الجمعة, نيسان 4, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, نيسان 4, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الشيخ ابو يوسف امين ابو حمزة

صوفي من الموحدين الدروز تفخر به الصوفية

سيـرة الفقيــر الناسك
السائـــــــح فـــي الأرض

الشيخ أبو يوسف أمين ابو حمزة

ولا يبالــــــــــــــون إن أغنــــــــــــــــــوا أو افتقـــــــــــــــــــروا على الرضا بالقضا نفوسهم جَبَلوا
وعندهم قد تساوى الأمن والخطرُ وليس فرقٌ إذا جاعوا وإن أكلــــــــــــــــوا

لم يسكـن منـــزلاً أو يتخـــذ زوجـــة أو يمـــسّ مـــالاً
ولـــم يمـــلك إلا الثـــوب الذي على جســـده
كـــان رفيقـــه الجـــوع والسهـــر الطويـــل في الذكـــر
وبـــرد الليـــل القـــارس والوحـــدة في كنـــف البريـــة
طعامـــه قطعــة خبــز بــأدام في الصبــاح
وقطعــة مغمســة بالمــاء فــي العشــاء
كــان إذا قدمــت له حبــة من الفاكهــة يتأملهــا

ثم يعيدها إلى مكانــها مع كلمة “سبحــان الخالــق”

تاريخ الموحدين الدروز حافل بسير الصالحين من أهل الزهد والتقوى بل يمكن القول إن هذا التاريخ يقوم في جانب منه على سلسلة تواصلت حلقاتها لقرون عديدة من الزهاد العابدين الذين توارثوا أمانة التوحيد ومناقبه وخصاله وآدابه وقد أنفق أهل الدين والورع حياتهم في جلسات الذكر والمؤانسة بالله وكانت مجالس العبادة والخلوات المنتشرة في بطاح الجبل وجنوبه وفي دساكر جبل العرب وقفاره عادة ملتقى السالكين في طريق الله وقد كرّس العديد منهم حياته لهذا الطريق وترك الدنيا وما فيها حتى لا يشغله شاغل عن السعي الحثيث إلى المولى لعلّ عين العطف ترمقه بلحظ يرفعه من التراب إلى أعلى عليين }يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ{ (الانشقاق:6)
في هذه البيئة من الورع غير المتكلف وبساطة المسلك وبراءة المقاصد وروابط التآخي والحفظ نشأ الزاهد الورع الفقير ذو الهمة والعزم أبو يوسف أمين أبو حمزة من بلدة الخريبة في الشوف، وقد كني أبو يوسف على عادة أهل التوحيد في أدب التخاطب والمناداة، إذ إنه عاش حياته متنسكاً فلم يتخذ زوجة ولم ينجب بالتالي خلفاً، وهذه حال العديد من أكابر مشايخ الموحدين الذين سلكوا حياة النسك فنذروا أنفسهم وحياتهم وكل وقتهم لله وخافوا أن تشغلهم الواجبات الزوجية والأسرة والتكسب عن مسلك أهل الحق فتفتر همتهم في المسير.
ولد الشيخ أبو يوسف أمين أبو حمزة في بيت تقوى وورع في بلدة الخريبة في العام 1888 وكان الولد البكر للشيخ يوسف أبو حمزة وكان له شقيقان هما نجيب وعبد الله (كلاهما اعتمرا العمامة المدورية أو المكولسة) وشقيقتان. كان والده يعمل ترزياً يخيط القنابيز والصداري لأهل الدين وقد تعلم الشيخ الشاب المهنة عن والده واشتغل بها، لكن ظروف الجبل في مطلع القرن العشرين كانت قد تميّزت بالشح وضنك العيش، وقد أثر ذلك على النشاطات الحرفية القليلة التي كانت قائمة، في الوقت نفسه كان عدد من المغتربين قد عادوا من أميركا الجنوبية وبنوا العمائر الحجرية وزينوا أسطحها بالقرميد وكان عم الشيخ الشاب من هؤلاء المهاجرين الذين استقروا في الارجنتين.

