذهبي يتمتع شيخ العقل بصلاحيات واسعة لكنها صلاحيات “وظيفية” تتعلق بتسيير عمل المجلس وإدارة فريقه والإشراف على لجانه المختلفة. لكن في مهامه الروحية فإن شيخ العقل يتمتع بصلاحيات هي أقرب إلى الحقوق أو الامتيازات المتصلة بالمقام وبأهمية صونه وإعطائه درجة كبيرة من الاستقلالية، لأن أساس انتخاب شيخ العقل هو الثقة بدينه ومناقبه ورجاحة عقله وهي الصفات التي يستند إليها التفويض المعطى له والذي يجعله سيد مقام المشيخة والمتحمل لمسؤولياتها واستخدام مواردها والسهر على مجتمع الموحدين والمجالس والاهتمام بالتوجيه الديني، وإيفاد البعثات أو تنظيم أو رعاية المناسبات الدينية وغير ذلك الكثير.

باعتبارها مرجعية روحية للموحدين الدروز فإن لمشيخة العقل حصانتها واستقلاليتها وهي تتمتع بتفويض واسع في إدارة الشأن الإيماني وإدارة شؤونها المالية والإدارية

2. تعيين الهيئة الاستشارية لشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز
تجتمع الهيئة مرة كل شهر في مقام الأمير السيد عبد الله (ق) برئاسة شيخ العقل ويمكن له دعوتها عند الحاجة لعرض مختلف الشؤون الروحية.

3. إدارة وضبط الشأن الديني بالتشاور مع الهيئة الاستشارية
يعتبر الشأن الديني من أكثر الأمور أهمية ودقة بالنسبة للموحدين الدروز. وتقوم أهمية هذا الشأن على خصوصية مسلك التوحيد باعتباره تطبيقاً لجوهر التوحيد الإسلامي وعملاً برسالته الروحية التي نص عليها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة الشريفة وكذلك اقتداء بالصحابة الكرام وبالألوف من الأولياء الصالحين والزهاد العارفين الذين يظهر لهم الموحدون احتراماً شديداً ويتناقلون سيرهم ومواعظهم وما خلفوه من تراث التنبيه والإرشاد في مجالسهم.
لكن بالنظر للطبيعة الخاصة لمسلك التوحيد والينابيع المتعددة التي ينهل منها فقد اقتضى على الدوام وجود مرجعية دينية واسعة العلم ومشهود لها بالاختبار والإحاطة لتبيان أصول الإتباع والتفريق في الوقت نفسه بين ما هو أصيل وما هو دخيل على مسلك التوحيد. وفي غياب التوجّه الصحيح والتمييز المدرك فقد برزت أحياناً اجتهادات في غير محلها وراجت أفكار وأقاويل تسيء إلى حقيقة التوحيد وتشوه معانيه، بل الكثير مما يروج أحياناً هو فهم خاطئ وقد يكون هدف بعض مروجيه إيقاع الفتنة بين الموحدين أنفسهم أو بينهم وبين العقائد والأديان وهو ما يجب أن نحذر منه أشدّ الحذر.
لهذه الأسباب فإن من أولى مسؤوليات مشيخة العقل الدفاع عن مذهب التوحيد وصونه من كل دخيل أو خارج عنه نصا أو معنى. وفي هذا السياق قامت مشيخة العقل بدور كبير ومسؤول في هذا المجال من خلال المبادرات التالية:

1. إصدار كتاب السبيل إلى التوحيد
يتضمن هذا الكتاب، والذي صدر حتى الآن باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، لأول مرة عرضاً مبسطاً لثوابت ومرتكزات المسلك التوحيدي. وهو يأتي في سياق سلسلة من المبادرات التي تستهدف توضيح أسس المسلك لمختلف فئات الطائفة في الوطن أو المهجر، كما استهدف توفير مدخل يُمكّن جميع أبناء الطائفة من امتلاك بعض أهم الأسس الروحية التي توضح هويتهم الدينية والروحية والثقافية وتحفزهم بالتالي لمزيد من الإطلاع من خلال الوسائل والقنوات التي توفرها مشيخة العقل وتشرف على موادها ونوع التعليم الذي تقدمه للمهتمين، وسيتبع بعونه تعالى أجزاء أخرى.

2. توجيه مجالس الذكر
البدء في إرسال رسائل وعظية وإرشادية تقرأ في مجالس الذكر وتستهدف مدّ جمهور الطائفة بالتوجيهات الأولية، إيضاح بعض النقاط المهمة الخاصة بالمسلك بما يوجب فهمها والعمل بها على أوسع نطاق ممكن.

3. ضبط الشأن الإيماني
ويتم ذلك بصورة خاصة عن طريق تفعيل الجهود الرامية لضبط المواقف التي قد تصدر عن بعض الناشطين في الطائفة سواء في المناسبات العامة أم الإعلامية أو وسائل النشر وقد حصلت في المدة الأخيرة عدة أمور أثبتت أهمية الانضباط وعدم التسرع والتشاور مع مقام المشيخة قبل أخذ مبادرة المشاركة في المناقشات والمناظرات التي قد تتطرق لشؤون العقيدة والمسلك. ومن المفيد أن نشير في هذا المجال إلى أن قانون تنظيم شؤون الموحدين الدروز ينص بكل وضوح على مسؤولية مشيخة العقل في هذا المجال إذ جاء فيه أن شيخ العقل: “يعطي الإذن المسبق لكل ما يصدر من كتب ومنشورات مرئية ومسموعة ومسجلة ذات الطابع الديني العقائدي لطائفة الموحدين الدروز”. وتمتد صلاحية شيخ العقل هنا إلى المجال التعليمي، إذ يعود إليه “إعطاء الموافقة المسبقة بالتنسيق مع اللجنة الدينية في المجلس على برامج التعليم الديني لدى طائفة الموحدين الدروز والإشراف على هذه البرامج”.

4. تأكيد الانتماء الإسلامي
الموحدون الدروز مسلمون وهم اجتهدوا كغيرهم من الفرق الإسلامية في التطبيق والأحكام وإن أخذوا ربما بالمنحى الأصعب للسلوك فإنهم يؤكدون على انتمائهم الإسلامي دون لبس. وإن من أبرز ما قامت به مشيخة العقل هو اتخاذ جملة من المبادرات والخطوات التي استهدفت تأكيد الانتماء الإسلامي للموحدين الدروز والتشديد على ضرورة التزام الموحدين الدروز بما هو مأمور به وإهمال كل ما راج بفعل الجهل والتهاون في أمر الدين من اجتهادات وأفكار أفرغت الإيمان التوحيدي من أي موجبات أو التزام بتهذيب النفس والعبادة الحقة.
وكيف يمكن للموحدين التقدّم في معارج الإيمان مع إهمال التقرب من المولى واحترام شرعته ووصاياه وما كانت تلك الوصايا إلا عن علم بضعف الإنسان { وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} (النساء:28) وانكشافه الدائم لإغراءات النفس الضدية خصوصاً في هذا الزمن الذي انهارت فيه القيم واشتدت فيه قوى الجهل الظلمة. {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} (الأحزاب: 72) {. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ} (الزخرف: 15).
إن إهمال القيام بواجب العبادة للمولى والتجرؤ على حدود الله يورث الخسران ويعرّض الموحدين الدروز لمخاطر الامتحان وساعات الشدة وما انتصر الموحدون في كل الأزمان على العدوان والظلم إلا بسبب طاعتهم لله وخوفهم الدائم من الوقوع في أشكال الإنكار والحرام.

5. احتضان المغتربين
يواجه الموحدون الدروز في المغتربات أوضاعاً صعبة لجهة الحفاظ على إيمانهم وما يرتبط به من محافظة على القيم وتربية صالحة للأبناء، وذلك بسبب الضغوط الشديدة التي يتعرضون لها من الثقافة السائدة ووسائل الإعلام وبرامج التعليم والاختلاط الواسع ومظاهر الانحراف السلوكي التي عمّت خصوصاً أكثر بلاد الغرب. وفي مثل تلك الأجواء فإن الهم الأول للكثير من الأسر والعائلات يتركّز في كيفية الحفاظ على هويتهم وهوية أبنائهم الذين يولدون في تلك البقاع ويوشكون في وقت قصير أن يندمجوا بأطفال وأولاد تلك البلدان لا يفرقهم عن غيرهم الكثير لجهة الجهل بالدين والاكتساب التدريجي للعادات والانحرافات الرائجة.
وفي تلك المناخات حاول بعض المخلصين من أبناء الطائفة تنظيم ورش عمل أو ندوات أو لقاءات اجتماعية وثقافية، كل ذلك على أمل أن يساعد ذلك على صون الهوية وحس الانتماء. لكن وفي غياب أي نصوص مرجعية مأذون بها فقد كانت تلك المبادرات قائمة على الجهد الشخصي وأحياناً التأويل الشخصي لشؤون دقيقة وحساسة. وقد لمست مشيخة العقل مدى افتقاد المغتربين لوسائل التوجيه والتثقيف الديني خلال انعقاد المؤتمر الاغترابي الأول والذي شهد مشاركة واسعة من المغتربين في مختلف أصقاع الأرض. وكان احتضان تلك الجهود ومد يد العون إلى جميع المخلصين من أبناء الطائفة في الخارج أحد الدوافع وراء العمل على إصدار كتاب «السبيل إلى التوحيد» ليكون بمثابة النص المرجعي المعتمد في عمليات التنشئة وحلقات التعليم التي تنظم في الخارج حول مسلك التوحيد وبحيث يحال دون اضطرار البعض لإصدار نصوص أو مراجع قد لا تكون مستوفية لشروط الوضوح أو الدقة. وتعدّ مشيخة العقل لترجمة النص إلى اللغات الأجنبية الرئيسية وفق أفضل مقاييس الدقة والأمانة، كما تعد لإصدارات جديدة في المستقبل في هذا الشأن.

ما انتصر الموحدون في كل الأزمان على العدوان والظلم إلا بسبب طاعتهم لله تعالى وخوفهم الدائم من إنكار حقوقه والوقوع في مزالق الإنكار والحرام

6. تأكيد الحضور في الشأن العام
أخيراً، فإن من أبرز الخطوات التي حققتها مشيخة العقل تأكيد طائفة الموحدين الدروز لحضورها الخاص والمميز في الشأن العام وذلك من خلال الدعوة و المشاركة في القمم الإسلامية، والإسلامية – المسيحية، وفي مختلف مناسبات الحوار واللقاءات الدينية الجامعة أو الإسلامية والتواصل الدائم مع أركان الطوائف الإسلامية والمسيحية والإعلان عن مواقف محددة بشأن القضايا المحلية أو العربية كلما دعت الحاجة. وقد أصدرت مشيخة العقل سواء عبر المجلس المذهبي أم بصورة مستقلة عشرات المواقف المهمة التي ركزت عليها وسائل الإعلام وذلك بما يؤكد بأن الموحدين الدروز كانوا ولا يزالون وسيبقون من أولى الفصائل المجاهدة في سبيل العرب والمسلمين وأنهم على استعداد دائم للذود عن حياضهم وعروبتهم كلما دعت الحاجة.

7. واجب مراقبة الأوقاف العامة ومقاضاة المتعدين عليها
بموجب القانون الصادر بتاريخ 2006/2/12 اكتسب المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز حق الولاية والإشراف على الأوقاف الدرزية، واتخاذ القرارات اللازمة التي تكفل حسن إدارتها، وطريقة استغلالها ووجهة صرف ريعها، وكل ما من شأنه تحقيق غايتها (باستثناء خلوات البياضة).
وأعطت أنظمة المجلس المذهبي لشيخ العقل بصفته رئيساً للمجلس ممارسة الصلاحيات والمهام التي أولاه إياها القانون، ويمثل المجلسين (الهيئة العامة ومجلس الإدارة) ويرأسهما وينطق باسمهما، وبهذه المهمة يتولى شيخ العقل مع اللجنة القانونية في المجلس المذهبي وبالتعاون مع لجنة الأوقاف اختيار وتوكيل المحامين للدفاع عن حقوق المجلس المذهبي والأوقاف.

شكيب أرسلان

الأمير شكيب أرسلان
حول إسلام الدروز وعروبتهم الصريحة

في مصارعة المسلمين للإفرنج لا بد للدروز أن يكونوا في صفوف المسلمين وهذا شأنهم من أيام الصليبيين.

الدروز في النسب عرب أقحاح لا يوجد في العرب الجالين عن جزيرة العرب أصحّ عروبة منهم

في سياق التعريف بسيرة وجهاد الأمير شكيب أرسلان، تبدأ مجلة الضحى مع هذا العدد نشر نصوص مختارة من مؤلفاته ومراسلاته ومقالاته التي خطّها على مدى يزيد على النصف قرن. وهذه النصوص تعكس في الوقت نفسه المراحل المختلفة لجهاد الأمير شكيب وهو الذي كان يقرن الموقف بالعمل والدعوة إلى مجاهدة المستعمر والقوى الطامعة بالمبادرة إلى تحريك الهمم واستنهاض المجاهدين إلى جبهات القتال. وفي ما يلي نصان مهمان يتعلق كلامهما بالدفاع عن إسلام وعروبة الموحدين الدروز كتبهما الأمير للردّ على بعض الافتراءات أو على الادعاءات الباطلة لبعض المؤرخين حول نسب الدروز، مؤكداً بما لا يدع مجالاً للشك نسبهم العربي الصحيح وانتماءهم العرقي والحضاري الذي لا يداخله شائبة أو خلط إلى أشرف القبائل التي سكنت شبه الجزيرة العربية وحملت لواء الفتح الإسلامي وبناء الدولة الإسلامية. وفي ما يلي ما كتبه الأمير شكيب ببلاغته وحجته البالغة حول الموضوع:

ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً

الدروز فرقة من الفرق الإسلامية أصلهم من الشيعة الإسماعيلية الفاطمية، والشيعة الإسماعيلية الفاطمية أصلها من الشيعة السبعية القائلين بالأئمة السبعة وهؤلاء هم من جملة المسلمين كما لا يخفى. وإذا قيل أن الدروز هم من الفرق الباطنية التي لا يحكم لها بالإسلام فالجواب هو أن الدروز يقولون أنهم مسلمون ويقيمون جميع شعائر المسلمين ويتواصون بمرافقة الإسلام والمسلمين في السراء والضراء، ويقولون أن كلَّ مَن خرج عن ذلك منهم فليس بمسلم. ولهذا فأصبح من الصعب على المسلم الذي فهم الإسلام كما فهمه السلف الصالح والذي سمع حديث (فهلّا شققت عن قلبه؟) أن يخرج الدروز من الإسلام. وفي الشرع المحمدي قاعدة: نحن لنا الظاهر والله يتولى السرائر وقد قال الله تعالى }ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا{ وهؤلاء لا يلقون السلام فقط بل يلقون السلام ويقولون أنهم مسلمون ويحفظون القرآن ويلقن الميت منهم “إذا جاءك منكر ونكير وسألاك ما دينك ومن نبيّك وما كتابك ومن إخوانك وما قبلتك فقل لهما الإسلام ديني ومحمّد نبيّي والقرآن كتابي والكعبة قبلتي والمسلمون إخوتي” وليس من شعائر الإسلام شيء لا يقيمه أو لا يوجب الدروز إقامته.
وإذا قيل أنهم مع كل هذه المظاهر تحتوي عقيدتهم الباطنية التي تعرفها طبقة العقّال على ما يصادِم أو كان عقيدة السنّة والجماعة ولا يتفق معها في شيء فالجواب قد وجد في الإسلام أئمة كبار يُترضّى عنهم عند ذكرهم ولهم قباب تزار وتعلق فيها القناديل وكانوا يقولون بوحدة الوجود! فهل وحدة الوجود مما يطابق السنة؟ كلا. فهل أخرج المسلمون هؤلاء الأئمة من الإسلام؟ كلا. أما تجسد الإله فليس من عقيدة الدروز كما يتهمهم بعضهم والتجسد شيء والترائي شيء آخر. وأما تأويل آي القرآن الكريم بحسب زعمهم فكم من فرقة في الإسلام انفردت بتأويل للآيات الكريمة، وقد رأينا مؤخراً عالماً من علماء الإسلام يؤلف كتاباً في الإسلام وأصول الحكم وينفرد بتأويل آيات من القرآن العظيم على حسب مذهبه وقد طبق ذكر كتابه الشرق والغرب ومع أن تأويله للآيات مخالف لتأويل الجمهور من أهل السنة فلم يخرجه أحد من الإسلام بل دافع عنه أناس كثيرون.
عندما كان الإسلام قوياً عزيزاً لا يخشى خصماً ولا يتهيب طارئاً ولا يُغزى في عقر داره كانت القوة التي من شأنها الاندفاع تدفع بعض فرقه لمحاربة فرق أخرى ومناضلتهم ومناقشتهم وكان هذا يكفِّر هذا كما هو معلوم وكانت دولة آل عثمان السنيّة لا تفتأ تقاتل دولة إيران الشيعية مما أضعف الفريقين وكان من حظ الأوروبيين.
وكم من فتن في الإسلام من أجل المذاهب حتى كانت تقع الوقائع بين أهل الحديث وأهل الرأي أي بين الشافعية والحنفية وتقع بين الأشعرية والمجسمة أي الشافعية والحنابلة، أو المالكية والحنابلة وهلمَّ جرا مما لا يحصيه تاريخ. فلما ضعف الإسلام وانهارت جوانبه و”مشت سكَّة الأجنبي في حقله” على رأي زويمر انفثأت مراجل العداوات المذهبية بين دول الإسلام وطوائفه وندموا على ما أسلفوه منها لا بل عرف بعضهم بعضاً وأخذوا يتناسون الخلافات الماضية، والدولة العثمانية أيام كانت هي الخلافة الإسلامية عرّفت الدروز مسلمين، ولما كان جماعة من مشايخ دروز حوران في الآستانة صدرت إرادة السلطان عبد الحميد الخليفة يومئذٍ بأن يصلّوا الجمعة وراءه في جامع يلدز ولهذا أنا لا أفهم ما وجه الضرورة لفتح مسألة ديانة الدروز وإظهار ما فيها يخالف من مخالفة الإسلام في وقت يسفك فيه الدروز دماءهم بإسراف في الدفاع عن حوزة تسعة أعشارها لا بل أكثر من تسعة أعشارها المسلمين بل معلوم أن الحكم إنما هو للأكثرية فكون الدروز يقاتلون جنباً لجنب مع إخوانهم المسلمين ويرفضون الصلح الذي كان عرضه عليهم الفرنسيون بأحسن الشروط بل كونهم يحملون من كبر هذه الثورة ما لا نسبة بينه وبين عددهم إنما هو منهم محض مروءة وإنسانية ونزعة عربية، المقصد منها تأييد استقلال عربي أكثر ما يستفيد منه المسلمون فالنصارى وهذا من جملة الأدلّة على موالاتهم للمسلمين وأنهم في مصارعة المسلمين للإفرنج لا بد أن يكونوا في صفوف المسلمين وهذا شأنهم من أيام الصليبيين.

بنو معروف بأجمعهم عرب صراح

ورد في مقالة مترجمة عن الألماني كلام عن الدروز يزعم الكاتب فيه أن الدروز كسائر أهل سورية من أجناس مختلفة. وهذا الكلام خبص في خبص كسائر تخاليط الإفرنج إذا شرعوا في الكلام عن الشرقيين.
والدروز في النسب عرب أقحاح لا يوجد في العرب الجالين عن جزيرة العرب أصحّ عروبة منهم.
نستدل على ذلك أولاً من سحنتهم العربية الصرفة وتشابه بعضهم لبعض إذ لا يوجد قبيل يشبه بعضه بعضاً مثل الدروز، وكان أستاذنا الشيخ محمد عبده رحمه الله، كثيراً ما يفضي إليّ بعجبه من شدة هذا التشابه فيقول لي: إذا رأيت الرجل المعروفي فكأنك رأيتهم جميعاً.
ثانياً: في نقاوة لغتهم العربية وإخراجهم الحروف من مخارجها الصحيحة فلا تجد في الخارج عن جزيرة العرب من يتكلّم بالعربية مثل الدروز ولا من يتلفّظ بالعربية مثل الدروز زأن المرأة منهم لتسوق الحديث بعبارة إن لم تكن معربة فهي فصيحة صريحة متينة مستعملة فيها الكلمات بالمعاني التي وضعت لها فتجدها أصحّ لغةً من الرجل العالم النحوي من غيرهم. والفصاحة التي اشتهر بها الدروز آتية من كونهم عرباً.
ثالثاً: التواريخ التي عند الدروز والتي عند الطوائف الأخرى المساكنة لهم في جبل لبنان متفقة على كونهم أبناء اثنتي عشرة قبيلة عربية هاجروا من ديار إلى لبنان في أوائل عهد العباسيين –ولا تزال منهم بقية في الجبل الأعلى بجهات حلب- وهذه القبائل كانت أوطنت بلاد معرّة النعمان منذ أوائل الفتح العربي. ثم أن التواتر فيما بينهم مأثور من الخلف عن السلف يؤيد هذه التواريخ المكتوبة.
رابعاً: إنهم كانوا من الشيعة السبعية أي القائلون بالأئمة السبعة وهم فرقة من الشيعة. فلما كانت الدعوة الفاطمية وتلقّاها بعض الشيعة فكان منهم الإسماعيلية وكان منهم الدروز انقسمت بعض العائلات إلى قسمين منهم من بقي على التشيّع الأصلي ومنهم من غلا غلوّ الفاطميين. ولكن هذه العائلات، التي أصلها واحد، معروف كثير منها اليوم يعرفون أنهم أقارب. وهؤلاء دروز وأولئك متاولة أي شيعة وذلك مثل بني أبي علوان وبني عبد الصمد وبني المصري وبني القنطار وغيرهم. وكذلك موجود قرابات عصبية بين كثير من الدروز والمسلمين السنيين وإن كانت هذه القرابات أكثر منها بين الشيعيين والدروز، وذلك مثل بني أبي شقرا وبني الأعور وغيرهم مما لا يحصى. ولا يخفى أن الشيعة في سورية عرب أقحاح أيضاً وبلادهم جبل عاملة، إنما سميت كذلك لنزول عاملة قبيلة من عرب اليمن بذلك الجبل. كذلك نجد أسماء كثيرة منسوبة إلى قبائل يمانية مثل السكسكية في ساحل عاملة بقرب صيدا وهي نسبة إلى السكاسكة من عرب اليمن وغيرها مما يا يحضرني الآن بدون مراجعة كتب. ونجد بيوتات كثيرة محفوظة أنسابها إلى قبائل العرب مثل إخواننا الأمراء آل الحرفوش في بعلبك المنسوبين إلى خزاعة، ومثل إخواننا البكوات آل علي الصغير المنسوبين إلى وائل وغيرهم مما لا يحصى.فإذا تقرر أن الشيعة عرب فالذين أصلهم من الشيعة عرب. أما الذين أصلهم من أهل السنة فلا بد أن يكونوا من أهل السنة العرب أيضاً بدليل السحنة إذ أن السحنة العربية لا تخفى.، ثم بدليل أنهم منذ تسعمائة سنة أي منذ وقع هذا الانشقاق من الشجرة الواحدة لا يزال بعضهم يعرف بعضاً ولا يوجد حفظ الأنساب إلى هذا الحدّ مع تعاقب القرون العديدة إلا عند العرب.
فلو كان أولئك المسلمون الذين تشعب من دوحة نسبهم كثير من بني معروف هم من الآراميين أو الكلدانيين أو من الذين أسلموا من اليونان أو الرومان أو من الترك أو الكُرد ما كان نسبهم محفوظاً.
خامساً: في الدروز أنفسهم بطون وأفخاذ معروفة الأنساب إلى قبائل العرب، هذا إى لخم وذاك إلى طي، وأناس إلى تميم وأناس إلى كلب ومنهم من لا تزال معروفة مثل بني عزّام الذين لهم أقارب في الشرارات ومثل بني قعيق وبني ركين وبني خميس الذين لهم أقارب في عرب العراق.
نعم يوجد في الدروز بعض عائلات وجيهة أصلهم من الأكراد والأتراك وهم معروفون وعددهم قليل جداً وهذا لا يخرج هذه الطائفة من صراحة النسب العربي لأن العبرة بالسواد الأعظم كما لا يخفى.

