الجمعة, آذار 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, آذار 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

تصحيح الرواتب والأجور:
دَوَرانٌ في الحَلَقةِ المُفْرَغَة

بين ضغط الشارع وضغط الموازنة، تعود أزمة الرواتب والأجور في لبنان إلى الواجهة، محملةً بقرارات حكومية تُعطي بيد لتأخذ باليد الأخرى. فهل بات تصحيح الأجور مجرد عملية حسابية ترقيعية، أم أنه يحتاج إلى جراحة إصلاحية بنيوية تنقذ ما تبقى من رمق اقتصادي؟

أقرّ مجلس الوزراء اللبناني في جلسته المنعقدة يوم الإثنين 16 شباط 2026، منح موظفي القطاع العام بكافة أسلاكهم، والمتعاقدين منهم والمتقاعدين، زيادةً تعادل ستة رواتب إضافية، مع كامل متمماتها للعسكريين. هذا القرار أثار موجة اعتراضات شملت مروحة واسعة من السياسيين وأصحاب الرأي والمواطنين، كما لم يلقَ موافقة الجهات المعنية به من موظفي ومتقاعدي القطاع العام، بشقيه العسكري والمدني.

تمويل الزيادات: الحلول الأسهل والأكثر إيلاماً لا تُعد هذه الخطوة سابقةً للحكومة الحالية في اللجوء إلى جيوب المواطنين عبر فرض رسوم على المحروقات؛ فقد سبق أن أقرت إجراءً مشابهاً في 19 أيار/مايو 2025، قبل أن يوقفه مجلس شورى الدولة في 16 تموز/يوليو من العام نفسه بناءً على طعون قانونية. وقد لاقى قرار الإبطال حينها ترحيباً شعبياً واسعاً، واعتُبر تطوراً قانونياً مهماً لوقف العبء الإضافي واستنزاف المواطنين في ظل الظروف الخانقة.

وإذا كان يتوجب على وزارة المالية، ومن خلفها الحكومة مجتمعة، ألا تُقدم على زيادات عشوائية للرواتب والأجور، فيتوجب عليها بالمقدار عينه ألا تعتمد أكثر مصادر التمويل سهولةً وإجحافاً. ونعني بذلك فرض رسم جديد على صفيحة البنزين بقيمة 300 ألف ليرة، بالإضافة إلى رفع الضريبة على القيمة المضافة من 11% إلى 12%، خاصةً وأن قرار الطعن بالرسوم السابقة لم يمضِ عليه سوى بضعة أشهر.

وتجدر الإشارة هنا إلى “الأثر التضخمي” الحتمي لهذه الإجراءات؛ إذ إن رفع كلفة المحروقات والضرائب سينعكس مباشرة على أسعار النقل والسلع والخدمات، مما يؤدي إلى تآكل جزء كبير من الزيادة الممنوحة، ويعيد إنتاج الحلقة المفرغة ذاتها بين زيادة الرواتب وارتفاع الأسعار، من دون معالجة جذرية لاختلالات السوق.

غياب الرؤية: تساؤلات مشروعة برسم الحكومة أمام هذا التخبط الحكومي في معالجة أزمة تصحيح الرواتب، لا بد من طرح مجموعة من التساؤلات والملاحظات حول تقاعس الحكومة، منذ تشكيلها، عن المبادرة إلى وضع خطة منصفة وعادلة تراعي حقوق الموظفين وتوازنات المالية العامة في آنٍ معاً:

  • أزمة مزمنة لا طارئة: إن مسألة تصحيح رواتب وأجور موظفي القطاع العام ليست مستجدة، بل هي من عُمق الأزمة وتُعد مؤشراً دالاً على تعقدها. وعليه، فإن أي إرجاء لمعالجتها ضمن إطار إصلاحي متكامل سيُطيل أمد الأزمة ويُفاقم تداعياتها.
  • غياب الرؤية الشاملة: إن افتقار الحكومة لرؤية اقتصادية تستند إلى أهداف واضحة، وموزعة ضمن إطار زمني مرحلي يضمن تنفيذها، يُعد خللاً بنيوياً يُضعف فاعلية أي سياسات عامة للنهوض.
  • حتمية الإصلاح الإداري: إن أي معالجة جدية تستوجب ربط الرواتب بإصلاح إداري يعيد هيكلة المؤسسات المترهلة ويرفع الإنتاجية، ليتحول تصحيح الأجور من عبء مالي إلى استثمار في الكفاءة.
  • شروط الصندوق الدولي: إن التفاوض مع صندوق النقد الدولي كمدخل لاستعادة الثقة لا يُبرر التبنّي التلقائي الأعمى لتوصياته؛ فالتجارب أثبتت أن بعض برامجه عمّقت الاختلالات في دول أخرى، مما يتطلب مقاربة تفاوضية واعية تحمي الاستقرار الاجتماعي.
  • استحالة التنمية بلا قدرة شرائية: يظل النمو الاقتصادي بعيد المنال ما دامت مداخيل شريحة أساسية لا تكفي لتغطية الحد الأدنى للمعيشة، مما يقوض ديناميات الاقتصاد الكلي.
  • اختلال معايير العدالة: تعكس الرواتب المرتفعة التي أُقرت لصالح “الهيئات الناظمة” اختلالاً واضحاً في معايير العدالة داخل القطاع العام. ولا يبدو تبرير ذلك بـ”استقطاب الكفاءات” مقنعاً، خاصة لجهات ذات طابع استشاري غير ملزم.
  • الأملاك البحرية والهدر: تُظهر الحكومة تساهلاً ملحوظاً في تحصيل الرسوم على الأملاك البحرية، مما يحرم الخزينة من موارد تُقدر بـ 250 إلى 500 مليون دولار سنوياً. ويجب ألا يقتصر الأمر على التحصيل، بل وضع سياسة متكاملة لإدارة الأملاك العامة وتسوية أوضاعها وفق القيمة السوقية.
  • غياب العدالة الضريبية: تُقصر الحكومة في تحديث النظام الضريبي لتكريس “الضريبة التصاعدية” التي تستهدف الثروات والمداخيل المرتفعة، وتستمر في الاعتماد على الضرائب غير المباشرة التي ترهق الفئات الأكثر هشاشة.
  • التهرب الضريبي: تفتقر السلطة التنفيذية إلى خطة واضحة لمكافحة التهرب الضريبي، مما يتطلب تحديث أنظمة الجباية، وتسهيل وسائل الدفع، وتشديد الرقابة وتفعيل المساءلة.
  • انعدام الشفافية داخل الحكومة: أظهرت مناقشات مجلس الوزراء أن وزارة المالية لم تلتزم بتزويد الوزراء بدراسة كلفة الزيادة وتوزيعها قبل 48 ساعة من الجلسة، مما حال دون مناقشتها وفقاً للأصول المتبعة.

الخلاصة: الإصلاح البنيوي أو الانهيار المستمر إن تصحيح الرواتب والأجور هو حق مشروع لموظفي القطاع العام والمتقاعدين، غير أن تكريسه بصورة عادلة ومستدامة يقتضي التخلي عن منطق المعالجات الظرفية (الترقيعية) واعتماد منطق الإصلاح البنيوي.

المسألة لا تتوقف عند حدود إضافة أرقام على جداول الرواتب، بل تتعداها إلى ضرورة إعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، عبر سياسة مالية عادلة، إدارة رشيدة للموارد، ورؤية اقتصادية واضحة المعالم. ومن دون ذلك، ستبقى القرارات المالية تدور في حلقة مفرغة بين ضغط الشارع، وضغط الموازنة، وتآكل القدرة الشرائية، فيما يبقى النهوض الاقتصادي الموعود مؤجلاً إلى أجل غير مسمى.

قراءة في تقلبات أسعار الذهب

ليست المرة الأولى التي تشهد فيها أسعار الذهب ارتفاعات حادّة، غير أنها المرة الأولى التي يُسجل فيها المعدن الأصفر مستويات قياسية غير مسبوقة، وبوتيرة متسارعة تحبس الأنفاس. فقد ارتفع سعر الذهب بنسبة 10.18% خلال الشهر المنصرم، بعد أن ارتفع بنسبة 73.59% خلال عام 2025، منها 45.07% في الأشهر الستة الأخيرة. مع العلم أن نسبة الارتفاع في شهر كانون الثاني/يناير 2026، كانت ستكون أعلى لولا الانخفاض الذي شهدته أسعار الذهب في الأيام الأخيرة منه.