هجرته إلى الارجنتين
كانت حرفة الخياطة التي تعلمها لا تحقق له ما يكفي أوده وما يعينه على تربية شقيقيه نجيب وعبد الله وشقيقتيه، وقد أصبح وهو كبير الأبناء مسؤولاً عن عيش أخوته بعد وفاة والدهم. أحس بمسؤولية كبيرة وشعر أن عليه أن يقوم بعمل يعينه على أداء حقوق الأخوة، وشجعه البعض على أن يسافر إلى عمه نسيب والد المرحومين سلمان وعارف أبو حمزة الذي كانت له أعمال في الأرجنتين. قبل بالفكرة وحزم أمتعته وتوجه مع الكثير من مهاجري تلك الفترة إلى المرفأ ليستقل الباخرة إلى تلك البلاد البعيدة.
وصل إلى دار عمه وتشاور معه في ما يمكن أن يساعده من عمل، وكان رأي العم أن عليه أولاً أن يتعلم لغة البلاد أي الإسبانية لكي يمكنه التعامل مع أهلها بيعاً وشراءً. وبعد أن لقنه أساسيات اللغة ووثق من قدرته على التخاطب، جاءه بحقيبة جعل فيها سلعاً مختلفة مما كان رائجاً التعامل به مثل الأقمشة ولوازم البيوت والحلي وغيرها، وكانت الشنطة وما تحويه من بضاعة تسمى في لغة المهاجرين «الكشّة» وقد حمل الـ«الكشّة» معظم الذين حطوا رحالهم في الأميركيتين وأصبحت هذه تقليداً يعرف به أهل بلاد الشام وحرفة الكثير منهم، لكن معظمهمم، بفضل ذكائهم وكدِّهم، ارتقوا بعملهم المتواضع وانتقلوا من البيع المتجول إلى فتح المتاجر وكثيراً منهم حققوا الثروات عن ذلك الطريق.

وسط عالم غريب
بالطبع الله وحده يعلم ماذا كان يدور في فكر هذا الشاب البسيط الشديد التأدّب الخافت الصوت الخاشع في داخله لله وهو يجد نفسه وسط عالم غريب في كل شيء وأغلب الظن أنه صدم لما رأى من اختلاف الظروف والقيم والعادات كما إنه وقبل مضي وقت طويل بدأ يشعر بحنين شديد إلى الوطن وإلى الخريبة وإلى قرى الجبل ومجتمع العقال الذي كان هو جزءاً منه منذ صغره. كان يحمل «الكشة» ويتجول بها ليبيع ما فيها لأن عمه اختار له أن يبدأ على هذا النحو، وكان ذلك أمراً مألوفاً في المهجر، لكن أبو يوسف أمين الشاب كان يحس بألم من جراء تلك الصنعة التي لم يألفها ولم تكن تلائم إباءه، وأدرك في قرارة نفسه أنه أخطأ بالسفر إلى تلك البلاد ، وكيف يمكن لفتى مثله يسكنه الشوق إلى الخالق والطريق القويم أن يجد نفسه في تلك البيئة المشوشة والمسكونة بالركض خلف الأعمال والمال والتجارة.

الخلوة
الخلوة

طريق الأحزان
ومن عِظــــــــــــــــم أسقــــــــام عليــــــــــــــــه تراكـمــــــــــــــــــــــــت يــــــــــــــــــــــــــــرقُّ له تاللـــــــــــه من كــــــــــــــــان قاسيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
وقد أخذ الأحــــــــــــــــــــــــــــــــزان والهمّ مذهبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا إلى أن غدا في شرعة الشجو قاضيــــــــا
وشرّعهــــــــــــــــــــــــا فرضـــــــــــــــــــــــــاً ونفـــــــــــــــــــــــــــلاً وسنــــــــــــــــــــــــــــــّةً على حسبِـــه إذ صـــار فيهــــــــــــــنّ فـــاتيــــــــــــــــــــــــا
إذا ما رآه الخلـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــق رقّوا لحالـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه وقالــــوا سقيــــــــــم دواؤه صـــــــــــــار جافيــــــــــــا
(من شعر المرحوم الشيخ علي فارس)