شكيب أرسلان
جنيف 12 سبتمبر 1925

مَوقعَةُ بَيروتَ ومقتلة أمراء تنوخ

مَوقعَةُ بَيروتَ ومقتلة أمراء تنوخ

الأمــراء التنوخيــون يدفعــون ضريبــة الــدم الباهظــة
فــي التصــدي للحملــة الصليبيــة علــى فلسطيــن

تعتبرُ موقِعةُ بيروت أولى المعاركَ التي خاضها التنوخيون دفاعاً عن عروبة لبنان، ومحطةً بارزةً حدّدت بوضوحٍ عمق التزامهم بالدولة الإسلامية، وفي الوقت نفسه تمسكهم بأرضهم التي ارتوت بدمائهم وعرق جبينهم. وتُعدّ هذه الموقعة نموذجاً عن التضحيات التي تكبّدها الموحدون الدروز عبر تاريخهم جرّاء الدور الذي ارتبط برسالتهم المشرقية، وهو دور الدفاع عن الثغور الإسلامية والذود عن حياض الدولة الإسلامية مهما كانت التضحيات. ويفخر الموحدون الدروز أنهم كانوا دوماً أوفياء لهذا الدور، ولم يترددوا في أي وقت وبغض النظر عن حجم القوى المعتدية عن أداء ضريبة الدم والتصدي لتلك القوى بإيمان وعزم.
وقبلَ الحديث في هذا الموضوعِ نورد نصَّيْنِ لكاتبينِ ثقتيْنِ، كيْ يتعرَّفَ القارِىءُ عنْ كثَبٍ علَىْ التنوخيين، فيعلْمَ ما كانوْا عليْه مِنِ حميْد المنهجٍ وعلُوِّ الكلِمَةِ، ويُدرِكَ حجْم التضحيات التِّيْ قدّموها قبل أَنْ يُثبتوُاْ أقدامهُمْ أمراء للجبل ولمناطق واسعة من لبنان. قالَ الشًّيْخُ علَمُ الديّنِ سُليمْاَنُ بْنُ حُسيْنِ بنِ نصْرِ فِي كتَابِ «دُرَّةِ التَّاجِ» وَسُلَّمِ المعراجِ فِي معْرِضِ حديْثِهِ عَنْ آلِ تنْوخَ: «مُلُوْكٌ سابقةٌ وجُدُوْدٌ فائِقَةٌ، حاربُوْا الإفْرَنج بسيوْفٍ بارقَةٍ وأسنَّةِ خارقَةِ، لبثوُا فِي الغرْبِ مدَّةً مِنَ الزَّمَانِ تتداوَلُ أيامهُمْ بالوسْعِ والإمكَانِ، شيدَّوا الإسلاَمَ ورفعوا في دحْضِ الكُفرِ الأعلاَمَ. أقاموْا شعائَر الدّينِ والتزموْا الشّرائِعَ الإسلاميَّةَ فيْ الحلاَلِ والحرامِ فوقَّرهُمْ كلُّ منْ لهُ مقامٌ، علماَءُ حكماَءُ شهداءُ فِيْ الطّاعَةِ، أبرارُ وأخياَرُ لهُمْ في الدّينِ الوراعَةُ، أظهرُوْا الفنوْنَ وأبهرُوْا العيوْنَ وطرّزوْا كلَّ صناعةٍ، فرسانُ شجعانٌ عُرفتْ بهمْ الوقائِعُ، كتبوُاْ بأقلامِ الطبقاتِ وبلغَتَ مكارمهُمُ الزّيادَاتِ، ولهُمُ العطايَا الفاخراتُ وفضلُ العاداتِ. ملوكُ زمانهِمْ بالعزّ والرّعاياتِ، ملكوْا ثغْرَ بيروتَ بقصورِ عمرّوهَا وقلاعٍ حصّنوهَا وحروْبٍ شهدوْها».
وقالَ الشّيْخُ محمّدُ الأشرفانِي: «ولمَّا توجّهَ ساداتُ الصّحابَةِ إلَى فتوْحِ الشّامِ، أَتَى فخْذ مِنَ التَّنوخيّيْن لنصرتهِمْ, وخرجوْا إلى ثغْرِ بيروُتَ بعددهِمْ وعدَّتهِمْ، ورفعوُاْ في دحْضِ الشّرْكِ الأعلاَمَ وأقاموْا شعائِرَ الدّيْنِ، وضربَتْ سيوفهُمُ البارقَةُ رقابَ المشركيْنَ وملكوْا بلاَدَ الغرْبَ وجبل بيروْتَ. ولمْ تزَلْ تتداوَلُ بالسَّعْدِ أيّامُهم ويعلُوْ مقامهُمْ وينفُذُ كلامهُمْ وترتفِعُ أعلامهُمْ وتخضَعُ لهُمُ الرّجالُ المجيدة، وتفِدُ عليهِمِ الوفوْدُ العديدَةُ، وتعرفُ بهِمِ الأفعًالُ الحميدةِ، ويقابلوُنَ الملوُكَ الشّديدَةَ، حتّى خافتهُمُ الأعداءُ فيْ البّرِ والبحْرِ، وحكَمَ لهَمُ الدّهرُ بتتابُعِ النَّصْرِ. فرسَان شجعان كتبة بأعلَى الطّبقاَتِ، حكمَاء كرماء لهُمُ العطايَا الفاخراَتُ، والعدْلُ فِي الرَّعَايا ومكارِمُ الأخلاقِ والمزَايَا».
هَذانِ النَّصاَّن يعطيَانِ صورَةً مشرِّفة عَنِ التنّوخيّيْنَ الأوائِلِ، وهذا مع العلم أن التوخيين لم يشتهروا بالشجاعة والبطولات الحربية بل أن مؤرخي ذلك العصر أفاضوا في الحديث عن أخلاقهم المَلَكيّة وورعهم وتمسكهم بالدين الحنيف وشرعته، ولم يذكر التاريخ أنَّ أحدَاً من أمراء تنوخ تعاطىَ منكرَاً، أَوْ عدَلَ عنْ مستقيْمِ الصراطِ، أوْ ظلمَ رعيَّة.
ولمّا برَزَ الطّالِعُ السّعيْدُ الميمُوْنُ في مصْرَ، أقبل التنوخيون علَى الدّعوَةِ الهادِيةِ المهديَّةِ. وكانَ منهُمْ دعاةُ بارزوْن قاموْا بواجبهِمْ في نشْرِ تعاليْمِ هذا المسلك الإسلامي الزهدي بين رعاياهُمْ وترسيخِهِ في نفوسْهِمْ، لكن قبْلَ أنْ تنقضِيَ المائَةُ الأوْلى علَى ظهورِ الدّعوَةِ التوحْيدِيَّةِ، أقبَلَ الصّليبيوْنَ الإفرنج مِنْ مختلفٍ أنحَاءِ أوروبَّا وافتتحوْا مدينَةَ نيقية في بلاد الأناضول سنة 1097م ثم مدينة أنطاكيَة سنة 1098م وأقامُوْا فيْ منطقة الرها أولى ممالكِهِمْ في الشرق واستمروا قرابة قرنين من الزمن (1097-1291م) مصدر قلق وبؤرة إزعاج ومصدر تهديد للعالم الإسلامي والعربي ومقدساته.
ولمَّا كانَ هَمُّ الإفرنج الأولُ الوصوْلَ إلى القدْسِ فقد زحفوا جنوْباً ومرُّوْا بالسواحِلِ اللبنانيّةِ دونَ أنْ يتعرَّضوْا للمدُنِ القائمةِ على الشواطِئ فلم يلقوا مقاومة تذكر بإستثناء بعض المناوشات التي لم تكن لتؤثر على تقدمهم وزحفهم نحو بيت المقدس، والتي احتلوها سنة 1099م وجعلوها مملكة بقيادة «غودفري دي بويون». لكِنَّ التّنوخيّيْنَ القاطنيْنَ في منطقَةِ الغرْبِ والجبالِ المحيْطَةِ ببيرُوْتَ والمطلَّةِ عليهَا استفزهم مشهد الحملات الصليبية في توجهها نحو القدس الشريف واجتياحها لذرى الإسلام فقرروا، وعلى الرغم من عدم تكافؤ القوى، التصدي والقيام بواجبهم في مقاومة هذه الحملة ومحاولة وقفها وردها على أعقابها.
وبالفعل، فقد انطلق التنوخيون إلى مواجهة الحملة الصليبية بقيادَةِ الأميْرِ عُضْدِ الدّولَةِ عليّ، وقطعُوْا الطريْقَ على الغزاةِ عندَ منطقَةِ نهْرِ الكلْبِ، وهْوَ ممرُّ إجباريَّ ضيّقٌ محصوْرُ بيْنَ الجبالِ والبحْرِ، لا بُدَّ لكُلِّ مَنْ يجتازُ السّواحِلَ منَ المروْرِ فيهِ فكانَتْ معركُة نهْرِ الكلْبِ سنَةَ 495هـ-1099م أوَّلَ معركَةٍ بيْنَ الإفرنج وبين التّنوخيّين، والذين استبسلُوْا في القتال وتمكنوا من وقف الحملة في ذلك الموقع. لكنّ التنوخيين قليلي العدد لم يتمكنوا من حسم المعركة بسبب التفوق الكبير في الجيوش والسلاح بينهم وبين جحافل الصليبيين، مما اضطرهم إلى الانسحاب نحو المرتفعات والعودة إلى مواقعهم وحصونهم.
يذكر أن شجاعة التنوخيين وبسالتهم في التصدي للإفرنج لفتت أنظار الأمير دقّاق السلجوقي، فأضاف إلى إمارتهم المشتملة على الغرب وبيروت إمارة صيدا، وقدّم لهم المساعدات اللازمة لتحصين المدينتين. أما الصليبيون الإفرنج فقد أضْمَروا الحقد للتنوخيين وأسرّوه في أنفسهم. فلَمْ يكَدْ يستقرّ بهِمِ المقامُ بعْدَ فتحهِمْ لمدينةِ القدْسِ حتَّى توجهت أنظارهم إلى المدن الساحلية التي كانت كثيراً ما تضايقهم أثناء تنقلهم بين أنطاكية والقدس، فوجهوا حملاتهم نحوها، فأول ما سقطت مدينة عكا ثم تبعتها جبيل سنة 1104م، وسقطت بعدهما طرابلس سنة 1109م، فتفرغوا للثأر من التنوخيين لأن معركة نهر الكلب وما حل بهم خلالها من خسائر بقيت في ذاكرتهم.
جمَعَ الملِكُ بُولدوِن، وهو أحَدُ أمراَءِ فرنْسَا المشاركيْنَ فِي الحملَةِ الصَّليبيَّة، جيوشه وجعل «برتران» قائداً لفرسانه وقصَدَ مدينَةَ بيروْتَ فِيْ العَامِ 504 للهجرَةِ، وحاصَرَهَا مدَّةَ شهرَيْنِ، فصَمَدَتْ المدينَةُ التنُّوخيَّةُ التِيْ كانَتْ بقيادَةِ الأميْرين التنوخيين عُضْدِ الدولة وشُجاعِ الدَّولَة وجَماعَةٍ مِنْ أقارِبِهِم، وكان من أهم الأسباب التي ساعدت بيروت على الصمود ثلاثة رئيسية هي:
-1 وجود المدينة على مقربة من منطقة جبلية حصينة، وحواجز طبيعية صعبة لا يمكن اجتيازها إلا عبر ممرات إجبارية ضيقة المسالك تسهل فيها إقامة الكمائن وحرب العصابات.
-2 وجود سور قوي متين عالٍ يحيط بالمدينة، معزز بحامية متيقظة تستميت في الدفاع عنها، فلا يمكن أخذها على حين غرة.
-3 وجود الأسطول الفاطمي الذي قدم من مصر لنجدة مدينة طرابلس ولكنّه وصل متأخراً بعد سقوطها بثمانية أيام فتحول للدفاع عن بيروت وصيدا.
وللتغلب على هذه العقبات الثلاث جمع الإفرنج سفنهم وتوجهوا بها إلى بيروت، ثم شرعوا في ب ناء برج متحرك لينصبوه على سور المدينة بما يمكنهم من تسلق أسوارها وفتح ثغرات في دفاعاتها. فلما أتموا صنعه زحفوا به واقتربوا من السور، لكنّ التنوخيين قذفوه بالحجارة الثقيلة من المنجنيق الذي كانوا يحسنون استعماله، فحطموه. صنع الإفرنج برجاً آخر فلم يكن مصيره بأفضل من مصير سلفه، ومن ثم تمكّن الأسطول الفاطمي من التغلب على مراكب الإفرنج التي أرسلوها إلى شواطئ المدينة، فاستولوا على بعضها واستمروا في تمويل المدينة التنوخية مما مكّنها من مقاومة الحصار وإطالته مدة أكثر.
عندئذ استنْجَدَ بُولْدوِن بإفرَنْجِ السَّواحِلِ وأُمَراءِ المَرَدَةِ في شمال لبنان والأسطول الأوروبي المرابط في ميناء جنوى الإيطالي، فنَهَضَ إفرَنْجُ الشَّمالِ وتَجَمَّعُوا مَعَ المَرَدَةِ في جُبَيْل، بينَمَا اجتَمَعَ إفرَنْجُ الجَنوْبِ فِيْ مَرْجِ الغازيَّةِ قُرْبَ صَيْدَا، وتَحَرَّكَ الفريقَانِ فِيْ يَوْمٍ واحِدٍ باتِّجاهِ بيروْتَ ودَهَمُوْا الغرْبَ صبَاحَاً فغدروا بسكانه ونَهَبُوْهُ وأحرقوْهُ، ثم قتلُوْا وأسرُوْا مَنْ وَجَدُوْهُ. فلَمْ ينْجُ مِنْ أهلِهِ سِوَىْ الغائبيْنَ والجالين والمختبئيْنَ، فقُتِلَ مِنَ الأمرَاءِ التنوخيين الأميْرُ مُوسَى بْنُ إبراهيْمَ بْنِ أبِيْ بَكْرِ المنذِرِ وأولادُهُ الصِّغارُ والأميْرُ قاسِمُ بْنُ هشَامِ بْنِ أبي بَكْرٍ وَوَلَدُهُ الأميْرُ إدريْسُ، والأميْرُ مَوْدُوْدُ بْنُ سَعيْدِ بْنُ قابُوْسَ وَوَلَداهُ الأميْرُ أَسَدُ والأميْرُ زُهَيْرُ، والأميْرُ مالِكُ بْنُ مصطَفَى بْنِ عَوْن والأميْرُ عُبَيْدُ بْنُ مِعْضَادِ بْنِ حُسَامِ والأميْرُ يَحْيَى بْنُ الخُضْرِ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيْ وأخوْهُ الأميْرُ يُوسُفُ والأميْرُ عَلِي بْنُ حَليمِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ فَارِسِ الفَوَارِسِيْ وأولادُهُ وإخوتُهُ وبَنُو عمِّهِ. فانقطعَتْ بموتهم سلالَةُ بنِيْ فوارِسٍ. ولَمْ يبْقَ مِنَ الأمرَاءِ سوَى الأميْرُ بُحْتُرَ بْنِ الأميْرِ عُضْدِ الدَّولَةِ، الَّذِيْ هربَتْ به والدتُهُ إلَى عَرَمُوْنَ، حيْثُ بقيَتْ هناكَ إلَى أَن انجلَتِ الحملَةُ الصَّليبيَّةُ عَنِ الغرْبِ، وفي هذه الأثناء وصل الأسطول الجنوي فأنزل بالأسطول الفاطمي هزيمة قاسية، فتابعَتْ جموْعُ الصَّليبيِّينَ طريقَهَا إلَى بَيْرُوْتَ وشدَّدُوْا الحصار عليْهَا من كل الجهات في البر والبحر، فتمكنوا من اختراق أسوارها وافتتحوْهَا عُنْوَةً وأقاموا فيها مذبحة رهيبة قاسية ذهب ضحيتها الآلاف واستشهد الأميْرُ عُضْدِ الدَّولَةِ عَلِيُّ فضُمَّ اسمُهُ إلَى أسماءِ أكثر من 20 أميراً تنوخياً سقطوا شهداء في الدفاع عن العمق العربي الإسلامي لجبل لبنان، واعتبر مع رفاقه من الأبطال الصناديد الشرفاء الذين سطروا ببذلهم وتضحيتهم ملحمة لا يزال التاريخ يسجلها بأحرف من نور، ولا يزال الأبناء والأحفاد يتذكرونها بكثير من الأسى والفخر والاعتزاز. وقد وَصَفتُ هذه الموقعة بهذه المقطوعة الشعرية المؤرخة:

نَفَـــــــى الـنـــــــَّـوْمَ عَـــــــنْ عَـيْـنـــــــَـيَّ شَــــــــرُّ جَـحَـافِــــــــــلٍ
صَـلِـيْـبِـيَّـــــــــــــــةٍ تَـغْـــــــــــــــزُوْ الـبِـــــــــــــــلادَ وَتَـنْـهَـــــــــــــــبُ
أَتَــــــــوْا مـــــــِنْ بِـــــــلادِ الـغَــــــــرْبِ يَـبْـغُــــــــوْنَ مَـوْطِـئــــــــاً
لأَقْـدَامِـهِـــــــــــــمْ فِـــــــي الـشَّــــــــرْقِ بِئْـــــــسَ الـتَّـطَـلُّــــــــبُ
وَفِـــــــْي زَعْـمِـهـــــــِـمْ يَحْمُــــــــوْنَ مَـهْـــــــــــــــدَ نَـبِـيِّـهِـــــــــــــــمْ
فَـأَحْـبَــــــــطَ مَـسْـعَـــــــــــــــاهُـمْ تَـنُـــــــــــــــوْخٌ وَيَـعْـــــــــــــــرُبُ
تَـفَـانَــــــــوْا حُـمَــــــــــــــــاةً لِـلـدِّيَــــــــــــــــــــــارِ قَـسَــــــــــــــــاوِراً
لُـيُــــــــوْثَ وَغَـــــــــــــــىً مِنْهـــــــَا الـعِـــــــــــدَى تَـتَـهَـيّــــــــــــــَـبُ
سُــــــــرَاةً أُبَــــــــــاةً نَـاهِـضِـيْــــــــنَ إلــــــــــــــَى الـعُـــــــــــــــلَـىْ
وَخُلْـقُـهُــــــــــــــــمُ سَــــــــــــــــامٍ رَفِـيْــــــــــــــــــــعٌ مُـهَـــــــــــــــذَّبُ
رِمَـاحُـهُـــــــــــمُ تَـفـْــــــــــــــري صُــــــــــــــدُوْرَ خُصُـوْمِـهِــــــــمْ
وصَــــــــارِمُـهُــــــــمْ عَـضْـــــــــــبٌ يَـمَـــــــــــــــانٍ مُـخَـضَّــــــــبُ
تَصَـــــــــــــدَّوْا لَهُــــــــــــــمْ مُـسْـتَـبْـسِـلِـيــــــــــــــْـنَ بِـقُـــــــــــــــوَّةٍ
وَلـــــــَمْ يَحْـــــــذَرُوْا سَـيْــــــــلَ الـجُـمُـــــــــــــــوْعِ وَيَـرْهَـبُــــــــوْا
قَضـــــــَىْ مِـنْـهُــــــــمُ الآلاف نُـجْـبـــــــــــــــــــــا فَوارِســــــــــــــا
وَكُـلُّـهُـــــــــمُ نَــــــــــــــــــــــدْبٌ كَـمِـــــــــــــــــــــــيٌّ مُـجَـــــــــــــــرَّبُ
دِمَــاؤُهــــــــــــــُــمُ أَرْوَتْ تُـــــــــــــــــــــــــرَابَ جُـدُوْدِهِــــــــــــــــمْ
وَرَايَـاتُـهُـــــــــــــــمْ فــــــــــــــَوْقَ الـسِّـمَـاكَـيْـــــــــــــــنِ كَـوْكَــــــبُ
هَـــــــــــــــوَوْا فِـــــــيْ دِفـــــــَـاعٍ عَـــــــنْ عُـرُوْبَــــــــةِ أرْضِـهِـــــمْ
تَـسَـــــــامَـى لَهُـــــــمْ فِـــــــيْ الخُلـــــــْـدِ هَــــــــامٌ وَمَـنْـكِــــــــبُ
وَأَثْــــــــوَوْا كِـرَامــــــــــــــــاً فِـــــــيْ مَـوَاطِــــــــنِ عِـزِّهِـــــــــــــــمْ
يَـسُـــــــحُّ عَـلَيْـهِـــــــــــــــمْ مِـــــــنْ ذُرَى المَجْــــــــدِ صَـيِّــــــــبُ
عَـرِيْـنُـهُـــــــــــــــمُ الـمِعْـــــــــــــــطَـاءُ أَرَّخَتْـــــــــــــــهُ حِـمـــــــــىً
وَمَـنْـزِلُـهُـــــــــــــــمْ زَاهِـــــــــــــــيْ الـمَـنَـاقِــــــــبِ طَـيِّـــــــــــــــبُ
سنة 504 هـ

خصال الدروز

من شكيب وأمين أرسلان إلى سلطان باشا وكمال جنبلاط

خصال الموحدين الدروز ودورهم المجيد

في تاريخ العروبة ولبنان

شخصية الموحدين الدروز تقوم على الانفتاح والتسامح، لا الانعزال والانغلاق، وعلى الحرية والكرامة والمساواة، لا الإلغاء أو الإقصاء أو الغلبة، وعلى التكامل في التنوع والتعدد.

.

في ندوة خصصت للإحتفاء بصدور كتاب “الأمير أمين أرسلان ناشر ثقافة العرب في الأرجنتين”، ألقى الدكتور سعود المولى كلمة تناول فيها دور الأمير أمين ورفاق له في نشر ثقافة العرب وحضارتهم في الأمصار البعيدة، كما تطرّق في جزء كبير منها إلى خصال الموحدين الدروز الذين حملوا عبر التاريخ رسالة العرفان والتسامح، وكان لهم القسط الأكبر في بناء لبنان وحماية وحدته وهويته العربية. وفي ما يلي أبرز ما جاء في تلك الكلمة:

ول الكلام هنا اليوم: العرفان. والعرفان في عرف بني معروف معرفة وأول المعرفة بحسب أهل العرفان معرفة الحق، ومعرفة الحق هي طريق كل معرفة بحسب إمامنا عليّ عليه السلام: “إعرف الحق تعرف أهله”..هكذا عرفنا الأميرين أمين وشكيب أرسلان، أهل حق وعدل. وهكذا اعترفنا لهم بالفضل والريادة. فالكبار الأفذاذ من أمثال الأميرين شكيب وأمين، حملوا انتماءً أصيلاً مبدئياً إلى الحق والعدل، فوق كل إنتماء وطني أو قومي أو مذهبي أو ديني أو قبلي أو عشائري فاستحقوا منا كل تقدير وكل عرفان.
والعرفان أيضاً خصال حميدة ومكارم أخلاق بُعِث بها ولها كل الأنبياء (جاء في الحديث النبوي الشريف: إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق، وفي رواية أخرى صلاح الأخلاق)، “فمن منحه الله القبول والترقي والعروج إلى حد الإنسانية كان من ثمرة أفعاله العقل والعلم والسكون والرزانة والعفاف والنظافة والطاعة والصبر ومكارم الأخلاق”( على ما جاء في المأثور عن السيد عبد الله التنوخي)..
ونحن اليوم في محفل عرفان بالجميل وتقدير لعلَم كبير من أعلام الأسرة الأرسلانية التي جسّدت عبر التاريخ كل الخصال العربية الأصيلة لجبل عربي أشم حمل أهلوه رايات النبل والشهامة والمعرفة والزهد والمودة الصادقة والشجاعة، ورفع تلك الرايات عالياً أعلام كبار: منَ الأمير السيد عبد الله التنوخي إلى الشيخ الفاضل محمد بو هلال، ومن أسد العروبة سلطان باشا الأطرش إلى فارسها وأميرها شكيب أرسلان، ومن بطل معركة دمشق 1945 المقدام الشيخ محمد أبو شقرا إلى بطل إستقلال لبنان الأمير مجيد أرسلان، ومن ناشر ثقافة العرب في الأرجنتين الأمير أمين أرسلان إلى ناشر الثقافة التحررية وروح الثورة النهضوية كمال بك جنبلاط.
ومناسبة العرفان والمعرفة اليوم كتاب جمع بين دفتيه ثلاثة رجال وحّدت بينهم ثلاث خصال، فسمت بهم إلى أعلى المراتب: لغة وفصاحة، علم وثقافة، نبل وشهامة، جهاد وشجاعة.
ثلاثة من أعلام لبنان جمع بينهم القلم فكانوا هم سيفنا والقلم، وكانوا هم سهلنا والجبل، من الشاطىء الفضي (الأرجنتين حيث عاش الأمير أمين أرسلان) وفنزويلا (حيث يعيش خلدون نويهض)، إلى القدس وفلسطين (قبلة عجاج نويهض وقلبه) فإلى سوريا ولبنان.
ثلاثة أعلام- أقلام وحدت بينهم خصال ثلاث، لا يخطئها القلب إن ألقى السمع وهو شهيد: انتماء- التزام- وفاء.
1. من الحضن الدافئ للجبل العربي ولمسلك التوحيد العرفاني، إلى لبنان الوطن الصعب المتعدد المذاهب والجماعات، ومن العثمانية الإسلامية النهضوية الإصلاحية، إلى العروبة الحضارية الجامعة، ومن ثقافة ولغة العرب، إلى الثقافة الإنسانية العالمية، انتماءات تنوعت وتعدّدت ولكنها تفاعلت وتكاملت في شخصية واحدة موحّدة، شخصية لم تتنكر لتاريخ قومها وعاداتهم وتقاليدهم، بل إنتمت إلى المعروفيين الموحدّين في إسلامهم وعروبتهم وفي خصوصية مذهبهم، وفرادة مسلكهم، ما جعل تلك الخصوصية والفرادة مداميك معمار ثابت للشخصية السوية المتوازنة، التي تقوم على الانفتاح والتسامح، لا الانعزال والانغلاق، وعلى الحرية والكرامة والمساواة، لا الإلغاء أو الإقصاء أو الغلبة، وعلى التكامل في التنوع والتعدّد، وعلى الاعتراف بهذا التعدد والتنوع دون خجل أو تمويه، وعلى الاعتراف بأهمية كل مكوّن وبخصوصية كل إنتماء بذاته، وبها جميعاً ومعاً، ما يشكل معنى لبنان وسره، ومعنى هوية اللبنانيين العرب، والمعروفيين عموماً، والأرسلانيين تحديداً.
2. وإلى الانتماء المعروفي اللبناني العربي الإسلامي الإنساني، التزام بقضايا الأمة العربية أولاً، بحضارتها ولغتها وتراثها وثقافتها، ولكن أيضاً وأساساً بالسعي الدؤوب نحو وحدتها وعزتها وتحررها. وفي القلب دائماً وأبداً فلسطين، فهي الجامع المانع، وهي الهم والاهتمام، وهي الفكر والوجدان، التزام إسلامي عروبي وطني لم تقوَ الجبال عليه..فتقدم النبلاء الأمراء الشجعان وحملوه وكان له اسم وعنوان: الاستقلال، هكذا سموا الصحف والمجلات والأحزاب، والبيانات والخطابات والمقالات، وهكذا سمت الدكتورة بيان دار النشر والدراسات التي طبعت هذا الكتاب، فهي الأصيلة بنت الأصيل، وهي المنتمية إلى دوحة باسقة معطاءة في العروبة والوطنية الحقّة الصادقة وفي الالتزام العربي الإنساني النبيل، فلها منا كل الشكر والامتنان والعرفان.والاستقلال كان صرخة الأمراء الأرسلانيين: أمين وشكيب وعادل ومجيد ومحمد ومصطفى. هكذا تتأسس الأوطان، وقد كان بنو معروف من مؤسسي هذا الوطن لبنان. وهكذا تُحفظ العروبة، وقد كان بنو معروف سيف العروبة ورمحها وترسها على مرّ الأزمان.
3. وثالث الخصال الوفاء، في كل صفحة من صفحات هذا الكتاب الذي بين أيدينا، لا بل في كل لحظة من لحظات عمر هؤلاء النبلاء الكرام الثلاثة: الأمير أمين والسادة عجاج وخلدون، لم يتنفسوا ولم ينطقوا إلا وفاءً في زمن عز فيه الرجال وقل فيه الوفاء. الوفاء للدولة العثمانية يوم كانت دولة العرب والمسلمين في مواجهة الاستعمار والظالمين، والوفاء لحركة النهضة الإصلاحية بالنقد والتصحيح يوم انحرف الأتراك الثوار عن روابط الإسلام والإنسانية والديمقراطية وقاموا بالتتريك والقمع والاستبداد. والوفاء بالعمل السياسي الوطني العربي الواضح المستقيم، والوفاء للشعب اللبناني وللأمة العربية ولقضاياها. والوفاء هنا هو عنوان النبل والشهامة والأصالة في زمن السفاهة والتفاهة.