وبقدر ما بدا هذا الارتفاع الأخير مستغربًا في سرعته وحدته، بدا الانخفاض اللاحق متوقعًا، وإن لم يكن متوقعًا في توقيته، ولا سيما في خضم الفوضى التي سيطرت على أسواق الذهب، وهيستيريا الطلب على المعدن الأصفر وغيره من المعادن الثمينة. وعلى الرغم من التراجع الذي شهدته الأسعار في ختام تعاملات الأسبوع الماضي، لا يزال الذهب يُتداول عند مستويات غير مسبوقة، فيما تواصل البنوك المركزية العالمية شراءه بوتيرة ثابتة دون إبطاء.

تاريخياً، سُجلت أولى القفزات الكبرى في أسعار الذهب عام 1973، عقب حرب تشرين بين العرب وإسرائيل، وما رافقها من حظر إمدادات النفط إلى الدول الغربية؛ حيث بلغ سعر الأونصة نحو 123.5 دولارًا، ما أدخل الاقتصاد العالمي في مرحلة من “الركود التضخمي”، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى التعامل مع الذهب بوصفه مخزنًا للقيمة، لا مجرد بديل نقدي للدولار الأميركي، وذلك جراء انكشاف هشاشة العملات الورقية.

أما القفزة الثانية لأسعار الذهب، فقد تمت في كانون الثاني/يناير 1980، حين وصل سعر أونصة الذهب إلى 668 دولارًا، بعد أن كان بـ 243.66 دولارًا في تشرين الثاني/نوفمبر 1978، وذلك على خلفية سلسلة من الصدمات الجيوسياسية الكبرى، شملت الثورة الإسلامية في إيران، وأزمة الرهائن الأميركيين، والغزو السوفياتي لأفغانستان.

أدت هذه التطورات التي شهدها العالم بين عامي 1978 و1980، إلى تصاعد الطلب على الذهب وبلوغ أسعاره ذروتها التاريخية آنذاك، قبل أن يضع الاحتياطي الفيدرالي حدًا لهذا الارتفاع من خلال رفع أسعار الفائدة إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي أدى إلى استقرار نسبي لأسعار الذهب على مدى عقدين تقريبًا.

وفي عام 2008، عادت أسعار الذهب لتشهد تقلبات حادة، فبعد أن لامس سعر الأونصة الـ 1000 دولار في آذار/مارس، تراجع إلى نحو 728 دولارًا في أيلول/سبتمبر من العام نفسه، على وقع أزمة الرهن العقاري التي تسببت في انهيار المصارف الكبرى، وفي مقدمتها مصرف “ليمان براذرز”، وصولاً إلى الأزمة المالية العالمية بين عامي 2008 و2011.

وفي حين استمرت تقلبات أسعار الذهب، غير أن الاتجاه العام للأسعار ظل تصاعديًا، ليبلغ سعر الأونصة 1826 دولارًا في آب/أغسطس 2012، قبل أن يتكبد الذهب في نيسان/أبريل 2013 أكبر خسارة سنوية بلغت نحو 28%. ومن ثم بلغ سعر الأونصة في كانون الأول/ديسمبر نحو 1200 دولار، منهيًا بذلك دورة صعود استمرت لخمس سنوات.

وتجدر الإشارة إلى أن أسعار الذهب انخفضت في بداية أزمة الرهن العقاري، بدلاً من ارتفاعها، ويكمن السبب في أنه غالباً ما يندفع المستثمرون نحو تسييل كل ما يمكن تسييله، ولا سيما الذهب، لتغطية الخسائر المستجدة وتلبية متطلبات الهامش. وهو ما يكشف حقيقة جوهرية مفادها أن الذهب يُباع أولاً عندما تصبح الحاجة إلى السيولة أولوية مطلقة.

الأمر الذي تكرر مع موجات الانخفاض الحاد التي شهدتها أسواق أسهم التكنولوجيا والعملات الرقمية مطلع عام 2026، حيث اضطر بعض المستثمرين إلى تسييل (Liquidations) مراكزهم الرابحة في الذهب -أي عمليات البيع- لتغطية خسائرهم في أصول أخرى. الأمر الذي أعاد التأكيد أن الذهب، وإن كان هو الملاذ الآمن والأخير، غالبًا ما يُستخدم كمصدر للسيولة عند الأزمات.

غير أن التذبذب الذي تشهده أسعار الذهب منذ مطلع الأسبوع الحالي يعكس تداخل العديد من الأسباب؛ فمن جهة، أسهمت المخاوف من فقدان الاحتياطي الفيدرالي استقلاليته، وتراجع الثقة بالعملة الأميركية، وارتفاع معدلات التضخم، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، إلى جانب استمرار المصارف المركزية في شراء الذهب، في دعم الأسعار.

في المقابل، أسهم استخدام الذهب كأداة مضاربة وما يُسببه من مخاطر على استقرار أسعار الذهب في زيادة حدة التقلبات، لا سيما منها الرافعة المالية (Leverage)، والعقود الآجلة، وعقود الفروقات (CFDs)، وصناديق المؤشرات (ETFs)، وجميعها عقود ورقية، وهي أدوات تجعل حجم “الذهب الورقي” المتداول يفوق بأضعاف حجم الذهب الفيزيائي المتاح فعليًا.

ولما كان هدف المضاربين تحقيق أرباح سريعة، فإنهم يعمدون عند أول إشارة ضعف إلى البيع، ما يُطلق موجات بيع متسلسلة تُضخم الانخفاضات. وفي هذه الحالة، لا يعكس انخفاض سعر الذهب تبدلاً في القيمة الجوهرية للمعدن، بل يعكس ما يُعرف بـ “سلوك القطيع” في الأسواق المالية. وغالبًا ما تكون هذه الانخفاضات قصيرة الأجل وغير مرتبطة بعوامل بنيوية تتعلق بالمعدن الثمين بحد ذاته.

تؤكد مراجعة تقلبات الأسعار منذ فك الارتباط بين الذهب والدولار الأميركي أن هذه التقلبات هي نتيجة التفاعل بين عوامل نقدية وجيوسياسية وسلوكية. فالذهب، وإن امتاز بكونه مخزنًا للقيمة على المدى الطويل، يبقى عرضة للتقلبات على المدى القصير، خاصةً عندما يتحول إلى أداة للمضاربة.

غير أن المفارقة تكمن في أن موجات الانخفاض غالبًا ما تعقبها عودة للشراء الاستراتيجي طويل الأجل، ولا سيما من البنوك المركزية والمستثمرين التحوطيين، مما يعيد التأكيد أن تذبذب الأسعار لا يلغي مكانة الذهب، بل يعزز دوره كأصل استراتيجي في زمن يسود فيه عدم اليقين.

تصحيح الرواتب والأجور واجبٌ وليس مَكرُمة
قراءة في أزمة الرواتب والأجور في لبنان وسبل معالجتها

لطالما كانت مسألة تصحيح الرواتب والأجور في لبنان موضع تجاذب بين موظفي القطاع العام ونقابات العمال من جهة، والدولة من جهة أخرى، سيما وأن الدولة دأبت على التقاعس عن إقرار الزيادات العادلة والمتناسبة مع تزايد معدلات التضخم وارتفاع مستويات غلاء المعيشة. وقد اتسمت مقاربة الدولة لهذه المسألة بالتأجيل والمماطلة، فلا تُقر الزيادات المطلوبة إلا بعد أن تكون قد فقدت قيمتها الفعلية، الأمر الذي أفقد سياسات تصحيح الرواتب والأجور مبرراتها الاقتصادية وأضعف أثرها الاجتماعي.

وما زاد من تعقيد هذا الواقع أن حلول الحكومات المتعاقبة كانت غالبًا تأتي بمعزل عن أي خطة إصلاحية، أو حتى عن أي رؤية مستقبلية، تُطرح الزيادات على الرواتب والأجور دون تأمين مصادر تمويل مستدامة، مما حوّل تصحيح الرواتب والأجور إلى أعباء إضافية على الموازنة العامة، بدلًا من أن تكون جزءًا من خطة اقتصادية متكاملة تُساهم في تأمين حياة كريمة للموظفين والعمال من دون الإخلال بالتوازنات المالية أو إثقال كاهل الخزينة العامة.

ومع حلول عام 2020، وعلى أثر الانهيار المالي والنقدي الذي عصف بلبنان، قفزت مسألة تصحيح الرواتب والأجور إلى الواجهة بعد أن فقدت قيمتها بشكل متسارع. الأمر الذي أدى إلى تعميق أزمة الموظفين والمتقاعدين بصورة غير مسبوقة في حدتها وطول مدتها، وذلك لترافقها مع تدهور سعر صرف الليرة وارتفاع أسعار السلع والخدمات، في الوقت الذي فقدت فيه الرواتب والأجور نحو %95 من قوتها الشرائية.

