السبت, آذار 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

السبت, آذار 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

كل الجهات… القدس!

لا تستطيع ، ولا أية مطبوعة ثقافية عربية، أن تكون بمنأى عن تحوّلات الحدث الجلل الحزين الذي ألقى بظله الثقيل على الأراضي العربية الفلسطينة أواسط الشهر الأخير من السنة الماضية والذي تمثّل بالقرار الجائر من رئيس الدولة الأولى في العالم اليوم (لجهة الإمكانات والقوة العسكرية والاقتصادية) دونالد ترامب والذي تضمّن الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة للكيان الصهيوني ونقل سفارة بلده بالتالي إليها.
وليس أدلّ على خطورة ما أقدم عليه الرئيس الأميركي ترامب من متابعة الإجماع الفلسطيني، والعربي، والإسلامي المسيحي، بل والدولي ضد خطوته على نحو جعل الولايات المتحدة (بين مشاهد مشابهة أخرى) تقف وحيدة في مجلس الأمن الدولي ضد باقي بلدان العالم الممثل في المجلس (14 صوتاً مقابل صوت الولايات المتحدة وحيداً) في جلسة 18/12/2017، إلى مشاهد مشابهة أخرى بدت فيها الولايات المتحدة مع إسرائيل في مواجهة العالم بأجمعه، فخطوة ترامب تنقض الاجماع الأممي والدولي في رفض أي تغيير للوضعية القانونية والسياسية للقدس في ظل الاحتلال، وفي اعتبارها مدينة فلسطينية محتلة إلى أن تجد حلاً نهائياً عن طريق التفاوض وليس الاحتلال العسكري، أو فرض الحلول بالقوة.
ومع الأسف لتخلي الراعي الدولي الأول عن مسؤولياته حيال ملف القدس، ومن باب تقديرنا مع العالم بأسره لخطورة خطوة ترامب، ليس حاضراً فقط، وإنما مستقبلاً وبالمعنى الشامل، كما عبّر عن ذلك بوضوح البيان الصادر عن سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز بتاريخ….، وتضامناً مع المدينة الفلسطينية العربية، المسيحية الإسلامية بامتياز، فقد جعلنا للقدس ملفاً خاصاً أوّل، في العدد هذا جعلناه تحت عنوان

“كل الجهات… القدس”.
وبالرغم من عامل الوقت الذي يعقّد من متابعة الدوريات الفصلية للحدث المتحرك بسرعة، فقد كان الملف الذي جهّزناه تحت ضغط عامل الوقت أقل ما يجب القيام به إسهاماً ولو بالقليل في فضح بطلان الإجراء الأميركي المتسرع والجائر، وزيف كل المبررات التي استند إليها. مع التسليم ببطلان كل الأسباب والمبررات السياسية والقانونية التي أعطيت للقرار، وإفصاحه بالخط العريض عن وحدة الأهداف بين سياستي الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن خلفية تصرف ترامب إنما أظهرت ثقافياً، برأي الكثيرين، إلى الأسباب السياسية الأخرى، حقيقتين اثنتين هما، أولاً تجاهله للحقائق التاريخية، وثانياً، تقديمه المصالح السياسية على حساب الحقائق والقيم. وإذا كان واحد من السببين أعلاه يكفي ليضلّ الحاكم سواء السبيل (رحمة الله على أفلاطون في ’جمهوريته’ وعلى الفارابي في ’مدينته الفاضلة’) فكيف إذا اجتمع السببان معاً.
نؤكد أن القدس فلسطينية عربية منذ ثلاثة ألاف سنة، وأن اليهود لم يسكنوها إلا للحظات، وبالمعنى الحرفي قياساً بزمنها الفلسطيني العربي المشرقي المديد. وبذلك فقد كرر الرئيس الأميركي مأساة وعد بلفور، أي لقد “أعطى من لا يملك” أرضاً لمن “ليس له حق فيها”. إذ وفق أي قانون يتصرف رئيس دولة ما (مطلق دولة، وكائناً ما كانت قوتها) بالحقوق الوطنية والتاريخية الثابتة وفق القانون الدولي (وأولها الأرض) فيقدّمها لجهة لا تملك أي حق له فيها؟

وللتذكير فإن العالم منذ سنة 1947، أي قبل اصطناع دولة إسرائيل، كان حريصاً على تنبيه الجميع إلى أن القدس هي فوق المصالح والسياسات، وأنها إرث روحي يخص العالم بأسره والمؤمنين بأسرهم. والعالم ذاك، ممثلاً بالأمم المتحدة بدأ حرصه على طلب إعلان القدس عاصمة للمؤمنين بأديان الله كافة، وليست لدين واحد، وختم إعلاناته تلك – حتى الآن – بإعلان مجلس الأمن سنة 2016 قراره الأممي رقم 2334 بتاريخ 23/12/2016 الذي نصّ صراحة على عدم اعترافه بأي تغيير في حدود الرابع من حزيران 1967 في ما خص الأراضي، بما فيها القدس، “إلا إذا توصّل الطرفان إلى تسوية في هذا الشأن، وعبر مفاوضات”. وما تصويت مجلس الأمن الدولي ثم الجمعية العامة للأمم المتحدة بما يشبه الإجماع ضد قرار ترامب، غير برهان إضافي على أن ترامب في واد، والعالم بإسره، تقريباً، في واد آخر.
ونؤكد مرة أخرى أن في القدس أقدس مقدسات المسيحيين والمسلمين (عشرات الأمكنة)، ولذلك فقد غدت القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، كما أنها تحتفظ بتاريخ روحي مسيحي عريق.

ومع ذلك، فالأكثر خطورة في قرار ترامب هو تداعياته المستقبلية. فلم يتأخر بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بربطه أية مفاوضات في المستقبل مع الفلسطينيين باعترافهم أولاً بقرار ترامب اعتبار القدس يهودية وعاصمة ’أبدية’ لإسرائيل.
ولم تتأخر لجنة الاستيطان الصهيوني في استثمار الوضع الناشئ فأعلنت دون إبطاء عن النيّة لبناء أربعة عشر ألف وحدة سكنية جديدة في القدس المحتلة والمستوطنات الصهيونية المحيطة بها.
والتحرك الإسرائيلي السريع والمنسّق لاستثمار التصعيد الأميركي ليس غير جزء من الاستراتيجية الصهيونية المستمرة القائمة على عدم تقديم أية تنازلات – ولو صغيرة – بخصوص الأرض وإجبار الفلسطينيين والعرب بالمقابل على القبول بالأمر الواقع الجديد وقبول ما يبنى عليه. وأكثر الأدلة وضوحاً تصريح نتنياهو الأخير في باريس وما معناه أن الإجراء الأميركي يعجّل في عملية السلام التي تقوم على “اعتراف الفلسطينيين بالأمر الواقع”.

لكن حسابات حقل ترامب – نتنياهو لم تتطابق ومعطيات الحقل الفلسطيني، والعربي، والدولي. فقد أشعلت خطوة ترامب ردود أفعال فلسطينية غاضبة، من القدس المحتلة إلى رام الله وغزّة، وبدا أن الفلسطينيين قد توحّدوا من جديد وأنهم جاهزون للذهاب في التصدي للقرار الأميركي إلى أقصى حد، وإلى حدود ما يقترب من انتفاضة ثالثة بدت نُذُرُها في عدد الشهداء والجرحى والأسرى الذي باتت تحمله أخبار كل صباح من المدن والبلدات الفلسطينية.
عربياً، بدا أيضاً أن قرار ترامب قد أعاد القضية الفلسطينية، ومحورها القدس، إلى صدارة أولويات الشعوب العربية، بعدما نجحت المآرب السياسية الأنية في جعل ’الإرهاب’ هو القضية وعلى حساب القضية الفلسطينية. أعاد القرار الأميركي الأمور إلى نصابها وعادت القضية الفلسطينية في رأس أولويات القضايا العربية وربما العالمية أيضاً.
وانفجرت دولياً في وجه ترامب – نتنياهو مواقف من العالم بأسره، حكومات ومنظمات وشعوباً، في أوروبا وأميركا اللاتينية وإفريقيا وشرق أسيا، رافضة هذا الاستخفاف الأميركي بالحقوق التاريخية الوطنية للشعب الفلسطيني، وبالقرارات الدولية الصريحة في هذا الشأن.
القدس، مدينة السلام، زهرة المدائن، ’خزنة’ أديان التوحيد، وذاكرتها، ومن غير المعقول أن تستمر العربدة الصهيونية فيها أو حولها إلى ما لا نهاية. هي لحظة من الزمن وستمضي في النهاية، كما مضى غيرها، وتعود القدس قِبلة وملتقى لكل الباحثين عن السلام في مدينة السلام، ولبني البشر كافة، يجمعهم اشتراكهم في الجوهر الإنساني، والحقوق الأساسية المشتقة منه، كما يجمعهم إيمانهم، وما يشتق منه – ولا نقول يترتب عليه – من واجبات. وحين تتوازن الواجبات والحقوق، في الأفراد والعلاقات والسياسات، نقترب من تحقيق إنسانيتنا، وعلى قدر ما تسمح به ظروف عيشنا، وعلى أمل أن يكون ذلك خطوة في طريق خلاص أكثر شمولاً – نحو الحق والحقيقة.
تسهم ’الضحى’ في الحملة العربية، والإسلامية المسيحية، والدولية، ضد قرار ترامب بهذا الملف الذي جرى إعداده في وقت قصير، ويتضمن ثلاث فقرات:
– الإعلانات اللبنانية، والعربية، والمسيحية الإسلامية، التي
صدرت ضد القرار،
– بطلان قرار ترامب من وجهة نظر القانون الدولي،
– و”القدس في التاريخ”

كنيسة القيامة
كنيسة
القيامة

ردود الأفعال على خطوة الرئيس الأميركي الجائرة

في هذا الإطار، صدرت عن جهات روحية وزمنية عدة بيانات ووثائق استنكرت الإجراء الأميركي أهمها:
1- عن المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز،
2- الوثيقة الصادرة عن القمّة المسيحية الإسلامية في بكركي
3- التوصية الصادرة عن المجلس النيابي اللبناني.
4- القمّة الإسلامية في إسطنبول.
5- فضلاً عن إعلان الاتحاد الأوروبي موقفه الواضح عبر إعلانه
أن القدس الشرقيّة هي عاصمة دولة فلسطين…

◄ ففي بيان المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز في اجتماع
مجلس إدارته نهار الثلاثاء في 12/12/2017 برئاسة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن أكّد فيه «تمسّكه بالقدس كمدينة جامعة لها خصوصيّتها الروحانيّة الخاصّة وصفتها التمثيليّة للديانات السماويّة، رافضاً مصادرتها من أي طرف كان لاسيّما سلطات الاحتلال الإسرائيلي. وحذّر من التداعيات الناجمة عن مثل هذه القرارات. داعياً إلى تحرّك عربي عاجل يكون على مستوى هذا التحدّي الخطير الذي يطال المسلمين والمسيحيين على السواء، باعتبار أن القدس الشريف هي عاصمة دولة فلسطين المستقلّة»(1).

◄ كما أكّدت القمّة الروحيّة المسيحيّة الإسلاميّة التي عقدت في
بكركي نهار الخميس في 14/12/2017، على أن «تهويد القدس هو تحدّ لثلاثة مليارات شخص… وأن قرار الرئيس الأميركي ترامب الاعتراف «بالقدس عاصمة إسرائيل» يسيء إلى ما ترمز إليه مدينة القدس وهو مبني على حسابات سياسيّة… لا سيّما أن القدس تزخر بمواقع تاريخيّة مقدّسة لدى الديانات التوحيديّة وليست مدينة عاديّة كغيرها من مدن العالم لها موقع مميّز في ضمائر مؤمني هذه الديانات…».
وأشار البيان الختامي لقمّة بكركي إلى أنّ «أصحاب القداسة والغبطة والسماحة يرفضون هذا القرار ويطالبون بالرجوع عنه فضلاً عن مخالفته القوانين والمواثيق الدوليّة… وإن القدس الشرقيّة هي عاصمة دولة فلسطين…» (2).

◄ نهار الجمعة في 8/12/2017 انعقد مجلس النواب اللبناني
بدعوة من رئيسه الأستاذ نبيه بري في جلسة خاصة كرست لمناقشة خطورة خطوة الرئيس الأميركي حيال القدس والتداعيات المحتملة للقرار على الصعيد الفلسطيني والعربي والدولي.

كما جاء في البيان الختامي للقمّة الإستثنائيّة لمنظمة التعاون
الإسلامي المنعقدة في إسطنبول نهار الأربعاء 13/12/2017 ما يلي: «نرفض وندين بأشدّ العبارات القرار الأحادي غير القانوني وغير المسؤول للرئيس الأميركي ترامب، ونعتبره لاغياً وباطلاً، واعتداء على الحقوق التاريخيّة والقانونية والطبيعية والوطنية للشعب الفلسطيني، وتقويضاً متعمّداً لجميع الجهود المبذولة لتحقيق السلام، ويصب في مصلحة التطرف والإرهاب ويهدّد السلم والأمن الدوليين». على هذا الأساس، تعلن القمّة الإسلاميّة أن «القدس الشرقية هي عاصمة لدولة فلسطين وتدعو الدول إلى أن تعترف بدولة فلسطين وبالقدس الشرقيّة المحتلّة عاصمة لها، مؤكدين أن على واشنطن أن تنسحب من دورها في عمليّة السلام»(3).

توصية مجلس
النواب اللبناني

إن مجلس النواب اللبناني المجتمع في 8 كانون الأول سنة 2017 لبحث موضوع القرار الأميركي بخصوص القدس الشريف، يعتبر أن القرار المتعلق بنقل السفارة الأميركية والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل يقود إلى الحروب ويهدد الأمن والسلام الإقليمي والدولي ويشكّل غطاء للاحتلال الإسرائيلي وعدوانيته وعملياته الاستيطانية وكل تجاوزاته على القوانين الدولية والإنسانية. كما أن القرار يشجع النوايا العدوانية الهادفة لأسرلة وتهويد فلسطين، ويهدد الآثار الناجمة عن ذلك بتنفيذ مشاريع التوطين وتذويب الشعب الفلسطيني وشطب القضية الفلسطينية تمهيداً لإعادة صياغة الجغرافيا السياسية في المنطقة العربية.
إنّ مجلس النواب إذ يستنكر ويدين هذا القرار يؤكد أن بناء وصنع السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط إنما ينطلق من تأكيد الحقوق والأماني الوطنية للشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وفي تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولية المتعلقة بالأراضي العربية.
والمجلس يؤكد على:
1- دعم حق الشعب الفلسطيني في مقاومته ونضاله المشروع
للتخلص من الاحتلال الإسرائيلي لنيل كل حقوقه في العودة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
2- الرفض الشديد لموقف الإدارة الأميركية بشأن إقفال مكتب
منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن.
3- إدانة قرار الاحتلال الإسرائيلي الاستمرار في مشاريعها
الاستيطانية الاستعمارية في أراضي دولة فلسطين المحتلة.
4- إخلاء سبيل البرلمانيين الفلسطينيين المختطفين والمعتقلين في
سجون الاحتلال أو الموقوفين إدارياً مما يستوجب موقفاً عقابياً رادعاً من قبل البرلمانات والمنظمات البرلمانية الإقليمية والدولية وعلى رأسها الاتحاد البرلماني الدولي.
5- دعمه للمصالحة الوطنية الفلسطينية من خلال منظمة
التحرير الفلسطينية وتوجيه الطاقات كافة لاستكمال مسيرة الاستقلال الناجز بعودة اللاجئين إلى ديارهم وإقامة الدولة المستقلة كاملة السيادة.
6- توجيه كل الجهود العربية والإقليمية لوضع الإمكانات كافة
في سبيل إيصال الفلسطينيين لحقوقهم وتجنب كل الصراعات الأخرى.
7- إبلاغ هذه التوصية إلى الإدارة الأميركية باسم الشعب اللبناني
والحكومة اللبنانية ولأعضاء مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، واعتبارها وثيقة رسمية باسم الشعب اللبناني.
بيروت في: 8/12/2017
رئيس مجلس النواب
نبيه بري

القدس
في التاريخ

د. صالح زهر الدين

في السادس من كانون الأوّل 2017، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وثيقة أطلق عليها «وثيقة الوعد» الرسميّة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل بعد توقيعه عليها في البيت الأبيض. معلناً في الوقت نفسه أن القرار تأخّر، فأقدم حيث لم يجرؤ أيّ من أسلافه في البيت الأبيض، وهذه الوثيقة تقضي بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس…
وحده بنيامين نتنياهو (رئيس الوزراء الإسرائيلي) هتف قائلاً: «هذا يوم تاريخي»، ثم ألا نستطيع القول، أن هذا الإعلان الترامبي هو «وعد ترامب» الأميركي مثلما هو «وعد بلفور» البريطاني واستكمالاً له؟
أليس هذا الإعلان الأميركي هو بمثابة «القرار الأخطر» في التاريخ الفلسطيني، الذي يعادل قرار «إقامة دولة الاحتلال الصهيوني» على أرض فلسطين العربية؟ أليس هذا «الوعد الترامبي» بخصوص القدس.
في ضوء ذلك نتساءل: لماذا القدس اليوم؟ وما أهميتها في التاريخ ماضياً وحاضراً ومستقبلاً؟ وماذا عن مصيرها ومقدساتها بعد قرار الرئيس الأميركي ترامب بشأنها؟ وما الموقف والاقتراحات إزاء ذلك؟
قال أحد الكتاب: إذا طُلِبَ من إنسان أن يعرّف عن نفسه، فإنه يقدم بطاقة هويته الشخصية أو جواز سفرٍ، أو إخراج قيد، أو ما شابه. وإذا طُلِبَ من أمّة أن تعرّف عن نفسها، فإنها تقدم علماءها ومفكّريها ومؤرّخيها وأطباءها ومهندسيها وفنّانيها وعباقرتها وأبطالها، كبطاقة تعريف لها… لكننا نحن بدورنا نقول إنه إذا طُلب من القدس أن تعرّف عن نفسها، فإنها ستقول بلا شك إسألوا التاريخ، لأن «الـقـدس مدينة التاريخ، وكأنها والتاريخ توأمـان لا ينفصمان»(1).
والجدير بالذكر، أن السيد المسيح عليه السلام دخل القدس راكباً على حمار تحقيقاً لنبوءة زكريا، واستُقبل بسعف النخل دلالة على انتصار كلمة الحق، وشرع في الوعظ ملقيا خطبة إثر أخرى. غير أنه أظهر غضباً كبيراً عندما رأى في ساحة الهيكل الباعة والبضائع وحركة التجارة، فطردهم صارخاً: “بيتي بيت الصلاة يُدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص”. بعد ذلك حاور كهنة اليهود ناقضا عليهم جمود الروح، ومرّة أخرى تصبح البقعةُ التي تقوم عليها القدسُ وما حولها اصطفاءً إلهياً لنشر العدالة في الأرض … وأخيراً توّجت أمجادُ الصبغة المقدسة للمدينة، باختيارها من قبل الباري سبحانه وتعالى، كموضع صلة بين السماء والأرض، إذ أسرى بالنبي الكريم إليها، ومنها عرّج إلى السماء، فكان أن اتخذ من المسجد الأقصى قبلة أولى للمسلمين(2)﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ1﴾ (سورة الإسراء). و«لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلّم (في المدينة المنوّرة)، والمسجد الأقصى» (رواء مسلم عن أبي هريرة).والـواقع، أن ما يجري الـيـوم مـن «توأمة» مـدن وقرى ومدارس ومستشفيات وغيرها في العالـم لن يصل إلى أهم «توأمة» في التاريخ ولن يشهد التاريخ بعدها «توأمة» بهذه الأهمية. تلك «التوأمة القرآنية» التي جمعت القدس بمكّة المكرّمة.
بعد أن أصدر الرئيس الأميركي (دونالد ترامب) قراره الشهير بشأن القدس، فإننا نستطيع القول أنّه إذا كان الناس في الماضي يستعينون بالنجم القطبي والبوصلة في تنقلاتهم، فإننا اليوم، بالنسبة للقدس والمقدسات، بحاجة إلى «قطب» وإلى بوصلة أيضاً، تدعى «بوصلة القدس»، لا تتجه إبرتها نحو الشمال – كما هو متعارف عليه – بل تتجه إلى هناك. إلى القدس وفلسطين فقط… لأنه لا‎ ‏ يمكن أن يوجد في العالم قضية يجب أن يتفق عليها العرب والمسلمون بحجم قضية القدس، فالقدس هي أرضُ الله ولا يمكن التنازل عن أرض الله مهما كانت النتائج، وإلا لن نكون جديرين بالانتماء الحق لرسالة السيد المسيح عليه السلام ولرسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلّم، ولا لمدينة الله ومدينة السلام، التي رأى فيها الشاعر الإيطالي «دانتي» محورَ الكون، وبلغت من السموّ مركزاً قلَّ أن بلغه مكان آخر في العالم(3).
والحقيقة أن شعار «الـيـهـود شـعـب الله الـمختار» وشـعـارَ «الأرض الموعودة» يقول عنهما البابا الأنبا شنوده الثالث: «إن اليهود جاؤوا إلى فلسطين (التي يسمّونها الأرض الموعودة) ليس بوعد من الله، بل بوعد من بلفور»(4). الذي كان «أوّل وثيقة لخلق أوّل وطن قومي يهودي»(5)، ورغم ذلك، ستبقى القدس لؤلؤة العرب والمسلمين وضمير الأمّة، وأرضها من أقدمِ مواطن الإنسان، ولقد اختصّها الله بفضله دون بقاع أرضه فكانت من أقدم بقاع الأرض التي عرفت التوحيد ومهبط الرسالات السماوية ودرج على أرضها رسل كرام.
على هذا ستبقى القدس حاضرة فينا حضور القداسة في مقدساتها، وحضور العدل في ميزان العدل… حاضرة فينا حضور المسيحية في السيد المسيح عليه السلام، وحضور الإسلام في النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم… وعندما كان من المستحيل أن تتبرأ المسيحية من مسيحها، وأن يتبرأ الإسلام من نبيّه الكريم، فمن المستحيل أن تغيّب القدسُ عنا، فهل نغيب عنها؟
في معرض ذلك، لا بد من الإشارة إلى بعض ما تطرّق إليه «الأب الروحي» للصهيونية الدكتور تيودور هرتزل، حيث قال: «إذا حصلت يوماً على القدس وكنت ما أزال حياً وقادراً على القيام بأي شيء، فسوف أزيل ما هو غير مقدس لدى اليهود، وسوف أحرق الآثار التي مرت عليها القرون»(6).
أليس ما يجري حالياً – وما جرى – في القدس هو التعبير الحيّ عمّا ذكره هرتزل؟… فلو كان هذا الكلام الهرتزليّ بمثابة ‎«وصيّة»،‏ لما كان اليهود ينفذونه بهذه الدقّة وبهذه الروحية الهرتزلية الصهيونية…
وفي هذا الإطار، قال دافيد بن غوريون أيضاً: «إذا أردنا خلاصاً يهودياً مئة في المئة، فلا بدّ من استيطان عبري مئة في المئة، ومزرعة عبرية مئة في المئة، ومرفأ عبري مئة في المئة..»(7). وبالطبع فإنه يتضمن القدس كحلقةٍ مركزيةٍ في السلسلة اليهودية، لذلك نرى بن غوريون يقول: «لا قيمة لإسرائيل بدون القدس ولا قيمة للقدس بدون الهيكل»(8).
والجدير بالذكر، أن اليهود بارعون صهيونياً بفبركة «مطابخ الأفكار» و«مـصانع الـمـزاعـم والادعاءات» وليس زعـمـهـم وادعاؤهم بـ «يـهـودية» القدس، إلا من هذا القبيل والتي تعود إلى أيام النبيين داوود و سليمان (ع)، في أعقاب احتلال القدس في القرن العاشر ق. م. حيث لم تدم سيطرتهما عليها أكثر من 70 عاماً… بينما تؤكد وثائق التاريخ وآثاره (كما سنرى لاحقاً) أن القدس مدينة عربية كنعانية: وليست يهودية حكمها العرب أكثر من ثلاثة آلاف سنة، بينما حكمها اليهود حوالي 70 سنة فقط… فحقائق التاريخ إذن، أصدق من اليهود ومزاعمهم وأباطيلهم، ولن تغيّر القوّة شيئاً من هذه الحقائق، مهما برعت أيادي التشويه والتحريف والتزوير في هذا الفن… فالقدسُ التي دخلها الملك داوود واحتلها لم تكن مدينة داوود، ولا مدينة اليهود، بل كانت مدينة موجودةً وقائمةً بذاتها، ولم يبنها داوود… وقد أكّدت كل الحفريات التي قامت بها كل البعثات الأجنبية واليهودية أنها لم تقدم حتى الآن أي دليل أو أثر يهودي يعود إلى عصر داوود وسليمان في منطقة القدس، والأقصى تحديداً….
من هذا المنطلق، فقد تعرضت القدس بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، إلى ما يشبه «ضربة السكين» في سنة 1948، فشطرتها إلى قسمين. فبعد أن أعلن قيام دولة الاحتلال الصهيوني في منتصف شهر أيار 1948، ونشبت المعارك العربية – الإسرائيلية على هذا الأثر، تعيّن الخط الفاصل بين الجزء الغربي من القدس، والجزء الشرقي منها بتاريخ 22 تموز 1948، ثم وقّع الأردن مع دولة الاحتلال الصهيوني اتفاقية وقف إطلاق النار على الجبهة الشرقية في 30 تشرين الثاني 1948، وتبعتها اتفاقية هدنة وقّعها الطرفان في 3 آذار 1949… وبتوقيع هذه الاتفاقية تمّ في الواقع تأكيد حقيقة اقتسام مدينةِ القدس بين الطرفين: الجزء الغربي الموجود فيه الجيش الإسرائيلي لإسرائيل، والجزءُ الشرقي الذي كان تحت سيطرة الجيش الأردني للأردن(9). وبعد حرب حزيران 1967، وقعت القدس الشرقية تحت الاحتلال وبدأت إجراءات تهويدها على قدم وساق، ولا تزال منذ ذلك الوقت، والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تعمل تارة بالسرّ وتارة بالعلن على تهويد المدينة المقدسة وتوسيع بؤر الاستيطان، ووضع البرامج المنظمة والمكثفة لبلوغ هذا الهدف. وقد جاء قرار ترامب اليوم تتويجاً لكل هذه الإجراءات المخالفة للقرارات الدوليّة…
ففي 7 حزيران 1967 – مثالاً- بعد أن احتلت القوات الإسرائيلية القدس القديمة، وأحكمت قبضتها على المدينة برمتها، تقدم «موشي دايان» و«شلومو غورن» حاخام الجيش الإسرائيلي في اليوم التالي ليقف على رأس ثلّة من الجيش بالقرب من حائط المبكى -ـ الحائط الغربي للحرم القدسي الشريف – ويقيم الشعائر الدينية اليهودية معلناً في ختامها: «إن حلم الأجيال اليهودية قد تحقق، فالقدس لليهود ولن يتراجعوا عنها وهي عاصمتهم الأبدية»(10)، وكذلك قال دايان: «لا فراق بعد اليوم، ولا عزلة، ولا ابتعاد. سنبقى معاً: الشعب والأرض والحائط».
بعد ذلك التاريخ، وسلطات الاحتلال الصهيوني تواصل حملات وإجراءات التطبيق لمخططات الضم بغية ضمان السيطرة على القدس عسكرياً وجغرافياً وسكانياً ولم يكن ليتسنّى لها ذلك دون أن تحقق السيطرة الاستراتيجية والسيطرة الديموغرافية، وذلك عبر التوجهات التالية:
1- السيطرة الجغرافية على أكبر مساحة مختلفة من الأراضي
المحيطة بالمدينة عن طريق مصادرة الأراضي والاستيطان وإقامة شبكة طرق.
2- عزل التجمع السكاني العـربي في القدس عن التجمعات
السكانية العربية في الضفة الغربية.
3- تطويق القدس بأحزمة استيطانية متصلة قوية، على شكل
تجمعات سكانية تحقق إقامة عازل سكاني يهودي بين القدس وخارجها من جهة، وتحقق سيطرة استراتيجية على التجمّعات العربية داخل القدس من جهة أخرى.
4- تصميم الضواحي الاستيطانية بأساليب بناء فاصلة تخدم
الغرضين: المدني في حالة السلم، والعسكري في حالة الحرب(11).
وبالفعل فقد أقدمت دولة الاحتلال الصهيوني على ضم القدس إدارياً وسياسياً وقضائياً للسيادة الإسرائيلية بتاريخ 28 حزيران 1967، مُقدمة بعد ذلك على سلسلة من الإجراءات على طريق «القضـم والهضـم والضـم» وفق مخطّط «الطرد الصامت والتفريغ الصامت والتهويد الصامت» (والصارخ في الوقت نفسه)، لكامل المدينة. ومن أبرز هذه الإجراءات ما يلي:
1- حل مجلس أمانة القدس العربي ومصادرة سجلاته وأملاكه
المنقولة وغير المنقولة وإلغاء كافة القوانين السائدة واستبدالها بالقوانين الإسرائيلية وإجبار عرب القدس على مراجعة المحاكم الإسرائيلية.
2- مصادرة 131 ألف دونم دفعة واحدة إضافة إلى عشرات
العقارات وأربعة أحياء عربية كاملة وهدم 720 منزلاً ومزرعة داخل أسوار المدينة وإجلاء السكان عنها بالقوة.
3- إحراق المسجد الأقصى بتاريخ 21 آب 1969 وإصدار أمر لليهود
بالصلاة داخل الحرم الشريف إضافة إلى القيام باعتداءات متواصلة على عدد من الكنائس المسيحية، ومنها كنيسة القيامة وممارسة الضغوطات المتواصلة على رجال الدين المسيحي للتنازل عن أملاك أراضي كنائسـهـم، مما أدّى إلى انخفاض عدد رجال الدين المسيحي إلى الثلث والأراضي إلى النصف. ومن المعروف بأن الذي أحرق المسجد الأقصى كان الأسترالي الماسوني «دينيس مايكل روهان» بتكليف من جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) وتنسيق منه مع المحفل الماسوني الأسترالي.
4- قامت السلطات الإسرائيلية بإغلاق كل المصارف (البنوك)
العربية ومصادرة أموالها وإجبار عرب القدس على التعامل مع البنوك الإسرائيلية.
5- منعت السلطات الإسرائيلية التعليم العربي وصادرت الكتب
العربية وطردت المعلمين العرب، أو أبعدتهم إلى الخارج.
6- منعت جميع العرب «الغائبين» أثناء القتال عام 1967 من
العودة وصادرت أملاكهم ويقدّر عددهم بعشرات الآلاف.
7- أغلقت – ولم تزل تغلق – المؤسسات الفلسطينية الدينية
والخيرية والطبية.
8- قامت باستبدال أسماء الشوارع والساحات بأسماء إسرائيلية
لطمس المعالم العربية والإسلامية في المدينة.
9- إنشاء أحياء يهودية داخل وخارج السور وإقامة محيط كامل
من المستوطنات والمساكن والمتاجر اليهودية والمصانع والمنشآت الإسرائيلية.
10- فتح النوادي والملاهي الليلية الاستفزازية قرب المساجد كما
حدث قرب مسجد سعيد في البلدة القديمة.
11- مصادرة شركة كهرباء القدس العربية ووضعها تحت تصرف
الحاكم العسكري الإسرائيلي.
12- فتح باب الهجرة أمام اليهود وتشجيعهم على الإقامة في
القدس وتقديم الأراضي مجاناً.
13- نقل الكثير من المؤسسات اليهودية إلى القدس الشرقية وفي
مقدمتها «الوكالة اليهودية» و«المنظمة الصهيونية» وبعض المقرّات الحكومية الإسرائيليّة…
14- تشجيع الدول الأجنبية على نقل سفاراتها من تل أبيب إلى
القدس، وقد وافقت الولايات المتحدة الأميركية على هذه الخطوة الاستفزازية بعد موافقة الكونغرس على شراء أراض وإقامة السفارة الأميركية عليها، على أن يتم نقل السفارة من تل أبيب إلى المبنى الجديد في القدس بحلول عام 1999»(12). مع العلم أن الأساقفة الكاثوليك الأميركيين (الذين يتبعون للفاتيكان)، أعلنوا معارضتهم لنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، بلسان الأب «بريان هير Brian Hair ‎» أمين لجنة «العدل والسلام» في الولايات المتحدة(13).
15- متابعة أعمال التنقيب والحفر التي بدأت منذ سنوات طويلة،
رغم أنه لم يتم الكشف عن أي آثار يهودية في المنطقة، وحتى في مدينة سلوان نفسها (التي يطلق عليها بالعبري «مدينة ‏داوود») وتقع جنوب شرقي الحرم الشريف، واكتشف فيها ثلاثة من علماء الآثار ‏اليهود وهم: جدعون أفني، وروني رايخ، ويائير بيكوفيتش، اكتشفوا منذ‎ سنوات قليلة، شارع «ملكي صادق» (اليبوسي الكنعاني العربي)، وقد نشرت‎ جريدة «يديعوت أحرونوت» نتيجة أبحاثهم هذه (التي لم تعجب بالطبع الساسة‎ ‏الإسرائيليين) وقال هؤلاء العلماء بجرأة: «إننا نحني رؤوسنا احتراماً ‏لليبوسييين الكنعانيين الذين خلقوا هذه المدينة والحضارة العظيمة، وقد كانت‎ ‏مدينة القدس اليبوسية هذه ضعف مدينة القدس الحالية(14).‎
‏ومما لا شك فيه، أن اكتشاف هؤلاء العلماء الأثريين اليهود له أهمية‎ ‏بالغة، باعتباره ينسف كل مزاعم اليهود وادعاءاتهم بشأن القدس ومقدساتها.‎ ‏وهذا ما يؤكد بأن القدس (كما أسلفنا) ليست مدينة داوود. بل هي مدينة كانت‎ ‏قائمة، فدخلها داوود ولم يبنها أبداً… إنها كنعانية يبوسية عربية وليست ‏يهودية… حكمها العرب منذ ثلاثة آلاف عام، بينما لم يحكمها اليهود أكثر‎ من 70 سنة فقط أيام داوود وسليمان، أي بنسبة 2% فقط من سنوات الحكم‎ الإجمالي لهذه المدينة… وكما قال ‏عنها المؤرخ عارف العارف «إنها أقدم‎ بقعة ذكرها التاريخ آمنت بالله الواحد لا شريك له يشمل بعنايته جميع الخلق»(15).
بالمقابل أوضح تقرير سرّي أعدّته لجنة خبراء مختصّين إسرائيليين، يقضي بوضع حلول سريعة لفرض السيطرة والسيادة الكاملة على القدس الشرقية، على الشكل التالي:
شكلت الحكومة الإسرائيلية لجنة خاصة لوضع الحلول اللازمة برئاسة وزير الأمن الداخلي «أفيغدور كهلانى» وعضوية أبي بلوشتاين، الدكتور صموئيل برنر، شالوم غولدشتاين مستشار رئيس بلديّة القدس للشؤون العربيّة، ومندوبي الأجهزة الأمنية المختلفة – الشرطة، الموساد – الشاباك (شين بيت) – وبقيت اللجنة تعمل على مدار سبعة أشهر، فعقدت لقاءات عديدة مع كبار المسؤولين في الوزارات، وبلورت خطة عمل منظمة تتضمن تعزيز احتلال القدس الشرقية.
هذا ما صرّح به صموئيل برنر لراديو الجيش الإسرائيلي، والذي أضاف: إذا لم تؤخذ هذه المقترحات بعين الاعتبار، فإن القدس الشرقية ستبقى تحت رحمة الفلسطينيين عشرين عاماً آخر.

وكانت توصيات هذه اللجنة على الشكل التالي:
أولاً: طالبت اللجنة بفرض السيطرة والسيادة على القطاع الصحي بالكامل، حيث لاحظت أن هذا القطاع هو فلسطيني 100%، مع العلم أن السلطات الإسرائيلية منذ 1967، لم تقدم لهذا القطاع شيئاً أبداً… كما طالبت، ليس فقط بتعيين مديرين يهود للمشافي، وأن تشرف الوزارة على توزيع واستيراد الدواء، بل طالبت كذلك حتى بتغيير الأسماء العربية للمشافي.
ثانياً: ذكر التقرير أن كل المعامل والمصانع والمشاغل موجودة في القدس الغربية مما جعل الهواء ملوثاً وغير صحي 100%، عكس القدس الشرقية، حيث لا يزال هواؤها نظيفاً وغير ملوّث. وقد انعكس ذلك على كل المظاهر الحياتية الأخرى، وخاصة السياحة… فطالبت اللجنة بتوصياتها توزيع المعالم بالمناصفة بين القدس الشرقية والقدس الغربية، للتخفيف من حدة التلوّث على الأقل.
ثالثاً: لاحظت اللجنة أن الطابع العربي الشرقي الخالص بات ميزة واضحة في شرقي المدينة حيث أصوات المؤذّنين وانتشار المساجد وصلوات الجمعة والشوارع الضيقة، والأبنية الشرقية، فأوصت اللجنة بإصدار قرار يمنع «مكبرات الصوت» في المساجد التي تثير «الضجة الدائمة» في المدينة، وتشحن نفوس السكان، بالقوّة؛ كما طالبت اللجنة بإصدار أمر فوري بإيقاف بناء المساجد في كل أنحاء المدينة وتوسيع الشوارع وهدم عدد من المساجد بهذه الحجة.
رابعاً: يجب العمل فوراً على منع الباعة المتجوّلين في كل أنحاء المدينة، لأن هؤلاء معروفون على أنهم عيون للمنظمات الفلسطينية كما يقول الناس.
خامساً: يجب التسريع باتخاذ خطوات سريعة جداً في سبيل إقامة وحدات استيطانية وأبنية ذات طابع يهودي خالص لأن الطابع العربي لم يزل مهيمناً تماماً على القدس الشرقية، لذلك يجب تغيير أسماء الشوارع والحارات… وحثّ كافة الوزارات على فتح مكاتب وفروع خدمات ومساكن للموظفين اليهود وإقامة محطات شرطة إسرائيلية بالسرعة الممكنة.
سادساً: لفت التقرير نظر المسؤولين إلى شيء هام جداً وهو خطباء المساجد والمؤذّنين حيث يتبع هؤلاء إلى مكتب الشيخ حسن طهبوب وزير الأديان في السلطة الفلسطينية ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى في القدس، والمشرف على النشاطات الدينية والأعياد… والشيخ طهبوب هو المسؤول عن تعيين خطباء المساجد والمؤذنين والإشراف على كتابة خطبة الجمعة في كل المساجد والتي من خلالها يحثّون الناس على عدم التعامل مع «إسرائيل» ويحذّرون من بيع الأراضي أو إسكان اليهود، ويهدرون دم كل شخص يبيع أرضاً لليهود… كما يشرف الشيخ طهبوب على الجمعيات الخيرية التي تقوم بترميم البيوت القديمة المتصدّعة… لذلك أوصت اللجنة في تقريرها بطرد الشيخ حسن طهبوب إلى خارج القدس وإغلاق مكتبه في شرقي القدس، كما أوصت اللجنة بإغلاق المساجد يوم الجمعة والاكتفاء بمسجد واحد فقط، ومصادرة الوقف الإسلامي ووضع لجنة خاصة للإشراف تتبع لوزارة الأديان الإسرائيليّة.
سابعاً: قضى التقرير أيضاً بضرورة إدخال الشرطة الإسرائيلية إلى المدينة وتقاسم العمل مع الشرطة الفلسطينية إلى أن يحين طردها خارج القدس… وكذلك ضرورة الإشراف على المحاكم في القدس الشرقية وعلى المحاكم الدينية إشرافاً مباشراً، وتعيين القضاة، وتنظيم مهنة المحاماة، وإبعاد كل محام غير ملتزم بالقوانين الإسرائيلية إلى أراضي الحكم الذاتي… كما أوصى التقرير بالإشراف التام على المناهج الدراسية ومنع ترديد الأناشيد الفلسطينية(16).
‎ هذا على الصعيد الصهيوني؛ أما على الصعيد الفلسطيني فقد كشف تقرير رسمي فلسطيني(17)، الممارسات الإسرائيلية المتواصلة منذ احتلال الشطر الشرقي من مدينة القدس بهدف تهويدها وطمس معالمها العربية والإسلامية وتحقيق أغلبية سكانية فيها. تطرق التقرير إلى أبرز المستجدات في المخططات الاستيطانية التي تنشط لتنفيذها الجهات الرسمية والحركات الدينية المتطرفة صهيونياً.

الخطط الحكومية
أولاً: خطة المدراء العامين في لجنة شؤون القدس
المشكّلة من عدة وزارات إسرائيلية وتقوم على:
1- بناء 7500 وحدة سكنية في مستعمرة «هارحوماه» في جبل أبو
غنيم؛ وخصوصاً على الأرض التي أعطاها البطريرك الأرثوذكسي في القدس ثيـودوروس إلى بلدية القدس عام 1992 من الأراضي التابعة للكنيسة الأرثوذكسية في مار الياس على المشارف الجنوبية للقدس… إنها أحد أبرز مرتكزات عملية إقامة مستوطنة جبل أبو غنيم، فضلاً عن أنها «مشروع بالغ الخطورة لأنه يشكل آخر حلقة من حلقات الاختناق في سلسلة المستوطنات التي تزنّر (القدس الكبرى)(18). ‏
يضاف إلى الوحدات السكنية في منطقة جبل أبو غنيم هذه، 3500 وحدة سكنية في مستوطنة «بسغات زئيف»، وإضافة 3500 وحدة سكنية في مستوطنة «جفعات همطوس»: وفي بيت صفافا إضافة 2200 وحدة سكنية. هذا إلى جانب إقامة 3500 وحدة سكنية جنوباً، و6000 وحدة سكنية غرباً، وألفي وحدة سكنية في الوسط، وألفي وحدة سكنية شمالاً، إضافة إلى إقامة ألف وحدة سكنية في مناطق ضمّت للقدس عام 1992 من جهة الغرب… إنه العمل على مشروع «القدس الكبرى» الذي سيفقد القدس جمالها ويحوّلها إلى مدينة سكنية بعد أن كانت مدينة دينية سياحية، وقد وصف البروفسور «برونسفى» أحد كبار المهندسين الإيطاليين الأعمال التي تمت في بناء القدس بأنها انتحار جماعي نتيجة الفشل الذريع.(19)
2- تقديم مساعدات للمصانع في مستوطنات القدس بنسبة تزيد
عن 10% عن أعلى نسبة تقدم في مناطق التطوير الأخرى.
3- مساعدة المصانع في مستوطنة «عطروت» قرب قلنديا.
4- يحصل اليهود العاملون في الصناعات المتطورة في القدس على
إعفاءات ضريبية.
5- تخفيض أسعار السكن في المستوطنات بحيث لا يزيد سعر
الشقة عن 7 إلى 10 آلاف دولار.
6- تعبيد الشارع الشرقي ليستكمل طوق الشوارع المحيطة بالقدس
من الشرق والشمال والجنوب، ويوصف هذا الشارع بأنه «ذو أهمية أمنية وسياسية كبرى…».

ثانياً: خطة بلدية القدس الغربية:
لقد أعد مهندس إسرائيلي يدعى «يورام بوغل» خطة للبلدية تشمل بناء مساكن ومحلات تجارية ومنتزهات ومناطق صناعية وقد بدأ بتنفيذ المرحلة الأولى من المشروع قبل فترة وجيزة ويشمل:
1- إقامة مركز تسوّق على مساحة 50 ألف م2 وبرج بارتفاع
30 طابقاً، وحديقة تكنولوجية من 8 طوابق ومكاتب وكاراجات ومواقف سيارات.
2- إقامة ثلاثة جسور تشكل امتداداً بين التلة الفرنسية ومستوطنة
«بسغات زئيف».
3- توسيع الشوارع وبناء خط قطار ومركز تعليمي وآخر طبي،
وجسر يربط بين شقيّ مستوطنة «بسغات زئيف) بطول 250م وارتفاع 30م فوق الوادي.

ثالثاً: مشروع وزارة الإسكان الإسرائيلية وتتضمن: بناء 28949 وحدة سكنية في المستوطنات القائمة في محيط الخط الأخضر والقدس الكبرى، على أن يتم إنجاز 15 ألف وحدة سكنية منها مع نهاية عام 1998.

رابعاً: توسيع مستعمرة افرات: بناء 708 وحدات سكنية على التلّة المحاذية لمستوطنة افرات، وتعبيد شارع التفافي من منطقة «هيروديون» يلتف حول بيت ساحور وزعترة وينتهي في جبل أبو غنيم.

أما الخطط غير الحكومية: تتمثل بمواصلة أنشطة الجمعيات الاستيطانية بدعم حكومي في الاستيلاء على الأراضي والعقارات الفلسطينية، بهدف إنشاء أحياء استيطانية أفقية على شكل فيلات من طابق واحد لإسكان المتطرفين، ومن بين هذه المنظمات الاستيطانية جمعية «عطيرات كوهانيم» و«أمناء جبل الهيكل» وجمعية «ليوشناه» وغيرها، ومعظم هذه العقارات تقع في الحي الإسلامي وخصوصاً في المنطقة المحيطة بالمسجد الأقصى المبارك… وكذلك الاستيطان في بلدة سلوان (التي يطلق عليها بالعبري «مدينة داوود»).. وأكثر عمليات الاستيلاء هذه تتم عن طريق تزوير وثائق وعقود ملكية، تقوم بها جمعية تدعى «ألعاد»، عبر ملفات الضريبة والطابو التي تحولها للمستوطنين.
يرافق هذه العمليات التي تأخذ طابع «حمّى الاستيطان»، تضييقات ضد المواطنين العرب ممنهجة ومكثفة وأكثر ما تتعلق بالأطفال المقدسيّين الذين ترفض سلطات الاحتلال تسجيلهم في هويات ذويهم، وبالتالي عدم الاعتراف القانوني بوجودهم وحرمانهـم من السكن والإقامة في القدس. وقد سحبت ‎هويات 470 عائلة مقدسية. إلى جانب 1425 عائلة يعتبرها الاحتلال الإسرائيلي في عداد فاقدي حق الإقامة. إضافة إلى مئات الطلاب المقدسيين الذين كانوا يدرسون في الخارج تلقّوا إخطارات بسحب هوياتهم… إنه مشروع خطير جداً يقضي بالاقتلاع من الجذور المقدسية والمستقبل المقدسي… لكن صمود ومقاومة عرب القدس وإرادتهم في الدفاع عن مدينتهم تتحدى كل الإجراءات، مما يتوجب علينا مساعدتهم ودعمهم بكل ما نستطيع انطلاقاً من واجبنا الوطني والقومي والديني والإنساني…
في هذا الإطار، نرى لزاماً علينا أن نشير إلى بعض العينات كنماذج صمود (ذكوري وأنثوي) في التعلق بالأرض والمقدسات والكرامة… ولعلّ نموذج «الحاج موسى الخالص» والسيدة «هناء أبو هيكل»، خير تعبير عن هذا الواقع. وهما من الذين رفضوا بيع ممتلكاتهم لليهود رغم الإغراءات الهائلة التي قدّمت إليهما…»(20). ‏

في ضوء هذا الواقع نستطيع تسجيل النقاط التالية:
أولاً: إن سياسة التهويد الإسرائيلية هي سياسة تقطيع الأوصال، واستئصال الجذور… لأن التهويد يعني محو كل ما هو غير يهودي (كما قال هرتزل) وجعل كل ما في المدينة المقدّسة ومن فيها من الحجر والبشر والشجر، يهودياً… إنها عملية شطب الماضي التاريخي والجغرافي والديموغرافي والحضاري من خارطة الوجود الإنساني للقدس – وفلسطين – واستبدالها بوجود لا صلة له ولا علاقة بهذه الأرض والتاريخ والحضارة، بمعنى استئصال الأصيل وزرع الدخيل… ذلك لأن القدس وفلسطين والشرق، مهد الأديان السماوية ومهد الحضارات الإنسانية.
ثانياً: هناك مجسّم للقدس، ومـجـسـّم آخر للهيكل، أعدّهما يهود الولايات المتحدة الأميركية، ويعملون على تنفيذه في الفرصة المناسبة، بينما ينتظر العرب والمسلمون لكي يهدم المسجد الأقصى ليتحركوا؟ وكم من المرات انتهك الصهاينة حرمته ودنسوا مقدساته، ولم يُواجهوا إلا بالشجب والاستنكار؟
ثالثاً: إن تهويد القدس يعني صرف الاهتمام الإسلامي والمسيحي بمصير المدينة المقدسة… وإن الهدف الصهيوني من تهويد القدس هو محو طابع القداسة والتقديس عنها، بمعنى تهويد القداسة، وإفراغها من قدسيّتها…
رابعاً: إن احتفالات اليهود بالذكرى الألفية الثالثة للقدس معناها: «ليس الجانب التاريخي فقط، وإنما الظهور أمام العالم بمظهر أنهم أصحاب الحق بالمدينة، وإن علاقتهم بها تفوق علاقة أي شعب آخر… وبالتالي دفع العالم للاعتراف بالقدس «كعاصمة أبدية لإسرائيل» من خلال فرض الأمر الواقع»(21).
خامساً: يقول البعض إنه لو قرأ المسؤولون الغربيون كتاب «كفاحي» لأدولف هتلر قبل نشوب الحرب العالمية الثانية عام 1939، لكانوا قد جنّبوا ‎العالم معظم كوارث هذه الحرب ومآسيها، ونحن بدورنا نقول أنه لو قرأ المسؤولون العرب كتاب بنيامين نتنياهو «مكان تحت الشمس.. إسرائيل والعالم»، قبل وصوله إلى الحكم (وبعده) لوفّروا على أنفسهم كثيراً من عمليات: الاستهجان والاستغراب لسياسة نتنياهو هذا، باعتباره ينفذ «برنامجه الاستراتيجي» المعلن…
سادساً: إن دينيس مايكل روهان (الذي أحرق المسجد الأقصى عام 1969) وباروخ غولدشتاين (الذي نفذ مجزرة الحرم الإبراهيمي) وتاتيانا سوسكانيد (التي رسمت شكلاً للنبي الكريم ينمّ عن حقدها ووقاحتها وبعدها النيل من السيدة العذراء) ليسوا سوى «الصنف النموذجي النقي» الذي سيشكل «دولة اليهود» في فلسطين المستقبل… التي ستسمى «دولة إسرائيل».
سابعاً: إن إيماننا بعروبة القدس وإسلاميتها هو إيمان واحد وثابت لا يقبل الخلل ولا الزعزعة ولا التجزيء، لأن القدس واحدة ولا تقبل التجزيء أيضاً… وإن مخطط الاقتلاع والتهويد لا يقتصر على المقدسيين فقط، بل يطالنا جميعاً كعرب ومسلمين في الصميم أينما كنا… والفرق كبير جداً بين التاريخ العربي للقدس، والتاريخ العبري العابر فيها…
ثامناً: إذا كان «وعد بلفور» في القرن العشرين منذ 100 سنة، يضم 67 كلمة / قد غيّر تاريخ المنطقة، فإنّ «وعد ترامب» بخصوص القدس، يحتوي 1200 كلمة في 13 دقيقة، يكرّس وعد بلفور ويعطيه الشرعيّة الدولية في القرن الحادي والعشرين…
فأيّة تداعيات سيحملها «وعد ترامب» تجاه القدس خصوصاً، وتجاه فلسطين والعرب بشكل عام في ظل «استراتيجيّة» الشجب والاستنكار اللفظي والبيانات الورقيّة التي تمحو السنين والأيام حبرها.
وإذا لم ينتقل العرب والمسلمون من حالة «ردّة الفعل» إلى حالة «الفعل» للمواجهة والتحدّي، فإن الأمور سائرة نحو الانهيار الكارثي المأساوي… وليس بغير الوحدة العربية وتوحيد قواها يمكن أن يكون الرد على وعدي بلفور وترامب معاً…

► الصورة المقابلة:
المسجد الأقصى الذي حاول الإعلام الصهيوني محو صورته من أذهان العرب والعالم.

شريط الانتفاضات والهبّات والثورات المقدسيّة ضدّ الاحتلال
اعداد د. صالح زهر الدين

انتفاضة موسم النبي موسى (1920)
كانت أولى الانتفاضات الشعبية الفلسطينية بعـد الاحتلال البريطاني انطلقت مـن باب الخليل غربي البلدة القديمة، بعـد اعتداء مستوطن علـى بيرق (رايـة) أهـل الخليل. استشهد فيها أربعـة مـن الفلسطينيين وقتل خمسـة مـن اليهـود، كانت هـذه المعركة ضربة البدايــة لثورة استمرت خمسـة أيام فـي القدس قتل فيها تسعة مـن اليهود.

ثورة البراق (1929)
هي أول ثورة تشتعل في فلسطين ضد الاحتلال البريطاني، اندلعت عقب تنظيم حركة «بيتار الصهيونية لمظاهرة ضخمة يوم 15 آب/ أغسطس 1929 في شوارع القدس إحياء لما قالت إنها ذكرى تدمير «هيكل سليمان» وأدت إلى تصاعد المواجهات التي اندلعت بداية قرب حائط البراق في المسجد الأقصى، ومن ثم عمّت أرجاء الأراضي الفلسطينية.

الثورة الفلسطينيّة الكبرى (1936)
انطلقت في 20 نيسان/ أبريل 1936 بعد إضراب دام ستة أشهر وترافقت مع عمليات نوعية للثوار في القدس، تُعدّ من أضخم الثورات الشعبية التي قام بها الشعب الفلسطيني ضد المستعمرين الإنجليز واليهود المهاجرين إلى فلسطين، واستمرت ثلاث سنوات متواصلة.

هبة النفق (1996)
انطلقت فـي 25 مـن أيلول/ سبتمبر 1996، على أثر فتح سلطات الاحتلال لباب النفــق الغربـي أسـفل المسـجد الأقصى. وذلك فـي فترة حكــم بنيامين نتنياهو الذي كلف رئيــس بلديـة الاحتلال آنذاك إيهـود أولمرت بافتتاحــه. ودارت مواجهــات مـع الفلسطينيين فـي مختلف أنحاء فلسطين المحتلة على مـدار ثلاثة أيام.

انتفاضة الأقصى الثانية (2000)
انطلقت عقب اقتحام زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك «أريئيـل شـارون» لباحـات المسجد الأقصى، تحت حماية نحو ألفين مـن الجنـود والقوات الخاصة، ما أدى لاستشهاد 7 فلسطينيين وإصابة 250 برصاص الاحتلال خلال ساعة الاقتحام وارتقى خلال الانتفاضة التـي امتدت لـ 5 سنوات آلاف الشهداء إضافـة إلـى 48 ألفاً و322 جريحاً.

انتفاضة القدس (2015)
شكلت إجراءات الاحتلال وإصـرار المستوطنين اليهود علـى اقتحام باحات الأقصى ومحاولة فرض تقسيم زماني ومكاني للمسجد، والاعتداء على المقدسيات، أسـباباً رئيسية لاندلاع انتفاضـة القـدس: أوائل تشـرين أول/أكتوبـر 2015. وتميزت انتفاضـة القدس بطابع العمل الفردي، عبـر عمليات طعـن ودهـس لجنـود إسرائيليين ومسـتوطنين بالضفـة الغربية والداخل المحتـل والقدس.

هبة باب الأسباط (2017)
شهدت مدينة القدس وضواحيها انتفاضة شعبية واسعة، نتيجة لمنع قوات الاحتلال المصلين مــن دخــول المسجد الأقصى، وفرض تدابيـــر مشددة مـن بوابــات إلكترونيـة وكاميـرات عقـب عملية فدائيــة لثلاثـة شبان مــن عائلة الجباريــن. انتصـر الفلسـطينيون بإصرارهـم ووعيهـم ووحدتهــم أمــام صلـف المحتـل وجبروتـه.

وأخيراً فالسلام مرهونٌ بـ «مدينة السلام»… وإذا لم تعرف السلام مدينة السلام… فستبقى أرض فلسطين والمنطقة أرضاً للتوتر والحروب لا للسلام.

د. رامي أديب عز الدين

قرار «ترامب»:
نقل السفارة الأميركية إلى القدس
من وجهة نظر القانون الدولي

بتاريخ 6 كانون الأول / ديسمبر 2017، أعلن رئيس الولايات المتحدة رسمياً اعتراف إدارته بالقدس (المحتلة) عاصمة لإسرائيل. وصرّح بأنه سينقل السفارة الأميركية من تل ابيب إلى القدس، في خطوة سبقتها وتلتها إدانات وانتقادات وتحركات شعبية واسعة، عربياً ودولياً، إلاّ عند الإسرائيليين حيث صرح نتنياهو بعد ساعات قليلة من صدور القرار ان تاريخ إسرائيل (المجيد) كان يُختصر بثلاثة محطات وأصبح يختصر بأربعة:
– وعد بلفور 1916
– إعلان دولة إسرائيل 1949
– السيطرة على القدس 1967
– وحديثاً الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل 2017
ونظراً لخطورة هذه الخطوة “الترامبيّة” وهذا القرار غير المسؤول آثرنا معالجة الموضوع قانونياً استناداً إلى مبادىء القانون الدولي وممارساته (سواء القواعد العرفية أو المعاهدات او قرارات هيئة الأمم المتحدة…) ومعالجته سياسياً أيضاً في ظل الأوضاع الإقليمية والدولية الراهنة لما له من تأثيرات ومفاعيل. ولكن قبل ذلك سؤال يطرح نفسه:
على ماذا اعتمد ترامب في قراره بشأن القدس؟
الواقع أن ترامب إستند الى قرار عمره 27 سنة ، صادر عن مجلس الشيوخ الأميركي بتاريخ 23 تشرين الاول / أكتوبر 1995، ويقضي بنقل السفارة الأميركية الى القدس واعتبر هذا القرار يومها اعترافاً من الولايات المتحدة باحتلال إسرائيل للقدس كاملة بهدف الاعتراف بها لاحقاً عاصمة لإسرائيل وهذا ما حدث في عهد “ترامب “.

أولاً في القانون:
الواقع أن القرار الأميركي قرار خاطىء ويتعارض مع أحكام وقواعد القانون الدولي واجتهاداته خاصة وأن جميع المؤسسات الرسمية الدولية (الأمم المتحدة، مجلس الأمن، محكمة العدل الدولية…) تعتبر “القدس” أرضاً محتلة وكل التدابير الإسرائيلية التي قامت بعد عام 1967 اي بعد عملية ضم القدس باطلة ولاغية من الناحية القانونية لمخالفتها أحكام القانون الدولي، أهمها مخالفة اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والتي يُستنتج منها أن كل الاجراءات في القدس المتخذة من قبل إسرائيل كدولة محتلة تعتبر باطلة، ولا تترتب عليها أية آثار قانونية وان الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن ان يرتب أية حقوق أو آثار على حق السيادة الاصلي للشعب الفلسطيني لأن الاحتلال لا يخوّل نقل السيادة على القدس إلى الدولة المحتلة وكونه مؤقت ومحدود. وسوف نورد مجموعة من القرارات الصادرة عن مجلس الأمن والتي تؤكد ما نقول:
1- قرار رقم /242/ تاريخ 22 تشرين الثاني / نوفمبر 1967 والذي
يدعو فيه مجلس الأمن إسرائيل للانسحاب إلى حدود ما قبل حرب 1967.
2- قرار رقم /253/ تاريخ 21 أيار/ مايو1968 ويدعو فيه مجلس
الأمن إسرائيل الى إلغاء جميع إجراءاتها التعسفية لتغيير وضع المدينة، وقبله القرار رقم /465/ عام 1980 وقرار رقم /476/ تاريخ 30 حزيران / يونيو 1980 لجهة بطلان تغيير طابع القدس.
3- قرار رقم /271/ تاريخ 15 نيسان / أبريل 1969 والذي يدين
قيام إسرائيل بحرق المسجد الاقصى يوم 21 آب/ أغسطس من العام ذاته، ويدعو فيه إلى إلغاء جميع الإجراءات التي من شأنها تغيير وضع القدس.
4- قرار رقم /478/ تاريخ 29 آب / أغسطس 1980 ويتضمن
عدم الاعتراف بالقانون الإسرائيلي بشأن القدس ودعوة الدول إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من المدينة.
5- القرار رقم /2334/ تاريخ 23 كانون الأول/ ديسمبر
2016 الذي يؤكد أنّ إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، ليس له أي شرعية قانونية. ويطالب إسرائيل بوقف فوري لجميع الأنشطة الاستيطانية وعدم الاعتراف بأي تغيرات في حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967.

ومن قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة:
– قرار رقم /181/ تاريخ 29 تشرين الثاني / نوفمبر 1947 والذي
أقر تقسيم الأرض الفلسطينية إلى دولة عربية ودولة يهودية مع وضع القدس وبيت لحم والأراضي المجاورة تحت وصاية دولية.
– قرار رقم /2253/ تاريخ 4 تموز / يوليو 1967 وفيه تأسف
الجمعية العامة لقرار إسرائيل تطبيق القانون الإسرائيلي على القدس الشرقية وترى ذلك غير شرعي.
كل هذا فضلاً عن القرارات الدولية الخاصة بتشييد الجدال العازل العنصري في الأراضي الفلسطينية والتي تثبت عدم شرعيته من وجهة نظر القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني. مثل قرار رقم (14/10)، وقرارات اليونيسكو التي تؤكد أهمية القدس القديمية بتراثها العالمي وتشجب كل محاولة لتغيير وتدمير هذا التراث، مثل قرار رقم /150/ تاريخ 27 تشرين الثاني / نوفمبر 1996 وقرار رقم /184/ تاريخ 2 نيسان /أبريل 2010.
بالإضافة الى قرارات هيئة الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الدولي ومنظمة اليونسكو التي تثبت ان القدس لها وضع خاص ويمنع تغيير طابعها والمساس بها كونها تحت الوصاية الدولية لا بد من الإشارة قانونياً إلى ما يعرف ” بالاعتراف” في القانون الدولي.
وفي التعريف فإن الاعتراف في القانون الدولي تعبير أحادي الجانب عن إرادة دولة ما بالاعتراف بأن واقعاً أو وضعاً قانونياً محدداً له صحة تجاهها، وعليه فهو عمل تقر دولة ما بواسطته بأن كياناً ممدداً آخر يجمع الشروط الضرورية لحيازة الشخصية القانونية الكاملة في النظام الدولي.

فكيف يرى القانون الدولي خطوة ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل؟
لابد في البداية من القول أنّ الاعتراف بالدول شيء والاعتراف بالحكومات شيء آخر، وهذا ليس مجال بحثنا، ولكن هل الاعتراف بمدينة معينة على أنها عاصمة لدولة ما، تنطبق عليه قواعد الاعتراف الأساسية في القانون الدولي؟
الإجابة نعم، لأن الاعتراف بالعاصمة معناه التسليم بواقع جديد ووضع قانوني محدد وبالتالي هو إقرار بكيان جديد له شروط قانونية واعتبارية.
من هنا يمكننا القول أنّ الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل اعتراف باطل وغير شرعي كون القدس مدينة محتلة باستعمال القوة المسلحة تاريخياً وحاضراً وكون الاعتراف يجب أن يخضع لاحترام دولة القانون وللديمقراطية ولحقوق الانسان والأقليات كما ينص القانون الدولي. والغريب والمثير للسخرية إن الولايات المتحدة رفضت عام 1931 الاعتراف بضم مدينة ” مندشوكو” اليابانية معتبرة أن ضمها جاء بشكل مناقض للتعهدات الموقع عليها في ميثاق برياند- كللوج لعام 1928 (المتعلّق بوضع الحرب خارج القانون).

ماهي اذن الانتهاكات التي سبّبها قرار ترامب لقواعد القانون الدولي؟
الانتهاك الأول: إن القرار الأميركي يُعتبر اعترافاً بالقدس عاصمة لإسرائيل وهذا ما يخالف القرارات الدولية ويكرس القانون الإسرائيلي القائل بأن القدس بشطريها الشرقي والغربي عاصمة أبدية لإسرائيل.

الانتهاك الثاني: القرار الأميركي يخالف ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الذي يحرّم احتلال أراضي الغير بالقوة، ويحرّم مجرد التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية.

الانتهاك الثالث: القرار الأميركي يخالف بنود اتفاقية أوسلو والمعاهدات العربية- الإسرائلية.

الانتهاك الرابع: القرار يخالف رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري والذي أكّد بمناسبة ” تشييد الجدار” على انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية.

الانتهاك الخامس: إنّ القرار الأميركي يشرّع من ناحية قانونية ما أقامته إسرائيل من استعمار استيطاني في القدس.