إن الأمانة للتراث الروحي والثقافي والحضاري للعروبة ولدنيا العرب وقضايا العرب، هي إنتماء للبنان أولاً، والتزام بالحق والعدل ثانياً، ووفاء للإسلام وللإنسانية ثالثاً، دون تعصب أو عنصرية أو إنعزال، ودون إدعاء أو تفاخر، وهي أمانة حملها الأمراء المجاهدون من آل أرسلان ومارسوها كما مارسوا خصال المسلك التوحيدي في صدق اللسان وحفظ الإخوان، وفي عفة اليد واللسان، وفي الزهد والإمتناع عن كل حرام، وفي الشجاعة والإقدام. هكذا بنى الأميران أمين وشكيب شخصيتهما الشفافة الواثقة المطمئنة، لا المستلَبة ولا المقلِدة، رغم الإغتراب والغربة، فكانوا بحق زيتونة شرقية يضيء زيتها نوراً على نور، فيلهب كل شعاب العقل والروح: فصدق في القول، واستقامة في العمل، استقامة كحد السيف في حب الخير للناس وفي بذل الجهد والجهاد والعطاء والتضحية في سبيل الناس..ودون أي إعتبار لجاه أو مال أو منصب أو موقع.
ذهبت إلى منزل عجاج نويهض في رأس المتن في شهر حزيران من العام 1982 وقبل وفاته بأسبوع أو عشرة أيام، وقبيل العدوان والغزو الإسرائيلي للبنان بأيام قليلة كنت بصحبة زملاء أساتذة نحاول إجراء مقابلة معه يحدثنا فيها عن سيرة جهاده في فلسطين، فكان كل الحديث عن الأمير شكيب أرسلان، وبعضه عن الأمير أمين. وكنت قد زرت الأستاذ عجاج مراراً في العامين 1980 و1981 أثناء التحضير لأطروحتي للدكتوراه عن الأمير شكيب أرسلان. وكان هو من عرفني على شكيب أرسلان حين كنت أعتزم كتابة أطروحة الدكتوراه عن جهاد شعب فلسطين، فحدثني عجاج عن محمد علي الطاهر وعن القدس ويافا وصحف فلسطين ثم إنتقل بي إلى الأمير شكيب، وكانت المرة الأولى التي أسمع بها عنه لكن في كل مرة زرته فيها بعد ذلك كان حديثه شكيب أرسلان وفلسطين.
وهكذا أيضاً في الكتاب الذي نحتفي به، لم يكتب عجاج عن نفسه وإنما خلد لنا، هو وخلدون وبيان، خلدوا أمين أرسلان، وهو المستحِق، وهم أيضاً مستحِقون. هكذا يكون الوفاء.
إننا لا نجتمع هنا اليوم إلا من باب الوفاء. الوفاء للرجال الكبار في تاريخنا، لنصل ما انقطع بين حاضرنا وماضينا نؤسس عليه مستقبلنا، ولكي نستعيد ونستحضر مع الأمير أمين والأمير شكيب والأساتذة عجاج وخلدون، تلك اللحظات الحلوة الماضية التي كان فيها القول عملاً، وكان فيها السيف قلماً، وكان فيها الموقف سلاحاً، وكانت فيها الثقافة إنفتاحاً، وكانت فيها العروبة إنتماءً حضارياً وسماحة فكرية..وكان فيها لبنان في القلب من كل انتماء والتزام ووفاء.
واليوم فإن لبنانيتنا وحرصنا على الوطن النهائي هما جزء من عروبتنا والتزامنا قضايا العرب ومصيرهم. فلا انعزال ولا تطرف، ولا اِفراط ولا تفريط، بل معادلة صادقة شفافة صاغها الأميران شكيب وأمين أرسلان في مطلع القرن العشرين، وحملها المعلّم كمال جنبلاط حتى لحظة إستشهاده، وفي القلب من هذه المعادلة فلسطين. تلك كانت آخر كلمات الأمير شكيب لصديقه عبدالله المشنوق: أوصيكم بفلسطين..فلسطين الإسم الحركي لكل أحلامنا وآمالنا، وتلك هي أيضاً وصية عجاج وخلدون وبيان نويهض وشفيق الحوت، ووصية كل أهل الانتماء والالتزام والوفاء، ونحن وأنتم مؤتمنون علي.

معركة عين داره

«حرب الإخوة» التي غيّرت تاريخ لبنان
300 سنـة علـى معـركة عيـن داره

صـــراع العائـــلات أضعـــف الموحديـــن الـــدروز
وأجهـــض إمكـــان استعادتهـــم لإمـــارة الجبـــل

قيـــام جبــل الــدروز فــي منطقــة حــوران
مــن أبــرز نتائــج معركــة عيــن داره

.

عين داره في الجغرافيا بلدة من مقاطعة الجرد في قضاء عاليه حالياً، كانت المدخل الشرقي إلى جبل لبنان من ناحية ضهر البيدر، وكانت في التاريخ مدخلَ العشائر التي نزحت إليه من معرّة النعمان وجهاتها في شمال سورية، ابتداءً من سنة 759 م، وميدانَ الموقعة التي جرت بين فريقين من أحفاد هذه العشائر في سنة 1711م. وهذه الموقعة محطة مهمة، ومفصل من مفاصل تاريخ لبنان، إذ أنها تمتاز عن سائر المواقع الحربية، بما في ذلك الأكبر منها، بنتائجها الكثيرة والخطيرة، ليس على الصعيد العسكري فحسب، وإنما أيضاً على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وهذه النتائج ظلّت تتفاعل في لبنان، وتجاوز تأثيرها حدوده ليصل إلى جبل حوران (جبل العرب أو محافظة السويداء حالياً في الجمهورية العربية السورية).
لكل مكان اسم يُعرف به، ويميّزه عن غيره. ومعظم أسماء المكان لها تفسيرات عدّة، ومنها عين داره التي من تفسيراتها أنها «عين الحرب والقتال» وموقعتها الشهيرة أضفت عليها هذا المعنى فبدا أقرب إلى الأذهان من معناها المرجّح، وهو «عين البيوت والمساكن».
توفي الأمير أحمد المعني سنة 1697 من دون عقب من الذكور، فانتهت بموته سلالة البيت المعني الحاكم. وكان على أعيان الموحدين الدروز أن يختاروا، بموافقة الدولة العثمانية، أميراً يخلفه على ما سمي «إمارة ابن معن». وبحسب المراجع المحلية اجتمع مشايخ البلاد من المقاطعات السبع، وهي الشوف والمناصف والعرقوب والجرد والمتن والغرب والشحّار، واختاروا الأمير بشير حسين الشهابي، أمير راشيا، أميراً عليهم، وهو ابن أخت الأمير أحمد المعني، وأعلموا والي صيدا، مصطفى باشا، واستأذنوه في تولية الأمير بشير عليهم، فقبل بذلك، وأخبر الدولة العلية العثمانية. لكن الباب العالي أخذ برأي حسين ابن الأمير فخر الدين المعني الثاني، الذي أبقاه السلطان العثماني حيّاً بعد إعدام أخوته ووالده فخر الدين سنة 1635، ورُبَّيَ تربيةً عثمانية. وكان رأي هذا الأخير أن يكون الأمير حيدر ابن أمير حاصبيا موسى الشهابي، وابن بنت الأمير أحمد المعني، حاكماً على مقاطعات ابن معن. وبما أن حيدراً كان لا يزال صغيراً، وعمره اثنتا عشرة سنة فعندها يتولى الأمير بشير الإمارة بصفته وكيلاً أو وصياً إلى أن يبلغ الأمير حيدر سن الرشد. هذا ما ورد في مرجعين محليين، هما تاريخ الأمير حيدر الشهابي، وكتاب أخبار الأعيان في جبل لبنان للشيخ طنّوس الشدياق. ولا يسعى المؤرخ إلا أن يأخذ بهما بحذر وأن يناقشهما إذا كان هناك مجال للمناقشة، إلى أن يظهر من الوثائق العثمانية المحفوظة في اسطنبول ما يخالفها كلياً أو جزئياً.
لم تذكر المراجع المحلية أعيان الموحدين الدروز الذين اجتمعوا وقرّروا تولية الأمير بشير الشهابي، وإنما ذكرت أن الذين اختاروا بشيراً كانوا من القيسيين، وإنهم اجتمعوا في مرج السمقانية، وفضّلوا أن ينصِّبوا عليهم أميراً قيسياً من خارج منطقتهم بدلاً من اختيار أحد الأمراء اليمنيين، وذلك لأنه وبعد موت الأمير أحمد المعني، الذي كان يتزعّم حزب القيسية، لم يعد هناك أمير قيسي في منطقهم، لأن الأمراء الدروز المتبّقين كانوا من آل إرسلان اليمنيين الذين تراجع دورهم بعد تسلّم الأمراء التنوخيين ثم المعنيين الإمارة، كان هناك أيضاً آل علم الدين اليمنيين الذين كانوا مرفوضين من القيسيين بعد الصراعات الدامية التي نشبت ابتداءً من سنة 1633 بين القيسية بقيادة المعنيين، واليمنية بقيادة آل علم الدين. وقد جاء اختيار أعيان الدروز القيسيين للأمير بشير الشهابي من منطلق أنه من الحزب القيسي، وأن لأسرته تاريخاً طويلاً من التعاون والمصاهرة مع المعنيين. ولم يكن عندهم أي اعتبار لاختلاف مذهب الأمير الشهابي السني عن مذهبهم، بل كان منطلقهم الأساس هو عامل الانتماء الحزبي الذي غلّبوه على عامل الانتماء المذهبي، مع الإشارة إلى أن بعض المؤرخين يطرحون احتمال درزية الشهابيين. فالتحالفات السياسية كانت آنذاك قائمة على عامل وحدة المصالح والتقائها، لا على عامل وحدة الدين أو المذهب، وهذا وجه من وجوه تسامح الموحدين الدروز الديني مقابل تعصبهم العشائري والحزبي.
لم يقبل اليمنيون بالأمير بشير الشهابي، وأظهروا بوضوح رفضهم هذا الاختيار، ومعارضتهم له، لكنهم لم يقرنوا ذلك بالتحرك الميداني، نظراً لأن الأمير بشير كان قد حظيّ بدعم قوي من الدولة العثمانية ومن والي صيدا تحديداً، كما أنه أظهر في الوقت نفسه مقدرة سياسية وعسكرية، إذ استطاع وهو الوافد من راشيا إلى الشوف والهابط على عاصمة المعنيين دير القمر، أن يفرض هيبته على أعيان الجبل، وأن يوّسع منطقة التزامه الضرائبي لتشمل صفد، وينتصر على آل الصغير وحلفائهم في جنوب جبل عامل في موقعة المزيرعة سنة 1698، ويحصل على ولاء بني صعب أصحاب مقاطعة الشقيف وبني منكر أصحاب إقليمي الشومَر والتفاح. وبذلك استطاع الأمير الجديد وبسرعة أن يملأ الفراغ الذي تركه الأمير أحمد المعني.

الأمير حيدر يغتال الأمير بشير الأول
استأنس الأمير بشير الشهابي بقوته، وارتاح لوضعه واستمر في الحكم بعد بلوغ الأمير حيدر سن الرشد. ولم يكن هناك ما يمنعه من الاستمرار لمدة أطول طالما أنه حائز على رضى والي صيدا ومواظب على تقديم الضرائب المطلوبة منه. ومع تأكد رغبة الأمير بشير في الاحتفاظ بالحكم لجأ الأمير حيدر الذي كان قد بلغ سن الرشد إلى وسيلة لم تكن نادرة في ذلك الزمان، وهي دس السم لغريمه بهدف قتله، وهذا ما تمّ بالفعل إذ نجح الأمير حيدر في تسميم الحلوى المقدمة للأمير بشير وتمكّن بذلك من تصفيته. وقد كان ذلك السبيل الوحيد إلى تسلمه الإمارة التي كانت تعود إليه حسب الاتفاق الذي رعته الدولة العثمانية، وهو نجح في ذلك دونما صعوبة لأن الأمير بشير لم يكن له وريث من صلبه. ولكن على عكس الأمير بشير الذي كان يحظى بالرضى من قبل معظم الأطراف، فإن الأمير حيدر سيواجه صعوبات كثيرة فور تسلمه إمارة ابن معن، ولن يؤدي تسلمه للالتزام الضرائبي في جبل عامل إلى تعزيز وضعه وإنما سيؤدي إلى إيجاد منافس قوي له على السلطة، هو الشيخ محمود أبي هرموش من السمقانية، نائبه في جمع الضرائب من جبل عامل، والمنقلب عليه بتأييد من والي صيدا. وحين عجز الأمير حيدر عن تقديم الضرائب المطلوبة منه للدولة، وعن الصمود في وجه المعارضة اليمنية الممثلة بآل علم الدين وبحليفهم أبي هرموش، ترك دير القمر إلى غزير في كسروان، ثم وبعد طرده منها لجأ إلى الهرمل حيث توارى عن الأنظار لمدة سنة في مغارة فاطمة المعروفة أيضاً بمغارة عزرائيل، ورافقه من أعيان القيسيين الشيخ محمد تلحوق وولده شاهين.

آل علم الدين والإمارة
تسلّم آل علم الدين إمارة ابن معن، إلا أن تجربتهم هذه المرة كانت محكومة بالفشل كتجاربهم السابقة في العهد المعني، إذ لم ينجحوا في كسر حدّة معارضة القيسيين والصمود في وجهها. ويلاحظ أن أحد أحفاد الأمير حيدر الشهابي (المؤرخ حيدر الشهابي) وتلميذه الشدياق تعمدّا تضخيم حالة التذمّر التي سادت الأهلين إزاء محمود أبي هرموش، فصورّاه ظالماً متعسفاً في جمع الضرائب، كما أنهما سوّدا صورة آل علم الدين بجعلهم مُضْطَهِدين للقيسيين يجورون عليهم ولا يبقون لهم منزلة ولا حرمة.
حقيقة الأمر أن الوضع لم يكن مأسوياً وسوداوياً بالشكل الذي صوّره الشهابي والشدياق، إلا أنه لم يخلُ من صعوبات واجهت آل علم الدين اليمنيين وأبا هرموش، على الرغم من الدعم العثماني لهم، لأن القيسيين رفضوا استمرار حكمهم. وقد وصلت العداوة بين الفريقين إلى حد عدم قبول أحدهما حكم الآخر له، بصرف النظر عن حسن إدارته للأمور أو سوئها، وعن ظلمه أو عدله. وقد واصل القيسيون الاتصال بالأمير حيدر وشجّعوه على العودة، وهو الذي كان يراقب ويتابع ما يجري على الأرض، وحين وجد الأجواء ملائمة لعودته ترك مخبأه وأتى إلى رأس المتن ونزل عند الأمير حسين أبي اللمع، وقيل أنه جاء برفقة مقاتلين من آل حماده الشيعة، ووافته إلى هناك جموع القيسيين المؤيدين له.
علم محمود أبي هرموش وآل علم الدين بعودة الأمير حيدر فتجمعوا مع أنصارهم في عين داره، قاعدة آل علم الدين، وانتظروا استكمال حشدهم ووصول والي صيدا ودمشق، للزحف إلى رأس المتن، وكان هذان الواليان أظهرا لهم التأييد فقدم الأول إلى حرج بيروت وقدم الثاني إلى قب الياس. وقبل أن يتقدمّا إلى عين داره، ويكتمل فيها حشد اليمنيين، أقدم الأمير حيدر على مغامرة جريئة هي الهجوم الليلي المباغت المعروف بالمصطلحات الحربية باسم «كبسة»، ففاجأ خصومه ليل الجمعة في 15 محرم 1123 هـ/ 5 آذار 1711 م، وهاجم رجاله عين داره عن طريق وادي الجوز، إلى الشمال الشرقي منها، وعن طريق وادي قطليج الواقع بينها وبين شمليخ، وأحاطوا بها من الشمال والشرق والغرب، وكان اللمعيون في مقدمة الداخلين إليها.
أمراء آل إرسلان يلتزمون الحياد
وكما كان اليمنيون أضعف من أن يستمروا بالحكم من دون دعم فعلي قوي من الولاة العثمانيين، كانوا أيضاً أضعف من أن يواجهوا القيسيين وحدهم في معركة عين داره من دون نجدة من واليي دمشق وصيدا يعولون عليها، خصوصاً بعد أن امتنع الإرسلانيون اليمنيون من الدخول في الصراع العسكري الدائر على الرغم من ميلهم لأبي هرموش. وقد كان تفكير آل إرسلان أنه لو ربح آل هرموش المعركة فإن هؤلاء هم الذين سيجنون مغانمها، وأنهم إن خسروا المعركة فإن آل إرسلان سيكونون أول الخاسرين.
وكما هو معروف فقد أسفرت الموقعة عن مقتل الكثيرين من الفريقين من بينهم عدد كبير من اليمنيين قدّره قنصل فرنسا في صيدا (استيل) في رسالة إلى حكومته بتاريخ 23 أيار 1711 بخمسمائة رجل، ولم يذكر القنصل عدد القتلى لدى القيسيين، كما أسفرت المعركة عن مقتل قادة اليمنيين وعلى رأسهم ثلاثة من أمراء آل علم الدين وأسرِ أربعة منهم أجهز عليهم الأمير حيدر في الباروك، كما تمّ أسر محمود أبي هرموش، الذي عزم الأمير حيدر على قتله، لكنّه نزل عند طلب المشايخ القيسية ولم يقتله احتراماً للقب الباشوية الذي ناله بواسطة والي صيدا، فاكتفى بقطع لسانه وإبهاميه. وحين علم واليا دمشق وصيدا بالنتيجة، رجع كلًّ منهما إلى مقر ولايته استعداداً للتعامل مع الواقع الجديد، إذ لم يكن لهذين الواليين ومن سبقهما وأعقبهما من الولاة العثمانيين، أيّ اهتمام لمن ينتصر أو يخسر من الفرقاء المحليين، بل كان الهمّ الأساسي هو جمع الضرائب واستنزاف قوى الجماعات المحلية المتناحرة وابتزاز أموالها، وإشغال الأمراء المتنافسين بعضهم ببعض بحيث يسهل إحكام السيطرة عليهم وعلى إمارة الجبل. ولم يكن ممكناً لأي فريق منتصر، مهما كانت قوته الذاتية كبيرة، أن يستمر في الإمارة إلا بنيل رضى الولاة والمسؤولين العثمانيين الكبار في الآستانة.

النتائج الرئيسية لمعركة الإخوة
أدّى انتصار القيسية بقيادة الأمير حيدر الشهابي إلى نتائج عديدة ومهمة يمكن إيجازها بما يلي:
1. فشل المحاولة الدرزية (عبر الأمراء اليمنيين) استرداد الإمارة: وبصرف النظر عمّا إذا كان محمود أبي هرموش يسعى للحصول شخصياً على السلطة أو يسعى لإعادة آل علم الدين إلى الإمارة، فإن محاولته التي أدت إلى طرد الأمير حيدر وتسلّم آل علم الدين الإمارة كانت تعني استرداد الدروز لها. وفي ما يتعلق بآل علم الدين فإنهم أحق من الشهابيين بها، لأنهم من سلالة المناذرة اللخميين الذين كانوا ملوك الحيرة لزمن طويل، ثم صار أحفادهم أمراء في جبل لبنان. ولآل علم الدين أنفسهم سابقة في تسلّم الإمارة إبّان العهد المعني، وهم من داخل إمارة ابن معن. وبهزيمتهم، وهزيمة حليفهم أبي هرموش قضي على محاولة الدروز استرداد الإمارة. ولم يقم الدروز بعد عين داره بأي محاولة من أجل إعادة الإمارة إلى صفوفهم، وضاع نتيجة لذلك من تاريخ جبل لبنان لقب « الأمير الدرزي» الذي كان يُعطى للتنوخيين والمعنيين، وحلّ مكانه لقب «أمير الدروز» الذي أُعطي غالباً للأمراء الشهابيين. والفرق بين هذا وذاك واضح إذ أن اللقب الأول يعني الأمير الدرزي المؤمّر على الدروز، فيما اللقب الثاني يعني الأمير غير الدرزي المؤمّر على الدروز وهو أمير شهابي سني.
2. تثبيت دعائم الإمارة الشهابية: كما كان الأمير حيدر بحاجة إلى تصفية سلفه الأمير بشير ليصل إلى سدّة الإمارة، فإنه كان أيضاً في حاجة إلى سحق معارضيه اليمنيين لتثبيت دعائمها. وقد فُسِح المجال له لتحقيق ذلك في موقعة عين داره، إذ تمكّن فيها من أن يقضي على آل علم الدين قبل أن ينتقل إلى تحجيم نفوذ الإرسلانيين اليمنيين. وبهذا أزاح الأمير حيدر منافسيه من زعماء الصف الأول، أي من الأمراء، فيما كان زعماء الإقطاع القيسيون مؤيدين له، لكنهم جميعاً من الصف الثاني لا يحملون لقب «أمير» ولا يحق لهم تسلّم الإمارة، وهم سيستمرون في تأييده لأنه نجح في استرضائهم والتقرّب منهم خصوصاً عندما أعاد توزيع الإقطاع، فرضوا بمراتبهم ولم يطمحوا إلى خرق السقف الموضوع لهم. وبتغييب وغياب زعماء الصف الأول بات على كل معارض من زعماء الصف الثاني يريد أن يخلع أميراً من أبناء وأحفاد الأمير حيدر الشهابي أن يسير تحت لواء أمير شهابي من ذرية الأمير حيدر.
3. نهاية الحزب اليمني: معروف أن النزاع القيسي اليمني قديم جداً بين القبائل العربية، وهو كان قائماً في مختلف المناطق التي أقاموا فيها، لكنّه في لبنان لم يبرز بوضوح إلا في عهد الدولة العثمانية. وتعتبر القيسية-اليمنية نوعاً من الثنائية السياسية التي سميت بالحزبية و”الغرضية” والَمشَرب. وكان التكتلان قد بُنيا على أسس قبلية، لكن الصراع بينهما كان صراعاً على السلطة والنفوذ. ولم يكن الولاء لأي منهما ثابتاً، إذ من الممكن أن يتغيّر تبعاً للمصلحة. وقد استطاع الأمير فخر الدين المعني الثاني أن يجمع تحت لوائه اليمنية إلى جانب القيسية التي يتزعمها، كما جمع أبناء المذاهب الدينية المختلفة. وفي ظل إمارته القوية التقى الحزبان، وبعده وأثناء ضعفها تصارعا، والغالب منهما كان يتسلّم الإمارة. إلا أنه في عين داره انزاح الحزب اليمني نهائياً عن مسرح الصراع، وغاب شعاره الأبيض عن المناسبات والاحتشادات، وطويت صفحة من الصراع الداخلي تحت عنوانه وعنوان الحزب القيسي لتبدأ صفحة أخرى من الصراع الداخلي تحت عنوان حزبين جديدين.
4. انفراد الحزب القيسي بالحكم: كان من نتائج موقعة عين داره نتيجتان متلازمتان، هما نهاية الحزب اليمني وانفراد الحزب القيسي بالحكم، ذلك أن اليمنيين الذين لم يقتلوا في عين داره، قُتل بعضهم بعدها، وهجّر الباقون بسبب التنكيل والاضطهاد، وتحول قسم منهم إلى القيسية وما عادوا يظهرون ميلهم كالإرسلانيين مثلاً، إلا أن الحزب القيسي لم يحافظ على وحدته، بل نشأ فيه حزبان أو «غرضيتان» هما اليزبكية والجنبلاطية، فكان آل جنبلاط زعماء الفريق الجنبلاطي، وآل عماد زعماء الفريق اليزبكي، يساعدهم آل تلحوق وآل عبد الملك لإيجاد نوع من التوازن مع الجنبلاطيين، في ما كان بنو نكد «بيضة القبّان» يرجّحون كفة الفريق الذي يميلون إليه. وهذه الثنائية الجديدة هي مثل القيسية واليمنية نوع من التعددية السياسية الاجتماعية، إلا أنها مثلها أضرت بالموحدين الدروز حيث توسّلها زعماء الإقطاع في صراعاتهم على النفوذ والسلطة، والتي اتخذت غالباً طابعاً دموياً في الكثير من الأوقات والأماكن فكان انشغالهم، وإشغال غيرهم من مساكنيهم ومجاوريهم، بها تعويضاً تافهاً عمّا فقدوه من نفوذ.
5. نكبة الأمراء اليمنيين مهدت لإعادة توزيع الإقطاع ومكّنت الأمراء الشهابيين من أن يضعوا يدهم على أملاك شاسعة للدروز.
6. إعادة توزيع الإقطاع: سمح الانتصار في عين داره للأمير حيدر أن يعيد توزيع الإقطاع بشكل يرسّخ دعائم سلطته، ويحفظ التوازن في إمارته، ويجعله في عداد أصحاب الثروة والأملاك في جبل لبنان. اقتص من الأمراء الإرسلانيين باقتطاع الغرب الأعلى من الأمير يوسف وإعطائه للشيخ محمد تلحوق وأخيه بشير. وزاد في إقطاع حليفه الشيخ قبلان القاضي فأعطاه إضافة إلى الشوف الذي كان معه، بعض مقاطعة جزين، وما لبث معظم إقطاع قبلان القاضي أن تحول إلى صهره الشيخ علي جنبلاط مما جعل آل جنبلاط يقفزون إلى مرتبة متقدمة بين الأسر الحاكمة. وأقطع الأمير حيدر الشيخ علي النكدي الناعمة إضافة إلى مقاطعة المناصف التي كانت معه، والشيخ جنبلاط عبد الملك مقاطعة الجرد. وصاهر الأمير حسين أبا اللمع، وأقطع ابنه ما يُسمّىً «قاطع المتن». وأبقى الأسر الإقطاعية التالية في إقطاعاتها: آل الخازن في كسروان، وآل حبيش في غزير، وآل الدحداح في فتوح كسروان، وآل عازار في الكورة، وآل الضاهر في الزاوية. وهذا أوجد مجموعة من زعماء الصف الثاني متنافسة في ما بينها، تاركة المرتبة الأولى للأمير حيدر ثم لخلفه من ذرّيته. وكان للأمير حيدر حصّته، اذ احتفظ لنفسه بقرى بعقلين وبتلون وعماطور وعين داره ونيحا. وحاول أن يضع يده على كامل تركة قبلان القاضي بعد وفاته سنة 1712، لكن زعماء الدروز حالوا بينه وبين ذلك فاكتفى بأخذ مزرعة بحنين ومرج بسري وخمسة وعشرين ألف غرش مقابل التخلي للشيخ علي جنبلاط عن باقي ورثة عمه قبلان القاضي. وحذا خلفُ الأمير حيدر حذوه فغدوا من أصحاب الثروة والأملاك في جبل لبنان بعد أن كانوا لا يملكون شبراً من الأرض فيه.