في المقابل، ظلت المعالجات الحكومية أسيرة لحلولٍ جزئية ومؤقتة، اقتصرت على إقرار زيادات استنسابية، منها ما سُمي بالحوافز ومنها بالمساعدات الاجتماعية، لا تستند إلى معدلات غلاء المعيشة ولا إلى مؤشرات التضخم، وتفتقر جميعها إلى رؤية شاملة لتصحيح الرواتب والأجور. وأخطر ما في هذه الحلول أنها تنطوي على محاولة إسقاط حقوقٍ مكتسبة للموظفين والعسكريين والمتقاعدين، فالزيادات التي أُقرَّت حتى اليوم لا تدخل لا في احتساب تعويض الصرف ولا في احتساب المعاش التقاعدي.

وعلى الرغم من الزيادات التي أُقرت على الرواتب والأجور خلال الفترة التي انقضت من الأزمة، فقد انخفضت تكلفتها في موازنة عام 2025 إلى حوالي 2.4 مليار دولار من إجمالي نفقات الموازنة، بعدما كانت تزيد على 8 مليارات دولار في موازنة عام 2019. الأمر الذي يُبيّن مدى الظلم الذي يقع على موظفي القطاع العام والمتقاعدين، ومع ذلك لم تلحظ موازنة عام 2026 أية اعتمادات للزيادات الجديدة التي يُطالب بها هؤلاء.

وفي الوقت الذي لا تزال فيه مسألة تصحيح الرواتب تتأرجح بين الخوف من تداعياتها على سعر الصرف وربطها بمسار التعافي الاقتصادي، وعلى الرغم من انقضاء نحو ست سنوات على الأزمة، تبرز اليوم تدخلات صندوق النقد الدولي ولائحة الشروط والقيود التي يُشرف على تطبيقها. ويلاقيهما في ذلك مجلس الخدمة المدنية الذي يطرح إعطاء زيادات على الرواتب عن طريق مضاعفة أساس الراتب، بشكل تدريجي وعلى مدى خمس سنوات، ابتداءً من عام 2026 وصولاً إلى عام 2030.

إلا أن المفارقة في هذه المقاربات، إن لجهة الزيادات التي أقرّتها الحكومة، أو مشروع مجلس الخدمة المدنية، وصولاً إلى شروط وقيود صندوق النقد الدولي، أن جميعها تتجاهل ارتفاع معدلات التضخم وتزايد غلاء المعيشة. الأمر الذي يجعل من الحلول المطروحة للرواتب والأجور مجرد زيادات اسمية يأكلها التضخم وارتفاع الأسعار، وتجاهل لحقيقة أن رواتب وأجور الموظفين ليست مجرد تكلفة تدفعها الدولة لموظفي القطاع العام من عسكريين ومدنيين، بل هي تعويض عن مساهمة هؤلاء في توفير الأمن والخدمات العامة، والذي يجب أن يكون تعويضًا عادلاً يسمح لهم بحياة كريمة.

وجدير بالذكر أن أي زيادة على القدرة الشرائية للموظفين والعمال من خلال تصحيح الرواتب والأجور تنعكس حكمًا ارتفاعًا في الطلب على السلع والخدمات، وزيادةً في الاستهلاك العام تُسهم في تحريك القطاعات الإنتاجية والاقتصادية على اختلافها، وتُساعد بالتالي على تحقيق التعافي الاقتصادي. وما من اقتصاد يُمكن أن ينهض أو يستعيد عافيته في غياب الدولة الفاعلة والقادرة، مع العلم أن هذه الدولة تستمد فاعليتها وقدرتها من الجهاز التنفيذي الذي يُشكله الموظفون على اختلاف نطاق أعمالهم.

ما يجعل المماطلة في إقرار زيادات عادلة على رواتب وأجور موظفي ومتقاعدي القطاع العام، عسكريين ومدنيين، تحميلاً لهم، نتائج ارتكابات السلطتين السياسية والنقدية خلال الفترة التي مهدت للأزمة وتسببت في حدوثها. وفي هذا أيضًا، تجاهل للدور الاقتصادي الذي يلعبه ذوو الدخل المحدود، الذين يُشكل موظفو القطاع العام الجزء الأكبر منهم، حيث إن مداخيلهم تُشكل محركًا أساسيًا للعجلة الاقتصادية.

في المقابل، لم توفِ الحكومة الحالية بوعدها بتصحيح رواتب الموظفين والمتقاعدين، ولا سيما منهم العسكريون، بحيث كان من المفترض أن تعادل رواتبهم في عام 2026 ما لا يقل عن %50 عما كانت عليه في عام 2019 بالدولار الأميركي، في حين لم يتضمن مشروع الموازنة لهذه السنة أي اعتمادات لتغطية تكلفتها. كما لم توفِ الحكومة بوعدها بتسوية المساعدات المدرسية للعسكريين المتقاعدين عن عام 2025 لتساوي المساعدات المُقرَّة في تعاونية موظفي الدولة.

والمفارقة أن الحكومة أقرت رواتب خيالية للهيئات الناظمة ورؤسائها، تفوق قيمة كلٍ منها رواتب الرئاسات الثلاثة حتى بعد زيادتها، وفق مشروع مجلس الخدمة المدنية حتى عام 2030. الأمر الذي يحمِل على التساؤل عن المعايير التي تم اعتمادها لإقرار هكذا رواتب، ومبدأ العدالة بين فئات الوظائف العامة. ويزداد التساؤل إذا ما عرفنا أن دور هذه الهيئات هو دورٌ استشاري غير ملزم لسلطات الوصاية.

في ضوء ما تقدم، لا بد من التأكيد على أن تصحيح رواتب وأجور موظفي القطاع العام، عسكريين كانوا أم مدنيين، ليس مكرمة من الطبقة السياسية ولا خيارًا قابلاً للتأجيل، بل هو واجبٌ دستوري وأخلاقي على الدولة أن تلتزم به تجاه موظفيها. إذ إن من أبسط حقوق كل موظف أن يتقاضى أجرًا عادلًا يتناسب مع طبيعة عمله ومسؤولياته، ويكفل له مستوى معيشيًا لائقًا يضمن الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة الإنسانية.

وبالمثل، فإن من حق المتقاعد، الذي أفنى زهرة شبابه في خدمة الدولة ومؤسساتها، أن تُصان كرامته بعد التقاعد، ويُحفظ حقه في حياة كريمة، بعيدًا عن العوز، وفاءً لتضحياته والتزامه، وترسيخًا لمبدأ العدالة الاجتماعية الذي يُفترض أن تقوم عليه السياسات العامة.

وبناءً على ما تقدم، سيظل ملف الرواتب والأجور أزمة مفتوحة بلا أفق للحل، وعنوانًا دائمًا للأزمة الاجتماعية، ومرآةً لفشل الدولة ما دامت تتهرب من اعتماد مقاربة علمية وشاملة لتصحيح الرواتب والأجور. المطلوب مقاربة تراعي مبدأ العدالة وتأخذ في عين الاعتبار الكفاءة والإنتاجية، تحتسب معدلات التضخم الحقيقية وتكلفة المعيشة الفعلية.

ختامًا، إنّ العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية تبقى الركيزتين الأساسيتين لأي دولة حقيقية، ولن يتحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي إلا بإعطاء موظفي القطاع العام حقوقهم كاملة غير منقوصة، من خلال تصحيح حقيقي للرواتب والأجور يستند إلى معايير علمية واضحة، ويضمن لهم ولأسرهم حياة كريمة تليق بتضحياتهم وخدمتهم للوطن.

دور الحوار الأُسري في بناء أسرة ناجحة

الأُسرةُ لَيسَتْ مُجرَّدَ إطارٍ اجتماعيٍّ يَجمَعُ الأفرادَ في مَنزِلٍ واحِدٍ، بل هِي البِيئةُ الأُولى الَّتي يَتشكَّلُ فيها الوعي، وتُبنى فيها القِيَم، وتَتكوَّنُ فيها العَلاقاتُ الإنسانيّةُ الأساسيّة. وتَبقى الأُسرةُ ــ في عالَمٍ يَموجُ بالتّغيُّراتِ السَّريعةِ والتَّحدِّياتِ المُستمرَّة ــ المَلاذَ الأوَّلَ لِكُلِّ إنسان.

ولأجلِ أن تَكونَ هذه الأُسرةُ مَصدَرَ سَعادةٍ واستِقرارٍ، لا بُدَّ أن يُبنى التَّواصُلُ داخلَها على أساسٍ مَتين. ومِن أهمِّ رَكائِزِ استِقرارِ الأُسرةِ وتماسُكِها هو الحِوارُ الأُسَريّ؛ فكلَّما كانت قَنواتُ التَّواصُلِ مَفتوحةً بينَ أفرادِ الأُسرة، زادَتْ فُرَصُ التَّفاهمِ المُتبادَل، وقَلَّتِ الصِّراعات، وارتَفَعَتْ دَرَجاتُ الثِّقةِ والأمانِ في سبيلِ بِنَاءِ أُسرةٍ ناجِحة.