ثانياً في السياسية:
لا شك أن الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل يعتبر تأكيداً لوجود حقيقة ما رغم علم الجميع أنها وهمية ويأمل الأميركيون والإسرائيليون أن تصبح حقيقة واقعية في حال استدرجوا المجتمع الدولي لتبنّي هذا الاعتراف. كما أن هذا الاعتراف يحول دون تمكّن الشعب الفلسطيني من حق تقرير مصيره بإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس وكأنه جاء مكافأة لإسرائيل على انتهاكها لحقوق الإنسان في فلسطين بدل محاسبتها.
بالإضافة الى أن القرار “الترامبي” جاء ليؤكد ما أعلنته إسرائيل منذ عام 1949 بأن القدس عاصمتها، وبالتالي فهو قرار سياسي مناقض كل نهج المجتمع الدولي الذي لم يعترف حتى الساعة بذلك. وهنا تطرح جملة أسئلة فد تختصر الإجابة عليها كل التساؤلات:
– هل من تغطية عربية لقرار ترامب أو علم مسبق بذلك؟
– هل ستقدّم دعوى أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ضد إسرائيل التي بدأت بالعمل لاعتماد العاصمة الجديدة؟
– ما هو الدور أو الرد العربي على هذه الخطوة؟
– هل سينجر المجتمع الدولي ويفعل ما فعله ترامب؟
– هل الضعف والانبطاح العربي أمام أميركا وإسرائيل والتطبيع مع الأخيرة (العلني والسري) سيكون مدخلاً لتصفية القضية الفلسطينية؟

كلها أسئلة، الزمن كفيل بالإجابة عليها.
في النهاية وتعليقاً عما طرحه وزير الخارجية اللبنانية في مجلس الوزراء لانشاء سفارة لبنانية في القدس الشرقية عبر تقديم قطعة أرض من السلطة الفلسطينية للبنان ومبادلة العكس، يهمنا الاشارة الى النقاط التالية:
1- إن مدينة القدس حتى الساعة محتلة من قبل إسرائيل وفتح
سفارة لبنانية فيها يعتبر اعترافاً بها كدولة فهل أصبحنا على استعداد للاعتراف بهذا الكيان الغاصب؟
2- إن القيام بمثل هذه الخطوة التي تلفّها المحاذير والعواقب تعتبر
مخالفة لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 (المذكورة) والتي وافق عليها لبنان عام 1951.
3- بما أن القدس مدينة محتلة فإن فتح سفارة فيها أمر مخالف
لقواعد القانون الدولي لمخالفته احكام القرار /181/ تاريخ 29 تشرين الثاني / نوفمبر 1947 (المذكور) والذي يقر وضع القدس تحت وصاية دولية وأحكام القرارين /476/ و/478/ لعام 1980 (المذكورين) واللذين يبطلان كل تغيير لطابع القدس. ويدعوان الدول إلى سحب البعثات الدبلوماسية منها. فهل نحن على استعداد لمخالفة بعض القرارات الدولية والتي هي في الأساس لصالح القدس وفلسطين في مواجهة إسرائيل؟

كمال جنبلاط

مئوية كمال جنبلاط

الإنسان
والمثقف، والمعلّم
(1917 – 2017)

[su_accordion]

[su_spoiler title=”  مقدمة ” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

نفتتح ملف مئوية مولد كمال جنبلاط (1917-2017)، وقد جعلناه تحت عنوان “اثنتا عشرة باقة ورد في مئوية مولد كمال جنبلاط، الإنسان والمثقّف والمعلّم”.
يسهم في الملف نخبة من الكتّاب عارفي المعّلم، ومن قادري علمه وثقافته، ومقدار ما أضافه للسياسة كما للثقافة في لبنان والعالم العربي في خلال عمره القصير.
وعندنا، وقبل أن نقرأ تحيّات الكتّاب والمثقفين الذين أسهموا في الملف، فلعلّ أهم ما أضافه كمال جنبلاط، وعلى كثير إضافاته التي وسمت بميسمها عصراً بكامله، إنما كان في مجال الأخلاق. فقد رأى جنبلاط إلى الأخلاق باعتبارها في أساس أي عمل نقوم به، وفي أصل كل  غاية نسعى إليها، في السياسة كما في الاجتماع أو الاقتصاد، أو سواها. وفي باب الأخلاق، نتوقف عند ثلاث إشارات بل عناوين كانت حاضرة في عمله الثقافي والإنساني:
1- أولوية الإنسان، فكل عمل بالنسبة له يقدّس أو يُلعن بمقدار
اقترابه أو ابتعاده عن الإنسان؛
2- أولوية الضمير الأخلاقي على كل ما عداه، فباطلٌ عنده، أيّاً
يكن، حين يتعارض مع الضمير، ومستلزمات الضمير؛
3- وأخيراً، أولوية الأدوات والوسائل، وفي أهمية الغايات
والأهداف، بل أكثر. فلا يمكن، عنده، أن تقوم الغايات النبيلة، في السياسة أو في الاجتماع، على وسائل أو أدوات شريرة.
وكمال جنبلاط في ذلك، إنما ينسج على خطى يسوع ابن الناصرة (الفلسطينية العربية)، وتلامذته، وعلى خطى الرسول الأكرم  محمد (ص) وصحابته الأكرمين، وحديثاً على خطى غاندي في الهند، الذي جعل من حياته (المتواضعة الزاهدة المتقشفة) إنجيل حياة للأتقياء والأنقياء جميعاً، على اتساع المسافات؛ ثم جعل من استشهاده على يد أبناء جلدته دفاعاً عن حق الآخر في الوجود والعيش بكرامة والحرية في التعبير أنموذجاً نادر المثال.
يستحيل اختزال موسوعة من عشرة الآف صفحة في بضع صفحات. ويستحيل، بالمنطق نفسه تماماً، اختزال سيرة كمال جنبلاط، الرقم الصعب، بل المثير، في الحياة الوطنية والسياسية اللبنانية لأكثر من ثلث قرن في مقالتين أو ثلاث أو عشر. ورغم غنى الحياة الوطنية والسياسية لصاحب هذا الملف، ورغم شوق غالبية القرّاء، وبخاصة الأجيال الجديدة لمعرفة أدق تفاصيل الحياة المثيرة تلك، إلا أن   ستحتفل بذكرى مئوية مولد هذا الرجل المعروفي العشيرة، الموحّد المعتقد، العروبي المحتد، الاشتراكي النزعة، الموسوعي الثقافة، والإنسان العظيم أولاً وقبل أي توصيف إضافي، على طريقتها المعروفية التوحيدية الثقافية بما يتناسب واستثنائية المناسبة من جهة، وطبيعة المجلة من جهة ثانية. وعليه تفتح ملف مئوية كمال جنبلاط لتستضيف فيه شهادات من مثقفين كبار رافقوا وعاصروا الرجل/الأسطورة (وفق تيموفييف، كاتب سيرته) أو كتبوا ونشروا أعمالاً عدة حول جوانب معينة في شخصية الرجل الاستثنائي أو في سيرته.
وإذ تكتفي  في المناسبة بالجانب الفكري والثقافي من كمال جنبلاط، فهي إنما تكون وفية لتراث الرجل الفكري، ولعلاقته الخاصة الحميمة بالكتاب والمكتبات وبالصحافة المكتوبة. كيف لا وكمال جنبلاط الشاب العشريني آخر من يغادر مكتبة السوربون ليلاً رغم شتاء باريس القاسي جداً وذلك في أثناء دراسته في باريس، وظلّ على علاقته الوثيقة جداً وباستمرار بالكتب وبأهل العلم والثقافة. وخطابه الافتتاحي لـ “مؤتمر كتّاب آسيا وإفريقيا” في بيروت، سنة 1971، والذي جعله حول “الحرية”، وثيقة فكرية نادرة تختصر موقفه من الإنسان باعتباره هدفاً مطلقاً، وتمييزه بين الحريات الحقيقية والحريات الواهمة.
نفتتح الملف بالسيرة الفكرية لكمال جنبلاط، في أبرز محطاتها لا أكثر، وطلباً للاختصار.
كمال جنبلاط وشقيقته ليندا
كمال جنبلاط وشقيقته ليندا

 

السيرة الفكرية…باختصار شديد
6-12-1917- ولادة كمال جنبلاط في المختارة (الشوف، لبنان)
1921 – اغتيال والده فؤاد جنبلاط
1926 – بدء دراسته في معهد عينطورة، كسروان، لبنان
1936 – النجاح في شهادة البكالوريا، اللبنانية والفرنسية
1937 – النجاح في “شهادة الفلسفة”، والسفر إلى باريس
للدراسة الجامعية.
1938 أيار – نال دبلوم في علم الاجتماع وعلم الأخلاق من السوربون.
1940 – نال إجازة في الحقوق من جامعة القديس يوسف في بيروت
1942 – تعيينه محامياً للدولة اللبنانية
1943 – نائباً في البرلمان بعد وفاة عمّه حكمت جنبلاط
1945 – تأسيسه “نادي القلم”، مع ألبير أديب وكميل بو صوّان وآخرين.
1946 – كمال جنبلاط محاضراً في “الندوة اللبنانية”، “رسالتي كنائب”
1946 – وزيراً للمرة الأولى للاقتصاد والزراعة والشؤون الاجتماعية.
1947 – استقالته من الوزارة احتجاجاً على تزوير انتخابات 1947
1948 – زواجه من مي شكيب أرسلان
1949 – إعلانه مع مثقفين ونقابيين تأسيس “الحزب التقدمي الاشتراكي”
1951 – بدعوة منه، انعقاد المؤتمر الأول للأحزاب الاشتراكية العربية في بيروت
1951 – زيارته الأولى للهند بدعوة من الحزب الاشتراكي الهندي
1952 – جنبلاط يطرح مشروع “الضمان الصحي” تحت شعار “الدواء للجميع”
9/3/1958 – جنبلاط في دمشق مهنئاً بالوحدة ومقترحاً برنامجاً لها بحضور عبد الناصر
1960 – جنبلاط يقترح مشروع إشراك العمال في أرباح المؤسسات
1960 – جنبلاط يقترح إنشاء حرس وطني للوقوف في وجه الاعتداءات الاسرائيلية وصهر الشباب في “بوتقة وطنية واحدة”.
1960 – وزيراً للتربية الوطنية
1965 – (أيلول) مهرجان بتخنيه (المتن الأعلى) احتجاجاً على عدم تصريف التفّاح
1972 – تشكيل “الجبهة العربية المشاركة للثورة الفلسطينية” وجنبلاط أميناً عاماً لها
1972 – تقليده جائزة لينين للسلام والصداقة بين الشعوب (أرفع وسام سوفيياتي يومذاك)
1973 – جنبلاط يقود شخصياً تظاهرة مزارعي التبغ رفضاً لسياسة الدولة حيالهم
1973 – جنبلاط يشجب توقيف غسان تويني ويدعو لتحرك واسع دفاعاً عن الحريات العامة
13 نيسان 1975 – بدء الحرب اللبنانية “المشؤومة”، وسعيه أكثر من مرة، ومع كل الجهات، لوقف قطار الحرب الأهلية الذي انطلق ولم يتوقف إلا في كانون أول 1976
16 آذار 1977 – جنبلاط شهيداً مظلوماً، دفاعاً عن لبنان والقضية الفلسطينية والتقدّم والحرية.

المؤلفات والأعمال الفكرية المنشورة
(علماً أن عشرات المخطوطات الأخرى وفي عدد من المجالات لم تأخذ طريقها بعد إلى النشر، إضافة إلى أعمال فنية تركها ولم تنشر بعد كذلك).
رغم عمره القصير نسبياً (أقل من ستين سنة)، أدهش كمال جنبلاط معاصريه، ثم قارئيه بعد استشهاده، (الخصوم قبل الحلفاء)، بثقافته الواسعة، والتي استقاها من مصادر دينية (توحيدية، نصرانية وإسلامية)، وما قبل توحيدية (مصرية قديمة، هندوسية، وبوذية)، وفلسفية (يونانية وإسلامية وغربية وماركسية)، ومن دراساته الحقوقية والسياسية الأكاديمية المتخصّصة في السوربون وجامعة القديس يوسف في بيروت، ومن اتصاله المباشر بأهم شخصيات عصره الفكرية والسياسية (المهاتما غاندي، سنغور، تيتو، عبد الناصر، وغيرهم)، إلى صداقته وزمالته وتواصله المستمر بكبار المثقفين اللبنانيين والعرب والعالميين، والتي أثمرت من خلال إبداعه الشخصي المنقطع النظير تراثاً فكرياً مثيراً في وحدته، كما في تنوّعه، وباللغات الثلاث العربية والفرنسية والإنجليزية. وليس أدلّ على ضخامة التراث الفكري الذي أنجزه جنبلاط من مراجعة قصيرة جداً، وبالأرقام، لأهم عناوين التراث ذاك:
الافتتاحيات التي كتبها في الصحافة اللبنانية، عددها 1133
المؤلفات المنشورة وعددها 63
الدراسات والتحقيقات وعددها 464
المحاضرات والندوات وعددها 888
البيانات، التصريحات، المقابلات، وعددها 1270
الخطب وعددها 301
بيانات الرئاسة السنوية وعددها 15
قطع أدبية مختلفة وعددها 107
وثائق وعددها 97
شهادات وعددها 111
مواد تاريخية وعددها 87
حول الحزب والأحزاب الأخرى، وعددها 129
المجموع: 4715 أثراً منشوراً، عدا تلك التي يستمر توثيقها ونشرها وغير المشمولة بهذا الثبت.
هوذا ما صنع في خمس وثلاثين سنة تقريباً الصيت المنقطع النظير لكمال جنبلاط المثقف الموسوعي والفيلسوف، إلى مجاهداته الروحية والتي كرّسته باعتباره “المعلم”، وقبل ذلك وبعده، كمال جنبلاط الإنسان، في أدق معاني الكلمة وما تحمله من محمولات ومضامين: في وهبه أراض كثيرة جداً كان يملكها إلى الفلاحين الذين يعملون فيها، إلى دفاعه عن الحريات في لبنان والعالم العربي، إلى مناصرته حركات التحرر والاستقلال في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، إلى تصدّره شخصياً كلّ نشاط ممكن دفاعاً عن القضية الفلسطينية، إلى حمله نائباً وزيراً ورئيس حزب قضايا الطبقات الوسطى والفقيرة ومطالبها، إلى نقده دون هوادة أخيراً مظاهر التسليع والاستهلاك المفرط في الحضارة الغربية التقنية المهيمنة وما صاحب انتشارها من انحدار في القِيم السائدة، وإعلاء للمادية الفجّة على حساب الروح والأديان، ومن تفلّت أخلاقي غربي أطاح بتماسك العائلة والمجتمع والوطن، بل والإنسانية بعامة.
لهذه الأسباب مجتمعة تبدو الإضاءة، كما قلنا، على سيرة كمال جنبلاط، ومؤلفاته، من خلال شهادات عدد محدود جداً من الكتّاب والمثقفين والسياسيين، ضرورية كيما تبقى شعلة القيم الإنسانية والروحية التي دافع عنها كمال جنبلاط طويلاً مضاءة وعصية على الإلغاء رغم تيارات الهدم والتحريف والتزوير التي انطوت عليها العولمة التجارية الاستهلاكية العنفية الآحادية القطب والمهيمنة على العالم (ومنها بلداننا) منذ عقدين أو ثلاثة من الزمن. بغياب كمال جنبلاط (سنة 1977) كان عصر من التوازن المعقول ينطوي، ولينفتح الباب أمام عصر جديد ملؤه الفوضى، وانهيار القِيم، وسيطرة التقنية العمياء، وسيطرة الجشع بلا حدود، وانفلات الغرائز كما لم يحدث في أزمنة الوثنيات؛ وباختصار: بغياب الإنسان وعلى حسابه.
ألف شكر للكتّاب ولكلّ الذين أسهموا في هذا الملف، وتحية لروح كمال جنبلاط “الإنسان، والمثقف، والمعلّم” غداة ذكرى مولده.

بيروت، 6 كانون أول، 2017
رئيس تحريرالضحى

 

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”  مقابلة صحفية مع معالي الوزير السابق الأستاذ عباس خلف
رفيق المرحوم المعلم كمال جنبلاط منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

اثنتا عشرة باقة ورد
اثنتا عشرة باقة ورد

معالي الوزير السابق الأستاذ عباس خلف، كنتم شديدي القرب من المعلّم كمال جنبلاط منذ أواسط خمسينيات القرن الماضي، ما الأمر الذي تكشف عنه للمرّة الأولى من شخصية المعلّم كمال جنبلاط؟
كنت في مطلع شبابي، وعلى مقاعد الدراسة في الجامعة الأميركية في بيروت، عندما أصبح اسم كمال جنبلاط في بيروت وسائر أنحاء لبنان على كل شفة ولسان. كان ذلك في خريف العام 1952، وكان كمال جنبلاط قد ملأ الدنيا بأخباره: استقال من الحكومة سنة 1947 احتجاجاً على التزوير الذي شاب الإنتخابات النيابية. شنّ حملة شعواء على الفساد السياسي والإداري، والمحسوبية والزبائنية. أسّس حزباً تقدّمياً اشتراكياً بمفاهيم جديدة لأول مرّة في منطقة الشرق الأوسط. شكّل وقاد الجبهة الاشتراكية الوطنية التي أعلنت الثورة البيضاء على نظام الحكم القائم، وتعهّدت في مؤتمر دير القمر بأن تسقط النظام وتقيم على أنقاضه دولة الحداثة على أسس التقدّمية والاشتراكية لتحقيق العدالة الاجتماعية، ومحاسبة مرتكبي الفساد في الدولة.
هذه المبادىء وجدت صدى لديّ كشاب يحلم بمستقبل أفضل لجيله ووطنه، وبما أنّ شخصية كمال جنبلاط المميّزة وصدقه وجرأته شهدت له بفرادته بين الزعماء السياسيين، إلى جانب أفكاره الداعية للتطوير والحداثة والعدالة، أثارت إعجابي ورسّخت قناعاتي، فقرّرت الانضمام إلى حزبه، والوقوف إلى جانبه في مسيرته ونضاله، وهكذا، توثقت الرفقة واستمرّت حتى استشهاده في 16 آذار 1977.

كيف بدأ كمال جنبلاط المثقف الاستثنائي في ميثاق الحزب الذي أسّسه مع مثقفين آخرين مثل الشيخ عبد الله العلايلي وآخرين؟
إذا عدنا إلى ميثاق الحزب التقدّمي الاشتراكي، نلاحظ وجود نص وضعه كمال جنبلاط تحت عنوان: “لمحة في تكوين الحزب” جاء فيه: “إنّ الحزب التقدّمي الاشتراكي هو ثمرة تنقيب وبحث مشترك، التمست فيه ملتمسات شتى، بعضها: العلم والخبرة والتمرّس بالواقع الاجتماعي والإنساني الإقليمي والعالمي. فكلّ من المؤسّسين وضع فيه زبدة حياته، وهي مجموعة اختبارات وتجارب، وزبدة تفكيره، وهي مجموعة مستمدات عقلية ومعطيات شخصية، ساكباً فوقها نزعاته الصافية نحو الخير والمحبة والجمال”.
فمن هذا النص وما تلاه من شروحات عن اسم الحزب وتقدّميته، واتجاهات التطوّر نحو الوعي والحرية والتجمُّع البشري، والتكوّر الإنساني، واشتراكية الحزب الإنسانية، يمكن الاستخلاص بسهولة أنّ هذه المضامين هي من صلب أفكار كمال جنبلاط ومواقفه.

ما الجديد الذي أضافه جنبلاط إلى السياسة اللبنانية منذ دخوله الندوة النيابية سنة 1942؟
بداية تصويب زمني، فكمال جنبلاط أصبح نائباً لأول مرة في انتخابات 1943 التي انتخبت المجلس الاستقلالي. وأما عن الجديد الذي أضافه كمال جنبلاط عن النائب ودوره، فكبير جداً: ففي ندوة أولى له في 18 تشرين الثاني 1946، افتتحت بها “مؤسّسة الندوة اللبنانية” محاضراتها، حملت عنوان: “رسالتي كنائب” شرح فيها مفاهيم الديمقراطية وروحها ونزعاتها، وعبّر عما يرجوه ويأمله لوطنه لبنان، وحدّد الدور الذي على النائب القيام به. وختم محاضرته بهذه الكلمات: “نريد للبنان أن يكون مركز تطوّر وتوجيه وهدي في العالم العربي والعالم المشرقي ليصح فينا القول: “إننا هنا في لبنان لا يسيطر علينا إلا حكم القانون”. ويطيب لي أن أنقل عن مؤسّس الندوة اللبنانية الأستاذ ميشال أسمر، هذا التعليق عن المحاضرة: “لقد امتازت هذه المحاضرة، إلى جانب الثقافة الشاملة والدرس العلمي الدقيق، بصوفية كان لها أطيب الوقع في نفوس جميع المحاضرين، فألهبت قلوبهم، فصفقوا طويلاً لنائب جبل لبنان الشاب، واضعين كلّ آمالهم في حركته الإصلاحية وفي رسالته كممثل لأمانيهم الطيبة”. وحرص كمال جنبلاط طيلة مدة نيابته على العمل من أجل المحاسبة ومكافحة الفساد، وتقديم مشاريع الإصلاح من أجل لبنان حديث يسوده حكم القانون وتتحقّق فيه العدالة الاجتماعية والوحدة. ومن أبرز المشاريع التي اقترحها للإصلاح نذكر: إعطاء المرأة حقوقها السياسية وعلى رأسها حق الانتخاب، الزواج المدني الذي اعتبره سبيلاً للخروج من القيد الطائفي، الضمانات الصحية والاجتماعية، نشر التعليم، إلغاء نظام الطائفية السياسية والعمل لتحقيق النظام المدني العلماني في لبنان.

من المعروف أن جنبلاط قام بتوزيع الأراضي التي يملكها في سِبلين والمختارة وسواها على الفلاحين، كيف تجاوب الفلاحون مع هذه الإجراءات؟
رغم أنه سليل عائلة عريقة لعبت ولا تزال تلعب دوراً أساسياً في تاريخ لبنان والمنطقة العربية، نهج كمال جنبلاط في حياته، منذ نعومة أظفاره، سواء على الصعيد الشخصي أم على الصعيد العام، نهجاً مميزاً، وفريداً من نوعه في لبنان. وقد تأكدت من خلال المواكبة المشتركة، كم كانت حياته بسيطة، وكيف كان يتعامل مع الآخرين تعامل الندّ للندّ، يتقاسم معهم ما يحصل عليه من مال وغذاء وأحياناً كساء. ورغم الممانعة العائلية الحريصة على الإرث العائلي، أصرّ على توزيع قسم من الأراضي التي تملكها العائلة على الفلاحين الذين يعملون فيها. وهذا يعني أن كمال جنبلاط تصرّف كمتمرّد على الوضع، وكمُصلح اجتماعي في منطقة الشوف في الأربعينات من القرن الماضي من خلال وقائع لاقت الاستحسان والترحيب من جمهور المجتمع العاديين نذكر منها:
– تخصيص ريع المطحنة في قصر المختارة لفقراء المختارة ومعوزيها.
– تأسيس ورش عمل لتشغيل العاطلين عن العمل.
– تنظيم تأمين الحبوب لأهل الشوف من فلسطين وحوران، وإعداد مشروع لتحسين زراعة الحبوب في الشوف.
– توزيع مائة هكتار على فلاحي قرية سِبلين مثلاً، بموجب عقود بيع قانونية مقابل ليرة لبنانية واحدة لكلّ قطعة أرض من مالكها الجديد.
وفيما بعد، توسعت مشاريعه الإصلاحية لتشمل كل لبنان نظاماً وإدارة وقضاء وتربية ومجتمعاً.

معروف أن كمال جنبلاط هو محامي الحريات في النظام السياسي اللبناني، حتى عن خصومه، كما في حالة أنطون سعادة، هل هي نتاج جنبلاط المثقف الغربي، إلى حد ما، بخلاف العقل الشرقي الاستبدادي؟
فعلاً كان كمال جنبلاط محامي الحريّات التي كان ينتهكها النظام السياسي القائم في لبنان. وكان يمارس هذا الدور بقطع النظر عن الأشخاص وأفكارهم وانتماءاتهم. وأصدق برهان على ذلك أنه الوحيد الذي انتقد الأحكام الظالمة بحق أنطون سعادة، وأعلن أنه بموقفه من هذه القضية إنما يدافع عن معتقده الإنساني في الفكر وفي الحياة. أعتقد أنّ كمال جنبلاط اكتسب هذه المعتقدات من قراءاته وصداقاته التي نسجها في باريس مع مفكّرين تقدّميين متنورين، تلاقت أفكارهم مع ما كان يرسم في فكره حول إنسانية الإنسان.

شكّلت الديمقراطية لجنبلاط محوراً مركزياً في نضاله السياسي وفي إرثه الثقافي، لكنه كان ينتقد نمط الديمقراطية الغربية، أو ما يُسمّى بدور النخب هل هو أمر جديد أيضاً وإضافة أصيلة إلى نظرية الديمقراطية؟
من المؤكد أنّ كمال جنبلاط، بما تكوّن لديه من رؤية مستقبلية للأنظمة، استخلص مفاهيم جديدة للديمقراطية وكيفية ممارستها. عبّر عنها منذ العام 1945، في محاضرة له حول الديمقراطية الجديدة التي قال عنها: “إنها تتكامل، وتصبح فعلاً في خدمة الإنسان والمجتمع، عندما تستكمل الديمقراطية السياسية بديمقراطية اقتصادية وديمقراطية اجتماعية. وكان رأيه المميّز أنّ “النظام” أي نظام يحمد أو ينتقد بمقدار ما يحقّقه من كفايات للإنسان والمجتمع”.

وأما عن النخبة وعلاقتها بالديمقراطية وممارستها، فأذكر أن كمال جنبلاط هو الذي قال عنها، في مقالة له بتاريخ 21/3/1975 ما يلي: :يحدّد كثيرون في الغرب أن الديمقراطية السياسية هي حكم الشعب للشعب بواسطة الشعب، ويتوهمون أنّ وسيلة الانتخابات كلّ عدة سنوات تكفي لترسيخ مفاعيل هذه المقولة. ولكن التجارب في الغرب أثبتت أنّ هكذا نظام لا يوصل إلى سدّة الأحكام وإلى المجالس التمثيلية إلا مَن هم في صف الوسط من النباهة والمعرفة والخلق وأحياناً حتى البلهاء. والسبب أنّ هذا النهج مغاير لشرعة الطبيعة والتطور التي تنزع دوماً إلى بقاء الأفضل وإلى فرز الأقوى في قدرته على التكيّف، وإلى تجلية العقل في مرقى ظهوره وهيمنته التدريجية من مستوى المادة إلى منطلق الإنسان، وهذه الشرعة تتلخّص بأن تحكمنا النخبة وبأن نتمكّن من جعل المجتمع يفرز هذه النخبة يستعلي بها فوق رقابة وعادية تفكيره وتصوره. الديمقراطية السياسية الحقيقية هي حكم الشعب بواسطة النخبة لمصلحة الشعب الحقيقية”.

هل من شيء آخر ترغب بإضافته؟
بالطبع، هناك ما أضيفه، فبمناسبة مرور مائة عام على ولادته وأربعين عاماً على استشهاده، أقول لكمال جنبلاط حيث هو في عليائه، إنه حاضر دائماً في فكري ونهجي في الحياة، وسوف أبقى وفياً لفكره ورسالته ما حييت، ولهذا الهدف كانت “رابطة أصدقاء كمال جنبلاط” في سعيها للسير على خطى المعلّم، والعمل على إيصال فكره والإضاءة على سيرته ومسيرته النضالية المميّزة للأجيال الشابة لتغرف من مناهل فكره وإصلاحاته في نضالها، من أجل غدٍ أفضل ومجتمعٍ أرقى وأكثر عدالة إنسانية.

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”  في مئويته
كمال جنبلاط… سرمدية الإيمان بالإنسان
النائب السابق أ. فيصل الصايغ
” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

في حضرة الغائب- الحاضر الكبير، لم يعد مجدياً طرح السؤال بالصيغة المعهودة: لماذا استشهد كمال جنبلاط؟ وإنما الباقي دائماً هو أن نضع السؤال بالصيغة التالية: لماذا وُلد كمال جنبلاط؟

تلك الومضة من سادس يومٍ في كانون الأول من العام 1917، أذّنت بولادة إنسانٍ قُدّر له أن يحمل في فكره ووعيه وروحه وأحلامه وشِعره وتنسُّكه ونضاله هموم أخيه الإنسان، في كلّ زمانٍ ومكان، وأن ينذر حياته وكل ما امتلك فيها للارتقاء بذلك المخلوق الإنساني في داخله أولاً، لتحرير ذاته من مغريات الدنيا – وما أكثرها لمَن كان مثله – منطلقاً بالتالي إلى تحرير الإنسان في كلّ أصقاع العالم، متجاوزاً الحدود بمختلف أشكالها، الطائفية والطبقية والمناطقية والجغرافية، مصوّباً نحو تحقيق هدفه الأسمى، ألا وهو تحقيق العدالة الاجتماعية لكلّ الناس الذين تجمعهم الحياة فوق هذه الأرض، وهو القائل “الحبّ الإنساني الشامل يجعل الإنسان يتجلّى في كلّ إنسان”، فعاش عمره وخاض معترك السياسة وغمار الحياة مهجوساً به، وملتزماً السعي الحثيث إلى تحقيقه.
هذه النزعة الإنسانية-الفلسفية اتخذت عند كمال جنبلاط أكثر من تشكيلٍ، تبعاً لمراحل حياته ونضجه وترقّيه في مدارج العمر، وغَرْفِه من خوابي الفكر الإنساني العالمي، واطلاعه على تجارب الحكم ونماذجه في شتى أنحاء الأرض، وغوصه في تقييم جيّدها من سيئها، فرأيناه متنسكاً توحيدياً زاهداً، وكاتباً ومفكراً وشاعراً، كما رأيناه سياسياً وطليعياً قائداً، مؤسّساً حزباً رأى فيه الوسيلة العملانية لترجمة أحلامه وما يؤمن به، وهذا ما تجسّد في تشكيلة الرعيل الأول من المؤسسين، حيث اجتمع كبار المشهود لهم بالعلم والعمل، والديمقراطيون والمؤمنون بجوهر الإيمان، والمثقفون والصحافيون والتغييريون، من شتى المشارب الروحية والمدارس الفكرية، ليلتفوا حوله ويلتقوا وإياه بأبناء الطبقة الكادحة، من فلاحين وعمّال وأجراء وأناس بسطاء، شكلوا طليعة الحزب التقدّمي الاشتراكي الذي حرص في ترسيم مبادئه على مقاربة جوهر الإنسان الذي هو الغاية الأسمى عنده، وتكريسه المبتدى والمنتهى، وهو القائل “الانتصار هو انتصار النفس القوية الجميلة فينا، انتصار الإنسانية فينا، انتصار التطور على الرجعية، انتصار الحياة”… كما رأيناه منتفضاً على النظام الطائفي الحارم غالبية أبناء لبنان من مواطنتهم الحقّة، ورأيناه لاحقاً يتصدى لمسؤولية قيادة الحركة الوطنية، بأحزابها اليسارية العقائدية، جامعاً في ذلك بين همّين عنده: الأول والدائم هو انتصاره للقضية الفلسطينية، ومؤازرتها في مجابهة مشاريع التهويد ومحو حقّ الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره، والثاني هو النأي بالصراع الذي فرضته الحرب على لبنان من كونه صراعاً طائفياً أو مذهبياً، إلى كونه صراعاً بين معسكرين ومشروعين، بين يسار ويمين، بين رجعية وتقدّم، بين مشروع تفتيت وانعزال، ومشروع وطنٍ عربيّ موحّد، بين قمع الحريات وفضاء الديمقراطية، ولا ريب في أن يكون هذا أحد الدوافع وراء الاستعجال باغتياله.

بعد مئة عام انقضت على ولادته، وأربعة عقــودٍ على استشهاده، يستمرّ كمــال جنبلاط معلّماً ملهماً ومرشداً دائماً، وهامةً فكرية عربية عالمية استثنائية، ورمزاً لسمو الجهـاد في السياسة والنضال والعلم والفكــر والإنسان، كما يستمرّ إرثه الأكبر في ما رسمه للأجيال والمستقبل في كلّ العالم من دروبٍ مضيئة تودي بمن يسلكها إلى رحاب المعرفة والانفتاح والسلم والإيمان، وفي ما تركه للبشرية من إبداعاتٍ فكـرية استبقت عصرها وتخطت المكان والزمان، مكرّساً في مسلكه وشخصيته وصدقه وثورته وأسلوبه، سعيه الأزليّ إلى عقلنة الإنسان وتحريره من التقوقع والتخلف ومن أسر التعصب والانقسام، وترسيخ الديمرقراطية والرأي الحــرّ المنفتح على رحــاب الحــرية التي اعتبــرها الحجــر الأساس في كلّ تطــور اجتمــاعي واعٍ ومسؤول، وليس أدلّ على ما نستمر نعاني منه في غيابه أكثر من قوله “نحلم بالمسؤول الفريد الذي يتجرأ على توقيف كلّ لبناني يقوم بدعايةٍ طائفية”!!
كما أنه- في غمرة انغماسه بالصراعات الفكرية والإنسانية الكبرى- لم يغفل أن يولي وطنه الصغير العناية والاهتمام، وأن يقدّم نماذج في محاربة الفساد والمفسدين، وفي ترسيم كيف ينبغي لأهل الحكم أن يكونوا في خدمة الشعب، وليس العكس، وفي الانتفاضة على السجون التي تأسر الإنسان في العالم عموماً، وفي الوطن العربي خصوصاً وهو الذي لم يتردّد في اختيار الموت بحرّية، على طريقة سقراط لدى الاغريق أو غاندي في الهند وغيرهما، قدّموا جميعاً، كما كمال جنبلاط، أرواحهم قرابين وشهادة للحياة والكرامة الإنسانية ومشاعل هداية على طريق الحقيقة والحق والخلاص.
كمال جنبلاط الاستثنائي، التقدّميّ الطليعي، الدمقراطي الحرّ، سابق عصره بفكره ورؤاه وأخلاقه يستمرّ لنا القدوة في كيف ينبغي للنضال أن يكون، وكيف ينبغي أن نضع نصب أعيننا كرامة الإنسان وحقه بالحياة الحرّة الكريمة… والوفاء له يكون بخير العمل على تحقيق ما عاش حياته وكرّس فكره ونضاله وعمق شخصيته وفلسفته له، وقدّم حياته على مذبح الإيمان به: الشعب الحرّ في الوطن السعيد.

كمال جنبلاط مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات
كمال جنبلاط مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=” في مئويتك،
تحية…
الأستاذ رامي الريس
رئيس تحرير الأنباء الإلكترونية ” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

الموسوعي، المرجعي، الفيلسوف
الموسوعي، المرجعي، الفيلسوف

في كل مرة أمسك فيها قلمي لأكتب عن كمال جنبلاط، أتهيّب الموقف.
فالرجل الموسوعي، المرجعي، الفيلسوف شكّل، في تاريخ لبنان المعاصر، علامة فارقة في السياسة والاقتصاد، في الفكر والفلسفة، في العلم والمعرفة.

والأصعب أن ما كُتب عن كمال جنبلاط كثير ووفير، ومع ذلك لا تزال شخصية ودور ومسيرة المعلم ومؤلفاته تستحق القراءة تلو القراءة، وفي كل قراءة، تكتشف الأبعاد الجديدة من علمه الواسع.
سنة 2017 حملت ذكرى مرور أربعين عاماً على استشهاده، وقد توجّ محبو المعلم وفاءهم له في يوم تاريخي في المختارة (19 آذار) شهد تقاطر الآلاف من اللبنانيين من مختلف المناطق حاملين رايات الولاء، ولبسوا كوفية فلسطين… الوصية والهوية والقضية.

كما أن سنة 2017 هي ذكرى مئوية الولادة، فكانت الرمزية السنوية بوضع زهرة على الضريح أبلغ من عشرات الخطب والمقالات. إنها الرمزية التي يمكن من خلالها الوقوف للحظة للتأمل والتفكير بكمال جنبلاط القائد والشهيد.

ولكن كمال جنبلاط الذي أكد على إعادة الأخلاق إلى السياسة والسياسة إلى الأخلاق يُفتقد اليوم بشكلٍ عميق. فالسياسة والأخلاق في عالمنا الراهن أصبحا على طرفي نقيض وهو ما يفسر الكثير من الظواهر الغربية التي فرضت نفسها على مجتمعاتنا، من الإرهاب والمخدرات والدعارة فضلاً عن ما سمّي بالثورة التكنولوجية، التي تبقى رغم إيجابياتها، تُشكّل منعطفاً كبيراً في طبيعة العلاقات الاجتماعية والإنسانية.
مع كمال جنبلاط إلى الأصالة.
مع كمال جنبلاط، نعود إلى العدالة الاجتماعية، إلى الحرية، إلى الكرامة الإنسانية.
مع كمال جنبلاط، نعود إلى الوعي، إلى المسؤولية الوطنية، إلى العروبة المتحرّرة.
مع كمال جنبلاط، نعود إلى الديمقراطية، والمساواة.
مع كمال جنبلاط، نعود إلى ذواتنا التي تنجرف أحياناً في رمال ومستنقعات اليوميات الممّلة، إلى الصفاء خروجاً من الاضطراب، وإلى الهدوء هرباً من الضوضاء.
في مئويتك، تحية.

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”  كمال جنبلاط
مدخل إلى المكوِّنات الثقافيَّة الأولى
غسان الحلبي
مستشار مشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

دخل “البيك النّضِر” مدرسة عينطورة وهو في بدايات السنة التاسعة من عمره. كان قد تلقّى تعليماً خاصّاً في دار المختارة التي كانت في رعاية والدته “الستّ نظيرة”، السيِّدة المَهيبة التي استطاعت، بحنكةٍ فريدة ووقار مشهود، أن تحمل حِمل رجال كبار بعد أن اغتيل زوجها فؤاد تاركاً في عهدتها طفليهما، “كمال” ذا الأربع سنوات وأخته “ليندا”، وبالطبع، مسؤوليَّة جسيمة كبرى هي ولاية شؤون دار يسكن فيها التاريخ، ماضياً وحاضراً، فرداً من أفراد العائلة.
إنَّ طبائع المكان، بأرضه وناسه، بتقاليده وأسراره، بذاكرته الذاخرة بالأحداث الجسام والشخصيَّات التي لا تخلو المرويَّات عن بعضها من بُعدٍ شبه أسطوريّ، وبحاضره المظلَّل من جهةٍ بمأساة، ومن جهةٍ ثانية بإرادةٍ من “روح الفولاذ” هي إرادةُ سيِّدةٍ عرفت عطف الأمومة، وحكمة التصرُّف، وهيبة الحضور بحيث لم تخْلُ سدَّة الزعامة، بتدبيرها، من فعاليَّة القيادة التي ارتقت بأدائها إلى مستوى تاريخيّ تذكرهُ الأجيال؛ كلُّ هذا، لا شكّ، انغرس في روح “الصبيّ” وشكَّل مكوِّنات وعي تكاد تكون “فطريَّة” فيه، لأنّ الكثير منها بقي من “الثوابت” لديه عبر حياةٍ فائضة بالمتغيِّرات.
كان اليسوعيّون قد أسّسوا إرسالية القدّيس يوسف في عينطورة عام 1657 “في جوف وادٍ صغير عند أسفل غابة صنوبريَّة” على ارتفاع سبعمئة متر عن سطح البحر. وفي العام 1834 تسلَّم الدير الآباء اللعازاريّون بعد تفاقم المشاكل بين اليسوعيين ومرجعيّاتهم في الخارج. وما لبث مريدو القديس فنسان دو بول أن حوَّلوا المقرّ إلى معهد تربويّ بناء على إلحاح الموفد الرسولي.
كان للعازاريّين قناعة وطيدة بالتربية التي يُبنى بها الإنسان، وهي قناعة وليدة من السلوك الذي انتهجه مؤسّس جمعيَّتهم التبشيريَّة “دو بول” المذكور (1581 – 1660). وترسَّخت قواعد النظام التربويّ في معهدهم في لبنان حين تولَّى إدارته الأب ألفونس سالييج، حيث حصل تطوُّر كبير في بنائه وأنظمته برعاية فرنسا ودعمها بحيث اكتسب سمعة عالية باعتباره صرحاً مساهِماً بقيام “نهضة حقيقيَّة في جبل لبنان” ولُقِّب بـ “أمّ المدارس”. (الكثير من أخباره في مذكرات نخب من القادة والمسؤولين ورجال الفكر والأدب).
حين دخل كمال المعهدَ تلميذاً في بداية العام الدراسي 1926، كان بإدارة الأب إرنست سارلوت ذي الشخصية القويَّة الهادئة “بهيبة متورّع، وحضور عالِم ونظرة فيلسوف” يردِّد أمام تلاميذه قولاً لفيرجيل يحثّهم به على الاستغراق الجاد في العمل: “Labor Omnia vincint improbus” ويعني: “العمل الشاق يتغلَّب على كلِّ شيء”، ومُسدياً إليهم على الدوام نصائح في غاية من “العِلم والذكاء والإدراك”.
يذكر “تيموفييف” أجواء المعهد الخاضعة لنظام “ثابت تسيرُ عليه دائماً وأبداً… من نهوض باكر في الخامسة صباحاً، إلى صلاة الصبح والتزام اللغة الفرنسيَّة حتّى فترة ما بعد الظهر المخصَّصة للعربيَّة، وفترة المساء للإنجليزية حتَّى صلاة الغروب.” وهو “نظام يومي صارم يتطلَّبُ حدّاً أقصى من التركيز والانضباط”. بالطبع، ما لبثت روحُ كمال أن أنست، لاحقاً، هدوء المكان، وواجبات الالتزام بالدرس والتحصيل، وبالتأمُّل وتلمُّس آفاق المعرفة. وكان المنهج التعليمي مرتبطاً بالبرامج الفرنسيَّة المتقدّمة، وزاخراً بمواد مكثّفة.
من المؤثِّرات العميقة التي يمكن أن تُعزى إلى الأب سارلوت هو دأبه على أن “يغرس في نفوس تلاميذه موقفاً أخلاقياً من العمل”، ومقاربته البالغة الأهميَّة في ضرورة تحقيق “التوفيق الأمثل بين المواد الطبيعيَّة (العلوم البحتة من خلال التطبيقات المختبريَّة)، وبين المواد الإنسانيَّة. وإيماناً منه بأهميَّة هذه المعادلة سعى إلى افتتاح “مختبرات ممتازة التجهيز في المدرسة لإجراء التجارب الفيزيائيَّة والكيميائيَّة، وأيضاً إيجاد متحف للعلوم…”.
“وجد كمال في هذا الجوّ مرتعاً خصباً جعله لا يكتفي بما يحصل عليه من دروس بل يكبّ على المطالعة كلما وجد متّسعاً من الوقت… حتى غدت شغفاً يلازمه مدى الحياة ويغني مفرداته، ويوسع أفقه، ويعلّمه التفكير والتأمّل والتحليل والمقارنة… وتكوّنت آنذاك الملامح العامَّة لشخصيته وطباعه والتي ميَّزته عن الآخَرين مدى العمر” (تيموفييف). وقبل الوصول إلى المرحلة الجامعية، كان “الشاب الموهوب يعيش حياة فكرية وروحيَّة في منتهى التعقيد والكثافة.”
كان لمقاربة كمال الشاب نحو المعرفة طابع الشمول المتدرِّج، وكان سرُّها أنّه لم يكن في ذاته العميقة ساعياً في استثمار العِلم لغايات المصلحة وإنَّما في شغفِ البحث عن الحقيقة. وإن كانت المراحل الأولى في تعليمه تميَّزت بالتنوُّع العريض في مواضيع المطالعة والنشاط العملي، فقد برزت، في المرحلة الأخيرة له في عينطورة، اتّجاهات نحو التعمُّق في حقول بعينها انجذاباً لما في طبائعه من ميولٍ نحو الإبحار في الآفاق البعيدة. ويُذكر في سيرته أنه أبدى “اهتماماً معمَّقاً بتاريخ المسيحيَّة… وأنه درس بعمق مؤلّفات القديس فنسنت دي بول…” التي كان لها أعمق “الأثر في نفسه وكذلك رعايته للفقراء والمساكين والأحداث…”. ولا شكَّ أنه قرأ أيضاً بالفرنسية كتاب “فضائل القديس فنسنت ومذهبه الروحي” الذي قال فيه مطران باريس إنه يعبِّرُ “عن الرُّوح الحقيقيَّة للمسيحيَّة”. والكتاب إبحارٌ في معنى الحبّ الإلهي لدى دو بول، وحضوره الحيّ في الوجود… وصولاً إلى جوهريَّة السجايا الإنسانيَّة في التواضع والطاعة والحكمة والعدل والتعفُّف والانعتاق من كلِّ تعلُّقٍ دنيويّ بزخاريف الدنيا.
(كتاب L»Abbé Maynard).
في العام الدراسي 1935 (كان كمال قد بلغ الثامنة عشرة من عمره)، قدم إلى عينطورة الأب دالميه Dalmais معلّماً للفلسفة. عُرف عنه بعد ذلك تأثّره وإخلاصه لتعليم الراهب واللاهوتي البيزنطي القدّيس “مكسيم المعترف”، الأمر الذي قاده إلى التعمّق بعلم تأويل الأسرار (mystagogie) عن طريق الفهم العميق لطقوس القربان المقدّس (Liturgie). ووجد دالميه أنه من الضروريّ تعميق مفهوم الأسرار ومقابلها الآرامي عبر مساءلة اليونان القديم وفقاً لانعكاس ذلك في إرث الأوّلين (كتاب Kalongisa Munina). ويعلمُ الله وحده ماهية المدى البعيد الذي ذهبت فيه العلاقة الفكرية والروحية-المعرفية بين الشابّيْن: الأستاذ وتلميذه الفريد (كان دالميه في الثانية والعشرين)، خصوصاً في اللاهوت المسيحي بدلالة أنَّ دالميه دعا كمال مباشرة إلى اعتناق العقيدة المسيحيَّة، وردَّ جنبلاط معتذراً حيث سيتبيَّن لاحقاً إيغال فكره في جدليَّةٍ خصبةٍ لا يمكن معها الرسوّ فوق الشاطىء، وإنَّما هي تدفعُ به على الدوام، وبقوَّةٍ لا تهدأ نحو أعالي بحار المعارف شوقاً إلى تلمُّس حقائق الأشياء في حضورها الحي الدينامي وليس السكونيّ وحسب.
كان حاضراً في عقل كمال آنذاك، عبر قراءاته، ما كان يحاولُ فعله أحد الآباء اليسوعيّين من الذين وحَّدوا في الرؤية اللاهوتيَّة بين الإيمان والعِلم البحت، ومن الذين قاربوا المسيحيَّة مقاربة غير تقليديَّة إلى حدّ منعه عن التعليم، هو الراهب وعالِم الإحاثة والمتحجّرات بيار تيار دو شاردان. وكان حاضراً أيضاً غاندي وتعليمه بأنَّ “الحقيقة الأولى هي أن الحبَّ هو نقطة الدائرة ومحورها في آن واحد. فكيف تتلاقى وتتجاذب ذرات المادة، وتترفّع وتتوالى في تراكيبها، وكيف تتآلف الخلايا الحيَّة في النبات والحيوان وفي الإنسان، وكيف يتوافر ارتباط العلاقات في المجتمع، إذا كان الحبّ غائباً عنها.” فالحبّ هو “طاقة كونيَّة شاملة لحركة التكوين” (من محاضرة عن غاندي لكمال جنبلاط).

يتوجَّبُ أن يُفهمَ الحبّ هنا من حيث هو إيمان عميق بالوحدة التي هي سرّ الوجود، ومن حيث هو الطاقة الحيَّة في الكائنات جميعها. وليس الأديان وحدها رسائل للتعبير عن هذه الوحدة، بل هو الوجود بكلّ عظمتة من المجرَّات إلى ذرة التراب. كان هذا أمراً طاغياً على عمل دو شاردان في صحارى الصّين وغيرها، وعلى عمل غاندي في مقاربته السياسيَّة غير المألوفة لأنها ترتكزُ على بساطة الحقيقة الإنسانيَّة وأصالتها وصلتها “بالطبيعة الأحديَّة التي لا اثنينية فيها على الإطلاق”. وقد ذهب بعد ذلك كمال، بحكم الظرف القاهر، إلى باريس لدراسة الحقوق في حين كان يحلمُ بأن يكون طبيباً يخدم الفقراء في إفريقيا. لكن أبواب المعرفة ظلَّت، بالطبع، مفتوحة أمامه، فتعمَّق في فهم باسكال (العلم والترهّب والفكر الذي هو ميزتنا الكلية)، وبرغسون (الحقيقة بالحدس)، وكثرة من كبار المفكّرين. وتردَّد هناك إلى روجيه غوديل المشغوف باليونان وأفلاطون خصوصاً، وبالهند. وهذه علاقة معرفية قادته إلى كريشنا مينون ومن ثمَّ لاحقاً إلى رحلات إلى بلادٍ (الهند) يؤمن حكماؤها بأنَّ الطاقة الكونيَّة هي الوعي المطلق، وبأن التطوُّر الإنساني الحق مرتبط بهذه الغاية. وبأنَّ التقدُّم، في ذات الفرد وفي صيرورة المجتمع (التقدمية)، هو بالسعي والنضال من أجل تحقيق غايات مثلى صوناً للإنسانيَّة من السقوط في هاوية الجهل والتقاتل وصراع الحضارات.

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”  نِعـمَ الكتـابُ،
تعـدَّى الحرفَ كاتبُـه الشيخ د.
سامي أبي المنى
رئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز ” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

هو الزعيمُ الكبيرُ، اللهُ واهبُهُ
تقدُّميٌّ، أبيٌّ، قائدٌ، عَلَمٌ
للِّدينِ، للحقِّ، للإنسانِ، ثورتُه
بساعِدِ الجِدِّ أثرى الأرضَ مِعوَلُه
وريشةُ الفكرِ أهدت للملا كتباً
قد كان يَخشى على الإنسانِ من زمنٍ
وأصبحَ المرءُ رقماً فيه مُحتَقَراً
وسطوةُ المالِ والأعمالِ ضاربةٌ
والشرُّ يهدُمُ ما في الكونِ من نُظُمٍ
هذا الكمالُ ارتقى نحو الكمالِ وفيفراحَ يُبحرُ نحو الحقِّ مُنشغِلاً
يتوقُ عيشاً صُراحاً حيثُ يَسكُنُهُ
يَغفو على لَهَفٍ، يَصحو على شَغَفٍ
يراهُ في كلِّ خَلقِ اللهِ، في نِعَمٍ
يراهُ في بيئةٍ خضراءَ دانيةٍ
صفراءَ راقيةٍ، زرقاءَ ناقيةٍ
وكان صوتاً رقيقاً صارخاً ألماً
لا تعبَثوا بنظامِ الخَلقِ واحترموا
يا ثاقبَ الرأي والرؤيا، لَكَم صدقتْ
يا سابقَ العصرِ، كم أهديتَنا عِظةً
يا ليتَنا ما ربحناها رفاهيةً
يا ليتَنا قد جعلنا العقلَ مُنطَلَقاً
يا ليتَنا ما خسِرنا العيشَ في كنَفِ الـ
ولو أقمنا على عدلٍ توازُنَنا
يا ليتَنا لم نُغادرْ، في تعامُلِنا،
لو لم نُبالغْ ونشطحْ في تَجاهُلِنا
كم نحن نحتاجُ إنسانيةً فُقِدَتْ
كم نحنُ نحتاجُ عُشبَ القمحِ، أنبَتَهُ
نحياهُ ذِكرى سمَتْ نحيا بها مئو
نسمو اعتزازاً بأنْ غُصْنا على دُرَرٍ
منها اكتفينا وعُدنا كي نوزِّعَها
لكنّنا مُذ عَرفنا أنَّه قمرٌ
وسار فينا، وصارَ النُّورُ يَغمُرُنا
نقولُ فيهِ، ومنه القولُ أشرعةٌ
قال المعلِّمُ، حقَّاً قالَ، فانتبهوا

طابتْ منابعُه، طافتْ مواهبُهُ
العلمُ والحِلمُ والتقوى أقاربُهُ
في عالمٍ أدمتِ الدنيا مَخالبُهُ
مُذ راحَ يَكدَحُ كي تَحيا مساكبُهُ
نِعمَ الكتابُ، تعدَّى الحرفَ كاتبُهُ
نامتْ نواطيرُه، قامتْ ثعالبُهُ
وهْو المُكرَّمُ من ربٍّ يُخاطِبُهُ
والعنفُ في الدينِ والدنيا مصائبُهُ
والبيئةُ الأُمُّ تُؤذيها عقاربُهُ
صوامعِ الروحِ والنجوى مآربُهُ
عن السياسةِ، شقَّ الموجَ قاربُهُ
طيفُ الحبيبِ الذي شعَّت كواكبُهُ
والحقُّ في ذا وذا تبدو غرائبُهُ
تَفيضُ دوماً، كما فاضتْ سحائبُهُ
حمراءَ قانيةٍ، فيها ملاعبُهُ
بيضاءَ تَصفو كما تَصفو مشاربُهُ
أنِ احفظوا الكونَ تَحفظْكم مراكبُهُ
سرَّ الوجودِ، فرَبُّ الكونِ واجبُهُ
رؤياكَ، مثلَ نبيٍّ، عزَّ جانبُهُ
والكونُ ينهارُ، والحُمَّى تُصاحبُهُ
وضاع منَّا جمالٌ فرَّ ناهبُهُ
والعقلُ يعقِلُ لو كنَّا نُقاربُهُ
طبيعةِ البِكرِ، إذ رُحنا نُحاربُهُ
وما سكَبنا شراباً ماتَ شاربُهُ
بساطةَ العيشِ، مُذ جُنَّتْ مطالبُهُ
لَمَا شَقِينا وأدمَتنا عواقبُهُ
من عالَمٍ ضلَّ وازدادتْ متاعبُهُ!
لنا المعلِّمُ، كم تُشفي تجاربُهُ!
يـةً وقد حاكتِ النَّجوى عجائبُهُ
في ذلكَ اليمِّ، أغرتنا حقائبُهُ
فما كَفَينا، ومَن فينا يُواكبُهُ؟
به افتُتِنَّا، وأمْسينا نُراقبُهُ
والفكرُ كالعينِ، والإيمانُ حاجِبُهُ
مَنْ يتبَعِ القولَ ما تاهتْ مراكبُهُ
فالحقُّ يُحيي ويَحيا فيه طالبُهُ

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=” إلى المعلّم الشهيد
كمال جنبلاط
العميد د. محمّد توفيق أبو علي
العميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية
” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

يؤوب فينا ويبقى النور منتصرًا
يؤوب فينا ويبقى النور منتصرًا

آتٍ مع الفجر خلِّ الرّيحَ في صخبِ
بَوْحُ الأقاحي خطاهُ، موعدُ السُّحُبِ
آتٍ غدًا لجفون الشمس يزرعها
نورًا، ويوقظ منها هجْعةَ الهدُبِ
آتٍ، فيا واحةَ العشّاقِ لا تهِني
محبوبُكِ الصَّبُّ لم يهرمْ، ولمْ يغبِ
لكنّه في زمان الوعد محتشدٌ
عند الينابيع، يروي جذوة اللّهبِ
يسقي دَواليَ عشقٍ سُكْرَ خَمْرَتِها
حتّى ترنّح فيها ساكنُ الحَبَبِ
يؤوب فينا ويبقى النور منتصرًا
خُبزًا يقينا الدّجى في غائلِ السَّغَبِ
معلّمي نُضْرَةُ الحلمِ البهيّ رنا
إليّ أنت إلى وُسْعِ المَدى الرّحِبِ
فكيف يُغْلَقُ دون العين بارقةٌ
وأنت صبوتها نحو المنى النُّجُبِ
وكيف يُغرِق موجُ اليمّ ساريةً
وأنت رائدها… يا نجمة القُطُبِ
القدس يشكو أساها عُقْمُ نَخلَتِنا
هُزَّ الجذوعَ وأرشدنا إلى الرُّطَبِ
والمِحْجَرُ الصَّلْدُ يروي سقمَ دمعتِه
فاشفِ السِّقامَ بوجدٍ منكَ منسكبِ
والمحجرُ الصَّلدُ يشكو حَجْبَ شَكْوتِه
فاهطِلْ بِوجْدِكَ يُمْزَقْ ساترُ الحجبِ
واطلب الى الدمعِ أن يطلق أعنَّتَهُ
رِيًّا لنارِ القِرى في جمرنا الرَّطِبِ
ازرعْ محاجرَنا عَصْفَ الدُّموعِ لظًى
توقًا لقدسٍ تُقِيتُ النور في الشّهبِ
معلّمي، إنْ غفتْ أحلامُنا، ومضتْ
نَثْرَ الهباء، فلا تسألْ عنِ السببِ
مَنْ غيّبوكَ همُ مَنْ يدفنونَ سنًا
يقول: يا وعْدُ عُدْ، واهطلْ على العربِ

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”  كمال جنبلاط…
المفكر البيئي قبل سبعين سنة
د.عصام الجوهري
رئيس رابطة قدامى أساتذة الجامعة اللبنانية” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

تخطّى المعلم كمال جنبلاط منذ العام 1948، وربما قبل ذلك، الموقف السطحي الذي كان سائداً حيال البيئة، فإذا به يضع في “الميثاق” عام 1948، الآتي: “إن من بين التدابير التي يرمي إليها الحزب، المحافظة على العنصر البشري وتنقيته والتخلُّص من بعض الظروف والأحوال الضارة التي أوجدتها المدنية التقنية” (ص. 2) وفي مكان آخر: “القضية الأساسية تهيئة الجو الملائم للكائن البشري ونموه ولتفتح قدراته، وذلك باعتماد الأساليب والعادات الاجتماعية التي تتلاءم مع أغشيته ونفسيته. فيجدر مثلاً تنقية جو المعمل والمحترف وإزالة الصخب والضجيج والجلبة من المدينة وإذا لم يكن من بد، هدم المدن وإعادة تخطيطها وبنائها بشكلٍ يتلاءم أكثر فأكثر مع متطلّبات الفرد وراحته بحيث تتوفّر له المتعة النفسية والجسدية في أجواء فسيحة من الحدائق والغابات، ويجدر تنقية جو الصحافة والملاهي والاحتفالات والاجتماعات الشعبية كي يتوفّر للفرد الاطّلاع على أكبر قسم ممكن من الفنون والعلوم … إلخ” (الميثاق: ص. 21).
هذه المطروحات التي انقضى عليها أكثر من حوالي ثلاثة أرباع قرن من الزمن تتخطّى كلّ ما عداها من خطط واقتراحات بيئية ماضية وحاضرة، من حيث عمقها شمولها لكلّ ما يمس الإنسان جسدا وعقلاً، والإنسان يحتل الصدارة في فكر كمال جنبلاط، والغاية لكلّ ما كتب، ومن هنا أصبحت أفكار الميثاق البيئية برنامجاً بيئياً وسياسياً للمستقبل القريب والبعيد للجمعيات والمؤتمرات والأبحاث المهتمة بهذا الشأن.
شكلت البيئة عند كمال جنبلاط المؤسس مساحة كبيرة في نسيج فكره الشامل والمتنوع. البيئة عنده، تساوي الوجود الإنساني، فأقدم على معالجتها من الجذور وبكلّ ما يرتبط بهذا الوجود من مشاكل تُعيق تطوّر البشري السليم.

كالماء الزلال، الذي ينسكب في ماء زلال
كالماء الزلال، الذي ينسكب في ماء زلال

يتحدّث كمال جنبلاط عن تلوّث السمع: “ومن أدب السماع أن تبتعد عن كل ما يؤدّي من صخب المدينة وضجيج الحضارة، وصرير الآلات، وانفعالات هذه الموسيقى الحديثة التي تقلق النفس وتسبل على سامعيها الاضطراب النفسي والتشويش والتي تخرج عن وتيرة الطبيعة وطبيعة الإنسان” (أدب الحياة، ص. 56).
حذّر جنبلاط من العبث بالطبيعة، وما ينتج عنه من آثار مدمّرة على المسار البشري: “إنسان اليوم، إنسان العالم الحديث الذي أخذ يتدخّل في شرعة التكوين بواسطة بعض الأدوية الزراعية والأدوية البشرية القاتلة للآفات وأضدادها وضوابطها في آن واحد، لا يعلم أي خلل يدخله وأي انحراف يفتعله، وأي إجرام يأتي به ويقضي على هذا التوازن والانسجام في حياة الكائنات وفي وجود الأكوان” (المصدر نفسه ص. 56)، يشغل هذا الموضوع قطاعاً واسعاً من العلماء الزراعيين في معظم البلدان حيث يدري العمل على إنشاء مزارع نموذجة تعتمد على المصادر العضوية في الزراعة ومكافحة الأدوية الزراعية. وهو اتجاه محدّد لزراعات المستقبل؛ كما أصدرت الكثير من الدول قوانين للحذر من استخدام أنواع معينة من الأدوية الزراعية.
أولى جنبلاط اهتمامه للأبحاث والمؤلفات حول البيئة فأقدم على ترجمة بعضها ومن بينها كتاب “نكون أو لا نكون” لـ إيفان روسكي عرّبه وقدّم له: “أنّ على الإنسان أن يحترم نواميس الطبيعة التي تحيط به وتدخل في كل حين في تكوين جسده وفي الأفعال بأعصابه وبحواسه وفي الهيمنة على مارات الأغذية والسوائل في أغشيته على حياة خلاياه وإلا فَقَد الإنسان القدرة على العيش، ضعفت فيه مكنات نجوته وقوى الكيف واختلت احتمالات التوازن الداخلي القائمة على ما يدعمها ويقابلها في البيئة الخارجية فإذا به يُشرف على الانحطاط التدريجي وثم على الهلاك كما حصل لعدد من الأجناس الحيوانية والبشرية السابقة” (“نكون أو لا نكون”، المقدمة ص 80). ويتساءل كمال جنبلاط محذراً: “ماذا؟ البشرية؟ إلى أين تتّجه؟ ماذا سيكون مصيرها؟ يشهد القرن العشرين بأننا نمر في مرحلة من نصف الجنون الجماعي والفردي؟ هل يمكن أن يكون الإنسان في مجرى التطوّر الكوني الشامل يلعب دور كائن فاشل أو نتائج عديمة الفائدة مرشّح للزوال؟ ويجب القول إنّ هذه التصفية تسير بخطى سريعة”. (المصدر السابق نفسه ص 13).
ويستدرك جنبلاط أثر تلوث الهواء في المدن على مصير الإنسان: “للهواء الذي نستنشقه أهمية خاصة فيجب أن يكون نقياً صافياً وليس كهذا الهواء الذي ينتشر فوق المدينة الحديثة، الذي أوضح ضرره وشره على الجسد الدكتور سلمانوف في قوله: إنّ كلّ حركة تنفُّس تدخل الجسم خاصة عند سكان المدن الكبرى يُدخل بضع مليارات من الجراثيم. ففي العودة إلى الحياة الطبيعية ونهجها الوسيلة الحقيقية لضمان الصحة وسلامة الأعضاء وبقاء الكائن البشري على مناعاته وحيويته” (“أدب الحياة”، ص 103).
وفي التعاطي مع الطبيعة الخارجية، يقول في “أدب الحياة”: “إنك لا تستطيع أن تُحرّك زهرة دون أن تهتز إحدى النجوم” (“أدب الحياة”، ص 99).
وعن التلوث يقول: “تلوث الأنهار والبحيرات والسماء بهذا الشكل المتواصل يهدّد بتحويل الأنهر والبحيرات والبحار ذاتها الى أنهر وبحيرات وبحار ميتة، لا يقطنها شيء كما حدث فعلاً لبعض الأنهر ولبعض البحيرات في الولايات المتحدة وفي أوروبا. ويرتقب بعض العلماء أن يصبح مثلاً البحر المتوسط بعد سنوات قليلة مهدّداً بهذا التلوث الشامل وأنّ كوكبنا بأسره مهدد على الأقل إلى فترة طويلة بأن يتحوّل إلى كوكب ميت” (المصدر السابق، ص 106).
لقد أضحى النزول إلى البحر المتوسط والاستحمام فيه أمنية لسكان شواطئه ومخاطرة المغامرين ومصيراً حتمياً للفقراء يُضاف إلى ذلك فعل الصيد في تهشيم الطبيعة، وفي تقتيل الطيور – وكل حيوان وطير يتغذّى من هذا الكائن أو من هذا اللون من الحشرات أو الأعشاب – كائناً أمام مجزرة حقيقة يقوم بها هذا الإنسان المتوحش…

البيئة عنده، تساوي الوجود الإنساني
البيئة عنده، تساوي الوجود الإنساني

(م. ن. 108).
لن نتمكّن بهذه المقالة الإحاطة بكلّ الطروحات البيئية لكمال جنبلاط المعلّم إنما أشرنا إلى بعض الأفكار بغية العودة إليها من جديد قراءةً وبحثاً وتطبيقاً. ولا يسعنا إلا أن نجزم بأنه كان من روّاد البيئة بامتياز، ولم يُهمل المسألة البيئية حتى في أحلك الظروف التي عاشها لبنان، حيث أولت الإدارة المدنية التي أنشأها الحزب في منطقة الجبل أثناء الحرب الأهلية اهتماماً خاصاً في هذا السياق، فهي حرمت قطع الاشجار وصيد الطيور ومنعت رعي الماعز حيث ابتاعت الماعز من أصحابها مقابل أسعار عادلة وودعتها في أماكن مغلقة. كما شجعت التشجير واعتنت بغابات الأرز فمنعت الدخول إليها، وجعلتها مَحميَة عملت على مكافحة الآفات والأمراض المنتشرة فيها، كما نظّم “مكتب الإرشاد والتوجيه” في الجيش الشعبي ندوات ومحاضرات جوّالة في مئات القرى والبلدات حماية للبيئة.
لقد كانت طروحات كمال جنبلاط الحضارية المتقدّمة في الموضوع البيئي سبباً لجعل الحفاظ على البيئة جزءاً من كل بيان وزاري وسبباً للكثير من القوانين البيئية التي صدرت عن المجلس النيابي اللبناني.

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”  مئوية العدل الاقتصادي
في ميزان الفكر الإصلاحي
د. وليد أبو خير” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

أدبياته إرتسمت حول الدفاع عن الطبقات الفقيرة والكادحة
أدبياته إرتسمت حول الدفاع عن الطبقات الفقيرة والكادحة

كان اختيار كمال جنبلاط الأول من أيار/مايو من العام 1949 موعداً لإطلاق حزبه إشارة رمزية لموقفه من قضايا العمّال والفلاحين والفقراء عموماً، باعتباره: “…يوماً مباركاً، يوم العمّال والفلاحين والصنّاع ويوم ذكرى التعاسة والبؤس والإرهاق بسبب عدم عدل الإنسان لأخيه…”.
شكّل هذا المنعطف من تاريخ لبنان الحديث، دليلاً واضحاً على أنّ فكر كمال جنبلاط حمل هموم المجتمع المعيشي والاقتصادي والاجتماعي عندما فصّل وشرح بإسهاب المبادىء والنُّظم التي ترتقي بالبشرية إلى المجتمع الاقتصادي الاشتراكي، خصوصاً وأنّ أدبيات المفكّر جنبلاط قد ارتسمت حول دفاعه عن الطبقات الفقيرة والكادحة.
إن الواقع المعيشي والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي مرّت بها البلاد حينذاك، أوقدت مشاعر النبل والمسؤولية لدى كمال جنبلاط، والتي شهدت مرحلة ما قبل تأسيس الحزب وتحديداً ما بين العامين 1943 و 1946 مطالبته الدولة اللبنانية العمل على الحدّ من البطالة ومكافحة جنون غلاء الأسعار، كما ومطالبته إياها تشجيع الصناعات المحلية وإنعاش التجارة والزراعة والصناعة والسياحة. وهو في ذلك، إنما كان يعبّر عن برنامجه للحزب الذي سيولد بعد سنوات قليلة.
تجلّت أدبيات الفكر الاقتصادي عند المفكّر الإصلاحي كمال جنبلاط، من أنه فكر قائم على ثقافة تطوير القوانين الاقتصادية وبحسب تقدّم مراحل التطور التاريخي. ذلك أن أسس الاشتراكية في ميزان فكر جنبلاط إنما بُنيت على ركائز الانفتاح والتطوّر، وبالتالي الارتقاء بها إلى مرحلة العدل الاقتصادي المجتمعي. فمن المُعيب – وبنظر المفكّر جنبلاط – أن ينوجد في المجتمع من هم بحالة من الفقر المدقع فيما هناك آخرون يتمتعون بملذات العيش الرغيد مما قد توارثوه عن أسلافهم من ثروات طائلة، أو من جراء تملّكهم الوسائل الإنتاجية سواء بالصناعة أو التجارة..، والتي تدرّ عليهم الأرباح الخيالية. (نظرية التقدمية الاشتراكية.. إدمون نعيم، ص 36 و37) فالحقوق الاقتصادية التي بنى عليها جنبلاط مبادىء الحزب التقدمي الاشتراكي، إنما تستند إلى مبدأ العدالة المجتمعية، وبالتالي إلى المساواة بين أفراد المجتمع، وذلك بحقّ كل فرد فيه أن يتمتع بنصيب من الثروة توازي متطلبات عيشه بكرامة الإنسان الحر وبما يكفل تطوره ونموه.

ذهب المفكّر كمال جنبلاط بالفكر الاقتصادي للحزب التقدمي الاشتراكي إلى حدود التعبير عنه من كونه وجهة نظر للحياة بأكملها. فهو بذلك جمع في محطات ومفاصل الحياة برمّتها فكراً تندمج فيه مثاقفة كل من الاجتماع والاقتصاد في سبيل تطوّر الحياة المجتمعية على النحو الذي يرقى فيها أبناؤها إلى حياةٍ سعيدة بمعانيها المادّية والمعنوية والنفسية، ليَضحى هذا الفكر فكراً ثورياً يتجه بمناحيه نحو التطوّرية.

وبمرور ذكرى عزيزة على قلوبنا وهي السادس من كانون، ذكرى مئوية هذا المفكّر الإصلاحي، نقف ونقول وبعيداً عمّا نكنّه ونختزنه في نفوسنا من عاطفةٍ دفينة، أنه لا بدّ من العودة وقراءة مؤلفاته وكتبه بغية استحضار آرائه وأفكاره الإصلاحية والتي تؤلّف في مجموعها مواقفه النضالية العتيدة، كما والدعوة إلى الوقوف أمام المحطات الفكرية للمصلح كمال جنبلاط للتقرّب أكثر من فكره ومن نهجه، وإلى التعرّف على نوافذ اشتراكيته الأكثر إنسانية. هذا المنهاج الذي أرسى مدرسة ذهبت في اللاحدودها عبر التاريخ، وتخطّت وقائع الجغرافيا لتضحي تاريخ وطن وأمة.

في الذكرى المئوية للرجل الرجل، نقف بجلالةٍ وإنحناء وفي عقولنا غرسات متجذّرة من الكِبَر بفعل نورانية المنهج الذي تناول فيه الكثير من أمراض العصر في سعيه إلى الإصلاح بكل ما يحمله هذا التعبير من محاججة. هذا المنهج الذي جال بخواطر جنبلاط ليعبّر عن واقع لبنان ومرتجاه في نواحي السياسة والاجتماع والاقتصاد..، مجاهدًا بالفكر والقول والعمل، محاولًا تصويبها لتكون مدارك وأسساً في خدمة مجتمع العمّال والكادحين كما الشباب والمثقفين.
حمل هموم المجتمع في نواحي ترشيد الطبابة، وفي حوكمة الضمانات الاجتماعية وتعميمهما في سعيه لترسيخ صنوّ العدالة الاجتماعية.
حمل هموم ومشكلات الأجيال الطالعة في وضعه معايير رشيدة للثقافة والتعليم، وهموم الناس في تأطير الزراعة والصناعة المحليتَين بأطر ومعاني التقدمية، وفي دمقرطة الضرائب بما تعنيه معاني الاشتراكية وبعدالة شعارها “لكل حسب طاقته” ما يؤسّس إلى تحقيق مبدأ العدل المالي، كما وجعله عاملًا للتوجيه الاقتصادي، وبالتالي أداة استقرار وعدل اجتماعي.
نفح في المجتمع روح ثقافية الشعار “لكل حسب حاجته” في سبيل رشادة الإنتاج والاستهلاك لتوجّسه من أن يضحى مجتمعاً استهلاكياً لا مجتمعاً منتجاً، موقدًا فيه سياسات توجيه الإنتاج التي تهدف إلى تلبية حاجات المجتمع، لا أن يكون الهدف الأساسي من الإنتاج هو زيادة الأرباح ونماء ثقافة الاستهلاك.
في مئوية المفكّر كمال جنبلاط نتوجّه بدعوة صادقة إلى أهل الشأن في لبنان، إلى العودة لتحليل وفلسفة منظومته الفكرية الجامعة لنواحي الاقتصاد والاجتماع وتحويلها إلى موادٍّ علمية تغتني بها المناهج التعليمية، لما تختزنه من إضافاتٍ جديدة تضاف إلى العِلم.

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”كمال جنبلاط
وموضوع التربية والتعلّم والمعرفة
د. رياض سليم
أستاذ في الجامعة اللبنانية   ” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

غاية العلم هي معرفة الحقيقة
غاية العلم هي معرفة الحقيقة

ذكرى ميلاد كمال جنبلاط، تعني في قاموسنا ولادة المعرفة والنور، وفي هذه المناسبة نقول:
أشرقت كلماته فرحاً، وتعالت موجات الضياء من روحه سعادة، وسطعت الإشعاعات من فكره نوراً، عندما بدأتْ كلماتي تحفر طريقها في صخور الماضي وأمواج الحاضر وآفاق المستقبل. وكأنّي به اليوم يقول: لا يزال فكري يزهر عطاءً، ويموج بيادر خيرٍ، ويعطي ثمرات وعيٍ ومعرفة، مع تلميذ ٍ من تلامذتي، بعد مئة عام على ولادتي.