من أبرز نتائج موقعة عين داره تصفية الحزب اليمني وانفراد القيسيين بالحكم

7. ضعف الموحدين الدروز: كانت السيوف التي تضاربت في موقعة عين داره، كما قبلها من مواقع القيسية مع اليمنية في جبل لبنان، سيوفاً درزية. وقد قضت فيها السيوف القيسية على اليمنية. وما خدم الدروز المنتصرون أنفسهم بهذا، وإنما أرضوا كبرياءهم وعصبيتهم الحزبية بنصر آني لا قيمة له إزاء خسارة إخوان لهم، وخسارة إمارة ما عاد في إمكانهم استعادتها بعد أن تخلوا عنها في اجتماع السمقانية وقضوا بأيديهم على محاولة استعادتها. وترافق الضعف السياسي للموحدين الدروز مع ضعفهم اقتصادياً وعددياً بسبب انصرافهم إلى الحرب، فيما كان مواطنوهم النصارى الوافدون من شمال جبل لبنان إلى جنوبه، يتكاثرون في منطقتهم، ويزدادون ثروة بسبب انصرافهم إلى العمل، فقاسموهم الملكية والثروة، ثم النفوذ والسلطة، مما أدى إلى تحوّلٍ كبير ساهم في إحداثه أيضاً تنصّر الأمراء الشهابيين واللمعيين، والتسامح الديني عند الدروز المناقض كلياً لتعصبهم القبلي والحزبي. ومن دلالات هذا التحول حلول تسمية «جبل لبنان» مكان تسمية «جبل الدروز» و”بلاد الدروز”. وحين استفاق الدروز من غفلتهم السياسية وجدوا أنفسهم أمام شريك قوي لهم في جنوب جبل لبنان، يفوقهم عدداً وثروة، ولا يقابلهم بسياسة مماثلة في التسامح، مما كان أحد أسباب الفتن الطائفية بينهم وبين النصارى في أواسط القرن التاسع عشر.
8. نزوح اليمنيين الدروز إلى جبل حوران: كان النزوح إلى جبل حوران في سوريا الخيار الأول لليمنيين من بين المناطق التي اضطروا للنزوح إليها، لأنه وفّر لهم الملجأ الأمين وسُبل العيش معاً، وإن كان وجودهم فيه سيضعهم أمام مواجهات صعبة مع البدو من سكانه. وهذه المواجهات انتصر فيها الدروز لأنهم متمرّسون في الحروب، وقد سبقتهم إلى جبل حوران جماعة درزية نزحت إليه في سنة 1685، وكانت تلك الموجة نواة لاستقطاب موجات تالية ثم استقطاب النزوح الكبير الذي نجم عن معركة عين داره سنة 1711.
غنيّ عن القول إن موجة النزوح الكبيرة التي تسببت بها معركة عين داره أدت إلى تزايد أعداد الدروز في جبل حوران، والذي سميّ لذلك باسمهم (أي”جبل الدروز”) وقد أسّسوا فيه زعامة على رأسها آل حمدان ثم آل الأطرش. وهذا التجمع الدرزي كان تعويضاً للدروز عمّا فقدوه في جهات حلب بفشل ثورة علي باشا جنبلاط سنة 1607، وعمّا فقدوه في جبل لبنان بعد موقعة عين داره سنة 1711، وكان لهذا التجمع شهرة كبيرة، ودور بارز في التصدّي للحكم المصري والحكم العثماني، ومساهمة كبرى في الثورات الاستقلالية ضد الفرنسيين، وأهمها الثورة السورية سنة 1925، التي انطلقت من جبل الدروز (جبل العرب) وأعلنها وقادها أحد رموز الموحدين الدروز، سلطان باشا الأطرش.

الأمير شكيب أرسلان

الأمير شكيب أرسلان
مآثر ومواقف مشهودة

كان الأمير شكيب أرسلان شاهداً كبيراً على تحولات بدلت وجه العالم كان من أهمها وأخطرها انهيار الخلافة في اسطنبول تحت ضربات الماسونية العالمية المتحالفة مع دول الاستعمار الغربي، وقد كان الأمير شكيب قبل ذلك قد عايش الكفاح المرير للسلطنة من أجل وقف الزحف الشرس للقوى الغربية على أطراف الإمبراطورية وناضل بكل قواه في إطار الجامعة الإسلامية، بل شارك بنفسه في حملات الدفاع عن ذمار الإسلام ضد الزحف الجديد. ثم عايش الأمير بعد ذلك الحرب العالمية الأولى وما تبعها من إعادة تقسيم العالم القديم بعد هزيمة الدولة العثمانية، كما عاصر وشارك بقوة في مشروع الدولة العربية والجامعة العربية وقد وجد فيه الملاذ التالي بعد خروج الدولة العثمانية من المعادلة وكانت عينه دوماً على ما يجري في فلسطين. في هذه الفترة الغنية والحافلة من حياته كان الأمير شكيب مناضل قلم لا يلين وفكراً لا يهدأ وقلباً يخفق بحب العروبة والولاء التام للعالم الإسلامي ، وكان الأمير شكيب في اندفاعه النضالي وانشغاله على حال العالم العربي لا يتوقف عن الكتابة ونشر أفكاره والدعوة لها في مختلف المنابر وعبر شتى المبادرات وإطلاق الجمعيات وإصدار المجلات، وفي الحقيقة يعتبر الإرث الهائل الذي تركه الأمير شكيب من أثمن ما أنتجه الفكر العربي والإسلامي في النصف الأول من القرن العشرين، وهو إرث لم يَخلَق ولم يتقادم أو يفقد دلالاته وفوائده في أي مشروع لليقظة العربية. وكم يبدو فكر الأمير شكيب راهناً وحياً في هذه الفترة التي يشهد فيها العالم العربي انتفاضة تكاد تكون ترجمة حقيقية لما كان الأمير شكيب يحلم به ويتوق إليه في فترات الضعف والتراخي التي ألمت بالعالم العربي بعد انهيار الدولة العثمانية وتفرّق ملك الخلافة وسلطانها على دويلات وإمارات متنازعة متنافسة لا يجمعها جامع إلا الضعف والخضوع لإرادة الدول الكبرى..

إن مجلة “الضحى” في سعيها لمواكبة النهضة العربية والإسلامية، وكذلك في حرصها الشديد على إبراز المساهمات الكبرى لأعلام التوحيد والإسلام في تاريخ هذه المنطقة ونضالها تعتزم تخصيص حيز أساسي في إصداراتها المقبلة للإضاءة على فكر أمير البيان الذي ملأ الدنيا وشغل الناس لعقود طويلة، وما زال حتى اليوم يعتبر من أهم أعمدة اليقظة العربية والإسلامية ومن أكبر روادها. وبالطبع فإن ضخامة التراث الذي تركه الأمير شكيب يجعل عملية التعريف به صعبة بل ومعضلة. إلا أننا سنسعى بكل جهدنا في عملية الاختيار للإضاءة على مواقف ونواحي ومراحل يمكن أن تساعد القارئ على تقدير الإسهام العظيم لهذا الأمير الملهم في نضال العرب والمسلمين في إحدى أصعب الفترات التي شهدها تاريخهم وأكثرها إيلاماً.

في هذا العدد نعرض على سبيل التمهيد لبعض الجوانب والمقالات المختارة التي كتبها الأمير أو كتبها عنه بعض مؤرخي عصره، والتي ترسم جوانب من شخصيته الفريدة وتعكس في الوقت نفسه فكره النهضوي وحدسه التاريخي والسياسي الصائب.

من جهاد الأمير شكيب أرسلان

قال الأمير شكيب متحدثاً عن رحلته إلى ميدان الجهاد:
“ودعت الجناب الخديوي، وذهبت إلى الإسكندرية، ومنها ركبت السكة الحديدية إلى مريوط، ومن آخر محطة لها ركبنا الخيل وأنا ومن معي من أتباعي الذين حضروا معي من جبل لبنان، وكانت جمعية الهلال الأحمر المصري قد عهدت إليَّ بقيادة قافلة ستمائة جمل موقرة أرزاقاً للمجاهدين في برقة وخصصت منها لي ولجماعتي الذين معي محمول ثلاثين جملاً موقرة من كل شيء مأكول وملبوس، فعندما وصلت إلى طبرق لقيت في ذلك الموقع أدهم باشا الحلبي، وتركت في طبرق جانباً من الأرزاق للمجاهدين، ولما وصلت إلى معسكر عين منصور المشرف على درنه حيث كان القائد العام أنور بك سلمت البعثات المصرية من الهلال الأحمر ما خصت به من نقود وأرزاق وحوائج، ولما وصلت إلى معسكر بنغازي الذي كان أميره عزيز بك المصري سلمت الباقي للبعثات المصرية التي هناك، وكان منها الدكتور حافظ عفيفي.
أما محمول الثلاثين جملاً الذي خصصه الهلال الأحمر ولجنة الإعانة بي أتصرف به كيفما شئت فقد وزعته على مشايخ الزوايا السنوسية مثل سيدي العلمي الغماري شيخ زاوية البراعصة، وسيدي محمد الغزالي شيخ زاوية ترت، وسيدي الدرد شيخ زاوية شحات، وغيرهم، وأهديت جميع ما تبقى إلى أنور باشا، ولم أستأثر لنفسي بشيء، وكذلك كانت لجنة الإعانة خصصت لي مائتي جنيه لنفقتي الخاصة فوزعتها إعانات وهدايا لأجل تطييب خواطر المجاهدين، وبقيت أنفق على نفسي من صلب مالي الذي كان معي مذ برحت منزلي في جبل لبنان.
ولما رجعت إلى مصر بعد قضاء سبعة أشهر في موطن الجهاد كان قد نفد كل ما معي من نقود، فلم أراجع الجناب الخديوي حسبما وعدته، بل أرسلت إلى أهلي بأن يبعثوا لي ما يقوم بأودي، لأنني كنت ذاهباً إلى الآستانة لمذاكرة الدولة في قضية طرابلس، وكيف يجب أن لا تقطع إمدادها لها بالطرق الممكنة حتى بعد عقد الصلح مع إيطاليا.

دوره في كبح جمال باشا

قال الشيخ الشرباصي:” عينت تركيا القائد أحمد جمال باشا قائد الفيلق الرابع من الجيش العثماني والياً على الشام والحجاز، فبغى وطغى، وأخذ بغيه يتزايد مع الأيام، وكان جمال باشا يعرف للأمير شكيب مكانته بين قومه، وأحسن شكيب استغلال هذه المكانة لمصلحة قومه، وللتخفيف من مظالم الوالي، فكان ينهنه من حدة جمال، ويشفع للكثيرين عنده، وينقذ الكثيرين من عدوانه.
ويروي أنه لما قدم جمال باشا دمشق ـ وكان شكيب يسكن في دمشق خلال الحرب العالمية الأولى ـ أراد من بطريرك الموارنة أن يأتي ليسلم عليه، فعارضه شكيب، وقال له: إن البطريرك شيخ طاعن في السن، وأنه لا يقدر على المجيء، وأن طائفته قد تحسب ذلك إهانةً لها في شخص البطريرك، وانتهى الحوار بأن يقدم أربعة من الموارنة للسلام على جمال باشا، وقد حمد الموارنة لشكيب هذا الموقف؛ ويقول الأستاذ حبيب الجاماتي:” وكان بطريرك الموارنة السابق المرحوم السيد إلياس الحويّك يجاهر بأن تدخّل الأمير شكيب بينه وبين جمال باشا حال دون بطش هذا الطاغية بالبطريرك ورجال الدين أجمعين”. ولقد كتب الأمير إلى محمد إسماعيل يقول إنه كان رئيساً لأركان حرب الفرقة العسكرية المرابطة في لبنان، وإنه كان مطلعاً على حقائق الأمور، ويذكر أن الأمير شكيب لم يكن “ مسخر الضمير لأعمال أحمد جمال باشا المستنكرة”، وأن إعادة المبعدين إلى أوطانهم فوجاً بعد فوج كانت بمساعي شكيب. ويقول الأستاذ عز الدين التنوخي:” لقد كان الأمير شكيب من أشرف من كان حول جمال من رجال العرب، دفع الله به كثيراً من الشر والأذى، وما كان يدافع عن الدولة العثمانية إلا دفاعاً عن العروبة والإسلام، وخوفاً عليهما من مثل الانتداب، والحماية، والاستعمار؛ وكان شبان العرب وأعضاء المنتدى الأدبي في الآستانة لا يرضون عن هذه السياسة الشكيبية، وهي سياسة إسلامية محضة، بل كنا نعدها انتصاراً للترك على العرب، ولكنه كان مخلصاً في عقيدته، ومشفقاً من الاستعمار على عروبته”. ومن أمثلة وساطة شكيب لدى جمال لمصلحة العرب أن قراراً صدر من جمال باشا ينفي الشيخ خليل الخوري ـ وهو من كبار موظفي جبل لبنان حينئذ ـ إلى القدس، وبدأ النفي فعلاً، ولكن شكيب توسط له فأعيد الشيخ من الطريق، وفي سنة 1946م توسط الشيخ بشارة الخوري رئيس جمهورية لبنان وابن الشيخ خليل ـ توسط لإعادة شكيب من سويسرا إلى لبنان، وبهذا قابل الجميل بالجميل”.

جمال باشا
جمال باشا

عداء فرنسا الشديد للأمير شكيب أرسلان

قال الشرباصي:” كانت فرنسا هي العدو الأول لشكيب، كما كان شكيب هو العدو الأول لفرنسا من بين زملائه، ولقد جاء في كتاب “ عروة الاتحاد “ أن بعض رجال فرنسا صرّح بأن شكيب هو “ عدو فرنسا القديم الدائم “، وأن الفرنسيين في المغرب نفوا تاجر كتب لأنهم وجدوا عنده مكتوباً علمياً من شكيب، وكتبت إحدى الصحف الفرنسية تقول:” يلزم إعدام شكيب أرسلان”. وفي “ الرباط “ منعوا كل كتابة من شكيب مهما كان موضوعها، وصادر الفرنسيون كتاباً لا علاقة له بالسياسة إطلاقاً، وذلك لأن فيه مقدمة علمية بقلم شكيب، لأنه “ يكفي للمنع ورود اسم شكيب أرسلان في الكتاب”، وقال ضابط فرنسي:
“عندما تقع حرب أوربية ينبغي قبل كل شيء أن يزحف الجيش الفرنسي إلى جنيف، ويقبض على شكيب أرسلان.
وعملت فرنسا على إخراج شكيب من طنجة بالقوة حين زيارته لها ونجحت في ذلك، و آذى الفرنسيون كل من احتفل بشكيب، وأغروا به صحفهم، وأرهقوه بجواسيسهم… إلخ
ولم تكتفِ فرنسا مع شكيب بالأعمال التعسفية، بل انتقلت إلى الافتراء، والتشويه، فأخذت الصحف الفرنسية تشتمه وتختلق الأنباء الكاذبة حوله، وتتساءل: من أين ينفق مع زميليه في الوفد السوري: إحسان الجابري، ونجيب الأرمنازي.

(سلسلة أعلام العرب، شكيب أرسلان داعية العروبة والإسلام، أحمد الشرباصي، ص 46ـ 47ط. المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة–القاهرة (سنة 1383 هـ الموافق 1963م. )

رسالة الأمير شكيب للسيد رشيد في وجوب مساعدة طرابلس الغرب

قال الأستاذ الشرباصي :” وبين يدي رسالة خطية وفقت للعثور عليها، وهي بخط الأمير شكيب أرسلان بعث بها إلى السيد محمد رشيد رضا في مصر، عن وجوب مساعدة طرابلس، وتاريخها 13 شوال، ويظهر أنه شوال سنة 1329هـ أو 1330هـ، وهما السنتان المقابلتان لسنة 1911م، وأورد نص الرسالة فيما يلي كنموذج لما كتبه شكيب في هذا الشأن:”

جاهد الأمير شكيب لحماية الخلافة والدور العثماني في الجامعة الإسلامية
جاهد الأمير شكيب لحماية الخلافة والدور العثماني في الجامعة الإسلامية

صوفر في 13 شوال
خصوصي
سيدي الأخ الفاضل
أعلم أن جهادكم في تهذيب الأنفس، وإقامة الشريعة على قواعد العلم، وأخذ المؤمنين بحقيقة الدين، و إثلاج الصدور ببرد اليقين، هو الجهاد الأكبر والبلاء الأسنى، والذي فيه استكمال الحسنى، وإن الأمة التي تفهم الدين فهمكم، وتفقه الشرع فقهكم، لا يخشى عليها من اعتداء إيطالي، ولا استبداد أجنبي.
ولكن جهادكم هذا غرس لم يحن إيناعه، وزرع لم يئن ارتفاعه، ودون وصول ثمرته إلى درجة الوفاء بالغرض أيام، وليال، وأعوام طوال، بما رسخ من الأوهام، وسدِك (1) بالعقول من صدأ الترهات.ونحن الآن في خطب مستعجل الرأب، وفتق يستلزم سرعة السد، ولا يفيدنا فيه تعنيف مفرط، ولا لوم مقصر، ولا جزاء خائن أو مستهتر، ولا يغنينا مع إلحاح وافد الشر، وإطلال نازل البأس، إكبار الإهمال، والوقيعة بمدبري هذه الأعمال، بل علينا قبل ذلك واجب أعجل، وهو تلافي ما فرط فيه غيرنا، وإيلاء العذر فيما يطلبه الرأي العام منا.
وقد ظهر لنا بعد تقليب وجوه الحيل كلها، وتمحيص آراءه الإغاثة بأجمعها، أنه لم يبق إلا طريق البر، وأن هذا الطريق مهما كان شاقاً صعباً طويلاً معطشاً، فإنه هو الوصلة الوحيدة والممر الممكن، وإن طريقاً سلكه آباؤنا مراراً في فتوحاتهم ومغازيهم لجدير بأن نسلكه نحن في أحرج موقف وأضيق مجال.
فإن لم تساعد السياسة على إمرار جنود منظمة، فلا أقل من متطوعة، وإن لم يمكن نهوض متطوعة فلا أقل من تسريب ذخائر وأرزاق على ظهور الجمال، بحيث لو بديء بتيسير قطر الجمال قريباً صار المدد متصلاً، فإن في طرابلس وبنغازي والصحراء ومن معيشتهم (2) إذ ذاك، إذ هناك رجالات كثيرة، وفروسية ونجدة، وبغضاء للعدو، ولدى الدولة عدة آلاف من الجلد وأسلحة وعدة، وإنما يخشى على أولئك من الجوع وقلة الطعام.
أفلا يمكنكم في مصر عقد الاجتماعات لوضع هذه الإعانة في موضع التحقيق، وإيفاد السعادة إلى الهند، وإلى السنوسي؟
فأمَّا الهند فتمكن النجدة بالمال، وأمَّا من الصحراء فبالرجال، وأمَّا من جهة الضباط لتدريب الأهالي فالدولة تقوم بهذا الأمر.وما نستصرخ إخواننا المصريين أولي اليسار وأهل الحمية إلا للمدد المادي إن تعذر كل مدد غيره، وأي شهم يضطلع بهذا العمل أكثر منكم ؟ وأي عمل هو أشرف من هذا ؟ وأي سقوط حالاً و استقبالاً أعمق من سقوطنا إذا ذهبت طرابلس الغرب؟ لا جرم أن حسن الدفاع عنها ليقف بالطامحين عن سائر حوزتنا، ويحفظ علينا هذا النزر الباقي من كرامتنا، وإن التخاذل عن هذه النجدة يكون الإجهاز على مهجتنا العمومية، إذ تعلم أوربة أنه ليس ثمة من حياة ولا من أحياء، وأن هناك إلا أعداء بدون اعتداد.
قصدت استيراء زندكم في هذا الغرض، وليس ذلك على همتكم بعزيز، ونحن في انتظار الجواب، شد الله بكم الأزر، ووفقكم إلى هذه الغاية، أفندم
أخوكم
شكيب أرسلان

(سلسلة أعلام العرب، شكيب أرسلان داعية العروبة والإسلام ، أحمد الشرباصي، ص 30-32، ط. المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة–القاهرة (سنة 1383 هـ الموافق لسنة 1963م)

قوات إيطالية أثناء غزو ليبيا لانتزاعها من الإمبراطورية العثمانية
قوات إيطالية أثناء غزو ليبيا لانتزاعها من الإمبراطورية العثمانية

خوف الأمير شكيب أرسلان على فلسطين

عاد شكيب إلى وطنه، ورأى بيروت بعد الهجرة الطويلة في الثلاثين من تشرين الأول سنة 1946م، وسعد بمشاهدة وطنه حراً مستقلاً طليقاً من أغلال الاحتلال والاستبداد، وتحرك لبنان والبلاد العربية للقاء البطل بعد عودته إلى العرين، ومكث فترة يزور ويزار ويجهد نفسه بالرد على الرسائل التي كانت ترده بكثرة، وتحالف على الرجل تصلب الشرايين والنقرس، والرمل في الكليتين، وثقل الثمانين عاماً، فلم تطل مقاومته، وعجزت يدر البشر، وأقبلت يدر القدر في 9 كانون أول سنة 1946م.
وكان آخر ما قاله للأستاذ عبد الله المشنوق، حينما التقى له قبل موته بأيام: أحمد الله عزَّ وجل الذي سهل أن أفارق الحياة على أرض هذا الوطن الذي أحببته، وأنا سعيد أن أدفن أن أُلاقي وجه ربي الكريم، فأعيد هذه الأمانة إلى بارئها بعد أن تحققت أحلام طفولتي في هذه الجامعة ـ حرسها الله ـ، وسأخب رفاقي في الجهاد بأن تضحياتهم لم تكن عبثاً.
وتحدرت من عيني الأمير دمعتان، ونهض واقفاً و جذب يد الأستاذ المشنوق، وقال له: لي وصية أود أن أوصي بها، فهل تعدني بأن تنقلها إلى العالم العربي بعد وفاتي؟
فأجابه: لك العمر الطويل ـ إن شاء الله ـ.
فقال شكيب: لا بل تعدني بنقل الوصية.
قال: نعم.
وهنا طوقه شكيب بذراعيه المرتجفتين، وقال بصوت تكاد تخنقه العبارات:
أوصيكم بفلسطين.

(لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم، 1918، مراجعة الشيخ:حسن تميم، الناشر: دار مكتبة الحياة)

إذا أردنا أن نتفرنج
فلا بدّ أن نكون عرباً أولاً

يقول الأمير شكيب أرسلان:” فإذا كنّا حقاً نريد أن نتفرنج فلنقتد بهؤلاء القوم في البحث والتمحيص، وعدم قبول نظام ولا قانون إلا بعد قتل فائدته خبرا، وإذا كنا نريد أن نتفرنج فلنحذ حذو هؤلاء القوم في عروجهم معارج المدنية كلها، وسلوكهم طرق التحقيقات العلمية، إلى آخر ما وصلت إليه، مع حفظهم لعاداتهم، ونزعاتهم وأذواقهم وبقائهم كما كانوا إفرنجاً.
إذا كنا نريد بالفعل أن نتفرنج ـ أي نقتدي بالإفرنج ـ تحتم علينا أن نبقى عرباً”.
(انظر؛ سلسلة أعلام العرب، شكيب أرسلان داعية العروبة والإسلام ،أحمد الشرباصي، ص81 ،ط. المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة – القاهرة (سنة 1383 هـ الموافق لسنة 1963م)

فراسة الأمير شكيب أرسلان

قال الشيخ الشرباصي:” ولشكيب نظرة وفراسة صادقة، وطالما تنبأ عن أمور قبل وقوعها فجاءت كما حدث، لا لأنه أوتي علم الغيب ـ فالغيب يعلمه الله ـ ولكن لأنه يحسن التدبر للأمور، ويحسن التطلع إلى العواقب.
لقد تنبأ مثلاً أن إيطاليا ستنسحب في الحرب العالمية الأولى إلى صف الحلفاء، وكذلك كان، وتنبأ بأن انكلترا ستنكث وعودها التي أعطتها للعرب إبان تلك الحرب، وكذلك كان، وقال إن الملك حسين ملك الحجاز سيندم وسيخلع من ملكه، وكذلك كان، وتنبأ بأنه نفسه سينفى إلى جزيرة، وكذلك كان.
ولما قيل له: ولماذا اخترت جزيرة؟ أجاب: لأن انكلترا لها جزائر كثيرة؛ وقد نفي الملك حسين بعد ذلك إلى قبرص.
وكتب شكيب قبل هذه الحرب مقالاً بعنوان:” نار أوربة من شرارة البلقان” وتنبأ فيه بأمور كثيرة وقعت !.
يقول الدكتور زكي علي في هذا المقام:”الأمير شكيب كثيراً ما تكهن في الأمور السياسية الخطيرة قبل وقوعها، حتى إذا انحدر ستر الغيب عن وجه المستقبل جاءت الحوادث مصداقاً لتكهنه، ودليلاً على صواب حكمه، ولا غرو أن هذا يعزى إلى سلامة فطرته، وأصالة رأيه وغلو معدن ذكائه، وما وهبه الله من قوة فراسة فوق ما امتاز به من الخبرة وبعد النظر والتجربة خلال عشرات السنين من حياته السياسية.
ويلحظ الأمير شكيب من نفسه هذه الصفة، ويعللها بالتفكير والتأمل، وكثرة المطالعة، فيقول:”لست من الكهّان، ولا من العرافين ولله الحمد، ولا أنا بعجزي وضعفي من الأولياء الذين يكاشَفون بكثير مما وراء حجب الغيب، ولكني أفكر وأتأمل، وأُكثر مطالعة الكتب والصحف، ولاسيما ما تعلق منها بالتاريخ والسياسة، ولذلك تصح أقوالي عن كثير من الحوادث قبل وقوعها”.
ويذكر من قبيل ذلك أنه تكهن بنشوب الحرب العالمية الأولى قبل بدئها بنحو سنة وأربعة أشهر، ونشر ذلك في جريدة “ الشعب “ المصرية في 21 مارس سنة 1913م، وأعاد نشره حرفياً في مجلة الفتح المصرية في عدد 5 صفر 1351هـ ( 1932م). ويشير إلى أمور تتعلق بالبيان ويقول:” وكأنني بدون أن أكون في طوكيو قد عرفت الحالة هناك كما هي بمجرد القرائن، ومعاركة الزمن، وطول الخبرة”.