حادثة تبدّل حياته
كما إن لكل وليّ موعداً يسمع فيه نداء الحق له يوقظه مما هو فيه ويدعوه إلى جنابه فإن اللحظة الفاصلة جاءت الشيخ في أحد الأيام عندما التقته امرأة في الطريق وسألته عن ما في «الكشة» التي يحملها، وإذ شرح لها قالت إنها لا تحب أن تشتري على الطريق وإنها تريد منه أن يأتي معها إلى منزلها القريب من المكان لكي ترى ماذا يحمل وتشتري منه ما تحتاج. وقد تبعها أبو يوسف أمين بحسن طوية إلى أن وصل بابها فأنزل «الكشة» وسألها عن مرادها. ألحت المرأة عليه بالدخول لكنه رفض بإصرار وقال لها وقد بدأ يتوجس مما ترمي إليه: ها أنا أمامك وهذه هي البضاعة فلك أن تختاري ما تحبين، لكنني لن أدخل المنزل. حاولت المرأة جهدها لإقناعه لكن عبثاً وفي محاولة أخيرة أخذت منه الشنطة وأدخلتها إلى المنزل على أمل أن يلحق بها، لكن الشاب على العكس اعترته الصدمة بسبب جرأتها وشعر لأول مرة بالخوف، فترك الشنطة عندها وقفل راجعاً بسرعة نحو بيت عمه. تعجب العم لعودته خاوي الوفاض، لكنه روى له القصة وأعرب له هذه المرّة عن رغبته في العودة إلى لبنان.

هذا البلد ليس لي
قال لعمه: هذا البلد ليس لي ولست له، وأنا ربما أخطأت بقطع كل تلك المسافات وترك بلدي وأهلي سعياً وراء الرزق، وكان الأجدر بي أن أسعى خلف الرزاق الذي لا يخلو مكان في الدنيا منه. لقد قررت أن أتكل على المولى وأن أعود إلى بلدي. حاول العم أن يثنيه ويقنعه بالبقاء موضحاً له أن الحادثة عارضة ويجب أن لا تثنيه عن الهدف الذي جاء من أجله وهو كسب الرزق والعودة إلى لبنان بمال يعينه على مشقة الحياة. لكن أبو يوسف أمين كان قد نزع كل رابط بتلك البلاد من قلبه وأصبح مثل أسد سجين في حنين شديد يرتقب اللحظة التي يعود فيها إلى أرض الوطن. وبالفعل حزم الشاب حقائبه وعاد إلى بلاده وهو مقتنع أن حادثة المرأة كانت إشارة إليه بأنه لم يخلق لخدمة الدنيا والبيع والشراء بل لحياة أجلّ وأعزّ هي مجاورة المولى عبادة وخدمة وتقرباً وهي التي وصفها سبحانه في كتابه العزيز بأنها «تجارة لن تبور» (فاطر:29).
أخذه التفكير العميق وهو على ظاهر باخرة العودة يقطع المحيطات نحو موطنه، لم يكن يحلم هذه المرة بالرزق ولا بعمل يجني منه بعض الدنانير بل باللحظة التي يبدأ فيها الحياة التي اختارها وهي حياة الفقر والعبودية الخالصة لله جلّ جلاله.