كم أتمنّى، مع المفكرين والعارفين، أن أحصل على هذه النعمة، وأن تلامس كلماتي بعض إشعاعات فكره العظيم، وأن يسكب حبري الجاف بعضاً من وحيه وهدايته. إشعاعات نور شمسه الجوهرية في محيط فكره الهادر، هي المرجع والمصدر والمنارة، ولستُ في محاولتي هذه سوى قَبَس من نوره، وهو القائل: ومَن ذا الذي يزعم أن شعلة النور تضيق بمَن يعطيها نوراً، بمن يعطيها قَبَسأ يزيد في أنها شعلة.
نغرف من ثروة فكره وتراثه، لنعطي ونبحث ونكتب، لكي نهتدي ونهدي أجيالنا إلى مرجعية كمال جنبلاط، في زمن عزّت فيه المرجعية، وضاعت أو تكاد معالم حضارة شرقية أصيلة، غرف منها المعلّم حتى الارتواء. رسالتنا الاستمرار في الكتابة بحروف نافرة على وجه الزمن، طالما رسالة المعرفة والعارفين: إنّه حبة القمح نغرسها في عقولنا ونفوسنا لتنبت سبع سنبلات ملأى.
الثروة التي تركها لنا كمال جنبلاط كبيرة وثمينة ومتنوعة، في مختلف المجالات والميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعرفية والصوفية. ومن الصعب، لا بل المستحيل، أن نتحدّث عنها كلها، لذا سيقتصر حديثنا عن بعض الجوانب العلمية والتربوية عند المعلّم. وخير ما يعبّر عن ذلك كمال جنبلاط نفسه في كتبه ومؤلفاته، وخاصة في الوثيقة المكتوبة بخط يده تحت عنوان: التربية والتعلّم والمعرفة، وممّا جاء فيها: “التربية إنما تعني في نظرنا تفاعل نهجين تربويين: – أحدهما يهدف إلى صقل العقل وتنظيمه وشحنه بالمعلومات اللازمة. في هذا الحقل تنظيم العقل وتدريبه وتفتحه وصهره في اتجاه الانتظام والقَيم هو أهمّ من تعبئته بما يرد في كتب العلم والأدب والفلسفة والتاريخ. – والثاني : يقصد تهذيب العاطفة والتصرّف… والإنسان لا يكتمل – وقلة هم الذين ينعمون طبعاً بهذا الاكتمال – أو بالحري لا يتجه المرء نحو الاكتمال إلاّ إذا وقع الانسجام الباطني والظاهري بين العقل والقلب. إذ أنه لا يستطيع أحد أن يرتفع في سلّم الإنسانية، ولا أن يتحقق في معراج المعرفة الحقيقية وتكوين الفردية الزاخرة بالنشاط وبالاستيعاب وبالقوة وبالحكمة إلا إذا حصل هذا التوافق الأصيل بين عقلانية الفكر وتسلسل عقده وقلاداته وبين اندفاع العاطفة وتوقها وشوقها الملهف نحو الحق والخير والجمال”. (صورة الوثيقة وغيرها من الوثائق موجودة في كتابي: التقاطع المعرفي بين ميخائيل نعيمه وكمال جنبلاط، ص 45).
هذه الوثيقة من أدبيات كمال جنبلاط، وهناك وثائق أخرى ومن بينها وثيقة عن “قضايا التربية والثقافة”. عندما يقول قضايا ومفردها قضية يعني هناك مشكلة بحاجة للحل، لأن، وحسب التعريف العلمي، “القضية بين خصمين، الأمر له أو عليه، وأوجبه وألزمه به. قول القضية يصح أن يقال لقائله إنه صادق فيه أو كاذب، الذي يقبل به أهل العلم من القضايا أو المقدمات التي لا تتطلب برهاناً خاصاً”. التعريف يطرح أسئلة تستحق البحث: من هما الخصمان؟ ومن الذي ألزمنا بمنهجية الثقافة والتربية السائدة عندنا؟ هل هو قول صادق أم لا؟ هل القضية لا تتطلب برهاناً خاصاً ليقبل به أهل العلم؟”. هذه الأسئلة وغيرها، وإعلان كمال جنبلاط، في وثيقته، عن وجود قضية لا بل قضايا، يدفعنا للبحث في التربية والثقافة والتعلّم. تعتمد التربية في مرحلة ما قبل سن الرشد (قاعدة الشخصية الأساسية)، لكن عملية التربية دائمة ومستمرة مدى الحياة. قبل سن الرشد المعلّم هو الراشد، أو الأب والأم أو المدرّس في المدرسة، وبعدها الإنسان تلميذ دائم في مدرسة الحياة، حسب مفهوم كمال جنبلاط. التربية والتعليم يسمّيها التربية والتعلّم، لأنّ في التعلّم ما يفوق ويوحي بأكثر من الإسقاط أو ارتهان الصغار من قبل الكبار.

كمال جنبلاط ليس فقط معلم التربية والتعلّم والمعرفة، إنما أيضاً هو معلم الحكمة الرفيعة العالية، كما يقول عنه المستشرق الفرنسي جاك كولون، وكما يقول جنبلاط نفسه “غاية العلم هي معرفة الحقيقة، معرفة الحقيقة الأخيرة للوجود”، إذا تجاوزنا العلم الظاهري ومبتكراته إلى العلم على أنه وليد العقل واستنباط شرائعه ويطلب وحدة الجوهر. وهنا يظهر التمييز بين العلم والمعرفة الحقيقية من خلال طرح جنبلاط “إننا وصلنا إلى ما يسمى “عصر الآلة‘، الآلة التي كان الهدف منها خدمة الإنسان، أي أنها وسيلة والإنسان غاية. لكن في غياب المعرفة الحقيقية والتقهقر في المجال الروحي، أصبحت القاعدة معكوسة، أي الإنسان وسيلة والآلة غاية”.
على العلم أن يتوجّه إلى الإنسان وتحقيق إنسانيته، لأنه، حسب مرجعيتنا، “إذا اقتصر على الوجه التطبيقي فقط يكون خطراً على الإنسان وعلى الجماعة وعلى الحضارة.. وهذا العلم السطحي الخاطىء شرّ من الجهل”. لقد أدرك غاية العلم الأساسية والمعرفة الحقيقية، حيث يقول: “أن نكتشف أي أن نعرف الأصل الذي منه تتفرّع سائر الأغصان والمصدر الذي تعود إليه ومنه تنبثق جميع الأسباب والعلل والمصادر.. العلم يطلب وحدة الجوهر، ويسلك إلى ذلك معارج علوم المادة، ولكن أي جوهر مادي هذا الذي يتبخّر أمامنا ويصبح طاقة لطيفة”.

هذا الحديث المختصر في موضوع التربية والتعلّم والمعرفة يؤكد لنا مرجعية كمال جنبلاط ومعرفته الحقيقية، علّنا نجد طاقة نور تنير أيامنا وتعرُّجاتنا الحاضرة والمستقبلية.

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”خلوة الشاوي
وحي وإلهام – تصوف ويوغا
صبحي الدبيسي  ” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

قد تكون الرحلات المتكررة التي قام بها المعلم كمال جنبلاط إلى الهند، وإعجابه بقدرة المهاتما غاندي على الجمع بين واقعية رجل السياسة المحنك ومثالية المفكر الديني الزاهد. وأسلوب المعلم سري أتمانندا بمقاربته لتفسير سر الوجود بمنطق وحكمة مبسطة. وتقديره مشاركة المثقفين الهنود إلى جانب العمّال والمستخدمين في القطاعات التي يعملون بها بموجب المرسوم الذي أصدره رئيس الوزراء جلال نهرو بعدم تسليم شهادة التخرّج للذين ينهون دراستهم الثانوية إلا بعد عام من العمل التطبيقي في الريف. كانت هي الدافع لاختياره منطقة الشاوي الجبلية الكائنة ضمن خراج بلدة مرستي في أعالي الشوف كي يشيّد فيها صومعته، أو خلوته الشهيرة التي عرفت فيما بعد بـ “خلوة الشاوي” في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي. في وقت لم تكن الطريق المعبدة قد وصلت بعد إلى تلك المحلة، ولا إلى القرى المجاورة لها. فقد كان عليه في بداية الأمر أن يمضي ساعتين من الوقت سيراً على الأقدام كي يصل إلى خلوته مصطحباً معه مرافقه الخاص لمساعدته في حمل ما يحتاجه من أمتعة ومستلزمات المدة التي سيمضيها في أحضان الطبيعة، وما تتطلبه من غذاء وكساء وكتب وملفات. من دون أن ينسى قنينة الكاز لإضاءة قنديل النمرة أربعة رفيق سهره وقراءاته وأبحاثه التي لا تنتهي.
المشوار الى الشاوي كان يبدأه المعلم كل نهار خميس عصراً، بعيد وصوله الى المختارة. وكان عليه أن يقطع المسافة من المختارة إلى مرستي سيراً على الأقدام. وفي منتصف الخمسينيات وبعد تعبيد الطريق إلى بعذران أصبحت السيارة تقله من المختارة مروراً بـ عين قني وعماطور فبعذران وصولاً إلى الخريبة، فيترجّل منها هناك ويأمر سائقه بالعودة الى حيث أتى، على أن يوافيه إلى الخريبة مساء يوم الجمعة. ثم يقطع المسافة الى خلوته ممارساً بذلك رياضة المشي التي كان يميل إليها في كل تحركاته. وبقي على هذه الحال الى أن وصلت الطريق إلى مرستي في العام 1957. هذه المسافة التي كان على المعلم أن يقطعها بين أحضان الطبيعة وعلى الدروب الجبلية، زادته تعلقاً بالأرض، وتحسساً بتعب الإنسان البسيط العامل في حقله، يكدح ويشقى لتحصيل قوته وقوت عياله، في الزراعة والحراثة، وفي الحصاد وجني الغلال فانجذب إليه بدافع إنساني قل مثيله، جعله المحور ونقطة الدائرة في أدبياته الفكرية والسياسية. فمن رائحة الزعتر والقصعين والنعناع والياسمين، والورد الجوري، وزهر اللوز والوزال والقندول، وأشجار الصنوبر والشربين التي تملأ الطبيعية وتحيط بخلوته وبستانه المغروس بأشجار الكرز، وكل أنواع الفاكهة. هذه الروائح الطيبة والعطرة لونت أيام المعلم ولياليه، ورسمت لمقلتيه الناعستين اللتين تشعّان ذكاء وفطنة حدوداً لها بين السماء والأرض، مستلهماً من قمم الباروك العظمة والمجد، ومن أرزه الخالد العزة والعنفوان. تلك المناظر الخلابة هي التي منحته الصفاء النفسي والهدوء الطبعي والإنساني، بعيداً عن ضجيج السياسة ومتاعبها رغم ميله الشديد لها وتوقه الدائم للتغيير من أجل الإنسان، فجعلته أكثر التصاقاً بها لدرجة أنه لم ينقطع عن المجيء الى الشاوي إلاّ في أوقات الضرورة ولدى وجوده خارج البلاد. هذا التناغم الروحي مع الطبيعة، عرف المعلم كيف يوفق بينه وبين السياسة وانشغالاتها طوال الأسبوع. فشكلت الشاوي وما يحيط بها من جبال وتلال ووهاد، بالنسبة له مادتين للعشق السرمدي اللامتناهي، تمثلت الأولى بحبه للأرض التي شوهد أكثر من مرة يتلمس ترابها موزّعاً قسماً من خيراتها على الفقراء والمعوزين. الثانية: حبه للإنسان الذي خصّ له ثورة في عالمه الملموس والمحسوس رافقته حتى الرمق الأخير. ومن دون شك فإن مواظبة المعلم على الحضور إلى الشاوي كانت لها رمزيتها الفريدة التي يمكن استخلاصها من خلال شغفه في ممارسة هواياته من الرياضات الروحية والفلسفية والفكرية المتعددة في هدأة الطبيعة وسكونها، وهذا الأمر لا يتأمن إلا في مكان هادئ مثل الشاوي. فهي كانت تحرره من كل شيء وتفتح لمخيلته آفاقاً جديدة مكّنته من سبر أغوار فلسفات الشعوب قديمها وجديدها.
لدى وصول المعلم الى الشاوي كان يستريح قليلاً قبل أن يبدأ برياضته الروحية التي كان يصرف جزءاً منها بالتأمل لحل ما كان مستعصياً لديه من ترسبات سياسية ومشاكل اجتماعية. وقبل مغيب الشمس صيفاً كان يخرج الى شرفة الخلوة لتناول وجبة العشاء التي كانت بسيطة جداً. فالمعروف عن المعلم كان يأكل فقط لسّد الرمق، وكان نباتياً من الدرجة الأولى. وفي الخريف والشتاء كان يتناول وجباته داخل خلوته. أما غذاؤه الروحي فهو من المخزون الروحي الذي جمعه من الخواص العلمية والفلسفية التي استنبطها من الأديان السماوية فسهلت عليه، كما يقول الشيوخ العقلاء الذي كان يلتقيهم ويأنس إلى حديثهم الولوج إلى معارج الذات الإلهية. فمن هنا كنا نجد ميله إلى الهدوء والروية وعدم الانفعالية بخلاف غيره من السياسيين الذين أتوا من قبله ومن بعده.
مارس المعلم في الشاوي كل أنواع اليوغا الهندية، فصقلت مخيلته الى حدود الصفاء الذهني والفكري. ملزماً نفسه الصوم طيلة نهار الجمعة. وغالباً ما كان يستقبل وفوداً من الحكماء والفلاسفة والمشايخ الضالعين في العلوم الدينية للتباحث معهم في الماورائيات، ونظرتهم الفلسفية لهذا الوجود.
في تنقلاته بين التلال والآكام وصعوده المستمر إلى أعالي الجبال في ساعات الفجر كان المعلم يجمع كل ما يصادفه في طريقه من النباتات التي تصلح لتكون طعاماً أو دواء يشفي من كل داء. وغالباً ما كان يصفها للناس. في إحدى جلساته إلى المائدة وحوله رهط من العلماء زحفت إلى المكان أفعى من نوع الصل، فارتعب منها كل مَن كان حاضراً، فأمرهم بالهدوء وصار يحدّثها ثم قدّم لها قطعة خبز مدهونة باللبنة فالتهمتها كما يلتهم القط الخبز وعادت من حيث أتت. ما يعني أن علاقة المعلم مع البيئة والطبيعة وما عليها معروفة ومشهود له بها.
في خلوة الشاوي كتب المعلم معظم مقالاته السياسية والفكرية والفلسفية والروحية والشعرية. فكما أن المهاتما غاندي قبل وفاته بيوم واحد رمى بكسرة المرآة التي كان يستعين بها لحلاقة ذقنه. فإن المعلم أنهى كتاب هذه وصيتي بجملته الشهيرة “أللهم أشهد إني قد بلّغت” وغادر الشاوي وذهب إلى قَدَره ولعله يراها من عليائه حيث هو..

خلوة الشاوي في مرستي الشوف حيث كان كمال جنبلاط يقضي فيها أوقاتاً بعيداً عن ضجيج السياسة ومتاعبها
خلوة الشاوي في مرستي الشوف
حيث كان كمال جنبلاط يقضي فيها أوقاتاً بعيداً عن ضجيج السياسة ومتاعبها

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=” اعتذار من كمال جنبلاط، مكتشفاً
من جديد
يقظان التقي ” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

كمال جنبلاط من كبار الكتٌاب، وصولاً إلى التأملات اللاهوتية والمقاربات الفلسفية والأدبية والسياسية النقدية.
لا بدّ من الاعتذار من كمال جنبلاط، لأنه شخصية تحتاج دائماً إلى إعادة القراءة وعلى مستويات مختلفة ومتطوّرة. فهو من الذين يمثلون الاتجاهات النيوكلاسيكية وبالنزعة التقديمية، التي لا تجافي الاتجاهات والمدارس الفكرية والفلسفية على اختلافها، سواء التي سادت في القرن العشرين، أو تلك التي تمثل الاتجاهات المادية والروحية والتاريخية.
مع ذلك، كمال جنبلاط أمامنا، شخصية من الواقع، ويعيش فينا في اتجاهات عدّة، ننتظرها أن تأتي من ستينات القرن الماضي، من عمق التجربة، ومع كلّ التعاطف مع شخصيتة، وهو من الكبار. فهو لبناني وعربي وعالمي، “كوسموبوليتكي”، بقِيم العالمية الإنسانية والاشتراكية، مؤمن بالعمق، وممارس للسياسة بدواعي الحرية والكرامة الإنسانية، وحرية الشخص في المضامين الروحية النبيلة للعملية السياسة.
لم يبتعد عنا كثيراً، تبرز رؤاه ورسائله التي نشرها، وتُقرأ اليوم بكامل نضارتها، مباشرة، من دون إقناع أيديولوجي، أو حزبي، ولا “وعظ”، ولا نرجسية سياسية، ولا تصنُّع، وبردّ فعل من الـتأمل، أو النقد؛ لأنها تمثل الجوانب التي يفترض أن تحتل المساحة الحزبية النقدية والفكرية والفلسفية والسياسية واليسارية. ثم هي ليست مجرد وسائل تعبير، بل أكثر من ذلك، هي تمثل الاتجاهات التي سادت قبل استشهاده وتصنع أكثر من مرحلة، وهو الذي دفع ثمن رؤاه الاستراتيجية على مستوى شخصيته، التزاماته، لمعانه، طروحاته، رسائله، ثقته بالمنطق والعقل لدرجة أنه مارس السياسة أحيانا بطريقة لاهوتية!
كمال جنبلاط يضع أمامنا أفكاراً “كبيرة”، أفكار لا تعقيد فيها، ولا مصطلحات جافة، بل حاضنة للاتجاهات الجديدة، وتشكّل رسائل إلى الجيل الجديد، وتصلح مادة بنيوية وتحليلية تفكّك كليشيات ونظريات أيديولوجية تسقط على الواقع، وتفجّر مراحل سياسية مهمة. وتكتشف إبداعية كمال جنبلاط السياسية التي تأتي من القلب إلى القلب، من جبهة أفكار مفتوحة على كل هذا الجديد وبقدرات فكرية تتفوق على سواها، بعكس كثيرين تشوشت عليهم القضايا الكبرى والمآزق التاريخية، وأوضاع الشعوب المقهورة.
رسم كمال جنبلاط عالمه وعالمنا الفكري والسياسي والثقافي المفتوح، والتقدمي في مجمل نزعاته، ويبدو اليوم أكثر من الأمس مبدعاً في كتاباته، ويحتل تلك المساحة المرموقة ومن كبارها.
عمارة فكرية وإنسانية كبرى، كمال جنبلاط، وكم تبدو ضحلة الحياة السياسية في غيابه، لا تخرج عن الأفقية والاستهلاكية. كأنها ديمقراطية السوق!
وكم تبدو واسعة تلك الآفاق التي فتحها لكلّ النقاشات السياسية، نتلّمس في ظلها الطريق. ويبقى لنتاجه قدرة نادرة على التوغل في الضمير الإنساني.
نحتاج لقراءته، وذلك لا يستقيم إلا بقراءة الماضي ومع ثقافة لا تتوقف ولا تنتهي، ولا تنتجها الذات للذات، في عصر النرجسية السياسية، بل تذهب إلى الآخر.
كمال جنبلاط كان يقرأ كثيراً، ويتحوّل الكتاب بين يديه إلى الكتاب “السحري المشع”، إلى كل ما يصنع مسرح الحياة؛ السهل الممتنع؛ وكل ما فيه من أفكار “كبيرة”. ممتعةٌ قراءة نتاج هذا المثقف الظاهرة التي ما تزال تحتل المساحة النقدية والفكرية والسياسية المهمة، خارج منطق العولمة وهو الذي انفتح على كلّ جديد في المسرح السياسي الحديث، والفكر، والبيئة، والأدب، والشعر الحديث.. وبقي مع ذلك خارج الانخراط، لجهة تكريس ثقافة الاستهلاك والسوق على حساب حرّية الإنسان وكرامته وفي مواجهة عودة الأجوبة الماضوية، التي لا تقدّم أفكاراً جديدة، وخارج محاكاة الآخر.
الرجوع إلى كمال جنبلاط مُلِحّ، سيّما في ظل هذا الفراغ الذي هو كلّ شيء إلا السياسة.

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”  كمال جنبلاط
«المفكر الديني»
أ.د.محمّد شيّا
عميد سابق في الجامعة اللبنانية” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

يفتتح ماركس رسالته إلى أنجلز بالتساؤل “لماذا يبدو تاريخ الشرق على الدوام تاريخ أديان فحسب؟” (Basic writings, Collins, p. 462). لماذا يستحيل فهم هذا التاريخ خارج الدين والديني؟ ولماذا أخفقت محاولات إقصاء الدين “بالقوة” من ديناميات الحياة الاجتماعية في البلدان الشرقية والمشرقية؟ بل لماذا تحوّلت مجتمعات البلدان تلك الأكثر إقصاء للدين إلى مسرح صارخ لأكثر صور تظهير المشهد الديني والطائفي بشاعة – أي من النقيض إلى النقيض؟ ومن الأمثلة المعاصرة، بل الراهنة جداً ما يكفي، ولا حاجة لتعدادها.
“الشكوى الماركسية” هي في الواقع نتاج منطقي لكل تفسير مادي للوجود والمجتمع والحياة بعامة. والذين أصرّوا من المحدثين العرب على هذا التفسير حكموا على نتائج تحليلاتهم – وكما أثبتت الوقائع الملموسة – بالإغراق في التجريد واللاواقعية، وبهامشية تأثيرهم من ثمة في محيطهم ومجتمعاتهم. لقد أهمل أولئك جذرية “فكرة” الدين، والتسامي الإلهي في العمق الروحي للبشر وفي كل مجتمع دون استثناء، ولطالما أكّد علماء الأنثربولوجيا أن ما من جماعة بشرية على الإطلاق، ومهما تدنّى حجمها، إلا وكان لها “حياتها” الدينية.
لا يعني ما نقوله أن حياة المجتمعات الشرقية هي حياة دينية فحسب. فأفكار البشر ورؤاهم، حتى الدينية، تتنوع بتنوع ظروف حياتهم وأنماط إنتاجهم وطبيعة حاجاتهم وأشكال مصالحهم وعلاقاتهم بالتالي. وعليه، فمستويات الإنسان (والبشرية بعامة) تتدرج، طبيعياً وتاريخياً، من الأدنى إلى الأعلى: من الاكتفاء بمجرد تلبية الحاجات المادية (مستوى الحواس والمادة والجسد) إلى تلبية الاحتياجات الاجتماعية والمجتمعية (مستوى الآخر والعائلة والجماعة) وأخيراً إلى تلبية ما هو أكثر من المادة والحواس والآخر المباشر (مستوى المعرفة والتفكير والقيم والشوق والحكمة والفضيلة) أي مستوى الروح و/أو العقل، وفق التحديد الهيجلي، وهما مسرح حركة العقل والدين والفلسفة و”الشوق” الأبدي للخلاص البشري.
هذا هو جوهر فلسفة كمال جنبلاط الدينية. كل “الأجزاء” التي عرضنا لها، هي مجرد لحظات متعاقبة في مسيرة العقل/الروح من أدنى تجلياته المادية والحسية (وهي حقيقية تماماً وبخلاف ما ذهب إليه المثاليون) وصولاً إلى أعلى تجلياته العقلية وأشواقه الروحية على طريق انكشاف العقل/الروح لمريديه وباعتباره الآن عقلاً/روحاً خالصاُ وليس أي شيء أقل من ذلك. ودعْكَ من التفاصيل والتناقضات الظاهرة، فهي مجرد مستويات ولحظات وإشارات في طريق الخلاص الذي استشعره الإنسان (في أولى أشكال حياته) ولا يزال يعبّر عنه وفق مستوى حياته وفهمه وتفكيره وصولاً إلى انعتاقه في نهاية رحلته من ربقة المادة (وربقة الشرّ أيضاً) والتحقق في جوهر العقل/الروح كما هو تماماً، وهي لحظة الحقيقة واليقين الكلي والخير المطلق التي ما انفك الإنسان يطلبها ويسعى إليها في حياته وأفكاره وعلومه وأنماط حضارته، كما في أحاسيسه وأشواقه الأكثر عمقاً وأصالة واشتراكاً بين البشر، والمعبّر عنها – في حدود ما يسمح التعبير – بحكمة الفلاسفة الكبار وتقوى المتدينين وعشق العارفين.
والدين في الحقيقة هو كل ذلك وفي آن معاً – وهو ما أدهش عقل ماركس المادي.
يرى جنبلاط أن الدين للإنسان هو حاجة وضرورة، ولذلك فـ “هو باقٍ ما بقي الإنسان”. وذهب جنبلاط بعيداً في ترجمة ذلك، على نحو ملموس، فاعتبر أنّ الدين إسّ جوهري من أسس المجتمع الشرقي، والإنساني بعامة، “اعتبار الدين إسّاً جوهرياً في قيام المجتمع الأسمى”، وأضاف، “والترحيب بعمل رجاله في نشر مبادئ الكمال الإنساني”. تلك هي الوظيفة الحقيقية للدين، ولرجل الدين، ولا شيء كما تبيّن يباري الدين أو يفوقه في الوظيفة تلك. وليس بالأمر العرضي بالتالي أن يدعو كمال جنبلاط في ميثاق حزبه، كما في محاولاته في أثناء تولّيه وزارة التربية، لتعميم التعليم الديني الموحّد في المدارس الخاصة والعامة. فتلك وسيلة لا بدّ منها لتهذيب وترقية مشاعر الناشئة وتعزيز البذرة الإلهية في نفوسهم وعقولهم وشخصياتهم المستقبلية في وجه التسليع الاستهلاكي التجاري الذي باتت عليه نظرة الحضارة الغربية المادية إلى الإنسان. وهو في رأي جنبلاط مكمن عجز الحضارة الغربية كما الفلسفات الغربية بعامة، يقول جنبلاط في نص من ستينات القرن الماضي:
“لقد تحوّل الغرب عن الأديان وأبدل المعتقدات بالفلسفة – فلسفة هيجل وكانت وفيتشه والتومائي وماركس وغيرهم وغيرهم ممن لا يعدّون ولا يحصون، وفلسفة أنبياء القومية والدولية والوجودية والطبقية على السواء – فإذا بالغرب، وبعد جهد المحاولة وتحقيق الرغبة يتطلّع إلى نفسه فيجد ذاته حيث كان: لم يتقدّم خطوة ولم يتأخر خطوة من وجهة حلّ معضلته الأساسية مع ذاته: معضلة المعرفة، ومعضلة السعادة…” (ثورة في عالم الإنسان، 319-320)
لكن جنبلاط بالمقابل، ومن ناحية مختلفة تماماً، كان يدرك تماماً مخاطر انحراف التديّن، ورجل الدين، عن وظيفتيهما الثابتتين الساميتين، نحو وظائف جديدة فرضتها مصالح وعصبيات وتوظيفات جديدة للدين والديني في سياقات فئوية أو عصبية أو أيديولوجية، أي طائفية بالتعبير السوسيولوجي الراهن، أو في لغة جنبلاط:
“الخطر كل الخطر في الدين إذ ينزل إلى مستوى التجمع الطائفي الطقسي، أي في الحقيقة إلى مستوى التعصّب السياسي، فلا يعودُ ديناً بل حزباً!” (321)
ومن المؤسف حقاً – وإلى درجة المأساة – أن يذهب مشروع كمال جنبلاط نفسه، الاجتماعي الإصلاحي الخلاصي وحتى درجة التسامي، ضحية التجييش الطائفي الذي هو أقرب، في الحقيقة، إلى ثقافة الوثنيين وعصبياتهم ومصالحهم المادية والسياسية منه إلى ثقافة الدين، كل دين، في جوهره وفي حضّه البشر للتخلص من أنانياتهم وفئوياتهم ومصالحهم الصغيرة على طريق وحدتهم الجوهرية واشتراكهم في مطلب الخلاص من أخطائهم وخطاياهم وآثامهم – وأولها عبادتهم للأنا فيهم على حساب وحدتهم وخيرهم الواحد وخلاصهم كأفراد وكبشر. تلك هي مأساة الذين لم يفهموا الدعوة المحمدية، أو الدعوة الناصرية، حق المعرفة، أو الذين فهموهما ولكنهم غلّبوا المصالح الفئوية والآنية المفرّقة على ما يجمّع ويوحّد – جوهر دعوتي الرسول العربي ويسوع الناصري في آن، يقول جنبلاط:
“لنصغِ إلى صوت محمّد في لغة العرب الصافية التي تتجلى بالآيات، على حد تعبير ماسينيون، دائماً وأبداً: من كان له فضل ظهر فليعد به من لا ظهر له، ومن يكن له فضل زاد فليعد به من لا زاد له…، ومن كان عنده طعام اثنين فيذهب بثالث، ومن كان عنده طعام ثلاثة فليذهب برابع، بخامس…. أو قوله: ما آمن بي من بات شبعاناً وجاره جائع، وهو يعلم….. ومن أروع الأحاديث: إن ما لك ما أكلتَ وأفنيت، وما لبست فأبليت، وما تصدّقت فأبقيت، وما دون ذلك فلغيرك” (153).
ويضيف:
“وهذا صوت الناصري من قبل، يوصي بالعدل والرحمة وبالمحبة التي لا تطلب لها ثواباً أو مقابلاً، يرجم أغنياء الأرض الذين تعلّقوا بالمال كما يربطُ المرء حجر الطاحون في عنقه، ولم يقوموا بما يتوجب عليهم في بناء مجتمع العدالة والأخوّة والتضامن والتعاضد والتكافؤ في فرص العيش والتنمية لكل فرد” (153).
في هذا البُعد الاجتماعي السامي تقوم أهمية الدين واختبارته ووظائفه، وفق كمال جنبلاط. وهي تلتقي كذلك في المعراج المعرفي/الخلاصي الأسمى، حيث التوحيد جذر مشترك وجوهر جامع للنصرانية والإسلام، كما لكلّ مسلك عرفاني. في التوحيد الجامع ذاك نختم هذه المقالة في كمال جنبلاط “المفكّر الديني” إذ يقول، وبكثير من التفاؤل:
“الموحّدون من كلّ أمة ومن كلّ دين أخوة في ما بينهم، أمة روحية واحدة مهما اختلفت العقائد والمذاهب وتباينت المسالك وتعدّدت السلالم والمعارج. هذا هو إنجيل الجيل الجديد، وهذا هو روح العالم الجديد” (12).

[/su_spoiler]

[/su_accordion]

مزاعم عيران الحايك

مزاعم عيران الحايك
تكذّبها الدراسات الإسرائيلية وحقائق التّاريخ

من كذبةِ الأصولِ المشتركةِ إلى الأصلِ القوقازيّ
“تلفيق جيني” هدفه تضييع النسب العربي للدروز

دراسة إسرائيلية أثبتت في العام 2015 عروبة الدروز
واستقرار خصائصهم الجينية منذ القرن الحادي عشر

كتب رئيس التّحرير
فجأةً انتشر في وسائل التّواصل الاجتماعيِّ في لبنان وفي المنطقة فتاتٌ من نظريّة إسرائيليّة مستحدثة تدَّعي أنّ أصلَ الدّروز ليس عربيّاً وأنّهم على الأرجح جاؤوا من مناطق في شرق تركيا وإيران، وزادت النظريّة أنّ الدّروز جاؤوا من مناطق جغرافيّة متقاربة مع المناطق التي سكنها اليهود في شمال شرقي تركيا وأنّه يجمعهم باليهود خصائص جينيّة تفوق ما يجمعُهم بسكّان المنطقة العربيّة، وأخيراً أنّ الدّروز من أصل قوقازيٍّ وليسوا عرباً!
بالطّبع هذه الادّعاءات هي من السطحية والافتقاد لأيّ سند علميّ بحيث لا تستحقّ الردّ، وذلك لأنّ تاريخ الدروز موثّق بالتّفصيل ومنذ أن بدأت طلائع القبائل العربيّة التي جاءت من الجزيرة العربية لتقطن السّواحل اللبنانيّة والجبال المطلّة عليها، وقد تمت تلك الهجرات بحثٍّ من الدّولة الإسلامية التي عهدت إلى أسلاف الدّروز بحماية الثّغور وطرق المواصلات من اعتداءات البيزنطيّين وبعض الجماعات الجبليّة المسيحيّة التي كانت متوطّنة في شمال سوريا ولبنان.

غطاء علمي لأجندة سياسية
لكنْ وبما أنّ تاريخ الدّروز وموقعهم في المنطقة من الأمور التي تهمّ كثيرين، فقد قام العديد ممّن وصلتهم الرّسالة حول أصل الدّروز (معتقدين بأنّها ذات قيمة علميّة) بإعادة بثّها إلى معارفهم وقام هؤلاء بدورهم بتحويلها إلى آخرين، فكان أن تداولت أوساط متنوِّعة في المنطقة هذه الأكذوبة لاسيّما وأنّ الموضوع جرى تقديمه بإعتباره “اكتشافاً علمياً” مستنداً إلى علم الجينات. وبالطّبع وقبل أن نتطرّق إلى هذه المكيدة ونظهر كونها مجرّد تلفيق علميّ لأهداف سياسيّة، فإنّنا نلفت إلى الأثر الهائل الذي باتت تمارسه وسائل التّواصل الاجتماعيّ في تكوين الأفكار والتأثير في الرأي العام، وهو ما جعلها تدخل كمكوِّن أساسيّ في استراتيجيّات التّضليل السياسيّ أو خدمة أهداف الدّول والمجموعات، وهذا الأمر يظهر خطورة التأخّر عن الرّكب وبالتالي أهميّة امتلاك أسلحة التّواصل الاجتماعيّ وموقع الإنترنت والمجلّة وغيرها من وسائل الاتّصال لأنّه من دونها سيكون من السّهل على من يريد بالموحّدين وبالوطن شرًّا أن ينشر ما يشاء من الأقاويل والدّسائس ودون أن يكون هناك من يمكنه التّصدي الفوري لردّ تلك الهجمات وفضح أهدافها.
الرّسالة التي نشرت على وسائل التّواصل الاجتماعيّ استندت إلى مقال للبروفسور “عوز ألموج” نشره على صفحته الشّخصية في موقع فيسبوك وجرى ترويجُه بعد ذلك عبر وسائل إعلام إسرائيليّة ووسائل التّواصل الاجتماعيّ ثم نشر الموقع الإسرائيلي بالعربيّة “المصدر” عَرْضاً مفصّلاً لنظريّة “الدّروز ليسوا عرباً” فساهم بذلك في زيادة تأثير النظريّة. لكن “ألموج” الذي نشر نظريّته السّخيفة ليس عالماً بالهندسة الوراثيّة ولا هو بباحث في أنتروبولوجيا الشّعوب بل أستاذ أكاديميّ في علم الاجتماع والتّاريخ الإسرائيليّين في جامعة حيفا وهو وجد صعوبة في نشر مقاله في أيّ صحيفة إسرائيليّة محترمة فاكتفى بالنّشر على صفحته الخاصّة مستهدفا إحداثَ أكبر أثرٍ ممكنٍ لأقاويله.

رائد في “التلفيق الجيني”
وفي ما عدا إيراد بعض “الدّلائل” الواهية على أصل الدّروز القوقازيّ مثل “سكنهم في الجبال” و”اختلاف سماتهم الفيزيولوجيّة عن العرب” (وهذا كذب صريح) وطبيعة مذهبهم ذي المصادر العديدة فإن “ألموج” استند بصورة خاصة إلى نظرية لـ “باحث” إسرائيلي يدعى “عيران الحايك” وهو أستاذ في جامعة شفيلد في بريطانيا لكنّه ليس من علماء الجينات المعروفين ولا يعمل ضمن فريق له مصداقيّته، وقد نشر حتى الآن جملة من النظريّات حول أصل أوروبيٍّ (خَزَريٍّ) مزعوم لليهود تعرض بسببها لهجمات من قبل المصادر الأكاديميّة ووسائل الإعلام الإسرائيلية، وقد حذر موقع Forward الذي يعكس آراء اليهود

المحافظين من الانخداع بنظريّات الحايك مصنّفاً إيّاها في خانة “العلم المُبتذَل” Junk science.
ويجب التّنبيه إلى أنّ هذا النّوع من أنصاف العلماء الذين يعملون على هامش المؤسّسة العلميّة غالباً ما يتمّ إدماجهم في مؤسّسات الدّولة وخطَطها السياسيّة، وفي هذا السّياق فإنّ هذه الدّراسات يتمّ على الأرجح تنسيقها وتركيب نتائجها من قبل أجهزة متخصصة بالدعاية والحرب النفسية ثم البحث في كيفيّة إعطائها الطابع العلمي بما يوفّر لها الأثر المطلوب. ومن الأمور المماثلة تعميم استخدام تعبير “الدّيانة الدرزية” (بدل “مسلك التوحيد”، كما يسمّي الموحّدون الدّروز أنفسهم). في بعض الإعلام الإسرائيليّ.
ونشير هنا إلى أنّنا نخصّص هذا المقال ليس بهدف الردّ على مزاعمه السّطحيّة ولكن من أجل إظهار الأساليب الماهرة التي تستخدمها الدّولة الإسرائيليّة في سبيل خدمة أهدافها وتضليل الرأي العامّ الدرزيّ وغير الدرزيّ في موضوع حسّاس يتعلّق بطائفة لها مكانتها ودورها في تاريخ العرب والمسلمين.
المهمّ هنا أنّ “ألموج” لم يأتِ من عنده بشيء ذي قيمة وهو أنشأ فرضيّته القائلة بأنّ الدّروز ليسوا عرباً بالاستناد إلى نظريّة حول الموضوع للباحث الإسرائيليّ عيران الحايك وهو أستاذ في جامعة شفيلد في بريطانيا لكنّه ليس من علماء الجينات المعروفين ولا يعمل ضمن فريق له مصداقيّته وقد نشرَ حتى الآن جملة من النّظريّات حول أصل أوروبيّ مزعوم لليهود تعرّض بسببها لهجمات من قبل المصادر الأكاديميّة ووسائل الإعلام في إسرائيل، وقد حذّر موقع Forward الذي يعكس آراء اليهود المحافظين من الانخداع بنظريّات الحايك مصنّفا إياها في خانة “العلم المُبْتذَل” Junk science.

الحايك “يكتشف” الدروز
وقد بدأ الحايك مقالته “الكشفيّة” بتقديم يزعم فيه أنّه ولأكثر من ألف سنة فإن “المصادر الغامضة” (لاحظوا التعبير) للشّعب الدرزيّ حيّرت علماء اللّغات والمؤرّخين وعلماء الاجتماع الذين لم يتوصّلوا للاتّفاق حول ما إذا كان الشّعب الدّرزي هو من أصل عربيّ أو قوقازيّ أو تركيّ أو فارسيّ”. فالحايك يمهّد لنظريّته بإعطاء الانطباع بأنّ تاريخ الدّروز مجهول وغير متّفق عليه، ليضيف بعد ذلك أنّه وبفضل البحوث الجديدة (التي أجراها منفرداً) فإنّه تمكّن من حل هذا اللّغز (هكذا..) إذاً، فإنّ الدّروز الذين شاركوا في حياة المنطقة منذ الإسلام الأوّل وحكموا مناطق كثيرة من جبل لبنان ثم خدموا الدّولة الإسلامية ثمّ السّلطنة العثمانيّة لمئات السنين، هؤلاء الدّروز ذوي الأنساب العربيّة الصّحيحة والأسماء العربيّة الصريحة والعقيدة الإسلامية العربيّة والذين لا يوجد جزء من تراثهم الفلسفيّ أو الروحي أو التاريخي إلا وكتبوه هم باللّغة العربيّة، هذا الشّعب الأبيُّ العريق هم حسب هذا الباحث الإسرائيليّ لا يعرف تاريخه ولا يعرف خصوصاً أنه من أصل غير عربيّ!!.
كيف حل الباحث الإسرائيليّ اللّغز المتعلّق بأصول الدّروز؟ حلّه في مختبر خاصّ به يقول إنّه أجرى فيه “أبحاثاً جينيّة” تستخدم طريقة اخترعها وسمّاها “علم السّبر الجغرافيّ للجينات” وهي طريقة مُفبركة لا أساس علميّاً لها وليست مستخدمة من قبل أيّ جهةٍ علميٍّةٍ، لكنّها مناسبة لخدمة أغراض الباحث ولاستكمال عمليّة التّلفيق. يقول الحايك:
“لقد أظهرت تحقيقاتنا الجينيّة أنّ معظم الدّروز يعودون في تركيبهم الجينيّ إلى منطقة شمال شرقي تركيا وجنوب غربي أرمينيا وشمال العراق، وهي المنطقة المحاذية لجبال زاغروس”. ويتابع بأنّ الدّروز نزحوا عن تلك المناطق بسبب الحروب والصّراعات التي حصلت فيها، وبما أنّهم معتادون على العيش في تلك الجبال الشاهقة فإنهم مالوا للإستقرار في المناطق الجبليّة في لبنان وسوريا وفلسطين. ثم يورد الكاتب مزاعم غير مسبوقة مثل “إنّ التركيب الجينيّ للدّروز أقرب إلى اليهود الأشكناز منه إلى شعوب الشّرق الأوسط.”

نظرية “الأصول المشتركة”
ثم يضيف الحايك القول: إنّ في الإمكان ردّ التّشابه الجينيّ بين الدروز واليهود الأشكناز إلى “الأصول المشتركة” التي تجمعهما وذلك بسبب أنّهما عاشا جنباً إلى جنب في تلك المناطق من القوقاز (مما يبنى عليه أنّه حصل تمازج وربما تزاوج بين الشّعبين هو الذي يفسر التّشابه في تركيبهما الجيني)، ثم ينتقل الكاتب لمحاولة تبرير حقيقة تاريخية معروفة تكذّب نظريّته وهي أنّ الدّروز لم يلتقوا أبداً باليهود ولم يعيشوا معهم منذ هجرتهم إلى بلاد الشام، وهو يقول في ذلك إنّ الشّعبين “افترقا” فاتّجه الدّروز إلى جنوب سوريا واتّجه اليهود إلى بلاد الخزَر Khazar في آسيا الوسطى وهما “يجهلان أصولهما المشتركة” وهذا إلى أن أثبت علم الجينات ذلك مجدّداً!!

مبروك إذاً للدّروز!! فبعد أكثر من ألف عام عاشت فيها هذه القبائل العربيّة العريقة في جبال لبنان وفلسطين وسوريا وعمّرت قراها لكن دون أن تعرف (أو ربما نسيت) من أين أتت وما هي أصولها أتركيّة أم قوقازيّة أم كرديّة أم غير ذلك، وبعد عدّة قرون تولى فيها الموحّدون الدّروز حكم مناطق شاسعة من لبنان وسوريا وفلسطين بتفويض من الدّول الإسلاميّة والعربيّة المتوالية، جاء باحث يهوديّ يعمل ربما في “وحدة دراسيّة” تحت إشراف الدولة ليكشف لهم اللّغز وينبئهم بأنّهم لا يعرفون من هم ويبشّرهم بأن جيناتهم تدلّ على أنّهم من أصول مشتركة مع اليهود الأشكناز بعد أن تمازجوا بهم في جبال القوقاز. والنّتيجة الأهمّ التي شدّد عليها الحايك هي أن الدّروز ليسوا كما يقال عرقاً متميِّزاً لم يمتزج بغيره بل هم حملوا من خصائص الكثير من الشّعوب الشرق أوسطيّة وغيرها التي تداخلوا معها. إنّ الهدف من الاستنتاج الأخير هو تشكيك الدّروز بأصولهم العربيّة وجعلهم منفتحين على نظريّات مثل الأصل المشترَك مع اليهود الأشكناز وما شابه من الترّهات.

الدراسات الجينية كلها أثبتت أن الدروز عرب أقحاح تعود أصولهم إلى القرنين السادس والسابع الميلادي أي إلى بدء الدعوة الإسلامية
الدراسات الجينية كلها أثبتت أن الدروز عرب أقحاح تعود أصولهم إلى القرنين السادس والسابع الميلادي أي إلى بدء الدعوة الإسلامية

الدّراسة الإسرائيلية التي أثبتت عروبة الدّروز
قلنا إنّ الأبحاث الإسرائيليّة والدوليّة الرّصينة نفسها تكذّب عيران الحايك وعوز ألموج وأمثالهما من المزوّرين المحترفين، وسنذكر في هذا المجال وبصورة خاصّة البحث التّفصيلي الذي أجراه فريق من الباحثين الإسرائيليّين والدّوليين وأعلنت نتائجه في شباط 2015 ونشرت نتائجه في “المجلة الأوروبيّة لأبحاث الجينات الإنسانيّة” ثمّ في صحف إسرائيليّة ودوليّة وأثار اهتماماً عالمياً،
يومها أعلن رئيس الفريق البروفسور جيل آتسمون أستاذ البيولوجيا الإنسانيّة وعلم طب الجينات في جامعة حيفا أنّ الدّراسة هي “أوّل بحث في الخصائص الجينيّة للطائفة الدرزيّة يؤكّد أنّها تتمتّع بتاريخ من المُورِّثات الجينيّة المشتركة يعود إلى القرن الحادي عشر الميلاديّ، وأن نتائج البحث تلتقي مع ما يعتقده الدّروز أنفسهم في ما يخصّ أصولهم العرقيّة والثقافيّة”.
تألّف الفريق الدّراسيّ يومها (إضافة لرئيسه البروفسور جيل أتسمون) من البروفسور جمال زيدان أستاذ طب الجينات في جامعة بار إيلان ومن البروفسور إيتان فريدمان من جامعة تل أبيب ومن مركز بئر السّبع الطبّي في تلّ هاشومير. وانضمّ إلى الفريق البحثيّ الدكتور دان أبراهام من قسم طبّ الجينات الوراثيّة في كليّة أينشتاين في جامعة نيويورك، والدّكتور شاي كارمي الأستاذ في قسم علوم الكمبيوتر في جامعة كولومبيا والدكتور تيسير مرعي من مبادرة تنمية الجولان. ويشير تكوين الفريق البحثيّ من هذه الشخصيّات العلميّة الشهيرة في حقل البحوث الجينيّة إلى أهمّية الدّراسة التي قاموا بها والتقنيّات البحثيّة التي استخدموها لإعداد هذه الدراسة التي خرجت باستنتاجات تطابق ما خرجت به دراسات علميّة سابقة كما تطابق تاريخ الدّروز واعتقادهم بأنّهم يتمتّعون بأصول عربيّة صافية، بينما تقوم “نظريّة” عيران الحايك على عمل علميّ مزعوم في مختبر شخصيّ مُغلق لم يشارك به أحد ولم تطّلع عليه أو تفحص نتائجه أيٌّ من الهيئات العلميّة المشهود لها بالخبرة.
إستهدفت الدّراسة الشّاملة للفريق العلميّ الإسرائيليّ- الدوليّ معرفة ما إذا كان دروز الزّمن الحاضر يشتركون في أصول جينيّة واحدة، وفي حال ثبوت ذلك، في أيّ وقت بدأت تلك الأصول المشتركة في التكوّن. وتناول البحث 120 مشتركاً من دروز مناطق فِلِسْطين والجَولان واشترط ألّا يكون بين أيٍّ منهم روابط قربىمن الدّرجتين الأولى والثّانية بهدف ضمان شروط الدِّقة العلميّة للبحث، وتمّ استخدام نتائج دراسات جينيّة إضافيّة أُجرِيَت في لبنان وجبل الكرْمل ومناطق أخرى عديدة يقطنها الدّروز، وفقاً لعضو الفريق البروفسور جمال زيدان.
ومع اختتام أعمال مجموعة البحث، أعلن الفريق العلميّ أنّ الدّراسة أثبتت أنّ الدّروز يشتركون بالفعل في مورّثات جينيّة تُميِّزهم بقوّة عن أفراد الجماعات الأخرى في الشّرق الأوسط، وأنّ المجموعة المُميِّزة لجينات الدّروز بدأت بالتّشكّل في القرن الحادي عشر الميلادي. وحسب الدّراسة فإنّه وبالنّظر لأنّ أفراد الطّائفة لا يتزوّجون من خارجها فإنّ الأصول الجينيّة السّابقة التي حملها الدّروز معهم قبل القرن الحادي عشرَ الميلاديّ تلاشت في نفس الوقت الذي تناقص فيه عدد أفراد الطّائفة فأصبحوا (نتيجة استمرار التّزاوج الداخليّ) أكثر تقارباً وأكثر تمايزاً عن المحيط في مورّثاتهم الجينيّة.

الأمير شكيب أرسلان أثبت بالتفصيل التاريخي أن الدروز عرب أقحاح
الأمير شكيب أرسلان أثبت بالتفصيل التاريخي أن الدروز عرب أقحاح

الدروز حافظوا على نقائهم الجيني
وخرجت الدّراسة بأنّ الطائفة الدرزيّة تأسّست من قبل بضع مئات من العائلات في مطلع القرن الحادي عشَرَ وأنّ جميع الدّروز يعودون في خصائصهم الوراثيّة إلى تلك العائلات. الأهمّ من ذلك هو استنتاج فريق البحث بأنّه لم يُعثر على أدلّة تبيّن أنّ “بنك الجينات” الدرزيّة دخلته مورّثات غريبة طيلة السّنوات الألف الماضية، وهذا يعني أنّ الجماعات الدرزيّة لم ينضمَّ إليها جماعات جديدة منذ ذلك التّاريخ، كما عثر الباحثون على أدلّة تؤكّد وجود فروقات جينية بين المجموعات الدرزيّة في عدد من المناطق المختلفة والمتباعدة مثل لبنان والجولان والجليل الأعلى وجبل الكَرْمل وغيرها، وهو ما يعزّز الافتراض بأنّ الدّروز (على العموم) يتزاوجون في ما بينهم في المناطق التي يسكنونها.
لكنّ الدّراسة أكّدت في الوقت نفسه أنّ الجينوم (النّمط المميّز لجينات الموحّدين الدّروز) يتشابه إلى حد كبير مع الجينوم المميّز للشّعوب العربيّة ولسكان الشّرق الأوسط. ووجد الباحثون أنّ الجينات المُميِّزة للدروز تُظهر صلتهم بجماعات عربيّة عاشت في صدر الإسلام في القرن السابع الميلادي، وأنّ هذه الجماعات هي التي كوّنت أسلاف الدّروز وأجدادهم، والاستنتاج الأخير يطابق أيضاً رواية الدّروز لتاريخهم بأنّهم ينتسبون إلى قبائلَ عربيّة عاشت في صدر الإسلام وارتحلت في أوقات معيّنة بعد ذلك خصوصاً في العهدين الأمويّ والعباسيّ إلى جبل لبنان (الذي كان مفهوماً واسعاً يضمّ أجزاء من شمال سوريا وشمال فلسطين)..
إنّ نتائج الدّراسة الإسرائيليّة الدّوْليّة للعام 2015 تفضحُ المهزلة البحثيّة لعيران الحايك وتظهره على حقيقته، كما تعزّز الشّكوك بأن تكون دراسة الحايك وكلّ ما نُسج حولها في الإعلام ليست سوى جزء من مجهود دعائيّ وإعلاميّ إسرائيليّ منسّق لإيهام الدّروز (في فلسطين خصوصاً) بأنهم يشتركون مع اليهود بأمور كثيرة بينما لا يجمعهم بالعرب جامع، وهو ما قد يُسهِّل فصلهم عن جذورهم التاريخيّة العربيّة الإسلاميّة وإدماجهم بصورة أقوى بأغراض الدّولة العبريّة. ومن الواضح أنّ إسرائيل تستفيد الآن من حالة التمزّق وانهيار المعنويات العربيّة لإطلاق مثل هذه النظريّات على أمل أن تلاقي أصداءً لدى أوساط الموحّدين الدّروز المحبَطين بسبب تراجع القضيّة الفلسطينيّة وحالة التفرّق العربي.

سلطان باشا الأطرش ومجاهدو الثورة العربية السورية في صحراء الأردن- خيال عيران الحايك الواسع رأي فيهم أصولا قوقازية
سلطان باشا الأطرش ومجاهدو الثورة العربية السورية في صحراء الأردن- خيال عيران الحايك الواسع رأي فيهم أصولا قوقازية

العلم في خدمة الأجندة السياسية

نظريّة عيران الحايك حول الأصل القوقازيّ للدّروز بل وأصولهم المشترَكة مع اليهود الأشكناز قد تكون بدعة فجّة وتضليل مكشوف الأهداف، وهي بالتأكيد لن تلاقي أي اهتمام من دروز فلسطين أو الموحدين الدّروز عموماً.
لكن الحايك تميَّز قبل ذلك بكونه أحد مروّجي نظريّة ملفّقة أخرى عن “الأصل الخّزَرِيّ” لليهود، وهي النظريّة التي تقول إنّ يهود العصر الحاضر لا ينتمون جينيّاً إلى العِرق اليهوديّ الذي وُجِدَ في فِلِسطينَ في فجر التاريخ لكنّهم ينتمون إلى قبائل الخزَر التي كانت تسكن في آسيا الوسطى ولكنّها تبنّت اليهوديّة في وقت ما من القرن التّاسع الميلاديّ. وهذه النظريّة أطلقها قبل ذلك مفكّر يهودي ماركسي هو آرثر كوستلر (في كتابه “السّبط الثالث عشر”) وفحوى هذه النّظرية هي أن اليهود الأشكناز جاؤوا من قبائل الخزر وأنّه لا تربطهم بالتّالي صلات جينيّة وعرقيّة باليهود الذين يتّهمهم المسيحيّون بصلب المسيح. وقد نقل أحد أصدقاء كوستلر عنه في ما بعد أنّه أراد من كتابه أن يُظهرَ أنّ اليهود ليسوا عرقاً مميّزاً لعلّ ذلك يساهم في تخفيف الشّعور المعادي لهم والذي يسمّيه اليهود “اللّاسامية”، أي أنّ كوستلر اعترف بأنّه وضع نظريّته لأغراض سياسيّة وأنّه لا يوجد بالتّالي أساس علميّ لها. وها هو الحايك يحوك على نفس المنوال لكنّه يفتتح هذه المرّة سوقاً مع بضاعة تفوح منها رائحة الكذب والتّزييف الصّريح. وهو مثل كوستلر وألموج وغيرهم يقدّمون الدّليل أنّ ولاءهم الأساسيّ ليس للحقيقة بل للأجندة السياسيّة للدّولة اليهوديّة.

البروفسور إران حايك مروج نظرية الأصل القوقازي للدروز
البروفسور إران حايك مروج نظرية الأصل القوقازي للدروز
البروفسور جلعاد (جيل) آتسمون رئيس فريق البحث الذي أثبت نقاء الخصائص الجينية للدروز وأصولهم العربية
البروفسور جلعاد (جيل) آتسمون رئيس فريق البحث الذي أثبت نقاء الخصائص الجينية للدروز وأصولهم العربية

الشيخ سليمان الحلبي

سيرة الشيخ العلم أبو سليمان حسيب الحلبي

مبارك أنت أيها الشيخ القُدوة
في المجاهدة والمحبة وحفظ الأخوان

فقيد المسلك القويم الشيخ الزاهد العابد أبو سليمان حسيب الحلبي رحمه الله
فقيد المسلك القويم الشيخ الزاهد العابد أبو سليمان حسيب الحلبي رحمه الله

فقيد المسلك القويم الشيخ الزاهد العابد أبو سليمان حسيب الحلبي رحمه الله

عينٌ من الأعيان وعلمٌ من أعلام الورع والتقوى وركنٌ من أركان مسلك التوحيد، تميَّز بالإخلاص وسلامة النيّة والحلم والسخاء وحسن الخلق والتواضع والعبودية، وكان مثالاً يُقتدى به بطيب الكلمة والصبر والترفُّعِ عن الأنا. اجتمعت قلوبُ الناس عامةً على محبته، فلم يُعرَف له مبغضٌ، ولم يَعرفِ الحقدَ والقسوة. تأدَّب بآداب مَن سبقه من المشايخ الأتقياء وزاد عليها من جميل صفاته وحميد مناقبه ما جعل سيرتَه العطرة مدرسةً لمن أراد أن يتعلَّم مبادئَ التوحيد والعرفان.

حياتُه ومسلكُه
وُلد الشيخ الحلبي في بلدة بطمة – قضاء الشوف بتاريخ 20 آب 1922م، وسلك مسلك الالتزام الديني منذ مطلع صباه، وعاش عمره المديد مُجِدّاً مجاهداً، زاهداًً في الدنيا، فلم يكن يحب القنية الحسنة، بل كان يفضِّل البسيط من الفرش والأثاث، مستعيضاً عن حبِّ الدنيا بالاستئناس بمحبة أخوانه الموحدين ومتابعة شيوخه الأتقياء، مثابراً على حفظ الكتاب الكريم، وقد تزيّن بالكمال (إطلاق اللحية) في سنٍّ الخامسة والثلاثين على يد المرحوم الشيخ الجليل أبو يوسف حسين عبد الوهَّاب الموجود ضريحه المبارَك في قرية الغارية من قرى محافظة السويداء في سوريا،
تزوَّج في 20 تموز 1958م من الشيخة الجليلة سُمَيّة منذر من بلدة بزبدين المتنية (توفيت عام 2014م)، وهي شقيقة الشيخ الجليل سلمان منذر المعروف وأخوانه بالمحافظة والتقوى، وكانت من النساء التقيّات النقيَّات. رُزق منها ولد وحيد سمَّاه سليمان، كما تزوَّج أخوه الشيخ الجليل أبو سلمان أنيس من أختها الفاضلة في التاريخ ذاته، وعاش الجميع في المنزل المتواضع ذاتِه عِيشةً اتّسمت بالكفاف والبساطة الروحانية، أخوةً ورفاقَ دربٍ ومسلك، وعلى أتمِّ ما يكون من الوئام والوفاق. وكان الشيخ يكدّ ويعمل بنشاطٍ من أجل كسب عيشه والقيام بواجب عياله، فأتقن الحياكة على النَّول، ثمَّ تمرَّس بصناعة الصابون البلدي بالوسائل التقليدية المتوارثة، لا ليجمع الثروة بل ليفيَ حقَّ نفسِه وأهلِه عليه، ولعلَّ شجرة الجوز المعطاء في الحقل تشهد على كدِّ يمينه، وهو مَن لامس جذعها يوماً قبل سنواتٍ قليلةٍ من رحيله وخاطبها معتذراً عن عدم تمكُّنه بعد الآن من تسلُّقِها وقطاف ثمرها، فانحنت وأخواتها في العام التالي ليسهل تناوُل أغصانها، وكأنَّ في ذلك “كرامةً” للشيخ ليظلَّ قادراً على مباركتِها وقطافِ ثمارها.

الشيخ القدوة
كان المرحوم الشيخ أبو سليمان حسيب الحلبي شيخاً فاضلاً تقيّاً، آمن وعمل الصالحات وفعل الخيرات وقام بالفرائض الواجبات وخاف مقام ربِّه ولاذ في الخلوات ونهى نفسه عن الهوى، انصياعاً وطاعةً، وكانَ حافظاً آياتِ الكتاب العزيز، مجتهداً في تَدبُّر معانيها وغاياتها، حريصاً على عيش الصدق والأخوَّة، مهتمَّاً
بـ “جبر خواطر” أخوانه، آمراً ناهياً باللطف لا بالقسوة، مُصلِحاً بين الناس، ناصحاً أبناءه برفقٍ ومحبة، واضعاً نفسه موضعَ القصدِ والتلقّي، يقيسُ الأمورَ عليها طالباً منها الامتثالَ والالتزامَ قبل أن يَطلبَهما من الآخرين، وربَّما كان ذلك سبباً لقَبول نصائحه واحترام رأيه وتوجُّهه، بفعلٍ من صفاء نيَّته وسلامة قصده، وقد جمع شيوخ البلدة وأهلها ومجتمعه المحيط على كلمةٍ سواء، فاجتمعوا في كنف رعايته متعاهدين على الإلفة والمودَّة.

“كان لا يقبل أن يُغتابَ أحدٌ بحضوره، وكان يردّد أنه «من قال في أخيه بما فيه فقد اغتابه، ومن قال بما ليس فيه فقد أبهته، والبهتان أعظم الكفران”

نهجه التربوي
أمّا نهجه في التربية والإرشاد فكان قائماً على التعليم بالقدوة الحسنة، وعلى إطلاق بعض كلماتٍ وعباراتٍ مؤثِّرة تلخِّصُ توجُّهه، كمثل ما كان يقول لابنه الوحيد مراراً: “لا تظنّ أنني أُفضِّلَك على سواك من أهل الخير إلَّا بما تفعلُه من خير”، و”إذا رأيتَ الخطأ من غيرِك فاكتفِ بأن لا تفعلَ مثلَه”، و”لتكن يدُك مبسوطةً للعطاء وعمل الخير ولا تُطبقها أمام المحتاجين”، و”إياك أن تتكلَّم بسوءٍ عن الناس”، ولذلك كان لا يغتاب أحداً ولا يقبل أن يُغتابَ أحدٌ بحضوره، وكان يردّد هذا القول: “من قال في أخيه بما فيه فقد اغتابه، ومن قال بما ليس فيه فقد أبهته، والبهتان أعظم الكفران”. ولا يرضى سماع أيِّ كلام بحقّ الناس وخصوصاً “الأجاويد” حتى ولو جاءت من مشايخ معروفين ومنظورين، قائلاً لمحدِّثيه: “ليس هنا مكان وزمان هذا الكلام”، كما كان يكره النميمة مردِّداً القول المأثور: “مَن نَمَّ لك نَمَّ عليك”.
ومن خصائص نهجه التربويّ أنه اعتمد الإخلاص في نصحه، فكان ناصحاً بالسرِّ لا بالعلن، وعندما كان ينصح أحداً ولا يقبل منه كان يردُ الأمر إلى نفسه قائلاً: “لو كنّا مخلصين لكان قبِلَ منَّا”، لكنّ جُلَّ همِه كان أن لا ينزعج منه أحد، موصياً ولده ومَن لازمَه بالقول مراراً: “ما تخلّي حدا يزعل منّك”. وكان حريصاً على طمأنة أخوانه وأبنائه المحبّين، فيلتمس لهم العذر، ويتفهَّم مواقفهم، وقد حصل معي مثل ذلك عندما قصدته يوماً لتوضيح موقف معيَّن فكان كالأب الحنون والمعلم الناصح دونما تأنيبٍ أو إحراجٍ، تاركاً لي حسن التصرُف بعد توجيه بضع كلماتٍ طيِّباتٍ كعادته تدعو إلى التسامح وعدم الإساءة إلى الآخرين مهما أساؤوا إليك.

خصاله وسجاياه
كان يرى نفسَه في موضع الإفتقار لله والعبودية، والعبودية هي، بحسب الجنيد (ر)، “ترك الاختيار” و”التبرُؤُ من الحول والقوة وطرحُ النفس بين يدَي الله عزّ وجلّ والصبر على مُرِّ البلوى”، وكان لذلك يكرر اعترافه بالتقصير: يمكننا أن نُقيمَ الحدودَ على الناس، لكن من كان عليه حدٌّ لا يمكنه أن يُقيم الحدود، و”أي أمرٍ نتكلم به يجب أن نطبّقه على أنفسنا أوّلاً”، فكان لذلك يلزم به نفسه والأقربين قبل أيِّ أحدٍ آخر. ومن تواضعه الجمّ أنه لم يكن يجد حرَجاً في متابعة أخوانه ومرافقتهم في تلبية الدعوات واللقاءات الدينية والاجتماعية، حتى من هم أصغر منه سنَّاً ومكانة، غير مهتَمٍّ بكونه شيخهم وكبيرهم. ولذا كان الكرم والمحبة والتعامل الإنساني مع الناس ومحبة “الأجاويد” من أجلّ سجاياه، فما كان يسمع بخلافٍ وقع بين بعضهم حتى يحزن كثيراً، فإذا علموا بحزنه يأتون إليه لطلب “صفو خاطره”، ويتصالحون لديه، أمَّا إذا تخاصم أحدهم مع أخيه وجاء شاكياً له عليه فكان لا يجيبه قطعاً ولا يحكم غيابياً بل ينتظر حتى يسمع الخصم ثم يحكم بعد تفكُّرٍ برويّة قائلاً: “الرأي يللي ما بيبيت ولو ليلة واحدة بيطلع ركيك”.

“من أقواله لأخوانه: «درهم عمل خيرٌ من قنطار علم، ودرهم تقوى خيرٌ من قنطار عمل، ودرهم إخلاص خيرٌ من قنطار تقوى، ودرهم مراقبة خيرٌ من قنطار إخلاص”

رسول محبة
أمَّا المحبةُ فكانت جزءاً من شخصيته ومن أبرز خصاله، وقد كان يعتبر أن محبة أخوانه في الله واجبة، فكان بذلك محبَّاً للجميع ومحبوباً من الجميع بمن في ذلك الذين يسيئون إليه، كما كان صادقاً في حرصه على حفظ الأخوان ومواساتهم، كثير التفقُد لأحوالهم، وخصوصاً الأصدقاء القدامى وكبار السن، كما كان محباً للضيف، كريماً في بيته وفي خلوة “القطالب” التي كان قيِّماً عليها، قائلاً: “ليس أَحبّ إليّ من الضيف؛ أجرُه لي ورزقُه على الله”.
رأى المرحوم الشيخ أنَّ العلم بلا عملٍ عقيم، وأنّ الصمت والتفكُر أفضل من الهذر وكثرة الكلام، ولذا كان يُطيل الاستغراق بالتأمُّل، مستشعراً حضوره في كنف الله عزَّ وجلّ، داعياً إلى وجوب إقران العلم بالعمل، ناصحاً أخوانه بالقول: “درهم عمل خيرٌ من قنطار علم، ودرهم تقوى خيرٌ من قنطار عمل، ودرهم إخلاص خيرٌ من قنطار تقوى، ودرهم مراقبة خيرٌ من قنطار إخلاص”، وكأنه كان يقول عندما يسمع كثرة الوعظ والوعَّاظ: “أمَّا نحن فنتلهّى بدراهم العلم”، وذلك تأثُراً بالمرحوم الشيخ أبو محمد جواد وليّ الدين الذي كان يرى أن إطالة الوعظ أشبه بإلقاء الخُطَب، وكأنهما كانا يريدان القول: لا تُكثروا من العلم على حساب العمل، ولا تحوِّلوا المعرفة إلى مجرَّد عباراتٍ للوعظ بل ارتقوا بالعلم والمعرفة إلى مستوى الحكمة، فالحكمة هي غاية العلم والمعرفة وهي غاية الكتاب. أمَّا هو فقد عرف أنَّ ما يفيد أكثر هو الصمت ودقة الكلام، ولذلك لم يكن يتلفّظ إلَّا بما فيه منفعة، مدقِّقاً في مصادر الكلام، حتى عُرفَ بالسكون والرزانة، وقد ردّد تكراراً، كمن سبقه من الأتقياء، قولَ بعض الحكماء: “أعقِل لسانَك إلّا عن حقٍّ توضحُه أو باطلٍ تَدحضُه أو حكمةٍ تَنشرُها أو نعمةٍ تَشكرُها”، وقد جسَّد حبَّه للصمت بتلك العبارة المخطوطة والمعلَّقة أمام ناظرَيه في غرفتِه، والتي أصبحت حكمتَه الأُولى وعنوانَ طبيعتِه وسلكِه: “الحكمة عشرة أجزاء؛ تسعةٌ منها بالصمت والعاشرة قلّة الكلام”، أفليس الصمتُ أبلغَ تعبيرٍ عن حال المؤمنِ، والحكمةُ أسلمَ سبيلٍ إلى بلوغِ غايةِ الوجود؟
رسم الشيخ بسجاياه الجليلة والمعبِّرة سُنَّةً سلوكية شريفة لأبناء المجتمع، مقتبَسَةً من سُنَن الأنبياء والأولياء والأئمّة والشيوخ الثِّقات، فقلَّما تجدُ أحداً من عارفيه لم يسمع منه مثل تلك المواعظ والحكم والآيات الطيِّبات التي كانت تشكِّل معظم كلامه ومواقفه، كرفضه إلقاء اللوم على سواه وقوله عند مواجهة أية معضلة أو إعاقة: “الحقّ علينا”، وأَنّ “ما يخرج من الإنسان هو الذي يُنجِّسه وليس ما يدخل إليه”. وفي معرض القناعة، كان لا يحبُ الفضول والإسراف معتبراً “أنّ لا شيء يساعد على التخلُص من الحرام غير التقليل”، مردِداً القول المأثور: “خذ ممَّن شئت فأنت أسيرُه، وأعطِ مَن شئت فأنت أميرُه، وساوِ من شئتَ فأنت نظيرُه”.

الشيخ أبو محمد جواد
الشيخ أبو محمد جواد

تأكيده على الإخلاص والمراقبة
أمَّا الصبر فكان من أعظم خصاله، وقد رافقه طيلة حياته المديدة، ولكنّ ما حصل معه في السنة الأخيرة من عمره كان الأهمَّ والأبلغ، فبالإضافة إلى صبره على أوجاع جسده بنتيجة المرض والكسر الذي أصابه في ذلك العام، كان يقابل إحراجه وتألُّمه من بعض المواقف والمعضلات بالصبر والاحتمال، وهو مَن اعتمد قاعدة جوهرية في مواجهة المشاكل، مردِّداً وصية لقمان الحكيم (ع) لولده: “با بنيَّ مَن عاملك بالقبيح عاملْه بالمليح وكلٌّ يلقى عمله”، وقائلاً: “النار لا تُطفأ بالنار بل بالماء”، وهذا ما ردّده في العديد من محطات حياته.
كثيرةٌ هي المواعظ والدروس والإرشادات التي كان يُرسلها الشيخ الطاهرُ على سجيَّته لأبنائه المريدين وأخوانه القاصدين إليه، إضافةً إلى حسن تصرُفه ولطف معاملتِه، وهو الذي لم يَشكُ يوماً ولم تفارق الابتسامة ثغرَه، بل كان متأدِّباً مع الله وخَلقِه، ما إن يئنُ أنَّةً عفويةً في لحظة وجعٍ شديد حتى يؤنِّبَ نفسَه وينعتها “بقلّة الأدب مع الله لأنه لم يتحمَّل بعضَ ألم مُستحقّ”، وهو مَن كان يُبادرُ إلى إرضاء مَن يُسيءُ إليه ومَن يعامله بقسوة، فيردُّ الأمرَ إلى نفسِه، ولا يتوانى عن زيارةِ غريمِه وطلبِ العفو و”صفو الخاطر” منه، وحسبُه في ذلك موعظة في البال ما انفكَّ يُردِّدها في نفسه وأمام الناس، عاملاً بها بكلِّ إخلاصٍ وصدق: “درجات الإخلاص أربعة؛ لا تردّ على من شَتمك – لا تُجازِ مَن ظلمك – وصِلْ مَن قطعك – وأحسِن إلى مَن أساء إليك”، وحسبُه أيضاً أربعةُ أبياتٍ من الشعر للإمام الشافعي (ر) ظلَّت معلَّقةٌ كذلك أمام مرآه:
“إذا شِئتَ أن تحيا سليماً من الأذى
ودينُك مـــوفــورٌ، وعِرضُك صَيِّنَ
لســــانُــــــــــــك لا تذكــــــــرْ بــــــــه عـــــورةَ ٱمرِئٍ
فكلُّك عــــوراتٌ، وللنــــاس ألســــــــنُ
وعـــينـُك إن أبــدتْ إليـــك مــعايبــاً
فصُنها، وقل يا عينُ للنــاس أعيـنُ
وعاشــــرْ بمعروفٍ وسامحْ مَنِ ٱعتدى
وفارقْ، ولكنْ بالتي هي أحســـنُ”
وإذا كان الإخلاصُ الحقيقي هو استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، وهو على عكس الرياء، فإنه، كما قِيل، “نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق”، لأنَّ مَن تزيَّن للناس بما ليس فيه سقط من عين الله، وكما قال ذو النون المصري: “الإخلاص لا يتمُّ إلّا بالصدق فيه والصبر عليه”. أمَّا إذا نظرتَ إلى شيخِنا الطاهر الجليل، بحسب تلك السجايا والخصال، فلا شكَّ أنَّك ترى فيه مثالاً يُقتدى به في الإخلاصِ وصدق السريرة، وقد استوى باطنُه مع ظاهرِه، بشهادة كلِّ مَن عرفَه وتعاملَ معه من قريبٍ أو بعيد ومَن شهِد عَيناً بأنه بنتيجة إخلاصه كانت أموره ميسّرة وكان ما يريده سهل المنال.
أسفاره الدائمة لتفقد أخوانه
كان صاحبُ هذه السيرة العطرة على غرار أخوانه الشيوخ البررة الأتقياء، منشغلاً بالتعلُّق بإخوانه ومواكبتهم، متفقّداً إيّاهم، قاصداً رؤياهم، شغوفاً بلقياهم، فاتحاً أبوابَ داره للتبرّك بحضورهم، سخيَّاً في ضيافته، قلَّما يرضى بتناول طعامه وحيداً، بل كان يدعو كلَّ مَن يزورُه من الأهل والأخوان لمشاركته، وكان مُجِدّاً في سفره لزيارتهم في قرى الشوف وجبل لبنان وراشيا وحاصبيا وجبل العرب والإقليم وغوطة دمشق وجبل السُمَّاق وفلسطين والجولان وغيرها، فلم تكن هناك بلدةٌ أو ناحيةٌ تواجدَ فيها إخوانه المؤمنون والموحِّدون إلَّا وزارها ودخل بيوتَ “أجاويدها” وسأل عن أهلِها، حتى إنّه كان دائمَ الصلاة لأجلهم، خصوصاً في أيام الصعوبات والمحن، لم يُشغلْه عن ذلك كِبَرُ سنٍّ أو تعبٍ، ولعلَّ ما أخبر عنه ابنُه في عامه الأخير يُصوِّرُ ما كان عليه من صلة محبةٍ وأُخوَّة، عندما عَرف بضيق أهلنا الموحِّدين في جبل السُّمَّاق، فأمضى ليلته ساهراً في فراشِه، مفكِراً بهم، ذاكراً ومصلّياً لأجلهم، وعندما قال له ابنه الذي كان نائماً في غرفته: “ألا ترتاحُ وتنامُ يا أبي؟”، أجابه على الفور: “ألا يستحقُ منّا أخوانُنا هناك ولو ليلةً واحدة؟”.