(انظر؛ سلسلة أعلام العرب، شكيب أرسلان داعية العروبة والإسلام، أحمد الشرباصي، ص 255-256،ط. المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة – القاهرة (1383سنة هـ الموافق لسنة 1963م)

قال الشرباصي: “ لاشك أن شكيب رجل موهوب، وساعدته ظروف نشأته وحياته وجهاده على تفجير ينابيع هذه الهبة، ولكن ينبغي أن نلاحظ أن دراسته في المدارس كانت محدودة، إذ يمكن أن يقال إنه لم يبلغ نهاية الدراسة الثانوية في التعليم المدرسي النظامي، ولم يشهد شيئاً من التعليم الجامعي، ولكن المدد جاءه من دراساته الخاصة، ومطالعته العامة، إذ كان لا يبالي بطول الوقت يقضيه دارساً منقباً، مراجعاً، حتى أنه ليطالع ويكتب كل يوم ثلاث عشرة ساعة، “ بجلد لا ملل، وصبر لا نفاد له”. ولقد حدثني الأستاذ عوني عبد الهادي، فقال: إن شكيب كان يتابع كل الجرائد والمجالات والكتب، وبخاصة ما تعلق منها بالإسلام والعرب والشرق، وذاكرته قوية، ويعرف نطاق البحث ومصادر الموضوعات، فإذا أراد البحث في موضوع تناول مصادره وشرع فيه!. وبمناسبة الإشارة إلى قوة الذاكرة عند شكيب أذكر أنه تحدث عن هذه الناحية، فقال إنه فقد أصول طائفة من قصائده، فأملاها كلها عن ظهر قلب، وأملى من قصائد أخرى مفقودة أبياتاً غير قليلة، ويقول الأستاذ روفائيل بطي:” إن شكيب اشتهر بقوة الذاكرة إلى حد يكاد يبعد عن التصديق، وقد روي عنه أنه صحح لمؤرخ اليمن الشيخ عبد الواسع اليمني في كتابه :” تاريخ اليمن “ أموراً كثيرة في الفقه والتاريخ والتراجم من ذاكرته فوراً”.

(انظر؛ سلسلة أعلام العرب، شكيب أرسلان داعية العروبة والإسلام، أحمد الشرباصي، ص 285-286،ط. المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة – القاهرة (1383سنة هـ الموافق لسنة 1963م)

مقالة كأنها تشرح حالنا اليوم
تكالب الأمم على أمة الإسلام والعالم الإسلامي

لا يمكن أن يظل الأوروبي سيد الأرض غير مدافع، متسلطاً على ما في الدنيا ما بين المشرق والمغرب ومن أعظم الخطأ الظن بأن آسيا وأفريقيا لن تنهضا من عثار وهما ثلثا العالم

وجهاء وقادة فلسطين يجتمعون للبحث في صد الغزو اليهودي
وجهاء وقادة فلسطين يجتمعون للبحث في صد الغزو اليهودي

اشتهر الأمير شكيب أرسلان بفراسته السياسية وقدرته الاستثنائية على قراءة الآتي من الأحداث وقد أوردنا في هذا الباب نبذة عن نبوغه في هذا المجال وما شهد له معاصروه من حدس مدهش بالمستقبل. وليس أدل على هذا الأمر في الواقع من هذه المقالة التي كتبها في أربعينات القرن الماضي في عز صعود الاستعمار الغربي وهيمنته على الدنيا وخصوصاً على بلاد العرب والمسلمين، وقد كان الاستعمار فرغ من تمزيق الخلافة الإسلامية وبدأ بتنفيذ مؤامرة اغتصاب فلسطين وانقض بقواه وشركاته ومبشريه على كل أنحاء العالم القديم يتناهش خيراته، كما لو كان مشاعاً مستباحاً لكل ذي جبروت. في هذه المقالة يتنبأ الأمير شكيب بنهضة العالم الإسلامي وبحتمية زوال الهيمنة الغربية، كما يصف بدقة وألم حال الضعف لدى حكام العرب والمسلمين وما يصفه “ الرعب من سطوة الأجانب” ليخلص إلى القول بأنه “لا بد أن يأتي الزمن الذي يصبح كلٌ فيه سيداً في دياره، مانعاً لذماره؛ مساوياً في الأرض لمن ظن سلطانه سرمداً، ودوره مؤبداً”
وهنا المقالة :
قال الأمير شكيب أرسلان:” فالعالم الإسلامي الذي لا يزال محور سياستهم (الغربيون) قهره وإعناته، وتجريده من السلاح بكل وسيلة، والحيلولة بينه وبين الاتحاد والتماسك بكل حيلة، احتياطاً من وراء رسَفَانه في قيوده الحاضرة، وأماناً على ديمومة خنوعه لسلطتهم القاهرة، لا يصح أن يقال إنه بلغ من النهضة الدرجة التي تكفل له حطم سلاسله الثقيلة، واسترداد ممالكه العريضة الطويلة، واستئناف معاليه الخالية، ومصيره مع العالم الأوروبي إلى حالة متساوية، ولا أدرك بهذه السنين القلائل من اليقظة ما يكفي لتجديد ما أخلق من حاله، واستشن من شأنه، بل لا يزال ويا للأسف الجهل مخيماً على أكثر آفاقه، وما برحت العصبيات الجاهلية عاملة عملها في تفكيك عراه وبعثرة أجزائه، كما أن الرعب من سطوة الأجانب إلا من رحم ربك ملء الجوانح، واليأس من استطاعة القيام فاشٍ في الأفكار والخواطر، وكأنه إلى هذه الحالة بعينها نظر النبي ـ صلى الله عليه وسلم حينما قال:” يوشك أن تتداعى عليكم الأمم من كل جانب تداعي الأكلة إلى القصاع، قالوا: أو من قلة منا يؤمئذ يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنكم غثاءٌ كغثاءِ السيل يُجعَل الوهن في قلوبكم ويُنزع من قلوب أعدائكم، من حبكم الدنيا وكراهيتكم الموت” أو كما قال، نعم صار المسلمون، إلا الأقل منهم إلى زمان لا تغني عنهم كثرتهم شيئاً بل صارت الفئة القليلة من غيرهم تتحكم في الفئة الكثيرة منهم، وتخبطهم بكل عصا، وهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، وراح الأجنبي يفتح بلدانهم بهم ويسلط بعضهم على بعض، ويقتل هذا بذاك مستفيداً من قتل الاثنين: الذي يقاتله والذي يقاتل معه.
وإذا سألت أحدهم لماذا إعطاء هذه المقادة كلها واقتحام الموت في سبيل الأجنبي الذي تغلب عليه، أجابك أنه إنما يساق إلى الموت رغماً، والحال أن الموت الذي يخشاه في عصيان الأجنبي، هو ملاقيه في طاعته، فهو من خوف الموت في الموت، ومن حذر العذاب في أشد العذاب، فلابد لاستقلال الإسلام من زوال هذه الأوهام، ومن انتشار المعارف التي لا تجتمع مع الذل في مكان، ولا تبرح دون تلك الغاية مصاعب وقُحَم، ومصائب وغُمَم، وليال مظلمة طوال، ومعارك تشيب لها ذوائب الأطفال، وإنما الذي يخطىء فيه سكارى العز ونشاوى الساعة الحاضرة من الأوروبيين، اعتقادهم أنها حالة ستبقى على الدهر، وإن ثلثماية وأربعين مليوناً من المسلمين سيلبثون إلى الأبد رهن إسارهم وفريسة استعمارهم، ووقود نارهم، واعتبارهم الشرقيين عَمَلةً يسمن الغربيون بهزالهم، ويسعدون بشقائهم، ويقوون بضعفهم، ويحيون بحتفهم.
حقاً لقد تجاوزوا الحد ضلالاً وغروراً، واستكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً، وظنوا أنهم كتبت لهم السيادة خالصة من دون الناس وأمنوا جفوات الأيام، وأخذوا الطريق على الفلك الدوَّار فلا يدور لهم إلا بحسب المرام، كلا هذا منهم خيالٌ زائل، ووهمٌ أرقّ من شَبَح باطل، فلن يبقى الشرقيون أبد الدهر مدَنَقةُ هينة عليهم نفوسهم ولن يصبروا أكثر مما صبروا على أن يلي أمورهم من ليس منهم، ولا بدّ أن يأتي الزمن الذي يصبح كلٌ فيه سيداً في دياره، مانعاً لذماره؛ مساوياً في الأرض لمن ظن سلطانه سرمداً، ودوره مؤبداً، وعمل اليوم عمل من لا ينظر ما يكون غداً، ولاسيما المسلم الذي يقرأ كل يوم في قرآنه ما يجعله بكل جارحة من جوارحه رجلاً ولا يرضى له بالاستقلال بدلاً، وينفخ فيه من روح الأنفة ما يصور الذل كفراً، ويلقى في روعه من حب العلم ما يصير الجهل وزراً، ويحتم عليه من الأخذ بالأسباب القوة ما يخيل الضعف شركاً، كلا لن يلبث الشرق لدى دول الاستعمار هو الشحمة الرُقّى، والأمم التي لا تملك لأنفسها حقاً، ولا تنفض عن أعناقها رقاً، ولا يمكن أن يظل الأوروبي سيد الأرض غير مدافع، وصاحب الحكم غير مزاحم متسلطاً على ما في الدنيا من الجهات النفسية، مستأثراً بما بين المشرق والمغرب من الجنبات الرئيسة، فلم يبرح الدهر قلَّباً، والدوام محالاً، والتاريخ يركب الأمم طبقاً عن طبق، ويلحق من تأخر بمن سبق، وما من بهشة، إلا وراءها جهشة، وقد كذب من طمع في صفو بلا كدر، وصعود بلا حَذَر، ومن أعظم الخطأ الظن بأن الشرق لا يلمُّ على شعث، و إن آسيا وأفريقيا لن تنهضا من عثار وهما ثلثا العالم، ولقد سار الشرق في مدة وجيزة عقَبَاتٍ جِياداً، واجتاز أزماتٍ شداداً، وهو ماض في سيره إلى الأمام لا سبيل بعد اليوم إلى تعويقه، ولا حاجز يمكن أن يقف في طريقه بدسائس تلقى، ومبالغ سريّة تنفَق، وأخلاق تُفسَد؛ وذمم تشرى وأشراك تبثّ، وأسياف تُسلّ، ولا المحلقات في الجو تقدر على كم الأفواه، ولا الغازات السامة تقوى على إطفاء نور الله، وما تزيد هذه الوسائل تلك الأمم المستضعفة إلا شوقاً إلى الحرية، ونداء إلى الثارات وإصراراً على الضغائن، ومهما يكن من حيل العباد فللكون سَنَن هو سائره ولله أمر هو بالغه.

الأمير سيف الدّين يحي التنوخيّ

الأمير سيف الدّين يحي التنوخيّ

صاحب مأثرة «حط بالخرج» أنّـبه الأمير السيد لغزل قاله
فتاب وأصلح وصحب الأمير وبات من كبراء تلاميذه

هو الأمير سيف الدّين يحي بن الأمير فخر الدّين عثمان بن الأمير سيف الدّين يحي بن الأمير زين الدّين صالح بن الأمير ناصر الدّين الحسين الكبير. وابن أخ الأمير المؤرخ صالح بن يحي صاحب كتاب تاريخ بيروت. وصفه الشيخ محمّد الاشرفاني بأنه كاتب الدّارين وصائغ الدّارين وشاعر الداّرين. ففي هذه الصّفات الثلاث كفاية عن غيرها وغنى لكل طالب وقد قرنها صاحبها بالدّين الّذي هو أجلّ المقتنيات وأشرف المكتسبات. فتمّت له السّعادة في هذه الدّارالدّنيا والفوز في يوم العرض والحيقات.
الأمير سيف الدّين يحي التنوخي علم من أعلام التوحيد البارزين، الّذين عمّت شهرتهم فطبقت الآفاق، توفي والده وهو في السابعة من عمره، فنشأ يتيماً مكتسباً من العلوم أشرفها، ومن الأخلاق أنبلها، ومن المناقب تاجا وعدّة لجهاده، ومن الفضائل منهجاً يقتفي به آثار آبائه وأجداده، ومن الأعمال الصالحات زاداً لمعاده وآخرته، فساد قومه وبلغ اجلّ المراتب بالعلم والعمل والحلم والفصاحة والبلاغة وحسن الأخلاق والجود والقناعة والورع والزّهد والعفاف. نظّم الشّعر فأجاد فيه وأحسن، وبلغ فيه شأناً كبيراً، فساوى في بعضه أكابر الشعراء وفحولهم، وجرى كلامه وحكمه مجرى الأمثال، لما تميّز به من دقّة التصّوير، وحسن الأداء وجزالة الألفاظ، فصوّر النّفس البشرية ووصفها في مختلف مراحلها وتقلّب أهوائها.
نظّم في صباه قصيدة غزلية وعظه الأمير السيد جمال الدين عبد الله التنوخي (ق) على أثرها وعنّفه ولامه، فاتعظ الأمير سيف الدّين يحي وامتنع عن مدح السّلاطين، وكفّ عن الغزل وتاب توبة صحيحة خالصة وصحب السّيد الأمير مكتسباً منه المنهج القويم والسّلوك المستقيم، فعُدّ من أهل الصّلاح والفضل وأضيف اسمه إلى أسماء تلاميذ الأمير السيد (ق). كان الأمير سيف الدّين يحي خطّاطاً بارعاً وكانت له اليد الطّولى في كتابة الخطّ العجميّ (الفارسي) واشتغل بصناعة الصيّاغة بعد أن أخذ أسرارها من اسطنبول وقيل من تبريز العجم. فانشأ قوالب الحسن، وصنع تحفاً يقصّر عن وصفها اللسّان. فتحسنّت أحواله الماديّة وأصبح على جانب من الثّراء واليسر، ففرّق أكثر أمواله على الفقراء والمساكين حيث كان يطوف المناطق والقرى تخفيفاً عنهم آلام الفقر والعوز، وقد ذهبت قصّة “حطّ في الخرج” مذهب الأمثال لمعرفتها من القاصي والداني، وتفصيل ذلك أنّه كان يمتطي فرسه جاعلاً عليها خرجّاً مملوءاً بالأموال، فإذا مرّ بقوم أغنياء طلب منهم أن يضعوا في الخرج شيئاً ممّا تجود به أنفسهم زكاة عن مالهم، وإذا مرّ بالفقراء طلب منهم بأن يأخذوا من الخرج حاجتهم، فما زال على هذا المنوال حتّى عاد يوماً ونظر إلى الخرج فوجده ملآن لم يمسّ. فعلم أنّ الضائقة قد انكشفت عن الناس. وقد رأيت من المفيد أن استشهد بشيء من شعره ليستدلّ القارئ على حسن عقيدته وإيمانه ومذهبه وتقييده لجوارحه. (الوافر)

ولــــــي نــفــــس علّـــــــــــــــت شـــــــــــــرف المعــــــــــــــــــــــالــي وجســــــــــم جاثـــــــــــــــــــــم بحضــــــــــيض قــــــــــــــــــــــــــــــاع
فـــــفـــــي الـــــعــــــــــرض الكـــــثيـــــف لـــــهــــــــــا اتضّــــــــــــاع وجوهـــــرهـــــــــــــــا يشـــــــــــــبّ إلــــــــــى ارتفــــــــــــــــــــــــــاع
ومــــــــــــــا مـــــن غبـــــطـــــــــــــــــــة فـــــي العـــــيـــــــــــــــش إلاّ ذي فضـــــــــــــــــــــــلٍ رضــــــــــــــــــيّ بـــــاقتـــــنــــــــــــــــــــــــــاع
وخــــــــــــــــــــير سجيّــــــــــــــــــةٍ للمــــــــــــــــــــرء عقـــــــــــــــــــلٌ يمـــــيّــــــــــــــــــز بـــــين ضــــــــــــــــــــرّ وانـــــتـــــفــــــــــــــــــــــــــــاع
لـــــئـــــــــــــــن صــامـــــــــــــت بحــــــــــــادثـــــــة صـــــــــــــــــدور فـــــصـــــــــــــــــــدري للـــــحــــــــــــــــــــوادث ذو اتســــــــــــــــــاع
وقلبــــــــــــــــــي إن يـــــنـــــــــــــــــــــــــازعه انـــــقيـــــــــــــــــــــــــادٌ لمعصـــيــــــــــــــــــــةٍ شــــــــــديــــــــــــــــــــــــدِ الامـــــتـــــنـــــــــــــاع
ويــــــأنـــــــــــــف أن يشــــــــــــــــــمّ الــــــــــــــــــذّلّ أنفــــــــــــــــــــي وأن يرضــــــــــــــــــى بـــــــــرَغـــــــــــــــــــــــــــمٍ وانجــــــــــــــــــــداع
ويـــــــــأبـــــــــــــــــــى ذكـــــــــــــــر فـــاحشـــــــــــــــــةٍ لســـــــــــاني ويـــقـــصـــُـــــــــــــــــرُ فــــــي الـــنّـــمـــيـــمـــــــــــــــة والشّنـــــــــــاع
وأذنــــــــــــــــــــــــــي لا تصيـــــــــــــــــــــــــــخُ لقــــــــــــــــــــــول زورٍ ولا أرضـــــــــــــــــــــى الـــدنيئــــــــــــــــــــــــــــــــة بالسمـــــــــــــــاع
ولــــــــــــــــــي عيـــــــــــــنٌ إذا كشــــــفـــــــــــــــت ستــــــــــــــــــورٌ عـــــــــــــــن العــــــــــــــــــورات كـــانـــــــــــــــت فـــي قنـــــــــــــــاع
ومــــــــــــــــــا لِيَـــــــــــدي إلــــــــــــى الشـــــــــــــــرّ امتـــــــــــــــدادٌ ولا قــــــــــدمـــــــــــــــــــــي إلــــــى عـــــــــــــــــــــــــارٍ بســـــــــــــاع
وقــــــــــــــــــد قَصُــــــرت خــــــــــــطـــائي عــــــن خـــــــــــــــطاءٍ وطال إلــــــــــــــى منـــــــــــالِ الحــــــمـــــــــــــــــــــــــد بــــــاعــــــي

هذا كلام يصحّ أن يكون دستوراً لكلّ إنسان ديّن عاقل، فطوبى لمن اهتدى وبشرى لمن امتثل واقتدى. وهذه أبيات من رائيَّته الشهيرة تبيّن مقدار فضله وتظهر المنزلة التّي بلغها في الرّضى والتسليم وحسن عقيدته وحضّه على التّقوى والزّهد والخوف وعدم الاغترار بدنيا خادعة غرّارة ولذّة منقرضة يتبعها ألم وعذاب وعقاب كما تبيّن مدى شاعريته الفيّاضة فما إن يقصد معنى أو يطرق موضوعاً إلاّ ويعطيه حقّه فلا غموض ولا إبهام ولا تعقيد (البسيط)

تجــــــــــــري الأمــــــــــــور ومــــــــــــا للمـــــــــــــــــــرء معتــــــــــــبر حـــتّــــــــــــى تحــــــــــــــــلّ بـــه مـــن نـــفـــســــــــــــه العبــــــــــــــر
لا حيـــــــــــــــلة فــــــــــــي قضــــــــــــــــــاءٍ ســــــــــــــــاقه قــــدرٌ فـــفــــــي المـــقـــــاديــــــــــــر يعــــــمــــــى القــــــلب والبصـــــــــــرُ
إن القضـــــــــــــــــــــــاء إذا لاحـــــــــــــــــــــــــــت بــــــــــــــــــوادره لــــــم يـــنـــــــــج مـــن خَــــــطــــــــبِه خـــــــــوف ولا حــــــــــــذر
عــــــــــــــــــدوُّ كـــــــــــــــلِّ لبــــيـــــــــبٍ نفســـــــــــــــــهُ فــــــــــــإذا مــــــا اســـتـــحــــــكــمـــــــت مـــنه لا تبـــــــــقي ولا تــــــــــــذر
فجــــــــــــاهد الـنـــفـــــــــس عـــصيـــانـــــــــا وكــــــن رجـــــــــلا مـــــــــا عنــــــــــــده للـــــــهـــــــــوى وثــــــــــــــر ولا خـــبـــــــــــــــر
حــــــــــــلــــــو المـــــــــــــذاق ومـــــــــرّ عـــنــــــد مـــطــــــعـــمــــــه كـــالشــــــــــــهد أودع فيـــــــــــــــه الصــــــــــــّاب والصّــــــبـــــــــر
لــــــذاذة المـــــــــــــــــــرء فـــي دنيـــــــــــــــــــــاه مـــدبــــــــــــــــــــرة تفـــنـــــــــــــــــى ويـــبـــقــــــــــــــى علـــيهـــا الــــــذنب والــــــــوزر
ايّــــــــــــــأك ايّــــــــــــــاك مــــــــــــا تخـــــــــــــــــشى عواقبــــــــــــــه لا خيـــــــــــر فـــــــــي جـــــــــنّــــــــــــة مــــــن بعــــــدها سقــــــر

هذا غيض من فيض الأمير سيف الدّين يحي التنوخيّ، وقد ختم عمره بحياة هانئة وادعة، قانعة راضية مسلّمة. ويروى أن الأمير السّيّد (ق) قد أرسله إلى مصر في أواخر أيامه مع الشيخ ابن علي مرعي لكي يستحصل على بعض الوثائق الهامّة والمراجع الأصليّة التّي كان بحاجة إليها، ودراسة ما تبقّى من آثار الدّعوة التوحيديّة هناك.
توفي الأمير سيف الدّين يحي سنة 864 هـ. عن عمر ناهز الخامس والسبعين قبل وفاة الأمير السّيّد (ق) بعشرين عاماً. ولمّا لم يكن له وريث يرثه، ولا عقب يحمل اسمه، فرّق معظم أمواله ووزّعها على الفقراء والمساكين والمحتاجين من المستجيبين، كما خصّ الوقوفات الحسنة. وخصّ بها الأكابر من أهل العلم والفضل. جاعلاً معظمها للأمير السيّد حابساً جهاتها عليه. ومن أبرز آثاره الباقية مصحف مكرّم من خطّ يده الكريمة موجود في بلدة رأس المتن.

قصة إبراهيم بن أدهم (ر)

قصة إبراهيم بن أدهم (ر)

تعدّدت الروايات في أسباب توبته
لكن حياته أصبحت مدرسة للزاهدين

صحب في مكة سفيانا الثوري والفضل ابن عياض
وساح في جميع الأمصار وأنهى مسيرته في جبلة السورية

أن يكون المرء فقيراً وزاهداً في الدنيا فذلك من أسهل الأمور
لكن البطولة ترك الملك والقصور وطلب الفقر في سبيل الله

باع نفسه بدراهم ليساعد فقيراً استجار به
فأهداه الحق تعالى معجزة نقل تل التراب

تعتبر حياة ومجاهدات إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه مصدر إلهام خاصاً للزهاد والسالكين على مرّ الأزمنة ويكاد لا ينعقد مجلس أو يجتمع أشخاص على الذكر أو التباسط في شأن السلوك وآدابه إلا وحضر اسم إبراهيم بن أدهم وحكايته ليصبح هو الموضوع، وقلّما ذكرت حياته ومسيرته الشاقة في التقرب من الله والزهد بالدنيا من دون أن يثير ذلك أرق الأحاسيس ويستدر الدموع من مآقي الجالسين لشدة ما يكتنف تلك القصص من قوة العبرة وعظمة المثال. فمن هو هذا الرجل وما هو سرّه وكيف عاش حياته، وما الذي تحمله حياته الزاخرة بالمجاهدات من عبر وموعظة لأهل هذا الزمان؟

أجرى بعض المؤرخين مقارنة بين مثال ابن أدهم الذي تخلى عن الملك والجاه ليختار طريق العبادة والفقر وبين مثال البوذا الذي اختار أيضاً وبعد سلسلة من التجارب والملاحظات طريق التزهد والتأمل تاركاً وراءه حياة الملوك والقصور والخدم والحشم. وهناك بالطبع القصة المروية عن القديس فرانسيس الأسيزي الثري الإيطالي الشاب الذي ترك أيضاً حياة القصور ليتحوّل إلى زاهد سائح في الأرض ولتصبح حياته مثالاً مضيئاً على المجاهدة وترك الدنيا في سبيل التحقق الروحي.
والملفت أن حياة البوذا وتعاليمه تحوّلتا إلى تيار روحي كبير ومدرسة في السلوك يتبعها الملايين من أهل البلاد الآسيوية كما تحولت حياة القديس فرنسيس إلى الرهبانية المعروفة بإسم “الفرانسيكان”، أما إبراهيم ابن أدهم فقد عاش ومات بعد توبته فقيراً مغموراً لكن حياته تحولت لحكمة ربانية، إلى معين لا ينضب لحكايات الزهد والمجاهدة في التقرّب من الله وباتت أقواله قاموساً طويلاً من المواعظ والنصح والحكم البليغة يستلهمها من أراد ويتخذ منها السالكون مهمازاً لمضاعفة الجهود والتوبة عن الغفلة والجد في السير.
أبرز ما يلفت في قصة إبراهيم بن أدهم هو غياب التسجيل الموثق لحياته واختلاف الروايات حول حقيقته وظروف نشأته وصعوده إلى الملك، كما تختلف الروايات بشأن الأسباب التي أدت إلى توبته وتحوله إلى حياة الفقر والزهد والتعبد. حتى ظروف موته والمكان الذي يرقد فيه تضاربت حولهما الآراء وإن كان من المرجح أنه عاش أيامه الأخيرة في بلاد الشام وتوفي فيها في مدينة جبلة في الشمال السوري حيث يقع مقامه وسط جامع بني على اسمه في تلك المدينة الساحلية الوادعة.
لكن اختلاف الروايات حول حياة هذا الزاهد الكبير قد يكون فيها حكمة أيضاً لأنها حولت حياة الرجل إلى مدرسة روحية زاخرة بالدروس والأمثلة وجعلت منه بالتالي شخصية تاريخية هي في الواقع مزيج من حياته ومن الأمور والكرامات والأقوال الكثيرة التي نسبت إليه باعتبارها تليق به وتنسجم مع المثال الفريد الذي قدمه للأجيال.
إن قوة المثال في قصة إبراهيم بن أدهم، كما في حياة البوذا والقديس فرانسيس وأمثال هؤلاء الرجال تكمن في الشجاعة الاستثنائية التي تتطلب من أي إنسان التخلي عن الملك والجاه والسلطان والتحول إلى حياة الفقر والزهد والسياحة في أرض الله الواسعة. وقد أنعم الله على الفقراء وأهل البساطة في العيش بأن أبعد عنهم مفاسد الدنيا ومباهجها ولهذا فإن اختار أحدهم طريق الزهد في الدنيا فإنه لن يلاقي كبير صعوبة لأنه إنسان خفيف الحمل لا يقيده إلى هذه الفانية شيء. لكن أن يمن الله على الملوك وعظماء الناس بما يجعلهم يستفيقون فجأة ويرمون عنهم أثقال الملك والسلطان ليتحولوا إلى طريق الفقراء فإنه يبدو في نظر العامة مجافياً للطبيعة الإنسانية ويجبرهم على التفكر والتأمل ويحمل لهم درساً بليغاً لأنفسهم. كأن الله تعالى يصطفي هذا النوع من الرجال لكي يوقظوا الناس من غفلتهم بهذا النوع من التضحيات الكبرى، وهذا المثال الحي لرجال صدّقوا بأن الحياة الدنيا لا تساوي فعلاً جناح بعوضة وعملوا بما صدقوه. وقد يكون في مقدور الندرة من الرجال الاقتداء بإبراهيم بن أدهم، لكن المثال الذي قدمه في حياته يبقى في حد ذاته تعليماً حياً ومثالاً صادماً لكل من “كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ” (ق:37).