أمّا في غِيابِ الحِوار، فتَفقِدُ الأُسرةُ أهمَّ رَكائِزِها الأساسيّة، فيُفتَحُ بابٌ لِثَغَراتٍ وفُجُواتٍ تُولِّدُ تَباعدًا عاطفيًّا ووِجدانيًّا، ويُشيرُ ذلك إلى التَّفكُّك، مِمّا يَنعكِسُ سَلبًا على بِنَاءِ أُسرةٍ ناجِحةٍ وصالِحةٍ ومُتكيِّفةٍ مع المُجتَمع.

الحِوارُ لَيسَ مُجرَّدَ تَبادُلِ كلماتٍ وصِياغةِ جُمَلٍ، بل هوَ عَمَليّةُ تَواصُلٍ فاعِلةٌ عاطفيًّا وفِكريًّا ونَفسيًّا، تُشيرُ إلى نُضجٍ ووعي. ومِن خِلالِ الحِوارِ تَستطيعُ أفرادُ الأُسرةِ التَّعبيرَ عن مَشاعِرِها، والتَّعرُّفَ إلى احتياجاتِ ومَخاوِفِ كُلِّ فَردٍ، لِبِناءِ عَلاقاتٍ متماسِكةٍ وآمِنة، بَعيدةٍ عن التَّصدُّعِ والنِّزاعاتِ بطريقةٍ سَليمة.

أهميّةُ الحِوار داخل الأُسرة

في ظِلِّ التَّغييراتِ الَّتي يَشهَدُها عالَمُنا المُعاصِر، باتَت الأُسرةُ بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى تَعزيزِ وسائلِ التَّواصُل بينَ أفرادِها، ويأتي الحِوارُ الأُسَريّ كأداةٍ جَوهريّةٍ تَعملُ على:

1- بناءِ الثِّقة: حيثُ يَشعُرُ كُلُّ فَردٍ بأنَّ رَأيهِ مَسموعٌ ومَحلُّ تقدير، فتَتولَّدُ الثِّقةُ المُتبادَلة، ويُصبِحُ جَوُّ الأُسرةِ أكثرَ أمانًا وراحةً واطمئنانًا، يَستطيعُ مِن خِلالِه مواجهةَ الحياةِ بطريقةٍ إيجابيّة.

2- حلِّ المُشكلات بطريقةٍ سَليمة: غِيابُ الحِوارِ يُؤدّي غالبًا إلى تَفاقُمِ المُشكلاتِ وخَلقِ مَناخٍ مُتوتر، بينما يُساعِدُ الحِوارُ المَفتوحُ على فَهمِ الأسبابِ الحقيقيّةِ للخِلافات والوصولِ إلى حُلولٍ مُناسبةٍ تُرضي الجميع ولِصالحِ الأُسرة.

3- تَعزيزِ القِيَمِ التَّربويّة: مِن خِلالِ الحِوارِ، يُمكِنُ للوَالِدَين نَقلُ القِيَم والمبادئ الأخلاقيّةِ بطريقةٍ غيرِ مُباشِرةٍ ومحبَّبة، مِمّا يجعلُها أكثرَ قَبولًا لدى الأبناء، وتُصبِحُ عمليّةَ تَمسُّكٍ واقتِداءٍ بأدبيّاتِ المُجتمعِ المَرغوبةِ، والتَّحلّي بالمُثُلِ العُليا والأخلاقِ الفاضِلة.

4- تَنميةِ المَهاراتِ الإيجابيّة لَدى الأبناء: الأبناءُ الَّذين يَنشؤونَ في بِيئةٍ أُسَريّةٍ تَعتَمِدُ على الحِوارِ غالبًا ما يَملِكونَ مَهاراتٍ وأسلوبًا واعيًا في لُغةِ الحِوارِ والنِّقاش، وقدرةً على التَّعبيرِ بشَفافيّةٍ ومَنطِقيّة، فيَتكوَّنُ عِندَهم أسلوبُ حياةٍ ناجِحٍ يُساعِدُهم على مواجهةِ المَواقِفِ بِشجاعةٍ نابعةٍ مِن تَربيةٍ سَليمةٍ واحترامٍ لآراءِ الآخرين.

5- تعزيزِ الانتماءِ: الحِوارُ يُشعِرُ الأبناءَ بأنَّهم جُزءٌ أساسيٌّ مِن الأُسرة، لهم كِيانٌ مُستقِلّ، ولهم دَورٌ ورَأيٌّ ومَوقِفٌ يُؤخَذُ بالتَّقديرِ والاحترام، مِمّا يُشكِّلُ دَعمًا ومُساندةً بينَ الأفراد، خُصوصًا في الأزَماتِ والأحداثِ اليوميّةِ الَّتي تَعيشُها الأُسرة.

6- تعزيزِ الصِّحّةِ النَّفسيّة: المُشارَكةُ والاحتِواءُ والتَّعامُلُ بالمَودَّةِ يَمنَحُ الأُسرةَ تَوازُنًا عاطفيًّا واجتماعيًّا، ويُساهِمُ في تَحقيقِ السَّلامِ الدّاخِلي.

أنواعُ الحِوار الأُسَريّ

الحِوارُ اليوميّ العَفويّ: مِثلَ الحديثِ عن تَفاصيلِ اليوم، وهوَ يُوطِّدُ العَلاقاتِ بِطَريقةٍ غيرِ مُباشِرة.
الحِوارُ التَّربويّ: يَشمَلُ التَّوجيهَ والإرشادَ في مَواقِفَ تَحتاجُ إلى تَعليمٍ أو تَصحيحٍ أو تَعديلٍ لِبَعضِ الأفكارِ والمُعتقَدات.
الحِوارُ في الأزَمات: عِندَ حُدوثِ مُشكلةٍ أو أزمةٍ اقتصاديّةٍ أو اجتماعيّة، ويَهدِفُ إلى التَّفاهمِ وإيجادِ الحَلِّ المُناسِب.
الحِوارُ التَّفاعُليّ: حينَ يَشتَرِكُ الأهلُ والأبناءُ في اتِّخاذِ قَراراتٍ مَصيريّةٍ مِثلَ السَّفر، الارتِباط، أو اختِيارِ الجامعة.

مُعوِّقاتُ الحِوار الأُسَريّ

– الانشِغالُ الدَّائِمُ بالتِّكنولوجيا ووسائلِ التَّواصُل.
– الأسلوبُ السُّلطويّ في التَّربية الَّذي يَمنَعُ الأبناءَ مِن إبداءِ آرائِهم.
– الافتِقارُ إلى فَنِّ الاستِماع والإصغاء.
– الفُروقاتُ الفَرديّةُ والجِيليّة الَّتي تَحُدُّ مِن الانسِجام.

سُبُلُ تَعزيزِ الحِوار داخل الأُسرة

تَخصيصُ وَقتٍ مُنتَظَمٍ للجَلساتِ العائليّة.
تَشجيعُ الصَّراحةِ والانفِتاح دونَ أحكامٍ مُسبَقةٍ أو سُخرية.
الاستِماعُ الفاعِلُ والإصغاءُ الجادّ.
بِنَاءُ ثَقافةِ الحِوار مُنذُ الصِّغَر.

ثِمارُ الحِوار الأُسَريّ

أبناءٌ أقوياءُ نَفسيًّا، واثِقونَ بأنفُسِهم.
أُسرةٌ قادِرةٌ على تَجاوُزِ الخِلافاتِ بِأقلِّ خَسائِر.
تَرسِيخُ القِيَمِ ونُبلِ الأخلاق.

الحِوار الأُسَريّ في ضَوءِ دينِ التَّوحيد

إنَّ دينَ التَّوحيدِ في جَوهَرِه دَعوةٌ إلى الوَحدةِ والانسِجام، لا إلى الفُرقةِ والخِصام. وقد أرسَلَتِ الأديانُ السَّماويّةُ كافّةً قواعِدَ عَظيمةً تَرفعُ مِن شَأنِ الكَلمةِ الطَّيّبةِ، وتَحثُّ على الحِوارِ بالحِكمةِ والموعِظةِ الحَسَنة، سَواءٌ في شُؤونِ العَقيدةِ أو في تفاصيلِ الحياةِ اليوميّة، وعلى رَأسِها الحياةُ الأُسَريّة.