“كان يقول: لا تطيلوا الوعظ وتحوِّلوا المعرفة إلى عباراتٍ بل ارتقوا بالعلم إلى مستوى الحكمة، وعلّق في غرفته العبارة التالية «الحكمة عشرة أجزاء؛ تسعةٌ منها بالصمت والعاشرة قلّة الكلام”

مع الشيخ الجليل أبو سليمان حسيب الصايغ
مع الشيخ الجليل أبو سليمان حسيب الصايغ

إقتداؤه بالسلف الصالح
كما كان متأثِّراً بالسلف الصالح من المشايخ الثقات، مردِّداً مآثرهم الزكيَّة وساعياً جهده للسير على نهجهم، ولذلك جدَّ في متابعة شيوخِه المعاصرين والالتحاق بركبِهم، وقد تأثّر بالعديد منهم ومن الشيوخ السابقين. ومن المعروف أن بلدة بطمة عمرت بالمشايخ الأعيان والسَّلَف الصالح، ومنهم الشيخ شرف الدين علي الحريري، وقد قال فيه الشيخ أبو علي مرعي: كان له كرمٌ وحميَّةٌ وشجاعة وشدة بأسٍ في النهي عن المنكَرات والرذائل وهمّةٌ لنَيل الفضائل”، كما ذكر المؤرّخ ابن سباط بأنه كان من أكبر تلاميذ الأمير السيِّد جمال الدين عبد الله التنوخي (ق) وأنه استُشهد في حياته ( ت 880 هـ)1، والشيخ أبو صفيِّ الدين محمود الذي كان “شاعراً مجيداً وشيخاً ورعاً مفيداً” (ت 1091هـ)2، وكذلك الشيخ الورع العابد أبو يوسف سليم البيطار المشهور بزهده وتقشّفه وجهاده والذي عايشه شيخنا الحلبي في فترة شبابه وأُعجب بمسلكه الدقيق (ت 1371هـ)، وللثلاثة أضرحةٌ في البلدة تزار للتبرُّك والصلاة.

الشيخ-أبو-حسين---محمود-فرج-أحد-كبار-المشايخ-الذين-سلك-الشيخ-أبو-سليمان-حسيب-الحلبي-على-أيديهم
الشيخ-أبو-حسين—محمود-فرج-أحد-كبار-المشايخ-الذين-سلك-الشيخ-أبو-سليمان-حسيب-الحلبي-على-أيديهم

“كان دائم التذكير بدرجات إخلاص أربع: لا تردّ على من شَتمك، لا تُجازِ مَن ظلمك، وصِلْ مَن قطعك، وأحسِن إلى مَن أساء إليك”

صحبته لشيوخ عصره
وإلى جانب اقتدائه بالأعلام الأتقياء وتأثُره بسيَرهم المفيدة وسيَر مَن سار على نهجهم، تأثّر الشيخ الحلبي في بداياته بمسلك المشايخ الأعيان وفي مقدمهم شيخ ذلك العصر المرحوم الشيخ “أبو حسين” محمود فرج (ت 1953م)، وتيسَّر له مرافقة الشيوخ الأطهار في زمانه فأحبَّهم وأحبُوه، كمشايخ خلوات البياضة ومشايخ راشيا ومشايخ عاليه، وتأثّر بالمرحوم الشيخ الجليل “أبو حسن” عارف حلاوي (ت 2003م)، وحسن خلقه وأُنس محضره وبالمرحوم الشيخ أبو محمد صالح العنداري (ت 1992م)، لجهة الزهد وحسن التصرُف ومقابلة الإساءة باللين والتسامح وعدم الإثارة، قائلاً ما قاله الشيخ العنداري يوماً: “لو تصرَّفنا بغير ذلك و”عملنا نفوس” لكنَّا زدنا الخلاف”، ولم يكن ليسمح لأحدٍ ممّن حولَه بإعادة الكلام المُسيء وبأن يُملي عليه المواقف المتشدِّدة حيال صاحبه، داعياً إلى نزع الحقد من الصدور وليس من الأفواه فحسب.
وكذلك تأثّر بالمرحوم الشيخ أبو محمد جواد وليّ الدين، فكان كالطالب المريد لديه، متأدِّباً بحضوره، لائذاً بظلِّه، قائلاً له: “أسير خلفك لا أمامك ولا إلى جانبك”.،وعندما قيل له ذات يومٍ إنّ الشيخ أبو محمد جواد كان يقول كذا وكذا ردَّ قائلاً: “من تشبَّه بالملك هلك”. وكان متابعاً للشيخ، ملازماً له، وقد تأثّر كثيراً لفقده (ت 2012م)، وهو مَن كان مداوماً على متابعة اللقاءات الدينية وإحيائها في دارتِه في بعقلين قبل وبعد وفاتِه، نازلاً عند رغبته بأن يتحمَّل مسؤولية تلك المدرسة، ورعاية خلوة القطالب، فكان خيرَ أمينٍ مؤتَمنٍ على مكانٍ مبارَكٍ مخصَّصٍ للتعلُم والتعبُد وحفظ الأخوان.

تتويجه بالعمامة “المكولسة”
صعد الشيخ “أبو سليمان” درجات العلم والمعرفة والحكمة باطِّرادٍ، دون تراجُعٍ أو توانٍ، فلم يعثُرْ في دينه ولا في دنياه، ولم يتوقَّف عن السير قُدُماً والصعود في حياتِه، لكنَّه بالرغم من ذلك ظلَّ قلقاً على حسن خاتمتِه، سائلاً مَن جاء يُثني عليه ويُبشّرُه بالخلاص: “هل تكفلُ نجاتي؟”، ومُجيباً على سؤاله بلا تردُّدٍ: “أنا لا أكفلُ نفسي”. ولهذا كان استقبالُه للعمامة المكولسة التي ألبسه إيَّاها الشيخ الجليل أبو سليمان حسيب الصايغ، بتاريخ 31 تشرين الثاني 2015م، استقبالَ الخائف الباكي، وهو من كان ينظر إلى نفسِه نظرة الضعف والعجز والتقصير والتحقير. ومع حرصِه على قَبول خاطر أخوانِه المشايخ الكبار وتقديره لهم، فإنه حاول جاهداً عدم الانصياع لفكرة تتويجه التي باغتته والتي لم يكن يتوقّعها بحسب ما عُرف عنه من نظرةٍ اتهام لنفسه، معلناً بتواضع العارف المتيقّن أنَّه لا يَستحق تلك العمامة وما ترمز إليه من مكانة روحية. وقد كان بعد تعميمه حريصاً على طلب رضا جميع أخوانِه الشيوخ وبركتِهم، وكان أوّل ما قام به بقصد طلبِ الدعاء والرضا، زيارة المشايخ الأعيان وفي مقدّمهم الشيخ الجليل “أبو يوسف” أمين الصايغ، الذي كرَّر زيارته له لأكثر من مرَّة، وهو الشيخ المتوَّج قبله بتلك العمامة، وله مكانة مميَّزة عنده، وقد واجهَ تلك المرحلة المؤثّرة والدقيقة من حياته بالصبر والتحمُل والتماس العذر لأخوانِه، مستأنساً برأي الشيخ الجليل “أبو صالح” محمد العنداري وسماحة شيخ العقل الشيخ نعيم حسن وأخوانه الشيوخ المخلصين ومحبتهم، حاصداً بسلامة طويّته راحةَ البال والاطمئنان.

خدمته لخلوة القطالب
بعد وفاة الشيخ الجليل “أبو سلمان محمود الشمعة” في العام 1999م، وهو الذي كان قيِّماً على خلوة القطالب وكان يرى في الشيخ الحلبي خيرَ مُعينٍ له، تسلَّم الشيخ “أبو سليمان” زمام رعاية الخلوة، فجعل منها منارةً دينية ومقصداً للمشايخ من كلِّ حدبٍ وصوب، يعاضده أخوه الشيخ أبو سلمان أنيس الحلبي وكان متشدِّداً في المحافظة على أموالها، منبِّهاً مساعديه ومن معه إلى مكان وجود المال، مدققاً بالسؤال عن نية المحسن، سائلاً إيّاه لأي جهةٍ يرغب صرف حسنته، فإذا لم تكن مخصصة للخلوة صرفها في سبيل الخير، وإلا اعتبرها للخلوة ولو لم يُصرِّح مقدِّمُها بذلك.
حرص الشيخ “أبو سليمان” بمساعدة أخوانه والأقربين على مضاعفة ممتلكات الخلوة وتوسيع محيطها للحفاظ على بيئتها الروحانية، وحسّن في أبنيتها وخصوصاً غرف “الخلواتية”، وكان يقول عن أي شيء استحدثه في الخلوة: “لو استخدمه المشايخ مرة لاستعاد أكثر من كلفته”. وقد قدَّر الله له رجالاً كرماء من أهل الفضل والمعروف، اشتروا مساحاتٍ واسعة من الأراضي المجاورة، سُجِّلت جميعها بإسم الخلوة، ممّا جعله يُسِرُّ لمحيطه بأنه أصبح مطمئنَّ البال إلى القطالب، دون أن يرى في ذلك ما يراه أخوانه الشيوخ من كرامةٍ خاصّةٍ له، وهو المقبولُ أمرُه بمحبَّةٍ، والمُطاعُ بعفويّةٍ دون إحراج أحد، وبخاصةٍ من أخوانه وأبنائه الموحِّدين الملتزمين بقوله تعالى: “يَا أَيُهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ…3
تجدَّدت مثلُ تلك الكرامة له، في بناء بيت البلدة في “بطمة”، وقد يُسِّر له منذ سنواتٍ معدوداتٍ وجود ابن أخيه البار وبعضٍ من أهلِه الأسخياء وأصحاب الأيادي البيضاء الذين اندفعوا لإقامة الدار وإتمامها، فارتفع البناءُ الجديد على مساحةٍ كافية وتوسَّعت الساحاتُ من حوله، ليكونَ بيتاً جامعاً لجميع أهل البلدة ومقرَّاً واسعاً وجاهزاً لاستقبالِ مأتمه الحاشد الذي ضمَّ عشرات الألوف من المشايخ والمسؤولين والمشيِّعين المودِّعين من أنحاء لبنان ومن سوريا. كما شارك في تشييعه معالي الأستاذ وليد بك جنبلاط على راس وفد من النواب والقيادات.

مجاهداته وختامُ حياتِه المبارَكة
كان الشيخُ المفضالُ كثير المجاهدة والمثابرة، مُتعباً بذلك جسده النحيل ومُتحمِّلاً تبعات الضعف والمرض الشديد، فلم ينقطع وهو في أشدِّ حالات الضِيق، عن القيام بالواجبات الدينية والاجتماعية حتى آخر لحظةٍ من حياتِه. وفي سنته الأخيرة التي توّجت مسيرة العمر كلِّه، كان يتصرَّف وكأنه يشعر بأن الأجل قد قرُب، وأنَّه لا بدَّ من استغلال كلِّ لحظةٍ متبقية من حياته للصلاة وذكر الله وعمل الخير ومواكبة الأخوان والقيام بالواجب؛ وعلى هذا الرجاء، نام ليلته الأخيرة، ليلة الجمعة، وهو يتفقَّد ما حولَه ويسأل وحيدَه عن دار البلدة: “هل أصبحت جاهزة؟ هل تمَّ تنظيفها؟”، وعن مغلَّفات “الحَسَنة” والأمانات التي بين يَديه: “لا تنسوها، انتبهوا لما كتبتُ عليها”، ممَّا أثار استغرابَهم، وما استغربوه أكثرَ من ذلك كان إصراره في صباح اليوم التالي، أي صباح الجمعة، على الذهاب إلى خلوات البيَّاضة في حاصبيا لمواكبة المشايخ الذاهبين من الجبل لزيارتها، بالرغم من محاولة ثَنيه عن ذلك لكونه يشكو من المرض ويحتاج إلى “الأوكسجين” بين الحين والآخر، بحسب نصائح الأطبَّاء، قائلاً لهم: “بدنا نودِّع”، وملوِّحاً بيده الناعمة الرقيقة لأحبَّتِه الذين تحلَّقوا حول سيارته عند المغادرة، وكأنّه يسافرُ إلى عالَمٍ آخر، ليعودَ في المساء بعد نهارٍ حافلٍ بالمجاهدة ومحطات الذِّكر والمؤانَسة، ويدخل بمساعدة الأهل إلى غرفته التي تحوَّلت إلى شبه “مجلسٍ” أو “خلوةٍ” للصلاة والمذاكرة، يستوي إلى فراشِه لثوانٍ معدوداتٍ، يفارقُ بعدها الحياةَ الدنيوية (في الثاني من ك1 2016)4، وقد أوى إلى فراشٍ من نور، في رحلةٍ أشبه بتحرير اللطيف من الكتيف، ليُعاودَ المسافرةَ والارتقاء، مخلِّفاً وراءَه ذِكراً طيِّباً وسِيرةً وضّاءةً وأملاً متجدِّداً وثقةً ويقيناً لدى محبّيه وعارفيه وأخوانه وأبنائه الموحِّدين، بأنَّ مَن سعى في مرضاة الله رضي اللهُ عنه وأرضاه.

جانب من التأبين الحاشد الذي أقيم له في بلدته بطمة الشوف
جانب من التأبين الحاشد الذي أقيم له في بلدته بطمة الشوف

“رغم مرضه الشديد سافر في نفس يوم وفاته لـ «توديع» البيّاضة ومشايخها وتابع بنفسه قبل يوم من وفاته إعداد قاعة البلدة ومكاتيب الحسنة وكل تفاصيل الموقف ثم أســــــلم الروح”

قام بإعداد هذه السيرة عن حياة ومآثر المرحوم الشيخ الجليل أبو سليمان حسيب الحلبي الشيخ الدكتور سامي أبي المنى بالاستناد إلى ما اجتمع لديه من أخبار سيرة الشيخ الحافلة ومن شهادات المشايخ الأفاضل الشيخ أبو داود منير القضماني (خلوات القطالب).الذي صحب المرحوم الشيخ لسنوات طويلة في الخلوات، وكذلك شقيقه الشيخ أبو سلمان أنيس الحلبي، ونجله الشيخ سليمان الحلبي، وشقيق زوجته الشيخ ياسر منذر، ومرافقه الشيخ صلاح غانم.

لَبِـسَ الصفاءَ كما البهاءُ، مُكرَّمـا

زَهَـــــــــــتِ العمـــــــــامة بـــــــــالمُعَمَّـــــــــمِ عنـــــــــــــــــــــــــــــــــــدمـــــــــا ٱعتمـــــــــــــرَ التُّـــــــــــــقى مـــــــــــــن قبـــــــــــــلِ أن يَتعمَّمـــــــــــا
بـــــــــــــلــــطـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــافـــــــــــــةٍ وبـــــــــــــعِفَّـــــــــــــــةٍ، بـــــــــــــصفـــــــــــــائــــــه لَبِسَ الصفـــــــــــــاءَ، كما البهاءُ، مُكرَّمــــــــــــــــــا
فــــــــــــــــابيضَّ منــــــــــــــــه التـــــــــــــــــاجُ مثــــــــــــــــلَ فــــــــــــــــــــــــــــــؤادِه والوجــــــــــــــــــــهُ مثــــــــــــــــــلَ الثَّغـــــــــــــــــــــــــــــــرِ نوراً تَمتَمــــــــــــــــــــــــــا
يـــــــــــــــــــــا أيــــــــــــــــُّها الشيــــــــــــــــخُ المُعمَّــــــــــــــــمُ بـــــــــــــــــــــــــــــــالتُّقى كـــــــــالفجــــــــــــــــــــــــــرِ واجهـــــــــتَ الـــــــــزمانَ المُظلِمــــــــــا
يـــــــــــــــــــــا ســــــــــــاجداً يـــــــــــــــــــــا عــــــــــــابداً مُتخشِّــــــــــــعاً أمضيــــــــــــــــــتَ عُمــــــــــــــــــــــــــــــــــــرَكَ دون أن تتبرَّمـــــــــــــا
سلَّمـــــــــــتَ لِلّــــــــه الوثـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاقَ مُســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالِمــــاً بـــــــــل واثِقــــــــــــــــــاً، بـــــــــل راضيــــــــــــــــــاً ومُسلِّمــــــــــــــــــــــــــا
مهمــــــــــــــــــــا تراكمتِ الصِّعابُ تدحرجتْ مـــــــــن راحتَيكَ، وما استكنتَ لتُهزَمــــــا
بـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالزُّهدِ غالبـــتَ الأنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا فغلبتَهـــــــــــــــــا وجعلــــــــــــــــــتَ من إذلالِ نفسِــــــــــكَ سُلَّمـــــــــــــــا
شيخي الأعزَّ بكَ الأجـــــــــــاويدُ اقتدتْ يــــــــــــــــــا مَن بجــــودِكَ كنتَ دومـــــــــــــــــــــــــــاً أكرَمـــــــــا
عرفتْــــكَ أرضُ “الشوفِ” فَوحَ أزاهرٍ فـــــــــامتدَّ عِطــــــــــــــــــرُكَ فــــــــــــــــــي البــــــــــــــــــلادِ ونسَّما
عِطــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرٌ يُنبِّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــئُ عن طَهارةِ دوحةٍ “حلبيـــــــــةٍ” كرُمَـــــــــتْ وطــــــــــــــــــابتْ مَغـــــــــنَمــــــــــــــا
عـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن قريةٍ جبليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــةٍ قد أنبتتْ “كــــــــــــــــــحسيبها” وسْــــــــــــــــــطَ الليالي أنجُمــــــــــا
لمعــــــــــــــــــــــــــــــــتْ بليـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلِ سمائهــــــــــــــــا أسماؤها فغَــــــــــــــــــــــــدا نهــــــــــــــــــــــــــــــــــــاراً مُشــــــــــــــــــــــــــــــــــــرِقــــاً مُتبسِّمـــــــــــا

يـــــــــــــــــــــا شيــــــــــــــــــــخَنا الأغلى، ديارُك واحةٌ فيــــــــــــــــــها ارتـــــــوى الأخوانُ من حَرِّ الظَّما
كم جُمعـــــــــةٍ! كم جَمعـــــــــةٍ! كم ليلـــــــــــــــــــــــــــــــةٍ! كـــــــــــــــــــــــــــم نهضةٍ! سبــــــــــــــــقَ العطاءُ المَوسِما
وَرَعـــــــــاً وأخلاقـــــــــاً وطُهـــــــــــرَ ســـــــــريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرةٍ ورضىـــــــــــــــــــــــــــا وإيمانـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاً وقلبـــــــــــــــــــــــــــــــاً مُفعَمــــا
كـــــــــــــــــــــــــــخليَّةٍ حَضَنَ الشبـــــــــــابَ شيوخُــــــــــــها والكُـــــــــــــــــــــــــــلُّ يَعمــــــــــــــــــــــــــــــــــــلُ طائعـــــــــاً، لا مُرغَمـــا
مـــــــــــــــــــــــــــن زهرة ِ التوحيـــــــــدِ جَنيُ رحيقِها فَيـــــــــــــــــــــــــــضٌ تدفَّــــــــــــــــــقَ مــــــــــــــــــن غِناهـــــــــا بَلسَمــــــــــــا
يـــا شيخَنا يــــا مَن شمختَ إلى العُلى مُتواضِــــــــــــــــــعاً، وصرفتَ عُمرَكَ مُحرِما
مـــــــــا كـــــــــان وجهُــــكَ غيرَ وهـــــــــجٍ ساطـــــــــعٍ لا عابســــــــــــــــــاً غضَبــــــــــــــــــاً ولا مُتجهِّمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
مَــــــــــــن زارَكـــــــــم لـــــــــم يَلــــــــــــــــــقَ إلّا حُبَّـــــــــــــــــــــــــــــــــكم وحنانَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــكم، ورأى السلوكَ مُعلِّمـــــــا
مـــــــــا بـــدّلتـــــــــْكَ مَصــــــــــــــــــائبٌ ومَصـــــــــــــــــــــــــــاعبٌ والعمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرُ زادَكَ مِنــــعـــــــــةً وتقـــــدُّمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
كلمــــــــــــــــــاتُ وعـــــــــــــــــــــظِــــــــــــــــــكَ لَمحــــــــــــــــــةٌ أو لَمعــــــــــــــــــةٌ نَطقَـــــــــتْ هُدىً والصَّمـــــــــتُ فيكَ تكلَّمـــــا
يـــــــــــــــــــــا شيخَنــــــــــــــا علَّمتَنــــــــــــــا أنَّ الجِهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا دَ قناعةٌ، والحــــــــــــــرَّ مَن حفِــــــــــــــظَ الدَّمـــــــــــــــــــــا
علَّمتَنــــــــــــــا أنَّ الشجاعــــــــةَ في تحدّي الــــــــــ نَّفــــــــــــــسِ، إنْ مالـــــــــــتْ إلى دربِ العَمــــــــــــــى
والعلــــــــــــــمُ والإيمــــــــــــــانُ يُعرَفُ من غِنى الــــــــــــ تــــــــــــــوحيدِ، لا الــــــــــــــتوحيدُ يُعرَفُ منهُمــــــــــــا
علَّمتَنــــــــــــــا أنَّ الحيــــــــــــــــــــــــــــــــــاةَ عقيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدةٌ مــــــــــــــن وحيِهــــــــــــــا نَحيــــــــــــــــــا إلى أن تُختَمـــــــــــــــــــــــــا
علَّمتَنــــــــــــــا أنْ لا نَجِــــــــــــــــــــــــــــدَّ الســيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرَ إلّا بـــــــــــــــــــامتشاقِ الحــــــــــــــــــــــــــــقِّ كي لا نُهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــزَما
وبــــــــــــــــأنَّ عنــــــــــــــوانَ العبــــــــــــــــــــــــــــادةِ والســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــعـا دةِ أنْ يــــــــــــــــــــــــــــكونَ الصــــــــــــــــــدقُ وعداً مُلزِما
ألــــــــــــــــــــــــــــزمتَ نفسَكَ عيشَــه وكــــــــــــــأنَّ ربَّـــــــــــ كَ حاضــــــــــــــــــــــــــــرٌ ويــــــــــــــــــــــــــــراكَ تنظرُ للسَّمـــــــــــــــــــــــــــــا

يـــــــــــــــــــــا خالقــــــــــــــي، ولقــــــــــــــد رآاكَ مَنِ اتَّقـــــــــــــــــــا كَ، بقلبِــــــــــــــــــــــــــــه، مُستشعِــــــــــــــــــراً أو مُغرَمـــــــــــــــا
عــــــــــــــــــــــــــــاش العقيدةَ مؤمِنــــــــــــــاً فَمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوحِّداً مــــــــــــــن بعدِ مــــــــــــــا نطــــــــــــــقَ الشهادةَ مُسلِمــــا
أدَّى الصــــــــــــــلاةَ بِــــــــــــــلا ٱنقطــــــــــــــاعٍ، صادقـاً والصدقُ رأسُ الدينِ يَهدي مَن سَمــــــــــــــا
ومضــــــــــــــى وأمســــــــــــــى صائماً، وفــــــــــــــــؤادُه طــــــــــــــــــــــــــــردَ الأبــــــــــــــــــــــــــــالسةَ الطُّغــــــــــــــاةَ وأَعدمـــــــــــــــا
لــــــــــــــم يُغــــــــــــــــــرِهِ عَـــــــــــــــــــــــــــــــــــدَمٌ ولــــــــــــــم يُفطِــــــــــــــرْ على رزقٍ حــــــــــــــرامٍ، بــــــــــــــــــــــل طــــــــــــــوى وتــــــــــــــألَّمـــــــــــــــــــــــــــــــا
زكّــــــــــــــى بــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــحبٍّ حــــــــــــــافظاً إخـــــــــــــــــــوانَه وإلى الحقيقــــــــــــــةِ حــــــــــــــجَّ واختــــــــــــارَ الحِمى
وولاؤُه مــــــــــــــــــــــــــــا كــــــــــــــــــــــــــــان إلَّا خـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالصاً وجهــــــــــــــادُه مــــــــــــــا كــــــــــــــــــــان إلَّا مُحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــكَما

يـــــــــــــــــــــا شيخَنا حانَ الرحيــــــلُ وأنتَ فيـــ نــــــــــــــا مــــــــــــــاكثٌ وإليــــــــــــــك فــــــــاءَ مَنِ ٱحتمى
ودَّعتَــــــــــــــنا فجمعتَــــــــــــــنا كــــــــــــــرَماً، كــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــما كنــــــــــــــتَ الأبَ الحــــــــــاني لكَ الجمعُ ٱنتمى
إرحــــــــــــــــــــــــــــلْ قميصاً وٱبـــــــــــقَ روحاً حُــــــــــــــرَّةً يـــــــــــــــــــــا مـــــــــــَن زرعتَ الخيـرَ زرعُك قد نَما
إرحَــــــــــــــلْ وعُدْ نــــــــــــــوراً يُــــــــــــــشِعُّ وسِيـــــــــــــــــــــــــــــــــــرةً تُــــــــــــــــــــــروى لنــــــــــــــا لتظــــــــــــــــــــــــــــلَّ ذِكــــــــــــــــــــــــــــراً مُلهِمـــــــــــــــــــا
لــــــــــــــكَ من رضا الأخوانِ خيرُ شهــــــادةٍ كــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالمُزنِ تَنزِلُ كــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلَّما دمعٌ هَمـــى
من كلِّ حَدْبٍ قد أتَوكَ وأنتَ في ٱطْ مِئنانِــــــــــــــــــــــــــــكَ المعهــــــــــــــودِ أطبقــــــــــــــــــــــــــــتَ الفَمــــــــــــــــا
الجَمــــــــــــــعُ يَدعــــــــــــــو ســــــــــــــائلاً لــــــــــــــكَ رحــــــــــــــــمةً فــــــــــــــاترُكْ لــــــــــــــه طِيــــــــــــــبَ الــــــــــــــدُعاءِ لِيُــــــــــرحَما

سامي أبي المنى
رثاء العلم الجليل المرحوم الشيخ أبو سليمان حسيب الحلبي، بطمة، 3-12-2016.

حروب التقسيم

حـروب التقسيـم والتهجيــر ….والنفــط

أكبر عملية نقل للسكان في التاريخ الحديث
تتم في وضح النهار لأن أوروبا في حاجة للعمالة

التدمير المتعمد للحدود والمجتمعات والكيانات السياسية
هل يمهد لرسم خرائط الدويلات ووضع اليد على النفط؟

إسرائيل لا تريد للحروب القائمة في المنطقة أن تتوقف
وهي تنتظر للتمدد في فراغ انهيار الكيانات السيادية

حلف “الناتو” نشر خرائط بينت خط تمزيق المنطقة
وإحدى الخرائط باتت مادة لتدريب كبار ضباط الحلف

ماذا يجري في المنطقة؟ ماذا وراء هذه الحروب المتداخلة والمتنقلة وهذه الأزمة الإنسانية الرهيبة التي لم نشهد مثلها منذ ضياع فلسطين؟ كيف يجب أن نفسِّر فضيحة اللامبالاة الدولية تجاه انهيار وعذاب منطقة اعتبر استقرارها دوماً حجر زاوية في الاستقرار العالمي؟ أين أوروبا المتحضرة؟ أين الأمم المتحدة ومجلس الأمن؟ أين العالم العربي؟ أين الجمهورية التركية النامية، الظهير الاستراتيجي الذي تطلع إليها العرب لكي تكون قوة استقرار ومنعة على غرار الدور الذي كانت تلعبه الدولة العثمانية لمئات السنين؟ كيف تحوّلت وكالة غوث الى وكالة «تسفير» منظم للسوريين والعراقيين واليمنيين وغيرهم من معذبي الأرض في منطقتنا من أجل سد النقص الخطير في العمالة في الأسواق الأوروبية التي شاخ سكانها وترفض نساؤها أن يلدن الأطفال؟ كيف يمكن لرئيس البنك الدولي أن يمدح علناً استيعاب اللاجئين في دول العالم معتبراً ذلك “محركاً للنمو الاقتصادي الدولي” كأن سوريا لم تعد موجودة وكأن شعبها قد أعيد تعريفه (مع شعوب العراق و ليبيا واليمن وغيرها) كمصدر للاجئين والعمالة الجاهزة الرخيصة. هل انحط العالم إلى هذا الدرك ونحن في غفلة نتلهى بخداعهم ومكرهم وقسوتهم التي لم تعد لها حدود؟

أوطان في المزاد
منذ أن تمّ للغرب إزالة السلطنة العثمانية، والصراع على إرثها الواسع وممتلكاتها السابقة لم ينقطع، وقد نجم عن هذا الصراع عقب الحرب العالمية الأولى توزّع مختلف ولايات السلطنة وتقاسمها بين الدول الأوروبية المهيمنة، والتي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الأولى، كما وضعت اتفاقية “سيفر” المذلة للعثمانيين والتي قسمت ما تبقى من كيان لتركيا بصورة رمت بوضوح إلى إزالتها كدولة عن الخارطة، وتناولت اتفاقية «سايكس بيكو» السرية عام 1916 تقسيم الشرق الأوسط العثماني بكامله بين فرنسا وبريطانيا ونشأ عن تلك الأوضاع، ثم عن اتفاقية لوزان عام 1923 (التي عدّلت اتفاقية «سيفر» إرضاءً لأتاتورك)، وضع هش استمر حتى نكبة فلسطين وقيام الكيان الصهيوني.
ورغم فداحة ما حصل من إزالة الخلافة الإسلامية التي استمرت منذ فجر الإسلام بعد وفاة الرسول (ص) وتفتيت الواقع العربي بصورة اعتباطية وفق مصالح الدول المستعمرة، فقد نشأت عن تلك الترتيبات ممالك ودول بنيت وفق مفاهيم الدول المنتدبة وثقافتها السياسية والإدارية والقانونية، فقام في العراق نظام ملكي إكتسب شرعيته من ذرية الشريف حسين الهاشمي القريشي، وكذلك الأمر في المملكة الأردنية بينما أنشئت في سوريا ولبنان أنظمة دستورية وإدارية استوحيت من النظام الفرنسي ووضعت دساتير وأنشأت برلمانات وقامت نظم سياسية أفسحت لقدر من حرية التعبير، وتمتعت الإدارات الحكومية بقدر من الفعالية (والنزاهة)، وقام في المجتمع شيء من حكم القانون.
صحيح أن تلك التجارب لم تبدأ كذلك، إذ حاولت فرنسا فرض حكم مباشر ثم تقسيم سوريا إلى أربع دويلات، لكن رغم ذلك فقد كان قيام دول مستقلة وحكومات «عصرية» وانطلاقة التنمية الاقتصادية تطوراً مهماً أمل كثيرون، بمن فيهم الأمير شكيب أرسلان، أن يعوِّض عن فقد العرب للكيان الجامع الذي كانت تمثله الدولة العليّة. وشهدت الفترة التالية للحرب الأولى استقراراً سياسياً نسبياً وقيام اقتصادات قوية ونشوء التعليم والإعلام، وظهرت حياة سياسية غنية في مختلف بلدان المنطقة بإستثناء فلسطين التي بقيت تحت ربقة الحكم البريطاني لتسهيل هجرة اليهود إليها من مختلف بلدان العالم ولاسيما أوروبا، والتمهيد لإقامة الكيان الصهيوني.
لقد كان ممكناً لو قُيِّض لتلك التجارب السياسية الناشئة أن تتطور أن ينتج عنها منطقة عربية ذات تأثير في الإطار الإقليمي، كما أثبت نجاح التجربة السياسية العراقية والأردنية في ظل الأسرة الهاشمية، وكذلك ازدهار مصر وليبيا في ظل ملكية دستورية عاقلة، والنجاح النسبي لتجربة الحكم البرلماني في كل من سوريا ولبنان. لكن تزامن قيام تلك التجارب الواعدة مع تأسيس الكيان اليهودي كإسفين فاصل بين شرق العالم العربي وغربه أظهر أنه لم يكن للدول المستعمرة أي نية في ترك المنطقة وشأنها أو إعطائها حق الوجود الثابت والحدود المستقرة، كما هي الحال في دول العالم التي تكرّست حدودها باتفاقية إنشاء الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية .
وبينما كانت اتفاقية “سايكس بيكو” والتفاهمات الدولية قد وضعت حدوداً واضحة للدول الحديثة في الشرق الأوسط فإن إسرائيل (وكانت أصبحت كياناً عضواً في الأمم المتحدة) كانت بين جميع دول المنظمة وحدها التي رفضت تكريس وجودها القانوني ضمن حدود نهائية مثل بقية الدول، وكانت هذه هي الثغرة التي تركت لتهبّ منها العواصف والزلازل السياسية فتزعزع نسيج المنطقة وتجعله تحت تهديد دائم بالاستنزاف والإبتزاز. وكان استخدام إسرائيل من قبل بريطانيا وفرنسا في عدوان 1956 على مصر (رداً على تأميم الرئيس جمال عبد الناصر لقناة السويس) أوضح دليل على كونها قلعة متقدمة للإستعمار الغربي في المنطقة العربية.

اتفاقية-سايكس-بيكو-السرية-بين-بريطانيا-وفرنسا
اتفاقية-سايكس-بيكو-السرية-بين-بريطانيا-وفرنسا

الدور الإسرائيلي
لقد كانت أنظمة الحكم المدني الملكية أو البرلمانية والتعددية الدينية والعرقية في دول المنطقة التحدي الأكبر لنظام صهيوني يبحث عن مبرر لفكرة الدولة اليهودية في تحطيم تلك التجارب اليانعة القائمة تاريخياً على التسامح والتعايش والشراكة بين مكونات الوطن كلها دون تمييز. لقد كان المطلوب إظهار فشل العرب في إقامة أنظمة ديمقراطية وإقناع العالم مع الوقت بأن الشعب العربي شعب «بائد» لا حضارة له وأنه لا بأس بالتالي من النظر إلى المنطقة باعتبارها منطقة لا تستحق الاستقلال أو العيش الحرّ. وهل أفضل لمستقبل هيمنة إسرائيل على المنطقة من التوصل عبر مدة قصيرة نسبياً من الزمن إلى نقل العرب من مرحلة الأنظمة المدنية الديمقراطية التي بدأوا عليها إلى مرحلة «الدويلات» و»المناطق» المذهبية والدينية والقبلية وجعل الناس «تأكل بعضها بعضاً» كما يقول المثل؟
لذلك كان أول ما قامت به إسرائيل بمجرد قيامها ككيان سياسي (غير نهائي في حدوده من وجهة نظرها) في العام 1948 هو التركيز على تدمير التجارب السياسية المدنية التي كانت قامت واستمرت حولها منذ عقود طويلة، فبدأت الإنقلابات العسكرية على الأنظمة البرلمانية أو على الملكيات المستقرة في سوريا ثم في مصر وأزيلت الأسرة الهاشمية الشريفة في العراق وافتعلت الحرب الأهلية في لبنان وتم في أقل من عشر سنوات من قيام إسرائيل بتدمير الاوضاع المستقرة في جميع دول الطوق التي يعتبر إضعافها الهدف الأول للكيان الصهيوني، ليس فقط لأنها على حدودها (لبنان سوريا ومصر) وتشكل بالتالي خطراً طويل الأمد على أمنها، بل لأنها تدخل في المدى الطويل في مخطط الهيمنة والتوسع والإخضاع الذي ينتظر الوقت المناسب لتنفيذه مرحلة بعد مرحلة.
أما العراق فقد تمّ استهدافه بانقلاب 1958 لأنه كان الدولة الأقوى في المنطقة والأغنى والأكثر وعداً لجهة قيام حكم ديمقراطي متنوع أثنياً ودينياً. فقد كان العراق في ظل المغفور له الملك فيصل الثاني ومن سبقه أسرة واحدة متضامنة تضم العرب والكرد والأشوريين والأزيديين كما تضم المسيحيين والسنة والشيعة، وكان الحكم يقوم على مشاركة حقيقية حتى من اليهود العراقيين الذين كان وزير المالية (ساسون) منهم أكثر من مرة بينما كان رئيس الوزراء شيعياً وكبار الوزراء أكراداً في أكثر من حكومة عراقية. وكان العراق ينام على ثروة نفطية هائلة بدأ استغلالها قبل قيام إسرائيل وكان الاستقرار السياسي والثروة الاقتصادية والنظام الملكي الديمقراطي عناصر كفيلة بقيام دولة كبيرة وذات ثقل إقليمي ودولي في منطقة الشرق الأوسط.
إن التوسع الاستيطاني والجغرافي وتفتيت الكيانات المجاورة هما وجهان للعملة الإسرائيلية نفسها ومرتكزان متلازمان في الاستراتيجية الطويلة الأمد الإسرائيلية، ولن يتم لإسرائيل المزيد من التوسع والهيمنة إلا بزوال الكيانات السياسية التي تحيط بها وانهيار الحدود السياسية بين الدول وانهيار الوحدة الوطنية في كل منها بحيث يزول الشعب الواحد المستعد للدفاع عن بلده ووطنه المشترك ويتعزز الفراغ السياسي والشلل وتسرع كل طائفة أو فريق لطلب الحماية الخارجية من الآخر ضد الطائفة الأخرى. وإسرائيل لا تتوقف عن العمل، وبينما العرب على اختلاف مشاربهم منشغولون بالكيد لبعضهم بعضاً وإثارة القلاقل والمتاعب لهذه الدولة العربية أو تلك واستنزافها فإن العدو يعمل بفعالية على إذكاء النيران المشتعلة ولا يريد طبعاً لهذه الصراعات أن تتوقف، وهو سينتهز أي فرصة لاستغلال الانهيارات في النظام العربي وهدم حدود الكيانات وإشعال الجميع بحروب داخلية ليجد في الوقت المناسب فرصته لملء الفراغات وتحقيق المزيد من المكاسب على الأرض.
إن للدول الغربية (أوروبا والولايات المتحدة خصوصاً) مصالحها الضخمة في المنطقة وفي ثرواتها النفطية وفي موقعها الاستراتيجي كصلة وصل بين آسيا وأفريقيا والقارة الأوروبية، لكن لإسرائيل أيضاً والحركة اليهودية العالمية أجندتهما الخاصة في المنطقة على الدوام وهناك توافق وتكامل دائمان (وليس صراع) بين الأجندتين. ولا يوجد أي شك أن الصهيونية العالمية التي تمتلك تأثيراً كبيراً على سياسات الكثير من الدول الغربية ليست غائبة عن الجروح النازفة المفتوحة في سوريا أو في العراق أو في غيرهما من دول المنطقة العربية.

الفرار-من-الجحيم-a
الفرار-من-الجحيم

جذور «الربيع العربي»
حقيقة الأمر أنه مع زوال الشرعيات السياسية التي ورثت الحكم العثماني، وإجهاض الآمال بقيام الدولة العربية الحديثة (والموحدة) قامت ديكتاتوريات عسكرية وإدارات فاشلة للاقتصاد والموارد فنجم عن تلك التجربة تضييع فرص كبيرة وتراكم مشاكل اجتماعية وحالات حقد طبقي أو اجتماعي، كما إن النخب السياسية العسكرية الفاشلة والفاسدة لم تتردد عندما بدأ وضعها يزداد حراجة في استخدام العامل الطائفي وتقسيم الشعب وتحريض فئاته بعضها ضد البعض بحيث يتحول انتباه الناس عن المشكلات الاجتماعية وعن نهب البلاد إلى الاقتتال الداخلي فتصبح كل طائفة خائفة من الأخرى ويمد النظام الفاشل في عمره بذلك وفق سياسة فرّق تسد وهي نفسها التي طبقها النظام الاستعماري السابق. نتيجة لتلك السياسات الفاشلة والمدمرة تحولت المنطقة مع الوقت إلى برميل من البارود الذي نشهد انفجاره منذ سنوات وانفتحت بذلك في اعتقادنا المرحلة التالية والحاسمة لاستكمال عملية التفتيت التي وضعت خطوطها العريضة في مطلع القرن الماضي وما زال العمل عليها جارياً حتى الآن.

حروب التقسيم
لقد كانت معاهدة “سيفر” سنة 1922 مؤشراً ساطعاً على الكيفية التي تنظر بها دول الغرب إلى منطقة الشرق الأوسط أي باعتبارها مشاعاً لا صاحب له. لقد جرى تمزيق أعظم إمبراطورية وأكثرها حضارة واستقراراً في التاريخ وتوزيع كيانها بصورة إعتباطية كمغانم بين الدول التي اعتبرت حليفة للغرب في الحرب العالمية الأولى. وهذه الوحشية في وضع الخرائط والخبث في قتل الدول واغتصاب الثروات لم تتبدل في الجوهر ولا يغرَّن أحد كل تلك المظاهر الخادعة من أمم متحدة واتحاد أوروبي ودموع تماسيح ولا يخدعنَّ أحد بمعسول الكلام الذي يرِد من صوبهم، فالذي نراه أفصح من أي كلام والأعمال على الأرض تشير إلى أن عملية التفتيت دخلت مرحلة جديدة هي أخطر مرحلة في تاريخ العرب الحديث.
إن هناك اتفاقيات غامضة بين الدول الكبرى فحواها أن معاهدة “سايكس بيكو” والحدود السياسية التي رسمت يومها لم تنجح وأنه لا بدّ من إعادة رسم الخارطة في المنطقة وفق معايير جديدة وهذه المعايير -المناسبة تماماً للكيان اليهودي – هي معايير الدول الطائفية بل المذهبية.
كان الاحتلال الأميركي للعراق إشارة إنطلاق أساسية لمرحلة التفتيت الجديدة، فقد تم دون أي سبب مفهوم حلّ الجيش العراقي بمجرد الدخول الأميركي وتمت بعد ذلك تصفية الإدارة الحكومية والمدنية تحت ذريعة “استئصال البعث” وتمّ تشجيع التنافس والشكوك المتبادلة بين مكونات العراق والتفريط الفضائحي بثروة البلد وتسيّب منابع النفط وجعلها نهباً للقوى المؤثرة. ولعب الشحن المتصاعد في العراق دوراً كبيراً في تفجير الساحة السورية، وها هو المشهد اليوم وقد استقر على انهيار الحدود السيادية ودفع أكبر دولتين من حيث الثروات وحجم السكان إلى أتون الحروب العرقية والمذهبية والخراب الاقتصادي، وإذا أضفنا إلى كل ذلك الحرب الأفغانية والحرب اليمنية والحروب الليبية واضطرابات سيناء وشلل الوضع اللبناني واللامبالاة التامة بكل تلك الملفات وكل ما يجري من مآس إنسانية في المنطقة، بل ترك الأمور تزداد انهياراً وتآكلاً فإنه من المنطقي التساؤل عن الأهداف الحقيقية من وراء هذا “التدمير الخلاق” المنهجي الذي وُعِدنا به قبل سنوات، لكننا ربما بدأنا اليوم فقط ندرك أبعاده المرسومة ونتائجه البعيدة.
إن العنوان العريض لأزمات المنطقة هو حروب اقتتال داخلية تتم تغذيتها وإطالتها دون أي حل بهدف استكمال عملية تفتيت الدول وهدم الكيانات السياسية وتدمير الاقتصاد وأسباب معيشة السكان، وخلق أزمة إنسانية خانقة تفرض على مئات الألوف من أبناء المنطقة وأسرها ولاسيما ذوي المستويات العلمية والكفاءات المهنية منهم الهجرة إلى أوروبا وإلى دول الغرب عموماً.

الغزو-الأميركي-للعراق-نقطة-الانطلاق-لمشروع-الشرق-الأوسط-الجديد
الغزو-الأميركي-للعراق-نقطة-الانطلاق-لمشروع-الشرق-الأوسط-الجديد

لماذا أحبطوا تسوية الأزمة السورية
لقد أصبح واضحاً أن العالم الغربي والدول المؤثرة ولاسيما الكبرى منها قررت ترك الأزمات في الشرق الأوسط من العراق إلى سوريا إلى اليمن وأفغانستان وليبيا دون أي اهتمام بإيجاد حل، وقد سلّط الوسيط الدولي في الأزمة السورية والرئيس السابق لفنلندا مارتي أنتيساري Martti Ahtisaari الضوء ساطعاً على تلك الحقيقة عندما كشف مؤخراً لصحيفة «الغارديان» البريطانية أنه توصل مع الروس في العام 2012 إلى تفاهم يقومون فيه بدور في بلورة تسوية سياسية للحرب الأهلية في سوريا، لكن دول الغرب وتحديداً فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة تجاهلت تقرير الوسيط الدولي، ورفضت بالتالي اقتراحه السيرَ بالتسوية، ودلّ ذلك في نظر الوسيط نفسه على أن دول الغرب لم تكن تريد تسوية الأزمة السورية كما إنه من غير المطلوب حل الأزمة الوطنية في العراق، ولا في اليمن ولا في ليبيا لأن الهدف في هذه المرحلة هو إطالة الأزمات (في المناطق النفطية أو ذات الأهمية الإستراتيجية) وتمديد المأزق سنوات وسنوات لا يتم خلالها تمكين أي طرف من حسم الأمر لأن المطلوب هو استرهان الجميع، وتفاقم الثمن البشري والاقتصادي وبلوغ الأزمات والانهيار الوطني مرحلة اللاعودة تمهيداً لرسم «حدود الدم» بين الدويلات واستكمال عملية التفتيت ووضع اليد على المنطقة وعلى نفطها.

التدمير الخلاق
خلال حرب تموز التي شنتها إسرائيل على لبنان في العام 2006 أطلقت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس ورئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت من تل أبيب تعبير «الشرق الأوسط الجديد» وأعلنت رايس وأولمرت للصحافة الدولية أن هناك مشروعاً لشرق أوسط جديد قد بدأ تنفيذه، وأن إشارة الانطلاق لهذا المشروع هي لبنان.
جاء تصريح وزيرة الخارجية الأميركية بمثابة تأكيد على خارطة طريق أنغلو أميركية إسرائيلية للمنطقة استغرق العمل عليها سنوات، ويتلخص المشروع في خلق حالة من العنف والفوضى الخلاقة وعدم الاستقرار والحروب المحلية تمتد من لبنان وفلسطين وسوريا مروراً بالعراق وإيران والخليج العربي وحتى أفغانستان، وذكرت أوساط المشروع يومها أن الهدف من توسيع دائرة العنف في المنطقة بأسرها هو تمكين بريطانيا والولايات المتحدة وإسرائيل من «إعادة رسم خارطة المنطقة» بما يلائم الحاجات الجيوستراتيجية والاقتصادية لتلك الدول. من هنا تعبير «حدود الدم» التي تعني الحاجة إلى رسم الحدود الجديدة على قاعدة العنف الشامل والكثير من الدم والقتل والتدمير، ربما وفق حالة باكستان والهند التي كانت بريطانيا أيضاً مهندستها في أربعينات القرن الماضي.
يومها تلقى مشروع كوندوليزا رايس تأييداً حماسياً من المحافظين الجدد الذين كانوا قد سيطروا على السياسة الخارجية وسياسات الدفاع للولايات المتحدة إبان عهد الرئيس جورج دبليو بوش، وأعلن البروفسور اليهودي مارك لفين أن إدارة الرئيس بوش سوف تطلق موجة من «الدمار الخلاق» Creative destruction باعتبار ذلك السبيل المناسب لإنتاج «النظام العالمي الجديد» واعتبر فيلسوف المحافظين الجدد ومستشار الرئيس بوش اليهودي مايكل لدين أن خطة الرئيس بوش للنظام العالمي الجديد «ستطلق قوة رهيبة وثورية للدمار الخلاق».

عمران-مدمّر-وطريق-مفتوح-إلى-دروب-الهجرة-الواسعة
عمران-مدمّر-وطريق-مفتوح-إلى-دروب-الهجرة-الواسعة

خرائط جديدة
في العام نفسه الذي شهد إطلاق رايس والمحافظين الجدد لشعار «الشرق الأوسط الجديد» (وهو عام الحرب على لبنان عام 2006) بدأ التداول في أوساط حلف شمال الأطلسي بخارطة أولية لـهذا «الشرق الأوسط الجديد»، وأعلن يومها أن الخارطة تمّ وضعها من قبل الكولونيل الأميركي رالف بيترز وتمّ نشرها أولاَ في مجلة القوات المسلحة الأميركية. ورغم أن الخارطة لم يتم تبنيها من البنتاغون الأميركي، فقد تمّ تدريسها ضمن برنامج تدريب لقوات الناتو في معهد الدفاع المخصص لكبار ضباط قوات الحلف. ويعتقد ان الخارطة تمّ رسمها بناء على خرائط أخرى سابقة كان يتم التداول بها في أوساط البنتاغون وبعض دوائر حلف شمال الأطلسي.
المراقبون والمحللون الذين تأمّلوا في خارطة “الشرق الأوسط الجديد” كما يتم تداولها في أوساط حلف شمال الأطلسي لاحظوا كيف تمّ حصر مناطق النفط كلها في دويلة في شرق المملكة السعودية مع مد حدودها لتشمل قسماً من خوزستان في إيران (حيث معظم النفط الإيراني) وكيف تم إنشاء دولة شيعية في العراق في مناطق النفط الجنوبية ودولة كردية في مناطق النفط الشمالية وهو سيناريو يرمي إلى حرمان كل من إيران والعراق والمملكة السعودية، أكبر دول المنطقة وأغناها، من نفوطها وحصر تلك الثروة الإستراتيجية في دويلات تسيطر عليها شركات النفط الأميركية والدولية.
بالطبع قد تكون الخارطة المشار إليها من باب التهويل أو بالونات الاختبار، لأن هناك خرائط أخرى مختلفة نشرت منها في مجلة “أطلانطيك” القريبة من اليمين الأميركي تضمّنت تقسيماً مختلفاً وخلق مزيد من الدويلات المذهبية، لكن مجرد إبراز موضوع الخرائط الجديدة ضمن شعار «الشرق الأوسط الجديد» ليس بريئاً، فهو بمثابة بيان إلى الدول المعنية بأن مصيرها قيد البحث في مراكز القرار الدولية والغرف المغلقة، وأن “الدمار الخلاق” الذي نشهده يعم المنطقة بأسرها وحالة التجاهل الدولية له أمران لا ينفصلان عما يبدو أنه حروب تفتيت ما هو قائم تمهيداً لإعادة تجميع القطع وإعادة رسم معالم الدول والمجتمعات وفق الخطط المرسومة.

أوروبا تستورد السكان
لاحظوا هذا الشغف اليهودي بتعبير «الدمار» مع إضافة وصف «الخلاق» إليه بهدف تجميله في نظر صانعي السياسات وإعطاء النوايا الجهنمية طابع الإدارة العقلانية و«البناءة» للصراعات، وكأننا بهؤلاء المنظرين يهيئون العالم للمشاهد الرهيبة التي نراها اليوم في نشرات الأخبار. لقد استوحى المسؤولون الإسرائيليون من تعابير كوندوليزا رايس والمحافظين الجدد حجم التدمير الشامل الذي انهالوا فيه على لبنان إبان حرب تموز 2006 وقد وقف قائد جيش الدفاع الإسرائيلي يومها محاطاً بأركان المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ليعلن أمام وسائل الإعلام وبعنجهية الواثق أن إسرائيل “ستعيد لبنان واقتصاده خمسين سنة إلى الوراء”.
إذا نظرنا إلى ما يحدث في العراق وفي سوريا وفي اليمن وفي ليبيا فإننا نجد أمثلة لافتة مشابهة على حجم «الدمار الخلاق» الذي وعدت به بلدان المنطقة، وقد تميزت الحرب في سوريا وفي العراق بقدر هائل من التدمير لمساكن المدنيين وللقرى وقدر أكبر من العنف الوحشي وعمليات التهجير ضد السكان الأبرياء، كما تميزت بعنف على الأقليات المسيحية وغير المسيحية التي كانت تعطي لمجتمعات الشرق الأوسط (وهي مهد الديانات السماوية الثلاث ومثوى أنبياء البشرية ومستودع إرثها الروحي والثقافي) طابع التنوع الحضاري والشرعية التاريخية، وبسبب تكاثر القوى المتقاتلة وتبدل المواقع وتحرك خطوط الجبهات وشمول الحرب مناطق شاسعة من العراق ومن سوريا فقد تكونت موجات نزوح داخلي ونزوح خارجي غير مسبوقة في تاريخ الشرق الأوسط، إلا ربما أثناء حرب فلسطين ثم احتلال إسرائيل للضفة الغربية وكذلك أثناء حرب الهند وباكستان وبعدها حرب انفصال بنغلادش.. وباتت أنباء الزوارق والغرقى وحشود النازحين على حدود هذه الدولة الأوروبية أو تلك تتصدر نشرات الأخبار في وسائل الإعلام الدولية أو في وسائل التواصل الاجتماعي.
هنا يبدو الجانب الخلاق للتدمير الشامل للمنطقة وتفتيتها في شكل آخر غير متوقع هو الفوائد الكبيرة التي اكتشفت أوروبا أن في إمكانها أن تجنيها من بحر البؤس والأهوال الذي ألقي فيه سكان مناطق النزاع، وهذا ربما أحد الأسباب التي تفسر حجم اللامبالاة بالأثمان الإنسانية لاستمرار الأزمة، وعدم وجود أفق واضح حول متى وكيف يمكن لهذه الكارثة البشرية أن تنتهي!!
إن أوروبا وأكثر الدول «المتحضرة» في الغرب تتصرف كما لو أنها على علم بخطوط المأساة الجارية وبأن هناك خطة مقررة للمنطقة يتم تنفيذها بالدم، وهذه الخطة ليست لها مصلحة في مقاومتها أو التصدي لها، وهي لذلك تسعى للإفادة من «الفرص» التي تفتحها المأساة وترحيل (بمعنى الترانسفير Transfer) مئات الألوف (وربما الملايين إذا امتدت الأزمة وتفاقمت أوضاع النازحين المعيشية) إلى بلادها بسبب حاجتها الاقتصادية الماسة إلى العمالة وتعزيز نسبة الشباب في تكوينها السكاني الهرم.
إن أكبر عملية نقل للسكان في تاريخ المنطقة تتم في وضح النهار لأن أوروبا في حاجة ماسّة إلى حل مشكلة النقص الخطير في السكان وما يجرّ إليه من نقص بنيوي في العمالة يمكن بعد سنوات أن يهدد اقتصاد العديد من دولها. ويجب التوقف هنا أمام خطاب ألقاه رئيس الاتحاد الأوروبي جان كلود جونكر في البرلمان الأوروبي في 11 أيلول/ سبتمبر حثّ فيه الدول الأوروبية على استقبال النازحين السوريين ومن أهم ما قاله «إن علينا أن ننظر إلى أزمة النازحين ليس كمشكلة بل كمورد» وكان جونكر يعني بذلك أن علينا أن نعتبرهم مورداً بشرياً مهماً للاتحاد الأوروبي وهو لذلك طالب بأن يسمح للنازحين بدخول سوق العمل فور وصولهم إلى بلدان الإستقبال.

الحل-لمشاكل-الشرق-الأوسط-حسب-الكولونيل-رالف-بيترز-والبنتاغون-خلق-دول-طائفية-والسيطرة-على-نفط-إيران-والسعودية-والعراق
الحل-لمشاكل-الشرق-الأوسط-حسب-الكولونيل-رالف-بيترز-والبنتاغون-خلق-دول-طائفية-والسيطرة-على-نفط-إيران-والسعودية-والعراق

تدمير سبل العيش
يجب أن نتذكر أن موجات النزوح المتزايدة من سوريا ومن بلدان مثل العراق واليمن وليبيا ليست هجرات اقتصادية طوعية، وذلك لأن استيراد هذه الأمواج البشرية بمئات الألوف سنوياً لا يمكن أن يتم في ظروف السلم والاستقرار الاقتصادي التي كانت تعيشها بلدان المنطقة بل نراه يحصل على خلفية تعميم الموت وزوال الأمن والتدمير المنهجي للاقتصاد وتهجير السكان وتدمير البيوت، وهو ما يؤدي إلى سد سبل العيش والعمل أمام المواطنين ولاسيما الأسر الشابة ويدفعها إلى حالة من اليأس تجعلها في نهاية المطاف تقطع علاقتها العاطفية ببلدها وتندفع نحو الهجرة بأي وسيلة. .
إن وضع سوريا يمثل هنا حالة نموذجية على تطبيق تام وشامل لأساليب «الدمار الخلاق». فقد جاء في تقرير أعدّه المركز السوري لأبحاث السياسات بالتنسيق مع الأنروا والـ UNDP في آذار/مارس الماضي أن الخسائر المباشرة للاقتصاد السوري تقدّر بأكثر من 143.8 مليار دولار وأنه حتى لو توقفت الحرب في سوريا الآن وعاد الاقتصاد السوري لينمو بمعدل وسطي سنوي قدره 5% فإن سوريا تحتاج إلى ما لا يقل عن 30 عاماً لكي تعود إلى المستوى الذي كانت عليه في العام 2010. (لنتذكر تهديد إسرائيل بـ «إعادة لبنان 50 سنة إلى الوراء” فالتشابه ليس من قبيل الصدفة).
لقد أدت الحرب في مناطق النزاع إلى تدمير تام للقاعدة الصناعية وإلى انهيار الأعمال والإفلاسات وهروب الرساميل والنهب الواسع النطاق للأعمال والشركات والمنازل. نتيجة لذلك تعمّمت البطالة (أكثر من 54% في سوريا) وانتشر الفقر وباتت أكثرية الناس خصوصاً في المناطق المغلقة غير قادرة على إيجاد قوتها وقوت أطفالها ناهيك عن انهيار خدمات المياه والكهرباء أو التعليم والعناية الصحية. ويؤدي هذا المزيج من الخوف وتناقص أساسيات العيش إلى موجات نزوح داخلية وإلى الخارج في كل اتجاه سواء من مناطق الصراع في العراق أم في سوريا أو غيرهما من البؤر المتفجرة. وحسب الإحصاءات التي أوردها تقرير المركز السوري والأنروا فإن 9 ملايين سوري اضطروا لترك منازلهم إما إلى داخل سوريا وإما إلى البلدان المجاورة أو ما يتعداها.
لكن اللاجئين المقيمين حالياً في لبنان أو في تركيا أو في الأردن أو غيرها من البلدان هم تجمعات غير مستقرة ويمثلون البيئة المناسبة لتجنيد المزيد من المهاجرين إلى أوروبا أو الولايات المتحدة أو غيرهما. ولا بدّ من الملاحظة أن النازحين السوريين أو غيرهم يلقى بهم في اوضاع اقتصادية بائسة تزيد ضعوط التفكير بالهجرة عليهم، بدليل أنه بينما يزداد عدد النازحين يومياً منذ بداية الأزمة الإنسانية فإن المساعدات المقدمة من المصادر الدولية لتمويل العناية بهم وإغاثتهم تشهد تراجعاً مطرداً (راجع الرسم البياني).

الوسيط-الدولي-السابق-مارتي-أهتيساري-كشف-عن-أن-الغرب-لم-يكن-راغبا-في-حل-الأزمة-السورية
الوسيط-الدولي-السابق-مارتي-أهتيساري-كشف-عن-أن-الغرب-لم-يكن-راغبا-في-حل-الأزمة-السورية

 

 

 

مستشار الرئيس بوش وواضع نهج التدمير الخلّاق مايكل لدين
مستشار الرئيس بوش وواضع نهج التدمير الخلّاق مايكل لدين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خلاصة
إن الوصف الواقعي لما يمرّ به الشرق العربي حالياً من «دمار خلاق» هو عنوان لحروب تقسيم وتهجير وتفتيت للدول وأن الهدف الحقيقي من كل ذلك هو «تحرير» النفط من السيادات السياسية عبر تحطيم وحدة الدول وإزالة الكيانات الحاضنة لتلك الثروات أو إعادة رسم معالمها. إن الهدف هو إقامة دويلات طائفية ومذهبية وعرقية تنزع الشرعية عن الدول المستقرة وتفتح الباب بالتالي أمام تداول رعاة التدمير الخلاق في كيفية تقاسم الأسلاب الدسمة.
يبقى الانتباه إلى نقطة أساسية في هذا المشهد المحزن وهو أن عمليات الترحيل والتهجير (والتطهير المذهبي أو العرقي) التي باتت أسلوباً «مباحاً» في سياق الصراعات الدموية بين المكونات العربية المتناحرة الآن وشريعة الغاب التي لا تحترم عهداً ولا ذمة، قد يكون أحد أهدافها -أو أحد فوائدها- هو خلق الذرائع أو السوابق العامة التي قد تتيح لإسرائيل حسم مشكلة باتت تقضّ مضجعها وهي مشكلة الأقلية العربية في فلسطين والتي باتت في طريقها للتحول إلى أكثرية عرقية ودينية قد تفقد إسرائيل أهم مبررات اعتبار نفسها دولة يهودية. وإذا كان العرب يلجأون اليوم إلى عمليات التهجير والترحيل المتبادلة على أساس مذهبي أو ديني أو عرقي فلماذا لا تكون لإسرائيل الحجة أو الذريعة لاستثارة النزاعات نفسها داخل فلسطين عبر إطلاق عنان المتطرفين اليهود والمنظمات اليهودية الفاشية ضد السكان العرب وخلق ما يشبه «حرب أهلية مبرمجة» داخل فلسطين يتم في خضم فوضاها وحجم القتل الذي يرافقها تطبيق حل التسفير Transfer الذي بات أحد الأهداف المعلنة للعديد من الأحزاب الأساسية الإسرائيلية، وهو على الأرجح الهدف الكامن للدولة العبرية التي سيكون لها هي تعيين التوقيت المناسب لمشروع بهذا الحجم والتمهيد لتسويق نتائجه الكارثية المتوقعة.

رئيس-البنك-الدولي-يقول-أن-موجات-اللاجئين-مفيدة-للاقتصاد-العالمي
رئيس-البنك-الدولي-يقول-أن-موجات-اللاجئين-مفيدة-للاقتصاد-العالمي

التصريح-الفضيحة لرئيس البنك الدولي:
أزمة اللاجئين مفيدة للاقتصاد الدولي!

فيما تستمر أزمات المنطقة ومسلسل الدمار والدم والنزوح الجماعي على حاله وسط عدم اكتراث واضح من الدول الكبرى المؤثرة، نشر رئيس البنك الدولي الأميركي (الكوري الأصل) جيم يونغ كيم مقالاً امتدح فيه «الفوائد الكثيرة» الناجمة للإقتصاد العالمي وخصوصاً دول أوروبا «الهرمة» من التدفقات اليومية للاجئين السوريين وغيرهم.
الذي يقرأ المقال الذي استغرق أكثر من 4 صفحات وتضمن تحليلات حول فوائد استقبال اللاجئين يدهش لغياب أي إشارة إلى المحنة السورية ولا إلى ضخامة الأزمة الإنسانية والتدمير الحاصل على كل الجبهات، كأنما كل هذه الكارثة الإنسانية غير المسبوقة مجرد تفصيل أمام الموضوع الاقتصادي الذي يلفت رئيس البنك الدولي ويثير اهتمامه. فتدمير بلدان بكاملها مسألة فيها نظر لأن الأهم هو ما ينتج الآن من فوائد للغرب ومن فرص اقتصادية من بحر العذاب الإنساني.
وجاء في رسالة رئيس البنك الدولي أن فتح الباب أمام اللاجئين الفارين من الحروب المدمرة في المنطقة يعتبر «إستراتيجية ذكية، خصوصاً خلال هذه الفترات من النمو الاقتصادي العالمي المنخفض، لأن البلدان التي ترحب باللاجئين وتساعد بلداناً أخرى بشكل منتج على استضافتهم، ستكون قد فعلت ما هو صواب، سواء لأخوانهم في الإنسانية الذين يعانون، أو للإقتصاد العالمي الذي سينمو بقوة أكبر على المديين المتوسط والطويل».
كلام رئيس البنك الدولي كان سبقه تصريح رئيس الاتحاد الأوروبي في اجتماع للبرلمان الأوروبي دعا فيه إلى التعامل مع أزمة اللاجئين ليس كمشكلة بل كـ «فرصة» مشدداً على الدور الذي يمكن لموجات اللاجئين أن تسهم به في حل مشكلة نقص العمالة وتلبية حاجات الاقتصاد الأوروبي.

تزايد عدد النازحين وتناقص المعونات
تزايد عدد النازحين وتناقص المعونات

وكالة غوث اللاجئين
أم وكالة “تسفير”؟

تلعب الوكالة الدولية لغوث اللاجئين دوراً مفيداً في عملية تصدير المهاجرين من كتلة النازحين البؤساء، إذ إنها تقوم بتجميع قاعدة بيانات عن ملايين النازحين السوريين والعراقيين وغيرهم في أماكن تجمعهم ولجوئهم.
فعن طريق تقديم المساعدات الغذائية والمدرسية والصحية وغيرها يتم وضع استمارات شاملة عن كل نازح رجلاً كان أم امرأة واستمارات عن عدد الأولاد ومؤهلهم الدراسي وغير ذلك من المعلومات المهمة بما فيها الوضع الصحي وأرقام الهواتف الخليوية التي يمتلكها النازحون والتي باتت أفضل وسيلة للإتصال بهم من ممثلي سلطات الهجرة في هذا البلد أو ذاك.
المهم أن قاعدة البيانات المفصلة التي وضعتها وكالة غوث اللاجئين يمكن للمؤسسات المختصة باستقدام المهاجرين في الدول الأوروبية،الوصول إليها واستخدامها للاتصال بمن تراهم مؤهلين للهجرة وهناك العديد من النازحين الذين يتم الاتصال بهم بهدف عرض الهجرة عليهم وأسرهم وهناك أيضاً سماسرة سوريون في العواصم الأوروبية يجرون الاتصالات بأقاربهم ومعارفهم لتسهيل انتقالهم إلى المهاجر الجديدة.

في-مركز-لاستقبال-المهاجرين-في-بودابست---هنغاريا
في-مركز-لاستقبال-المهاجرين-في-بودابست—هنغاريا

وجهة نظر ألمانية
الأوروبيون في حاجة إلى المهاجرين

مقتطفات من مقال للكاتب الألماني إيان بورما الذي يدرّس في معهد بارت في نيويورك وهو يشدّد بوضوح على الفائدة التي تجنيها أوروبا من أزمات اللجوء واللاجئين لسدّ النقص في سوق العمل وتعويض النقص المتفاقم في عدد السكان هنا أبرز ما جاء في مقاله:

إنه لشعور مبهج حقاً ذلك الذي يتملك المرء عندما يصل إلى ألمانيا، حيث يحمل مشجعو كرة القدم لافتات ترحب باللاجئين من الشرق الأوسط الذي مزقته الحرب. لقد أصبحت ألمانيا أرض الميعاد الجديدة لليائسين والمسحوقين، الناجين من الحرب والنهب والسلب.
ومن المتوقع أن يدخل ألمانيا هذا العام نحو 800 ألف لاجئ، ولا عجب في أن ميركل تريد من البلدان الأوروبية الأخرى أن تستقبل المزيد من اللاجئين في إطار نظام إلزامي للحصص.