نسبه وصعوده إلى الملك
هو ابن إسحق إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر وقيل ابن عامر – العجلي التميمي – فهو عربي كريم الحسب.
ولم يحدد الرواة سنة ميلاده واختلفوا في مسقط رأسه فمنهم من قال بأنه ولد في بلخ في ما هو اليوم أفغانستان، ومنهم من قال بمولده في مكة حين كان والداه يحجان وأن أمه طافت به في المسجد الحرام قائلة للناس : “أدعوا لابني أن يجعله الله رجلاً صالحاً”.
واختلف الأمر كذلك في حال أبيه فذكر بعض المؤرخين أنه كان شريفاً وثرياً من أثرياء بلخ وروى البعض أنه كان أميراً عربياً على خراسان وأنه ورث الإمارة من أبيه، وأن الإمارة قد سعت إليه دون رغبة منه، ونسجت حول ذلك رواية لا تخلو من الطرافة جاء فيها أن أدهم (والد إبراهيم) مرّ ذات يوم ببساتين بخارى وتوضأ بأحد الأنهار التي تتخللها، فإذا بتفاحة يحملها ماء النهر فأكلها، ثم وقع في خاطره من ذلك وسواس فذهب يستحلّها من صاحب البستان، فقرع بابه، فخرجت إليه امرأة، فقال لها: “ادعي صاحب البستان”، فقالت: “إنه لامرأة”، فقال: “استأذني لي عليها، ففعلت . فأخبر المرأة بخبر التفاحة فقالت له: إن هذا البستان نصفه لي ونصفه للسلطان، والسلطان مقيم في بلخ، وهي على مسير عشرة أيام من بخارى”، وأحلته المرأة من نصفها. وذهب إلى بلخ.
واعترض السلطان في موكبه، وأخبره بأكله للتفاحة واستحلّه، فأمر السلطان أن يعود إليه في الغد. وكانت له ابنة بارعة الجمال، وقد خطبها أبناء الملوك فتمنعت بسبب ميلها إلى العبادة وإتباع الصالحين، فلما عاد السلطان إلى مقرّه أخبر ابنته بخبر أدهم فأبدت رغبتها في أن تتزوجه، فلما أتاه في الغد قال له: “لا أحلّك إلا أن تتزوج ابنتي، فانقاد لذلك بعد تمنّع. ولما دخل عليها عمد إلى ناحية من البيت، وأقبل على صلاته حتى أصبح – ولم يزل كذلك سبع ليال”. ثم تزوجها وقام فاغتسل وصلى ومات أثناء صلاته، فحملت منه إبراهيم. ولما لم يكن للملِك ولد فقد انتقل المُلك بوفاته إلى حفيده إبراهيم.

جامع ومقام إبراهيم بن أدهم في جبلة-سورية
جامع ومقام إبراهيم بن أدهم في جبلة-سورية

سبب توبته
إذا كانت الروايات تختلف كثيراً حول نسب ابن أدهم وظروف صعوده إلى الملك فإن هذه الروايات تتعدد أكثر عند الحديث عن توبته إلى الله واتخاذه طريق الزهد في الدنيا. لكن وبغض النظر عن السبب الذي أوقظ ابن أدهم ودفعه لترك الملك والدنيا فإن كلا من تلك القصص يحمل الكثير من الدروس لنا نحن أهل الدنيا خصوصاً في هذا الزمن الذي باتت فيه الدنيا مشغلة الناس ومصدراً للمفاسد من كل نوع. وبهذا المعنى فإن كلاً من الروايات المتداولة حول توبة ابن أدهم صالح لأن يكون هو سبب التوبة، كما أنها جميعاً صالحة ولا فرق بين أي منها لأن المهم هو التفكر في تلك الروايات وأخذ العبر منها.

الهاتف الذي أوقظه من غفلته
من أكثر الروايات شهرة حول تزهّده ما أورده ابن عساكر من أنه خرج مع بعض أصحابه إلى الصيد، وبينما كان يكرّ ويفرّ جاداً في أثر أرنب يروم رميه، إذا بهاتف من وراء الغيب يناديه بإسمه قائلاً : ” يا إبراهيم ! ( أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً، وإنكم إلينا لا ترجعون ) يا إبراهيم ! ألهذا خلقت أم لهذا أمرت بها؟ فلم يبالِ في بادئ الأمر. فعاوده الهاتف ثانية وثالثة . فشد لجام فرسه ووقف حائراً من شدة الجزع. ثم هتف به المنادي الخفي للمرة الرابعة . فآمن آنئذٍ أنه صوت الحق ونذير من ربّ العالمين , واطمأنت نفسه من بعد اضطراب, فرجع إلى أهله , ثم جاء إلى راعٍ لأبيه فألقى إليه ما يلبس من حلل الإمارة وحليّها, و أخذ منه أسماله ولف جسمه بها وهام على وجهه.

قصته مع الشيخ الغامض
وفي رواية ثانية أنه كان يوماً في مجلس العرش محاطاً بالأمراء والوزراء وأفراد الحاشية عندما دخل على الجمع شيخ ذو هيبة ألقت الرهبة في قلوب الجمع حتى أن أحداً لم يجرؤ على سؤاله عن هويته أو كيفية دخوله إلى هذه القاعة المحاطة بكل أنواع الجند والحرس. وقد تمالك السلطان ابن أدهم نفسه وسأل الرجل: ما الذي أتى بك إلى هذا المكان؟ أجاب الشيخ: (الذي يقال أنه سيدنا الخضر عليه السلام متنكراً في تلك الهيئة) إنني أبحث عن نزل لأبيت فيه. أجاب ابن أدهم متعجباً:”هل يبدو لك هذا المكان نزلا؟” عندها سأله الشيخ: هل هذا المكان خاصتك؟ قال ابن أدهم: نعم. أردف الشيخ سائلاً: ولمن كان قبل ذلك؟ قال ابن أدهم كان لجدي. سأل الشيخ: ولمن كان قبل ذلك؟ قال ابن أدهم: بالطبع لمن سبقه. عندها قال الشيخ: أرأيت الآن أنه نزل، إذ أن ساكنيه يقيمون فيه لبعض الوقت ثم يغادرونه. ويقال إن هذه الحادثة والدخول الغامض لهذا الشيخ كان لهما أثر فوري وبليغ في حياة ابن أدهم الذي انتبه آنئذ إلى المغزى العميق لكلام الشيخ وقرر التخلي عن الملك والبحث عن الديمومة الحقيقية في عالم الروح.

حادثة إيقاظ الملائكة له في قصره
وتُنسب توبة ابن أدهم إلى حادثة مختلفة جاء فيها أنه كان يوماً نائماً في قصره عندما سمع وقع أقدام (قيل أنهم ملائكة) فوق سطح القصر وهو أمر بدا غريباً على الرغم من الحرس الذي ينتشر في المكان. هتف ابن أدهم قائلا: أيها الطارقون في هذا الليل من أنتم وما الذي جاء بكم إلى سطح القصر؟ فجاءه الجواب:”إننا نبحث عن جمل لنا فقدناه” أجاب ابن أدهم مستنكراً:” وهل تتوقعون فعلاً أن تجدوا جملكم فوق أسطح المنازل؟ وكم كانت دهشته كبيرة عندما جاءه الردّ بالقول: “وهل تتوقع أنت أن تجد الطريق إلى الله في القصور ووسط أبّهة السلطان؟”.
في قصة مختلفة عن توبته جاء في بعض الروايات أنه كان في رحلة صيد وكان العديد من غلمانه يتقدمون الموكب حاملين عصياً من ذهب يبعدون بها الناس عن طريق موكب السلطان. في تلك الأثناء لاحظ الجمع أن شيخاً جليلاً وضع كرسيّه في وسط الطريق وجلس غير مبال. فتقدم الجند منه وسألوه لمَ جلوسك هنا ألا تعلم أنك تعترض طريق الملك؟ عندها أجاب الشيخ: تقولون ملكاً؟ ويلكم لا تقولوا الملك ولكن قولوا المملوك العبد الخاطئ الفقير، الحقير، الذليل، العاصي. وانشد يقول شعراً:
ليـــس مُـــلكٌ يـــزيله الموت مُلكــــــا انمـــا المُـــلك مُـــلك مـــن لا يموت

فلما سمع إبراهيم كلام الشيخ علم أنه من الصالحين وأنه أرسل إليه ليبلغه أمراً من عالم الحق فهرع إليه وقال له: أيها الشيخ بمَ يصل العبد إلى الكل؟ قال الشيخ “بترك الكل”. فرجع السلطان ابن أدهم عن الطريق ودخل قصره وأمر بغلق الأبواب وتضرع ثلاثة أيام بلياليها ثم خرج على الناس قائلاً: أنا عبد فقير عاص لمولاه ذليل، حقير، وقد زهدت في الدنيا ولذاتها وعزمت على تركها وسلوك طريق الحق.

من أقواله

– ذهب السخاء والكرم والجود والمواساة، من لم يواس الناس بماله وطعامه وشرابه فليواسهم ببسط الوجه والخلق الحسن.
– إياكم والكبر والإعجاب بالأعمال ومن ذلل نفسه رفعه مولاه، ومن خضع له أعزّه، ومن اتقاه وقاه، ومن أطاعه أنجاه.
– اطلبوا العلم للعمل فإن أكثر الناس قد غلطوا حتى صار علمهم كالجبال وعملهم كالذر.
– ما صدق الله عبدٌ أحبّ الشهرة بعلم أو عمل أو كرم.
– من عرف مطلوبه هان عليه ما يبذل.
– ما قاسيت في الدنيا شيئاً أشد علي من نفسي، مرة علي، ومرة لي. وأما أهوائي فقد استعنت بالله عليها واستكفيت سوء مغالبتها
فكفاني والله ما آس علي ما أقبل من الدنيا ولا ما أدبر منها.
– كل سلطان لا يكون عادلاً فهو واللص سواء، وكل عالم لا يكون تقيًّا فهو والذئب سواء، وكل من ذلّ لغير الله، فهو والكلب سواء.
– ما لنا نشكو فقرنا إلى مثلنا ولا نسأل كشفه من ربنا.
– كان أكثر دعائه: اللهم انقلني من ذلّ معصيتك إلى عزّ طاعتك.

قصته مع صاحب البستان
من الروايات الذائعة عنه بعد توبته وتزهّده أنه سار يوماً إلى المدينة فالتقى برجل ضرير تعلّق به وطلب منه بإلحاح صدقة يحصّل بها قوت ذاك النهار. ولما كان إبراهيم فقيراً لا يملك شيئاً فإنه قال له: يا صاحبي إنني لا أملك شيئاً ولكنني أقترح عليك أن تصطحبني إلى السوق وتبيعني وتنتفع بثمني. وبالفعل أخذ إبراهيم بيد الضرير وتوجه إلى السوق حتى وجد أحد كبار التجار الذي اشتراه بخمسة دراهم عارضاً على إبراهيم أن يستعمله عنده لبعض الوقت ثم يطلقه. وقبض إبراهيم الثمن ودفعه إلى الضرير ثم سأل التاجر في أي شيء تود أن تستعملني يا سيدي؟ قال التاجر: إن لي بستاناً وفيه تل تراب، إن نقلته عتقتك. وصدم إبراهيم عندما وجد أن البستان فيه تل كبير لا يمكن حتى لعشرات الرجال نقله حتى ولو عملوا أسابيع بل أشهراً. لم يجزع وقال: “لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، استعنت بالله على هذا الأمر”، ثم قال للتاجر آتني بزنبيل ومجرفة وقرص شعير. ثم بدأ في نقل تل التراب بالمجرفة والزنبيل وأمضى يوماً كاملاً في العمل حتى إذا اتكأ طلباً لبعض الراحة أخذته إغفاءة في ظل شجرة. وكان في المكان أفعى سامة تقتل أياً من العمال الذين يحاولون العمل على نقل التراب. ولكن عندما اتكأ إبراهيم وأخذته إغفاءة جاءت تلك الأفعى وفي فمها عرق من ريحان وجعلت تهشّ الذباب عنه، كما أنه وفي ذلك الحين أيضا وأثناء نومه انتقل تل التراب بقدرة المولى تعالى. وجاء التاجر ورأى العجب العجاب. تل التراب انتقل بكامله والأفعى السامة تقف فوق وجه إبراهيم تهش عنه الذباب. صعق وصاح صيحة أوقظت إبراهيم من غفوته ليجد السيد في حالة من الدهشة والخوف. قال له ما الخطب يا مولاي فهل رأيت مني ما يسوءك؟ قال التاجر: أيها العبد الصالح لا تقل لي مولاي بل أنت مولاي وأنا المملوك، فبالله قل لي من أنت وما هو سرّك؟ أجاب إبراهيم بتأدب: يا مولاي ما كان بيننا أنه إذا فرغ التراب تعتقني وقد زال التراب بقدرة الله تعالى. قال له التاجر: بل أقسمت عليك أن تنبئني من أنت؟ قال إذا قلت لك تعتقني؟ قال أنت حر لوجه الله تعالى، فقال أنا إبراهيم ابن أدهم. قال التاجر: كل شيء معي من بعض إحسانك وإنني قد اشتريت مئة مملوك وكنت مسافراً بهم إلى بعض أقطار ملكك، وأشهدك الآن على أنني أعتقتهم كلهم لوجه الله تعالى.

ضريح إبراهيم بن أدهم
ضريح إبراهيم بن أدهم

سلوكه وأبرز خصاله
من أبرز خصال إبراهيم بن أدهم أنه وهو الملك العزيز الواسع الثراء لم يعتمد في عيشه على الآخرين، بل كان يأكل من عمل يده، ويعمل أجيراً عند أصحاب المزارع، يحصد لهم الزرع، ويقطف الثمار ويطحن الغلال، ويحمل الأحمال على كتفيه، وكان قوي البنية نشيطاً في عمله حتى أنه، وفق بعض الروايات، حصد في يوم ما يحصده عشرة رجال، وكان في أثناء حصاده ينشد قائلاً: “إتَّخِذِ اللَّه صاحباً… ودَعِ النَّاسَ جانباً”.
وفي هذا التحول فضل عظيم لأنه كان في إمكانه وهو الملك ذو الجاه أن يتنسك في صومعة وأن يعيش من بعض ما عنده أو ما يتفضل به الناس الذين كانوا يجلّونه ويتشوقون إلى نيل البركة عبر خدمته، لكن إبراهيم بن أدهم أراد أن يضرب أولاً مثالاً على قهر النفس، وذلك عندما ألزم نفسه التي كانت في صدره على أن تستبدل أنفة الملك بالخضوع والقبول بخدمة الناس، ربما في سعي منه للتطهر مما اعتبره آثام الماضي . أما المثال الثاني الذي يقدمه هذا الناسك الكبير فهو إن الزهد في الدنيا يجب أن لا يعني التواكل والإعراض عن طلب الرزق، وأن اكتساب فضائل السمو الروحي يجب أن يحصل عبر اختبار النفس في علاقتها بالآخرين وليس في الهرب من مواجهتهم والصبر عليهم.
ساح إبراهيم في الأمصار الإسلامية ، فجاب خراسان والعراق وقصد الحجاز فزار قبر الرسول الكريم وعرج على مكة المكرمة فحجّ وصحب في مكة سفيانا الثوري والفضل ابن عياض ، وقيل أنه قدم مصر ومرّ بالإسكندرية ثم صار إلى بلاد الشام ونقل عنه بأنه كان يردّد دائماً قـــولــه “ما تهنيت بالعيش إلا في بلاد الشام أفر بديني من شاهق إلى شاهق فمن رآني يقول حمال وموسوس”. طاف في بلاد الشام في سهولها وجبالها ومدنها وقراها، وزار بيت المقدس، وقيسارية وغزة، وطبرية والرملة وعكا، وعسقلان، والناقورة وأقام بعض الوقت في صور وصيدا وبيروت، والتقى في الأخيرة الإمام الأوزاعي وصحبه وزار الأردن وقضى مدة من الزمن في دمشق وحمص والرستن ورابط في إنطاكية ومرعش والمصيصة وطرسوس وسوقين وفي بعض العواصم والثغور الأخرى مجاهداً ضد البيزنطيين، ويبدو أنه ألقى عصا الترحال في الساحل السوري ولا سيما في جبلة قبل أن يلقى وجه ربّه الكريم في سنة 162هـ. (777 ميلادية) ودفن فيها وأقيم له فيها مقام ومسجد كبير بإسمه يقصده الناس من جميع الأمصار وهو أحد أبرز معالم مدينة جبلة التاريخية.

صالح بن يحيى وحمزة بن سباط

صالح بن يحيى وحمزة بن سباط
مؤرِّخـان أضــــاءا تــــــــاريخ لبنـــــان الوسيــــط

التاريخ المدوّن عن دور الدروز في لبنان والمنطقة
لا يتناسب مع دورهم الحقيقي خلال نحو ألف عام

مؤرخو لبنان أعطوا أهمية لا تستحقها لأحداث 1860
وتجاهلوا العصر التنوخي الذهبي قبل حكم فخر الدين

لاَ يتناسَب الإسهامُ المدوّن للدّروز في التاريخ اللبنانيّ إطلاقاً مع دَوْرهم الحقيقي والفاعل خلال ما يزيد على الألف الأخير، ذلك أن حجم الكتابات الدرزيّة في تاريخ لبنان لاّ يتعدَّى الخمسة في المئة ممّا كتبَه الموارنة في هذا الموضوع على المثال، وهذا على الرغم من الدَّور القياديّ الذي اضطلع به الدروز خلال ما يزيد على ثمانيَة قرون من حكم لبنان، فضلاً عن دَوْرهم الحاسم والجوهريّ في وضع أسس الكيان اللبناني وإخراج ملامحه منَ القوَّة إلى الفعل عبر التاريخ، وكل هذا يستحقّ بالطبع ما هوَ أكبر بكثير من ذلك التدوين الشحيح الذي يدعو بحقّ إلى الكآبة والأسَف.
الأهم من ذلك هو أن تلك الفجوة الفاغرة في تأريخ دور الموحدين الدروز فتَحَت المجالَ واسعاً أمام تأريخٍ غير متوازن أفسح في المجال لقيام تاريخ غير متوازن فَاُهْمِلَتْ حقائق أساسية على حساب حقائق اُخرى، وهُـمِّشَتْ أحداث كبيرة بينما زِيدَ بصورة غير مبررة في قيمة أحداث لا تُضاهيها من حيث الأهميَّة والتأثير، واستُـثْمِرَت السّلبيَّات في تاريخ لبنان على حساب إيجابـيَّاته، وأكبر مثال على هذا حَوادث 1860 الأهلية. فقد اُلِّفَ فيها قديماً وحديثاً، وطُبِعَ واُعيدَ طباعة العَشرات منَ الكتُب والمقالات أكثر بكثير ممَّا اُلِّفَ مثَلاً حول العهد التنوخي أو المعني قبل حُكم فخر الدِّين الكبير وغيرهما، فَاُعيدَ تذكير اللبنانيـين مراراً بالمـَذابح الطائفيَّة في مقابل طمس صَفَحات ناصعَة من تاريخ لبنان سادَها التعايُش الأخَويّ والتَّوَحُّد الحكيم بينَ مختلَف مكونات البلد، وكأنـَّهُ يحلو لبعض اللبنانيـين الـمُشارَكة الدائمة في الطقس الإحتفالي الوَثني أمام مَذبح ” تيفون” الطائفي، مُساهَمة منهُم في الأسطورَة التي ألْهَبَت مُخَيَّـلَةَ الجَميع عن المؤامَرة المحُوكَة على لبنان. مقابل هذا النّزوع إلى “أدلجة” التاريخ، فإنَّ وثيقةً تاريخيَّة درزيَّة هي مخطوطة حمزة بن أحمد بن سباط الَّذي انتهى من تدوينها العام 926 هـ. (1520م)، تقدِّم لنا فسحة ضوء حقيقيَّة تخوِّلنا الاطّلاع على تفاصيل دقيقة من مرحلةٍ تاريخيَّة قلَّت مصادرُها في ما يتعلَّق بأحوال جبل لبنان.
وَلاَ بُدَّ لَنَـا قبلَ الحديث عن أهميَّـتها أن نَـتَحدَّثَ عن تاريخ الأمـير صالح بن يحـيى البحتري الذي سَبَق ابن سباط ومَهَّـدَ لَـهُ الطَّـريق.
“تاريخ بيروت” للأمير صالح بن يحيى
تُعْـتَبَر أخبارُ السَّلَف من ذُُرِّيـَّـة بحـتر بن علي أمير الغَرب في بيروت وثيقَة تاريخـيَّة عَزَّ نظيرُها، جَمَعَها ودَوَّنـها أحَدُ أبنَـاء تلكَ الذُرِّيـَّة النيِّـرين، الأمير صالح بن يحيى في النِّصْف الأوَّل منَ القرن التاسع للهجْرَة ( الخامس عَشَر للميلاد).
وتَعودُ أهَميَّـتُها البالغَة إلى كوْنها الروايَة المفَصَّلة الوحيدة التي تحفَظ لنا روايات شَفهيَّة ومُستنَدات خطِّـيَّة ومَرْويَّات عيانيَّة تعودُ كلُّها إلى حقبَة “مُظلمة” من تاريخ بيروت وما جَاوَرها في ذلكَ العَصر.
لقَد كانَت بيروت واحدَة من أربَع مناطق أو ولايات تألَّفَت منها “الصفقَة الشماليَّة”التي كانت بدَوْرها واحدَة من أربع “صَفقات” تُمثِّلُ بمَجموعها كبرى مقاطَعات”الممالك الشَّاميَّة” في أيـَّام المماليك”مَملكَة دمشق”(راجع مقدّمة الكتاب د. الصليبي). وَكانَت بيروت تُعتَبَر منَ المناطق الريفيَّة التابعَة لتلكَ المَملَكة آنَذاك، وقَد اكتنَفَ الغُموض التاريخ الوسيط لهذه المَناطق التي حَكَمتْها” اُسَرٌ منَ الأُمَرآء والمقدَّمين التقليديـين”.
كانَ من حسْن حَظِّ آل بُحتر التنوخيـّين الذينَ حَكموا ولايَة بيروت لفترَة طويلة أن يخلِّدَ أخبارَهُم مُؤَرِّخُهُم الأمير صالح فَحفظَ لنا بعَمله سجِلاًّ حافِلاً أصبَحَ مَصْدَراً أساسياً للدَّارسين والباحثين المُختَصِّين.
ولاَ تقتصرُ أهميَّةُ هذا المصدر على ناحيَةٍ واحدَة من أبواب البَحث، وإنَّما تَـتعدَّاها إلى مواضيع ذَكرتها المُقدِّمَة الفَرنسيَّة للنَّصِّ المُحَـقَّق. فهُوَ واحد منَ المصادر النَّادرَة التي تتيح للباحث اسْتشْفاف جذور لبنان المُعاصر في القرون الوسطى. ذلكَ أنَّ المعرفَة بأوضَاع الأَرياف اللبنانيَّة- السُّوريَّة في ذلكَ الزَّمان مَعدومَة دونَ هذا التَّاريخ. كما أنَّ مَرويَّاته تُغطِّي المَرحَلة الكبيرَة التي شهدَت مُنطَلَقات الإمارَة الدِّرزيَّة وبداياتها، ومن ثمَّ قدرتها الحفاظ على حُكْمٍ ذاتيٍّ بعدَ أنْ ضَمَّتْ إليْها الجزء الأكبَر من جَبَل لبنان. ويستطيعُ الباحثُ أيضاً أن يرصدَ في تفاصيل هذا التاريخ سجِلَّ العلاقات التي كانَت سائدَة بينَ البحتريـّين وحُكَّام دمَشق آنَذاك، فَضْلاً عن الوثائق المَوجودَة في مَتنه، كما أنه يُمَكِّن من دراسة التـنظيم الإداري في المُقاطَعات الأيوبـيَّة والمَمْلوكيَّة، وَالتـنْظيم الإقطاعي والعَسكري في البلاد.
ربَّمَا كانَ تاريخُ الأمير صالح بن يحيى المُصَنَّف الدِّرزي الوحيد المَعروف خلال خمسة قرون تلَتْ نشوء المَذهَب التَّوحيديّ. ومنَ المعروف أنَّ ذَلكَ المَذهَب اتَّخَذَ مَنحًى تأويلـياً لآيات القرآن الكريم اسْتناداً إلى نَظريَّة الإمامَة. وقد ارْتدَّ عن تعاليمه بعضُ كبار دُعاته وشوَّهوا مقاصدَه قوْلاً ومُمارَسَة، ففتحوا المجالَ واسعاً لإلصاق التـُّهَم الزّائفَة به، وتشويه حقائقه وإطلاق التفاسير المَغلوطَة حَولهُ، ولاَ شأن لها به لا من قريب ولاَ من بعيد. لم تؤَثِّـر تلكَ الرّدَّة على خَطِّ مسَاره الأصيل، بل قُضيَ عليها بالسَّيف حيناً وبالمَوعظة الحَسَنة أحياناً كثيرة. ولم تعرف الطَّائفة مذَّاك اختلافاً كبيراً أو صغيراً حولَ نهجها الفكريِّ الْمُتَّـبَع، وذلكَ يعودُ في الدَّرَجة الأولى إلى فَضيلَة التَّخيـير الْمُتَّـبَعَة في أمور المَسلك والعقيدَة. فالمَسلكُ التَّوحيديُّ يجتهدُ ليتكامَلَ مع جسم الأُمَّة وَرُوحها ويُحافظ على حُرِّيـَّة الغَوْص والتَّحَـقُّق في العبادات على مثال الصُّوفيَّة الشَّرعيَّة التي خَطَّتْ صَفحات ذهَبيَّات في التراث الإسلامي العريق. وأصبَح من ثوابت الأُمور في تاريخ لبنان، ومنذ القَرن الحادي عَشَر الميلادي (الخامس للهجرَة)، أنَّ الطَّبَقة السِّياسيَّة الدِّرزيَّة أخَذَت على عاتقها مَهاماً ومسؤولـيَّات هيَ في مَحصولها الأكبَر لصالح الدُّوَل والقوى المُتعاقبة التي ادَّعَتْ كلٌّ بدَوْرها تمثيل الأُمَّة والجَماعَة. وكانَت المحَصّلة الأساسيَّة لتَدخُّلات العُقَّال (رجال الدِّين) لصالح المَواقف الدَّاعمَة للوحدَة الدَّاخليَّة للطائفَة من جهَة، وللتَّوَحُّد مع المَوقف العام الذي تَـتَّخذُهُ القوى المُمَثِّلَة للجَماعَة من جهَة اُخرى. ويَـبْدو هذا الثَّابت صَحيحاً في الحقَب البحتريَّة والتنوخيَّة والمَعْـنيَّة، مع استـثناء فترة حُكم الأمير فخرالدِّين المَعني الثَّـاني الكبـير.
وإذا افتَرَضنا رَسماً بيانياً تَـتمَثَّلُ فيه التوَجُّهات العامَّة لنصِّ الأمير، وَجَدناهُ يتألَّفُ من خَطَّيْن متوازيَـيْن لاَ يتقاطعان، بل يُسايرُ أحدُهُما الآخَر من بداية الأحداث إلى آخرها. فنحنُ هنا أمام تاريخ لطَـبَقتَيْن، تُواكبُ الأولى منهُما الأحداثَ السياسيَّة والعسكريَّة والإداريَّة في علاقاتها بالولاة والقوى الْمُتغيِّرَة، في حين نجدُ الثانيَةَ تغوصُ في زُهدها وصُوفـيَّتها باحـثةً لنفسها- إضافةً إلى عُلوم الدِّين- عن عالَمٍ ثقافيٍّ في اُمَّهات الكتُب التراثـيَّة بروح التَّبَعيَّة للأصُول من غير انشقاقٍ أو قطيعَة.
وأمَّا العلاقَة بينَ الطَّبَـقتَيْن فنجدُها مَبنيَّة على التواصُل الأكيد والدَّعم الرَّزين لتَوَجٌّهٍ عَام ثابت نحوَ الوحدَة والتوَحُّـد.
وهذه ميزةٌ ذات طابع درزيّ يحْظى بها تاريخُ الأمير صالح بن يحـيى لم تُستَـثمَر بعد في الدِّراسات والأبحاث التاريخيَّة. ولهذه الميزة بُعدٌ مهم آخَر، فهيَ تُظهر لنا من خلال استقراء منهجيّ للنُّـبَذ الـمُثبتَة، إرهاصات الحَرَكة الثقافيَّة الخطيرة الشأن التي سيقوم بها الإمامُ التَّوحيديُّ الكبير الأمير السيِّد جَـمَال الدِّين عبد الله التنوخي في أواسط القرن التاسع للهجرَة (الخامس عشَر للميلاد).
إنَّ مَسلكيَّةَ الأمير السيِّد الاجتماعيَّة، فَضْلاً عن أعماله الفكريَّة والمَدرَسَة النشيطَة التي كوَّنَها، تُمَـثِّلُ حَرَكةً نهضويَّةً كانَ لها أبعد الأثَر وأخطره على المُجتَمَع التَّوحيديِّ في “جزيرة الشَّام” كلِّها. وقد أصبَحَتْ بفعل هذا الأثَر مثالاً يُحتذَى طوال خمسة قرون ونيف، ذلكَ أنَّ الأهميَّة الجَوهريَّة التي يحظى بها روحياً واجتماعياً تزدادُ قيمتُها مع تقدُّم الزَّمَن وليسَ العكس.