فالحِوارُ في الأُسرةِ لَيسَ خِيارًا تَرفيهيًّا، بل هو واجبٌ أخلاقيٌّ ودينيٌّ وإنسانيّ، يُساعِدُ الوالِدَين على حُسنِ التَّربية، ويُكسِبُ الأبناءَ قُدرةً على التَّعبيرِ عن آرائِهم بحُريّةٍ، ويَغرِسُ فيهم خُلقَ الاستِماعِ والتَّفهُّم. وقَد قالَ النبيُّ: «الكَلِمةُ الطَّيّبةُ صَدَقة»، فكيفَ إذا كانت هذه الكَلِمةُ بينَ الشَّريكَين أو بينَ الوالِدِ وولدِه؟ إنَّها صَدَقةٌ تُثمِرُ سَكينةً وتَبُثُّ في المَنزِلِ الرَّحمةَ والوُدّ.

وفي مُجتمعِنا الشَّرقيّ المُحافِظ، حيثُ لِلأُسرةِ مكانةٌ عَظيمة، يَجِبُ أن نُعيدَ الحِوارَ إلى مَنازِلِنا لا كترفٍ ثقافيٍّ، بل كجُزءٍ مِن العِبادةِ اليوميّةِ الَّتي تُرضي الخالِق، ونُحصِّنُ بها أبناءَنا مِن التَّشتّتِ والانغلاقِ والضَّياع.

فَلنَجعَلْ بُيوتَنا مَساحاتٍ آمِنةً للكَلِمةِ الصّادِقة، ولْنَعلَم أنَّ الحِوارَ لَيسَ ضُعفًا، بَل هُوَ حَضارةٌ ورُقيٌّ وبَصيرة.

وأخيرًا: اللَّهُمَّ اجعَل بُيوتَنا عامِرةً دافِئةً بالسَّكينة، قِوامُها المَحبَّةُ الَّتي تَصنَعُ المُعجِزات، ولُغَتُها الحِوار، ونورُها طاعتُك ورَجاؤُك.

مبادئ الإدارة العامة مفتاح التّفعيل والتّطوير
العودة إلى الأساسيات

على مدى المسيرة المهنيّة الخاصّة الّتي امتدت لأكثر من سبعة عشر عاما ولا تزال، تجمّعت لدينا بعض الأفكار حول العمل الإداري، وكيفيّة الاستفادة من المبادئ الحديثة في علوم الإدارة العامة، وتطبيقها في العمل اليومي، والحياة الإداريّة اليوميّة. وإذا كانت المعوّقات الكبيرة خارجة عن إرادة العامل أو الموظّف (وربما المؤسسة) وهو إنسان يحرّكه العقل والعاطفة، فلا بدّ من إعادة التّذكير بالأساسيّات.

ممّا لا شكّ فيه أنّ محور العمل هو القائم بالعمل. وفي مجال الجهاز الإداري للمجلس المذهبي هو الموظّف. ذلك الموظّف الحريص الّذي يُطلب منه مهام جسيمة في إطار عمله في هذه المؤسّسة الكبيرة الشّريفة. لا نقصد بذلك الطّلبات الإداريّة الضّيّقة أو الأوامر التّسلسليّة؛ فهذه مفاهيم مرَّ عليها الزّمن وأكل عليها الدّهر وشرب. الموظّف الحريص ضميرُه يحرضّه، وحرصُه يحركّه، والمسؤوليّة تهيب به الخروج من حال السلبيّة والجمود.

لا يمكن لأيّة دائرة أن تعمل إذا جرى الإلتزام الحرفيّ بالنّصوص للاستحالة العمليّة والاستحالة القانونيّة. ومن هنا أهميّة الاستفادة من التّطور الّذي لحق بالإدارة العامّة والاهتداء بمبادئ علم الإدارة العامّة واستلهام روح النّصوص القانونيّة دون تكبيل أنفسنا بالقيود والسّلاسل. ذلك التّطور الذي أنتج مبدأ من أهم مبادئ الإدارة (والحياة) وهو مبدأ التّكيّف.

إنّ مبادئ علم الإدارة العامّة، مستنبطة من خبرات طويلة وتجربة بشريّة في مجتمعات متنوّعة، ولم يأتِ تكريسُها اعتباطًا. وقد يبدو أنّ بعضها بديهي، كمبدأ المساواة في المعاملة بين المستفيدين من خدمات الوحدة الإداريّة الحكوميّة مثلًا. نجده في كلّ المؤلّفات الخاصّة بالإدارة بل والقانون الإداري، فكاد أن يصبح من «البديهيّات الإداريّة» إن جاز التعبير. فعلى الرّغم من بداهته، ينبغي التّذكير به، وبقدسيّته، والإصرار عليه، وإعلاء الصّوت في تكريسه في كلّ مكان، وضرورة الالتزام به في كل وقت.

وقد رغبنا في استذكارها والتّذكير بأهمّها، للاهتداء بها باعتبارها ضامنة الإنتاجيّة والنّجاح. وإذ كان للعمل في الشأن الاجتماعي خصوصيّة حيث يحتلّ فيه العامل الإنساني الدّور الأبرز، فإنّ الوحدات الإداريّة الّتي يوكل إليها مهامٌ اجتماعية كالمساعدات، أو الطّبابة، والتّعليم، لا بدّ أن تنعكس طبيعة نشاطها في الكيفيّة الّتي تمارس به هذا النشاط، خلافًا لوحدة تُعنى بالإيجارات أو النّزاعات القانونيّة مثلا.
نستعرض بعض المبادئ الرّّاسخة في علم الإدارة العامّة فيما يلي دون التقيّد بالأشكال المدرسيّة المنهجيّة.

التحسّب للمستقبل

قد يجد الارتجال مجاله في النّشاطات الفنيّة أو الأدبيّة حيث يُظهر لحظة إبداعيّة معينة تترك أثرًا جماليًّا. أمّا في مجال العمل المؤسّساتي الإداري، فسينعكس الارتجال والعمل العفوي تخبّطا وعدم فاعليّة ويؤدّي إلى نقص الإنتاجيّة وإهدار الموارد – القليلة والقيّمة دائمًا – في معالجات موضعيّة دون جدوى.

على كل إدارة فاعلة منتجة واجب التّنبّؤ بما سيكون عليه المستقبل من ناحية، والعمل له من ناحية أخرى. التّنبّؤ للمستقبل لا يكون بالعرافة، بل من النّظر في الواقع الحالي، وتحليل الأسباب والظّروف الّتي أدّت إليه، ومن ثمّ القيام بعمليّة تقدير مبنيّة على كلّ المعلومات المستخلصة من الماضي والحاضر، تقدير الوجهة الّتي سيسلكها هذا الواقع وبما ستكون عليه الحال في المستقبل، سواء كانت مشرقة زاهرة أم داكنة مظلمة.

الإستعداد والتّحضير وخطّة العمل

وإزاء الصّورة المستقبليّة الّتي يجري رسمها، لا بدّ من العودة إلى مبادئ الإدارة كي يُبنى التّصرف على أسس مستقرّة ووفقًا لمعالجات مجرّبة. المقاربة العلميّة تقتضي جمع المعلومات أوّلًا، ومن ثمّ تحديد الأهداف على ضوء قراءة المستقبل، وضع سلّم الأولويّات وترتيب هذه الأهداف أي أولويّة الحاجة الّتي سيتمّ مقاربتها. التّأكّد من الموارد الماليّة والبشريّة والطّريقة المثلى لتوظيفها. ومن ثمّ وضع خطّة مرنة، توفّر الحدّ الأدنى من الطّمأنينة لمن ينفّذها، ولمن يستفيد منها.

وعند تحقّق كلّ هذه العوامل، يكون التّصرّف مخطّطا له، والتّنفيذ مدروسًا، ويصبح تقييم هذا التّنفيذ – الّذي سيجري في مرحلة المتابعة اللّاحقة – مفيدا.

الخطة المُطمْئنة

بذل الجهد في التّخطيط، يجعل التّنفيذ سلسًا، سهلّا. إذ يقتصر المنفّذ على اتّباع الخطوات المقرّرة، وإن عرضت مشكلة ما انبرى لمعالجتها فورًا (ويُفترض بالخطّة أن تتوقّع الصّعوبات والمعوّقات أيضًا). وبالتّالي، يطمئنّ من يُوكل إليه عملٌ معيّنٌ، مطلق عملٍ، بقدرته على إنجازه، فقد بذل الجهد مسبقًا في التّحضير والاستعداد، أو لديه خطّة مدروسة تفصّل المطلوب أوّلاً بأول. هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، وجود الخطّة يوفّر الطّمأنينة للمستفيد من خدمات المؤسّسة في الزّمن الصّعب، فيتيقّن ويتثبّت من وجود الدّعم والدّاعم، والرّعاية الحقيقيّة، ويشعر بالثّقة بأنّ هناك من يهتمّ به ويقف بجانبه فعلا لا قولا.