“الهجرة المنظمة إلى بلدان الاتحاد الأوروبي ضرورة ليس لأسباب عاطفية
بل لأن أوروبــــا تحتاج إليها”

ربما كان المزاج في ألمانيا المعاصرة استثنائياً. ذلك أن استقبال اللاجئين، أو أي مهاجرين، لم يكن قط بالمهمة السياسية السهلة. ففي ثلاثينيات القرن العشرين، عندما كان اليهود في ألمانيا والنمسا في خطر مميت، كانت قِلة من البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة الثرية، على استعداد لاستقبال أكثر من حفنة من اللاجئين. وسمحت بريطانيا بقدوم نحو 10 آلاف طفل يهودي في عام 1939، في اللحظة الأخيرة، ولكن فقط شريطة أن يكونوا تحت رعاية كفلاء محليين وأن يتركوا آباءهم من ورائهم.
بيد أن التركيز بشكل شبه كامل من قِبَل الساسة ووسائل الإعلام على أزمة اللاجئين الحالية يحجب قضايا أوسع نطاقاً تتعلق بالهجرة، ذلك أن صور أسر اللاجئين البائسين وهم ينجرفون في البحر تحت رحمة المهربين الجشعين ورجال العصابات من الممكن أن تلهم بسهولة مشاعر الشفقة والرحمة (وليس فقط في ألمانيا). ولكن أغلب الناس الذين يعبرون الحدود الأوروبية بحثاً عن عمل وبناء حياة جديدة لا ينتمون إلى هذه الفئة.
يسود الإفتراض على نطاق واسع بأن المهاجرين من داخل أو خارج الاتحاد الأوروبي هم في الأساس فقراء تركوا ديارهم لكي يعيشوا على أموال الضرائب التي يدفعها أثرياء نسبياً. والواقع أن أغلبهم ليسوا متطفلين فهم بكل بساطة يريدون العمل وكسب الرزق. ومن السهل لذلك أن ندرك الفوائد التي قد تعود على البلدان المضيفة من قدومهم، فالمهاجرون الاقتصاديون يعملون عادة بقدر أعظم من الجدية في مقابل قدر أقل من المال مقارنة بالعاملين المحليين وقد لا يصبّ هذا في مصلحة الجميع بكل تأكيد: فالإشارة إلى الفوائد المترتبة على العمالة الرخيصة لن تقنع الأشخاص الذين قد تتأثر أجورهم سلباً، والأسهل حسب كثيرين في أوروبا هو إلتماس الرحمة للاجئين من إبداء الاستعداد لقبول المهاجرين الاقتصاديين، حتى في ألمانيا.

أوروبا في حاجة إلى المهاجرين
في عام 2000، كان المستشار الألماني غيرهارد شرودر راغباً في إصدار تأشيرات عمل لنحو عشرين ألف خبير في مجال التكنولوجيا المتقدمة، وكان كثيرون منهم قادمين من الهند. وكانت ألمانيا في حاجة شديدة إليهم، ولكن شرودر قوبِل بمعارضة سريعة ومفاجئة، حتى إن أحد الساسة صاغ شعاراً يقول «(إنجاب) الأطفال بدلاً من (استقدام) الهنود».
ولكن الألمان، مثلهم في ذلك كمثل غيرهم من مواطني البلدان الثرية، لا ينجبون العدد الكافي من الأطفال. وتحتاج هذه البلدان إلى المهاجرين الذين يتمتعون بطاقة الشباب والمهارات اللازمة لشغل الوظائف التي قد لا يتمكن أو لا يرغب المحليون في شغلها لأي سبب كان. ولا يعني هذا أن كل الحدود لا بدّ أن تكون مفتوحة للجميع. ولا بدّ من تطبيق فكرة الحصص التي طرحتها ميركل على المهاجرين الاقتصاديين أيضاً.
ولكن حتى الآن، لم يأت الاتحاد الأوروبي بسياسة متماسكة بشأن الهجرة. فبوسع مواطني الاتحاد الأوروبي أن ينتقلوا بحرية داخل الاتحاد (تريد بريطانيا أن توقف ذلك)، ولكن الهجرة الاقتصادية من البلدان خارج الاتحاد الأوروبي، في ظل ظروف تُدار بعناية ودقة، مشروعة وحتمية وليس هذا لأن المهاجرين يستحقون التعاطف من قِبَل الأوروبيين، بل لأن الأوروبيين يحتاجون إليهم.

نحن والسرطان

نحن والسرطان

لم يحصل في التاريخ الحديث أن بلغ السرطان
درجة الانتشار الفظيعة التي نشهدها الآن

الحلقة المفقودة ما زالت في التركيز على العلاجات
دون وجود أي سياسات وطنية للوقاية من المرض

من حق المريض أن يعرف مخاطر وتكلفة العلاج الكيماوي
ولا بد من التشجيع على استخدام العلاجات البديلة والجديدة

أطباء السرطان يرفضون العلاج بالكيمو إن أصيبوا
فلماذا إذن يستمرون في تقديمه لمرضاهم

«سرّ النجاح في أي تجارة هي أن تكتشف الحيلة التي تجعل من زبونك زبونا لمدى الحياة»
(مثل أميركي)

اللبنانيون محاصرون بالسرطان، المرض الذي لم يكن الناس يستسيغون تسميته أو كانوا يعتقدون أنه يحدث فقط للآخرين يقترب كل يوم من البيوت ويخترق الأسر وينشر الخوف في كل مكان. وهناك أكثر من دليل إحصائي وعياني يؤكد أن حالات السرطان في تزايد وإن احتمال الإصابة به بات أعلى بالنسبة للفرد كما إنه بات يظهر في مختلف الأعمار.
مع ذلك فإن السرطان في حدّ ذاته ليس هو العدو، بل العدو الحقيقي هو الجهل به وبالعوامل التي تسببه، كما إنه شبكة الاستنزاف الطبي والصيدلاني الذي يقع فيها المريض بمجرد إبلاغه بالمرض. مع العلم الأكيد أن العلاجات المقدمة حتى الآن وأهمها العلاج الكيماوي أو الإشعاعي ليس فقط أثبتا فشلهما في معظم حالات المرض المستعصية بل إن الدراسات العلمية باتت تؤكد أنهما يتسببان غالباً في تنشيط السرطان ويساعدان على انتشاره هذا إضافة إلى نتائجهما المدمرة على جهاز المناعة وعلى الحياة الطبيعية للمريض.
إن المأساة الكبرى لمرضى السرطان ليست في مرضهم بل في استمرار المؤسسة الطبية بتقديم علاج فاشل وباهظ التكلفة ومدمر للحياة إسمه الكيمو وهذا رغم الإدانة المتزايدة لهذا الأسلوب من أوساط علمية وطبية، ورغم التقدم الكبير الذي حصل في فهم أسباب ظاهرة السرطان ودور العناصر الطبيعية والغذائية وبعض الفيتامينات والمكملات الغذائية في توفير علاجات أكثر فعالية واقل تكلفة، ولا تحمل آثاراً جانبية على جسم المريض وعلى حياته الطبيعية، وكذلك رغم التقدم الذي حصل في ميدان الطب ولاسيما في تطوير مقاربات بديلة للكيمو وللعلاج الإشعاعي والتقدم الحاصل في مجال تطوير أدوية للسرطان «موجهة» أي أنها تصيب الخلايا الخبيثة دون الخلايا السليمة.
لقد تمّ تطوير نظام الكيمو انطلاقاً من غاز الخردل وغيره من الغازات السامة التي استخدمت في الحرب العالمية الأولى وتوافر منها مخزونات هائلة أثناء الحرب العالمية الثانية، وقد اكتشفت القيادات العسكرية بالصدفة تأثير الغازات السامة في تقليص حجم بعض الأورام، وأجريت بعد ذلك تجارب عدة أفضت إلى تبني منوعات من الغاز السام بعد تعديل تركيبته في تصنيع أدوية السرطان وتمّ ذلك ابتداء من خمسينات القرن الماضي، ورغم التطور الهائل في العلوم الطبية فقد استمر المرضى منذ سبعين عاماً يتلقون نفس الفئة من الأدوية السامة دون تطوير يذكر وبقي التركيز على محاولة «تسميم» الخلايا السرطانية عبر أدوية تبين أن نجاحها الأول هو في تسميم الخلايا الصحيحة والسليمة وأنها على العكس قد تسهم في أكثر الأحيان في تنشيط الخلايا السرطانية.
إن الحلقة المفقودة في مواجهة السرطان هي في استمرار التركيز على العلاج بعد أن تكون المصيبة قد وقعت دون وجود أي اهتمام لا من المؤسسة الطبية ولا من الدولة بتزويد العامة بفهم أفضل للمرض وتطوير ثقافة صحية عامة تنقل التركيز من العلاج إلى الوقاية أولاً. وبالنسبة لملايين الأصحاء الذين لا يعانون اليوم من المرض فإن المسؤولية الأولى هي أخذ السرطان على محمل الجد وعدم التوهم بأنه يحدث للآخرين فقط وبالتالي تطبيق سياسات وقاية وأنظمة حياة وتغذية تبعد احتمال الإصابة، لأن الأولى هو دفع الضرر قبل حصوله فذلك أسهل واقل تكلفة بكثير. ونحن نتوجه من على منبر «الضحى» بنداء إلى معالي وزير الصحة لإطلاق حملات وطنية للتوعية في سبيل اجتناب مرض السرطان والوقاية منه وتنظيم أسبوع وطني سنوي يستقطب أبرز الدارسين وخبراء الصحة العامة والبيئة والتغذية ولا يقتصر بالتالي على الأطباء، بل ينبغي في اعتقادنا إدخال مادة الصحة العامة إلى المقررات المدرسية وتوعية الجيل الناشئ بالمخاطر الحديثة التي باتت تتهدد الصحة ومن بينها العوامل المسببة لمرض السرطان.
في انتظار ذلك النوع من المبادرات وبسبب أهمية الموضوع وما نراه يومياً من لوعة المرضى وذويهم وحالة القنوط التي تنتشر في كل بيت يسقط عليه المرض فقد رأينا أن نعدّ هذا الملف الأولي على سبيل توفير منطلق لفهم المرض وسبل مواجهته بل والتغلب عليه عبر الاستفادة من المروحة الواسعة من الخيارات العلمية المجربة والمتزايدة ومن التطور الكبير في أبحاث السرطان والتي باتت تتجاوز بأشواط العلاج التقليدي المسيطر حتى الآن. وقد بات مؤكدا أن السرطان يجب أن لا يخيفنا وأن الأمر يمكن أن يكون في يدنا، لكن علينا أولاً أن نتزود بالمعرفة والأمل وأن لا نسقط في دوامة الخوف وشلل الإرادة فنستسلم للعلاجات التقليدية الوحيدة المعروضة علينا والتي ثبت أن ضررها أكثر بكثير من منفعتها وأنها لا تقدم شفاء للمريض بل تهدم صحته وتستنزف ماله خصوصاً مع الارتفاع الهائل في أثمان تلك العلاجات المزعومة.
إننا نرحب بتلقي المساهمات من القرّاء ومن الباحثين والأطباء ونعلن أن هدفنا هو إثارة نقاش صحي حول هذا الموضوع الحيوي وبناء قاعدة معارف عامة وتبادل تجارب تعين الذين قد يتعرضون للمرض وتحافظ على معنوياتهم وتوفر لهم سبل الاختيار والإبقاء على أمرهم بيدهم ونحن نؤكد على حق المريض بأن يعلم وأن يطلع على كل المخاطر التي تكتنف العلاج الكيماوي مثلاً وحقه في أن يعرف النسب الحقيقية للنجاح وأن يفهم طريقة تسعير الخدمات والأدوية وأن يعرف أيضاً أن هناك في الطب الحديث نفسه خيارات بدأ العمل بها وهي أقل ضرراً فضلاً عن خيارات البدائل الطبيعية التي يتم دوماً طمسها لكونها رخيصة الثمن ولا يمكن تسجيل حقوق وبراءات بشأنها، فهي لذلك لا تدر الأرباح على الشركات الصانعة التي سيطرت على قطاع الصحة والدواء في العالم.

” “الضحى” تطلق الدعوة إلى تنظيم أسبوع سنوي للسرطان للتوعية بطرق الوقاية ودور التغذية والعلاجات الجديدة

ما هو السرطان؟
السرطان كغيره من الأمراض هو مؤشر على حصول خلل أساسي في نظام العمل الطبيعي للجسم وبصورة خاصة في نظام المناعة وقدرة الجسم على تنظيم دفاعاته بالصورة المعتادة، وهناك حسب ما يشير العلم الحديث خلايا سرطانية نائمة أو خلايا قابلة للتحول إلى سرطانية في جسم كل إنسان والذي يقرر ما إذا كانت تلك الخلايا ستتحول إلى أورام خبيثة هو مجموعة كبيرة من العوامل الغذائية والنفسية والبيئية. والأرجح أن مرض السرطان لم يكن معروفاً لدى الأقدمين وقد أجريت أبحاث استغرقت ثلاثين عاماً على ألوف من المومياءات والهياكل العظمية والرفات البشرية في عدد كبير من الحضارات القديمة وكانت النتيجة أنه لم يعثر على أثر لمرض السرطان فيها بإستثناء حالات معدودة، وقد دفعت تلك النتائج الباحثين للتأكيد على أن مرض السرطان مرض حدث مع الحضارة وهو إحدى نتائجها وليس مقدراً في بيولوجيا الإنسان وليس بالتالي لعنة على البشرية.
حتى لو سلّمنا بأن بعض أنواع السرطان وجدت في الماضي فإن الأكيد هو أنه لم يحصل في تاريخ البشر أن بلغ السرطان درجة الانتشار التي نشهدها الآن، وعلى سبيل المثال فإن 30% من الأميركيين سيصابون بأحد أعراض السرطان في مرحلة ما من حياتهم، وهذه نسبة مخيفة ربما لم نبلغها بعد في لبنان، لكن ما لم يتم الوعي بالعوامل المسببة للمرض وتطوير ثقافة وقاية حقيقية فإن حالات السرطان هي مؤكداً في ازدياد.
لقد أهملت المؤسسة الطبية لسنوات طويلة أسباب السرطان لتركز فقط على ترويج العلاجات الفظيعة التي تم طرحها وهي العلاج الكيماوي أو بالأشعة أو بجراحات الاستئصال. لكن في تلك الأثناء كان العلم نفسه وآلاف الأبحاث التي تصدر كل عام تميط اللثام عن المسببات المباشرة في نظام حياتنا المعاصر لمرض السرطان ولغيره من الأمراض التي لا تقل خطورة مثل الألزهايمر أو أمراض القلب والشرايين وأمراض جهاز المناعة وغيرها.

المسببات
لقد بتنا نعلم مثلاً أن قسماً كبيرا من الـ 80,000 من المنتجات والعناصر الكيميائية التي قامت الصناعة بإنتاجها خلال القرن الماضي يؤدي الاحتكاك بها إلى تحولات في الجينات البشرية تتسبب بالسرطان، والكثير من تلك العناصر مثل الـ BPA والـ Phthalate وغيرهما الموجودة في معظم أواني البلاستيك وفي عبوات المياه البلاستيكية يقلد وظائف الأستروجين وهي لذلك تتسبب في السرطان. وهذه العناصر الكيميائية موجودة بنسب هائلة في الأطعمة التي نتناولها وفي الهواء الذي نتنفسه وفي المياه التي نشربها وفي عدد لا يحصى من المنتجات الصناعية التي نستخدمها في منازلنا مثل المنظفات والشامبو والمواد الحافظة والكيماويات العطرية والكثير من مواد التجميل.
وهناك الإشعاعات التي نتلقاها من بعض الأجهزة مثل أجهزة الفحص بأشعة أكس أو أجهزة السبر المغناطيسي CT scan وغيرها من الفحوص بالأشعة مثل الماموغرام وهناك موجات المايكروويف من أجهزة الخليوي ومن «الوايفاي» ومن هوائيات محطات الخليوي التي ثبت أنها تسبب السرطان وهي موجودة بين البيوت وعلى أسطح البنايات في كل مكان، وفي لبنان هناك أسباب إضافية ناجمة عن فوضى استخدام الهورمونات في الخضار على أنواعها وفي تربية الدواجن والحيوانات اللاحمة ومونوغلوتومات الصوديوم MSG والمحليات الصناعية ولا سيما الأسبرتايم Aspartame في معظم المشروبات والعديد من الأطعمة فضلاً عن استخدام المبيدات الكيماوية (الممنوعة دولياً أحياناً) من دون مراعاة شروط الاستخدام مثل عدم إنزال الفاكهة أو الخضار إلى السوق قبل انقضاء مدة التحريم الخاصة بكل مبيد كيميائي، واللائحة طويلة وكل هذه العوامل أثبت العلم أنها تتسبب بالسرطان أو تساعد على انتشاره لأنها تتدخل في عمل الجسم وفي وظائف جهاز المناعة.

كيمو-على-أنواعه
كيمو-على-أنواعه

الدكتور طوني ليشع
الدكتور طوني ليشع هو خريج كلية الطب في جامعة مكغيل McGill في مونتريال- كندا شغل منصب رئيس قسم الطب الداخلي وامراض القلب في معهد مونتريال لأمراض القلب،عضو الجمعية الأميركية لطب تنقية الدم Chelation Therapy اختصاصي في طب الـ EECP ، عضو الأكاديمية الأميركية لمقاومة الشيخوخة، رئيس الجمعية اللبنانية للطب الوقائي، ومدير مركز مقاومة الشيخوخة والطب الإحيائي في جونية – لبنان. له مؤلفات طبية عدة بالعربية والإنكليزية.

إلى ما سبق، يجب أن نضيف التغيرات الكبيرة في النظام الغذائي والذي تمّ بسببه التحوّل بصورة كبيرة نحو السكريات وخصوصاً فركتوز الذرة العالي الحلاوة المنتج من شراب الذرة والموجود في معظم الأطعمة المعلبة والمشروبات والحلويات، وقد أصبح ثابتاً أن أي نظام غذائي غني بالفركتوز والسكريات يعتبر عاملاً منشطاً لتطور الخلايا السرطانية لأن السكر يشجع على توالد الخمائر Yeast والالتهابات Inflammations مولداً بذلك بيئة مثالية لنمو السرطان، ولهذا السبب فإن نظاماً غذائياً يقوم على اجتناب السكريات تماماً والإكثار من الخضار والدهون الصحية والبروتين، بات يعتبر مكوناً أساسياً من أي برنامج لمساعدة المريض على اجتناب السرطان. وعلى مكافحته ومنع تطوره في حال الإصابة.

خلايا-في-رئة-سليمة--إلى-اليسار--وخلايا-رئة-مصابة-بالسرطان--
خلايا-في-رئة-سليمة–إلى-اليسار–وخلايا-رئة-مصابة-بالسرطان–

طب السرطان متأخر خمسين سنة
لكن رغم هذه الحقائق العلمية ورغم تزايد عدد الأبحاث التي تربط بين السرطان وبين عدد من المسببات الغذائية أو البيئية التي تحيط بنا بل وتحاصر حياتنا فإن القطاع الطبي في العالم عموماً وفي لبنان لم يتطور إطلاقاً ليستوعب تلك الحقائق ولم يطور أساليبه وفشل بصورة كبيرة في التكيّف لإدخال الحقائق العلمية الجديدة في استراتيجيات مكافحة السرطان. فالحل الأول الذي يفرض على أي مريض تبينت إصابته بالسرطان هو العلاج الكيماوي Chemotherapy وذلك دون أي نظر إلى ما يمكن أن يساهم في تقوية مناعة المريض أو ما يمكن للمريض نفسه أن يقوم به للمساعدة في مكافحة المرض من خطوات غذائية أو علاجات رديفة. وأكثر أطباء السرطان تمّ تكوينهم علمياً وتدريبهم طبياً لكي تكون مهمتهم هي فقط تسويق العلاج الكيميائي أو العلاجات المكلفة الأخرى مثل العلاج الإشعاعي أو الجراحات.
لا يمكن في الحقيقة الفصل بين ما يجري في أروقة المستشفيات تجاه مرضى السرطان وبين ما حدث لمهنة الطب والصناعة الدوائية عموماً على مدى العقود الماضية. فقد شهدنا سيطرة تامة للعامل التجاري على القطاع الطبي وغياب البعد الإنساني الذي كان الناس يتوسمونه في أطباء الأجيال السابقة، وتحول الطب إلى مهنة تجارية الهدف منها تحقيق أعلى قدر من المداخيل التي يمكن أن تمول طموح الطبيب الاقتصادي والمعيشي. وقد لا يكون هناك ضير في أن يسعى الطبيب لتحصيل مستوى معيشي لائق، لكن المشكلة تطرح عندما لا يعود هذا الطبيب مهتماً إلا بتحصيل المال بأي وسيلة ولو على حساب صحة المريض. هناك اليوم آلاف العمليات التي تجري في المستشفيات دون أن يكون المريض في حاجة إليها وقد تضاعفت عشرات المرات عمليات الـ CT scan رغم خطرها في التسبب بالسرطان وكذلك فحوصات الـ MRI من الفحوصات المكلفة التي باتت مصدر دخل أساسياً للمستشفيات وللطبيب وهناك العمولات على ترويج الأدوية والإغراءات المقدمة من شركات الدواء للأطباء على شكل سفرات سياحية ودعوات إلى مؤتمرات وغير ذلك في مقابل ترويج أدوية معينة جديدة أو متداولة. لكن المثل الأول على التواطؤ بين صناعة الدواء والمؤسسة الطبية نجده في العلاج الكيميائي لمرضى السرطان.

كيف يمكن لعلاج سام يحدث هذه المفاعيل أن يستمر استخدامه رغم فشله
كيف يمكن لعلاج سام يحدث هذه المفاعيل أن يستمر استخدامه رغم فشله

 

تجارة الـ Chemo
فالذي لا يعرفه مريض السرطان وربما أغلب الناس هو أن الطبيب المعالج يتقاضى ربحاً كبيراً على كل حقنة Chemo يحقنها في جسمه وهذا الأمر لا يصرّح به الطبيب طبعاً وغير معروف للمصاب الذي يعتقد أن العلاج جزء من إجراءات المستشفى، بل يمكن القول إن طبيب السرطان لا يحقق دخله كطبيب من شفاء أي مريض (ولا يوجد لدى أي من أطباء السرطان سجل يمكن أن يباهي به في نسبة الشفاء) ولكن دخله الحقيقي يأتي من بيع أدوية السرطان الفاشلة والمدمرة للمرضى!!
في الولايات المتحدة نشرت إحصاءات تشير إلى أن متوسط الدخل السنوي لطبيب السرطان يزيد على 235,000 دولار وأن أكثر من نصف هذا الدخل وربما الثلثين يأتي من «بيع» حقن الكيمو إلى المرضى وضخها في أجسادهم.
لذلك، فإن على مريض السرطان أن يعلم أن الطبيب المعالج سيعرض عليه الكيمو ليس لأنه الأسلوب المناسب لشفائه بل لأن هذا الأخير يتقاضى ربحاً كبيراً من شركة الأدوية على تسويقه. وقد يكون أحد الأسئلة التي يمكن أن يطرحها من المريض على الطبيب المعالج هو: ما هي حالات الشفاء التي تمكنت من إنجازها في معالجة السرطان؟ أليست وظيفة الطبيب شفاء المريض؟ أليس عمله في الطب قائماً على ادعاء القدرة على شفاء المرضى؟؟
إن سجل الشفاء بأسلوب الكيمو تقريباً غير موجود وما نعلمه أن المريض يبدأ العلاج في وضع صحي عادي رغم السرطان لكن حاله تبدأ في التدهور بعد تلقي العلاج بسنة أو سنتين أو ربما أكثر إلى أن يصل إلى حال محزنة قبل أن يلقى حتفه في حالة من الانهيار الصحي والنفسي والذهني التام..

أخطر من السرطان
المشكلة هنا هي الانطباع الشائع بأن المريض تسوء حاله بسبب تطور المرض وعدم تجاوب جسمه بالتالي مع العلاج، لكن ما لا يعرفه أغلب الناس هو أن السبب الأول في تدهور حالة المريض هو علاج الكيمو نفسه وليس المرض الأصلي. لذلك بات من الممكن القول إن مريض السرطان يموت عادة من العلاج وليس من المرض وذلك للأسباب التالية:
• إن العلاج الكيميائي ذو سموم عالية وهو يؤدي إلى تسميم بعض خلايا السرطان لكنه في المقابل يؤدي إلى تسميم الجسم والخلايا الصحيحة ويؤدي بفعل ذلك إلى تدمير جهاز المناعة.
• إن العلاج الكيميائي لا يتمكن غالباً من قتل الخلايا السرطانية كلها ولاسيما «الخلايا الجذعية» (أنظر الموضوع: محاولة في فهم السرطان)،التي تعتبر هي المولدة للخلايا الأخرى، لهذا فهو لا يتمكن من استئصال الأصل السرطاني للورم بل فقط يؤثر على جزء منه وغالباً ما يتسبب في انتشاره لاحقاً.
• إن علاج الكيمو بسبب هدمه لجهاز المناعة يساعد على انتشار سرطانات ثانوية أخرى في أنحاء الجسم، وهذا العامل هو في أساس ظاهرة الانتشار المفاجئ للسرطان في أعضاء عدة من جسم المريض بعد سنوات من العلاج بالكيمو وهو ما يمهد عادة للمرحلة النهائية والمميتة من المرض.

” العناصر المسببة للسرطان موجودة في آلاف المنتجات الكيماوية وفي الأطعمة والمياه التي نتناولها وفي الهواء الذي نتنفسه وفي عدد لا يحصى من المنتجــــات المستخدمة منزلياً  “

الكيمو ليس علاجاً
إن الغالبية الكبيرة من الدراسات بما في ذلك تلك الصادرة عن المؤسسات الطبية أو الصيدلانية تؤكد إن الكيمو ليس علاجاً للسرطان. إن الرسم البياني المرفق يقدّم أدلة دامغة على تلك الحقيقة، إن مصدر الأرقام المذكورة هو أحد أبرز مراكز أبحاث السرطان في أستراليا على الفعالية الضعيفة وأحياناً المعدومة للعلاج بالكيمو في شفاء معظم حالات السرطان المعروفة
ذلك أن الدراسة التي قامت بها مجموعة من مراكز الأبحاث والهيئات العلمية بقيادة مركز أبحاث السرطان لشمال مدينة سدني في أستراليا استهدفت معرفة فعالية العلاج الكيميائي في «مد عمر» المصاب بالسرطان لمدة خمس سنوات وليس تحقيق الشفاء الكامل. وقد استغرق إعداد الدراسة 14عاماً وتناولت 154,971 مصاباً بالسرطان في الولايات المتحدة وأستراليا كما شملت الدراسة بحث تأثير العلاج الكيميائي في 22 نوعاً من السرطانات ونشرت نتائج البحث في مجلة أبحاث السرطان وهي أبرز دورية للأبحاث السرطانية في أستراليا في كانون الأول 2004.
وقد جاءت النتيجة الإجمالية صادمة فعلاً إذ لم ينتج عن العلاج الكيميائي سوى نسبة «نجاح» لم تتجاوز 2.3% لمجموع الحالات بينما كانت النسبة صفراً في عدد كبير من الحالات المعروفة مثل سرطانات البنكرياس والمثانة والكلي والرحم والجلد والعظم والبنكرياس وغيرها. ويجب التذكير مجدداً بأن المقصود بـ «النجاح» هنا ليس شفاء المريض بل ما سمته الدراسة «مد عمر المريض خمس سنوات» وهذا التعبير ملتبس لأنه يفترض أن مد عمر المريض يعود إلى الكيمو ولا يعطي أي فضل لدور جهاز المناعة نفسه، ولم يقم مركز الأبحاث الاسترالي بدراسة لاحقة لمعرفة كم من الأشخاص الذين بقوا على قيد الحياة خمس سنوات بعد إصابتهم بالسرطان كانوا قد شفيوا منه وكم منهم تمكّن من أن يعيش 10 سنوات مثلا بعد العلاج وما هي «نوعية الحياة» التي تمتع بها بعد ذلك؟ فالمعروف أن التأثير السلبي للعلاج الكيميائي يبدأ بالظهور بعد عدة سنوات من تلقي العلاج وهو غالباً ما يأخذ شكل حالة من انهيار قوة الجسد وترد في عمل الجهاز العصبي وضعف في التركيز وأنواع سرطان ثانوية وانتشار أسرع للمرض ووصوله إلى مرحلته النهائية Metastasis حيث لا يعود ينفع فيه أي شيء. وينعكس العلاج الكيميائي بتأثيرات خطرة على عمل القلب والأوردة وعلى عدد من الأعضاء مثل الكلى والعظام. وإذا أخذنا في الاعتبار معدل الانتكاس في حالات السرطان وتأثير العلاج الكيميائي في إضعاف بل تدمير جهاز المناعة وتدمير الحياة الطبيعية، فإن نسبة النجاح البسيطة المحققة قد تصبح أقرب إلى الصفر لو تمت متابعة حالة المرضى بضع سنوات أخرى إضافية بعد العلاج.

“أكثر أطباء السرطان تم تكوينهم علميا وتدريبهم لتسويق العلاج الكيميائي وهم لا يظهرون أي اهتمام بدور الغذاء والمناعة والعلاجات الرديفــــــة”

الدكتور أيبل يدين الكيمو
في مطلع التسعينات من القرن الماضي شن طبيب ألماني مشهور هو الدكتور أولريخ إيبل حملة عنيفة على المؤسسة الطبية بسبب إصرارها على الاستمرار في استخدام الكيمو رغم عدم وجود أي أدلة على فعاليته، مشيراً إلى أن علاج الكيمو لم يحمل أي منفعة في 80% من الحالات وأنه في جميع تلك الحالات كان بلا أي قيمة تذكر . المهم هو أن الدكتور إيبل أدلى برأيه بعد أن قام بمسح شامل استغرق سنوات طويلة وتضمن سؤال نحو 350 من مؤسسات العناية بالسرطان في ألمانيا أن تزوده بالنتائج التي حققتها.
يجب هنا الإشارة إلى أن أطباء معارضين للكيمو مثل رالف دبليو موس يشيرون إلى أن الكيمو أثبت بعض الفعالية في حالات مثل اللوكيميا اللمفوسيتية الحادة Acute Iymphocytic leukemia ومرض هودجكنز Hodgkin’s disease ونوع معين من سرطان الخصيتين وأنواع أخرى نادرة الحدوث من المرض لكن كل هذه الحالات لا تمثل حسب رأي موس أكثر من 2 أو 4% من جميع الحالات السرطانية مما يعني أن نحو 96 أو 98% من الحالات مثل سرطان الثدي والقولون والرئة والبنكرياس والكبد وغيرها فشل فيها الكيمو في تقديم أي علاج للمريض.

علاجات تسبب السرطان!!
إن المأزق الحقيقي الذي يواجه العلاجات التقليدية للسرطان ليس فقط في أنها ليست علاجاً للمرض ولا وسيلة للشفاء منه بل إنها وحسب ما كشفت جملة من الدراسات المهمة تتسبب بالسرطان، والمدهش أن هذه الدراسات موجودة ومعروفة منذ سنوات طويلة لكن صدورها لم يبدل إطلاقاً في أساليب العلاج، إذ يستمر ضخ السم المزدوج للكيمو أو للعلاج الإشعاعي في أجساد المرضى في تجاهل تام لتلك الدراسات. وكانت المجلة ذات السمعة العلمية The New England Journal of Medicine نشرت في عددها الصادر في 10 كانون الثاني 2002 دراسة أظهرت أن تجارب استخدام الكيمو في علاج مرض سرطان الرئة المتقدم لم تساهم في إطالة عمر المريض أكثر من شهرين. وأضافت المجلة القول: إنه بينما حققت بعض أدوية الكيمو بعض التقدم فإن ما قد يبدو نجاحا في التجارب الأولية داخل المختبر غالباً ما يفضي إلى خيبة أمل عند تطبيق الدواء الجديد على عدد أوسع من مرضى السرطان إذ تنخفض نسبة النجاح عندها إلى أقل من النصف.
إن المشكلة الأساسية حسب المجلة هي أن الكيمو والعلاج الإشعاعي يتسببان في خلق خلايا جذعية للسرطان، مما يعني أنهما في الوقت الذي يسعيان فيه لمعالجة السرطان فإنهما عملياً يتسببان به، إذ إن خلايا السرطان الجذعية تعمل على توليد خلايا سرطانية جديدة وهي في الوقت نفسه مقاومة للكيمو والأشعة ربما لأنها بسبب طبيعتها الجذعية قادرة على ترميم الجينات المتضررة والتخلص من سموم العلاج.

خلايا-سرطانية-في-البنكرياس
خلايا-سرطانية-في-البنكرياس

” ما لا يعرفه المريض هو أن الطبيب المعالج يتقاضى ربحاً كبيراً على كل حقنة Chemo وان له بالتالي مصلحة أساسية في استمرار العلاج المكلف إلى أطول وقت ممكن  “

أطباء السرطان يرفضون الكيمو!!
إحدى المفارقات اللافتة والتي باتت متداولة بين الأوساط المشككة بفعالية العلاج الكيميائي هي الاستفتاء الذي أجراه باحثون في مركز Mcgill للسرطان في مونتريال كندا قبل سنوات وتناول 118 طبيباً من المتخصصين في السرطان وأحد الأسئلة التي وجهت إلى الأطباء كان إذا كان أحدهم يقبل بالخضوع إلى العلاج الكيميائي في حال يتبين له أنه مصاب بمرض السرطان. وكانت المفاجأة أن 75% من الذين أجابوا على الاستفتاء قالوا إنهم لن يقبلوا بالخضوع للعلاج الكيميائي أو بإخضاع أفراد أسرهم له لأنه «غير فعال كعلاج» ولأنه «سام جداً لجسم الإنسان»..
بالطبع جاءت نتيجة الاستفتاء لتؤكد ما أصبح معروفاً في الأوساط الطبية والعلمية وهو أن العلاج الكيميائي لا يشفي السرطان ولا يطيل عمر المريض بل على العكس هو يؤدي إلى تدمير جهاز المناعة وغالباً إلى تقصير عمر المصاب، لكن الأمر المدهش كان أن يأتي تأكيد تلك المعلومة من الأطباء أنفسهم الذين يدفعون المرضى بالسرطان دفعاً لتقلي العلاج الكيميائي. وبالطبع يمكن لأي مصاب بهذا المرض أن يسأل نفسه: إذا كان الطبيب المعالج للمرض لا يقبل في أكثر الحالات بالخضوع لهذا العلاج المدمر فلماذا يستمر في وصفه لمرضاه؟ وأي ثقة يمكن أن تبقى للمرضى بالمؤسسة الطبية وبجدوى الخضوع لمثل تلك العلاجات؟
السبب الحقيقي هو جني المال رغم علمهم بعدم فعالية العلاج، ونحن نفكر أحياناً كيف يمكن لطبيب السرطان أن ينظر مباشرة في عيون مريضه دون أن يرف له جفن وهو يعلم أنه يعطيه سما لن يفلح في علاجه بل قد يعجل في أجله؟؟ وغالباً ما يجري إيهام المريض بأن هناك احتمالاً بنسبة 50% مثلاً بأن ينجح الكيمو لذلك يتعلق المريض بنسبة الـ 50% وهي نسبة مضللة ويعلم الطبيب أنها غير صحيحة، ثم وعندما يتبين للمريض أن النجاح بعيد المنال فإنه مع ذلك يستمر في استخدام الكيمو وتطول مدته والمهم أن الطبيب يحصل على العمولة السخية. وهناك بعض المرضى الذين تمكنوا من علاج مرضهم بسبب مساعدة وسائل طبيعية وأنظمة غذاء أجبروا على متابعة العلاج الكيميائي الذي يسمى في تلك الحال «علاجاً وقائياً» Maintenance Chemotherapy أي أنه ضروري «للحؤول دون ظهور المرض مجدداً». وهذه فكرة عجيبة تعني أن كل من يصاب بالسرطان سيصبح زبوناً للطبيب المستفيد من بيع الكيمو طالما هو على قيد الحياة، مع العلم أن الهدف المفترض هو إعطاء فرصة للمريض لكي يشفى ولكي تكون له بعد الشفاء حياة طبيعية. وبالطبع فإن النتيجة المحتومة لاستمرار العلاج هي تدمير ما تبقى من جهاز المناعة وهو ما يوازي حكماً الموت البطيء لكنه موت مربح طالما ان تسجيل فواتير العلاج وأخذ العمولات من بيع الأدوية الباهظة الثمن.

خلايا-سرطانية-في-الدم
خلايا-سرطانية-في-الدم

أرقام مخيفة
يعتبر مرض السرطان بين أهم أسباب الوفاة في العالم وقد مات بسببه في العام 2012 نحو 8.2 ملايين إنسان. والسرطان من الأمراض الأكثر نمواً في العالم، إذ يتوقع ان ترتفع حالات الإصابة بالمرض من 14 مليوناً في العام 2012 إلى 22 مليون إصابة سنوية في العقدين المقبلين. أما السرطانات الرئيسية المتسببة بالوفيات فهي سرطان الرئة وسرطان الكبد والمعدة والقولون وسرطان الثدي لدى النساء. ويعتبر التدخين أكبر العوامل المسببة للمرض إذ إن 20% من الوفيات تعود إلى سرطان الرئة ويشكل المدخنون 70% من مجمل الوفيات بسرطان الرئة. وأكثر من 60% من حالات السرطان الجديدة تظهر الآن في أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية كما إن 70% من حالات الوفاة بسبب السرطان تحصل في تلك المناطق.

ما العمل؟
ليس هدف هذا المقال إعطاء أجوبة، بقدر ما هو إثارة أسئلة مشروعة تحتاج إلى جواب، ولا بدّ للجواب أن يأتي من المختصين، ولحسن الحظ فإن هناك عدداً كبيراً من الأطباء والعلماء الذين أدانوا العلاجات التقليدية باعتبارها فاشلة ومدمرة ولا تأتي بأي خير للمصاب وإن كانت تدر الأرباح الهائلة على شركات صنع الأدوية والجسم الطبي ومؤسسات العناية. ويكفي هنا التذكير بأن أطباء السرطان أنفسهم يرفضون بأكثريتهم الساحقة الخضوع للكيمو في حال تعرضهم أو أحد أفراد أسرتهم للسرطان. لكن هل يعني ذلك أن يتمكن المريض من أخذ العبرة وأن يرفض بدوره أن يخضع للكيمو؟ الأمر ليس بهذه السهولة في الوقت الحاضر لأن المؤسسة الطبية بكل ثقلها ما زالت تدعم استخدام الكيمو وقد لا توجد الشجاعة أو الثقة لدى المريض الخائف لرفض استخدام الكيمو لأنه يشعر بالضعف والخوف وهو يميل لأن «يتعلق بحبال الهواء» كما يقال، وهذه الحالة النفسية، وعدم الوعي بالنتائج الوخيمة للكيمو، هما اللتان تقودانه غالباً إلى القبول به أو بالأشعة. لكن هل وصل الوضع الى هذه المرحلة من اليأس ؟ إطلاقاً فالأكيد أن مجموعة كبيرة من العلاجات الرديفة والبديلة بدأت تفرض نفسها في مجال علاج السرطان وهذا هو موضوع الفصل التالي من هذه المقالة.

أطباء معترضون

«إن فكرتهم عن الأبحاث العلمية هي النظر في ما إذا كان إعطاء المـــريض جرعتين من الســمّ أفضل من إعطائه ثلاث جرعات»

الدكتور غلن وارنر
أحد أشهر أطباء العلاجات البديلة
للسرطان في الولايات المتحدة

كيف-يدفع-مريض-السرطان-دفعا-للخصوع-إلى-الكيمو---كاريكاتور
كيف-يدفع-مريض-السرطان-دفعا-للخصوع-إلى-الكيمو—كاريكاتور

لاقى استخدام العلاج الكيميائي أو الإشعاعي على الدوام معارضة شديدة من عدد كبير من الأطباء النزيهين الذين لم يترددوا في التعبير بصراحة عن إدانتهم لهذه العلاجات والاستمرار في إعطائها للمرضى رغم ثبوت فشلها، وقد أصبح الهدف الوحيد من الحفاظ عليها هو الاستثمارات الكبيرة التي وضعتها الشركات في تطوير أدوية السرطان وحاجة تلك الشركات الى تحقيق أقصى ما يمكن من الأرباح من الإستمرار في بيعها.
قبل أعوام نشر الدكتور حون دايموند مقالاً دحض فيه الادعاءات القائلة بأن العلاج الكيميائي أثبت فعاليته في علاج سرطان الغدد اللمفاوية (مرض هودجكنز) كاشفاً أن المرضى الذين تلقوا العلاج زاد بنسبة 14 ضعفاً احتمال إصابتهم بسرطان الدم (لوكيميا) كما زاد بنسبة 6 أضعاف احتمال إصابتهم بسرطان العظم أو المفاصل أو الأغشية الطرية (المعدة والجهاز الهضمي).
وكان أحد أشهر أطباء السرطان في الولايات المتحدة وهو الدكتور غلن وارنر قرر التحول إلى العلاجات البديلة في محاولة شفاء السرطان وحقق نجاحاً كبيراً في ذلك. وقد أدلى بالرأي التالي في شأن العلاج الكيميائي إذ قال:»إن لدينا صناعة بمليارات الدولارات منهمكة في قتل الناس يميناً وشمالاً لمجرد تحقيق الأرباح المالية، إن فكرتهم عن الأبحاث العلمية هي النظر في ما إذا كان إعطاء المريض جرعتين من السم أفضل من إعطائه ثلاث جرعات».
ويقول الدكتور آلن نيكسون الرئيس السابق للجمعية الكيميائية الأميركية :«كخبير كيميائي يقوم بتحليل البيانات والمعطيات فإنه من غير المفهوم البتة بالنسبة لي كيف يستمر الأطباء في تجاهل الأدلة القاطعة التي تؤكد أن العلاج الكيميائي يسبب ضرراً يفوق بكثير منفعته المزعومة» بينما يقول الدكتور تشارلز مايذ الخبير الفرنسي في أمراض السرطان: «لو حصل أن أصبت بمرض السرطان فإنني لن أقبل أبدا الذهاب إلى أحد مراكز علاج السرطان إذ وحده المريض الذي يبقى بعيداً عن تلك المراكز يملك فرصة حقيقية للبقاء على قيد الحياة».
أما الدكتور آلن لفين فقال:إن معظم مرضى السرطان في هذا البلد (الولايات المتحدة) يموتون من علاج الكيمو وليس من السرطان. وما نعرفه هو أن الكيمو لا يقتل سرطان الثدي أو القولون أو الرئتين، إلا أن الأطباء لا يزالون يصفون الكيمو لعلاج تلك السرطانات. وفي كتابه «متى يتوقف القتل» كشف المؤلف ديك ريتشارد عن أن عمليات تشريح لعدد من مرضى السرطان الذين توفوا أظهرت أنهم ماتوا من تأثير العلاجات التي تلقوها قبل أن يتمكن المرض منهم.
الدكتور بيتر غليدن أحد أشهر أطباء أميركا يستغرب أيضاً الاستمرار في إخضاع مرضى السرطان لعلاج الكيمو الذي فشل في «97% من الحالات» ويقول غليدن إن المشكلة هي أن السرطان مرض معقد ومتعدد الأسباب ويحتاج بالتالي إلى مقاربة متكاملة بينما يقتصر الكيمو على التعامل مع كل أنماط السرطان بأسلوب واحد وهو التركيز على أعراض المرض لا غير. مضيفاً القول: السبب الوحيد هو أن الكيمو مربح لصناعة الدواء وللأطباء الذين يصفونه. وحسب غليدن فإنه لو طرحت شركة «جنرال موتورز» سيارة تنفجر أو تحترق في 97% من الحالات فهل كان سيوجد إنسان عاقل واحد يشتريها؟؟»
الدكتور روبرت أتكنز صاحب نظام التغذية المشهور بإسمه The Atkins Diet علّق ذات يوم على موضوع السرطان بالقول:هناك علاجات عديدة للسرطان لكن لا أحد يريدها لأنها لا تعد بأرباح، وكان يقصد بذلك العلاجات الطبيعية الفعالة والتي لا تكلف الكثير ولا تحقق الأرباح للشركات المهتمة فقط بتسويق الأدوية الباهظة الثمن وهي أدوية غير فعالة لكنها تحقق للشركات أرباحاً هائلة سنوياً.

محاولة لفهم السرطان

الخلايا-الجذعية-للسرطان-غالبا-ما-تنجو-من-العلاج-بل-وتكتسب-مقاومة-ضد-الكيمو
الخلايا-الجذعية-للسرطان-غالبا-ما-تنجو-من-العلاج-بل-وتكتسب-مقاومة-ضد-الكيمو

ولمـــاذا فشلت العلاجـــات التقليديـــة

أعنقـــد جازماً أننا بدأنا نبتعد عن علاج الكيمــو ونقترب أكثر نحــو العلاجـات الجزيئيــة Molecular الموجــهة بــدقة لخــلايا المرض»
(د. مارتن تالمان، رئيس قسم اللوكيميا في مركز سلون كترينغ للسرطان)

أدت الإكتشافات العلمية التي حصلت في السنوات الأخيرة إلى تبديل جذري في النظر إلى السرطان وإلى فهم أفضل بكثير لطبيعته ولكيفية نشوئه، وفي الوقت نفسه للكيفية التي تتعامل بها خلايا السرطان مع العلاجات التقليدية الرائجة ولاسيما العلاج الكيميائي والعلاج بالأشعة.
نتيجة لتلك الأبحاث تبيّن أن السرطان ليس مجرد توالد عشوائي لبعض خلايا الجسم بل هو عبارة عن مجموعات منظمة للغاية وقادرة على بناء شبكة الأوعية الدموية التي تمدّها بالدم angiogenesis كما أنها قادرة على أن تدافع عن نفسها من خلال إسكات أو تعطيل الجينات المقاومة للسرطان في نظام المناعة وهي تفرز أنزيمات خاصة تسمح لها بالإنتقال بحرية في الجسم كما تساعدها على البقاء في بيئة مفتقرة للأوكسيجين وعالية الحموضة، كما إن خلايا السرطان تعلمت كيف تنزع عن غلافها اللاقطات receptors التي تسمح للكريات البيضاء باكتشافها ومهاجمتها. بسبب تلك الاكتشافات فقد بات ينظر إلى السرطان ليس كنمو عشوائي بل كتشوه تطوري أو تحوّلي mutationalله قوانينه واستراتيجيته.
لكن الحقيقة الأهم التي كشفت عنها الأبحاث العلمية هي الدور الذي تلعبه الخلايا الجذعية Cancer stem cells في نمو المرض، وقد أصبح مؤكداً أن الأورام السرطانية تحتوي على عدد كبير من الخلايا الحميدة التي لم تتحول إلى سرطانية، بينما يعتبر الجزء الأخطر منها متمثلاً بـتلك «الخلايا الجذعية» السرطانية والتي هي التي تتسبب بتوالد جميع أنواع الخلايا الموجودة في ذلك النوع من الورم السرطاني، لذلك فإن من المهم أن يتمكن العلاج من إستهداف تلك الخلايا الجذعية ليس فقط لأنها السبب الأهم في انتشار السرطان Metastasis بل هي أيضا السبب الأول في انتكاسة المريض وتدهور حالته بعد الخضوع للعلاج.
ونظراً الى أن الأورام السرطانية ليست مجرد نتيجة لخلايا متحولة Mutant تقوم بنسخ نفسها بل هي مركبات معقدة من مجموعات متنوعة من الخلايا التي لكل منها خصائصها، فإن مرض السرطان لا يمكن اعتباره مرضاً واحداً، فلكل حالة سرطانية خصائصها التي يجب فهمها من أجل تصميم العلاج المناسب، لكننا نجد أن العلاجات التقليدية ما زالت ومنذ عشرات السنين لا تميز بين سرطان وآخر بل تعامل كل السرطانات بنفس الأسلوب وهذا هو السبب الأول في فشلها.
إن إحدى الخصائص الأساسية للخلايا الجذعية المسؤولة عن توالد وانتشار السرطان هي أنها تتمتع بمقاومة شديدة للعلاج، وسبب ذلك هي أنها غالباً ما تكون مختبئة في مجموع خلايا الورم السرطاني وهناك على سبيل المثال خلية سرطان جذعية واحدة في كل 10,000 خلية عادية ضمن السرطان المستهدف، ما يجعل من الصعب تدمير تلك الخلايا (وهي العدو الحقيقي) دون تدمير أكثرية الخلايا المكونة للورم.
وبصورة عامة، فإن العلاجات التقليدية بالأشعة أو العلاج الكيميائي تستهدف الخلايا العادية التي تمثل جسم الورم، وهذه الخلايا لا يمكنها توليد خلايا جديدة على عكس الخلايا الجذعية غير المحددة.
إن وجود الخلايا الجذعية في أصل انتشار وتوالد خلايا السرطان هو الذي يفسر لماذا فشلت العلاجات التقليدية حتى الآن في معالجة أصل المرض وليس مظاهره السطحية، وفي أكثر الحالات فإن الجولة الأولى من العلاج بالكيمياء لا تتوصل أبداً إلى قتل جميع الخلايا السرطانية بل إلى قسم منها وهذا يدعى في طب السرطان «القتل الجزئي»، عندها فإن الهدف يكون في استخدام جرعات متكررة من العلاج الكيميائي أو الإشعاعي (عادة ست جولات) بهدف خفض الخلايا السرطانية إلى الصفر من دون قتل المريض.
لكن ما يحصل هو أن العلاج ينجح عملياً في قتل الخلايا الأقل خطورة وهي المسماة «الخلايا البنات» الأمر الذي يزيد معدل الخلايا الجذعية إلى الخلايا الباقية، وتشبه تلك الحالة ما يحصل عند استخدام المضادات الحيوية لمعالجة التهاب بكتيري معين، إذ إن الدواء قد يقتل 99.9% من البكتيريا لكن نسبة الـ 0.1% التي تنجو من أثر المضاد الحيوي تكون عندها قد طورت مناعة ضد ذلك المضاد مما يسمح لها بالعودة ومهاجمة الجسم بل والتكاثر بصورة أسرع ملحقة الهزيمة بالدواء، وقد يتسبب ذلك في بعض الحالات بتسمم بكتيري يقتل المريض. والمشكلة كما نعلم هي أن المضاد الحيوي يقتل أيضاً البكتيريا النافعة التي تساعد الجسم على مقاومة البكتيريا الضارة والتي يمكنها أن تقضي على الهجوم باستخدام مناعة الجسم الطبيعية. كذلك الأمر في العلاج الكيماوي فإنه برغم ما يبدو من أنه أدى إلى خفض حجم الورم فإنه وبسبب تنشيطه للخلايا الجذعية الخطرة وزيادة عددها بالنسبة لخلايا الورم الحميدة (الخلايا البنات) فإنه يؤدي إلى جعل السرطان أكثر خبثاً وهجومية وخطورة.
وبينما يسعى الكيمو الى قتل الخلايا السرطانية فإن سمومه تقتل أيضاً العديد من خلايا الجسم الحية والشابة وهي تصيب مثلاً الشعر والفم وجدار الأمعاء والأطراف كما تصيب بصورة خاصة الكريات البيضاء وهي مهمة للغاية لجهاز المناعة. وينظر أطباء السرطان إلى هذه الأضرار باعتبارها «ثمناً مؤقتاً» في مقابل الغاية المستهدفة، وهي قتل خلايا السرطان، لكن في 98% من الحالات فإن خلايا السرطان ليس فقط لا تُقتل بل تعود بصورة أقوى لتقتل الجسم الذي يكون بات ضحية سهلة لها بسبب انهيار جهاز المناعة والحماية الطبيعية.
إن الأمر نفسه يحصل أيضاً عند استخدام العلاج بالأشعة، إذ لا يتم القضاء على مجموع الخلايا الجذعية في الورم، مما يترك قسماً منها لكي يتوالد من جديد، بل إن العلاج بالأشعة ينشط الخلايا الجذعية ويؤدي إلى انتشار المرض بدل تقليص نطاقه. ففي دراسة نشرت في العام 2014 في مجلة «الخلايا الجذعية» أظهر البحث أن استخدام الأشعة لمعالجة سرطان الثدي أدى إلى إعادة برمجة الخلايا الأقل سرطانية (أي غير المشكلة في ورم) لتصبح أكثر نشاطاً وتتحول إلى سرطانية.

الخلايا-الجذعية-للسرطان--(باللون-الأخضر-الفاتح)-صورة-بالميكروسكوب
الخلايا-الجذعية-للسرطان–(باللون-الأخضر-الفاتح)-صورة-بالميكروسكوب

العالم يستعد للتخلي عن الكيمو
إن هناك اليوم كمية هائلة من الدراسات والآراء العلمية التي تعتبر أن الكيمو والعلاج الإشعاعي فشلا في تحقيق نتائج ملموسة في مجال علاج السرطان وأنهما على العكس يؤديان إلى وفاة المريض في مدة أقصر لأن العلاج الإشعاعي أو الكيميائي لا يصيب الخلايا الجذعية للورم بل على العكس يشجعها على النمو والانتشار الأمر الذي يؤدي إلى نتائج عكسية وينتهي بقتل المريض نتيجة الانتشار السرطاني والآثار المدمرة على جهاز المناعة للعلاجات الكيميائية والإشعاعية. ولهذا السبب خرجت مقالات عدة في الصحف والمجلات الدولية تحمل عناوين تشير إلى «نهاية الكيمو» أو تطرح السؤال: هل أشرف العالم فعلاً على نهاية عصر الكيمو؟
بل إن الانتقادات للعلاج بالكيمو أو بالأشعة أصبحت واسعة وشاملة حتى داخل الوسط الطبي إلى درجة بدأت تحرج الصناعة الدوائية وتدفعها دفعاً باتجاه البحث عن أدوية للسرطان يمكنها مهاجمة الخلايا السرطانية لكن من دون إلحاق الأذى بخلايا الجسم السليمة وهذا ما يسمى molecularly-targeted cancer drugs . وقد قطعت بعض الشركات الصانعة الرئيسية أشواطاً مهمة في الأبحاث الجارية على الجيل الجديد من أدوية السرطان وقامت إدارة الغذاء والدواء الأميركية FDA في العام 2011 بالموافقة على تسويق منتجين من أدوية السرطان الجديدة «الموجهة» في وقت تعمل الشركات الأخرى المنافسة على تطوير أدوية مماثلة. وقد توقعت إحدى شركات الأبحاث المتخصصة في سوق الدواء أن ترتفع نسبة الجيل الجديد من أدوية السرطان إلى 50% من المجموعة بحلول العام 2018.

خيارات بديلة أو رديفة
للكيمو والعلاج الإشعاعي

العقدة-الصفراء-هي-العنصر-الطبيعي-الأول-الذي-يساعد-في-علاج-السرطان
العقدة-الصفراء-هي-العنصر-الطبيعي-الأول-الذي-يساعد-في-علاج-السرطان

عصير البصل على الريق والكركم ومنبتات بذور البروكولي
والفيتامين D بعض أهم العناصر الفعالة في مكافحة السرطان

علاجات ازدادت شعبيتها
العلاج بالأوكسيجين والعلاج بالتسخين الموضعي Hyperthermia والعلاج ببيكاربونات الصوديوم والعلاج بالصوم وبنظام الغذاء الكيتوجيني

اول ما يجب ان نفهمه بشأن السرطان هو انه ليس حكماً بالموت ولا يجب الخوف منه بقدر ما ينبغي السعي لتفهمه ، وأهم شيء هو أن لا يفقد المريض ثقته بالله وبنفسه وأن يأخذ الوقت الكافي لكي يكوّن معرفة حقيقية بحالته، فالمعرفة هنا هي أهم سلاح والجهل والخوف هو طريق الضياع والوقوع في طاحونة صناعة السرطان التي لا ترحم.
من أجل ذلك، فإن النصيحة المقدمة من أطباء التقنيات البديلة هي أن لا يقبل المريض بالخضوع الفوري إلى علاج الكيمو أو العلاج الإشعاعي وهو ما سيحاول الطبيب على الأرجح دفعه إليه. وليطمئن، فإن السرطان من دون علاج الكيمو يأخذ وقتاً أطول بكثير ليتطور ومريض السرطان يمكنه متابعة حياته والتمتع بها بصورة أفضل في ما لو اجتنب الكيمو الذي يمثل طريقاً انحدارياً لا عودة منه في حال السقوط فيه. و ينطبق ذلك بصورة خاصة على حالات السرطان الابتدائية عندما تكون الأورام محلية ومحصورة، وهناك عشرات بل مئات القصص التي نشرتها وسائل الإعلام لمرضى سرطان رفضوا الكيمو لصالح علاجات بديلة طبيعية وتمكنوا عن طريق ذلك من السيطرة على المرض والتخلص منه بنجاح. وهناك عشرات من مواقع الإنترنت العلمية والطبية التي يمكن الاطلاع عليها، ولا بدّ أن نحمد الله لوجود الإنترنت لأنها كسرت حصار المعلومات وستار الغموض الذي كان محيطاً من قبل بمهنة الطب وتجارة الدواء. وقد كان الناس في الماضي في جهل تام وينظرون إلى الطب كما لو كان منزهاً عن أي غلط وإلى الدواء كأنه منقذ الحياة. أما الآن وبفضل عشرات المواقع التي يديرها أطباء مشهورون وعلماء نزيهون فقد بات ممكناً لأي شخص على قدر من الثقافة أن يطلع على الوجه الآخر للطب التقليدي ولصناعة الأدوية وأن يتعرف على وجهة نظر الطب الطبيعي والعلاجات البديلة للأدوية المصنعة والكيميائية، وعندما يكتسب المرء الثقافة اللازمة فإنه سيصبح أكثر حرية في الاختيار وبهذا المعنى فإن المعرفة تصبح فعلاً هي المنقذ وهي، بعد الله تعالى، المانح للقوة والصحة والحياة.
ورغم سيطرة 11 أو 12 شركة على سوق الدواء في العالم فقد بقي هناك أطباء ذوو ضمائر حية وعلماء أفذاذ تمسكوا برسالة مهنة الطب في شفاء الناس وعبروا عن اعتراضهم على الصناعات الدوائية الكيميائية وكرسوا حياتهم للتأكيد على أفضلية العناصر العلاجية الطبيعية والشفاء الذاتي وعلى نشر الأبحاث العلمية التي تثبت وجهة نظرهم وتؤكد المخاطر الكبيرة التي تحملها الكثير من الأدوية الصناعية. إنهم أطباء مشهورون ويعرفون أسرار الجسد وسبل شفاء الأمراض عبر تعزيز مناعة الجسد الإنساني الذي خلقه الله تعالى “في أحسن تقويم” ويشدد هؤلاء العلماء على أن الطبيعة تزخر بالعناصر والعلاجات التي تفوق في فعاليتها أضعافا الكثير من الأدوية الصيدلانية، لكن من دون الآثار الجانبية للأدوية الصناعية. ولا بدّ من التذكير بأن جسم الإنسان آلة عجيبة وهبة ربانية مُعجِزة وهو مبرمج لشفاء نفسه من العلل إذا ترك يعمل بصورة طبيعية وتمت مساعدته بالعناصر الملائمة الغذائية أو الكثير من العناصر العلاجية الموجودة في الطبيعة والتي ثبت أنها فعالة في مكافحة السرطان دون أن يكون لها الآثار الجانبية المخيفة للأسلوب التقليدي.

عناصر طبيعية تكافح السرطان
إن عشرات الأبحاث العلمية أصبحت متوافرة اليوم ومنشورة في المجلات الطبية والعلمية وكل تلك الأبحاث تشير إلى عدد من العناصر الغذائية التي يمكنها (بالتضافر مع نظام غذائي محدد) أن تكافح الخلايا الجذعية للسرطان دون التسبب بآثار جانبية ضارة للجسم. ومن هذه العناصر خصوصاً العقدة الصفراء أو الكركم والتي تصدر كل يوم دراسات تبين فوائده العظيمة في مكافحة السرطان بجميع أنواعه، وهناك مادة الكورستين الموجودة في البصل والتي أثبتت فعاليتها في قتل السرطان ويمكن الإفادة من هذه المادة عن طريق شرب عصير بصلة (يفضل أن تكون مزروعة عضوياً أي من دون سماد كيماوي) في كوب وتناوله على الريق (مخففاً بالماء) دون تناول أي طعام لمدة ساعة. وهناك مادة السلفورافان الموجودة في منبتات بذور البروكولي والجنيستين والبيبرين (البهار الأسود) والذي ينصح طبيب السرطان الأميركي المشهور برجنسكي بتناوله مع العقدة الصفراء (الكركم) لزيادة امتصاص الجسم لمادة “الكركمين” وبالتالي فعالية الأخير في مقاومة السرطان.

الدكتور-الإيطالي-سيمونسيني-أثبت-أن-حقن-الخلايا-السرطانية-بمادة-بيكاربونات-الصوديوم-يؤدي-إلى-قتلها
الدكتور-الإيطالي-سيمونسيني-أثبت-أن-حقن-الخلايا-السرطانية-بمادة-بيكاربونات-الصوديوم-يؤدي-إلى-قتلها

علاجات أثبتت فعاليتها
أحد أشهر الأطباء الأميركيين ويدعى راسل بلايلوك كتب وحاضر وأعطى عشرات المقابلات التلفزيونية لشرح نظريته القائلة بأن مرض السرطان هو عارض يتعلق باختلال نظام الغذاء Metabolic syndrome. واعتبرت تلك النظرية ثورية فعلاً في فهم السرطان، إذ ركزت على أن مرض السرطان بدأ يظهر بسبب عدد من العادات الغذائية أبرزها تحول المجتمع من استخدام الدهون لإنتاج الطاقة الجسدية إلى السكريات إضافة إلى استخدام مواد صناعية مثل المنكهات الصناعية ولاسيما SMG والأسبرتايم وغيرها. ولهذا السبب فإن الدكتور بلايلوك يشدد على أن علاج السرطان يجب أن يقوم على التزام نظام غذائي صارم يستهدف “تجويع” خلايا السرطان وقتلها عن طريق حرمانها من الوقود الذي تعيش عليه. ويعتبر عدد كبير من الأطباء والعلماء أن هيمنة السكر على نظام الغذاء الحديث هو -مع أسباب أخرى بيئية- أحد أهم أسباب تفشي السرطان. وبسبب تلك النظرية يجري التركيز على أهمية إعطاء المريض نظام غذاء لا يحتوي على الكاربوهايدرات مثل النظام الكيتوجيني ketogenic diet . وقد ثبت في الأبحاث الطبية أن دخول المريض فترة صيام معينة كان يؤدي إلى زيادة فعالية العلاج الكيميائي نفسه ، وقد تبنى بعض المرضى أسلوب الصيام القاسي Starvation diet لتجويع خلايا السرطان وقتلها عن طريق حرمانها من الحراريات التي تعيش عليها.
1. معجزة الكركم الطبيعية
لكن أحد أهم العناصر الغذائية التي يثبت كل يوم فعاليتها في مكافحة السرطان هو الكركم أو العقدة الصفراء التي يعتبرها أطباء الطب الطبيعي أهم علاج للسرطان كما يعتبرون تناولها بانتظام أهم وسيلة للوقاية من المرض. ونظراً إلى أن الجسم لا يمكنه امتصاص مادة الكركمين Curcumin الفعّالة في الكركم فقد جرت تجارب عدة انتهت بتوجيه نصائح بغلي الكركم في الماء لمدة 10 دقائق بهدف استخلاص المادة الفعالة منه وتسهيل امتصاص قسم منها (نحو 12%) من قبل خلايا الجسم, كما وجهت نصائح بمزج الكركم بالدهون مثل السمن أو الزبدة لأن الكركم يذوب في الدهون. وفي خط مواز نجحت صناعة الأدوية الطبيعية في تطوير مستخلص الكركم Curcumin extract بصورة تجعله سهل الامتصاص من قبل الجسم الأمر الذي يسهل الإفادة منه بصورة كبيرة.
علينا مع الأسف أن نلاحظ أن الكركم المباع في السوق مغشوش في قسم كبير منه ونحن ننصح بشراء جذور الكركم المجففة إذا وجدت أو استقدامها من أسواق الخليج حيث توجد جاليات هندية وآسيوية ثم طحن الجذور في أي مطحنة حبوب للحصول على الكركم الأصلي، وعلامة الكركم الحقيقي أن مسحوقه يذوب في الماء الغالي بسهولة بينما يتميز الكركم المباع محلياً بأنه يتحول إلى كتل لزجة ربما لأنه مخلوط بالطحين وبمواد ملونة.
2. الفيتامين D
من ضمن العناصر الغذائية التي تأكدت فائدتها في مقاومة السرطان الفيتامين D ولهذا الفيتامين الذي يمكن الحصول عليه من الجلوس في الشمس فوائد عدة في الوقاية من أمراض عديدة منها أمراض القلب والسكري، لكن هذا الفيتامين الأساسي يعتبر العدو رقم واحد للسرطان وقد تأكد وجود صلة بين نقص الفيتامين D وبين السرطان في أكثر من 200 دراسة علمية وأكثر من 2500 بحث مختبري حول نفس الموضوع ونظراً إلى أن الناس لا تجلس اليوم في الشمس ولا تخرج إلى الحقول كما في السابق فإن الحصول على الفيتامين D ممكن من خلال مكمل غذائي تحت إسم D3 ويشدّد خبراء الغذاء على هذا النوع من الفيتامين D وليس الفيتامين D2 باعتباره الأكثر امتصاصااًمن الجسم والأكثر فعالية لتعزيز جهاز المناعة.
3. العلاج بالأوكسيجين
أصبح مؤكدا أن أحد أهم مسببات السرطان هو نقص الأوكسيجين في خلايا الجسم لأسباب عديدة أهمها نمط الحياة السريع والمتوتر والذي يجعل الناس تتنفس بسرعة وبغير انتظام ولا يمكن تنظيم التنفس إلا في حال الانخراط بأعمال جسدية كما كان يفعل أجدادنا، فالجسم عندما يبذل الجهد يدفع الرئتين إلى الاتساع واستنشاق الهواء بقوة، لكن الجسم الخامل وراء المكتب أو على الكنبة في مقابل التلفزيون لا يساعد على التنفس السليم والكامل، ونحن نتحدث هنا عن غير المدخنين، أما المدخن فإنه يقضي تدريجياً على نسيج الرئتين الاسفنجي عبر طبقة القطران التي تتكاثف فوقه وتقلص قدرته على امتصاص الأوكسيجين. إن نقص الأوكسيجين في الخلايا يترجم بتحول فيزيولوجي يساعد في نمو السرطان لأن السكر الذي يصل خلايا الجسم عبر الدم يحتاج إلى الأوكسيجين لكي تتم عملية أكسدته وحرقه وتحويله إلى طاقة، وفي حال نقص الأوكسيجين فإن عملية التأكسد لا تتم بالكامل مما يؤدي إلى تخمر السكر Fermentation وهذه هي البيئة المثلى لنشوء الخلايا السرطانية.
يذكر أن اكتشاف العلاقة بين نقص الأوكسيجين والسرطان يعود الفضل فيه إلى العالم الأميركي الشهير أوتو وربرغ الذي أثبت هذا الأمر في أبحاث له في العام 1930 وجود علاقة مباشرة بين الأمرين، وقد اعتبر الاكتشاف من الأهمية بحيث استحق ووربرغ منحه جائزة نوبل للطب. وبسبب تلك الأبحاث بدأ الطب الطبيعي يعتمد تقنية دفع الأوكسيجين إلى الخلايا المصابة لتسريع عملية التأكسد وبالتالي حرمان الخلايا السرطانية من البيئة المساعدة على النمو وبالتالي محاصرتها وتجويعها مما يسمح لجهاز المناعة نفسه بتدميرها..
4. بيكاربونات الصوديوم والبوتاسيوم
أحدث الدكتور الإيطالي توليو سيمونسيني ضجة كبيرة في إيطاليا عندما تمكن من معالجة مرضى السرطان عبر حقن الأورام الداخلية بمادة بيكربونات الصودا بينما استخدم صبغة اليود للسرطانات الخارجية ، واعتبر العلماء أن طريقة سيمونسيني هي تطبيق لمبدأ أهمية الأوكسيجين وتخفيف البيئة الحمضية في منطقة السرطان. فمادة بيكاربونات الصودا تزيد من إمداد ثاني أوكسيد الكربون وتحدث بالتالي ردّ فعل مباشر يدعو الجسم لاستدعاء المزيد من الأوكسيجين إلى المناطق المصابة ، كما إن هذا العلاج الطبيعي يقوم على زيادة الخاصية القلوية لعنصر الـ PH في الجسم إلى أعلى من المعدل الصحيح وهو 7.4 وهو ما يحرم الخلايا السرطانية من مناخ التخمر الذي يتوقف عليه نموها. ونحن لن نطيل في استعراض كل هذه البدائل ونترك للقارئ المهتم أن يقوم بنفسه بمزيد من الأبحاث لتكوين فكرة أدق وأشمل عن هذه العلاجات.