“صدق الأخبار” لحمزة بن سباط
توفِّيَ الأمير صالح وما زالَ الأمير السيِّد في ريعان عمره، وفي كلِّ حال فهُوَ لم يتعرَّض في كتابه لتَرجَـمَة مُعاصريه الأحياء، لكنَّ أعمالَه التاريخيَّة أثارَت انتباهَ البعض في مُجتمعه لأهَميَّة التَّدوين والتأليف. فأتى بعدهُ مُباشَرة مَن سارَ على خطاه وصَنَّفَ تاريخاً لاَ يقلُّ شهرَة عن وثيقة سَلَفه، وهو كتاب “صدق الأخبار” لحَمزَة ابن الفَقيه أحـمَد بن سباط الآنف الذّكـر.
اعتَمَد ابنُ سباط على تاريخ الأمير صالح بشكلٍ أساسي، فاقـتَدى بفكرته، واتَّـبَعَ نهجَه، وسلَكَ خطاه. أكثر من هذا، لَخَّصَ العديدَ من فقراته مُرتكزاً على تَسلسُل البطون والأفخاذ كما رتَّبَها سلَفُه. وأكملَ، اعتماداً على هَذَين الطَّريقة والأسلوب، سردَ أخبار الذّريَّة التنوخيَّة، فغطَّى بذلكَ الحقبَة الأخيرَة من عهد المماليك، وأنجَزَ عمَلاً لهُ أهميَّته على صَعيدَيْن: الأوَّل منهما يتعَـلَّقُ بالتاريخ العام للمنطقة حيث يَحْظى نصّ ابن سباط بقيمَة تُوازي التي لنَصِّ الأمير صالح بنَوعيَّة المادَّة وإنْ كانَت لاَ تُضاهيها بالشّمُول أو التَّوْثـيق والاتِّسَاع.
والثاني منهما- وهوَ الأهَمّ- يتعلَّقُ بتاريخ الفَترَة الذَّهَبـيَّة للنَّهْضَة التوحيديَّة التي كانَ رائدُها الأميرُ السيِّد إمام عبَيه والغَرب، ومن ثُمَّ إمام “الجَزيرَة” كلِّها.
لقَد كانَ أحـمَد بن سباط والد حَمزة المُـؤَرِّخ “منَ التلاميذ، وكانَ فقيهاً،همَّاماً فطناً، بارعاً. علَّمَ جَـمَاعةً كثيرةً وذاعَ خبَرُه بالتَّـعليم وكانَ خَطيبَ جَامع قرية عبَـيه” (كما ورد في النص).
وقد توفِّيَ المُصلحُ الكبير وحَمزة لَمَّا يزل فَـتياً نابهاً، فقد رثاهُ بقصائد كما ذَكَر هو في تاريخه. وقد أتاحَت هذه المُعاصَرَة لحَمزة أن يكتبَ لنا سيرةَ الأمير مَصْدَراً رئيساً وحاسماً في دراسة البيئة الفكريَّة والإجتماعيَّة التي كانت سائدَة في ذلكَ العَصر، وما قامَ به الأميرُ السيِّد من نهضة خلَّفَت آثاراً جوهريَّة ما زالَت تشعُّ حتَّى يومنا الحاضر.

الأسطول الفرنسي يدخل بيروت بعام 1860 بحجة حماية المسيحيين

توَقَّـفَ تاريخ الأمير صالح العام 840 هـ، ثمَّ أضافَ إلَيه ذَيْـلاً امتَـدَّ تاريخُه إلى 857 هـ. وأمَّا ابنُ سباط فإنهُ أكملَ ذلكَ التاريخ وتوقَّفَ في سَنة 926هـ. وتميَّزَت تلكَ الفَترة طوال النصف الأخير منَ القرن التاسع والربع الأوَّل منَ القَرن العاشر الهجريَـين بأنها الفترة الذَّهَبيَّة في التُّراث الثقافي الدرزي، فَـترة الأمير السيِّد وتلاميذه. وتأتي شهادَةُ ابن سباط على تلكَ الفَـترة شهادَة مُعاصر يَقِظ أثبتَ لنا في تاريخه أسماء تلكَ الكَوْكَبَة النَّـيِّرَة التي انتَشرَت في طول البلاد وعَرضها في ما سُمِّيَ بـ:”التلاميذ”، وكانَ يليقُ بكُلِّ واحدٍ منهُم كما يظهَر في كتابه، أن يكونَ شَيخَ البلاد وعَيْنها كما هوَ مُتناقَل من أقوال السَّلَف.
إنَّ دراسةَ المواقف الدِّرزيَّة العَسكريَّة وتالـياً السِّياسيَّة، فَضلاً عن مسلكيَّة الموحدين الدروز الثقافـيَّة في ذلكَ العَصر استناداً إلى مَصادر تاريخيَّة درزيَّة لأَمْر ضروريّ في أيـَّامنا هذه، حَيث تشهَدُ سوقُ الكتاب غَمْراً دافقاً منَ المَنشورات التي تَـتنَاوَل الدُّروز فَـيُقابلونها بالتَّبرؤ منها حيناً، وبالتجاهُل والاشمئزاز أحياناً كثيرة. فلقَد تعدَّدَت نداءات المُؤَرِّخين وأصوات المُفَكِّرين لكتابة جديدة لتاريخ لبنان تأخُذ بتَعَدُّد المَصادر في خَلفيَّتها الطَّائفيَّة والحياديَّة لقراءَة ذلكَ التاريخ قراءَةً تعطي لكُلِّ وجهَة نَظَر حقَّها في خدمَة رؤية وَطنيَّة تعمَلُ فعلاً من أجل وحدَة لبـنَان.
وهَل من قيامَةٍ للُبنان من دونَ العَوْدَة إلى حوارٍ بينَ طوائفه يرتقي بها من الذَّاتيَّة الطَّائفيَّة المُنعَزلة إلى الوَطَن الكبير؟ وهَل للُبنَان في ذاته من معنَى إذا نَزَعنا منهُ، من خلال عَشوائيَّة التاريخ السَّائدَة، هيُولاهُ المُكَوَّنة من عيشٍ مُشترَك يبدو لنَا اليَوم وكأنهُ الحُلْم الضّائع في ضَباب التَّعَصُّب والانعزال على الرُّغم من أنه كانَ في حقَبٍ كثـيرة من تاريخه وَاقـعاً سَائـداً؟
في تاريخ لبنان جوانب مُضيئة وأخرى مُظلمة، تَـتَوَهَّجُ الأولى في حاضرنا إذا قَصَدنا لها أن تَـتَوهَّج وتُنـير لنا مَعالم الطَّريق إلى الغَد الأفضَل، بَينما تزيد الثانيَة من هَيَجان ” تيفون” العصبيَّة الطائفيّة إذا كنَّا لاَ نريد أن نرَى في الأمْس الغائب إلاَّ أشباحها ومآسيها.
في كُلِّ حال، يذَكِّرُنا نصّا ابن يحيى وابن سباط بصَفحَةٍ ناصعَة من تلكَ الجوانب المُضيئة في تاريخ لبنان، عسى أن تكون مثل هذه الوثائق التاريخيَّة رافداً ثقافيّاً من أجل إقامَة حوار متوازن في سبيل إعادَة كتابة تاريخ لبـناننا العَزيـز بمنهجٍ حضاريّ.

نصرة دروز لبنان

نصرة دروز لبنان
لثـــــورة 1936 فــي فلسطيــن

المفرزة الدرزية في حملة القاوقجي نالت الثناء
على انضباطها وشجاعتها وكفاءتها القتالية

دروز جبل لبنان لعبوا دوراً مهماً في تسليح الفلسطينيين
وسلطات الانتداب جندت كل قواها لإحباط التهريب

الأمير مجيد أرسلان ينتقد الحكومة بشدة
لمشاركتها في معرض تل أبيب الزراعي

لعب دروز لبنان دوراً مهماً -وغير موثق بصورة كافية- في نصرة ثورة العام 1936 ضد الاستيطان اليهودي والاحتلال البريطاني في فلسطين. واتخذت هذه النصرة شكلين أساسيين: المشاركة المباشرة في الجهاد الوطني إلى جانب الفلسطينيين ثم تنظيم حملات وقوافل لنقل السلاح إلى الفلسطينيين لموازنة عمليات التسلّح الكثيفة من قبل اليهود. في هذه المقالة نعرض لخصائص المرحلة التي كانت تعيشها فلسطين في تلك الفترة ولتفاصيل المشاركة الوطنية والدرزية المهمة بالقتال المباشر والسلاح في تلك الثورة التي أجهضت بفعل القمع البريطاني ومناشدات التهدئة العربية. وكانت هذه آخر الانتفاضات الجادة لمحاولة وقف السيل اليهودي الذي تدفق على الأرض المقدسة بتآمر مشترك من الانتدابين البريطاني في فلسطين والأردن والفرنسي في لبنان وسورية.

بعد استشهاد الشيخ عز الدين القسّام في 19 تشرين الثاني 1935، عادت مجموعته الثورية إلى الجهاد ضد اليهود في أواسط نيسان 1936، فكان ذلك بداية لأكبر ثورة فلسطينية بين الحربين العالميتين، استمرت حتى 1939، وتخللها إضراب شامل، وكان شعار الفلسطينيين فيها، وفي ما سيعقبها من ثورات ومواجهات، عبارات القسّام التي قالها لرفاقه عند استشهاده: “لا تستسلموا. موتوا شهداء”.
لم يواجه الفلسطينيون اليهود فقط، بل واجهوا أيضاً البريطانيين المنتدبين على فلسطين، الآخذين على عاتقهم تسهيل هجرة اليهود وإقامة الوطن القومي اليهودي تنفيذاً لوعد بلفور المشؤوم. لذا كان الفلسطينيون بحاجة إلى المساعدات من الدول العربية. ولقد قدمت لهم القوى الوطنية في هذه الدول، وبخاصة في دول المشرق العربي، النصرة في سنة 1936 بقدر ما تسمح به الظروف والإمكانات، وبقدر الحرية المتاحة لها للتحرّك في إطار الهيمنة البريطانية على العراق وشرق الأردن إضافة إلى فلسطين، والهيمنة الفرنسية على سورية ولبنان، وفي إطار تبعية حكومات تلك الدول للسلطات المنتدبة.
وفي ما يتعلق بلبنان يمكن القول إنه واكب ثورة 1936 وأثّر وتأثر بها، كما واكب وأثر وتأثر بما سبقها وأعقبها من حروب وأحداث مرتبطة بالقضية الفلسطينية بسبب مجاورته لفلسطين وعروبة أبنائه وتوجههم القومي. كما يمكن القول إن نصرته للثورة الفلسطينية جاءت على صعيد شعبي لا رسمي تجلت في إرسال بيانات وبرقيات التأييد، وتشكيل اللجان لجمع الإعانات للمصابين وعائلات الضحايا، وتزويد الثوار بالسلاح والقتال إلى جانبهم، والقيام بالمظاهرات والإضرابات، وتقديم الاحتجاجات على المخطط الصهيوني البريطاني واعتداءات الصهاينة وقمع البريطانيين لانتفاضات الفلسطينيين.
كانت الهيئات الرسمية في لبنان عاجزة آنذاك، ولو أرادت، عن تقديم أي دعم للوطنيين الفلسطينيين، وذلك بسبب هيمنة الفرنسيين على جميع الأمور، وتواطؤهم مع البريطانيين في إقامة الكيان الصهيوني، والاشتراك معهم في تنفيذ المخطط الاستعماري التقسيمي في المشرق العربي. وقد كان دور الهيئات الحكومية التابعة للمنتدب ليس فقط دون المأمول، بل كان أيضاً وفي مجالات عديدة دوراً قمعياً لنشاط تلك التيارات، إضافة إلى اتخاذ بضعة مواقف أخرى تخدم اليهود وتضر بالقضية الفلسطينية. فالحكومة اللبنانية، مثلاً، منعت تظاهر الطلاب لتأييد الفلسطينيين وشجب السياسة البريطانية، بحجة المحافظة على الأمن، كما أنها بالحجة نفسها وبحجة منع الظهور المسلح، تصدّت للجماعات المسلحة التي كانت تقصد فلسطين للقتال إلى جانب الثوار وإيصال السلاح إليهم.

موقف وطني للأمير مجيد أرسلان
وفي الوقت الذي كانت تنطلق فيه الدعوات لمقاطعة البضائع اليهودية والبريطانية، وافقت حكومة أيوب ثابت، في عهد رئيس الجمهورية إميل إده، على حضور لبنان معرض تل أبيب الزراعي في أيار 1936، إبَّان الثورة الفلسطينية، ووافق على هذا الحضور معظم أعضاء المجلس النيابي اللبناني، بحجة أن ذلك يفيد الاصطياف، ويعزز علاقات لبنان مع فلسطين. وقد أشاد أرباب الصناعة في دمشق واللجنة القومية في فلسطين والصحف الوطنية والجماهير البيروتية الإسلامية بموقف المعارضين للاشتراك في المعرض، وبخاصة موقف الأمير مجيد أرسلان، وهاجموا المؤيدين للاشتراك، وبخاصة الرئيس إميل إده ورئيس الحكومة أيوب ثابت. ومما جاء في بيان اللجنة القومية المعمم على الصحف ما يلي:
“إن اشتراك حكومة لبنان في المعرض الصهيوني تعدٍ على قدسية دماء شهداء فلسطين العربية وعلى أية رابطة تربطنا بلبنان. وهي حين تُقدِم بهذا الاشتراك على ما أحجم عنه الأجانب، إنما تتعمد الإساءة إلينا. إن في رسالة رئيس جمهورية لبنان إلى المعرض الصهيوني لروحاً عدائية يجدر بلبنان الشقيق أن يمحو أثرها بالعدول عن الإشتراك في المعرض المذكور”.
وما كان رئيس الجمهورية إميل إده موافقاً على حضور معرض تل أبيب الزراعي فقط، بل هو أبدى، بحسب تصريحه، الارتياح لقيام الوطن اليهودي في فلسطين. فلقد صرّح في 27 حزيران 1937 لجريدة “إيكو دو باري” بما يلي: “إن خلق جمهورية صهيونية ليس من شأنه ألا يسرنا”.

مشاركة الدروز في الثورة
مع اشتداد الإضراب العام في فلسطين حتى توقفه في 12 تشرين الأول 1936، وكذلك انتشار الاضطرابات بين العرب من جهة واليهود والبريطانيين من جهة أخرى، ازدادت حركة الاحتجاجات والاضرابات في المناطق والمدن اللبنانية، وكثرت البرقيات المرسلة من الزعماء والأئمة واللجان الطلابية، والتي تحتج على سياسة السلطة البريطانية، كما نشطت حركة جمع التبرعات لإغاثة المنكوبين العرب بواسطة لجانِ الإعانات المشكّلة في المدن، وبواسطة جريدة بيروت التي افتتحت الاكتتاب لجمع التبرعات. وواكب هذه التحركات المؤيدة والداعمة للثوار الفلسطينيين نقل السلاح إليهم، والتحاق بعض المقيمين اللبنانيين في فلسطين بالثوار، والتحاق العديد من اللبنانيين المقيمين في لبنان بهم. وبفضل هؤلاء اللبنانيين الذين انضموا إلى الفرق الفلسطينية المسلحة أو شكلوا فرق قتال صغيرة، توسع نطاق الثورة إلى ميدان جديد هو منطقة صفد شمال فلسطين، حيث برزت العصابات المسلحة من الموحدين الدروز. وفي هذه المنطقة استشهد لبنانيان في معركة الجرمق التي خاضها الثوار بقيادة الشيخ سعد الخالدي.
كان بعض اللبنانيين يلتحقون بثورة فلسطين عن طريق دمشق، وبخاصة بعد تشكيل قيادة فلسطينية فيها اسمها “اللجنة المركزية للجهاد”، كانت تتولى نقل هؤلاء اللبنانيين إلى فلسطين حيث ينزلون في ضيافة الأمير محمد الصالح في غور بيسان ويتسلمون منه السلاح. وكان بعض ناقلي السلاح إلى الثوار الفلسطينيين ينخرطون في صفوفهم، ويقاتلون إلى جانبهم.
وممن كان له دور في حوادث فلسطين الجارية بين العامين 1936 و 1939 أفراد العصابات اللبنانية المطاردين من السلطة أو المحكوم عليهم بالإعدام . ومن هؤلاء عصابة اسماعيل عبد الحق التي ظهرت في أواسط كانون الأول 1936 في جوار بلدة “يركا” حيث عادت إلى سلب المارة بحسب ما جاء في إبلاغ الحكومة الفلسطينية إلى حكومة لبنان. فانتدبت الحكومة اللبنانية ثلاثة من مفتشي شرطة التحري لمعاونة شرطة فلسطين في تعقب اسماعيل عبد الحق ورفاقه. ثم ظهرت عصابة اسماعيل عبد الحق في ضواحي عكا، واستقوت بانضمام بقايا عصابة فؤاد علامه، التي تشتتت بعد مقتله في سنة 1935. وأخذت عصابة عبد الحق “تقاوم اعتداءات الصهيونيين باعتداءات مثلها”. وقد خرجت قوات من الجيش الانكليزي لمطاردتها فاشتبكت معها في قتال دام ساعات عدة سقط فيه عدد من القتلى والجرحى. وتمكنت العصابة من الانسحاب بعد أن اعتقل الجيش اثنين منها. وقد أشار راديو لندن إلى اشتباك الجند البريطاني مع هذه العصابة، وقال إن أفرادها مسلحون بأحدث أنواع الأسلحة.
وبالاضافة إلى الالتحاق الفردي والجماعي، غير المنظم، بالثورة الفلسطينية التحقت بالثورة سرية لبنانية بحملة فوزي القاوقجي التي بدأ الاستعداد لها في أوائل شهر حزيران 1936، ووصلت عناصرها الآتية من العراق، ومن مناطق سورية التالية: دمشق وحمص وحماه وحوران، ومن جبل لبنان، إلى نقطة التجمع الأخيرة في ميدان الجهاد في فلسطين، في الواحد من شهر آب.

بعض اللبنانيين التحقوا بثورة فلسطين عن طريق دمشق بعد تشكيل قيادة فلسطينية فيها باسم “اللجنة المركزية للجهاد”

يهود يرقصون احتفالا بقرار تقسيم فلسطين في العام 1947
يهود يرقصون احتفالا بقرار تقسيم فلسطين في العام 1947

القاوقجي يغيّر المعادلات
قسّم القاوقجي حملته إلى خمس مفارز أو سرايا هي سرية فلسطينية بقيادة نائبه فخري عبد الهادي، وسرية دمشقية حورانية أردنية بقيادة الشيخ محمد الأشمر، وسرية حموية حمصية بقيادة منير الريّس، وسرية عراقية بقيادة الضابط العراقي (جاسم)، وسرية درزية من جبل لبنان وجبل العرب بقيادة حمد صعب من قرية الكحلونية، إحدى قرى قضاء الشوف . أما الدوافع إلى تقسيم القاوقجي لحملته إلى سرايا على أساس مناطقي، فهي ميل عناصر كل سرية إلى القتال مع بعضهم البعض “وحتى تتبارى وتتنافس كل فئة منها في إظهار خصائصها العربية الكريمة” بحسب ما ذكر قائد إحدى هذه السرايا منير الريس.
قبل وصول القاوقجي كان الثوار الفلسطينيون عبارة عن شراذم متفرقة، مستقلة عن بعضها البعض، يكمنون في سفوح الأودية أو رؤوس الهضاب والجبال، حتى إذا مرّت قافلة انكليزية أو يهودية من أمامهم، يصلونها ناراً حامية، ثم يسرعون إلى قراهم، مما كان يجعل أمر ملاحقتهم في القرى ميسوراً، ولا يضطر الإنكليز إلى كبير عناء وكثرة عدد لمواجهتهم وملاحقتهم. وبعد وصول القاوقجي إلى فلسطين في 25 آب 1936 تسلّم قيادة الثورة الفلسطينية بالنظر إلى خبرته وتجاربه، وأصدر بلاغات إلى الأمة الفلسطينية والأمة العربية الإسلامية كي تذيع أخبار المعارك المنتصرة، وتحث على حمل السلاح والجهاد من أجل إنقاذ فلسطين من الظلم والاعتساف، وأسس محكمة ثورية ولجاناً خاصة للإعاشة والتموين مرتبطة به.
وبناءً على ذلك، وعلى تنظيم القاوقجي للثوار، وعلى كون المجاهدون الذين أتوا معه إلى فلسطين مدربين ومنظمين، ومعظمهم خاضوا معارك الثورة السورية الكبرى، حصل تغير جوهري في نوعية العمليات العسكرية وغدا هناك زمر يتراوح عدد الوحدة منها ما بين خمسين وسبعين رجلاً، تمارس ما تعتقد بأنه حرب وطنية تدافع بها عن بلادها في وجه الظلم والتهديد بالسيطرة اليهودية، كما اشتدت حماسة الفلسطينيين إلى القتال، وإلى الاستمرار في الإضراب العام، بعد فتور في هذين الأمرين.
نجاحات القاوقجي تفاجئ البريطانيين
بدأت السرايا التي شكّلها القاوقجي القتال في جبل جريش في 25 آب 1936 حيث تمّ اسقاط طائرتين انكليزيتين. وخاضت معركة في 2 أيلول، وانتصرت على الانكليز وأوقعت بهم العديد من القتلى والجرحى وأسقطت لهم طائرتين. ثم خاضت معركة جبع في 24 أيلول وانتصرت على الفرق الإنكليزية على الرغم من الإمدادات التي أتى بها الانكليز إلى فلسطين. وقامت بهجوم ناجح على مراكز الجيش الإنكليزي في نابلس في 29 أيلول وهزمته في بيت أمرين، وخرّبت خطوط مواصلاته في هذه المنطقة مما اضطره إلى استقدام قوات إضافية إلى فلسطين لسحق الثورة. فكان لهذه الانتصارات الباهرة أثر كبير في فلسطين، إذ ضعفت هيبة الجيش الانكليزي، وتلاشت الدعايات المضللة، وتأججت نار الحماسة في النفوس، وازداد الأمل بالنصر، كما كان لها أثرها أيضاً في سورية والأردن والعراق، إذ اشتد الهياج في هذه الدول، وقوي تأييد الثورة الفلسطينية، وتألفت لجان الإسعاف والإعانات التي كانت تتلقى المساعدات والأموال بالمزيد من البذل والعطاء.