ثوبه-الطاهر-محفوظا-في-خزانة
ثوبه-الطاهر-محفوظا-في-خزانة

” من أقواله: هذه الطائفة قائمة ومستمرة بسر التوحيد وسر أنفاس السلف الصــالح

سائح في الأرض
وصل إلى بلدته الخريبة وكانت شقيقتاه قد تزوجتا أما شقيقاه اللذان يصغرانه فكانا قد شبا على الطوق وباتا في سن تسمح لهما بالعمل وكسب الرزق. قال لشقيقيه لقد اصبحتما في سن العمل ويمكنكما الاعتماد على نفسيكما في الحياة، فأرجو أن تسمحا لي بأن آخذ طريقي في الحياة. منذ اليوم الأول لرجوعه إلى لبنان وكان في مطلع شبابه انصرف الشيخ أبو يوسف أمين إلى حياة العبادة والخلوة ومجالس العقال وصحبة المشايخ الأعلام فكان يومه كله ولله كله لله، كما بدأ الشيخ أبو يوسف منذ شبابه تقليد السياحة في الارض والتنقل بين المجالس والخلوات ومنازل الأحباء والأصدقاء في طريقه لمصاحبة المشايخ والاستفادة من مجالسهم وسيرتهم ونصحهم وعلمهم الواسع، كأنما كان مستيقناً في قرارة نفسه أن هذه الدنيا كلها عقبة في الطريق، وأن الحياة أقصر من أن ينفق الإنسان قسطاً منها في بناء ما لا يدوم ولا بدّ لبناء منزل من حرفة وسعي في الدنيا وهو اعتزم التكرس لواجب الحكمة والتقرب من الله ومن أوليائه وكبار السادات الذين سبقونا في كل عصر، كما أنه اعتزم أن يكون مهاجراً إلى الله فلا يكون لمنزل أو مكان فائدة في عيشه المتنقل.
عرف أيضاً أن حياة النسك والسياحة في الأرض تعني أن يكون حراً وخفيف الزاد والعتاد والمسافر كلما ابتعد سفره كلما اقتصد كثيراً في متاعه حتى لا يعيقه عن السير.
لكن هذا العَلَم الزاهد العارف أضاف إلى إرث مشايخ الموحدين الروحي وتقليد الزهد والخلوة والتكرّس مسلكاً قلّ من سبقه إليه حسبما يذكر أهل الدين في الطائفة، وهو مسلك الفقر المطلق والسياحة في الأرض مقلداً في ذلك ربما سنة الصحابي الكبير سلمان الفارسي الذي قطع الفيافي والصحارى في الطريق إلى المولى وإلى ملاقاة رسول الإسلام ومصاحبته ونصرته، وربما استلهم هذا الشيخ الدرويش أسلوب الصوفية الكبار وهو الذي تأثر بهم كثيراً وكان تحول إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه من ملك عظيم إلى صوفي يهيم في الأرض شوقاً لله وتضرعاً مصدر إلهام كبير له وقد تعمق في سير بن أدهم والجنيد وغيرهما وتأثر كثيراً بمجاهدات الصوفية وبإقبالهم الكامل على الله وقد بلغ من حبه لهم أن قرر السير في خطاهم، وكان الشيخ في ما بعد يروي عنهم ويحكي سيرتهم تشويقاً للسالكين وموعظة للغافلين. وقد تفرّد الشيخ أبو يوسف أمين في أخذه بسنة الصوفية الجوالين فلم يبن لنفسه داراً ولو صغيراً ولم يحمل مالاً منذ أن قرر أخذ طريق الزهد بل كان لا يلمس المال وإذا قدم لهم من بعض المحبين يسألهم أن يضعوه في مكان ما من نافذة خلوة قدمت له ليقوم فيها بعباداته، وكان المال يجد دوماً طريقه إلى محتاج يزور الشيخ، وكان العابد الزاهد يسأله برفق أن ينظر «ماذا في النافذة» ويقول له دون أن يعرف حتى مقدار المال أو إذا وجدت هدايا من صنف آخر «خذّ ما تجده فهو لك لعله يكفيك حاجة».

جانب من بلدة الخريبة التي نشأ فيها الشيخ أبو يوسف أمين
جانب من بلدة الخريبة التي نشأ فيها الشيخ أبو يوسف أمين