التّنظيم والاستفادة من تعدّد الوحدات الإداريّة

التّنظيم عماد كلّ إدارة. يقصد به الاستخدام المنظّم للوحدات الإداريّة بالشّكل الإداري النّموذجي. وقد توصّلت الإدارات (سواء الشّركات، أو المؤسّسات، أو حتّى القطاعات العامّة في الدّول المتقدّمة) إلى مبادئ جعلتها أساسًا للعمل الإداري. منها: تقسيم المهام، الاتّصال والتّنسيق، ترتيب صلاحيّات وتكليف بمسؤوليّات، سلطة إداريّة…الخ). والنّصوص القانونيّة بنيت على هذا المبدأ.

يحقّق التّنظيم الكفاية الإنتاجيّة، بالتّزامن مع العدالة في تقديم الخدمات للمستفيدين، وأساسها التقليل من التّأثيرات الشّخصيّة على القرارات، وكلّ ذلك في سبيل الاستخدام المنظّم للموارد.

التّقليل من التّأثيرات الذّاتيّة على القرارات

تُقرّ المبادئ الإداريّة الحديثة بأنّه للحدّ من تأثير الآراء الشّخصيّة الذّاتيّة على صنع القرار الإداري، يجب تعزيز الوعي عبر التّوجيه والتّدريب. فالتّثقيف للتعالي عن التّحيزات على تنوّع أشكالها ضروري. كما إدراك أهميّة التّمييز بين القرارات الشّخصيّة والقرارات الموضوعيّة العقلانيّة. القرار العقلاني يبنى على معلومات وعلى تحليل موضوعي شامل يتوجب تحفيز الجميع على القيام به. وفي مرحلة تالية هناك تقييم يجب إجراؤه مستندًا إلى تلك المعلومات (والفرض أنّه قد جرى التّأكّد من صحّتها. ففي المسائل الاجتماعيّة يكون التّحقق من صحة المعلومات على قدر كبير من الأهميّة). إذن، يفترض في القرار الإداري الحديث أن يكون مبنيًّا على معايير وعلى أسس تقييم موضوعيّة.

ومن المستقر أيضًا التّنويع في المشورة، أو الاستعانة بخبراء. إذ يسهم ذلك في التّوجيه نحو الاختيارات الأكثر فعاليّة. كما يمكن للخبراء تحليل المشكلات المعقّدة وتقديم حلول مبتكرة لها. ولا بدّ من إجراء مراجعة – نقديّة إذا أمكن – للمرحلة السّابقة بهدف كشف مواطن الضّعف، أو الخلل إن وُجد، والتّحسّب للتّصحيح.
هذا المبدأ الجديد القديم (عدم الانسياق للرّغبات الشّخصيّة) ضامن العدل كما المساواة بين المستفيدين من خدمات المؤسّسة. وضامن أيضًا لحسن الأداء.

العدالة في تقديم الخدمات الاجتماعيّة

يجب الانتباه هنا إلى أنّ العدالة تعني المعايير العادلة. فإذا لم ينطبق على المستفيد المعيار، تكون استفادته ظالمة لغيره، والعدل هو في حرمانه من التقديمات مطلقا. العدالة ليست في شموليّة المستفيدين وجميع النّاس باعتبار طبيعة الأشياء فضلا عن قلّة الموارد، بل في المعايير.

يجب أن يكون المعيار – معيار الاستفادة – عادلًا وموضوعيًّا. وهذه الجزئيّة على قدر كبير من الأهميّة. إذ لا يجب تفصيل المعايير على قياس أحد، ولا على قياس جهة، أو جماعة محدّدة، بل يتعيّن أن يكون المعيار ذاته عادلًا. وإذا تحقّق المعيار يستفيد عندئذٍ جميع من ينطبق عليهم. هذا هو فهمنا للمسألة.

العمل الجماعيّ

لا يستحسن النّظر إلى العمل الجماعيّ نظرة هرميّة جامدة. أي بمنطق تقاذف العمل أو المعاملة الإداريّة بين هذه الوحدة أو تلك، وبين صلاحيّات هذه أو تلك، فتقتصر النّظرة على توزيع الأعباء. العمل الجماعي في النّظرة الحديثة للإدارة هو فضلا عن تخفيف العبء (اللّازم والضروري)، ومبدأ تقسيم العمل، يُنظر إليه من زاوية المشاركة.

تلك المشاركة الّتي غايتها التّحفيز، والّتي لا بدّ أن تؤدّي إلى الانخراط. التّحفيز والانخراط في العمل تحقيقًا لصالح المؤسسة وأهدافها. التحفيز والانخراط يعزّزان الرّضى الوظيفي، الّذي يؤدّي إلى الشّعور بالانتماء والولاء، والحماس للعمل مع مثابرة، ممّا سينعكس قطعًا على الإنتاجية.

ويظهر في هذا المقام التّفويض الإداري كوسيلة أقرّها القانون لوضع المبدأ أعلاه موضع التّطبيق. فهو الحلّ العملي النّاجع المساهم في تحقيق المشاركة فعلًا بالتّوازي مع تخفيف العبء. (ويلاحظ هنا أنّ تكامل القانون مع التّجربة حتَّم ألاّ يكون التّفويض إلّا في بعض الصّلاحيّات، ولمدّة معيّنة). كما أن التفويض يكفل الاستجابة السّريعة سواء تعلّق الأمر بمشكلة يتعيّن حلّها، أم بفرصة يتوجّب الاستفادة منها.

العمل المؤسّساتي

العمل المؤسّساتي بالمقارنة مع العمل الفردي، هو الّذي يضمن الاستقرار والاستمراريّة. أي استمرار المؤسّسة في تقديم الخدمات وتحقيق الأهداف حتّى في حالة تغيير الأفراد، واستمرار عمليّة البناء والعطاء جيلًا بعد جيل.
كما أنّ العمل المؤسّساتي عمل جماعي تشاركيّ تعاونيّ، يقلّل إلى حدّ كبير التّدخلات الشّخصيّة، كما أنّه لا يجهّل المسؤوليات بل يكفل الشّفافية والمساءلة والمحاسبة.

وإذا كان من المفيد الأخذ بأهمّ حسنات التّصرفات الفرديّة وهي السّرعة في اتّخاذ المواقف، المرونة والتّكيّف، والحزم في اتّخاذ القرار مع تقليل التّأثيرات الشّخصية إلى أقلّ قدر ممكن، فإنّ العمل المؤسّساتي هو الذي يكافح تأثيرات الشّخصانيّة في المؤسّسات لما تؤدّي إليه من فقدان للتّوازن في العمل والإنتاجيّة، وبالتّالي تفاوت الأداء، وضعف التّواصل نتيجة عدم الانسجام الشّخصي.

تعزيز المبادأة

المبادأة سمة أساسيّة في العمل الإداري. مبدأ يضمن كذلك الإنتاجيّة والفعاليّة والأداء. إنّه مبدأ ابتكار المشاريع وطرح الأفكار المتجدّدة، واستباق المشاكل، والإسراع بحلّ ما يظهر منها.

ينظر إليه بما يتركه من آثار طيّبة على من تقدّم بالفكرة من ناحية، إذ يعزّز الثّقة بالنّفس وبالقدرات الشّخصيّة ممّا سينعكس بالضّرورة على الأداء الشّخصي له.

ومن ناحية أخرى، سيؤثّر في متلقّي الفكرة أيضًا بما يحقّق فعلاً العمل الجماعي، سيما إذا كان هذا المتلقّي في مستوى إداري أعلى فيساهم ذلك في صنع قرار إداري مستنيرٍ.

تعزيز الشفافيّة والقيادة المرنة

إذا كان تشجيع المبادأة من قبل الموظّف واجبًا، فلا بدّ من تذكير القيادة بضرورة إسهامه وإشراكه في صنع القرار. إذ لنجاح المؤسّسة، تقضي مبادئ الإدارة الحديثة بضرورة التّعاون الكامل بين كافة الوحدات التّابعة لها.

تتشارك الوحدات في العمل المؤسّساتي أيًّا كان ترتيبها ومستواها الإداري (مجلس إدارة، لجنة، إدارة تنفيذيّة، دائرة، قسم.). تتعاون وتساهم في صنع القرار عبر ما تقدّمه من معلومات وتقييم، فيأتي تنفيذه رافعًا للإنتاجيّة فعّالًا، من قبل أفراد تمّ تحفيزهم عبر مساهمتهم فيه.

ليس كلّ رئيس إداريّ قائدًا إداريّا

القيادة مفتاح الإدارة، والجهة الرّشيدة الواعية الموجِّهة، الّتي تتّخذ القرارات السّليمة وتراقب تنفيذها. ويفرق علم الإدارة بين الرّئيس الإداري الّذي لا يمارس إلّا سلطته الرّسميّة، وبين القائد الإداري الّذي يحوز ثقة المرؤوسين ويبسط سلطته عبر التّأثير الايجابي فيكسب الإحترام والثّقة قبل الطّاعة والولاء.