العلاج-بالأوزون-أحد-وسائل-العلاج-البديلة-للسرطان-وليس-لها-آثار-جانبية
العلاج-بالأوزون-أحد-وسائل-العلاج-البديلة-للسرطان-وليس-لها-آثار-جانبية
مع-تزايد-الأدلة-على-فشل-العلاجات-التقليدية-بدأت-شركات-الأدوية-السعي-لتطوير-علاجات-موجهة-تصيب-السرطان-دون-أن-تؤذي-الخلايا-السليمة
مع-تزايد-الأدلة-على-فشل-العلاجات-التقليدية-بدأت-شركات-الأدوية-السعي-لتطوير-علاجات-موجهة-تصيب-السرطان-دون-أن-تؤذي-الخلايا-السليمة

العلاج بالتسخين Hyperthermia
يعتبر العلاج بالتسخين الموضعي أحد أهم التطورات التي شهدها علم السرطان وقد بات هذا العلاج معترفاً به حتى من المؤسسة الطبية التقليدية كعلاج مكمل أو رديف، إذ وجد أن تسخين المواضع المصابة إلى درجة حرارة قد تتراوح ما بين 41 و 45 درجة مئوية يساهم في “إذابة” الخلايا السرطانية ويرهقها فتصبح فريسة سهلة للعلاج التقليدي بالكيمو أو بالأشعة. ويلاحظ أن “صناعة السرطان” ونعني بها المصالح الكبيرة الموجودة خلف العلاجات التقليدية اضطرت للاعتراف بأهمية التسخين الحراري لكنها ما زالت تنظر إليه كمكمل للعلاجات التقليدية المستخدمة، لكن أوساطا علمية عديدة تسعى لتطوير أسلوب التسخين الحراري كأسلوب بديل من خلال الجمع بينه وبين أدوية غير سامة كما فعل الطبيب الاسترالي جون هولتس الذي جمع بين التسخين وبين ضخ دواء معطل للغلوكوز مثل glutathione أو cysteine تمتصه الخلايا السرطانية المسخنة الأمر الذي يعرضها لإرهاق شديد مع حرمانها من امتصاص السكر الحيوي لاستمرارها. وقد نجح هولتس في تحقيق نسب شفاء عالية الأمر الذي دفع بالمؤسسة الطبية أو ما يمكن تسميته مافيا الدواء إلى شنّ حملة شديدة على الدكتور هولتس ليس بسبب أسلوب التسخين الحراري بل بسبب استغنائه عن علاج الكيمو والأشعة لصالح أدوية جديدة مبتكرة لا تسبب مضاعفات جانبية وتعطى للخلايا السرطانية المسخنة وتساهم في قتلها. فكانت جريمته بالتالي أنه تجرأ على اقتراح الاستغناء عن الكيمو ورفضه العلاج الإشعاعي متحدياً صناعة تفوق قيمتها التريليون دولار سنوياً. لكن الأمر معقود الآن على المؤسسات الطبية في الصين واليابان التي طورت الأسلوب تحت إسم جديد هو ablatherm وهي تسعى لتطوير إمكان استخدامه بتقنيات جديدة (مثل الترددات الصوتية العالية Ultrasound) أو المايكروويف إضافة إلى أسلوب التسخين بالأشعة ما تحت الحمراء.
الأمر المؤكد أن استخدام التسخين الحراري بهدف تحسن فعالية الكيمو أو العلاج الإشعاعي بات أمراً مقبولاً حتى من قبل المؤسسة الطبية التقليدية حتى أن بلداً مثل هولندا أقرّ بالتقنية وبدأ بإدخالها في المستشفيات ومراكز علاج السرطان. وهناك من يطالب اليوم بأن يكون في كل مركز لعلاج السرطان وحدة للتسخين الحراري Hyperthermia نظراً إلى أن التقنية المذكورة تساعد كثيراً في تحسين فعالية الكيمو وأثبتت حسب دراسات عديدة نشرت في مجلة لانسيت Lancet الطبية المحترمة في مضاعفة موعد مد عمر المريض بل وشفائه في نحو 36% من بعض حالات السرطان.
لكن هل يجب أن نصل إلى السرطان لكي نبدأ القلق على حياتنا ونبدأ التفكير في العلاجات المتاحة، وغالباً ما تكون الكيمو والعلاج الإشعاعي لأن العلاجات الطبيعية ما زالت محاربة عموما وما زال عدد قليل من الأطباء المعروفين يمارسونها في بعض دول العالم؟
بدلاً من أن نمضي حياة عذاب مع السرطان والكيمو والأشعة أليس من الأفضل بذل مجهودات محدودة في تنظيم حياتنا وغذائنا وأسلوب عيشنا؟ وما الذي يمكننا فعلاً القيام به لإبعاد شبح السرطان؟ علماً أن ما نقوم به درءاً للسرطان هو نفسه الذي سيردأ عنا مختلف الأمراض المستعصية لأن الحياة الطبيعية السليمة تجلب الصحة والعافية والسعادة للعائلة كلها.

درهم وقاية

فـي الحرب على السرطان
لا يوجد علاج أفضل من الوقاية

تطبيق وقاية صحية شاملة لا يفيد فقط في اجتناب السرطان
بل في اجتناب كل الأمراض المستعصية التي تفتك بصحتنا

جميع-الأواني-البلاستيكية-تحتوي-على-مسببات-للسرطان-وذلك-بسبب-احتوائها-على-مادة-البيسفينال-إي-ولا-يجوز-وضع-الأطعمة-فيها
جميع-الأواني-البلاستيكية-تحتوي-على-مسببات-للسرطان-وذلك-بسبب-احتوائها-على-مادة-البيسفينال-إي-ولا-يجوز-وضع-الأطعمة-فيها

الملوثات الكيماوية المنزلية والتدخين والأطعمة المعلبة والهورمون في اللحوم والألبان والخضار ورواسب المبيدات الزراعية ونقص الأوكسيجين من أهم العوامل التي ينبغي اجتنابـــها بأي ثمن!!

الإقلاع التدخين وعن النشويات والسكريات والإكثار من الخضار البرية أو العضوية واستخدام الكركم بكثرة في الطعام من أهم وسائل الوقاية من السـرطان

يمكننا أن نفصل إلى ما لا نهاية في أهداف مافيا الدواء العالمية وأساليبها الملتوية وفي إهمال الأطباء وشجع الكثير منهم وتركيز المستشفيات نفسها على التقنيات الحديثة والأرباح دون رسالة الرعاية والعلاج المتكامل للمريض. لكن مع الأسف كل هذه الأمور قائمة وستبقى لمدة طويلة وسيكون من الصعب تبديلها. ولهذا السبب فإن مريض السرطان مهما كان مدركاً ومهماً سعى للحصول على أفضل علاج سيبقى ضعيفاً جداً في هذه المعادلة.
وبسبب سيطرة الأغراض التجارية على القطاع الصحي وتدني أخلاقيات مهنة الطب والدواء وتفشي الغش في القطاع الغذائي وتكاثر الملوثات البيئية الخ.. فقد أصبح كل منا في خطر ما لم يتحمل مسؤولية صحته وصحة أسرته، لذلك فإن الأمر الواحد الذي يحفظ لنا قوتنا
و أن نبقى أصحاء وأن نأخذ زمام السيطرة على صحتنا بأيدينا. لكن هذا الامر يتطلب تكوين ثقافة صحية عبر الاستفادة من مختلف المراجع المتوافرة ولاسيما على شبكة الإنترنت. إن الهدف من ذلك ليس الاستغناء عن الطبيب وهناك لحسن الحظ أطباء صادقون وذوو خبرة ومهارة حولنا، لكن الهدف من الثقافة الصحية أن تقل حاجتك إلى الطبيب وأن تعيش حياتك بعافية وأن تتجنب الأمراض الخطيرة التي باتت السبب الأول في موت الناس وفي مقدمها السرطان.
1. إن الهدف للثقافة الصحية ليس فقط الإلمام بالكثير من العلاجات الطبيعية التي قد تساعد كثيراً في علاج الأمراض بل وبالدرجة الأولى تطبيق مناهج وقاية صحية وتغذية سليمة تبتعد بالمرء عن كل تلك الأمراض، والأصل أن الإنسان يولد صحيحاً ويفترض أن يعيش بصحة جيدة طيلة حياته وهذه كانت حال أجدادنا كما نعلم جميعاً وكان أحدهم يموت “موتة ربه” كما كان يقال في البرية أو متكئاً على مسنده بعد يوم عمل.
في موضوع السرطان فقد بات واضحاً أن له مسببات عديدة كلها تقريباً نتاج الحضارة المعاصرة ولاسيما التلوث وأنظمة التغذية والدعة والابتعاد عن الطبيعة والكثير من منتجات الاستهلاك. لذلك وبدلا أن نخاف من السرطان أو نتوقع أن يصيبنا يوماً فإنه من الأفضل بكثير أن نقطع عليه الطريق من خلال الابتعاد عن كل ما يمكن أن يتسبب بحدوثه. ولا بدّ من القول إن تطبيق نظام وقاية صحية لا يفيد فقط في اجتناب مخاطر الإصابة بالسرطان، بل يفيد في اجتناب مختلف الأمراض المستعصية التي تفتك بصحتنا، كما إنه يعيننا على حماية صحة أطفالنا وتربيتهم تربية جسدية وعقلية سليمة تمكنهم من أن يحيوا حياتهم بأقل قدر من المنغصات الصحية في المستقبل.
في ما يلي وبناء على احدث الدراسات العلمية والصحية مجموعة من القواعد الصحية التي يمكن أن تعيننا على اجتناب السرطان وغيره من الأمراض المزمنة:

اكثر مواد التجميل تحتوي على عناصر مسببة للسرطان
اكثر مواد التجميل تحتوي على عناصر مسببة للسرطان

2. الانتباه إلى الملوثات المنزلية والتي نادراً ما ننتبه إليها وهي موجودة في المنظفات المنزلية وفي أواني “التيفال” المانعة لالتصاق الطعام وأواني الألومنيوم وقناني المياه البلاستيكية وأواني البلاستيك ومعطرات الهواء والصابون المعطر والكثير من مواد التجميل والعناية الشخصية. ومن المفضل استخدام أواني الفخار أو الستنليس والصابون البلدي ويمكن استخدام برش الصابون كبديل لسائل الجلي أو استخدام الخل ويجب اجتناب مزيلات الرائحة والتعرّق لأنها تتسبب بالسرطان خصوصاً سرطان الثدي عند النساء. إن خطورة منتجات التجميل هي أن الجسم يمتصها مباشرة عبر الجلد وبالتالي فإن العناصر المسببة للسرطان الموجودة في الكثير منها تدخل إلى الجسم عبر مجرى الدم.
3. الامتناع عن التدخين لأنه أول أسباب سرطان الرئة وغيره. وتشير الإحصاءات إلى أن 75% من المصابين بسرطان الرئة هم من المدخنين.
4. الامتناع عن تناول الأطعمة المعلبة والاستعانة عنها بالأطعمة الطازجة لأن الغلاف الداخلي لعبوات التعليب يحتوي على مادة البيسفنول BPA المسببة للسرطان، وقد كشف أحد الأبحاث التي أجراها معهد هارفارد للصحة العامة أن استهلاك أطعمة معلبة يمكن أن يزيد معدل الـ BPA في الجسم بنسبة 1000 في المئة في غضون خمسة أيام!!.
5. الامتناع عن تناول جميع الأطعمة التي أضيفت إليها مادة المونوصوديوم غلوتومايت MSG وهذه موجودة في أكثر أنواع رقائق البطاطا التي تباع للأطفال والكبار كما إنها تضاف أيضاً لبعض المكسرات المطيّبة وهي مادة تسبب السرطان وأمراض كثيرة منها الألزهايمر.
6. الامتناع عن استخدام المحلى الصناعي الأسبرتايم Aspartame المتداول تحت أسماء تجارية عديدة مثل كاندريل وغيرها لأن الدراسات العلمية تشك بقوة في أنه يمكن أن يتسبب في أنواع عدة من السرطان مثل اللوكيميا واللميفوما. بدلاً من ذلك يمكن استخدام محلى طبيعي مثل الستيفيا Stevia المستخرج من النبات وهو متوافر في الصيدليات. وبهذا المعنى يجب الحذر من كل ما يباع في السوق من شوكولا أو علكة أو غيرهما مكتوب عليها: “خال من السكر” لأنها محلاة غالباً بـ”الأسبرتايم” وكذلك يجب الامتناع كلياً عن تناول المرطبات الغازية المسوقة تحت شعار Diet أنها أيضاً محلاة بمادة الأسبرتايم الخطرة المسببة للسرطان.
7. الإكثار من تناول الخضار الطازجة والعضوية أي التي لم يدخل في إنتاجها أسمدة كيماوية أو هورمونات نمو. إن الخضار التي نشتريها من السوق هي الآن أحد مصادر السرطان لأن المزارعين يستخدمون هورمونات النمو في تسريع نموها أو في إعطائها لوناً زاهياً (كما في البندورة التي تكون خضراء فتتحول إلى حمراء بمجرد رشها بمحلول هورموني).
8. إن المبيدات المستخدمة في مكافحة الآفات الزراعية أو الأعشاب الطفيلية أكثرها مسبب للسرطان وحسب وكالة البيئة الأميركية الرسمية فإن 60% من المبيدات العشبية و90% من المبيدات الفطرية و30% من المبيدات الحشرية هي عناصر مسببة للسرطان. لذلك من المهم جداً عند رش المحاصيل لبس أقنعة واقية أو كمامات، وعدم استهلاك الخضار أو الفاكهة المعالجة قبل انقضاء فترة الأمان، ولكل مبيد مستخدم فترة سماح أو انتظار محددة وهذه قد تتراوح ما بين أسبوع و30 يوماً أو أكثر، ويحظر على المزارع أن يقطف محصوله وينزله إلى السوق قبل انقضاء فترة الأمان بعد آخر رشة بالمبيدات. لكن هذه المعلومات غالباً ما يتم تجاهلها بل إن المزارع لا يعلم عنها ولا يسأل عنها الصيدلية الزراعية، وهو لذلك قد يبدأ باستهلاك أو تسويق إنتاجه قبل انقضاء فترة الأمان مما يعرضه وأسرته كما يعرض الناس لخطر تلك المبيدات السرطانية في معظمها.

التلوث-المفزع-في-مدينة-بيروت-أحد-الأسباب-غير-المباشرة-لتزايد-حالات-السرطان-وأمراض-التنفس
التلوث-المفزع-في-مدينة-بيروت-أحد-الأسباب-غير-المباشرة-لتزايد-حالات-السرطان-وأمراض-التنفس
أكثر-المنظفات-الكيماوية-تحتوي-على-مركبات-مسببة-للسرطان
أكثر-المنظفات-الكيماوية-تحتوي-على-مركبات-مسببة-للسرطان

9. كذلك الأمر في اللحوم. وكلنا يعلم أن شركات تسمين العجول والأبقار ومربي الدواجن يستخدمون هورمونات النمو بصورة منهجية لتسريع نمو الحيوانات المعدة للسوق، فضلاً عن الاستخدام الكثيف للمضادات الحيوية وبعض المنتجات المعدلة جينياً مثل الصويا والذرة في العلف. وكل هذه العناصر تعتبر مسببة للسرطان أو مساعِدة على نموه.
10. إن المصدر الأهم والصحي للألبان في لبنان هو قطعان الماعز التي تسرح وتأخذ غذاءها من الطبيعة فأبحث عن حليب وألبان الماعز حتى لو كان عليك أن تقطع مسافة، كما يمكن للمقيم في الريف امتلاك بعض الماعز كمصدر للحليب في بيته، وفي حال عدم توافر منتجات الماعز فإننا ننصح ببعض أنواع أجبان الغنم والماعز المستوردة من أوروبا لأن أوروبا تطبق معايير صحية صارمة في إنتاج الأجبان، ولأن الأغنام والماعز إما أنها تعيش على الرعي في تلك البلدان وإما أنها تعطى أعلافاً مدروسة ولا تدخل فيها منتجات معدلة جينياً لأن أوروبا تمنع استيراد تلك المنتجات. وللذين يسكنون الريف ننصح بإقتناء دجاج بلدي يتم علفه بالحبوب الطبيعية كالقمح والخضار ومن الأفضل أن يسرح فيعطي عندها البيض البلدي الطبيعي والصحي كما إن لحم الدجاج البلدي صحي ومفيد جداً لأنه يعيش على الأعشاب وما يقتات به الدجاج في الحقول وحول البيت.
11. التخفيف من تناول البروتين الحيواني أو النباتي علماً أن الفرد لا يحتاج أكثر من 100 غرام من البروتين يومياً والمفضل أن تكون الكمية نصف ذلك.
12. تناول المنبتات من العدس والقمح والماش وحبة البركة وبعض الحبوب فالمنبتات تعتبر غذاء عظيماً محملاً بشتى أنواع الفيتامينات والأنزيمات ومضادات التأكسد.
13. التخفيف إلى حد كبير من النشويات والسكريات والحلوى والتي ثبت أنها تلعب دوراً كبيراً في تنشيط خلايا السرطان خصوصاً لدى الأشخاص الذين لا يقومون بجهد جسدي مثل تمارين اللياقة البدنية والمشي وغيرهما من النشاطات. إن خلايا السرطان تعيش على التخمرات في الجسم والسكر هو أحد أهم مصادر التخمرات وبالتالي فإنه يوفر الغذاء الأمثل للخلايا السرطانية.
14. إن أحد الأسباب المؤكدة لحصول التحولات السرطانية في الخلايا الصحيحة هو نقص الأوكسيجين وذلك نتيجة ضعف اللياقة البدنية والتنفس السريع أو التوتر مما يضعف كمية الأوكسيجين التي تصل إلى الخلايا عبر هيموغلوبين الدم. لذلك فإن إجراء تمارين التنفس العميق (البراناياما أو يوغا التنفس) والقيام بالتمارين الرياضية والمشي السريع وسلوك الطرق الجبلية والعمل في الأرض كلها تساعد على توسيع الرئتين وتحسن نوعية التنفس وبالتالي وصول الأوكسيجين إلى الخلايا.
هذه بعض نصائح الوقاية التي يمكن عرضها بالاستناد إلى الأبحاث العلمية والصحية الحديثة واللائحة ليست كاملة بالطبع، لكن نقول لكل فرد أن يقي نفسه وأسرته من مخاطر السرطان وغيره من أمراض العصر. عليك أن تتحمل مسؤولية نفسك وأن لا تكون متواكلا لأنك قد تفاجأ في أي وقت. عليك أن تحصل المعرفة لأن المعرفة تحرر والجهل يقتل، كما إن عليك أن تتشارك في ما تعرفه وعلى الناس أن يتعاونوا وأن يتبادلوا التجارب والمعلومات من أجل حماية أنفسهم لأننا نعيش فعلاً في عالم خطر ومع الأسف فإن الطب الحديث مع نجاحاته لا يهتم بمنع حصول الأمراض بل بالتعامل فقط عندما تحصل، وهناك من يقول إن شركات الأدوية لا مصلحة لها أبدا في شفاء الناس لأن عملها وازدهار أرباحها يقومان على تكاثر الأمراض وتزايد عدد المرضى

الخضار-العضوية-من-أهم-الأغذية-المكافحة-للسرطان
الخضار-العضوية-من-أهم-الأغذية-المكافحة-للسرطان

د. عادل إسماعيل

[su_accordion][su_spoiler title=”د. عادل إسماعيل الرجـــــل الـــذي أعـــاد الاحترام إلى مهنة التأريخ” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

يعتبر المؤرخ الراحل عادل إسماعيل أبرز المؤرخين الذين ساهموا ليس فقط في تأريخ المراحل الأكثر دقة وحساسية في تاريخ لبنان، بل يعود له الفضل الأول ربما في إعادة الاحترام والصدقية إلى مهنة التأريخ، التي ابتليت لفترة بسيطرة الأهواء ونزعات التلفيق حتى كاد تاريخ لبنان يتحول إلى مجموعة أساطير لا هدف لها إلا خدمة الأجندة السياسية لأصحابها.
لم يكن عادل إسماعيل سياسياً، وهو الإداري المثالي الذي تربى في المدرسة الإصلاحية الشهابية وكان أحد أبرز أركانها، لكن هذا المؤرخ اللامع خريج جامعة السوربون في باريس كان رجل استقامة فكرية ورجل عمل يحرص على إتقان عمله وإخراجه وفق أفضل معايير الدقة والموضوعية. لذلك فإنه عندما اصطدم بما أسماه لاحقاً “مجلس الوصاية” المتحكم بأسلوب رواية تاريخ لبنان والتنظير له، فإن ذلك لم يحصل بسبب انحيازه إلى قومه أو تبنيه لروايات مغلوطة، بل لأنه بكل بساطة أراد أن يقدم الرواية الحقيقية، وبالتالي تصحيح الأخطاء والاختلاقات الكثيرة التي خالطت رواية تاريخ لبنان.
كان ابن دلهون البار العصامي هادئاً بطبعه وشديد التهذيب، لكنه أثبت أنه وخلف تلك الدماثة تقف شخصية شجاعة وشديدة الصلابة في الحق، وقد استفز تشويه التاريخ عادل إسماعيل إلى العمل بكل نشاط، واستثار عزيمته ثم هدته منهجيته العلمية إلى كنز الوثائق التي بدأ يجمعها وينقب في أكداسها ليبني على هذا الجهد المهني تاريخ لبنان الحقيقي ويدحض الروايات الملفقة التي كادت أن تصبح صنواً للحقيقة لكثرة تردادها وترويجها.
من أهم إنجازاته ولا شك إماطته اللثام عن الأسباب الحقيقية للأحداث الطائفية للفترة ما بين 1845 و1860، وقد أظهر هذا المؤرخ المنصف العوامل المعقدة الكثيرة التي كانت وراء اندلاع تلك الفتنة الطائفية الخطيرة، وخصوصاً مطامع الأوروبيين وطموحات بعض القوى المتعصبة التي سعت الى إحداث تغيير سياسي بل وديمغرافي في الجبل مستفيدة من ضعف الدولة العثمانية، التي كانت السند التقليدي للموحدين الدروز. وقد برّأ عادل إسماعيل ساحة الموحدين، الدروز من كل الافتراءات التي سيقت ضدهم ومهدت للحملة الانتقامية الفرنسية بقيادة بوفور. وأحدث الكتاب المهم الذي خصصه لتلك الفترة، والذي بني على وثائق ووقائع دامغة، صدمة حقيقية، وقوبل باستهجان واتهامات بمجرد نشره في مطلع سبعينات القرن الماضي. لكن عادل إسماعيل لم يتوقف عند ذلك بل خصص قسماً كبيراً من حياته المهنية لجمع الوثائق الدبلوماسية المحفوظة في عواصم أوروبا وتصنيفها وفهرستها ونشرها بحيث تصبح تلك المادة الأساس الموضوعي لأي كتابة تاريخية، وبحيث يصعب بعدها تلفيق تاريخ خاص سعى البعض الى إنتاجه في غفلة من الزمن.
إن مجلة “الضحى” تفخر بتخصيص هذا الملف التكريمي الخاص إحياء لذكرى الدكتور عادل إسماعيل واعترافاً بفضله في مضمار تصحيح تاريخ لبنان بما يخدم الحقيقة ووحدة البلد، وفي الوقت نفسه رفع إرث الضغائن والأفكار المسبقة وتشويه الحقائق عن كاهل أجيال لبنان.
يتضمن هذا الملف الخاص مقالاً بقلم الدكتور طارق قاسم حول سيرة المؤرخ الكبير، ومقالاً أعدّه المؤرخ الدكتور حسن أمين البعيني يعرض فيه لحجم مساهمة الدكتور عادل إسماعيل في تصحيح تاريخ لبنان.

الدكتور عادل إسماعيل

الدبلوماسي الراقي والمؤرخ والعالم الكبير

برع في توثيق الأحداث التاريخية بأمانة وتجرد
وكان من أول الذين عرفوا فضل الوثيقة واهتموا بجمعها

د.-عادل-إسماعيل-في-شبابه-scan
د.-عادل-إسماعيل-في-شبابه-

إنه عمل مميز وجميل من مجلة “الضحى” التي لها عندنا كل تقدير واحترام، أن يُفرَد ملف خاص للدبلوماسي الراقي والمؤرخ الخلاّق المغفور له الدكتور عادل إسماعيل الذي جمع بين الدبلوماسية وكتابة التاريخ، وهو وفاء من إدارة مجلة “الضحى” لهذا الرجل الكبير، لكي تتذكر الأجيال الحاضرة والمقبلة هؤلاء الرجال الأفذاذ، وما قدموه للأمة وللحقيقة من خدمات وتضحيات.
تمكّن من أن يكشف بالوثائق حجم التحيّز في أعمال بعض المؤرخين الذي بدوا مهتمين بخدمة قضيتهم السياسية أكثر من اهتمامهم بإنتاج تاريخ يسجل مسار الأحداث.

ولادته وحياته
ولد الدكتور عادل عمر إسماعيل في 18 كانون الثاني 1928، الموافق 4 رجب 1347هـ في قرية دلهون الوادعة من ناحية إقليم الخرّوب في قضاء الشوف، وكان طوال طفولته عليل الصحة، ضعيف البنية، وقد أعيا الأطباء في بيروت وصيدا، لما كانت تنتابه عوارض صحية لم يجدوا لها علاجاً، حيث يئس والداه من شفائه فسلما أمره لله. فما كان من والدته إلا الدعاء له بالشفاء بعد الصلاة وزيارة أضرحة الأولياء الصالحين في إقليم الخروب وصيدا. وكان اسمه منذ ولادته “رجباً” تكنياً بشهر الولادة (وكانت تسمية الأولاد في التقويم الهجري القمري شائعة في ذلك الوقت، وما زالت في بعض المناطق حتى الآن). وبناءً على اقتراح شقيق الوالدة أحمد نصر الدين، وبموافقة الوالد عمر إسماعيل، أبدل إسم رجب بعادل تكنياً وإعجاباً بصديقهما الأمير عادل ارسلان.
بدأ عادل إسماعيل دروسه الأولى في مدرسة القرية وفي مسجدها، كما كانت العادة آنذاك، وكانت تنحصر بدراسة القرآن الكريم وحفظه غيباً، وتعلم قواعد اللغة والحساب، وحفظ بعض أبيات الشعر العربي، واتقان الكتابة بأنواع الخطوط العربية، وقد اكتسب عادل إسماعيل هذه العلوم واتقنها على يد الشيخ حسن حمام، ثم انتقل مع والده إلى الجنوب حيث عيّن مدرساً في مدرسة “شحور الرسمية” في قضاء صور في لبنان الجنوبي فتعلم طيلة ثلاث سنوات في مدرستها. وبعد إقفال مدرسة شحور الرسمية عادت العائلة إلى قرية دلهون فالتحق عادل إسماعيل بمدرستها طيلة أربع سنوات، ومع انتقال الوالد إلى بيروت للعمل، إلتحق عادل إسماعيل بمدرسة حوض الولاية الرسمية لمتابعة دراسته.
كان يحلم بأن يصبح، بعد الانتهاء من دراسته الثانوية، مهندساً كيماوياً، ولكن ظروف الحرب العالمية الثانية حملت الجامعات في لبنان على وقف هذا التخصص، فاضطرَّ إلى دراسة الحقوق على أمل الانخراط في ما بعد في سلك القضاء.
وفي سنة 1947، نشرت الصحف إعلاناً لوزارة العدل اللبنانية بإجراء مباراة لتعيين مئة وخمسين مساعداً قضائياً، فشارك في تلك المباراة، وكان الأول من الناجحين، ولكن أسقط اسمه من بين الأسماء الناجحة نتيجة مداخلات سياسية، وإرضاءً لهذا وذاك من أصحاب النفوذ. كان لهذه الحادثة وقع مؤلم في نفسه، وقد كان يومئذ في مطلع الشباب يتطلع إلى المستقبل بمثالية ويؤمن كل الإيمان أن لبنان المستقل سيقوم على دولة القانون، وعلى القانون وحده. وكانت خيبة أمله كبيرة فقرر بالاتفاق مع والده السفر إلى باريس في أواخر 1949، بعد إنهاء دراسة الحقوق للتخصص في التاريخ.

دراساته العليا وشهاداته
مكث عادل إسماعيل في العاصمة الفرنسية حوالي سبع سنوات نال في أثنائها دكتوراه دولة في التاريخ من جامعة السوربون. عاد إلى لبنان سنة 1957 وعيّن مفتشاً للتعليم، بدعم من الدكتور نجيب صدقه الذي كان يشغل يومئذ منصب المدير العام لوزارة التربية، والذي كان عادل إسماعيل قد تعرّف عليه يوم كان مستشاراً للسفارة اللبنانية في باريس.
وبعد أحداث سنة 1958، قرّرت الحكومة الرباعية التي ألفت في مطلع عهد الرئيس فؤاد شهاب أن تجري إصلاحاً إدارياً في البلاد. فعيّن الدكتور عادل إسماعيل مقرراً للجنة الإصلاح في وزارة التربية الوطنية. وبعد نجاحه الكبير في تحديث وزارة التربية الوطنية، طرح إسمه مديراً عاماً لها إلا أن الحسابات الطائفية والمناطقية منعت الدكتور عادل إسماعيل من تولي منصب المدير العام، وهذا ما أحرج الحاج حسين العويني، الذي كان أحد أعضاء الوزارة الرباعية التي تشكلت بعد أحداث 1958، فطلب من الدكتور عادل إسماعيل اختيار مركز آخر، فكان التمني إلحاقه بالسلك الدبلوماسي اللبناني. وبعد أسبوع من لقائه بالحاج حسين العويني، اتصل به الدكتور بشير بيلاني القاضي في ديوان المحاسبة يومئذ، وكان قد استدعي إلى القصر الجمهوري لمراجعة قانونية لمراسم التشكيلات في الإدارة العامة، وأبلغ الدكتور عادل إسماعيل أن مجلس الوزراء قرر تعيينه مستشاراً في السلك الدبلوماسي اللبناني.

الشهادات التي يحملها
دكتوراه دولة في التاريخ (جامعة السوربون- باريس)
دبلوم الدراسات العليا في التاريخ (السوربون)
إجازة في الأدب (السوربون)
إجازة في الحقوق (جامعة ليون)
دبلوم الدراسات العليا في الأدب العربي
(جامعة القديس يوسف- بيروت).

المناصب الإدارية والدبلوماسية
بعد فترة قصيرة من عودة الدكتور عادل إسماعيل من فرنسا سنة 1957 عيّن مفتشاً للتعليم، واستمر في هذا المنصب حتى نهاية سنة 1958، حيث تقلّد في العام المذكور منصب مقرر لجنة إصلاح وزارة التربية الوطنية، واعتبر من الرجال الكبار في الإصلاح الإداري في عهد الرئيس فؤاد شهاب. وبعد ترشيحه لمنصب المدير العام لوزارة التربية، والذي لم يتحقق، حيث تم تعيينه في العام المذكور في السلك الدبلوماسي، استمر في هذا السلك حتى نهاية خدمته سنة 1992.
وهذه هي المناصب الدبلوماسية التي تبوّأها:
مستشار سفارة وقائم بالأعمال في مدريد 1960 – 1963.
مستشار سفارة في روما 1963 – 1967.
قنصل عام في ميلانو 1964 – 1967.
سفير لبنان في الخرطوم وأديس أبابا 1967 – 1969.
سفير لبنان في جدة 1969 – 1971.
مدير الشؤون السياسية في وزارة الخارجية والمغتربين
1971 – 1978.
سفير لبنان في الرباط 1978 – 1985.
سفير لبنان لدى منظمة الأونيسكو 1985 – 1990.
سفير لبنان لدى وكالة التعاون التقني والثقافي التابعة للدول الفرنكوفونية في باريس 1985 – 1992.

وكذلك ترأس عدداً من الوفود اللبنانية إلى مؤتمرات جامعة الدول العربية، ومؤتمرات دول عدم الانحياز، والمؤتمر الإسلامي، كما شارك في معظم المؤتمرات العربية والإسلامية والدولية المتعلقة بالأزمة اللبنانية.
وقد شغل أيضاً منصب أمين عام مشروع “أرابيا” لدى منظمة الأونيسكو لنشر الثقافة العربية ما بين 1991 – 1996، كما ترأس الجمعية اللبنانية للدراسات والبحوث التاريخية، هذا بالإضافة إلى مشاركته في العديد من الجمعيات العلمية والأكاديمية في لبنان والعالم.
ويعتبر الدكتور عادل إسماعيل أن المرحلة الكبرى من مهمته في وزارة الخارجية اللبنانية تمت في إطار العمل الدبلوماسي الثنائي، حيث كان معتمداً لدى عدد من الدول العربية والأجنبية، أما عمله في المنظمات الدولية فانحصر بمنظمة الأونيسكو، وهي كما نعلم منظمة تعنى بالشؤون الثقافية والعلمية، وقد استمرت مهمته فيها مدة خمس سنوات ونصف السنة من منتصف 1985 إلى أواخر سنة 1990.
تجربته في الأونيسكو كانت واسعة الآفاق وغنية في شؤون التراث والعمل الفكري، ذلك أن هذه المنظمة تضم أكثر من 185 دولة، ممثلة بكبار أعلام الفكر فيها، الذين ينتمون الى حضارات وثقافات إنسانية غنية متعددة. وقد أثبت الدكتور عادل إسماعيل، وبشهادة زملائه السفراء والحكومة اللبنانية، دوره الريادي وتأثيره وأهميته في المنظمات الدولية، ورغم موقع لبنان في هذه المنظمات الذي لا يتعلق بقوته وغناه المادي وقدرته العسكرية، وإنما بكفاءات ممثليه، فهناك دول صغيرة أثبت سفراؤها في ندوات الأونيسكو ومؤتمراتها حصافة في الرأي، وقدرة في إقناع الأعضاء بوجهات نظرهم، وبتبني آرائهم من قبل المجتمع الدولي، بينما هناك سفراء لدول كبرى لم يكونوا في المستوى الثقافي والعلمي المطلوب، وفشلوا في الحصول على تقبّل وجهات نظر بلادهم في تلك الندوات والمؤتمرات.
وقد تمكّن الدكتور عادل إسماعيل طوال عمله في الأونيسكو، ولدى وكالة التعاون الثقافي والتقني لدى الدول الفرنكوفونية من الحصول في أثناء الحرب على عشرات المنح الدراسية للطلاب اللبنانيين، كما عمل على إنشاء صندوق للبنان في هذه الوكالة بمعاونة الدول الصديقة، بلغت قيمة المبالغ التي جمعت فيه ملايين الفرنكات الفرنسية، وزعت على المؤسسات الثقافية والاجتماعية في لبنان.

ايام الدراسة في باريس:

مؤلفاته ودراساته
لم يخرج الدكتور عادل إسماعيل في مؤلفاته عن الخط الذي رسمه لنفسه منذ انتهاء دراسته الجامعية في السوربون سنة 1956، وتنحصر هذه المؤلفات في حقلي التاريخ والسياسة، وهذان الحقلان متلازمان يتمم الواحد منهما الآخر. فمؤلفاته تتعلق بمعظمها بتاريخ لبنان، وتاريخ البلاد العربية، والسياسة في الشرق العربي، وغيرها من المواضيع العامة. أما عدد هذه المؤلفات فبلغ 85 مؤلفاً باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية.
أبرزها كما هو معلوم موسوعة “الوثائق الدبلوماسية والقنصلية” التي بلغت 50 مجلداً تشمل المحررات القنصلية والمحررات السياسية والمحررات الاقتصادية وهي مجموعة من محررات لندن المحفوظة في وزارة الخارجية الفرنسية، وكذلك محررات بطرسبورغ، وفيينا وبرلين وروما وغيرها من العواصم الكبرى.
المؤلفات التي نشرها باللغة العربية:
السياسة الدولية في الشرق العربي، 5 أجزاء، بالمشاركة مع السفير الأستاذ أميل خوري 1958 – 1973.
تاريخ لبنان الحديث، بالمشاركة مع الدكتور منير إسماعيل 1990.
الصراع الدولي في الشرق العربي، بالمشاركة مع الدكتور منير إسماعيل 1990.
الجديد في التاريخ، 8 أجزاء، 1956 – 1958.
لبنان في تاريخه وتراثه، وبمشاركة نخبة من رجال الفكر في لبنان، جزءان- مؤسسة الحريري 1993.
في الحوار والحياة المشتركة بين الطوائف والأديان، النموذج اللبناني، وبمشاركة نخبة من رجال الفكر في لبنان- مؤسسة الحريري 1996.
التنشئة الوطنية ومقومات الدولة، وبمشاركة نخبة من رجال الفكر في لبنان.
أزمة الفكر اللبناني، بالمشاركة مع السفير نصري سلهب والدكتور منير إسماعيل بيروت 1997.
المردائيون (المردة) من هم؟ من أين جاؤوا؟ وما هي علاقتهم بالجراجمة والموارنة، بيروت 2000.
إنقلاب على الماضي، لما أدخل على تاريخ لبنان من الأساطير والخرافات والأوهام والأحداث التي لا أساس تاريخياً لها. هل آن الأوان كي يطّلع اللبنانيون على الحقيقة في تاريخ بلادهم؟ بيروت 2003 م.
مناهج الكمال في أسمى الخصال، مع دراسة لغوية وأبحاث في فلسفة الحياة وركائز المجتمع المدني – بيروت 2002.
مساوئ التقسيم، ومخاطر إنشاء الدويلات الطائفية، ونظام شكيب أفندي (1845 – 1860).
مأساة جنوب لبنان، في تردد المواقف العربية، وفي متاهات السياسة الدولية. إلى أين آلت الاستراتيجية العربية الشاملة لحماية جنوب لبنان؟
ثمانون، ذكريات في ما وراء جدار الصمت.
المؤلفات التي نشرها باللغة الفرنسية:
Documents diplomatiques et consulaires relatifs à l’histoire du Liban (50 vol. 1975 – 2000).
Histoire du Liban du XVIIème siècle à nos jours (2 vol. 1955 – 1958).
Le Liban Histoire d’un peuple 1963.
L’histoire des pays arabes dans lesarchives diplomatiques françaises + thèmes et références 1535 – 1945.
Les pays du proche – Orient (2 vol. 1992).
Les pays du grand Maghreb (1 vol. 2000).
L’Islam et les Musulmans dans le Monde (5 vol.).
Ouvrages Collectifs Europe, Asie (2 vol).
Afriques. Amérique.
Texte français (5 vol).
Texte anglais (5 vol).
المؤلفات التي نشرها باللغة الإنكليزية:
Lebanon: History of a people.
هذا بالإضافة إلى العديد من البحوث والمقالات السياسية والتاريخية والفكرية، التي نشرت في الصحف العربية والأجنبية، والمحاضرات التي ألقيت في لبنان وفي النوادي العربية والدولية.

مع المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1970
مع المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1970

منهجه في تدوين التاريخ:
ترك الدكتور عادل إسماعيل مكتبة عامرة تأليفاً وتحقيقاً وتوثيقاً وترجمة تناولت صنوف المعارف في ميادين التاريخ والشؤون السياسية اللبنانية والعربية والدولية، وهو موقف دقيق الرصد للأحداث الوطنية وعرض الوقائع التاريخية بتجرد ودقة فساهم بذلك في كشف حجم التحيّز والاختلاق الذي شاب أعمال بعض المؤرخين الذين بدوا مهتمين بخدمة قضيتهم السياسية أكثر من اهتمامهم بإنتاج تاريخ يسجل مسار الأحداث بموضوعية. وقد ساعده في ذلك استحواذه على كم ٍّ هائل من الوثائق الديبلوماسية ومراسلات القناصل والمنشورات السياسية وقنصلية وغيرها مما أعطى صورة حقيقية لتاريخ لبنان القديم والمعاصر الذي كان دوماً نقطة تقاطع للمصالح الدولية الكبرى والسياسات المحلية والإقليمية والدولية.
يقوم أسلوب الدكتور عادل إسماعيل في كتابة التاريخ على أساس ضبط الأحداث التاريخية وتوثيقها وإحكام الربط بينها وبين الأشخاص الذين لعبوا دوراً في صنع تلك الأحداث، وكان يتعامل مع الحوادث بموضوعية وأمانة وتجرد، بارزاً الحقيقة التاريخية في جميع كتاباته فكان من المؤرخين اللبنانيين الرواد الذين عرفوا فضل الوثيقة واهتموا بجمعها والحرص على استخدامها والإحاطة بمضامينها. ومكتبة الدكتور عادل إسماعيل لا تزال تضم مجموعة كبيرة من رسائل ومعلومات ووثائق سياسية ودبلوماسية يعزّ وجودها بهذه الوفرة في مكان واحد. ولم تقتصر كتابات الدكتور عادل إسماعيل على التاريخ اللبناني، وإنما نجده يهتم بتاريخ المشرق العربي وعبر منه إلى السياسة الدولية. وتدل كتاباته التي أنجزها خلال الستين عاماً من حياته الثقافية على مدى حيوية هذا المؤرخ وتأثيره في الحياة السياسية والثقافية.
حثّ الدكتور عادل إسماعيل الباحثين والمؤرخين على أن يعتمدوا تحقيق النصوص التاريخية ويربطوا بينها ويدققوا في ما عداها من مصادر وروايات بما يجعل كتابة التأريخ عملية خالية من التحريف وملتزمة بالأصول العلمية والتي حدّد أصولها وتطبيقها في ما يلي:
1. وجوب توخي الدقة في التعبير والتحلي بالتفكير العقلاني البعيد عن الأهواءء الطائفية والعقائدية والحذر من متاهات الأساطير والخرافات ومزالق الأوهام والأحقاد في تقييم الأحداث ودراسة أسبابها وتطورها.
2. وجوب التحلّي أيضاً بالتسامي الفكري والاعتناء بكتابة أحداث متحرك الماضي بأمانة بحيث يمكن فهم مغزاها والتعلم منها. أما التأريخ المتحرك بدافع الهوى أو الغرض السياسي فلا يعتبر تأريخاً بل عملاً منحازاً في خدمة فريق أو قضية.
3. من شروط كتابة التاريخ والنقد التاريخي أن ينفتح المؤرخ على التيارات الفكرية والمحلية والإقليمية والعالمية فلا يرفضها دون تقييم متجرد، وعليه بالتالي الابتعاد عن التقوقع أو السلبية الجامحة التي تعطل التفكير السليم، وتجعل المؤرخ أسير عقد نفسية طائفية أو قومية، وضحية مواقف يدحضها العلم ويرفضها المنطق.
4. يجب على المؤرخ المهني احترام كرامة الآخرين والابتعاد عن التجني عليهم والتشهير بهم، فالتحقير وتلفيق الأحكام الظالمة ليست من العمل التاريخي وهي تفقد المؤرخ الصدقية وتعبر عن ضعف الحجة لديه، وعن عواطف مشحونة يترفع عنها ويأنفها رجال الفكر وأهل العلم.
5. العمل على التحديث المستمر لكتابة التاريخ وذلك عن طريق البحث الدؤوب ومقارنة الوثائق واستخلاص ما قد قد يحتاج المؤرخ لاستخلاصه في ضوء الوثائق الإضافية أو أي عنصر جديد يظهر في موضوع البحث.
6. هذه بعض من أبرز القواعد العامة التي يراها الدكتور عادل إسماعيل، والتي تتبع في جميع بلدان العالم، ويؤكد على جميع المؤرخين التقيّد بها لأصولية كتابة التاريخ.

مع إمبراطور الحبشة هيلاسيلاسيه عام 1968 أثناء تقديم أوراق اعتماده
مع إمبراطور الحبشة هيلاسيلاسيه عام 1968 أثناء تقديم أوراق اعتماده

أبرز إنجازاته موسوعة “الوثائق الدبلوماسية والقنصلية التي جمعها في 50 مجلداً من المحفوظات الدبلوماسية في لندن وباريس بطرسبورغ، وفيينا وبرلين وروما وغيرها من العواصم الدولية

الجوائز والأوسمة
في 29 تشرين الثاني سنة 1996 أقيمت في الجامعة اللبنانية- قسم التاريخ ندوة علمية لتقييم مؤلفات الدكتور عادل إسماعيل التاريخية والسياسية، وقد نشرت في ما بعد في كتاب قيّم بعنوان” عادل إسماعيل، المؤرخ، الباحث، الدبلوماسي”. وقد قال فيه الأستاذ “فيدريكو مايور”، المدير العام السابق لمنظمة الأونيسكو: “الدكتور عادل إسماعيل قد بلغ أهداف التقدّم من السبق والتمييز في العلم والخلق والعطاء، فأغنى المكتبة اللبنانية والمكتبة العربية بإنجازات اكسبتها معنى خاصاً، والفكر العربي انفتاحاً وإبداعاً، فكانت خبرته تجديداً وغنى أضافت إلى خبراته الأكاديمية والفكرية طابعاً إقليمياً ودولياً معترفاً به. فالدكتور عادل إسماعيل موضع تقدير المفكرين والأدباء والمربين، عرباً وأجانب، وموضوع تقديرنا جميعاً… فمكانته فوق كل مكانة، إنه الرجل المفكر والدبلوماسي الذي استطاع أن يمثل بلاده في الأونيسكو بفكره وعطائه، فكان مثالاً لمفكر عربي جمع بين الفكر والسياسة، ومثالاً لمفكر معاصر كرَّس حياته لإخراج ما يزيد على 85 كتاباً هي ثروة هذا العصر، وذخيرته لمن سيخطون خطاه في الفكر والسياسة…”.
وقد نال الدكتور عادل إسماعيل الجوائز والأوسمة التالية:
الجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية 1989.
جائزة جمعية المؤلفين باللغة الفرنسية 1980.
جائزة ريشيلو من الأكاديمية الفرنسية 1956.
ميدالية ابن سينا الذهبية التي تمنحها الأونيسكو لرؤساء الدول ولكبار الشخصيات الفكرية في العالم.
ميدالية المؤرخ العربي التي يمنحها اتحاد المؤرخين العرب.
وسام الأرز الوطني برتبة كومندور.
الوشاح الأكبر العلوي (المملكة المغربية).
وسام ضابط أكبر (إيطاليا).
وسام ضابط أكبر (رومانيا).
وسام جوقة الشرف برتبة ضابط (فرنسا).
ميدالية الجامعة اللبنانية.
ميدالية مؤسسة الحريري.
ميدالية رابطة اللبنانيين من خريجي الجامعات الفرنسية.
يقول الدكتور خطار شبلي: “الدكتور عادل إسماعيل مجموعة قيم، بل مجموعة رجال في رجل، هذا الدبلوماسي البارع الذي مثّل لبنان في مختلف عواصم العالم، وفي مختلف المحافل الدولية محاضراً ومحاوراً، وهو المؤرخ العالم في الشؤون اللبنانية والعربية والإسلامية، تحتوي كتبه على ثروة من الوثائق والمستندات القيّمة وعلى تحليل علمي وموضوعي لها. وهو الإنسان الذي يتميز بالنبل والأخلاق السامية. يقدره ويحترمه كل من يتعامل معه من هيئات رسمية واجتماعية، وهو الصديق الصدوق الذي يتحلى بالإخلاص والوفاء، وما أصعب أن تطلق على إنسان كلمة صديق…”.
وبعد هذا نرى أن الدكتور عادل إسماعيل قد وهب حياته إلى البحث العلمي، وقدّم للمكتبة العربية العديد من الدراسات التاريخية والسياسية والتراثية والفكرية.
مع هذا المشوار الطويل، وبعد عمر ناهز الثمانين عاماً، انتقل إلى جوار ربه في صبيحة نهار الخميس 24 حزيران 2010 في فرنسا ودفن في بلدته دلهون يوم الخميس 1 تموز من العام نفسه، وقد خلّف رحيله أسىً موجعاً في قلوب كل محبيه ممن عرفوه أو قرأوه، أولئك الذين افتقدوا فيه الدبلوماسي الراقي والمؤرخ والعالم الكبير، وليس لنا إلا أن نقول “سلام عليك يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حياً”.
رحم الله الدكتور عادل إسماعيل وأثابه عما قدم من خدمات جلى
لكتابة التاريخ ولا سيما تاريخ لبنان المعاصر.

 [/su_spoiler]

[su_spoiler title=”عادل إسماعيل وتصحيح تاريخ لبنان ” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

الدكتور حسن أمين البعيني

تميّز بتحرّيه الدؤوب للحقائق الموثقة بجهد متواصل
فكسر احتكار كتابة التاريخ وكشف التحريف الواسع فيه

أبرز إضافاته دحض أسطورة علاقة المردة والجراجمة بالموارنة
مثبتاً أن الشعوب الثلاثة مختلفة تماماً تاريخاً ولغةً ومعتقداً

دخل مكتبة الفاتيكان بقصد تحرّي وثائق خاصة بتاريخ لبنان
فسأله الراهب اللبناني: هل تاريخ لبنان يعنيك؟ وما هي علاقتك به؟

المسلمون لم يهتموا بكتابة تاريخ لبنان فأخلوا الساحة لغيرهم
وبعض المتزمتين منهم أنكروا على إسماعيل الكتابة بالفرنسية

الدكتور عادل إسماعيل بحّاثة ومؤّرخ كبير ورائد في مضمار جمع الوثائق ونشرها، فتناول شخصيته وسيرته ومؤلفاته، لا تكفيه مقالة أو بحث قصير، لذا سنتحدث عنه من خلال نقاط محددة تحت عنوان كتابة تاريخ لبنان.

التحوّل من دراسة القانون إلى دراسة التاريخ
بعد أن أنهى عادل إسماعيل الدراسة الثانوية إلتحق بكلية الحقوق التابعة لجامعة القديس يوسف في بيروت (اليسوعية). وكان كسائر أبناء منطقته (إقليم الخرّوب)، الفقيرة والمهملة والمحرومة، يطمح لدخول مجال الوظيفة العامة كباب لتأمين الاكتفاء المادي، لذا قَبل نصيحة والده، حين كان في السنة الثانية من دراسته الجامعية، أن يشترك في مباراة حُدّدت لأخذ 150 مساعداً‏ قضائياً في وزارة العدل، لكنه، بعد صدور النتيجة، وظهوره الأول بين المتبارين، لم ينزل عند رأي والده اللجوء إلى واسطة زعيم، أو موظف كبير، أو مسؤول سياسي، لدعم وصوله إلى الوظيفة المطلوبة، إعتقاداً منه أن حيازته المرتبة الأولى كفيلة وحدها بإيصاله إلى الوظيفة، وأنه إذا حصل تلاعب في المرتبات وتعديل بالأسماء، سيقفان عند حدود المرتبة الأولى ولن يلغيا إسمه. ولم يصح ما توقّعه، وصُدم عند صدور النتيجة، وإيراد أسماء الناجحين في الصحف، بأن إسمه ليس من بينها. وصُدم أكثر حين علم أن الأشخاص الناجحين لم يتقدّم أحدهم إلى الإمتحان، بل عُيّنوا جميعاً تعييناً نتيجة الوساطات التي قاموا بها لدى أصحاب النفوذ وأولي الأمر من الزعماء والبكوات والمشايخ.
جرى ذلك في مطلع عهد الإستقلال، أيام كان اللبنانيون يعملون لبناء أسس الدولة بعد أن نالوا إستقلال الدولة على الصعيد الدستوري ونجحوا في تحرير الدستور من المواد المتعلّقة بالإنتداب الفرنسي، في تشرين الثاني 1943، وعلى الصعيد الإقتصادي بتسلّم المصالح الخاصة بلبنان والمصالح المشتركة مع سوريا، وعلى صعيد جلاء الجيوش الأجنبية بجلاء آخر جندي فرنسي في 31 كانون الأول 1946.
لقد حزّ في نفس عادل إسماعيل أن تجري عملية التوظيف في لبنان، بعد إستقلاله، وفق المحسوبية والوساطة، وألاّ يتحرّر المواطنون من التبعية والمحسوبية والإقطاع السياسي، مع الإشارة إلى أن تجاوز القانون، بالشكل الذي جرى فيه وأدّى إلى حرمان عادل إسماعيل، لم يشهد عهد الإنتداب له مثيلاً بنسبته العالية من تجاهل الأصول والضوابط. لقد آلمه كثيراً أن يتلقى هذه الصدمة الكبيرة في مقتبل عمره، وفي بداية بناء دولة الإستقلال، وأدرك خطورة المسلك الذي سار عليه رجال السياسة في لبنان، وأنه، في حال إستمرارهم فيه، سيؤول حتماً إلى تقويض كيان الدولة، وإلى ترحّم اللبنانيين على عهد الإنتداب.
حين أنهى عادل إسماعيل دراسته في الجامعة اليسوعية، بنيل الإجازة في الحقوق، تحوّل إلى إختصاص آخر، وقرّر السفر إلى باريس للإلتحاق بجامعة السوربون في علوم التاريخ، وبهذا عزم أن ينتقل من مجال القانون، الذي لم يؤمّن له وظيفة تقدّم لها، إلى مجال التاريخ الذي أمل الإبداع فيه، فخرج بهذا من الحاضر إلى أصوله وامتداداته في الماضي، لا ليعيش الماضي بأحداثه ويدوّنها فحسب، بل ليساهم في إعطاء العبر منه، وفي فهم الحاضر، وفي بناء مستقبل لبنان، تبعاً لمفهوم التاريخ وفوائده، بحيث يصبح لبنان وطن العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.

النهج
إن حرمان الإدارة اللبنانية، وتحديداً وزارة العدل، من موظف صالح كفوء، أكسب مجال التأريخ مؤرّخاً ثقةً كفوءاً، أغنى المكتبات بأفضل الكتب وأعظمها فائدة، وبأوسع الموسوعات الوثائقية، تميّز بتجرّده، وأسلوبه العلمي، وتحرّيه للحقائق، وكشفه للأخطاء، بحيث ساهم ما أمكنه في تصحيح تاريخ طاله الكثير من التحريف، كما ساهم في محاولات وضع الأسس لبناء دولة مختلف على هويتها وعلى قواعد بنائها، وعلى كيفية توحيد مواطنيها، من خلال المعرفة الحقيقية والفهم العميق لتاريخ لبنان.

دير-القمر-في-القرن-التاسع-عشر
دير-القمر-في-القرن-التاسع-عشر

عرف عادل إسماعيل دور التاريخ والمؤرّخ في عملية بناء الوطن، وإيجاد التفاعل والتكامل بين الشعوب. فالتاريخ “ليس عملية ترديد للأحداث كما ترويها كتب الآخرين دون مراجعة أو نقد، وإنما هو دراسة وتحليل وتوضيح عوالم ومقوّمات المجتمع الذي نشأت فيه تلك الأحداث وتطوّرت” وكتابة التاريخ لا تقوم على معلومات سطحية، ومدوّنات مضلّلة، وإنما تقوم على إعتماد المراجع القيمة لأعلام المؤرّخين السابقين والمعاصرين، والعودة إلى الأصول المخطوطة والوثائق غير المنشورة، ومنها ملايين الوثائق الموجودة في مكتبات العواصم والمدن الكبرى التي نشر بعضها عادل إسماعيل، كما سنرى لاحقاً، والتي تنتظر الكثيرين غيره لنشر ما تبقى منها وما سيستجد مع الأيام. أما المؤرّخ، فهو عند عادل إسماعيل الساعي إلى التفتيش عن الحقيقة. ” لكن ما من مؤرّخ رصين يجيز لنفسه القول إنه يملك الحقيقة بكاملها. وهل في العمل التأريخي حقيقة نهائية. فالحقيقة التاريخية هي أمر نسبي في تصوّراتنا، وهي معرّضة في كل وقت للتبدّل كلما زاد الأثريون في إكتشافاتهم، وفي إبراز معالم الحضارات الكثيرة التي عاشت وازدهرت على هذا الكوكب ولا تزال دفينة في الأرض، وكلما توسّع البحث وازداد عمقاً في ذخائر المحفوظات التي لم تطلها بعد يد الإنسان”
أولى نجاحات عادل إسماعيل في الكتابة التاريخية، كانت عندما رغب استاذه البروفسور بيكار، أحد كبار الأساتذة والمؤرّخين في فرنسا، من تلاميذه الثلاثمائة تحضير بحث من عشر صفحات حول الموضوع التالي: “تأثير الحضارات الشرقية القديمة في الحضارتين الهللينية والهللينستية”. فأعد عادل إسماعيل بحثه في ضوء مطالعته لعدد كبير من الكتب الموجودة في مكتبة جامعة السوربون، ومكتبة Sainte Genevieve، التي تطرّقت إلى هذا الموضوع. وبعد أن إطّلع البروفسور بيكار على الأبحاث، وأعادها إلى تلاميذه مع ذكر ملاحظاته عليها، نوّه فقط بعادل إسماعيل، ولأنه وضع دراسة قيّمة في موضوع شائك، لا يتعلق أصلاً بالثقافة العربية الأصيلة، لأنه كتب بلغة فرنسية صحيحة ورجاه أن يستمر في المستقبل في النهج القويم الذي اعتمده.
لقد كان نهج عادل إسماعيل لاحقاً هو النهج القويم الذي هنّأه عليه البروفسور بيكار، وهو سيزداد وضوحاً ورسوخاً في أسسه ومظاهره مع الأيام. إنه نهج الإعتماد على المصادر والأصول، أو التركيز عليها في حال الإعتماد أيضاً على المراجع، فالمصادر هي أساس التاريخ الأول والأصول اذا ضاعت ضاع التاريخ. ونهج عادل إسماعيل هو الموضوعية والأسلوب العلمي، والبعد عن الهوى والتغرّض، وهو نهج الأسلوب الشيّق، واللغة السليمة، والمعاني الواضحة، واعتماد الفهارس والإيضاحات المفصّلة على النص، إضافة إلى الجداول والخرائط والصور.

تاريخ مشحون بالأهواء الفئوية
وجد عادل إسماعيل تاريخاً للبنان محرفاً ومختلفاً عليه، نتيجة لإختلافات الإتجاهات الفكرية والإيديولوجية، ونتيجة للإنقسامات الفئوية، الطائفية والمذهبية، ولاحظ أن من أسباب الإختلافات في كتابات المؤرّخين ضآلة المصادر التاريخية التي يعتمدون عليها، وكثرة إعتمادهم على الروايات المحلية المتناقلة دون سند حقيقي، والمراجع المتضمنة للكثير من الأخطاء، وعلامات الجهل بالحقائق، أو المثقلة بسوء تفسير الأمور، والغرّض السياسي، فقرر سدّ هذه الثغرات الكبيرة عبر انتهاج طريق المؤرخ الرصين والجاد وهو طريق البحث والتنقيب في الوثائق غير المنشورة مثل المراسلات والتقارير الدبلوماسية المحفوظة في إرشيف وزارات الخارجية والحكومات أو في مكتبات العواصم والمدن الأوروبية، وفي الأرشيف العثماني في اسطنبول، وهذه الوثائق كتبت في حينها لتنوير حكومات المبعوثين الدبلوماسيين أو القناصل بما يجري وتزويدها بكل شاردة وواردة مما يتيح لها رسم سياساتها ومواقفها. (ولهذا السرية في وقتها) هي أقرب ما يكون إلى وصف الواقع التاريخي آنذاك دون أن يعني ذلك أنها دقيقة لأن للدبلوماسيين أهواءَهم أيضاً. لكن بصورة عامة، فإن الوثائق التي قرر عادل إسماعيل التنقيب في غياهبها ليست فقط مرجعاً صالحاً لتصويب الأخطاء، وتخفيف الإختلافات، بل هي وسيلة لإغناء الأبحاث، والإضاءة على الفصول الغامضة أو المجهولة، وبالتالي توضيح الصورة الحقيقية لمراحل حساسة ودقيقة من تاريخ لبنان والمنطقة. وما كان عادل إسماعيل يهدف من إعتماد هذا النهج، ومن ترويجه، إختراع تاريخ جديد للبنان، وإنما كان يهدف إلى تصحيح ما فيه من أخطاء والوصول به إلى أعلى نسبة من الحقيقة، كي يؤدي الفائدة المرجوة منه. وفي ما يلي بعض وجوه نشاطه وبعض الإشارة إلى مؤلفاته.

كسر إحتكار كتابة التاريخ
لم يستطع الدكتور عادل إسماعيل الوصول إلى وظيفة مساعد قضائي، لأن أرباب النفوذ والوجاهة والسلطة في لبنان إحتكروا حق التوظيف، وحق إيصال الوظائف والمنافع إلى الناس حتى صارت تسري إلى المواطنين من خلال قنواتهم، وتمرُّ عبر بواباتهم. ثم لم يستطع في ما بعد تسلّم وظيفة مدير عام وزارة التربية، حين طرح اسمه الحاج حسين العويني وكان يومها وزير الخارجية والمغتربين والعدلية والتصميم العام في الحكومة الرباعية التي شكّلها الرئيس رشيد كرامي في 14/10/1958، وذلك لأن مسلمي بيروت إعترضوا عليه فأرسل مفتي الجمهورية اللبنانية وفداً إلى الرئيس الحاج حسين العويني يطلب منه التراجع عن ترشيح عادل إسماعيل، بحجة أنه من جبل لبنان ومن إقليم الخرّوب” وأن إسلامه كأبناء منطقته إسلام فاتر”، وبحجة ثانية هي أهم بالنسبة إلى موضوع كتابة التاريخ، الذي نحن بصدده، وهي أن عادل إسماعيل كتب عن تاريخ لبنان باللغة الفرنسية كتاباً نشرته في باريس دار النشر العالمية Maison neuve سنة 1955، ووضع مقدّمته البروفسور شارل ساماران. وعلّق الدكتور المرافق للوفد الإسلامي، الذي تذرّع بهذه الحجة، قائلاً: “هل يكون مسلماً هذا الذي يكتب تاريخ لبنان باللغة الفرنسية”.
فإنتفض الحاج حسين العويني لدى سماعه ذلك، وقال: وهل من حصّل العلم في جامعة السوربون في فرنسا يخسر هويته الدينية؟ وقد قال الرسول الأعظم: “أطلبوا العلم ولو في الصين” واضاف: وهل الكتابة في تاريخ لبنان أصبحت في نظركم جريمة يعاقب عليها، وتريدون أن تتركوا تاريخ بلدكم في يد الآخرين ليرووه ويدوّنوه على هواهم”.‏
وفي ما إعتبر بعض المسلمين عادل إسماعيل ذا إسلام فاتر، لأنه من أهالي إقليم الخرّوب من الجبل، ولأنه خرج عن إطار التأليف المتبع باللغة العربية، فألف كتاباً باللغة الفرنسية، إعتبره بعض المطارنة مسلماً متعصّباً، وقابلوا الرئيس فؤاد شهاب، ورفضوا تولّيه المديرية العامة لوزارة التربية، وأعلنوا عزمهم على عدم التعاون معه في خطة الإصلاح المنوي القيام بها في هذه الوزارة أسوة بسائر الوزارات، وكانت حجتهم في ذلك الحجة نفسها التي تذرّع به مسلمو بيروت، وإنما بمفهوم مختلف عبّروا عنه بالقول: “إن عادل إسماعيل، بتأليفه كتاباً في تاريخ لبنان، ينسف بأسلوب علمي، وبحجج مقنعة للكثيرين، المعطيات الأساسية لتاريخ لبنان، التي نعتبرها ثوابت لا تمس، وهو بالتالي خطر على مفهومنا للتاريخ”.

المؤرخ فيليب حتي
المؤرخ فيليب حتي

المسلمون أهملوا تاريخ لبنان
المسألة هنا مزدوجة ذات وجهين: أولهما هو عدم اهتمام المسلمين بكتابة تاريخ لبنان، الأمر الذي أشرع الساحة لغيرهم، ثم موقف بعض ضيقي الأفق منهم الذين “أفتوا” بأن من شاء كتابة التاريخ فليكن باللغة العربية فقط، وفي هذا تنازل طوعي عن الإطّلاع على المصادر المكتوبة باللغات الفرنسية والإنكليزية والإسبانية والإيطالية واللاتينية واليونانية، وهي التي تغني الكتابات التاريخية لإحتوائها على الكثير من المعلومات والحقائق، ولا سيما تلك التي دوّنها البحاثة والمستشرقون والرحّالة الذين حفظوا لنا الكثير من الوقائع والحوادث ووجوه النشاطات الاجتماعية والاقتصادية، التي لم يدوّنها الكتّاب المحليون، أو دوّنوا بعضها لكنه ضاع ولم يُستفد منه. كما أن الكتابة باللغات الأجنبية هي أكثر من ضرورة، وذلك ليطّلع الأجانب على تاريخنا بلغاتهم، لأنه لا يتيسّر إلا للقلّة منهم فهم اللغة العربية وقراءتها وكتابتها، وبهذا يطّلعون على ما لم يرد في المدوّنات المكتوبة بلغاتهم، فتكتمل الصورة عن تاريخ لبنان، ويحصل التفاعل الثقافي الحضاري المنشود، علماً أن من بديهيات الأمور إمكان تعريب أي عمل يصدر باللغات الأجنبية إلى لغة الضاد، وهذا جارٍ كل يوم في جميع ميادين التأليف ولم تكن لغة الكتاب الأصلية في أي وقت عائقاً أمام وضعه في تصرف قرّاء العربية.
أما الوجه الثاني، فهو أن المسيحيين عموماً، والموارنة خصوصاً، كانوا أسبق من سائر اللبنانيين إلى الانفتاح على حضارة الغرب ولاسيما الحضارة الفرنسية واللاتينية، وبالتالي تعلّم اللغات الأجنبية، والنهل من الثقافات الأجنبية، وهذا إضافة إلى سبقهم نتيجة دعم الدول الأوروبية في مجالات الاقتصاد والمال والقانون وغيرها، وقد أدت هيمنة بعض المؤرخين إلى تشكّل ما يمكن اعتباره “إقطاعاً ثقافياً” احتكر كتابة تاريخ لبنان بفضل الموقع المتميز لبعض المؤرخين وجدِّهم واجتهادهم، ونتيجة لإهمال سواهم، إلا أن البعض من هؤلاء اغتنم فرصة تفرده بالساحة وغياب الرؤية المقابلة لتسخير التاريخ بما يخدم الأغراض الفئوية، ولترتيب الشؤون السياسية بشكل يضمن استمرارية نفوذ فئة من اللبنانيين وهيمنتها في مختلف المجالات. وقد كان أحد أبرز أهداف المؤرخين أولئك ولا شك توفير أساس تاريخي زائف أو محوّر يثبت الهوية اللبنانية الخاصة الملتصقة بالحضارة الفرنسية والغربية المسيحية والمنقطعة عن جذورها الحقيقية المشرقية العربية ومحيطها الأوسع الذي تميز تاريخياً بالتسامح والتنوع الديني والثقافي في ظل تسامح الإسلام.
حين يُذكر الدكتور عادل إسماعيل تُذكر معه الوثائق الدبلوماسية التي جمعها ونشرها، والتي أثرت المكتبات العامة والخاصة، وساهمت في تصحيح الحقائق ونقض الكثير من الادعاءات والروايات المضللة لتاريخ لبنان الحديث. وحين تُذكر الموسوعات الوثائقية يُذكر أولاً عادل إسماعيل. وقد كانت بداية مشروعه في جمع الوثائق في سنة 1951. في هذه السنة إقترح البروفسور لويس ماسينيون عليه مشروع جمع المحفوظات الفرنسية، فعرض الأمر على صديقه الدكتور الفرد خوري فشجّعه على ذلك منبّهاً إياه إلى المعارضة الشديدة التي سيلقاها إبّان تنفيذه لهذا المشروع “من قبل الذين يعدّون تاريخ لبنان حكراً عليهم”، وأضاف قائلاً: “إنه سيكون أول مسلم لبناني يقتحم القلعة الموصدة لتاريخ لبنان”.

وثائق نادرة جمعها من المحفوظات الفرنسية والإسبانية والإيطالية إختفت من خزائن المتحف الوطني أثناء الحرب اللبنانية وسبق ذلك سرقة الميكرو فيلم الذي يتضمن الوثائق التي نشرها في كتبه عن تاريخ لبنان

مشروع إصدار الوثائق الخاصة بلبنان
أخذ عادل إسماعيل موافقة الأمير موريس شهاب، مدير المتحف الوطني في لبنان (المديرية العامة للآثار في ما بعد) فشجّعه الأمير على ذلك، وقدّم له العديد من التسهيلات والمساعدات. وبعد جمع الوثائق ونقلها إلى ميكرو فيلم، ووضعها في المتحف الوطني، جرى توقيع إتفاق بين وزارة السياحة (المديرية العامة للآثار) والدكتور عادل إسماعيل بتاريخ 25 كانون الثاني 1974 على كيفية نشر هذه الوثائق. ثم جرى أخذ موافقة المراجع الفرنسية واللبنانية المختصة. وحين انتشر خبر ذلك، قوبل بإستحسان الكثيرين من المؤرّخين والباحثين، وقوبل في الوقت نفسه بمعارضة عدد من رجال الاكليروس والمقرّبين منهم، “لأنه لا يسعهم القبول بأن يتولى تنفيذه أحد المسلمين، وأكّدوا للأمير موريس شهاب أن مصلحة لبنان تقضي بأن يبقى هذا المشروع بين أيدي الباحثين والمؤرّخين الموارنة، أو الرهبان منهم على الأخص، لأنهم أحرص من غيرهم على وجه لبنان الثقافي الصحيح حسب رأيهم”.
قبل ذلك بسنوات، وبحسب ما يذكر الدكتور عادل إسماعيل، رغب إليه صديقه السفير إميل خوري أن يزور مكتبة الڤاتيكان، وسهّل له ذلك، وكلّف راهباً لبنانياً بتسهيل زيارته ومرافقته. وكانت بغيته الاطّلاع على الوثائق غير المنشورة، لا على الكتب، وحين أوضح ذلك للراهب، وأنه ينوي كتابة تاريخ لبنان في ضوء وثائق الڤاتيكان كما في ضوء وثائق وزارات خارجية الدول الأوروبية، التي اطّلع عليها، أجابه الراهب: “وماذا يعنيك تاريخ لبنان، وما هي علاقتك بتاريخ لبنان”. فوجد أن الراهب يعرف تاريخ لبنان، أو ينظر إليه من منظار خاص، ويعتقد بأنه ملك لفئة من اللبنانيين من دون غيرها، وليس لأحد الحق في الإهتمام بهذا التاريخ، فودّعه وغادر المكتبة.
ومقابل ما ذكره عادل إسماعيل من عقبات وإعتراضات لقيها من بعض رجال الإكليروس الماروني، وبعض المؤرّخين، قضت الأمانة التي اتصف بها، أن يذكر الذين سهّلوا مهمته وساعدوه فسمّى منهم الأخوين، السفير إميل خوري والدكتور الفرد خوري، والأمير موريس شهاب، ورئيس الجمهورية اللبنانية سليمان فرنجية. وبفضل هذه المساعدة من مسيحيين لبنانيين، وبفضل إصراره على إكمال عمله، وجهوده الجبّارة، تمكّن من دخول ما سمّاه صديقه الفرد خوري “القلعة الموصدة في تاريخ لبنان”، وإختراق ما سمّاه إحتكار كتابته، فصدرت له الكتب العديدة عن تاريخ لبنان، إعتماداً على الوثائق التي جمعها، ثم أصدر هذه الوثائق باللغة الفرنسية في سلسلة من 50 مجلداً بعنوان “Documents diplomatiques et consulaires” غلافها جيد، وورقها ممتاز، مزوّدة بالفهارس والجداول والبيانات والصور، ثم ترجم معظمها الى العربية ليسهّل إطّلاع الجميع عليها، لإصدارها في سلسلتين، الأولى تاريخ لبنان الحديث في 15 جزءاً، والثانية الصراع الدولي حول المشرق العربي 1700 – 1985 في 15 جزءاً. وهذه الوثائق تتعلق بسياسة الدول الكبرى الأوروبية: فرنسا وبريطانيا والنمسا وروسيا وإيطاليا وبروسيا، إضافة إلى السلطنة العثمانية، حول قضايا لبنان السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية.
أما الوثائق النادرة التي جمعها الدكتور عادل إسماعيل من المحفوظات الفرنسية والإسبانية والإيطالية، فقد إختفت من خزائن المتحف الوطني في أثناء الحرب اللبنانية ما بين العامين 1975 و 1990، وكان سبق ذلك سرقة الميكرو فيلم الذي يتضمن الوثائق التي نشرها عادل إسماعيل، إعتقاداً من الفاعلين أنهم حصلوا على الوثائق، وما عادت هناك إمكانية لنشرها، ولم يدروا أنها طبعت على الآلة الكاتبة. وفي الوثائق الفرنسية والإيطالية والإسبانية المسروقة، وخصوصاً وثائق آل مديتشي في فلورنسا، ما يتعلّق بعهد الأمير فخر الدين المعني الثاني. وقد كتب عادل إسماعيل عنها “أنها تحدّد بوضوح شخصية فخر الدين، وتصحّح الكثير من التفسيرات الخاطئة التي ذُكرت عن مسيرته السياسية وعلاقته بتوسكانا والكرسي الرسولي طوال مدة إقامته منفياً في إيطاليا ( 1613 – 1618) أو بعد عودته منها إلى بلاده. وخلافاً لما قيل، ليس في تلك المحفوظات ما يشير إلى إتفاقات وقّعها الأمير مع إحدى تلك الدول ضد الباب العالي. وقد تصرّف فخر الدين في منفاه بحكمة وكرجل دولة مسؤول”.
بالإضافة إلى ما واجهه الدكتور عادل إسماعيل من معارضات لوقف عمله، واجه صعوبات عديدة في قيامه به طوال 23 سنة، من سنة 1951 إلى سنة 1974، منها إختيار ما رآه ضرورياً من مئات آلاف الوثائق، لأن نشرها كلها يتطلّب ألف جزء بمعدل 500 صفحة لكل جزء، فإختار منها ما يفيد ونقله بخط يده، وحذف ما لا يفيد القارئ، ويثير الحساسيات والإشكالات والنعرات الطائفية، وما هو متعلق بحياة اللبنانيين الخاصة. وقال عمن انتقدوه لعدم نشر كل الوثائق وكامل نصوص ما نشره منها، إنهم كانوا سينتقدونه ويهاجمونه لو نشر كل شيء. ومن الإنصاف القول بناء على المبرّرات التي ذكرها حول إختياره للبعض لا للكل إنه كان موضوعياً في إختياره، محايداً يتطلّع إلى الأحداث من فوق، من دون هوى وتغرّض.
أشاد الدكتور عادل إسماعيل بمن تعرّضوا لعمله بالنقد الإيجابي، وتصدّى لمن رآهم مفترين عليه، ومسيئين إليه، وركّز في ردوده على من سمّاهم “مجلس الوصاية غير المنظور المكلّف مراقبة الفكر اللبناني وكتابة تاريخ لبنان وتوثيقه” ، وقال إن هذا المجلس ليس مجلساً منظماً علنياً قائماً في الواقع مرخصاً، له ميثاق خاص ونظام معلن، لكنه مجلس موجود بالفعل، ممثّل ببعض المتطرّفين من اللبنانيين الذين “يعتبرون أنفسهم أوصياء وقيّمين على الفكر اللبناني وعلى تاريخ لبنان بصورة خاصة”، مهمتهم مراقبة الشؤون الثقافية، وتوجيهها بما يتلاءم مع أغراضهم الفئوية. وهم تبعاً لذلك ولإلتقائهم في الأفكار “أبقوا تاريخ لبنان خلال قرون عدة قلعة موصودة الأبواب لا يدخلها إلاّ أعضاء هذا النادي”.