فوزي القاوقجي
فوزي القاوقجي

القاوقجي يثني على المفرزة الدرزية
أما عن السرية اللبنانية، فقد جاء في مذكرات فوزي القاوقجي، في الحديث عن الفوضى والمشكلات التي عانت منها حملته، ما يلي: “اعترف ان المفرزة الدرزية اللبنانية كانت نموذجاً عظيماً للمجاهدين في تحمّلهم وصبرهم وقلة مشاكلهم، وكان قائدها حمد بك صعب مثال النخوة والاقدام”. وعن خسائر “السرية الدرزية” يرد في مذكرات القاوقجي استشهاد محمود أبو يحيى من جبل العرب في معركة بلعا “وهو الذي كان له الفضل في الصمود والمحافظة على خط دفاعنا المركزي. وقد أبدى – شأنه في كل معركة عرفته فيها في معارك الثورة السورية – من الجرأة والشجاعة ما يعجز عن وصفها القلم”. كما يردّ في “يوميات أكرم زعيتر” استشهاد المجاهد حسين البنّا من شارون، إحدى بلدات قضاء عاليه في معركة بلعا، واستشهاد ملحم سعيد سلّوم حماده من بعقلين، إحدى بلدات الشوف، في معركة كفرصور في 8 تشرين الأول 1936، بعد أن أردى ضابطاً بريطانياً من ثقب الدبابة. ولقد تحاشى أهله في بعقلين الإجابة عن أسئلة السلطة المتكرّرة عن سبب موته وإقامة عزائه من دون جثة، نظراً لما كان يتعرض له أهل المجاهدين من ملاحقات ومضايقات وعمليات دهم في وقت ساعدت فيه السلطة المنتدبة الفرنسية على سورية ولبنان السلطة المنتدبة البريطانية على فلسطين، على قمع الثورة الفلسطينية ومنع وصول المساعدات إليها والتحاق المجاهدين من سورية ولبنان بها.

خلافات على الطريقة العربية
واجهت القاوقجي مشكلاتٌ عديدة منها غياب الدعم العربي المطلوب، والمشكلات الداخلية بين مجاهدي حملته، والتي منها عصيان المفرزة العراقية بسبب الرواتب، وهي التي كانت أكثر انتظاماً من غيرها. ومنها الخلافات الفردية بين الحماصنة والشوام، التي كانت تصل أحياناً إلى استعمال السلاح، ومنها تحول الخلافات الفردية إلى خلافات بين السرايا، وإصرار بعض الزعماء على تنفيذ آرائهم وخططهم، وعودة بعض العناصر إلى مواطنها، واتصال بعض العناصر برجال الاستخبارات البريطانية في فلسطين ورجال الاستخبارات الفرنسية في درعا. وكان القاوقجي يبذل جهداً كبيراً في حل هذه المشكلات وتلافي أضرارها ويضطر أحياناً إلى تسريح المشاغبين. كل هذه العوامل، إضافة إلى إنهاء الإضراب العام في فلسطين تلبية لنداء ملوك العرب وإعلان الإنكليز للهدنة، اضطرت فوزي القاوقجي إلى الانسحاب من فلسطين في تشرين الأول 1936.

سباق تسلح بين الفلسطينيين واليهود
كان الفلسطينيون في أمس الحاجة إلى السلاح في صراعهم مع اليهود والجيش البريطاني، وهو الذي كان بكمّه ونوعه أهم أسباب انتصار اليهود في جميع الحروب العربية الإسرائيلية. لقد كانت سلطة الانتداب البريطاني على فلسطين لا تسهّل هجرة اليهود واستيطانهم فقط، بل توفّر لهم أيضاً الحماية بسياستها المنحازة، وتصادر الأسلحة من العرب وتقمع انتفاضاتهم التي قامت من أجل وقف هجرة اليهود إلى فلسطين ومنع إقامة كيانهم العنصري.
وفي المقابل، كان اليهود يحصلون على السلاح إمّا من مصادر السلطة البريطانية أو بواسطة التهريب بتواطؤ مع المسؤولين البريطانيين. واكتشاف شحنة الأسلحة والذخائر في ميناء يافا، المهربة إليهم داخل براميل، في أواخر سنة 1935، كان من أهم أسباب ثورة الفلسطينيين في سنة 1936، كما أن اليهود عملوا بشتى الأساليب على إفراغ أسواق البلدان العربية المجاورة وبيوت الأهالي من السلاح لتلافي احتمال انتقاله إلى الفلسطينيين، والّفوا لهذا الغرض شركة لشراء السلاح من سورية ولبنان بعد انتفاضة الفلسطينيين في سنة 1929، المعروفة، بانتفاضة البرّاق، وبعد تعاظم شعور العداء في الدول العربية إزاءهم وإزاء البريطانيين. وقد اكتشف رجال الأمن اللبنانيين شركة يهودية تشتري السلاح من سورية ولبنان، وتجمعه في مستودع في صحراء الشويفات، وتنقله إلى اليهود. وهذه الأسلحة هي بنادق ومدفع رشاش وقنابل يدوية.
منذ أن قامت الثورة الفلسطينية في سنة 1936 شرع الكثيرون من أبناء سورية ولبنان وشرق الأردن بنقل السلاح إلى الفلسطينيين والقتال إلى جانبهم. وإذا كان أكثر ناقلي السلاح قد فعلوا ذلك بدافع وطني، فإن قلة منهم توخّت الربح؛ لأن البندقية، مثلاً، كانت تُشترى في لبنان بـ 14 ليرة وتباع في فلسطين بـ 31 ليرة، ومع هذا الدافع التجاري لهؤلاء، فقد أسدوا خدمة جلّى للفلسطينيين، وللمتطوعين للقتال إلى جانبهم؛ لأنهم بحاجة إلى السلاح والذخيرة. وكان بعض السلاح المنقول إلى فلسطين من بقايا سلاح الثورة السورية الكبرى، وبهذا ردّ الدروز للفلسطينيين في سنة 1936، الجميل الذي صنعوه مع مجاهدي الثورة السورية الكبرى في سنة 1925.

قوافل السلاح تنطلق من الشوف وعاليه
لم يكن نقل السلاح وتسرّب المسلحين إلى فلسطين عمليةً سهلة، بل كانا مغامرة محفوفة بالمخاطر، وبخاصة بعد تكاثر حواجز القوى الأمنية لمنعهما. وقد حفلت عشرات الأعداد من الصحف المختلفة الصادرة آنذاك، وبيانات السلطات، ونشرات راديو فلسطين، بأخبار الاشتباكات الكثيرة بين الجند والمسلحين في مختلف المناطق اللبنانية، ولا سيما مناطق الحدود اللبنانية الفلسطينية، والمسالك الرئيسية التي كانت الكمائن تقام فيها، كما حفلت بأخبار المداهمات في جنوب جبل لبنان وجنوب البقاع، وفي لبنان الجنوبي، بحثاً عن السلاح وناقليه.
جرت أضخم مسيرة من مسيرات المنتقلين إلى فلسطين، في ليل 10 – 11 أيلول سنة 1936، وضمت ما يقارب المئة مسلح من مختلف قرى الشوف وعاليه. ولدى وصولهم إلى تومات نيحا، اصطدموا برجال الدرك الذين كمنوا لهم في هذا المكان؛ إذ كان مخبرو السلطة قد أعلموها بتحركهم، وبأن في نيتهم نقل السلاح إلى الثوار الفلسطينيين والالتحاق بهم. لكن هذا الاشتباك لم يحل دون متابعة أكثر المسلحين لطريقهم في حين عاد قلة منهم إلى قراهم.
اهتمت السلطة الفرنسية المنتدبة بهذه الحادثة. وبناءً على توجيهاتها إزداد اهتمام الحكومة اللبنانية والمسؤولين الأمنيين، فعززوا قوى الدرك على الحدود اللبنانية الفلسطينية، واهتم على الأخص محافظا جبل لبنان ولبنان الجنوبي، اللذان تجري الحوادث في منطقتيهما. فحضر محافظ جبل لبنان إلى اعالي الشوف في 14 أيلول 1936، واجتمع بقائمقام الشوف وقومندان الدرك وزوّدهما بالتعليمات اللازمة، ثم عاد إلى بيروت حيث اجتمع برجال السراي الصغير. وحضر محافظ الجنوب إلى بيروت في 18 أيلول ليقابل أمين سر الدولة، ثم عُقد اجتماعٌ أمني ضمه ومدير الداخلية وقائمقام الشوف، حيث إتفق على تعزيز قوى الأمن واتخاذ الإجراءات المتشددة والكافية للقضاء على ما سمي “تهريب السلاح”. ومن جملة ما اتخذ من إجراءات استعانة قوات الدرك في مرجعيون بالمتطوعين لمساعدتها في مهماتها.

القاوقجي متوسطا بعض مجاهدي جيش الإنقاذ
القاوقجي متوسطا بعض مجاهدي جيش الإنقاذ

عمليات دهم وقمع بالجملة
باشر رجال الدرك ابتداءً من 12 أيلول مداهمة بيوت المسلحين الذين عُرفت اسماؤهم من رجال الاستخبارات وممن القي القبض عليهم من المسلحين الذين عادوا من تومات نيحا ولم يكملوا طريقهم إلى فلسطين. وداهموا ايضاً بيوت المتهمين بامتلاك السلاح، والمتعاطفين مع الثوار الفلسطينيين، الذين كان يخشى أن يقودهم التعاطف إلى القتال مع الثوار أو تزويدهم بالسلاح. وصادروا في بضعة أيام كميات كبيرة من الأسلحة بلغت من الشوف وحده 51 بندقية و1050 رصاصة. وارتفع هذا العدد كثيراً مع تتابع عمليات الدهم والتفتيش فبلغ ما جمع من بلدة نيحا، حتى تاريخ 19 أيلول 1936، 59 بندقية. وتمّ اعتقال الكثيرين. ورافق عمليات الدهم اشتباكات عدة منها اطلاق النار على رجال الدرك في 13 أيلول من الاكمات القائمة وراء بلدة مزرعة الشوف عندما كان رجال الدرك يسوقون الموقوفين منها، والاشتباك قرب بلدة عين زحلتا الذي جرى بعد بضعة أيام وقُتل فيه أحد أبناء البلدة محمد كرامي.

السلطات تحتفل بإحباط تهريب الأسلحة
كان اعتقال مئات الأشخاص مثار إدانةٍ من الوطنيين؛ لأن اعتقالهم بحسب ما جاء في احتجاج أمين الريحاني على أعمال الحكومة “يخدم المخططات البريطانية والصهيونية ويعزل الثورة الفلسطينية”. بيد أن ما احتج عليه الوطنيون كان مدعاة لتقدير السلطة. فقد منحت الحكومة اللبنانية قائمقام الشوف ميدالية الاستحقاق اللبناني الفضية ذات السعف لأنه بفضل التدابير التي اتخذها في ظروف صعبة ساعد على توطيد النظام والأمن في قضاء الشوف ” كما جاء في مرسوم منحه هذا الوسام. كما منحت الحكومة ميدالية الاستحقاق اللبناني من الدرجة الثانية لضابط بيت الدين والمختارة، وميدالية الاستحقاق اللبناني من الدرجة الرابعة لجنوده، لنجاحهم في تشتيت عصابة كبيرة في ليل 10 – 11 أيلول وتوقيف الكثير من المسلحين. وجاء في مرسوم منح الضابط الميدالية بأنه تمكّن خلال يومين من إماطة اللثام عن أفراد تلك العصابة وعددهم سبعون، واعتقال 64 شخصاً ومصادرة 48 بندقية و1879 خرطوشة.
ومع استمرار الثورة في فلسطين حتى سنة 1939 استمر انتقال المسلحين اللبنانيين إليها وتهريب السلاح إلى مجاهديها. ولم يكن ذلك يتم عبر الحدود اللبنانية الفلسطينية فحسب، بل أيضاً عبر المناطق السورية وبفضل مبادرات منظمة أو فردية. فبعض أهالي منطقة راشيا نقلوا السلاح إلى أهل أقليم البلان(الجولان) وبخاصة أهل مجدل شمس، وهؤلاء بدورهم نقلوه إلى فلسطين. وكان المسلّحون اللبنانيون ومهربو السلاح يستعينون بأهل الإقليم في أثناء انتقالهم إلى فلسطين لمعرفة هؤلاء بالمسالك المؤدية إلى قراها الشمالية.

تظاهرة فلسطينية عام 1936 تندد بالهجرة اليهودية إلى فلسطين
تظاهرة فلسطينية عام 1936 تندد بالهجرة اليهودية إلى فلسطين

محاكمات عسكرية وغرامات باهظة
واستمرت الكمائن والمداهمات والاعتقالات في جنوب جبل لبنان وجنوب البقاع وفي لبنان الجنوبي، وهي لم تكن تخلو من الاشتباكات، منها الاشتباك الذي جرى في ليل 9 – 10 آب 1938 في سد بنت جبيل، بين كونين وبنت جبيل، وأدى إلى جرح مسلحين عدة ومقتل مزيد أبو حمدان من قرية الكحلونية (الشوف)، مما عزّز اتهام السلطة لابن هذه القرية، حمد صعب، قائد السرية اللبنانية في حملة فوزي القاوقجي إلى فلسطين، بأنه المسؤول عن تهريب السلاح. وبسبب هذه الحادثة، وسواها من الحادثات مع الجماعات المسلحة، لفتت المفوضية العليا الفرنسية الحكومة اللبنانية إلى تعدّد حوادث هذه الجماعات، وطلبت منها اتخاذ تدابير فعّالة لمقاومة هذه الأعمال.
كان المعتقلون يحالون إلى المحكمة العسكرية في بيروت. وقد بلغ عددهم في 4 كانون الأول 1938، 350 شخصاً. وكانت المحكمة العسكرية تصدر أحكامها بالجملة، فقد أفرجت بتاريخ 9 كانون الثاني 1937 عن 65 معتقلاً من أبناء الشوف بعد أن قضوا في السجن مدداً أكثر من المدد المحكوم عليهم بها. وأصدرت أحكامها بتاريخ 3 كانون الأول 1938 على 50 رجلاً بالسجن لمدة سنتين، ودفع غرامة مالية مقدارها ألفا ليرة (وهو ما كان يمثّل مبلغاً باهظاً) عن كل سجين.
توقّع المسؤولون البريطانيون المزيد من أعمال المقاومة العربية “وذلك بالنظر للجهود المتصاعدة في تهريب الأسلحة إلى داخل فلسطين”، فطلب القنصل البريطاني في بيروت والمندوب السامي في فلسطين من السلطة الفرنسية المنتدبة ومن الحكومة اللبنانية وقف تسرب الجماعات المسلحة من لبنان إلى فلسطين. وتضمنت مذكرة المندوب السامي السر أرثر واكهوب إلى الحكومة اللبنانية في أواخر تشرين الثاني 1937، زيادة الحاميات العسكرية على الحدود.

السلطات الفرنسية تتنصل
وأرسلت سلطة الانتداب البريطاني تقريراً إلى لجنة الانتدابات التابعة لعصبة الأمم، في اوائل 1939، أشار إلى استفحال حركة تهريب الأسلحة وإلى أن موظفي الأمن العام صادروا كمية من البنادق، معظمها مصنوع في ألمانيا، وكمية من المسدسات. وعند إثارة هذه القضية أمام لجنة الانتدابات لم ينكر ممثل فرنسا الكونت دوكه المحاولات الكثيرة لتهريب السلاح وجهود الأمن العام لوقفها، كما انه صرّح بأن لا مصلحة لسلطة الانتداب في سورية ولبنان في تشجيع حركات التهريب وتقديم المساعدات للثوار الفلسطينيين، بل مصلحتها في عكس ذلك.
إن تأييد السوريين واللبنانيين للثوار الفلسطينيين، وتقديم الدعم المادي والأسلحة لهم، وقتال البعض إلى جانبهم، كان مثار تقدير الثوار الفلسطينيين وإصدارهم بيانات الشكر، ومنها بيان القائد العام للثورة يوسف سعيد أبو درّة في 7 آذار 1939 إلى السوريين واللبنانيين، الذي جاء فيه: “لا عجب ولا غرابة فإن أخوّتهم الإسلامية ودماءهم العربية الزكية التي تسري في تلك العروق الحية جعلت إخواننا سكان سوريا ولبنان، خصوصاً أهالي بيروت، يبذلون الجهد في مساعدة إخوانهم في الدين والعروبة”

حوار مع رئيس اللجنة الاجتماعية في المجلس المذهبي

رئيس لجنة الأوقاف القاضي عباس الحلبي

النـزاع حول عقـار دار الطائفـة يهـدر فرصــاً

الأمـر بيد القضاء ويبقى باب الحوار مفتوحاً
مع الأهل والأبناء

أنجـزنـا حصر محفظـة الأوقـاف ولدينـا خطط لاستثمـار بعضهـا

بطء البت في الدعاوى القضائية يتسبب بأضرار

التقت مجلة “الضحى” رئيس لجنة الأوقاف في المجلس المذهبي القاضي الأستاذ عباس الحلبي في حوار تناول عمل اللجنة والتحديات التي تواجهها وخصوصاً لجهة تنظيم محفظة الأوقاف ومعالجة القضايا العالقة، ولاسيما الخلاف القائم حول العقار الرقم 2046 في المصيطبة. وفي هذا الحوار يؤكد رئيس لجنة الأوقاف ثقته بالمستقبل داعياً إلى الحوار والحلول الأخوية لحل كل الخلافات. وهنا الحوار:

الشائع أن الوقف الدرزي هو من أغنى الأوقاف في لبنان، وهناك معوزون كثر ولا تتم مساعدتهم بالشكل المطلوب، لماذا؟
لا أعرف ماذا يوجد لدى الطوائف الأخرى لأجزم أيها الأغنى، ولكن أقول إن الوقف الدرزي يشمل عدداً من العقارات في بيروت ووقف الشيخ أحمد أمين الدين في الشحار وأوقافاً في مناطق أخرى محصورة في قضاء عاليه وقليلاً في الشوف والمتن وراشيا وحاصبيا. عندنا محفظة وقفية لا بأس بها ولكنها غير مستثمرة، ونواجه مشكلة كبيرة في أوقاف بيروت مورد الاستثمار الأساسي، وبالتالي كل العائدات لا تشكّل مبلغاً قادراً على سد الحاجيات، خصوصاً أن القانون يمنع منعاً باتاً البيع أو إلقاء أي عبء قانوني على العقار (بمعنى تأجيره لفترة طويلة أو الارتفاق عليه).

ما هي الحالة التي كانت عليها الأوقاف عندما استلمها المجلس الحالي؟
حالة تسيب كبيرة، فبعد وفاة شيخ العقل محمد أبو شقرا سنة 1991 دخلنا في مرحلة من النزاعات داخل الطائفة، وكان نتاجها وضع اليد على الأوقاف من أكثر من جهة. عندما تولينا إدارة الأوقاف كانت مبعثرة واستلمنا من جهات عدة: جزء من مجلس أمناء الأوقاف السابق المنحل، وجزء آخر من السيد سلمان عبد الخالق، وجزء من الشيخ بهجت غيث كما واستلمنا بعض العقارات التي كانت بتصرف جهات أخرى لن أدخل في تفاصيلها.

كيف تعاطيتم مع هذا الواقع؟
عندما انتخبنا كانت مهمتنا الأساسية تجميع المحفظة الوقفية من الجهات التي كانت تضع اليد عليها. أستطيع القول إن المحفظة الوقفية انحصرت، ولكن رغم الجهد الذي بذلناه لم نستكمل هذه المرحلة بعد بسبب المشكلة مع جمعية التضامن الخيري الدرزي على عقار ما يسمى ب “دار الطائفة“، ومع واضع اليد على المدرسة المعنية.

قيل إن الجهات التي كانت تدير الوقف جمعته وسلمته للمجلس كاملاً، على خلاف ما كان يُشاع حول الهدر. ما هو تعقيبكم؟
ليس صحيحاً، أنا أسميتها حالة تسيب وإهمال. ربما قام البعض بدور ما وفق مفهومه وعلى طريقته، ونحن نريد أن نفتح صفحة جديدة وليس الصفحات القديمة غير المجدية.

ما هي مشاريع المجلس، وهل تشمل الاستثمار؟
حاليا،ً لدينا مشروع لأرشفة المحفظة الوقفية وإطلاق برنامج معلوماتي يشمل كل عقارات الأوقاف في جميع المناطق اللبنانية. ونحن نتجه نحو الاستثمار في بعض العقارات، وبشكل أساسي في بيروت وفي عقارات وقف الشيخ أحمد أمين الدين في منطقة الشحار، هذا بالإضافة إلى مشروع في تلة العبادية، إلا أن المشكلة مع جمعية التضامن ومع واضع اليد على المدرسة المعنية تحول دون تنفيذ مشاريعنا الاستثمارية في بيروت، فالنزاع على عقارات بيروت جمّد أي استثمار فيها.

تتحدثون عن العقار 2046 في المصيطبة، ما الذي يشمله هذا العقار وما هي الملابسات بشأنه؟
من المعروف أن العقار 2046 في المصيطبة، أو عقار دار الطائفة الدرزية في بيروت، والذي تبلغ مساحته نحو 36 ألف متر مربع، يقع في منطقة سكنيّة وتجاريّة من المناطق الأولية في العاصمة، ومشاد على جزء منه عقار دار الطائفة الدرزية وتقع على الجزء الآخر المدافن وملاصق لها مجلس ومزار وقاعة. وفي واجهة العقار لجهة شارع فردان – رشيد كرامي، محطة بنزين وبناية فيها محال تجارية وبعض المستأجرين، كما يشغل المجلس المذهبي طبقة، ولجمعية التضامن الخيري الدرزي في بيروت طبقة أيضاً، كما يتضمن لناحية مدرسة الظريف معملاً مهملاً للبلاط وبعض المنازل القديمة. وهذا العقار واحد موحد باسم الأوقاف الدرزية العامة وليس لأي جهة أخرى حق التصرف به. الصحيفة العينية مثقلة بالإشارات، وهناك دعاوى مقامة من الغير لتملك أجزاء من هذا العقار. بإختصار وضع العقار يحتاج إلى عناية كبيرة لإدارته وحل مشاكله وبالنتيجة استثمار جزء منه لمصلحة الوقف من مساحات غير مستعملة يأكلها اليباس وقيمتها المالية مرتفعة جداً يمكن استثمارها بدل تركها فريسة للإهمال.

ما هو سبب الخلاف مع جمعية التضامن؟
يقولون اننا نريد أن ننقل تربة الدروز وإقامة “دروز مول” بدلاً منها، وهذه فكرة غير واردة أبداً. دار الطائفة والمقام والقاعة والمجلس والتربة كلها مقدسة، ونحن حريصون عليها ربما أكثر من أي كان. ولكن المكان محصور وهناك جزء من العقار أكله اليباس مع أنه مصنف مساحة من الدرجة الأولى في التصنيفات الاقتصادية، ويمكن إقامة مشروع عليه يستفيد منه عموم الدروز المحتاجين، وفي مقدمتهم أهلنا في بيروت.

إلى أين وصلت مساعي الحوار بينكم وبين الجمعية ؟
عندما انتخبت توجهت إليهم بالحوار، وأفضّل ألا أقول إلى أين توصّلنا، ولكن للأسف أصبح الأمر بيد القضاء، ولا بدّ من العودة إلى الحوار فهم أبناؤنا وأهلنا.

هل رُفِعَت دعوى قضائية بالموضوع؟
الجمعية أقامت دعوى على المجلس، للأسف جمعية درزية تخضع لإشراف المجلس المذهبي ترفع دعوى على مرجعيتها، يحاولون تضييع الوقت والهروب الى الأمام، وبالتالي فإننا نخسر عائدات مؤكدة تحقيقها.

ما هي قصة واضع اليد على المدرسة المعنية؟
إدارة الوقف السابقة أعطت السيد وليد ابو ضرغم عقد استثمار وأعيد تجديده لمرات وانقضت مدة العقد الأخير منذ سنين طويلة ولكنه مستمر في الاستثمار بطريقة وضع اليد بدون اتفاق مع الوقف.
ألا يمكن ملاحقته قانونياً؟
هناك دعوى أمام القضاء، ولدينا الكثير من الدعاوى القضائية المتوقفة في القضاء إذ نشكو من البطء في بت الدعاوى القضائية، تمضي سنوات قبل الحصول على حق الأوقاف.

ما هي الرؤية للمستقبل والرسالة التي توجهونها إلى الموحدين الدروز؟
مع أن العمل المنجز لم يكن سهلاً وكنت آمل أن نحقق أكثر، إلا أن المعوقات ليست سهلة أيضاً، لذلك أتمنى أن تحل كل المشاكل في الفترة المتبقية لنا، وأن نستطيع المباشرة في تحقيق بعض مشاريعنا الاستثمارية لأن الاستثمار خيارنا الوحيد، وإذا لم نستثمر في الأوقاف فعبثاً نبحث عن تحسين العائدات وبالتالي تحسين الخدمات للمحتاجين من أبناء الطائفة.

إنجـازات لجنـة الأوقـاف

ترميم المدرسة الداودية التي خصصت كمعهد جامعي للتكنولوجيا بإيجار سنوي بمعدل: 257.000.000 مئتان وسبعة وخمسون مليون ليرة لبنانية. وبلغت كلفة الترميم وبعض التجهيزات 966.599.000 ل.ل
بدعم من النائب وليد بك جنبلاط وبمساهمة شخصية منه بقيمة 800.000 $، ثمانمائة ألف دولار، تمّ شراء العقار الرقم 18، كركول الدروز – بيروت، بمبلغ مليون وخمسمائة ألف دولار أميركي . دفعت الاوقاف 500.000 $ خمسمائة ألف دولار وجمعية التضامن 200.000$ مئتي ألف دولار، وتمّ تخصيص هذا البناء لسكن طالبات العلم في بيروت بإدارة جمعية بيت الطالبة.
استلام المعهد التقني في راشيا وتأجيره في العام 2007 بقيمة 45.000$ على كامل الأقسام. وقد تمّ في العام 2010 تخصيص قسم من المبنى لاستحداث فرع للجامعة اللبنانية في منطقة راشيا.
مسح عقارات في بلدة البنية وتقدّر بنحو 700 ألف متر للأوقاف، مع مراعاة وصية الشيخ أحمد أمين الدين وجرت تسوية تعديات كانت حاصلة.
أنجزت معاملة شراء 64 ألف م2 مجاورة لمقام الست شعوانه، والذي كان بدأ بها الشيخ سلمان عبد الخالق بمبلغ وقدره 240.000 $ مئتان وأربعون ألف دولار أميركي.
تقدّم المجلس بطلب تخصيص عقار في بيروت للطائفة وتمت الموافقة من المجلس البلدي في بيروت على تخصيص العقار الرقم 4783 منطقة المصيطبة للمحاكم المذهبية الدرزية، لكن المعاملة ما زالت في وزارة الداخلية.
في مصالحة بلدة بريح تمّ التوافق على تسجيل قطعة أرض لبناء بيت بلدة للموحدين الدروز باسم وقف طائفة الموحدين الدروز وأنجزت معاملاته مع الصندوق الوطني للمهجرين وحمل الرقم العقاري 16/ بريح.

من أعلام بني معروف