القائد القدوة

وهو الّذي يجمع مواصفات معيّنة تؤهّله للقيادة. هو قبطان السّفينة والكلّ راكب فيها. هو القائد وهو الرّئيس. فهو القادر على التّحمل، الثّابت في مواجهة المواقف. هو الصّبور الأمين الشّريف النّزيه المخلص المثابر المتفاني للعمل. هو صاحب الهمّة والقدوة الحسنة. وهو صاحب الخبرة والمهارة في ما يؤدّيه، كما المتواضع الحريص على الاكتساب وتطوير خبرته عبر الاستعانة بمستشارين أكْفاء. هو المنفتح غير المستبدّ. هو الإنسان الّذي ينمّي العلاقات الإنسانيّة والمشاركة في الوحدة الإدارية .تستند قيادته إلى الاستماع والاحترام لتمتّعه بحسن التّدبير وتقدير الأمور. هو صاحب الرّؤيا، فضلا عن الرّأي السّديد. وعندنا هو رأس الهرم في هذه المؤسّسة الجليلة الشّريفة، رئيس المجلس، سماحة شيخ العقل، الّذي ينعكس حضوره الأبويّ كما بركته في كلّ نواحي العمل.

الالتزام بروح النّصوص

لا يتضارب مبدأ الالتزام بروح النّص ذلك مع القواعد القانونيّة الّتي قد توحي أحيانًا بشيء من الجمود، ولا مع تحديد المسؤوليّات والصّلاحيّات بوضوح، وإقامة الحدّ بينها. بيد أنّه لا يخفى ما لمرونة الإدارة من انعكاس مباشر على الإنتاجيّة. فيكفي قول إنّ الوحدة الفلانيّة ليس من صلاحيّاتها هذا أو ذاك، أو تتذرّع الوحدة تلك بأنّ ليس من صلاحياتها هذه المعاملة أو تلك، ليتجمّد العمل ويفشل. فإن كان ليس من صلاحيّاتها القانونيّة التّنظيميّة، يوكل إلى وحدة أخرى ذات صلاحيّة. والوحدات عديدة متنوّعة الخبرات والصلاحيّات والهدف تسخيرها لصالح العمل – ذي الأهداف السامية – الّذي تقوم به هذه المؤسّسة الكبيرة الشّريفة.

اتّخاذ القرارات في ضوء المقاربات العلميّة

إذ إنّ صنع القرار الإداري، الّذي تترتّب عليه مفاعيل مؤثّرة، لا مطلق قرار فردي، يتطلّب قدرًا من الهدوء. فهو يتطلّب تحديد المشكلة، والبحث عن الحلول، وتقييمها، بغية تعيين أفضلها في ضوء عدّة عوامل؛ أهمّها: الإمكانات البشريّة، والفنيّة، والتّكاليف الماليّة، والوقت. ومن ثمّ – لاحقًا – يتمّ وضعه موضع التّنفيذ.

توقيت إعلان القرار

إذا كان توقيت اكتشاف المشكلة مؤثّرًا ومهمًّا، بقدر تقليبها وجمع البيانات والحلول بشأنها، والمدّة الزّمنيّة الّتي يستغرقها الحلّ المعتمد، فإنّ اختيار التّوقيت المناسب لتبليغ العاملين في المنظّمة الإداريّة على جانب كبير من الأهميّة، خاصّة إذا تعلّق القرار بتغيير أو تعديل لقرار سابق، كي يكون هؤلاء مؤهّلين لهذا التّغيير أو ذاك التّعديل.

التّواصل الدّائم الفعّال

إنّ التّواصل الفعّال يشكّل الأساس الّذي يبنى عليه التّنسيق بين أجهزة المؤسّسة، وفي وجهة نظرنا لا تقلّ أهميّته عن التّخطيط. يتطلّب التّواصل الفعّال استخدام كافّة الوسائل المتاحة سيما تلك الّتي تخفّف من الرّسميات كالاجتماعات الدّوريّة، والمحادثات الشّخصيّة، والبريد الإلكتروني، بل الرّسائل الفوريّة. عندما يكون التّواصل فعّالًا، يتمكن أفراد الفريق من فهم الأهداف (أو التّحديات الّتي وضعها التّخطيط) بشكل أفضل، وتوجيه جهودهم (التّنظيم) بشكل متناسق نحو تحقيق (تنفيذ) تلك الأهداف. كما يساهم التّواصل الفعّال في تبادل المعلومات بسلاسة، ممّا يسهم في اتّخاذ القرارات الصّحيحة والمستنيرة (القيادة)، فتأتي الرّقابة أو التّقييم اللاحق متحقّقًا من النّتائج الّتي لا بدّ وأن تكون نتائج طيّبة باعتبارها مبنيّة على أسس.

العلاقة الإداريّة الإنسانية

ليس من المطلوب رفع الكلفة، ولا الدّخول في الخصوصيّات مطلقًا. وليس من المطلوب حتّى بناء الصّداقات أو العلاقات الإجتماعية في الإدارة بالمعنى الّذي يزيل الحدود والآداب الإداريّة. فالآداب الإداريّة فضلاً عن الآداب العاديّة مطلوب تحصينها وضمانها دومًا. المطلوب بيئة إنسانيّة صالحة للعمل. هذا بشكل عام. أمّا في مجال عملنا، فلا يخفى على أحد أنّ بيئتنا عائليّة بسبب طبيعة مجتمعنا التّوحيدي الّذي تسوده الألفة فضلًا عن روابط الدّم والقربى، الأمر الّذي يفترض عدم وجود سبب لمعوّقات التّواصل، أو عدم الإنسجام الشّخصي، الّتي قد توجد في وحدات إداريّة أخرى. والبيئة المطلوبة هي تلك البيئة الدّاخلية الصّادقة المفتوحة، والّتي ستنعكس أيضًا وبالضّرورة على الإنتاجيّة والأداء.

تعزيز التنوّع ونبذ التّحجيم

التنوّع والشّموليّة من المبادئ المقرّرة أيضًا في علم الإدارة الحديث، إذ يجب تعزيز التّنوع، والاستفادة من خبرات ووجهات نظر متنوّعة حتّى داخل الفريق الواحد، ممّا يجعل القرار مختمرًا مبنيًّا على نظرة شاملة.

التّنوّع المشار إليه هو المبني على خبرة. والآراء المطلوب تنوّعها هي تلك الّتي يقدّمها من لديه حد أدنى من المعرفة أو الخبرة في مجاله. فالقيادة في علم الإدارة الحديث ليست عسكريّة بل إيجابيّة مشجّعة على التّواصل المفتوح والبنّاء، دون تعالٍ أو تحجيم. ولا يخفى ما لتشجيع التّنوع والمقاربات المختلفة من أهميّة، شرط أن تكون المقاربة مبنيّة على تجارب وخبرات.

التنسيق

التّنسيق ضامن التّوافق والانسجام. وبالنّظر إلى أنّ من يقوم بالعمل هم بشر، وقد تُنتج الطّبيعة الإنسانية في بعض الأحيان تعقيدات أو عدم انسجام أو منازعات، فيقتضي التّصدي لهذه الحالات مسبقًا عبر تنسيق العمل بين الوحدات المختلفة، عبر آليّات مختلفة تكفل منع ازدواج الصّلاحيّة، وتتجنّب التّنازع في التّنفيذ. ومن يقوم بذلك بطبيعة الحال هو القائد الإداري أو مجالس ولجان خاصّة، بحيث لا يكون المنسّق من نفس مستوى الوحدة لضمان الالتزام بما يقرّره.

الرّقابة الذّاتيّة بالتّوازي مع الرّقابة الإداريّة

الرّقابة المطلوبة قبل أيّة رقابة هي الرّقابة الذّاتيّة الّتي يمارسها الشّخص بحقّ نفسه، فيرتقي إلى مرحلة ينظر فيها بعين النّقد إلى عمله، فيحدّد نقاط القوّة والضّعف فيه، ويتّخذ التّدابير اللّازمة للتّحسين أو التّصحيح.

التّعلّم والتّطوير المستمرّ

التّعلّم والتّطوير المستمر للإنسان يعتبران أساسيّين للنّمو والنّجاح الشّخصي والمهني، ويلعبان أدوارًا متعدّدة في حياة الفرد وفي بيئة العمل؛ منها: تحسين المهارات والتّكيّف مع التّغيير، كما تعزيز الثّقة، وتطوير الابتكار، وتوسيع دائرة المعارف، وبناء العلاقات الجديدة للتّعامل مع التّحدّيات والفرص الجديدة. يسهم ذلك في تحقيق الرّضى الشّخصي والمهني في الحياة. ولا يخفى ما لورش العمل والتّدريب من أهميّة، وهي الّتي تتكلّف الإدارة عليها في سبيل تنمية معارف العامل، فينبغي إذن أن تثير اهتمامه لا تأفّفه.