عمر-باشا-النمساوي-الذي-سعى-لإعادة-الحكم-العثماني-المباشر-لجبل-لبنان----2
عمر-باشا-النمساوي-الذي-سعى-لإعادة-الحكم-العثماني-المباشر-لجبل-لبنان—-2

مجلس وصاية ثقافي
ما كان أعضاء مجلس الوصاية، بحسب ما ذكر عادل إسماعيل، يتوّرعون عن الضرب بيد من حديد على كل من يحيد عن الخط الذي رسموه، وعن إعتماد الارهاب الفكري. وأعطى أمثلة عن ذلك، هي التصدّي للمعلم بطرس البستاني، لأنه لم يسمح بمراقبة مؤلفاته، وللمطران يوسف دريان، لأنه لم يوافق من قالوا بأن الموارنة هم المردة، والإستهانة والاستهزاء والعبث بتراث جبران خليل جبران، لأفكاره الجريئة. ووصفهم عادل إسماعيل بالجمود وبرفض التجديد في تاريخ لبنان.
يمكن الربط هنا بين الهيمنة الثقافية والهيمنة السياسية على لبنان. لقد صار للمسيحيين بعد نهاية الإمارة المعنية الدرزية، النفوذ الأول في جبل لبنان في عهد الامارة الشهابية، وعهد المتصرفية. وظل لهم النفوذ الأول في دولة لبنان الكبير في ظل الفرنسيين وبتسهيل منهم. وكان لا بد من تعزيز الهيمنة السياسية بهيمنة إقتصادية، وهيمنة ثقافية، وهذه كان أحد مظاهرها كتابة تاريخ لبنان بنهج يخدم المصالح الفئوية. وكان الموارنة، وهم أقوى الطوائف المسيحية وغير المسيحية، يعتبرون أنفسهم مميّزين عن سائر الطوائف، وأنهم أساس لبنان فيما الآخرون وفدوا عليه بعدهم. وقد عبّر البطريرك الماروني انطوان عريضة عن ذلك حين قال لمبعوث الجنرال كاترو، مندوب حكومة فرنسا الحرّة في سوريا ولبنان، ما يلي: “إن الطائفة المارونية في لبنان هي الأساس، وأما بقية الطوائف فضيوف عليها”.
في ما يتعلّق بكتابة التاريخ – وهذا ما نحن بصدده الآن فقط – يمكن القول إن ما سمّاه الدكتور عادل إسماعيل إحتكاراً من فئة لكتابة تاريخ لبنان هو بالفعل تفوّق ثقافي، ليس ناتجاً فقط من نشاط مؤرّخين منحازين ومدعومين بإمكانيات مادية، وتسهيلات لقيامهم بالأبحاث ولنشرها، بل هو ناتج أيضاً من تقصير المسلمين، على إختلاف مذاهبهم، في كتابة التاريخ، مما أوجد فراغاً في جوانب عدة منه، ملأه غيرهم، وكاد يكون لهم الفضل كاملاً في ملء هذا الفراغ لو لم يتحامل بعضهم ويكتب عن هوى، ويلجأ إلى التحريف والتلفيق، وما كتبوه عن الحوادث الطائفية بين الدروز والنصارى خير مثال عن ذلك، وعن تجنيهم على الدروز إلى حد كبير.
وعلى إفتراض أنه كان من الصعب على المسلمين الوصول إلى أرشيف العواصم والمدن الأوروبية، فقد كان بإمكانهم الكتابة في ضوء التاريخ العربي والاسلامي الذي أدرجوا تاريخ لبنان فيه، أو في ضوء ما نُشر من وثائق أجنبية، وما لديهم من مدوّنات منشورة وغير منشورة، كما أن هناك مجالاً متاحاً لهم للإطّلاع على نصوص المحفوظات الملكية المصرية، التي إكتفى المؤرخ أسد رستم بنشر عناوينها في 5 مجلدات، كما أن هناك ايضاً مجالاً متاحاً للوصول إلى الأرشيف العثماني الغني الذي يحتوي على مئات آلاف الوثائق عن لبنان ومحيطه طوال أربعة قرون ونيّف من الإدارة العثمانية، مما يشكّل مواداً لمئات الأبحاث. وهنا لا بدّ من الإشارة

حملة-الجنرال-بوفور-الفرنسية-على-لبنان-في-عين-فنان-فرنسي---حماية-للأبرياء-وليس-خدمة-لمصالح-استعمارية
حملة-الجنرال-بوفور-الفرنسية-على-لبنان-في-عين-فنان-فرنسي—حماية-للأبرياء-وليس-خدمة-لمصالح-استعمارية

معالجة الإشكاليات التاريخية
في تاريخ لبنان الكثير من الفصول الغامضة، والكثير من الإشكاليات الناتجة من الهوى السياسي، ومن الإختلاف في كتابة المؤرّخين عن الحوادث والوقائع. وقد تطرّق الدكتور عادل إسماعيل إلى قضايا مختلف عليها، وروايات مختلقة جرّاء تسخير التاريخ لمصالح فئوية معينة، فأطلق على هذه القضايا أسماء عدة، هي أسطورة، خرافة، وهم، إختلاق، ثغرة، تفسير خاطئ، تحريف للنصوص. وأسباب ذلك هي الكتابة عن غرض وهوى وخلفية سياسية أو دينية، والإقتباس الأعمى، وأخذ ما يرد في المدوّنات على عواهنه من دون إخضاعه للمناقشة، ووضعه تحت مجهر العقل والمنطق، وإعتبار كل ما وصل إلينا من الماضي صحيحاً وجزءاً من التراث لا يجوز تعديله.
إنبرى عادل إسماعيل لتوضيح الغوامض، وحلّ الإشكاليات، وتحطيم الأساطير، وتبديد الأوهام. وعالج 42 ثغرة، أو إشكالية، في كتاب سمّاه: “إنقلاب على الماضي لما أُدخل على تاريخ لبنان من الأساطير والخرافات والأوهام والأحداث التي لا أساس تاريخياً لها. هل آن الأوان لأن يطّلع اللبنانيون على الحقيقة في تاريخ بلادهم”. ونظراً إلى ضيق المجال سنكتفي فقط بالإشارة إلى هذا الكتاب، وإلى ثغرات أربع، هي اختلاق رهبان المدرسة المارونية في روما أسطورة أن الدروز احفاد الكونت الفرنسي دي درو، وإختلاق غيرهم رواية هدم زحلة بكاملها في حزيران 1850، واختلاق رواية هدم ديري مشموشة والمخلّص في أحداث 1860، واختلاق رواية إبادة المسيحيين في فتنة 1860. وقد رأى عادل اسماعيل أن المغالاة في كتابة تاريخ لبنان، ولا سيما الحوادث التي جرت بين بنيه “على غاية من الخطورة لما يسببه الحديث عنها من أثر سيئ في نفوس النشء اللبناني الطالع”.
أخذت إشكالية “المردة والجراجمة والموارنة” حيّزاً كبيراً في كتابات المؤرخين عموماً، والموارنة خصوصاً، إذ هناك اختلاف حول لغة اسم “المردة”، وحول أصلهم، وما إذا كانوا والجراجمة والموارنة شعباً واحداً أم شعوباً عدة. وقد إعتبر أكثر المؤرخين الموارنة أن الفئات الثلاث شعب واحد هو الموارنة، وأن لفظة المردة صفة أُطلقت على هذا الشعب لتمرّده على الحكم العربي الأموي. لذا، ظل الإسم “المردة” رمزاً في تاريخ الموارنة، وصار إسماً لتنظيم عسكري ماروني في الحرب اللبنانية ما بين العامين 1975 و 1990، تطوّر إلى تنظيم سياسي.
جرت معالجة إشكالية المردة والجراجمة والموارنة في عشرات الأبحاث والمقالات وحظيت أكثر من سائر الاشكاليات بوفرة الأحاديث عنها. وقد عالجها عادل إسماعيل في كتاب خاص شرح فيه بالتفصيل أصل المردة ومواطنهم الأولى، ولغتهم، وكيفية إنتقالهم من وسط آسيا وقدومهم إلى لبنان وتركهم له. وتوصّل إلى الحقائق التالية في المقابلة بينهم وبين الموارنة والجراجمة، التي تظهر أنهم مختلفون عن بعضهم لغةً وعرقاً ومذهباً ومساراً تاريخياً:
1. قدوم المردة إلى لبنان قبل الفتح العربي، ومجيء الموارنة على دفعات بعد هذا الفتح.
2. اشتقاق كلمة “المردة” من لفظة مردائيتاي” اليونانية.
3. لا علاقة بين المردة والجراجمة، فهما شعبان متباينان في العرق والمذهب واللغة.
4. لا تطابق بين المردة والموارنة، لأن المردة من أصل فارسي ميدي، ويتكلمون اللغة الفارسية والميدية والإغريقية، وهم وثنيون تنصّروا واعتنقوا مذاهب نصرانية مختلفة، فيما الموارنة من أصل عربي أو أرامي سرياني، ويتكلمون اللغة السريانية والعربية، وهم خلقيدونيون كاثوليك.
5. كان الموارنة على علاقة سيئة مع الدولة البيزنطية فيما المردة كانوا جنوداً لها.
6. تركُ المردة لبنان في أواخر النصف الثاني من القرن السابع الميلادي، إلا أقلية ضئيلة منهم إنخرط معظمها مع الروم الأرثوذكس، وبقاء الموارنة في لبنان.
7. نظرة المؤرّخين الإغريق واللاتين لا تنم عن إحترام للمردة، إذ هم في نظرهم، مرتزقة وقتلة وقاطعو طرق، فيما هذه الصفات غير موجودة في الموارنة.
وخلص عادل إسماعيل إلى القول إن المردة والجراجمة والموارنة شعوب مختلفة لغةً وعرقاً ومذهباً.

[/su_spoiler][/su_accordion]

التقية

حـــــول كتــــــاب

«التقيــة فــي الإســلام»

تأكيد الدكتور سامي مكارم لظاهرة التقية في الإسلام
أثار جدلاً وطرح تحدياً للتفكير المستقر

أول ما يلفت الانتباه في كتاب الدكتور سامي مكارم هو عنوانه: “التقيّة في الاسلام”، يطرح هذا العنوان علامات استفهام كبيرة.
أولاً: هل أنَّ في الاسلام تقية؟…أم أن التقية هي في مذهب دون آخر من مذاهب المسلمين؟
ثانياً: هل أن التقية سلوك اسلامي مكتسب تحت ضغط ظروف وأوضاع طارئة واستثنائية، أم أنها في أساس العقيدة يمكن اللجوء اليها في حالة الشدّة أو في حالة اليسر وفي حالة القلق أو في حالة الاطمئنان؟ بمعنى هل أن ضيق صدر حاكم اسلامي معين، أو مجتمع اسلامي في ظروف معينة باجتهادات فقهية ما، دفعت بهذا الفقيه الى ابتداع التقية سلامة لأبدان اتباعه من الأذى ولإيمانهم من الانتهاك؟ ام أن التقية رافقت الدعوة الاسلامية منذ اشراقتها الاولى في مكة المكرمة وقبل الهجرة الى المدينة المنورة، واستمرت فيها وبعدها؟ وتالياً هل أن للمؤمن حق اللجوء الى التقية حتى من دون اكراه أو اضطرار؟
ثالثاً: هل أن اللجوء الى التقية يكون خوفاً من أذى الآخر وتجنباً لشرّه، أم أنه يكون ايضاً مراعاة لمحدودية الفهم عند بعض المؤمنين، ولعدم قدرتهم على استيعاب حقائق ايمانية كبيرة؟ أو يكون خوفاً من اساءة فهم هذه الحقائق وتالياً تحسباً من سوء عاقبة التعامل مع هذه الحقائق على غير ما يقتضي الحال؟
رابعاً: هل التقية اجازة – ورخصة – من الله للمؤمنين، أم أنها مجرد اجتهاد فقهي انساني أخذ به هذا العالم المجتهد وانكره ذاك؟
خامساً: اذا كانت التقية في الاسلام، كما يقول الدكتور مكارم، فهل ثمة تقية في الأديان الأخرى أيضاً؟ في المسيحية واليهودية تحديداً؟
سادساً: هل أننا جميعاً نمارس التقية من دون أن ندري؟ وهل أن انفتاح معرفتنا على هذه الحقيقة (التي حاول الدكتور مكارم أن يؤكدها من خلال استشهاداته الكثيرة بالآيات القرآنية الكريمة وبتفاسير أئمة كبار علماء المسلمين) سيغيّر من نظرتنا الى التقية بحيث نتعامل معها على أنها ركن من أركان فضائلنا الايمانية؟ ومن ثم نرفع عن أهلها الشك وسوء الفهم؟
اذا خرجنا من هذا الكتاب بإجابات ايجابية على هذه الأسئلة، فإن الكتاب يكون قد أحدث صدمة في الفكر الاسلامي داخل منظومة الثوابت الايمانية، ويكون قد فتح آفاقاً جديدة في الاجتهاد الفقهي وحتى في فقه الاجتهاد. وهذا حكم جريء.
في توطئته للكتاب يؤكد الدكتور مكارم على أمرين أساسيين:
الأمر الأول هو أن التقية هي من الأسس المهمة في الاسلام، وأن القاعدة الرئيسية هي ممارسة التقية، وأن الفرق الاسلامية التي لم تمارسها هي الفرق الشاذة عن القاعدة، وهذا يعني أن القاعدة عنده هي ممارسة التقية.
اما الامر الثاني فهو أن للتقية شروطاً شرعية وأصولاً ومقتضيات أقرّتها الشريعة الاسلامية، ولم يقل الدكتور مكارم أقرّها الفقه الاسلامي. وهذا استنباط جريء ايضاً.
لقد كان واضحاً أن الدكتور مكارم اعتمد تعريف ابن حجر العسقلاني للتقية، وهو تعريف يقول فيه “إنها الحذر من اظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير” (ص9). وهذا تعريف عام جداً. إلا أن الأمر المحدد والمهم، هو أن الدكتور مكارم اعتبر أن كلمة التقية تعني ما تعنيه كلمة تقاة الواردة في الآية الكريمة لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء الا ان تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والى الله المصير. (سورة آل عمران – الآية 28)
وجاء اعتباره هذا كما قال في (ص 9) إن اللغويين يجمعون على ذلك. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل يجمع على ذلك ايضاً الفقهاء؟ في محاولة غير مباشرة – ربما – للاجابة على هذا السؤال قال الدكتور مكارم (ص 11) “يمكننا القول إن الآيتين القرآنيتين اللتين انطلق منهما المفسرون على العموم عند تناولهم التقية في الاسلام هما الآية المذكورة آنفا والآية التي تقول من كفر بالله من بعد ايمانه الاّ من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (سورة النحل – الآية 106)

مخطوطة-لأخوان-الصفا-تعود-للقرن-الثاني-عشر
مخطوطة-لأخوان-الصفا-تعود-للقرن-الثاني-عشر
مخطوطة لكتاب إحياء علوم الدين لأبو حامد الغزالي العالم الذي وقف بقوة في وجه تيارات التأويل في الإسلام
مخطوطة لكتاب إحياء علوم الدين لأبو حامد الغزالي العالم الذي وقف بقوة في وجه تيارات التأويل في الإسلام

وقد نزلت هذه الآية في أحد المهاجرين من مكة الى المدينة (عمار) وقع في أسر الكفار، فقال لهم كلمة اعجبتهم تقية فخلوا سبيله. ولما وصل الى المدينة وأخبر الرسول (ص) بما حدث قال له رسول الله: “كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت؟ أكان منشرحاً بالذي قلت أم لا”. قال: لا. فنزلت الآية إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان.
ويؤكد الدكتور مكارم (ص 15) “أن معظم المفسرين اقروا بصورة مباشرة أم غير مباشرة، بأن المضطر يجوز له التقية إما قولاً وإما فعلاً تيسيراً له من الله لا تعسيراً، واجتناباً للقتل أو للحرج. واذا نحن نظرنا الى جميع الآيات المذكورة آنفا نرى أنه رُخِّص للمؤمن المطمئن قلبه للايمان أن يظهر الكفر تقية من الكافرين إن هم أكرهوه على ذلك.
يرى الدكتور مكارم أن آراء العلماء اختلفت في شأن التقية من حيث جوازها ووجوبها وامتناعها، ومن حيث أحكامها وشروطها، كما يرى أن الآراء تعدّدت وتشعبت في شأن اسباب التقية حتى أنها تجاوزت الاكراه الى أسباب أخرى كالرغبة في هداية العدو باستدراجه الى الايمان واتقاء استعدائه”. وقد نقل عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود أنه لا يرى جواز التقية خوفاً على النفس فقط، بل يراها تجنباً لأدنى اكراه يلحق بالمسلم (ص 22).
وفي اجتهاد الدكتور مكارم أن مصطلح “التقية” أو “التقاة” تعزز بمصطلحين قرآنيين آخرين هما مصطلحا “الظاهر” و”الباطن”. ويقول إنه “مع أن المفسرين اختلفوا على بعض التفاصيل عند تطرقهم لهذين المصطلحين اختلافاً كبيراً في بعض الأحيان فقد اتفقوا على أن “الظاهر” هو ما يعلن، في حين أن “الباطن” هو ما يخفى في القلب، وأن “ظاهر الشيء” هو حرفيته، وأن “باطن الشيء” هو حقيقته التي لا يصل اليها إلا اولئك الذين يتوخون الولوج في جواهر المعاني وما ترمي اليه وتشير، وذلك بتأويلهم النص دون الاكتفاء بمعناه الحرفي. وهم يقولون بأن هذا التأويل، أي ما يشير الى المعنى الاصلي، لا يعلمه الا الله والراسخون في العالم، لقوله تعالى وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكّر الا اولوا الالباب (سورة آل عمران – الآية 7).

محمدالسماك
محمد السماك

اختلف المفسرون حول قراءة هذه الآية الكريمة وليس حول نصها. هل “والراسخون” مبتدأ خبره الجملة الفعلية، “يقولون آمنا به…”، أي أن الوقف في القراءة يجب أن يكون بعد اسم الجلالة،
بحيث تقرأ الآية: وما يعلم تأويله الا الله. ثم تتبع البقية: والراسخون في العلم يقولون آمنا به… الى آخر الآية. وبذلك يقتصر علم التأويل على الله وحده دون “الراسخون في العلم”. اما القراءة الثانية فهي تجعل “الراسخون” معطوفة على اسم الجلالة، أي أن الوقف في القراءة يكون بعد “الراسخون” معطوفة على اسم الجلالة، بحيث تقرأ الآية: وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم. ثم تتبع البقية: يقولون آمنا به… الى آخر الآية. وكذلك يكون الله والراسخون في العلم يعلمون تأويله.
أدت القراءتان المختلفتان لنص واحد الى قيام رأيين متباينين كل التباين، رأي لا يجيز للناس تأويل القرآن مهما رسخوا في العلم، فعليهم اذاً أخذ معانيه بظاهرها وعلى حرفيتها، ورأي يجيز للراسخين في العلم تأويل الكتاب والأخذ بمعانيه الباطنة. الدكتور مكارم في كتابه يدافع عن الرأي الثاني ويتبناه.
هنا انتقل الى كتاب آخر جديد أيضاً وإن لم يكن في مستوى جدية ورصانة البحث العلمي الراقي والعميق الذي يتسم به كتاب الدكتور مكارم. مؤلف هذا الكتاب هو جمال بدوي من مصر وعنوانه “الفاطمية” (دار الشروق 2004) ورغم أنني أشك في صحة ما ذهب اليه، فقد أردت عرضه لأنه يعكس وجهة نظر أخرى ليست معاكسة فقط، ولكنها سلبية ايضاً.
يقول المؤلف: “نشأت الدعوة الفاطمية ونظّمت مبادئها السرية للمرة الأولى على يد جماعة من الثوريين الذين تظاهروا بالإسلام وعملوا على غزو العقيدة الاسلامية …، ونشر التأويلات التي يتأول بها دعاتهم على القرآن والسنة، واعتبار أن لكل شيء ظاهراً وباطناً، حتى القرآن الكريم نفسه، جعلوا له ظاهراً وباطناً، أما الظاهر: فهو دلالات ألفاظه العربية حقيقة او مجازاً، وأما الباطن فهو ما وراء هذا الظاهر أو هذه الدلالات، وهذا لا يفهمه إلا أئمة المذاهب. وهذا الباطن لا تقيّده دلالات الالفاظ العربية، ومعانيها اللغوية، وليس الظاهر سوى رموزاً واشارات لا يفهمها العوام، وقد أدت بهم هذه النظرة الباطنية الى تأويل معاني القرآن الكريم تأويلاً غريباً يتناقض ودلالات اللغة العربية”.
إن المقارنة بين أسباب التأويل وأهدافه كما وردت في دراسة الدكتور مكارم، وكما وردت في كتاب جمال بدوي، تكشف عن هوة معرفية عميقة، لا تزال تعمقها باستمرار معاول الجهل بالآخر والتشكيك به، ولا تزال الصور النمطية السلبية عنه التي زرعها هذا الجهل منغرزة في الثقافة العامة، ولا تزال تشكل الاساس الذي تبنى عليه الاتهامات وأحكام الادانة المسبقة.
من هنا الاهمية الاستثنائية في اعتقادي لكتاب التقية في الاسلام، من حيث أنه يوضح الفرق بين المسلم، أي المقرّ بالإسلام اقراراً ظاهراً يقتصر على اللسان ولا يتعدى القول، من جهة، والمؤمن، أي المصدّق بالإسلام تصديقاً لا يقف عند الاقرار الظاهر وإنما يتجاوزه الى الايمان الباطن والعمل في سبيل الله، من جهة أخرى. ومن هنا ايضاً تفسيره لذلك بقوله (ص 20) إن التقية قائمة على رحمة المسلم، فلا يعطى ما لا يستطيع تحمله من الحقيقة دفعة واحدة، بل يتلقاها بالتدريج حرصاً على رسوخها في قلبه وتمكّنه منها.
هنا لا بدّ من الاشارة الى أنه لا يوجد موقف اسلامي واحد من موضوع “الظاهر والبـــــاطن” (ص 43 – 53) ومن موضوع التقية. فهناك من تعامل معها بتساهل كالرازي مثلاً الذي أجازها حتى دفاعاً عن المال، وحتى بين المسلمين انفسهم وليس فقط بين المسلمين والمشركين. وهناك من تعامل معها بتحفظ كالطبري وابن كثير والبيضاوي. ولأن التقية لم تكن بالأمر النادر في التاريخ الاسلامي، فقد الف ابو بكر بن دريد “كتاب الملاحن” لكي يكون دليلاً للمكرهين على الكفر. فالتقية التي تمارس بكتمان الدين وحتى باظهار الكفر لا تؤدي الى الكفر. فالقاعدة هي “لا اكراه في الدين”.
واللا هنا نافية وليست ناهية فقط، بحيث لا يقتصر المعنى على الدعوة الى عدم اكراه الناس حتى يؤمنوا، ولكنه يتجاوز ذلك الى اقرار المبدأ الاساسي وهو أنه لا يكون هناك ايمان بالاكراه. وإذا كان الايمان ينتفي بالإكراه، فمن الأولى أن لا يكون هناك كفر بالإكراه. والرسول عليه السلام يقول: “إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه”. وهو الذي قال أيضاً “من رأى منكم منكراً فيغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”.

احترام الآخر واعتماد الكلمة الطيبة في الدعوة يلغيان حاجة المسلمين الى أن يكره بعضهم بعضاً على رأي عقدي أو سياسي فيضطر المكرَه الى مداراة المكرِه تقية

إفشاء الحقيقة لغير اهلها خطر لا يقل عن خطر منعها عن أهلها، وذلك تقية لصاحب الحقيقة ممن لا يقدرون على معرفتها، وتقية للحقيقة ممن ليسوا من أهلها، وتقية لمن ليسوا من اهلها إن يعميهم سطوعها فيصعقوا

وعلى اساس ذلك رأى حجة الاسلام الغزالي “وجوب ستر الحقيقة عمن هو محجوب عن تقبلها، فلا يعطى الا بقدر التهيؤ المعرفي.”
وقد نقل الدكتور مكارم عن بعض العارفين قولهم: إفشاء سر الربوبية كفر (ص 55). ويفسر الدكتور مكارم ذلك بقوله: “إن اعطاء الحقيقة، في نظر حجة الاسلام، يجب أن يكون في غاية من الحذر. فإفشاؤها لغير اهلها خطر كبير لا يقل عن خطر منعها عن أهلها، وذلك تقية لصاحب الحقيقة ممن لا يقدرون على معرفتها، وتقية للحقيقة ممن ليسوا من أهلها، وتقية لمن ليسوا من اهلها إن يعميهم سطوعها فيصعقوا”. وما اجمل قول الامام محمد بن ادريس الشافعي:
سأكتم علمــــــي عن ذوي الجـــهل طاقتـــي
ولا أنثـــر الـــدر النفيس علـــى الغنـــــــم
ولعل البحث الذي أورده الدكتور مكارم “عن قصة موسى عليه السلام والعالِم بما لم يكن موسى النبي على علم به كما وردت في القرآن الكريم” (ص 61 – 72) ما يكشف عن الكثير من أسرار الحكمة من وراء كتمان المعرفة عمن ليس اهلاً لها حتى ولو كان نبياً. ويمكن الرجوع الى التأويلات الذكية والعميقة التي توصل اليها الدكتور مكارم من خلال عرضه لوقائع تلك القصة المثيرة.
ولكن رغم كل التأصيل العلمي والأكاديمي المثبت بالمراجع الشرعية والاجتهادات الفقهية لمبدأ التقية في الإسلام، فإن الدكتور مكارم يرى أنه “بقبول الآخر والاعتراف به تبطل أسباب التقية إكراهاً، اذ يُقضى على الخوف من طغيان الاكثرية على الاقلية أو طاغوتيتها، فيفسح في المجال امام الاقلية أن تعبّر عن رأيها دون خوف أو تقاة”. إن الدكتور مكارم على حق عندما يقول إن انكفاء الاقلية عن المشاركة في الفكر بلجوئها الى التقية سبّب في الماضي ويسبب في الحاضر الشكوك المتبادلة بين افراد المجتمع، كما سبّب ويسبب ظهور “وحدات” اجتماعية متنافرة لا يربطها الا روابط واهية قائمة على الخداع الاجتماعي والرياء والتعالي والتكاذب والولاء الطائفي، وهي كلها صفات تسم المجتمع الاسلامي بالهشاشة والضعف والتفسخ.
اما كيف تنتفي حاجة المسلمين الى أن يكره بعضهم بعضاً على رأي عقدي أو سياسي فيضطر المكرَه الى مداراة المكرِه تقية، فبالعمل بما دعا اليه القرآن الكريم الى كلمة سواء – أي الى كلمة طيبة – كما يفسرها الدكتور مكارم. وهو يرى عن حق “أن الكلمة السواء تكون ناتجة عن المودة لا عن الكراهية، فتتجاوز اللسان الى القلب، فإذا هي تعبير عن الحقيقة التي تغذي الناس، كل على قدر ما هو عليه من صحة دينه وعقله، وعلى قدر ما هو مهيأ له من الارتقاء في مراقي الاسلام”.
وأودّ أن أردّد معه تأكيده على أنه “عندما تعم هذه الثقة المتبادلة بين المسلمين ولا يعود المسلم، الى أية فرقة أو مذهب انتمى، يشعر برفض الآخر له وتكفيره اياه وبرفضه وتكفيره الآخر، عندما يصل المسلمون الى قبول بعضهم بعضاً يصلون بالتالي الى قبولهم لمواطنيهم أجمع دونما فرق بين منتمٍ الى دين أو آخر”.
وأختم بأننا عندما نقول بحوار الحضارات لا تصارعها، علينا أن نبدأ بأنفسنا ومن داخل عقيدتنا وانطلاقاً من ثوابتها الايمانية. فالحوار من حيث هو البحث عن الحقيقة في وجهة نظر الآخر، يجب أن يكون سبيلنا الى احترام الاختلاف والمختلف معه، والى الاقرار بأن ايّاً منا لا يملك الحقيقة المطلقة وأن للمرء إلا ما سعى، وأن الله وحده هو عالم الغيب والشهادة. وهو وحده يحكم بيننا يوم القيامة في ما كنّا فيه مختلفين.

سامي مكارم

ســامي مكـارم

ركن المعرفة الذي خسرناه

غاب المفكر والأكاديمي والمؤرخ الدكتور سامي نسيب مكارم ولم يغب. غاب في الجسد وهو كما يعلم الموحدون الدروز سنة الله في خلقه وآية قهره وعزته وهو الخالق الموجد للأشياء من العدم. لكنّه لم يغب ولن يغيب في ما حفلت به حياته من أعمال وإنجازات سيبقى أثرها في الزمن شاهداً على ثراء فكري ومعارف وسبق في التفكير، كان يفاجئ في جرأته على التجديد وعلى استكشاف الحقائق في مسالك غير مطروقة دونما أفكار مسبقة أو جمود.
رغم مقاربته للتوحيد والمجتمع التوحيدي من موقع المفكر المنفتح والواسع الأفق، فإن سامي مكارم كان مشاركاً فعالاً في بيئة التوحيد، تواقاً للتفاعل مع قضايا الموحدين الدروز وتاريخهم. من أبرز عناوين مسيرته الطويلة اهتمامه الشديد بالأجيال الشابة التي نهلت من معين التوحيد على يديه ولا سيّما خلال السنوات العشرين الأخيرة في الندوات والمحاضرات وحلقات المذاكرة والجلسات التي لم تُحرَم منها منطقة في لبنان.
رغم مسؤولياته الأكاديمية في الجامعة الأميركية كمدير لمركز أبحاث الشرق الأوسط، فقد ركّز سامي مكارم إسهامه الفكري ونشاط التأليف على فكر التوحيد والثّقافة التوحيديَّة، وكذلك في ميادين الشعر والفنِّ والأدب والتاريخ والأبحاث اللغوية، وجعلت منه كتبه ومؤلفاته مرجعيَّة أكاديميَّة في الإسلاميات والتصوُّف والفِرَق الباطنيّة واللغة العربيّة والأدب العرفانيّ، والشّعر، والنثر الشعريّ، وآداب الرجال، وفنّ تشكيل الحرف، والـتَّـأريخ، والقصَّة، والفلسفة، وأدب السّيرة. وهو لعب دوراً فاعلاً في مواكبة مسيرة “مؤسَّسة العرفان التوحيدية” منذ تأسيسها في السبعينات من القرن العشرين، وكذلك في تأسيس “المجلس الدرزي للبحوث والإنماء”، ثم في مؤسسة “التراث الدرزي”، وهذا إضافة إلى كونه عضواً مؤسِّساً في جمعيّات فكريّة وأدبيّة وإنسانيّة عدّة في لبنان والعالم الاسلامي.

في هذا الملف، عرض لسيرة حياة الفقيد الغنية وإسهاماته العديدة والمتنوعة في الإرث الثقافي العام، وفي إرث الموحدين الدروز الفكري، كما يتضمن الملف شهادات في المفكر الراحل وبعض أعماله المهمة أعدّها كل من الأستاذ حسان زين الدين والشيخ غسان الحلبي والدكتور أنطوان سيف والسيد محمد السماك.

[su_accordion]

[su_spoiler title=” سامي مكارم الإنسان البحث الدؤوب في قلب المعنى حسّان زين الدين” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

الكنف العائليّ
“كان والدي، الشيخ نسيب مكارم، يحتفل بعيد مولد أخي سعيد وعيد مولدي بدعوته عدداً من رجال الدِّين إلى بيتنا لإحياء سهرة ذِكر ومذاكرة، الأمر الذي رسّخ فينا منذ الصغر المعنى ‏بأنَّ‏ ‏مناسبة‏ ‏كهذه،‏ هي مناسبة لتجدِّدَ في النفوس المعنى الإنسانيّ العميق في الأساس، مثلها مثل عيد الأضحى والأعياد الأخرى المباركة التي يرى فيها الصغار مناسبات لارتداء الجديد من الثياب، وهكذا فهمنا أنَّ للأمور الظاهرة معاني عميقة لا يدركها المرءُ بسهولة”. بهذه الكلمات علّق المرحوم الدكتور سامي مكارم على دعوة وجَّهها إليه حبيبٌ من أحبَّائه الشبّان الصغار لحضور عيد مولده، مذكِّراً بما كان عليه أمر بداياته ومستعيداً واحدة من أعزّ ذكريات قلبه المفترشة خبايا دفاتر الطفولة، حيث نشأ في حضرة شيخه ووالده الشيخ نسيب، خطَّاط الملوك والرؤساء الذائع الصيت؛ ومستذكراً أمامنا، روحيَّة التربية الأسرية التي ترعرع في أحضانها وتشكلتْ معها مداركه الأولى لتصقل شخصيَّته لاحقاً، خلال سنوات اليفاع، على يد أحد الشيوخ الذي عهد إليه الشيخ نسيب تعليم ولديه أصول التدبّر وفق كتاب الله وكيفية تفهّمه واستشفاف لطائفه.

كانت والدتُه وسيلة سليمان فرج من بلدة عبيه من النّساء المؤمنات المتَّصلات بلطائف الذِّكر، وكانت على درجةٍ من الثقافة، إذ حصلت في عشرينيّات القرن الماضي على شهادةٍ علمية، وكانت من هواة إنجاز أعمال فنِّـيَّة تشكيليَّة في التَّطريز، وهي تركت أثراً بارزاً في الطِّفل سامي المولود سنة1931؛ فكان من مكوِّنات شخصيَّته أثر حنان الأمّ وميولها الراقية من جهة، وحضور الأب بعقله وفؤاده وتهيُّبه الجمال في فنه وسلكه الروحي الهادف إلى تعبُد الحق من جهة أخرى.
إذًا، كانت والدته باباً من الرَّحمة كما أحسَّ بها الطفل سامي، وكانت سبيل التأديب والتقويم لطفليه، كما أرادها الشيخ نسيب. هذا نزرٌ يسير مما ذكره أمامنا الفقيد غير مرة، وكان قد ضمَّنهُ كتاب سيرة حياته الذي انتهى من تدوينه قبل أشهر من وفاته، وسوف يُنشر لاحقاً بإذنه تعالى. كان الدكتور سامي يذكرُ والديه كثيراً، وكان ممَّا يقوله في هذا الصَّدد: عرف والدي كيف يربينا بالكلمة الطيبة والمرافقة، وكيف يقيم القصاص بالتلويح بـ “قشة المكنسة”، وكيف يشذّب شخصيتي بمساعدتي على بناء الموقف ودفعي إلى التفاعل مع ما أتعرّض له ويعترض دربي عوضاً من الانفعال، وعرف كيف يوازن بين الأبوَّة وبين الصداقة والأخوَّة لي ولأخي سعيد، إلَّا في الحالات التي تخرج عن الحدّ، كتلك التي “تشاجرنا فيها سعيد وأنا، ووصل شجارُنا إلى مسامع أبي، فأقبل علينا وقال بحدَّة: “اثنان مش مناح بيختلفوا، وإذا واحد من الاثنين مش منيح بيختلفوا، وإذا الاثنين من أهل الخير ما بيختلفوا”، فانصعنا إلى صوت الحق في كلامه، وانتهى ما كان بيننا من شجار”.

محاضراً في فرنسا
محاضراً في فرنسا

دراستُه
تلقَّى الفتى دراسته في الليسيه الفرنسية في بيروت، ثمَّ في الكلِّـــيَّة اللبنانيَّة في سوق الغرب، وتنامت شهرةُ والده الذي كان قد بدأ حياته نجاراً، وسرعان ما اكتشف ما حباهُ اللهُ له من موهبةٍ في تدبيج الخطّ العربيّ، فراح يخدمها بما يرضي المولى عزَّ وجلّ، وأحسن في ذلك إحساناً بلغت معه شهرته الأقطار والجهات. وبقي إلى أن توفَّاهُ الله مطلع السبعينات خادماً أميناً لتلك الموهبة، معترفاً بالافتقار إلى الله حيالها، وحيال ما ترتب له عليها من منجزات غير مسبوقة في الخط العربي جعلته متربعاً على عرش فنه. لكنَّه واظب على النَّظر إلى نفسه بعين التقصير من حيث عدم بلوغه كمال فنِّه. وقال يوماً لولده رحمة الله عليهما: “لقد منّ عليَّ المولى بعظيم فضله وكرمه، وباتت أعمالي تنافس أعمالي، لكنَّني لستُ براضٍ عنها كلّ الرِّضى. أعني بذلك أنّ الفنَّ كما العِلم هو إرتقاء بعد إرتقاء”. ولا شك في أنّ فقيدنا تأثَّر بشخص والده وشخصيته اللامعة والجامعة للتفوق والتقوى في آن، وبحكمته القادرة على ضبط طغيان الأنا بالإنكباب على معرفة الله والشكر لنعمه، وبالتبرؤ من عين الشهرة بالتفاني في خدمة الجمال.
بعد حصول الشاب سامي على شهادة البكالوريا، إلتحق بالجامعة الاميركية في بيروت ليحصل على إجازة في الادب العربي والفلسفة سنة 1954، وعلى الماجيستر في الآداب سنة 1957. ترافق ذلك مع استمرار التنشئة الدينيَّة في رعاية والده وشيخه، وبين أصدقاء الوالد من الإخوان الأفاضل، وتعرّفه على شيوخ البلدان والشخصيات السياسية الدرزية والوطنية. ومن الطبيعيّ أن يتقاطع هذا كلّه مع احتكاكه بالأنتليجانسيا اللبنانيَّة عموماً، والدرزية خصوصاً، منها في الحياة الجامعية والصالونات الثقافية، واطّلاعه على ما راكمته من نتاج أدبي وفكري، وما تخلَّل ذلك النتاج من اجتهادات بعض الدّروز خارج السياق المألوف لأدبيات التَّوحيد خلال النصف الأول من القرن الفائت وبعده، أي في مرحلةٍ سبقت انتظام المؤسٍسات المذهبيَّة، ولا سيّما منها مشيخة العقل في سياق تنظيميّ عام. هذا الأمر، حفّز الشاب سامي مكارم آنذاك، على التفكير في اكتساب تخصُّص متعمِّق في شؤون الحضارة الإسلاميَّة. ونقل إلى والده رغبته في الانتقال إلى الخارج للإستزادة من العلوم في هذا الحقل. فما كان من الشيخ نسيب إلا أن قال لولده، “إنَّ العلمَ من لدُن الله تعالى، والتعلُّم واحدة من نعمه. فإذا مَنَّ اللهُ عليك بالعِلم، فاستخدِمه لغاية وجهه الكريم، وليكن الخيرُ زادَك والحقُّ مطلبَك. وقال له أحدُ أصدقاء والده من الموحِّدين الشيوخ: إذا كانت نيَّتك من التعلُّم خدمة أمَّتك وخدمة الحق، فأنا أدعو الله لك بالتوفيق، وإذا كانت غايتك استخدام عِلمك في غير ذلك فإني لا أدعو لك بالتَّوفيق”.

زيارة إلى الشيخ الفاضل أبي محمد جواد ولي الدين
زيارة إلى الشيخ الفاضل أبي محمد جواد ولي الدين

.

في الولايات المتَّحدة الأميركية
أمضى سامي مكارم سنوات التَّخصُّص في جامعة ميشيغن آن أربر في الولايات المتَّحدة الأميركيَّة دون أن تبرحَ قلبه وفكره تلك الوصيَّتان اللتَّان مثّــلتا له، إلى جانب ما اكتنزه من معارف روحيَّة، الحافز الأهمّ للإنكباب على ماهيَّات العلوم، وأمَّهات الفلسفات والأفكار الدينيَّة، وعلى التعمق في الأصول الإسلامية وتفرُّعاتها من مذاهب وفِـرَق. وتوسَّعت مداركُه، أيّ توسّع ودرس على يد مفكِّرين عالميين كبار. وكان أن زار لبنان في تلك الفترة غير مرَّة، فألقى محاضرته الأولى بدعوةٍ من رابطة العمل الاجتماعي في بيروت سنة 1959ـ وهو الذي كان من مؤسّسيها في حضور أركان من الطائفة روحيِّين وزمنيِّين، بينهم سماحة شيخ العقل محمَّد أبو شقرا، والزَّعيم المفكِّر كمال جنبلاط، والمربِّي شكيب النكدي. وعبَّرت تلك المحاضرة عن المسار العام لحراكه الفكريّ والمعرفيّ الذي انتهجه لاحقاً، عاملًا على تحقيقه خلال العقود اللاحقة. وكان كما ذكرنا، قد بذل جهوده لنيل الدكتوراه في الفلسفة والعلوم الإسلاميَّة، محدِّداً الفرَق الباطنية موضوعاً لأطروحته التي انجزها في سنة 1963. وفي الوقت نفسه كان قد باشر تدريس اللغة العربية في الجامعة التي درس فيها قبل أن يعود إلى لبنان ليبدأ مسيرةً استغرقت نحو نصف قرن من الزَّمان، مجاهداً ومحاولاً المواءمة والتوفيق والتوحيد بين نظرتين: نظرتنا إلى ذواتنا وإلى أمَّتنا بأعيننا نحن، ونظرة الآخرين إلينا وإلى أمَّتـنا عبر رؤية الآخَر في العالم الواسع لنا. واستمرَّ عاملاً في سبيل تصحيح الخلل الذي يشوب العلاقة الحضارية بين الشرق والغرب، وهو الخلل الَّذي يشوِّه الصُّورة السَّمحاء للإسلام الحق، ودوره الريادي في مسارنا الحضاري.

العودة إلى لبنان
عاد إلى لبنان سنة 1963 ليدرّس الفكر الاسلامي في الجامعة اللبنانية، ثمَّ جرى تعيينه سنة 1964 أستاذاً مساعداً في الأدب العربي والفكر الاسلامي في الجامعة الاميركية في بيروت، وترفّع لاحقاً ليصبح أستاذاً أصيلاً. وسرعان ما اندمج في الحياة الفكرية والأدبية مجَنِّداً مخزونه المعرفي وبراعة قلمه وموضوعية نقده وأكاديمية أسلوبه وحداثة لغته في خدمة قضيته الأساسية وهي المعرفة المتعمِّقة خاصَّةً في التوحيد، هذا الحقل القائم في جوهره على الثوابت، الحقل الشاق والشيِّق في آن معاً، كما وصفه ذات مرّة. ولم تمضِ سنتان على عودته إلى لبنان إلا وعهدت المرجعيَّات الروحية والسياسية في طائفة الموحدين الدروز إليه مسؤولية توضيح الالتباسات المترتِّبة عن الأزمة الناشبة من جرَّاء صدور كتاب “مذهب الدروز والتوحيد” لـ عبدالله نجار، الَّذي أثار جدلاً حول دقَّة المسائل المطروحة ومنهجيَّة تناولها. ووُفِّقَ الدكتور سامي مكارم، من خلال لغته الحازمة ومنطقه المحبوك وتبيانه للحقائق والقرائن الوافية والمبيّنة إسلامية المذهب، في وضع نقاط الحقيقة التي يمكن أن تعالج المسألة بكلِّيتها، وليس اجتزاءً مشوِّهاً لأساس الموضوع، وصدرت تلك التّوضيحات العِلميَّة في كتاب “أضواء على مسلك التوحيد” الَّذي كتب له الزعيم والمفكِّر كمال جنبلاط مقدّمةً بالغة الأهمِّيّة، فأعطى بُعداً فكريّاً آخر موازياً للبُعد المعرفيّ الروحانيّ الذي عبّر من خلاله الدكتور مكارم عن النظرة التوحيدية للمسائل التي طرحها النجّار، وعالج أيضاً جوانب أخرى مكمّلة.

وسام-المؤرخ-العربي-من-«اتحاد-المؤرخين-العرب»-تقديراً-لإنجازاته
وسام-المؤرخ-العربي-من-«اتحاد-المؤرخين-العرب»-تقديراً-لإنجازاته

آفاق همَّته ونشاطاته
تعزَّزت علاقتُه بأركان الطائفة الرّوحيِّين بعفوية خالصة، وتنامت مع الثِّــقاة والعلماء وتكاملت، في الوقت الذي اتَّسعت فيه آفاقه مع ما ترتَّب عليه تباعاً من مسؤوليات، سواء في حقل التعليم حيث شغل رئاسة دائرة الادب العربي ولغات الشرق الادنى في الجامعة الأميركية مرَّتين، كما كان أستاذاً غير متفرغ في برنامج الدّراسات العليا في الجامعة اللبنانية. وعُيِّنَ لاحقاً مدير مركز دراسات الشرق الاوسط في الجامعة الأميركية في بيروت؛ أو في اشتغاله في الفكر والثّقافة التوحيديَّة بحثاً وتأليفاً، وفي مسلك التوحيد بشكل ميداني إرشاداً وتوجيهاً، وبينه وبين خالقه عملاً وتحقيقاً؛ أو من حيث مواهبه التي تفتَّقت تباعاً في الشعر والفنِّ والأدب والأبحاث اللغوية وظهرتْ في أعمال قام بنشرها بدايةً في الصُّحف والمجلَّات والدَّوريات الأدبيَّة والعلميَّة، وأصدرها خلال العقود اللاحقة في كتب ومؤلَّفات جعلت منه مرجعيَّة أكاديميَّة في الإسلاميات والتصوُّف والفِرَق الباطنيّة واللغة العربيّة والأدب؛ فأمسى “حركة تنوير” في حدّ ذاتها، اشتملت على مدى عشرات السنين صنوف الأدب العرفانيّ، والشّعر، والنثر الشعريّ، وآداب الرجال، وفنّ تشكيل الحرف، والـتَّـأريخ، والقصَّة، والفلسفة، وأدب السّيرة، إلى جانب لعبه دوراً فاعلاً في مواكبة مسيرة “مؤسَّسة العرفان التوحيدية” منذ تأسيسها في السبعينات من القرن العشرين، ودوره المركزي عند تأسيس “المجلس الدرزي للبحوث والإنماء” في الثمانينات، وريادته أعمال البحث فيه، ومشاركته ككبير الباحثين في مؤسسة “التراث الدرزي” منذ تأسيسها سنة 1999. وبالإضافة إلى كونه عضواً مؤسِّساً في جمعيّات فكريّة وأدبيّة وإنسانيّة عدّة في لبنان والعالم الاسلامي، رعَى جمعيّات أهليّة وخيريّة، وشارك في عشرات المؤتمرات ومئات الندوات والمحاضرات. كما أقيمت للوحاته التشكيليَّة الحروفيَّة عشرات المعارض في لبنان والخارج، وتميّز خطُّه الفنيّ بمساحات من اللون والحركة أخرجت هذا الفن من قيد الكلاسيكيّة، وأسهمت في إثرائه بقواعد الجمال، ما جعله خطّاً مبتكراً في مجال هذا الفنّ له طابعه المكارميّ الخاصّ.

 

 

“كان أصيلاً في تمسُّكه بثوابت التّوحيد المعرفيَّة ومؤمناً بأنَّ المعارفَ والعلوم جميعَها سائرة إلى بلوغ غايتها في الوحدة بالعِلم الحقيقي”

رثهُ الغنيّ
فهمَ سامي مكارم الحرية على أنَّها العبودية للحق بكمالها وإتّباع إرادة الله وأمره بالكليَّة، فكان حرّاً بمقدار استطاعته، وكان داعيةً لحرّيَّةٍ معتمِدةٍ على التَّوحيد ومنبثقة منه، والحرّيَّة كما يقول هي المسؤوليَّة بكمالِها. وجسَّد بنفسه أنموذجاً في تحمُّل جسام المسؤوليات مع من حوله وفي ما حوله، وفي حرصه على إرث الأسلاف الأعراف والمحافظة عليه باعتباره إرثاً لا يورَّث توريثاً، ولا يُنقل نقلاً، وإنَّما يُعاش بالتَّفاعل، ويحياهُ المرءُ بالمؤالفة بين صدرٍ حرٍّ وبين صدر حرّ آخَر. فحاول صياغة هذا الإرث بلغةٍ معاصرة وأمانةٍ عالية ودقَّة متناهية وفق المستطاع، ليتركه ذخيرةً حيَّة فينا ويرحل عن 82 عاماً.
وخلّفَ الدكتور مكارم في الوقت عينه نتاجاً فكريّاً وفنيّاً كبيراً، وتاريخاً أكاديميّاً في الجامعة الاميركية في بيروت التي شهدت دأبه على عمله الفكريّ حتَّى الرَّمق الأخير، وسجِلًّا حافلًا في تجواله على المغتربات الدّرزيَّة كافّة لنشر كلمة التوحيد والدِّفاع عن مفاهيمها الصَّحيحة. كما أثرى المكتبة العربيَّة والإسلاميَّة بنحو ثلاثين كتاباً تنوَّعت مواضيعُها وفق ما سبق ذكره، وبقي بعضها مخطوطًا أو في طوْر الطباعة.

المؤلّفات
كَتَبَ في الفكر الدينيّ والعرفان وأدب السيرة والنثر الشعريّ، وأكثرها شهرة في البداية كتاب “أضواء على مسلك التوحيد” في الستينات، وThe Doctrine of the Ismailis, وThe Druze Faith في السبعينات، وكانت له إسهامات مهمة مختلفة بتكليف من مشيخة العقل صاحب السّماحة المرحوم الشيخ محمد أبو شقرا، وشارك صديق عقله وقلبه الراحل الدكتور عباس ابو صالح في تأليف كتاب “تاريخ الموحِّدين الدّروز في المشرق العربي”، الصادر عن المجلس الدّرزي للبحوث والإنماء في وقت عصيب من تاريخنا تعرَّضَ فيه الدّروزُ الموحِّدون لهجمةٍ شرسة شكَّلت خطراً على وجودِهم وصورة هويَّتهم الاسلاميَّة، فكانوا فيها عرضة لسهام الفتنة والتشكيك خلال حرب الجبل في الثمانينات.
كما تناول الدكتور مكارم في أحد كتبه شخصيَّة المتصوِّف الكبير الحلاج، وبيّن في “الدراسة التوحيديَّة” التي تضمَّنها الكتاب ملامح وسِمات “حلَّاجيَّة” لم يسبق لباحث أن أظهرها من قبل. وأنجز بحثاً روحيّاً لطيفاً تناول فيه سيرة حياة المرحوم الشَّيخ التَّقيّ المتشوِّق علي فارس من فلسطين، فتعمّق في سبر أغوار تجربته التوحيديَّة، ودقائق مسلكه الدّينيّ. وتناول والده الشيخ نسيب مكارم في كتاب أيضاً، جامعاً آثاره الفنّيّة وخفايا سيرته. وكَتَبَ عن أكثـر المتصوِّفات في الإسلام رِفعةً بعد أن جمعَ تراثهنّ في كتاب “عاشقات الله”. وأبحر في خفايا تجربته الخاصّة، ومعارجها الروحيَّة عبر نصِّه الوجداني “مرآة على جبل قاف” الذي اعتبره بعض النقَّاد أثراً عرفانيّاً في أدب السِّيرة الروحانيَّة قلَّ نظيرهُ في أدبيَّات العصر. وحاول مطلع الألفية الجديدة أن يصوّب حركة التأريخ من خلال وضعه لكتاب “لبنان في عهد الأمراء التنوخيين” (راجع في هذا الملفّ مقالة خاصَّة عنه)، الذي تمكّن فيه من تبيان حقيقة أنَّ أمراء الغرب وبيروت التنوخيِّين هم المؤسِّسون الأوائل للكيان اللبناني قبل الأسرة المعنيَّة.
كما تناول الدكتور مكارم بمنهجيَّة مدقِّقة مفهوم “التقيَّة في الاسلام”، فكتب بحثاً مسهباً نشرته “مؤسَّسة التراث الدّرزي” سنة 2005، أكَّد فيه ثبوت استخدام التقيَّة من قِبل الفِرق الاسلامية المختلفة خلافاً للإعتقاد السائد أنَّها مختصَّة بالفِرَق الباطنيَّة دون سواها. وكان له تراجم عدَّة عملاً وتحقيقاً. وفي السَّنوات الأخيرة من حياته ازداد ميلًا إلى الغوص المعمَّق في الذائقة العرفانيَّة فكتب “العرفان في مسلك التوحيد”، مبيِّــناً البنية العرفانيَّة الإسلاميَّة لعقيدة التَّوحيد. وترك عشرات القصائد والنثريَّات الموزعَّة في متون “قصائد حبّ على شاطىء مرآة”، و”ضوء في مدينة الضباب”، وكتب أُخرى تمَّ نشرها، وأُخرى غيرها هي قيد النشر الآن، بينها كتابا شعر هما: “نون والقلم” و”زهرة الليلك”. وقبل أشهر قليلة من رحيله، أنهى نصّاً تضمَّن ما أمكن من سِيرة حياته، وبعض أعمال لم تمهله الأيَّام وقتاً لإنجازها.

حراك حضاريّ
كان سامي مكارم “حِراكاً حضارياً” في بيئة “مطمئنَّة” لم تألف هذه الوتيرة المتصاعدة من مثل هذا الحِراك في بابه. ولا نُغالي إذا قلنا إنَّ عمقَ الأثر الإنسانيّ الَّذي ولَّده لم يُكتشف بعد بكليَّته حقّ الاكتشاف. فهو كان “أصيلاً” في تمسُّكه بثوابت التّوحيد المعرفيَّة، ومتشدِّداً بوجوب التَّعبير عنها عرفاناً في التجربة الذاتيَّة والجماعيَّة. ومؤمناً بأنَّ المعارفَ والعلوم جميعَها سائرة إلى بلوغ غايتها في الوحدة بالعِلم الحقيقي. وكان إلى ذلك صاحبَ نظرةٍ تجديديَّة في الأدب العرفانيّ، والشِّعر المنثور، وفي الحروفيَّة التشكيليَّة، جاعلاً للجمال غايةً متحرِّرة من قيد الحرف واللون والقالب. كما جاهد هو بنفسه أن تكون عليه “هويَّته” من النَّفاذ إلى الأفق الفسيح، حيث استمرَّ من خلال تعدُّد مواهبه، وتنوُّع اهتماماته، توَّاقاً إلى بلوغ إنسانيَّته كمالها الأنسيّ في هذه الوحدة الكونيَّة. لذا تراه اعتبر “الأنا” مصدر كلّ سُوء وتفرقة، وعدّها “سلاح الدمار الشامل”، ومسؤولة عن كلِّ تضارُب في هذا الكون، بدءاً من نزاع الخير والشَّرِّ في النَّفس، وصولاً إلى صراع الأضداد في عالم المعنى. واستمرّ يحذِّر من سطوة الأنا على الأفراد والجماعات والأنظمة والمجتمعات.
إنَّ الحياةَ المكافِحةَ في المعرفةِ التي عاشها الدكتور سامي مكارم هي تجربة فريدة فوَّتها الكثيرون من الباحثين عن كيفيَّات الالتزام بالأدب الروحيّ في الحياة المعاصرة، والإرادة والمشيئة لله عز وجل في كلِّ حال. لكنَّ الغايةَ الَّتي جاهد في سبيل نقلها إلى الأجيال اللاحقة ترسَّخت في مضامين الإرث الَّذي خلَّفه من حيث هو إرثٌ متأصِّلٌ في الجذور. ونحن بدورنا علينا خدمة هذا الإرث لكي نُحسنَ الانتفاع به واستخدامه في مواصلة خدمة غايات التربية التّوحيديَّة الراقية، وهو أمسى “حالة معرفيَّة متعدِّدة الأبعاد”، ولَّدتْ حالة الوعي، واستقرَّت “هنا” في صميم الذاكرة الجماعيَّة للموحِّدين أينما وُجدوا، وفي قلوب عارفيه ومحبِّيه في مختلف الأقطار والأرجاء إلى أيِّ طائفة أو دين أو فكر انتموا.
كان سامي مكارم داعية “الانخراط في الواقع”، وهو ترك فيه “بصمته الإنسانيَّة حتى لحظات حياته الأخيرة. فهو انتهج التَّوحيد منهجَ حياة معاصرة في التفكُّر والمحبَّة، وفي القول والفعل، وفي الذِّكر والمذاكرة، وفي البحث والاستشعار، وفي الإلقاء والسَّماع، وفي التدريس والتأريخ، وفي الفنِّ وتذوُّق الجمال، وفي الشَّغف بالتُّراث وشوقاً إلى التّجدّد، وفي النّظرة المسؤولة إلى الذّات ونظرة الشّفيق الرفيق إلى الآخر، وفي احترافه “النّـقد الناعم”، والتأديب بـ”قشّة المكنسة”، وفي عدم سكوته عن الظُّلم ومعونته للظالم حتى يعود عن ظلمه، وفي نبذ الخلاف واحترام الاختلاف، وفي انجباله بالصَّبر وحرصه على وحدة الكلمة، وفي براعته في فنّ التَّواصُل، ومراعاته خصوصيَّات الوعي عند كلّ الناس، وفي التَّعامل معهم بالتي هي أحسن من موجبات حاضرهم وممّا يفقهون، وفي تقديسه لأصول “العِلم” وأصحابه العِظام آباء المعرفة، وفي النَّهل من أوتاد الأرض الشيوخ الثّقاة، وفي تفانيه في خدمة كلّ ما حوله وكل من حوله. وفي الخلاصة: حاول سامي مكارم اكتشاف حقائق الأشياء بحقائقها ذاتها، فكان من الأوائل في حقله في وقـتـنا هذا، كما لكلِّ زمن أوائل.

 أجيال متعاقبة من الشباب نهلت من معين التوحيد على يديه ولا سيّما خلال السنوات العشرين الأخيرة في النّدوات والمحاضرات وحلقات المذاكرة
أجيال متعاقبة من الشباب نهلت من معين التوحيد على يديه ولا سيّما خلال السنوات العشرين الأخيرة في النّدوات والمحاضرات وحلقات المذاكرة

تعليم أجيال
أجيال تعاقبت على “مائدة” سامي مكارم ونهلت من معين التوحيد على يديه ولا سيّما خلال السنوات العشرين الأخيرة في النّدوات والمحاضرات وحلقات المذاكرة والجلسات التي لم تُحرَم منها منطقة في لبنان. كذلك شملت الدول العربية والمغتربات الدرزية في الأميركيّتين واستراليا وأوروبا وأفريقيا. وتحلَّقت تباعاً حوله كوكبةٌ من الشَّباب تتلمذت عليه وتنادوا في ما بينهم بـ “المجموعة”. وكان يردِّد أمامهم مُنبِّهاً قبل سنوات: ” لستُ قبطان الطائرة، لكنَّني واحدٌ من المسافرين”. حضر إلى منزله ذات صيف قبل ستّ سنوات شاب يدعى دانيال آتياً من الأرجنتين برفقة ولديه اليافعين، وقال: هاجر والد جدي إلى الأرجنتين ووُلِدَ جدي ووالدي ووُلِدتُ أنا هناك، وهذه رحلتي الأولى أحقِّــق فيها حلم حياتي في التعرُّف على جذوري في لبنان، لكنك يا د. سامي كنت معلّمي وشيخي خلال ثلاث عشرة سنة، مذ قرأت أحد كتبك تعرَّفت عليك، وكنت أقيم المحاورات معك، أسألك وأنت تجيب من صفحات الكتاب… وعاد دانيال “عن” غربتهِ مُفعماً بالأنس، مكتنزاً للحقائق خلال أسابيع قضاها في رحاب الوطن وأهل المعتقد، فكم من “دانيال” عاش غربته في الوطن وكانت لسامي مكارم يدٌ في انتشاله إلى حقيقة هويَّته في النور؟
ومع ذلك، فلا يمكننا إغفال حقيقة أن الراحل، الذي كان سبّاقاً بين بني زمنه، ومتَّبعاً أصالة الإحسان وروحيَّته، كان عاملاً فاعلاً على نهضة مرتجاة تمنّاها لأمَّـته، وهو ما لم يحدث بالكلّية خلال سنوات حياته الـ82. لكن غيابه وواقع الحال يحمِّلان جميعنا المسؤولية في أخذ المبادرة، وتسليمها الى الأجيال اللاحقة كما نهج الأسلاف الأعراف على ذلك ونَهَجَ سامي مكارم نهجهم، حيث تجاوزوا بقاماتهم المعرفية حواجز وصعاباً كثيرة على مرّ السنين. وأملنا يقينيّ في البيئة التوحيدية التي تفاعل فيها الراحل خادماً أميناً للحقيقة ومناضلاً من أجلها ومن أجل مستقبل أبنائها، البيئة التي تكتنز أصالةً معرفيةً، حضارية في العمق، أن تستمرَّ بيئة راعية وحاضنة لحركة الوعي التي عمل الراحل على توليدها في عقول وقلوب “الناس”، ومن بينهم أولئك الذين تتلمذوا عليه، إخوانه الشَّاهدون على البركات التي حاز عليها من الأعيان الثقاة الكبار، وكيف كانوا يشدُّون أزره، وشهدوا على الإجلال والإكبار والتفاني الذي أبداه الفقيدُ لأولئك الشيوخ الاطهار المنسجمين مع ذواتهم في الزهد والنقاء والورع والتقوى خلال عقود، ونهلوا (التلاميذ) مع شيخهم من عقول وقلوب أولئك الكبار “عيون العرفان”، المكتنزين لوعي عظيم تلحّفوا به، ولا يُصرف في معظمه في غير الابتهال ومناجاة الحق تعالى، في طلب نعمةٍ ربَّانيَّة آتية بالربيع الحقيقي إلى الكون وإليهم. ويذكرُ “الشّباب” مقولة الكتاب، وما كان يردِّده شيخُهم أنَّ ربيع العدالة والحقّ والخير آتٍ، وآمنوا بما آمن به وأمَّنَهُمْ عليه من أن الحساسين يمكنها أن تصنع ربيعها إذا ما حافظت على وحدة الكلمة، وإذا ما نجح “الشباب” في صيانة حلمهم الذي صاغه معهم شيخهم؛ وذلك يكون بتناغم معشرهم وبصونه من نظرة الفرق ومن الأهواء، وبالاستمرار في اعتبار الحق غاية قصدهم .

منزله في عيتات الذي كان منتدى للذكر
منزله في عيتات الذي كان منتدى للذكر

عاشق الكلمة
بذل الدكتور مكارم عمره كلّه في ما يحبّ، وساعات قليلة من النوم كانت تكفيه. هاتفتُ منزله يوماً في التاسعة إلا خمس دقائق صباحاً لألفت إنتباهه إلى صدور مقال افتتاحي في جريدة النهار كان قد تناول فيه كاتبُه كتابَ “العرفان في مسلك التَّوحيد”، أجابت زوجته السيدة ليلى على الهاتف، فنقلتُ لها غايتي من المكالمة وانتظرت أن أسمع صوته وأسلّم عليه، كما جرت العادة، لكنَّها اعتذرت منِّي قائلة: “سامي من شوي نام.بس يوعى بقلو يحكيك”! كان لم ينم طوال الليل، وسهر الفجر لكون الكتاب أنيسه، فكم أنِس بمن عشقوا الكتاب وعاشوا الحكمة عيشاً بالكلّية لا بالتكلُّف؟
هو نديم الكلمة والقلم، وقرين الباحث والقارىء والشّاعر والمؤلِّف. وهو من ناغمَ الحروف تغزّلاً قبل أن تنداح مرفرفة على لون المئات من لوحاته، وفيها صبْو لفرح عينيه ولتغريدة قلبه، كما صبْو كلّ من عرفه في كل مرّة يغادر فيها محضره. “الفَرِحُ” على الدوام، وفرحُه الداخليّ ينصبُّ فيك انصباباً مُطهِّراً إيَّاك من “حطام” دنياك، ويرتقي بك إلى حيثُ شفاف الإنسانية النبيلة المخبوءة فيك. كان “مدرسةً ومنهجاً ولغة ومعلّماً” في مخاطبة الناس بالتي هي أحسن، أحسَنَ فيهم وأحسَنَ إليهم، وكان يوحي لكلِّ من إلتقاه يوماً من عارفيه ومن أجيالٍ تعاقبت وكان مواكباً لوعيها أفراداً وجماعات، أن المعرفة كامنة في النَّفس، وما عليك إلَّا اكتشافها فيك، داعياً إياك إلى أمر واحد: “كن إنساناً”
منّا من آخاهُ على درب الحقيقة، ومنّا من تتلمذ عليه، ومنّا من واكبه، ومنّا من عاصَـرَهُ، ومنّا من صادقه، ومنّا من غادره قافلاً إلى حيثُ كان، ومنَّا من غادره إلى مكان أكثـر أمناً. وهو كان الأخ الناصح، والأب الشفيق، والمربي الرفيق، والمعلِّم “السقراطي السِّمات” لنا جميعاً، والمفيد المستفيد، والباحث دائماً عن كلِّ ما هو حق وخير وجميل فيه وفينا وفي هذا الوجود الأنيق.
تعامل مع الطفل ببراءته، ومع الزعامة من هيبتها، ومع الكريم بكرمه، ومع الفقير بمشاركته، ومع المرأة من أنوثتها، ومع الجاهل من حدِّ وعيه، ومع المتفكِّر من مضامين أفكاره، ومع الشَّاعر من أخيلتِه الشِّعرية، ومع المتواضع بالتذلُّل إليه. وخاطب كلّ ذي شأن من شأنه، إلَّا صاحب “الأنا” كان يدعوه بوسائل غير مباشرة وبأمثلة مختلفة إلى التبصُّر في حاله، ويتمنَّى عليه أن يستقيل من هوى نفسه ليرتبط بالسَّعادة مغتبطاً، وما السَّعادة غير عظمة التوحيد، “كفّ عن النظر بعين العظمة، تصل إلى مقام العظمة”، كما ذكر في أحد كتبهِ.

 

المعراج الأخير
ظلّ يحذِّر من الأنا، واستمرّ يحذّر منها إلى آخر يوم قبل توعُّكه، حيث كانت جلسة الوداع في أوَّل أيَّام عيد الفطر المبارك الواقع فيه 19 آب 2012، مع أطفال وشبّان وشابات، بلغ الصغير بينهم سنّ الـحادية عشرة، يومها قال لهم: أنتم أمل هذه الأمَّة ومحور التفاعل فيها. أنتم على تماسّ مباشر مع أبناء جيلكم. إذا ما وضعتم انتباهكم على الحقيقة لا على الشخص أو الأشخاص تنجحون. فالطبيعة يحكمها النّظام المتوازن وهي لا تقبل الفراغ، والفراغ هو فوضى التوازن. ضعوا النظام نصب أعينكم، واعلموا أنَّه من خلال الأنس بهذا النظام وحبّه يتطهَّر الإنسانُ من أناه. “. وعندما استأذن بعض الشبّان للمغادرة قال: ” لوين، بعد بكّير!” وأضاف: تكادُ عيني تدمع عند رؤيتكم، لكنَّني الآن بتّ مطمئناً أنَّ المستقبل واعد إنشاء الله”. لم نأخذ كلامه على محمل “الغياب”، لكنَّه أودع أمانته في أولئك الحاضرين، وكان عددُهم سبعة وأربعين.
أحبَّ الدكتور مكارم قصَّة الطّيور كما سردها فريد الدِّين العطّار في “منطق الطَّير”، وأيّ فرح كان يغمره لدى ذكرها على مسامعنا. وفي ذلك النَّص، الذي مثل ترنيمة روحيَّة لرحلةٍ نورانيَّة، ينزع الهدهد الرّيش عن أجنحة الطيور الثلاثين في رحلتها إلى الملك السيمرغي، فكان قدرُه، خلال ثلاثين ساعة أخيرة في حياته، قضاها في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، أن أُصيب بمثل نزع الرِّيش عن جناحيه قبل أن يلج فقيدنا وحبيبنا وشيخنا سامي مكارم المعراج الخير في رحلته.
سألناه في ساعاته الأخيرة: ماذا قال الحلاج حين قُطِّعت أوصالُه؟ فلم يُجِب، من فائق أدبه وحسن تواضعه. حينذاك، قلنا له: “حَسب الواجد … ” تابع عندها قائلاً: “…إفراد الواحد له”. لم يرَ إلى نفسه أنَّه “واجد”، أي أنَّه صاحب وجدٍ يؤهّله إفراد الحق له، وكان في ذلك سائراً على خطى الشيوخ الأعراف، وأحد كبارهم الشيخ الفاضل محمد أبي هلال رضي الله عنه الذي استمر معترفاً بعجزه وافتقاره للتوبة حتَّى الرَّمَق الأخير.
استمرَّ جسد سامي مكارم مَطرحاً لاختبار الألم وما كان يتلفَّظ بغير: “الحمد لله على كل شيء”، إلى أن بلغ التطهُّر بـ “الحبّ” تمامه في كينونته، فأمسى دمه نقياً من كل ماء شركيّ، وقلبه بريئاً من سلطان إبليس، عندها هبط ضغط القلب ليستقر على “واحد”، ونبض الجسد توقَّف عند “واحد”، وتمتمات الفؤاد سكنت في “واحد”. ولمّا لم يكن في الدار غير الواحد، راح جناحا العجز والعشق يطيران بالقلب، من على شجرة الجمّيز، بغير ريش، يحلّقان خلف هدهد الزمان المبحر بلا كلل نحو هذا الحبيب السيمرغي، الذي قال فيه فقيدنا، فقيد الأنس في كتابه “مرآة على جبل قاف: ” لكأنَّ طائر السيمرغ، إذ يبدو للطير وقد بسط جناحيه، وحملني، وطار بي، وغيَّبني في ملكوته، لقد صيَّرني منه وما صيّرني، وصلني به وما وصلني، فصلني عنه وما فصلني غير أنّه ما إن حلّق بي حتى حطّ بي من جديد. ما أوجدني إلا لأعود إليه. وما كوّنني إلا لأكون في كونه شاهداً لوجوده، ذاكراً لآلائه.” وتابع شعراً:
“واليوم عُدتُ إلى ما كنت أحذره ذكرى من الطيب في حِقّ من الطّين!”
استمر هذا الحبيب شاغل شغل سامي مكارم منذ اليفاع، وتدرَّج في اقتفاء أثره تماشياً مع اختمار تجربته الرّوحيَّة، إذ يقول في الكتاب عينه:
“حيــــــث ذاتي تعتلي شيئاً فشيّئًـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
جبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل “القــــــــــــــــــــــــــــــــــاف” السَّحيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــق
فـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــأرى ذاك المحيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــّا
حيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــث “سيمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرغ” الهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوى
يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدَّى لـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي مـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرآة
أرى فيهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا العوالــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم
كلّ ما في الكون من ماضٍ ومن آنٍ وقادم
(مرآة على جبل قاف ـ ص79).

وفي خلال الشهر الأخير من حياته، صرف اهتمامه بالكلّيّة في البحث عن خفايا جبل “القاف”، وعن ملاحقة أخبار ذاك الأعجمي الذي وطىء القاهرة يوماً وبدّل طعم ماء النيل.
سقط جواد سامي مكارم. نعم. وكم نفتقد “اعتزالنا” حضوره بيننا، وهو من كان لنا “أحلى هدايا العمر”، وإن عَمِلنا على معالجة مصاب انتقاله بالرِّضى، فنحن على يقين أنَّ فارس الحقيقة سوف يتابع مسار خروجنا إلى النور.
لقد توفّى المولى الدكتور سامي مكارم برحمته حيّـاً، وهو الذي كان “برحمانيته أوجدني في حدّ الإنسانية. ومن خلَل هذه الإنسانية قدّرني على الارتقاء من مقام إلى مقام، وعلى المسافرة في درجات تعاليم هذا الحدّ الأعلى العاقل للإنسانية الذي به أستطيع أن أتبيَّن ما تهيّأ لناسوتيَّتي أن تتبيّنه من الألوهة (مرآة على جبل قاف ـ ص141).
لقد توفّاك المولى برحمته وكنت حياً، وبقينا نحن (أو كاتب هذه السطور على الأقل) في الغمض مثلنا مثل جنين في الرحم يتلهف إلى لحظة “طلق”. مثلنا مثل نور اكتنزهُ السحَر علّنا نخرج إلى الحياة الحقّ ونقتديك ونقتدي أمثالك من الشيوخ الأطهار قدوة، ومعك ومعهم خلف قبطان السفر نحلِّق في رحلة الحقّ.

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”سامي مكارم <مرآة >المقابلة والمفارقة د. أنطوان سيف” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

يفاجئكَ سامي مكارم برغبة عارمة في الغزْل المستجدّ على نوْلٍ قديم استهلكَ كامل دلالاته ورموزه، بكفاءةِ عناصر أسلوبيَّة ثلاثة تبدو جدَّتها بتلازمها معاً في كتابه، وهي: الشِّعر الصّوفيّ، ومُضارعُه النّثري (لا من باب حلّ المعقود المنظوم)، واللوحة الحروفيَّة التي أحيا فيها الحرفَ الَّذي يُميت، وحوَّله – كما يقول أفلاطون – إلى صورة.
سعى مكارم إلى “إحياء الأدب الصّوفي وتحديثه، من دون أن ينزع عن مواصفاته وخصائصه، ومن غير أن يمنحه أشكالاً مبتدعة ومبتَكرة وغير مألوفة” لم يخرج عن المضامين الدينيَّة والفلسفيَّة التي باتت تقليداً في التصوُّف الإسلامي المعتدل: كتماهي صفات الله بذات الله، وأن “لا موجود إلا الله”، وأنَّ “الكتابَ يدخُل في المصحف” (وحدة الأديان) والوصُول إلى الله بالحُبِّ لا بالعقل، وأنَّ الحبَّ الحقّ حبُّ الحقّ، وكينونة الإنسان التي تغدو، عند الوصول، الكون كلَّه…
إلا أنَّ هذه المطابقة لم تطمس عنده ملامح مخصوصة، لا بل نافرة، تجافي المناخ العام للكتاب بمضمونه ولهجته. فصل “الثورة” الذي أبرز فيه الأحداث المعاصرة ومسالك رجال السياسة والدِّين فيها: “هارون الرّشيد وسلالته”، رمز الحاكم الماجن، سبب الانحطاط المعاصِر العربي والاسلامي. “رؤيا أبوكاليبس” لدينونة أخلاقيَّة تفشي عن انطباع بأنَّ مكارم يقوم هنا بضربة وقائيَّة يراها ضروريَّة، استباقاً لهجوم محتمَل، ومألوف، ضدّ أهل التصوُّف والعرفان، أو هو ردٌّ مسبَق على اتِّهام محتمَل بأنَّ التصوُّفَ هروبٌ من مشاغل النّاس وما يتهدَّدُ حياتهم في الدّاخل، وأوطانهم من الخارج.
باستثناء هذا الفصل فإنَّ الكتابَ، بباقي فصوله، يبدو وكأنَّه بلا تاريخ؛ صدر في أيِّ زمان، وأيِّ مكان من ديار العرب المسلمين.
إلا أنَّ جدَّته الأظهر هي في عنوان كتابه وموضوعاته المركَّبة: فقد أسكنَ مكارم “سيمرغ” فريد الدّين العطّار، ملكَ الطيور المحتجَب، على قمَّة جبل قاف، وجعلهُ مرآةً للعارفين يرونه، بعد طول سفر وشوق، ويرون فيه ذواتهم كاملةً.

غلاف-كتاب-مرآة-على-جبل-قاف
غلاف-كتاب-مرآة-على-جبل-قاف

*****
كي لا تهتزّ صورتُه في صفحةِ الماء، اخترعَ الإنسانُ المرآةَ المعدنيَّة والزجاجيَّة الصقيلة. وجعلها بمتناوَل الكلّ، مذّاكَ ازدادَ الوعيُ الأنويّ، وازدهرَ أدبُ السّيرة الذاتيَّة، كما لاحظ لويس ممفورد
(L. Mumford) وأصبحنا نعيشُ على الحقيقةِ في “حضارة المرآة” التي هي امتداد “لمرحلة المرآة” السيكولوجيَّة الطفليَّة.
مرآةُ سامي مكارم سابقة لهذا التاريخ، وخارجة عليه وعلى كلِّ التّواريخ. مرآة مضنون بها على غير أهلها وهُم قلَّة صافية نادرة. من مرآة الماء التي لا تبوح بصُورتها إلا بطأطأة الرأس باتّجاه العالَم السّفلي، إلى مرآة جبل قاف العالي، آثَر مكارم السّموّ والرِّفعة على التَّعمُّق والغَوص، حيثُ تتعالى النّاسوتيَّةُ صوبَ اللاهوتيَّة. لقد ماهى انتماءَهُ الأهلي الطبيعي إلى أهل الحكمة والتَّوحيد، بانتمائه الطَوعي الإرادي إلى أهل العرفان والحقّ، إذ هُم جميعاً موحِّدون. وهكذا غدا جبل قاف، جبل الموحِّدين، جبل الدّروز الَّذي هوَ الاسم الناسوتيّ لقاف اللاهوتي، قافُ الرؤية والمرآة، ولكن أيضاً قاف السّمع، قاف الدّروز. لقد أدرج ياقوت الحموي الرّومي جبل قاف في “معجم البلدان”، على الرّغم من وصفه له أيضاً بـأن “ما وراءه معدود من الآخِرة ومن حُكمها … وأنَّ وراءه عوالم وخلائق لا يعرفُها إلا الله تعالى”. “جبل قاف” جبل العارفين والموحِّدين، ومن غير واو العطف. وينبغي أن نتقبَّل هنا انحياز سامي مكارم في جعل المرآة على جبل قاف، جبله، وليست ما وراء الجبل كما ذكرها المصدر.
لقد انحدر الإنسانُ بالثّمرة المحرَّمة، وسمَا عندما صوَّب وجهته نحو مرآة قاف، يمحو بها ذاكرته، ينقِّيها، ويتسامى بها على سقوطِه التاريخي. “إنَّ ذكرى الثَّمرة المحرَّمة – قال برغسون – هي أقدم ما في الذّاكرة الإنسانيَّة، الفرديَّة والعامَّة على حدٍّ سواء”.
سامي مكارم العرفاني، فيلسوف الوجد، فنَّان الكلمة – اللوحة – الآية، شاعر الكلمة التي تماهى بها الله منذ البدء وإلى الأبد، عاشق الحقّ الأوحد، الجبليّ الرّيفيّ الَّذي حمل قرويّته معه إلى المدينة التي يمكنُ أن تراها مختبئة بخفر وراء مظهره الدائم ال، وفي ثنايا كلامه الَّذي لم يهجر مرَّة نبرته الهادئة والمهذّبة التي تحسب، وأنت تسمعها، بأنَّها تهمسُ باتّجاه شخص متوحِّد بنفسه في هدأة الليل “على جبل قاف”…
سامي مكارم لم يقل على مدى كتابه، وعلى مدى حياته، سوى هذه الحقيقة الانسانيَّة والوطنيّة الكبرى التي تعكسها المرآةُ المجلوَّة التي لا تُرى فيها الأنا ولا الأنوات ولا النّفس الأمّارة بالسُّوء ولا الرّهبة من الموت، إنَّما صفاء الحقّ يقولُه بوسائل وأساليب هو سيِّد من أسيادها.

[/su_spoiler]

[/su_accordion]

حول كتاب لبنان

حول كتاب “لبنان في عهد الأمراء التنوخيِّين”
المؤرِّخ الّذي استأنَس بروح القَوم

تشكِّل المصادر الأساسيَّة لتاريخ الدروز في القرن الوسيط العمود الفقري لكتاب د. سامي مكارم “لبنان في عهد الأمراء التنوخيِّين” (وهي على التوالي: “تاريخ بيروت” للأمير صالح بن يحيى، و”صدق الأخبار” لابن سباط، و”السجلّ الارسلاني” من حيث هو ثبتٌ.
بيدَ أنَّ مقاربة د. مكارم لتلك المصادر تتميَّز بما يُمكن وصفُه بـ”نور داخلي” متأتٍّ من طول مراس بحثيّ في متونها، حيث أنَّ المعالجة التاريخيَّة لها أتت استلحاقًا باهتمامات واسعة تناولت البُعد الرّوحي والفكري والاجتماعي للعشيرة المعروفيَّة في الجبل اللبناني التي قادها الأمراء التنوخيُّون من مطلع القرن الحادي عشر الميلادي إلى نهاية القرن الخامس عشر. وهذه حقبة استهلَّها الأثر الاجتهادي الفاطمي في فقه الشّريعة، واستجابة القوم له، ممّا أدّى إلى انعكاسات واضحة على نواحٍ مسلكيَّة عدّة عندهم، في حين أنَّ تاريخ حلف القبائل العربيَّة المسمّى “تنوخا” يرجع بالذّاكرة إلى ماضٍ غابر امتدَّ لقرون عدَّة قبل الإسلام – وهو أمر تطرّق إليه البحثُ تأسيساً للحقبات اللاحقة- ممّا يعزِّزُ قاعدة الدّراسة لتكون تاريخاً لـ “تنوخ” ذاتها، وهو العنوان الأصل الّذي تصدَّر مخطوطة مكارم قبل أن تجدَ طريقَها إلى النّشر.

حلف القبائل
يتقصَّى الباحثُ خبر “تنوخ” من البدايات الموغلة في القدم، وأتى على ذكره بطليموس المتوفى حوالي سنة 170 للميلاد، مُورداً اسم هذا الحِلف من بين قبائل العرب في جغرافيَّته، وهو “حلفٌ أقامته قبائل من الأزْد وقُضاعة وكهلان ولَخم وغيرها، فعُرفَت إثره بـ ”تنوخ”، وكان من شأنه أن أعطى قبائلَ هذا الحِلف قوَّة مكَّنتها من أن تنتقلَ من البحرين إلى غربي الفرات – ما بين الحيرة والأنبار – لتسيطر على قسم منَ الطّريق التّجاريَّة التي تربط الخليج وبلاد فارس شرقاً بالبحر الأبيض المتوسِّط غرباً”.
منطقة استراتيجيَّة أقامت فيها تنوخ في النّصف الأوَّل من القرن الثالث للميلاد دولةً كان أوَّل ملوكها، في ما يُروى، مالك بن فهم الأزدي. ويذكرُ الباحثُ استناداً إلى “المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام”، واعتماداً على المزيد منَ الإيضاحات من بعض أمّهات المصادر الإسلاميَّة (الطّبري، ابن الأثير، المسعودي إلخ…) أنَّ هذه الدّولة “تبوَّأت مركزاً مرموقاً بين العرب فخطب ودّها كلٌّ منَ الدّولتَين الكبريَين في ذلك الوقت: الدّولة الساسانيَّة والامبراطوريَّة الرومانيَّة…”، من دون أن تكون خاضعة لأيٍّ منهما.
ويستقرئُ الباحثُ بعضَ النّصوص الأثَريَّة ليعزِّزَ المعطيات التاريخيَّة، وليبيِّن من ثمَّ أنَّ سلطانَ المملكة التنوخيَّة امتدَّ من الحيرة شرقاً إلى بلاد الشّام غرباً إلى نجران جنوباً، و”كانت المملكة في وقتٍ من الأوقات تسيطر على معظم الجزيرة العربيَّة … وكانت لها شخصيَّتها المستقلَّة، ودورُها السياسيّ والعسكريّ الَّذي يتوخَّى مصلحتها الخاصَّة وإن كان يعودُ بالنّفع العميم لكلتا الدولتين المتصارعتَين”.

ملوك تنوخ
يستعرضُ الباحثُ من ثَمَّ أسماء الملوكِ الَّذينَ تعاقبوا على عرش تنوخ، مبيِّناً الأدوار التي لعبوها، والمآثِـر التاريخيَّة التي خلّفوها، ومنها بناء قصر الخورنق المنسوب للنعمان بن امرئ القيس، وصراع المنذر بن ماء السّماء ضدّ الرّوم من جهة، والغساسنة من جهةٍ أخرى، كذلك خبر يوم ذي قار، والموقف الشجاع لهانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود الشيباني في وجه كسرى، عندما أبى تسليم الودائع، التي أودعها النّعمان بن المنذر المعروف بأبي قابوس ملك الحيرة، إليه، وانتصار العرب على الفُرس في تلك الواقعة.
ومنذ صدر الإسلام، شاركت سيوف “تنوخ” في الفتوح. فقد اعتنقَ المنذر بن النعمان الاسلام. واشترك بقيادة خالد بن الوليد في الزّحف عند قدومه إلى الشّام، عون بن المنذر مع المسلمين، كما حضر مشاركاً في واقعة أجنادين بين المسلمين والبيزنطيّين سنة 13 للهجرة وقُتِل فيها.
وأمَّا الأمير مسعود بن عون بن المنذر فقد حضر فتح دمشق ومعركة اليرموك “وقاتل هو ومَن معهُ من لخم وجذام قتالاً شديداً”، كما يقول “السجلّ الأرسلاني” الَّذي يفتتح وثائقه الإثباتيَّة بذِكر تلك المآثـِر.
ويُعتبَر هذا السجلّ أحد الأصُول التاريخيَّة للتنوخيِّين كما سبقَ القول، إنَّما تتوجَّبُ قراءتُه منهجيّاً بعين ثاقبة، ونظر عميق يعقد المقارنة، ويقيمُ البحثَ على استقصاءٍ موضوعيّ للحوادث اعتماداً على موازنتها بالمصادر الأساسيَّة للحقَب الزمنيَّة التي جرت فيها، وهو أمر يجهد فيه الباحثُ وسع الجهد.

دفاعاً عن الثغور
بعد الفتح، كان بمعرَّة النعمان “جمع تنوخ المستكثر” على حدّ تعبير القلقشندي، وكما يقتبسُه مكارم الَّذي يستعرضُ من ثَمَّ المعطيات التي تشيرُ إلى أنَّ قبائل من تنوخ قطنت بلادَ الشّام شمالها وأوسطها قبل الفتح الاسلاميّ وفي أثنائه وبعده، وصولاً إلى وادي التَّيم و”بلاد الصّنوبر” على حدّ تعبير شاعر قُضاعي. هكذا، بدأت مهمَّة “المثاغرة” للإمارة التنوخيَّة التي وُصِفَت بأنَّها “غرس الملوك”، وكان من شأنها “الدّفاع عن عددٍ من ثغور دار الاسلام ضمن الدّولة الجامعة، كما كان من شأنها أن تسهمَ في طبع هذه المنطقة بالطّابع العربي”.
يتحرَّى الباحثُ بعد ذلك عن الامتداد التنوخي في ساحل الشّام بعد أن ميَّز بين سلالتَين هما الفرع الأرسلاني والفرع البحتري الجُميهري. ويروي في السّياق ما باشرته سيوفُهُم من الدّفاع عن ثغر بيروت لقربه من هجمات المرَدة الموالين للروم، ووقائع الانتشار مصحِّحاً العديد من الأخطاء التي وقع فيها بعضُ المؤرِّخين (تحديد موقع بلدة البيرة على المثال).
هكذا تبدأ الحقب الكبرى التي شهدت أدواراً قام بها “أمراءُ الغرب” في عهد الخلافة العبَّاسيَّة فالفاطميَّة، حيثُ نقرأ عن مبايعة سيف الدولة المنذر بن النعمان بن عامر أمير الغرب للإمام الفاطمي المعزّ لدِين الله عبر قائده جعفر بن فلاح الكتامي الَّذي فتح دمشق.
ويُلفِت مكارم إلى خطأ في السجلّ الأرسلاني – ليس الوحيد على كلِّ حال – حين يقف عند الالتباس الَّذي وقع فيه البعضُ بين الأمير أبي الفوارس معضاد بن همام الفوارسيّ، وبين الدّاعي أبي الفوارس معضاد بن يوسف الفوارسي. ثمّ ينتقلُ البحثُ إلى عهد الأتابكة وصراعهم مع الفرنجة، وبدء حملات الفرنجة، ودور أمراء الغرب فيها.
وهنا يدخلُ في سياق البحثِ تاريخُ الأمير صالح بن يحيى المذكور آنفًا. ويكشف مكارم مسألة التنافس بين سلالات الأمراء إذ تعبِّرُ إثباتات “السجلّ الأرسلاني” عن النسَب الأرسلاني، وتعبِّرُ وثائق “تاريخ بيروت” عن النّسب التنوخي (البحتري) على الرغم من ارتباط النّسَبَيْن بجدٍّ أعلى هو النعمان بن المنذر بن ماء السّماء، وهو كشفٌ يسلِّطُ الضّوءَ على آثار هذا التنافُس في قلب هذه المتون القديمة لجهة إغفال بعض الأحداث، أو إيلاء الأهميَّة لبعضها الآخَر.
من ثمَّ يتحدَّثُ عن أدوار الأمراء الجميهريِّين في عهد الأيوبيِّين، محلِّلاً المنشور الَّذي منحهُ صلاح الدِّين للأمير جمال الدِّين حجي بن كرامة، ومستنتِجاً منه أنَّ صفةَ الإمارة أُزيلت لتوزّع إقطاعات على الأمراء. كذلك يحلِّلُ منشورَ الملك الأفضل نور الدِّين الأيّوبي. ثمَّ يُسهبُ في شرح دور ثالوث الأمراء جمال الدِّين حجي وسعد الدِّين خضر وزين الدِّين صالح ودورهم المهم في الأحداث السياسيَّة والعسكريَّة التي دارت في زمنهم، الَّذي شهد اضطرابات كبيرة تَنازَع فيها الأيوبيُّون والمماليك والمغول والفرنجة. دورٌ بلغَ الذّروة في المشاركةِ في المعركةِ الطّاحنة التي جرت في عين جالوت بين المماليك والتتار.
وينتقلُ سياقُ الأحداث إلى عهدِ دولة المماليك البحريَّة، وأهمُّها في ما يعني أمراء الغرب الحملة على “شيعة وباطنيَّة كسروان”. كما يشرح أثَر التّرتيب العسكري الَّذي فرضهُ المماليك على فرسان الإمارة لجهةِ إدراج الجبل في النِّظام الَّذي فرضُوه على مقاطعات بلاد الشّام.

بيروت القديمة
بيروت القديمة

ويُرافق الأصل التاريخيّ “صدق الأخبار” لابن سباط، حقبة دولة المماليك البرجيَّة، وهو يُكمل تاريخ الأمير صالح المنتهي سنة 840 هـ. وهذه حقبة تميَّزت بانهيار أسُس النِّظام المملوكي في ما اعتبرهُ بعضُ المؤرِّخين “عصراً مظلماً” أضاءت فيه سيرةُ الأمير السيِّد جمال الدِّين عبد الله التنوخي بشكل لافت.

سيرة الأمير السيِّد
ويُسهِبُ د. مكارم في سردِ سيرة هذه الشخصيَّة المهيبة الفذَّة ليعطينا صورة تاريخيّة جليَّة عنها، وعمّا كان لها من أبعد الأثَر في تاريخ الموحِّدين ومسلكهم، مدقِّـــقًا في بعض المُعطيات، ومُبرزاً أبعاد النَّهضة الإصلاحيَّة المتعدِّدة الجوانب التي قام بها الأميرُ السيِّدُ وسط بيئته الاجتماعيَّة، راوياً الظروف التي دعتهُ الى تركِ البلاد، ثمَّ عودته، فابتلائه بفقد أولاده وصبره وقيامه برسالته حتَّى كان “نموذجاً للفناء عن الأنا، ومِثالاً للرضى والتَّسليم…”
ويتعقَّبُ الباحثُ أخبارَ تلاميذ الأمير السَّيِّد، ومن بعدهم آخر أخبار التنوخيِّين التي انتهَت بالمأساة التي سبَّبها الأميرُ علي بن علم الدِّين الَّذي ولّاه كجك أحمد باشا على “بلاد الدّروز”، بقتله لآخِر سبعة أمراء منهم بعد أن باغتهُم في قرية عبيه “ولم يترك من بيت التنوخ ولا ذكراً يخلفهُم” على حدِّ قول الأمير حيدر الشهابي.
ويخلص مكارم إلى الاستنتاج بأنَّ التنوخيِّين “قاموا بدور رئيسي في بناء الشخصيَّة المميَّزة لهذه البلاد، فحافظوا على هويّتها اللبنانيَّة العربيَّة، وكان لهم الفضل الكبير في إبقاء هذه البلاد جزءاً أساسيّاً من الدولة الجامعة، ولكنَّهم عملوا كذلك على إبقاء هذه البلاد جزءاً مميَّزاً، كما كان لهم الفضل الكبير في تكوين صفاتها اللبنانيَّة ذات الفرادة الأصيلة القائمة على الانصهار الاجتماعي بين السكَّان على مختلف انتماءاتهم الدينيَّة أو العرقيَّة، ذلك أنَّ ما شاهدهُ اللبنانيُّون من منازعات قليلة بين القيسيَّة واليمنيَّة في القرنين السادس عشر والثامن عشر، ومن منازعات طائفيَّة بدءاً من القرن التاسع عشر، لم يكن موجوداً في عهد السّيادةِ التنوخيَّة على الإطلاق”.

داروين نبي الإلحاد

الدجــــــال
العِلــم يفضــح زيف الداروينية

الـــداروينيـــة منظومـــة إلحـــاد تستهـــدف
هـــدم الأديـــان وإشاعـــة الفوضـــى الأخلاقيـــة

الله نفـــخ من روحـــه في الإنســـان وكرّمـــه
ودارون أراد إذلالـــه بـــرده إلـــى عالـــم الحيـــوان

عجـــزوا عـــن إثبـــات أن الحيـــاة نشـــأت صدفـــة
فزعمـــوا أنهـــا جـــاءت من الفضـــاء الخارجــــــي!

أدت الثورة العلمية والصناعية في القرن التاسع عشر إلى انقلاب شامل في نمط حياة الناس ونظامهم الاجتماعي، وكان من أهم علامات ذلك الانقلاب هو انتقال الثقل الاقتصادي والسكاني والاجتماعي والثقافي بصورة حاسمة من الأرياف إلى المدن الرئيسية، وأدى قيام الصناعات الكبيرة واكتشافات مثل الكهرباء والتلغراف والقطارات ثم العربات السيارة وغيرها إلى دخول الإمبراطوريات الغربية مرحلة غير مسبوقة من الازدهار والرخاء الاجتماعي، وقد تمّ تمويل هذا الرخاء من مصدرين رئيسيين التطور الصناعي في الداخل والاستعمار وقهر الشعوب الضعيفة في آسيا وأفريقيا في الخارج. وساهم التطور المتسارع في الولايات المتحدة ودول العالم الجديد في تعميم الثورة الصناعية ونمط الحياة المادية فبدأت تلك المجتمعات تتفلت من القيم المعنوية والأخلاقية التي تمّ الحفاظ عليها على مدى الأزمنة.

أعطت الثورة الصناعية والعلمية شعوراً هائلاً بالثقة والقوة للمجتمع الغربي لكنها ترافقت أيضاً بتزايد غير مسبوق في المشكلات الإنسانية وظلم الإنسان للإنسان، وقد وجدت قوى الأنانية والطمع الكامنة في البشر في التقنيات الحديثة وتطبيقاتها في الميدان الحربي وسائل عظيمة الفائدة للسيطرة وقهر الآخرين. ولم تقتصر عقلية القهر والفتح على موجة الاستعمار الخارجي، بل ارتدت أيضاً إلى داخل المجتمعات الأوروبية نفسها، إذ حتم اتساع نطاق الثورة الصناعية تعمق الانقسام بين مالكي الثروة والمصانع والمؤسسات وبين ملايين الناس الذين فقدوا أراضيهم وتحولوا من مالكين أحراراً إلى أجراء يتعرضون لأقسى أنظمة العمل وأبشع أشكال الاستغلال.

لكن في موازاة التحوّل الكبير على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، شهد العالم في القرن التاسع عشر انقلاباً موازياً في القيم ستكون له آثاره البعيدة وثماره المرة في ما تبقى من ذلك القرن وخلال القرن العشرين بصورة خاصة. فقد ازدهرت في تلك الفترة النظريات المادية الإلحادية وخصوصاً مع قيام الحركة الماركسية في العام 1848، والتي استهدفت قلب الأوضاع المستقرة في أوروبا، ولعب اليهود الأوروبيون الذين كانوا يعانون بقوة في الدول الأوروبية دوراً مهماً جداً في الترويج للحركات الثورية على اعتبار أن تحطيم الكيانات الأوروبية بما في ذلك الكنيسة التي كانت سداً منيعاً في وجه اليهود سيخلق وضعاً فوضوياً يسمح لليهود كأقلية منظمة وفعّالة في بسط هيمنتهم على القارة ومن خلالها على العالم.
في ذلك الوقت بالذات، وبعد 11 عاماً من إطلاق اليهودي الألماني كارل ماركس لما سمي يومها “البيان الشيوعي” في لندن، أصدر مؤلف يهودي آخر هو تشارلز داروين مؤلفاً بعنوان “أصل الأنواع” وقد وضع هذا المؤلف في كتابه مجموعة من النظريات والفرضيات والمزاعم التي تقول بأن الكون بكل تفاصيله إنما وجد بفعل الصدفة وإن الحياة وجدت بفعل الصدفة وتطورت من أشكال بسيطة مثل البروتين والخلية ثم البكتيريا إلى أشكال أكثر تطوراً إلى أن وصلت إلى وضعها المعقد الحالي. وتضمّن كتاب داروين فرضيات مثل أن الإنسان تطور من القرد وأن الطيور تطورت من الديناصورات وأن التمساح والزواحف تطورت من الأسماك وأن الفيل تطوّر من الدب والحصان من أحد الحيوانات الأصغر إلى آخر ما هنالك من المزاعم.

منظومة التطور المزعوم لاقت ترحيباً فورياً من مؤسسي الشيوعية والقيادة النازية لأنها تحقِّر الإنسان وتبرر العنف ونزعة السيطرة

لم تكن نظرية التطور التي قدمها داروين مستندة إلى أي أدلة علمية، لكنها بدت مفيدة إلى أقصى الحدود لكونها تخدم غرضاً إيديولوجياً مهماً وهو أنها تهدم نظرية الخلق والاعتقاد الراسخ لدى مختلف الأعراق والأديان والحضارات بأن الكون مخلوق وأنه الصنعة البديعة لخلاق عظيم والآية المعجزة الدالة على وجوده الفاعل في الكون. وبسبب فائدتها المباشرة في هدم المعتقد الديني فقد وجدت التيارات المادية التي غذاها اليهود في الداروينية سلاحاً ماضياً يمكن استخدامه لهدم الكنيسة ونفوذ الكهنوت وفي الوقت نفسه لهدم النظم الأخلاقية التي استندت إلى الدين والوصايا المتضمنة في الكتب السماوية. وقام على الفور تحالف مقدس بين الماركسية ومن بعدها النازية والفاشية وبقية التيارات الإلحادية وبين الداروينية وأتباعها وكتب ماركس إلى رفيقه أنجلز لافتاً إياه إلى أهمية ترويج الداروينية في خدمة الماركسية. وكذلك أعلن لينين في ما بعد وستالين وماو وهتلر أهمية الداروينية كأساس لمعتقدهم الفلسفي والسياسي.
ومما لا شك فيه أن اللوبي اليهودي العالمي لعب دوراً حاسماً في نشر الداروينية والترويج لها، كما أن قوى الإلحاد التي تلقفت النظرية نجحت بدورها وعلى مدى 150 عاماً تقريباً من العمل المنهجي في جعل نظرية التطور بمثابة الدين البديل للبشر الذي يقوم على أنقاض الشرائع، وتمّ هذا الترويج المنهجي ليس فقط دون مستندات علمية مقنعة، بل عبر استخدام وسائل الخداع العلمي وتلفيق الحالات والتلاعب بالوقائع واستخدام الرسوم التخيلية الوهمية لإثبات فرضيات التطور. واستفادت الداروينية خلال القرن العشرين بصورة خاصة من مؤسسات رئيسية كانت قد وقعت تحت سيطرة النخب اليهودية في الولايات المتحدة وأوروبا وأهم تلك المؤسسات:
وسائل الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع بما في ذلك مجلات “علمية” مثل ناشونال جيوغرافيك ونيو ساينتيست وتايم وغيرها من المجلات الواسعة النفوذ في العالم.
الجامعات الكبرى خصوصاً أقسام العلوم الطبيعية والتاريخ البشري والتي سيطر عليها الداروينيون وفرضوا عليها مع الوقت ديكتاتورية أكاديمية كانت ترفض تعيين أساتذة في الجامعات ما لم يعلن هؤلاء ولاءهم للداروينية ورفضهم لنظرية خلق الكون. وبالطبع فقد لعبت الجامعات التي سيطر عليها أتباع نظرية داروين والحلقات الأكاديمية الموالية لنظرية التطور دوراً حاسماً في وضع البرامج التربوية للناشئة وفي تكريس نظرية التطور على المستوى العالمي كنظرية علمية لا تقل في علميتها عن العلوم الاختبارية المدعمة بالبراهين القاطعة.
الحليف الثالث والمهم للداروينية كان ولا شك في فئة العلماء والأوساط العلمية التي تميل بتكوينها في غالب الأحيان إلى رفض غريزي للدين ولكل الأفكار التي قد ترتبط بمصادر دينية مثل الكتب السماوية. وقد تمثّل هذا العداء الغريزي للدين من قبل غالبية العلماء في مواقف إيديولوجية كانت تناصر نظرية التطور ليس لأنها نظرية علمية يمكن الدفاع عنها بالبراهين الاختبارية بل لأنها البديل الجاهز والأكثر فائدة في التصدّي للدين وتسفيه الأفكار الدينية وبصورة خاصة إنكار وجود الخالق.
ومما لا شك فيه أن أنصار الداروينية حققوا نجاحاً باهراً في تحويل نظرية لا تستند إلى أي أسس علمية إلى ما يشبه المعتقد العلمي بل الديني الذي لا يقبل الجدل حتى بات من الممكن القول إن الداروينية، وبسبب انتسابها المزيف إلى العلم، قد تكون النظام الفكري الأكثر نفوذاً في العالم اليوم. ويتمثل هذا النفوذ في مختلف وسائل الإعلام لكنّه يظهر بأشد قوته في برامج التعليم التي تسللت إليها الداروينية تحت ستار العلم لتمارس تأثيراً مدمراً على الأجيال الشابة، كما يظهر في الأحاديث اليومية للناس الذين يتعاملون مع نظرية التطور والانتقاء الطبيعي كما لو كانت علماً لا يقل قوة في براهينه عن القوانين العلمية الراسخة.
ويشير مناهضو الداروينية إلى أن هذه الأخيرة استفادت في السابق إلى حدّ كبير من كونها نشأت في منتصف القرن التاسع عشر عندما كانت العلوم الاختبارية الحديثة وتقنيات البحث العلمي في مرحلة بدائية، كما استفادت من الدعم الإيديولوجي الذي جاءها من التيارات الإلحادية المعاصرة وخصوصاً الحركة الشيوعية التي انتشرت في نصف الأرض تقريباً قبل زاولها شبه التام في أواخر القرن الماضي. لكن من حسن الحظ فإن العلوم ووسائل الاختبار الحديثة التي نشأت في القرن العشرين ولاسيما النصف الثاني منه باتت هي التحدي الأول للداروينية وساهمت بصورة أكيدة في زعزعة كل فرضياتها واحداً بعد الآخر.
ويجادل أخصام الداروينية اليوم بالقول إن مشكلة هذه الدوغما الفكرية المشابهة للدوغما الستالينية في روسيا ليس فقط في أنها لا تستند إلى أي أسس يمكن البرهنة عليها، بل في كون جميع التطورات العلمية التي توالت خلال العقود الأخيرة جاءت مناقضة تماماً للفرضيات الداروينية. وسنعرض في ما يلي إلى أهم التحديات والتطورات العلمية المهمة التي دحضت الفرضيات الداروينية وكشفت زيفها وطابعها الإيديولوجي بالدرجة الأولى.

إنسان النياندرتال هدم شجرة التطور الداروينية بعد أن أكدت الأبحاث أنه كان بشرياً مثلنا يخيط الثياب ويرسم ويعزف الناي

التأثير الحاسم لسجل الأحافير Fossil records
تقوم نظرية التطور التي ابتدعها تشارلز داروين على فرضية أساسية هي أن الكائنات جميعها تطورت باستمرار من أشكال حياة بدائية إلى أشكال أكثر تعقيداً إلى أن بلغت صورتها وخصائصها الحالية. من ذلك أن الحياة على وجه الأرض بدأت ببروتين منعزل تطور بعد ذلك وبالصدفة إلى خلية واحدة وتطورت الخلية بفعل مرور ملايين السنين إلى بكتيريا ثم تفرّعت إلى خلية ثم تجمعت الخلايا وتفرّعت بفعل الصدفة أيضاً لتنتج مع مرور الزمن مختلف الأجناس البشرية والحيوانية والنباتية التي نراها اليوم . ومن النظريات التي روّج لها داروين أن نجمة البحر تحولت إلى سمكة مثلاً وأن السمكة تحولت إلى حيوانات مختلفة منها التمساح والعديد من الزواحف، وأن القرد تحول إلى إنسان وأن أحد الحيوانات القارضة الصغيرة تحول عبر التطور الطبيعي إلى الحصان المعاصر، ومن المزاعم الداروينية غير المثبتة بأي برهان أن الديناصورات تحولت إلى طيور ونبتت لها أجنحة بفعل التطور إلخ..
لكن إحدى أكبر الهزائم التي لحقت بهذه المزاعم نجمت عن تطور علم الأحافير والتاريخ الطبيعي Palaeontology الذي يختص بدراسة الأحافير Fossils أو البقايا المتحجرة للأنواع والكائنات من نبات وأسماك وحيوانات وبشر. وقد شهد هذا العلم تطورات هائلة جرّاء تطور أساليب التنقيب وتقنيات تحديد العمر الزمني للمكتشفات والتحليل الإلكتروني والجيني وغير ذلك. كما ساهمت أعمال التنقيب والبحث المتواصلة في تكوين قاعدة بيانات واسعة عن الأحافير تضم أكثر من ثلاثة ملايين أحفور تمّ اكتشافها وتصنيفها وحفظها في متاحف التاريخ الطبيعي ومراكز الأبحاث وغيرها.
إن المشكلة الكبرى التي واجهت الداروينية والداروينيين هي أنه لم يوجد بين جميع تلك الأحافير أحفور واحد يشير إلى وجود أشكال انتقالية أو “تطورية” للحياة. بمعنى آخر، إذا كان داروين على صواب في افتراضه فقد كان على الأحافير أن تضم نماذج “انتقالية” عن الكائنات الموجودة بحيث نرى مثلاً متحجرات لسمكة في طور التحول إلى تمساح أو ديناصور في طور التحول إلى طائر أو نجمة بحر في طور التحول إلى سمكة. والحال لم يعثر العلماء في الـثلاثة ملايين من الأحافير التي عثروا عليها أي أثر من هذا النوع بل كل ما عثروا عليه هو متحجرات لكائنات شبيهة جداً بالكائنات التي تعيش الآن ولا تختلف عنها إطلاقاً. وبهذا المعنى فإن سمكة السردين مثلا وجدت في متحجرات عمرها أكثر من 250 مليون سنة وهذه السمكة لا تختلف أبداً عن سمكة السردين كما نعرفها اليوم. وقد وجدت كل أنواع الحشرات تقريباً متحجرة منذ مئات ملايين السنين بأشكالها التي نعرفها اليوم وكذلك النباتات وأوراق الأشجار والطيور وغيرها. وبالطبع فإن هذه الأحافير أظهرت أن الكائنات والأنواع لم تشهد أي تطور عبر ملايين السنين وأنها خلقت بأروع صورها وبكامل مكوناتها ووظائفها في وقت واحد وليست أبداً نتيجة لتطور مزعوم كما ادعى داروين وكما يستمر أتباعه في الزعم حتى يومنا هذا.
ولو أن هذه الأشكال الوسيطة التي تزعم الداروينية أن التطور الطبيعي مرّ بها قد وجدت حقاً، لكانت أعدادها أكبر بكثير من أعداد أنواع الحيوانات التي نعرفها اليوم، ولَما خَلا مكان في العالم من بقايا أحفورية لكائنات انتقالية ماتت ثم تحجرت وهي في طور التطور. وبسبب هذه الورطة الكبيرة التي تفضح قدر الدجل الذي بنيت عليه نظرية التطور فإن منظري الإلحاد في العالم لا ينفكون يبحثون بصورة محمومة وينقبون منذ القرن التاسع عشر في الأحافير لعلهم يجدون هذه الأشكال الوسيطة، ومع ذلك، فإنهم لم يجدوا أي أثر لهذه الأشكال. وبسبب هذا الحرج الكبير فإننا نجد أتباع نظرية التطور يحتفلون بأي اكتشاف قد يبدو أنه قد يظهر وجود شكل انتقالي لكن في كل مرة كان يتبين أن ظنهم خاب فعلاً، إن ما وجدوه لم يكن شكلاً انتقالياً بل آثاراً لكائنات وجدت دوماً. وبسبب الحرج الذي يشعرون به فقد جنح بعض علماء التطور من أمثال هيكل الألماني (صديق داروين) وبعده العديد من العلماء المزيفين إلى تزوير الأدلة أو تشويهها بهدف سد هذه الفجوة الخطيرة في المنطق التطوري. لكن في كل مرة كان ينكشف التلاعب ويضطر هؤلاء العلماء المتعصبون لنظرية التطور للإقرار بالفشل.

سجل الأحافير أوقع الداروينيين في حرج كبير لأنه كشف أن كل المخلوقات الموجودة اليوم وجدت كما هي قبل ملايين السنين

خرافة نشوء الحياة بالصدفة
في سعيه لتسفيه الإيمان الراسخ لدى أي إنسان عاقل بأن هذا الكون الكامل والمعجز في كماله وتناغمه هو الآية العظمى التي يدل بها الخالق جل وعلا على ذاته وعلى صفاته وكماله وحكمته، اتجه فكر داروين إلى الافتراض القائل بأن الكون بكل تعقيده وتنوعه وتناغمه وإعجازه لم “يخلق” إنما “نشأ” من تلقاء نفسه بالصدفة وبفعل تراكم التطور على مئات الملايين من السنين.
وبالطبع، فقد واجهت محاولة داروين نفي فكرة الخلق صعوبات شديدة كان أهمها: كيف يفسر نشوء الحياة من المادة الميتة، إذ أن نظرية التطور مضطرة للقول بأن العالم الذي بدأ ميتاً ومزيجاً من العناصر الجامدة مثل التراب أو الماء أو الهواء لم يبقَ كذلك، بل “حدث” فيه أمر ما نجم عنه ولادة أول عنصر دبّت فيه الحياة كما نعرفها في الكائنات الموجودة على وجه الطبيعة. وبغض النظر عن أن التحدي الأكبر يبقى في تفسير ظاهرة الحياة نفسها وفهم سرها، فقد أجمع علماء الأحياء المعاصرون أنه من المستحيل تولد الحياة من الجماد. ويشير المفكر والعالم التركي المناهض للداروينية عدنان أوكتار (يحيى هارون) في كتاباته ومداخلاته إلى أن تطور علوم الوراثة، والكيمياء الحيوية، والأحياء الجزيئية وعلم التاريخ الطبيعي أثبتت كلها استحالة أن تكون الحياة قد نشأت بالمصادفة، أو أن تكون قد ظهرت من تلقاء نفسها نتيجة ظروف طبيعية، كما أن هناك اتفاقاً عاماً في الأوساط العلمية على أن الخلية الحية تشكل أعقد تركيب واجهته البشرية حتى الآن. وقد كشف العلم الحديث أن التعقيد الموجود في تركيب خلية حية واحدة وفي ترابط نظمها يفوق ذلك الموجود في أي مدينة كبرى.
كما كشفت العلوم أن هذا التركيب المعقد لا يمكن أن يكون قد تكون بعملية تراكمية أو عبر التطور، وأنه من المستحيل أن يعمل بنظامه الحالي إلا إذا نشأت كل أجزائه المتفرقة في وقت واحد وكان كل جزء منها يعمل بتناغم مع الأجزاء الأخرى على أكمل وجه. ولا يمكننا أن نتوقع ظهور أجزاء هذا التركيب بمحض المصادفة على مدى ملايين السنين كما تدعي نظرية التطور. ولهذا السبب، يتضح بجلاء، من خلال التصميم المعقد لخلية واحدة فحسب، أننا أمام نموذج مصغر لمعجزة الخلق التي لا يمكن لأي عقل بشري تفسيرها أو فهم بدايتها أو منتهاها. وإذا كان هذا النظام الشديد التعقيد للحياة موجوداً في خلية واحدة لا أكثر، فكيف هي الحال، إذن، إذا بدأنا التفكير في عمل الأعضاء والجسد والدماغ وفي الوجود المعجز لكل كائن في هذا الكون، نباتاً كان أو حيواناً أو حتى جماداً، وكيف إذا تفكرنا في الأرض التي نعيش عليها وفي تكامل نظامها وحلقاتها ثم انطلقنا إلى المجموعة الشمسية ومنها إلى الأكوان التي عجز الإنسان على أن يعرف لها حداً أو أن يبدأ حتى بفهم حقيقتها.

تبارك الله أحسن الخالقين

صورة إيضاحية لـ”النيوكليوسوم”“nucleosome” الذي يحوي وحدات (د ن أ) في الصبغيات (الكروموسومات). وتحتوي الخلية على الكثير من التراكيب والنظم شديدة التعقيد، بل أن التعقيد الموجود في تركيب خلية حية واحدة وفي ترابط نظمها يفوق ذلك الموجود في أي مدينة كبرى. وقد أثبتت علوم الحياة الحديثة أن هذا التركيب المعقد لا يمكن أن يعمل إلا إذا نشأت كل أجزائه المتفرقة في وقت واحد وفي حالة عمل على أكمل وجه، وإلا فسيكون هذا التركيب بلا جدوى وسينهار بمرور الوقت ويختفي.

الداروينية ليست عِلماً
يدل كل ذلك على أن الداروينية ليست علماً، بل هي تنتمي إلى فلسفة الطبيعة وإلى المعتقدات الساذجة الوثنية العديدة التي سعت إلى تفسير وجود الكون Cosmogony بشتى النظريات والأساطير. وكما نعلم فإن تاريخ البشرية مليء بالأساطير حول بدء الكون وحقيقة الخلق وقد تمت صياغة تلك الأساطير وفق مستوى الفهم والخيال البشري لكل عصر أو حضارة قديمة، ربما لأن الناس يحتاجون إلى تفسير يعطي الطمأنينة لقلوبهم ويتكامل مع معتقداتهم ونظام حياتهم. وبهذا المعنى فإن الداروينية هي أيضاً محاولة لتفسير الإعجاز الرباني في الخلق لكن من منظور طائفة الملحدين الذين يحتاجون بدورهم إلى بناء أساطيرهم الخاصة التي تبرر موقفهم الفلسفي. لكن الغريب بالطبع هو أن الحضارة المادية في الغرب وبصورة خاصة بتأثير النفوذ اليهود المعادي للأديان الأخرى تمكنت من ترقية هذه الفلسفة الطبيعية إلى مكانة العلم والقوانين التي لا يمكن النقاش في صحتها.
يقول الحق تعالى في كتابه العزيز:
ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (الكهف: 51)
أي أن الحق تعالى ينبه عباده إلى التواضع والخضوع والتصديق بآياته ورسالاته وعدم إطلاق العنان للفكر في محاولة فهم ما يستحيل عليهم فهمه في ثوبهم البشري. وكيف يمكن للمخلوق أن يدرك فعل الخلق أو للمصنوع أن يدرك سر الصنع والصانع. يقول جل من قائل في شرح الخلق:
َدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (البقرة:117).

شعوذات ريتشار داوكن
عجزت الداروينية، وهي مجرد إيديولوجية مقتنعة بالعلم عن إيجاد برهان واحد على أن الحياة يمكن أن تولد صدفة من لا شيء. وما زال هذا الفشل أحد الأدلة الأهم على تهافت الداروينية كعلم مزعوم. لكن أتباع الداروينية الذين يصرون على رفض مبدأ الخلق لم يتورعوا في محاولة الخروج من مأزقهم عن اللجوء إلى حيلة صبيانية لفقها الفيلسوف البريطاني ريتشارد داوكن وتزعم أن الحياة بدأت عندما اصطدم نيزك أو أجسام فلكية بالأرض، الأمر الذي أدى إلى زرع أول جزيء Molecule والذي بدأ بعد ذلك باستنساخ نفسه والتكاثر موفراً الخطوة الأولى لتكوّن الحياة بمختلف مكوناتها وأجناسها. لكن أصحاب التفكير العلمي يسخرون من هذه الحيلة ويعتبرونها مؤشراً ساطعاً على إفلاس الداروينية وحالة اليأس التي تعيشها لجهة الفشل في إثبات أصل الحياة على الأرض. ويسأل هؤلاء: كيف تكوَّن هذا الجزيء الذي سقط على الأرض في الفضاء وكيف يمكن تفسير نشوئه، أي أن نقل مشكلة أصل الحياة التي استعصت على الداروينيين من الأرض إلى الفضاء لا يبدل شيئاً في المعضلة.
يقول المولى عز وجل : َيَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج: 74)

خرافة الإنسان-القرد
إذا كان الإنسان عاجزاً عجزاً مطلقاً عن فهم أصل الخلق والحياة، فإن المولى جل وعلا حرص مع ذلك على أن يكشف له عن حقيقة وجوده وعن رسالته في الكون. وقد بشر الله تعالى الإنسان بأنه خلقه من ذاته ووضع فيه سر الربوبية عندما قال في كتابه العزيز مخاطباً الملائكة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (البقرة:30) ثم قوله جل من قائل مخاطباً الملائكة أيضاً فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (الحجر: 29). أي أن الله تعالى أودع في الإنسان من روحه أي حقيقته ذاتها ورفعه إلى أعلى مراتب الخلق بل جعل مرتبته فوق الملائكة والذين أمروا بالسجود له. وهو القائل أيضاً وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (الإسراء:70).
ذلك هو تعريف الإنسان كما أبلغه المولى عز وجل لعباده، وهو تعريف يشرف الإنسان ويطمئنه إلى مغزى الخلق، كما يرسم له معالم الحياة السامية والشريفة التي يتعين عليه أن يحياها في الأرض. واستخلاف الله للإنسان في أرضه شرف كبير لكنه شرف يحتم عليه أن يسلك سلوكاً شريفاً يليق بمقامه عند الله وبالأمانة التي كلف بها. ويشكل هذا الإيمان اليقيني عند جميع الأديان السماوية وخصوصاً الإسلام والمسيحية الأساس الشامل لمنظومة القيم والأخلاق التي يفترض أن تسير حياتهم وقد أمرهم الله صراحة أن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (آل عمران:79) أي تخلقوا بأخلاق الله واعملوا بما أمركم به.
ذلك هو أصل الإنسان كما ورد في الرسالات السماوية وخصوصاً في الرسالة الخاتمة، وهو أصل يبعث شعور الرفعة والكرامة والسعادة في الإنسان ويثبـّـته على طريق الحق ويحميه من الزلل والضياع في حبائل الشيطان.
هذا المقام الرفيع الذي منّ الله به على بني آدم سعى داروين ثم أتباعه إلى تدميره بصورة ماكرة عندما ادعوا أن الإنسان لم يخلق إنساناً بل تحدّر من القرود. وقد كان لابتداع هذه النظرية الخبيثة أهداف عدة واضحة لكل ذي عقل. وأول تلك الأهداف هو إنكار الخلق والخالق وبالتالي هدم الدين. أما الثاني فهو قتل شعور العزة والكرامة لدى الإنسان عبر الزعم بأنه متحدّر من الحيوان بفعل سلسلة من الصدف ومن دون أن يكون لحياته معنى أو هدف. أما الهدف الثالث فهو التمهيد لسلخ هذا الإنسان عن قيمه البشرية وإغرائه باتباع السلوك البهيمي وسلبه من طمأنينة الإيمان وإلقائه في دوامة الحيرة والضياع. وبالطبع، فإذا تمّ ذلك يصبح الإنسان مادة يمكن التلاعب بها وتسييرها من قبل تلك العصبة الماكرة التي تقف وراء مؤامرة هدم الأديان والأخلاق في العالم وهي تسعى من خلال ذلك للسيطرة على الكون.
تزييف العلوم
يعمل الداروينيون وفق أجندة واضحة لا علاقة لها بالعلم، فهم يسعون إلى استخدام كل اكتشاف لآثار عن السلالات البشرية القديمة لتأكيد نظريتهم حول التطور التدريجي للإنسان من عالم القرود إلى عالم الإنسانية. ورغم انهماك هذه الفرقة في التنقيب على مدى أكثر من 150 عاماً فإن المعضلة التي واجهتها كانت وما زالت كيفية العثور في المتحجرات والحفريات على آثار يمكن اعتبارها أشكالاً وسيطة بين القرد والإنسان. لقد وجد الكثير من الآثار والبقايا التي تبين أنها جميعاً لسلالات القرود، كما وجدت آثار تبين أنها للإنسان القديم الذي لا يختلف في تكوينه وخصائصه عن الإنسان المعاصر. وبين صنف القرود الواضح في خصائصه وصنف البشر الأقدمين يحار الداروينيون في كيفية إيجاد أشكال “وسيطة” تبرر نظرية التطور التي يروجون لها. لكن هذه المجموعة المتعصبة التي تستطيع تسخير الإعلام والعلماء والجامعات لم تتردد مع ذلك في تزوير الحقائق واختراع سلاسل خيالية لأجناس أعطيت أسماء علمية وهمية واعتبر الداروينيون أنها تمثل خط التطور من القرد إلى الإنسان، بل أن بعض علماء الداروينية لجأ إلى التزوير أو وضع الرسوم التخيلية التي تؤخذ على أنها حقائق أو تركيب الجماجم أو تركيب فرضيات عن إنسان قديم بالإستناد إلى ضرس وحيد تبين بعد ذلك أنه يعود إلى خنزير بري. وتاريخ الداروينية مليء بحالات التزوير وفضائح التلفيق التي كشف العلم أمرها بسهولة بفضل تقدم وسائل التحقق وتقنياته. لكن هذه العصبة لا يردعها رادع في إصرارها على محاولة إثبات فرضيتها على الرغم من أن العلم كذّب هذه الفرضية على الدوام.

الداروينية هي اليوم، وبسبب انتسابها المزيف إلى العلم، النظام الفكري الأكثر نفوذاً في العالم خصوصاً في أوساط العلم والإعلام والمؤسسات التعليمية

صورة وضعها الفيلسوف الألماني المزوّر هيكل وهو صديق داروين تظهر تصوره الخاص لتطور الإنسان من الجرثومة إلى وجوده الحالي عبر المرور بمختلف الأنواع. وقد فضح العلم زيف هذه النظرية
صورة وضعها الفيلسوف الألماني المزوّر هيكل وهو صديق داروين تظهر تصوره الخاص لتطور الإنسان من الجرثومة إلى وجوده الحالي عبر المرور بمختلف الأنواع. وقد فضح العلم زيف هذه النظرية

إنسان النياندرتال
أحد أهم الأمثلة التي سعت الداروينية إلى استغلالها اكتشاف سلسلة بشرية عاشت قبل نحو 200.000 عام وانقرضت قبل نحو 60,000 عام. اجتهد أتباع داروين للتأكيد على أن إنسان النياندرتال هو كائن بدائي لم يكن في إمكانه أن يمشي منتصباً أو أن يتكلم وأشاروا إلى جبهته الضيقة ليبنوا على ذلك زعمهم بأن هذا الصنف البشري هو دليل على التطور لأن إنسان النياندرتال بهذا المعنى كان جنساً وسيطاً أو انتقالياً على طريق التطور من القرود. وبناء عليه فقد أدرج الداروينيون إنسان النياندرتال في “شجرة التطور” التي اخترعوها باعتباره يمثل مرحلة من مراحل تطور الإنسان من القرود.
لكن الأبحاث العلمية أثبتت بعد ذلك أن إنسان النياندرتال لا يختلف في خصائصه عن الإنسان وأنه يمثل جنساً بشرياً كان يجوب الأرض منتصباً ويخيط الثياب بل ويعزف الناي التي صنعها من عظام الدببة. وأدى تأكيد بشرية إنسان النياندرتال مجدداً إلى إسقاط “شجرة التطور” التي فبركها الداروينيون، وعاد هؤلاء إلى المربع الأول يبحثون عمّا يسمونه “الحلقة المفقودة” التي يمكن أن تستكمل شجرتهم المزعومة وتقيم بالتالي الدليل على أن الإنسان الذي كرّمه الله تعالى إنما تحدّر من القرود.

سجل حافل من المغالطات
لم يقتصر فشل نظرية التطور على حالة الإنسان الذي فشل الداروينيون في إثبات أنه مرّ بمراحل وسيطة، بل أن السجل الهائل للأحافير التي يربو عددها على ثلاثة ملايين أحفور أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك عدم وجود أي دليل على أن النباتات المعروفة اليوم تطورت من أجناس أخرى، أو أن الحيوانات والحشرات والطيور والأسماك التي عاشت منذ مئات ملايين السنين خضعت لتطور مماثل، بل أن التماثل التام بين ما وجده العلماء في الحفريات من متحجرات يثبت أن كل الكائنات على وجه الأرض لم تخضع لأي تطور، وأنها وجدت كما هي في الأزمنة السحيقة بكمال طبيعتها وصفاتها ووظائفها ولم تتغيّر أبداً.
على الرغم من ذلك، فإن الداروينية التي سيطرت على مؤسسات التعليم والإعلام وفرضت نفسها بمثابة دين عالمي للإلحاد المتستر بالعلوم ما زالت ماضية في إنتاج الحكايات وفبركة الحالات لإثبات نظرية التطور التي رفضتها العلوم ويرفضها أي عقل سليم، بل أنه كلما افتضح أمر الداروينية في مغالطة ما نجد أنصارها لا يتأخرون في فبركة حالة جديدة أو اللجوء إلى أحفور جديد قد يكون فتات من العظام أو بقايا جمجمة ليقدموا من خلالها الدليل على أنهم وجدوا هذه المرة الحلقة المفقودة. لكن الله جل وعلا يسّر دوماً فضح هذه الأحابيل عبر وسائل العلم بحيث باتت لعبة الداروينية مكشوفة أكثر وبات العديد من الناس يفتحون أعينهم على زيفها العلمي والأغراض الحقيقية التي تسعى إلى تحقيقها. يقول جل من قائل:
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (التوبة:2)
لكن هذا الإصرار المستمر لهذه الحركة الواسعة النفوذ في العالم إن دل على شيء فهو يدل على أن الداروينية لا يهمها العلم بقدر ما يهمها ترويج إيديولوجية إلحادية تستهدف هدم الأديان والقيم، وأن القوى الداعمة لها والتي تحميها وتقمع بلا هوادة المشككين بها لا تنتمي إلى العلم الذي يفترض أن ينشد الحقيقة وأن يتمسك بالبرهان بل هي قوى لها أجندة خفية إيديولوجية وبعيدة الأمد على النطاق العالمي.
إن علينا أن نكون على حذر شديد من تسلل تلك النظريات إلى معاهدنا وجامعاتنا تحت ستار العلم، وهو أمر حاصل مع الأسف لأن الدول العربية وبحجة العولمة والأخذ بالمعايير العالمية باتت تستورد البرامج التعليمية التي يتم طبخها في الغرب، ومن قبل هيئات يسيطر عليها الداروينيون. وهناك دلائل أكيدة على أن الجامعات المتقدمة في العالم العربي باتت تمارس تأثيراً خطيراً على الشباب الذين يدخلونها ولديهم الكثير من الإيمان ويتخرجون منها وقد اعترت قلوبهم الشكوك أو حتى الإنكار لكل ما هو دين بسبب الغسل المنهجي لأدمغة الشباب الذي يتم بتأثير النفوذ الكبير للداروينية في مؤسسات التعليم.

أحفور لعشب السرخس عمره ما بين 268 و360 مليون عام لم يتبدل أو يتحول إطلاقا !! أين التطور؟
أحفور لعشب السرخس عمره ما بين 268 و360 مليون عام لم يتبدل أو يتحول إطلاقا !! أين التطور؟

الداروينية سيطرت على مؤسسات التعليم والإعلام وأبعدت معارضيها عن الجامعات واضطهدت بلا هوادة كل من تجرأ على رفضها

موقف الموحدين الدروز من الزواج المختلط

موقف الموحدين الدروز
من الزواج المختلط

الزواج المختلط انقلاب أسري وعاطفي
له آثاره الجسيمة على الجميع وخصوصاً على الأولاد

الموحدون أكثر الناس انفتاحاً واعتدالاً تجاه بقية المذاهب
لكنهم متمسكون بمذهبهم التقدمي في شأن مساواة المرأة

الزواج المختلط 2
الزواج المختلط

أودّ الدخول إلى الموضوع من باب مذهب التوحيد الإسلامي، الذي لنا شرف الانتساب إليه وعلى سبيل التذكير وتبرئة الذمة أقول:
إن مذهب التوحيد مذهب إسلامي يتميّز عن غيره من المذاهب ببعض العادات والتقاليد المستمدة من تفسير لبعض الآيات القرآنية، وسنة الرسول (ص) وأقوال الأئمة (ع).
إن الدين الإسلامي وهو الأصل حرّم زواج المسلمة من غير المسلم، لكنّه أجاز زواج المسلم من غير المسلمة التي يمكنها الاحتفاظ بمعتقدها أو مذهبها، لكن مذهب التوحيد توسّع في التحريم بحيث شمل الذكور والإناث الموحدين من الزواج من غير أهل التوحيد . وقد يسأل سائلٌ: لماذا هذا التوسّع؟ وفي الحقيقة الجواب يكمن في أمرين:
الأول، هو أن مذهب التوحيد يعتبر جميع المذاهب والأديان مظاهر مختلفة لحقيقة واحدة ويقرّ بصحة جوهرها لكنه لا يزال مع الأسف عرضة لسوء الفهم أو الافتئات أحياناً لدى البعض وهو ما أوجب فضيلة حفظ الموحدين بعضهم لبعض وتفضيلهم ما هم فيه قائمون وذلك طلباً للوئام وحفظاً للإحترام المتبادل مع الآخر وطمأنينة الفؤاد.
أما الأمر الثاني، فهو الاختلاف البين في بعض الأحكام الشرعية الأساسية بين مذهب التوحيد وبين ما هو معتمد لدى الطوائف والمذاهب الأخرى، وبخاصة لجهة مساواة مذهب التوحيد بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات الدينية والدنيوية، وحرية الإيصاء، وتحريم إعادة المطلقة، وتعدّد الزوجات، ومعايير الحضانة للأولاد وتربيتهم، وعدم التعصب وغير ذلك.
وبالتالي، فإن مذهب التوحيد منع الزواج من غير الموحدين حفاظاً على مزايا التوحيد الإنسانية والدينية .
والواقع أنه وخلال ممارستنا للقضاء ما يقارب الأربعين عاماً صادفتنا مشاكل عدة في الزواج المختلط، وهذه المشاكل تحصل بعد انقضاء شهر العسل أو بعض شهور العسل لتبدأ بعدها شهور العلقم، وبخاصة بعد هدوء العاطفة وانقضاء جذوة الحب والغرام والهيام، وبعد دخول الواقع الى الحياة الزوجية، وحلول الحوائج والمتطلبات بدل العواطف، ويبدأ الزوجان أو أحدهما على الأقل يراجع حساباته بعد ذهاب السكرة وعودة الفكرة، وتبدأ المشاحنات عند كل مشكلة اجتماعية أو اقتصادية، والبعض يبدأ بمساحة واسعة من التنازلات المؤلمة عند وجود الاولاد كي يستقر وضع الأسرة في الحد الأدنى، وإن حصل الطلاق تكون الكارثة على الأولاد، حيث لا يجدّ الزوجان من يسعفهما، أو يتدخل لإصلاح ذات البين بينهما لكونهما غردا خارج سربهما وربما عمل الأهل على زيادة التوتر بهدف فسخ الزواج وإنهاء العلاقة بين الزوجين، وهذا يحصل أيضاً حتى ولو كان الزوجان من مذهب واحد، ولكن الأمر يختلف لجهة شعور الغير مع الزوجين المتجانسين حيث يتبرع البعض لرأب الصدع بينهما عكس ما يحصل في الزواج المختلط حيث يتحاشى الأهل وبعض الأصدقاء الدخول بينهما باعتبارهم لم يستشاروا في موضوع الزواج فلماذا ينبغي عليهم أن يهبوا لمساعدة الشريكين أو الابن العاق عندما يقع في ما حُذر منه مراراً.

من آثار الزواج المختلط
أولاً: لجهة الأسرة
لا يظنن أحد أن الزواج من خارج الطائفة هو زواج بسيط، بل هو انقلاب أسري وعائلي لأن الرجل يضم إلى أسرته بهذه الطريقة أسرة أخرى لها عاداتُها وتقاليدُها ومعتقداتُها الخاصة، فإذا لم يكن هناك توافق على الزواج يصبح الأمل ضعيفاً جداً في النجاح وتكملة الرحلة الزوجية. وبالطبع، فإن الأمر أصعب بكثير بالنسبة للفتاة التي تختار سلوك هذا الدرب الوعر.

ثانياً: لجهة الأولاد
تتأثر تربية الأولاد نتيجة هذا الزواج الهجين فهم يتأرجحون بين الإنضمام لأهل الأم أو الأب ويفقدون هويتهم الأصلية لتحل محلها الهوية المزدوجة التي لا محل لها في بلد يضم أدياناً ومذاهبَ مختلفة ومتباينة، ويصابون بانحلال الولاء وعدم استقراره، بالإضافة إلى مشاكل الحضانة بعد الطلاق عندما يحصل. وفي جميع الحالات فإن التباس الهوية غالبا ما يؤدي إلى تحاشي الكثيرين مصاهرة هؤلاء الأولاد مستقبلاً.

ثالثاً: لجهة المجتمع
الزواج المختلط يشكّل حالة غريبة وتحدياً لمجتمع كل أحد الزوجين أو كليهما، وكم من المشاكل تحصل بين الزوجين بسبب نظرة التجاهل أو اللامبالاة التي تواجه الزوجين وتسبب الحرج لأحدهما على الأقل مما قد يفقد الزواج متعة الشراكة الاجتماعية ويتسبب بانحلاله أو بانتقال الزوجين إلى مقام آخر أكثر انسجاماً مع واقعهما، لكن يترتب على هذا الإنتقال الإبتعاد عن الأهل والأقارب والأصدقاء. وفي الحالات التي يبدّل الرجل مذهبه أو دينه نتيجة الزواج المختلط فإن المجتمع المتمسك بتقاليده قد لا يسمح بدفنه في مدافن العائلة، وبالتالي يقع الإحراج الشديد لذوي القربى.

رابعاً: لجهة الميراث
إن التوارث لا يُقَر بين الزوجين في الزواج المختلط بسبب اختلاف الدين أو المذهب، فمن تزوج بإمرأة لأجل مالها وماتت والمال لا يزال بإسمها لا يرثها لاختلاف المذهب أو الدين، وكذلك الأمر بالنسبة للمرأة .

الزواج المختلط والطائفية
يعتقد البعض أن الزواج المختلط يخفف من العصبية والتعصب المذهبي والطائفي لكن الردّ على ذلك هو أن بعض البلدان كالمملكة المتحدة لم يخفف الزواج المختلط أو الزواج المدني من التعصب والنزاعات التي تحصل بين الكاثوليك والبروتستانت، أو بين المسلمين البريطانيين وبين غيرهم، كما أن حالات الزواج المختلط الكثيرة في لبنان لم تحقق شيئاً بل بقي وضع التعصب على حاله لدى عامة الناس.

خلاصة
نختتم بالقول بأننا، ومع تنبيهنا إلى المشاكل العملية والاجتماعية التي يثيرها الزواج المختلط، حريصون مع ذلك على أن لا يعني ذلك دعوة إلى الانغلاق السياسي أو الديني أو الثقافي. على العكس من ذلك، فإن طائفة الموحدين الدروز هي أكثر الطوائف انفتاحاً وتقرباً من الآخرين وذلك يتجلى في الأمور التالية:
1. مذهب التوحيد يأمر بالتمسك بأوامر الله دون التعصب لها لأن الله هو الديان وليس غيره، ويرفض تكفير أو تفسيق أحد ويعتبر- بنظرته الشاملة – أن جميع الأديان والمذاهب قد تباين مظهرها واتحد جوهرها، وأن الدين يعرض ولا يفرض.
2. الموحّد الدرزي يوصي ما يشاء لمن شاء، أي أن اختلاف الملة أو المذهب لا يمنع الإيصاء بكل أو ببعض ما يملكه للغير، وهذا القانون يتميز عن كثير من القوانين الوضعية، ويدل على الانفتاح تجاه الآخرين.
3. الاعتدال السياسي والولاء المطلق للوطن والتعايش مع بقية المواطنين باحترام متبادل، والابتعاد عن التبشير والتجاذب المذهبي أو الديني للأفراد والجماعات بقصد تكثير الأتباع لهذا المذهب أو ذاك.
4. عدم الاعتداء على المكاسب الشرعية للآخرين أو عليهم أو كرامتهم، وهكذا فإن الانفتاح على الآخرين يتحقق دون الخروج عن التقاليد والأعراف التوحيدية بواسطة الزواج المختلط أو غير ذلك.

ملف العدد