لمحة سريعة عن ضوابط الإدارة في الإسلام

إنّ مبادئ الإدارة العامّة الّتي عرضنا بعضها أعلاه هي ضامنة النّجاح. وهي المستقاة من تجارب بشريّة، أدّت إلى استنباطها وتثبيتها مبادئ جوهرية واحدة في كل إدارة سليمة صالحة لكلّ زمان ومكان.

أمّا الاسلام فقد كان له فضل السّبق في ترسيخ مبادئ وأصول، ساهم الفكر الإسلامي الغزير في إثرائها، وانعكس تطبيقها في اختيار القادة والولاة وعمّال الدّولة، وأسس التّنظيم الإداري، مع إضفاء الطّابع الإنساني على جميع هذه النّواحي.

وبطبيعة الحال حرص الخلفاء على إحقاق الحقّ، ورسم العلاقة المتوازنة بين حقوق وواجبات المواطن، وضربوا الأمثلة الّتي قلّما يجود التّاريخ بها في حاكم يجمع التّواضع والرّأفة والحلم، كما الحزم والشّدة دون ظلم، حاكم يجمع الحكمة والتّروّي، والشّجاعة والإقدام والهمّة، يُعلي من شأن الأدب والشّعر والفنون، بقدر تشدّده في نشر المعرفة وتطوير العلوم، يصل الشّعراء ويقرّب أهل العلم.

ومن مبادئ الإدارة الإسلامية الشّورى والإنصاف والتّواضع والتّعاون والمسؤوليّة.

الشورى

الإدارة الإسلاميّة توجب ألّا يقضي المسؤول برأيه تسرّعًا، بل تفرض التّروّي والتّدبر والتّفكر ومناقشته والاستشارة بشأنه. وقد قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (آل عمران: 159). {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}(الشورى ٣٨) وغيرها الكثير من الشّواهد المباشرة القاطعة بوجوب الشّورى.

وعن النبي (ص) قال: لَقِّحُوا عُقُولَكُمْ بِالْمُذَاكَرَةِ، وَاسْتَعِينُوا عَلَى أُمُورِكُمْ بِالْمُشَاوَرَةِ (الماوري) وقال أيضًا (ص) «ما استغنى مستبّد برأيه وما هلك أحدٌ عن مشورة». وقال أبو بكر (ر) في أولّ خطبة له بعد مبايعته: أيّها النّاس فإنّي قد ولّيت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوّموني. وكان عمر (ر) لا يستأثر بالأمر دون المسلمين، ولا يستبدُّ عليهم في شأنٍ من الشّؤون العآمّة، فإِذا نزل به أمر لا يبرمه حتّى يناقش الرّأي معهم فيه، ويستشيرهم.

وإذا كان هذا دأب الخليفة وهو رأس الدّولة. فمن باب أولى تطبيق الحكم بحقّ كلّ مسؤول، وكلّ قائد أو رئيس إداري، مهما كانت درجة مسؤوليّته.

المساواة والعدل والإنصاف

جاء الإسلام بالمساواة. قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: ١٣) وقال النّبي (ص) لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ ، ولا لأبيضَ على أسودَ ، ولا لأسودَ على أبيضَ إلَّا بالتَّقوَى ، النَّاسُ من آدمَ ، وآدمُ من ترابٍ (صحّحه الألباني عن جابر)
والإسلام يوجب العدل والإنصاف. فقال تعالى {إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان} (النحل: 90). وعن النبي (ص) أنّه قال: ما مِن والٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ وهو غاشٌّ لهمْ، إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عليه الجَنَّةَ (رواه البخاري). وهو القائل أيضًا عندما سُئل (ص) أيُّ الجهادِ أفضلُ؟ قال: كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائرٍ.

التّعاون والتّضامن

قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ} (المائدة: 2). وقال النبي (ص): «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً» (البخاري). وقال أيضًا:
«مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ. مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى» (رواه مسلم)

المسؤوليّة

قال تعالى: {فَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} (الأنعام: ١) وعن النبي (ص) أنّه قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (رواه البخاري ومسلم).

وقد جعل القرآن الكريم العمل هو معيار تحديد مركز المسلم وتعيين درجته في الدّنيا والآخرة فقال تعالى: {وَلِكُلٍّۢ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (الاحقاف 19) {‏‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة 11)

وذكرنا أنّ الإسلام حقّق المساواة بين المسلمين، ولكنّ المجتمع نفسه المتضمّن للاختلاف بين النّاس في درجات الإيمان أو العمل أو العلم أوجب مبدأ التّدرج في العمل التّنظيمي الإداري.
كما أوضح الإسلام أيضًا مبدأ التّلازم بين السّلطة والمسؤوليّة، فقال تعالى {كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِینَةٌ} والمسؤوليّة كاملة شاملة لنشاط الإنسان. {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.
الشّفافيّة والرّجل المناسب في المكان المناسب:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} (النساء: 135) وقال تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} (القصص 26) وقال النّبي (ص) إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظر السّاعة، قال: كيف إضاعتُها يا رسول الله؟ قال: إذا أسندَ الأمْرُ إلى غير أهله، فانتظر السَّاعة (رواه البخاري).

مقالات - اجتماعيات

59d0f4cac811ea4f2268e80a.382a1057bdcd30b1b1a04cff

الحضارةُ والأخلاق

يقولُ كانط:»شيئان يثيران في نفسي الإعجاب والاحترام: السماء ذات النجوم من فوقي والقانون الأخلاقي في داخلي». أجل.. ففي حياة الإنسان ما هو …

12

تحدّيات صفقةُ القرن

يبدو أنّ محدّدات العقل السياسي العربي: القبيلةُ والغنيمةُ والعقيدةُ كما نظّر لها محمّد عابد الجابري صحيحة ومعقولة تاريخيًّا في إطار التّراكمات التاريخيّة …

screen-3

في خطبةٍ ألقاها الأب الفـرد دوران، مُـدرّس شرح الأسفار المقـدّسة في المكتب الشرقي، نشرتها مجلّة المشرق في العـدد الثاني لشهر شباط سنة …

skynews-beirut-explosion-aerial_5058899

الرّابعُ من شهر آب/أغسطس 2020، تاريخٌ أليمٌ أُضيف إلى الذاكرة اللبنانية الثّكلى بالأحداث المأساوية والكوارث الطبيعية والأزمات المتتالية، بعد انفجارٍ مشؤومٍ أطاح …

مدينة صلخد

كان العثمانيون في عقد التسعينيّات من القرن التاسع عشر قد نجحوا في شق الموقف الموحّد للدروز الذي سبق له أن كان يحول …

20200708-Australian-Immigration

اخبار مثيرة للقلق تتناقلها وسائل الاعلام والتواصل اللبنانية، طوابير طويلة من اللبنانيين، والشباب منهم خاصة ، امام ابواب السفارات سعياً للهجرة من …

IMG-20200702-WA0015

لم يكن الانفجار الكارثي الذي هزّ أرجاء العاصمة وأشعل مرفأ بيروت، مسبوقًا بظروفٍ معيشيّة طبيعيّة، فقد أرخت الأزمة الاقتصادية التي اشتدّت منذ …

Untitled-1

في المَوت والأسئلة المرتبطة به صدقَ أبو العلاء المعرّي، عبقريُّ كلِّ الأزمنة، حين اعتبر وبجرأة نادرة، أنَّ ما من حقيقة عَصِيّة على …

احدى لوحات غاندي ابوذياب في كهف الفنون

في العام 1892، بدأ ماكس فون أوبنهايم الذي حمل ألقاباً عدة منها – المستشرق والمؤرخ والآركيولوجي والأنثروبولوجي – رحلته نحو الشرق، حيث …

1

نشأت في القرن السابع الميلادي منطقة إداريّة عسكرية في بلاد الشام تضمّنت اسم نهر الأردن، هي جُند الأردن، قاعدته العُظمى طبريّة، وذلك …

DHOHA-Logo

السيّدة غادة: لطالما عكفت جمعيتُنا (جمعية صبايا وشباب دروز) على لَمِّ شمل الأبناء والعائلات من طائفتنا (طائفة الموحدين الدروز) وعلى الاستمرار في …

العلاّمة الشيخ عبد الله العلايلي.

العلاّمة (المرحوم) الشيخ عبد الله العلايلي هو عبدالله عثمان العلايلي (1914-1996)*، أحد أبرز لغويي وفقهاء وأدباء العالم العربي في القرن العشرين. أطلقت …