طعامه خبز وماء
نذر الشيخ نفسه لله فلم يتخذ زوجة ولم يقبل أن يدخل النساء عليه والتزم طريق الجوع فكان طعامه في اليوم رغيف خبز يأكل نصفه في الصباح مغمساً بأدام ربما الزيت أو اللبن أو غيرهما ونصفه الآخر في العشاء كان يأكله مغمساً بماء، وكان دأبه العمل بمخالفة النفس ليس فقط بالجوع الذي اعتبره طريقاً أساسياً للانتقال من كثافة الجسد إلى لطائف الروح وبُروق المعرفة، بل بقضاء الليل البارد خارج الخلوة أو خارج المكان الذي يأوي إليه متأملاً ذاكراً مرتدياً ثياب النوم الرقيقة وكان مضيفوه يفتقدونه أحياناً ليجدوه جالساً في العراء ساهماً متأملاً وقد ذهل عن نفسه، ومن مظاهر زهده أنه رفض العناية بقيافته ولم يهتم بتسريح لحيته ولم يقبل ارتداء عمامة أنيقة بل كان يضعها على رأسه ويضغطها لكي تفقد شكلها الأصلي وتتجعد، وكان يفعل ذلك لشدة مراقبته وخوفه من أصغر الأمور التي قد تورد خاطر العجب في النفس الأمارة وكان يخشى أن يستجره محبوه إلى أمور يعتبرها من قواطع الطريق مهما كانت صغيرة أو ظنها البعض أموراً غير ذات شأن.
حبّه للجوع
لكن أكثر ما اشتهر عنه حبّه للجوع وترويض شهوة الطعام وقد بلغ في ذلك مبلغاً بعيداً، إذ أنه ليس فقط كان يكتفي برغيف خبز في اليوم بل كان لا يقبل ضيافة من فاكهة أو طعام أو حلوى أو غير ذلك، وكان إذا قدمت له الفاكهة يتناول حبة من الإناء ويرفعها ويتأملها ويسبِّح الخالق ثم يعيدها إلى مكانها.
أمضى الشيخ أمين قسماً من وقته في الخلوة التي تحمل اسمه اليوم في الخريبة وقد توفي ودفن فيها في العام 29 نيسان 1969 عن عمر ناهز الـ 81 عاماً، وأقيم له فيها مزار متواضع ويمكن للزائر أن يرى محفوظة في خزانة صغيرة على حائط الخلوة ثوبه وعباءته،و كان الشيخ أمين يقيم في الخلوة التي قدمت له من أقاربه عندما لا يكون على سفر، وكان يعتكف فيها ولا يخرج إلا نادراً وكان الطعام البسيط والماء يقدم له من بعض الأجاويد لكنه كان يدقق كثيراً في مطعمه وكان يطلب أن يكون الماء حلالاً من الينبوع. وكان غالباً ما يتفحص الخبز المقدم له ليرى إذا كان محبوه قد تعمدوا تكبير الرغيف طمعاً في أن يحصل على غذاء أفضل لجسده النحيل.

المشايخ يحثونه على الإعتدال
استلذّ الشيخ أبو يوسف أمين الجوع وقهر النفس فأخذ يقسو عليها ويخفف حتى من القليل الذي كان يدخل جوفه، وقيل إنه اكتفى لفترة بوجبة واحدة يتناول فيها نصف رغيف مغمس بالماء حتى أصابه النحول وانتبه المشايخ الكبار مثل المغفور له الشيخ أبو حسن عارف والشيخ أبو حسيب سليمان الصايغ إلى الأمر فاجتمعوا عليه وطلبوا منه أن يبقى على سيرته فلا ينقص طعامه عن رغيف لأن لجسمه حقاً عليه، ولأن في الطعام طاقة على العبادة والاستمرار وأن الجسد وديعة المولى جعل منه آلة العبودية وابدعه مع الروح لحكمة منه فلا يجوز التفريط بأمانته وبما أراده. واستعان المشايخ على النصيحة بسنة الأمير السيد (ق) الذي دعا إلى تناول وجبتين في اليوم، ما لم يكن المرء في صيام. وقد نزل الشيخ أبو يوسف أمين عند خاطر المشايخ فعاد إلى تناول وجبة الصباح خبزاً مع أدام واسترد بذلك بعض عافيته وطاقته. وكان الشيخ في حاجة ماسة إلى تلك الطاقة لأنه منذ شبابه وربما في مطلع العشرينات من عمره كان دائم الترحال والسياحة بين البلدان والمجالس والخلوات وكان من المألوف أن تشهده متجهاً سيراً على الأقدام من الشوف إلى خلوات البياضة في حاصبيا أو إلى قرى جبل العرب في سورية حيث كان له في كل مكان يحل فيه محبون كثر يتنافسون على استضافته وخدمته والتبرك بمجالسته.

قطعة قماش في النافذة
أحد المشايخ زاره في أحد الأيام فوجد أن قنبازه قد خَلُقَ ولم يعد في وضع مقبول، فغال قليلاً وعاد بقطعة من القماش قدمها له وأمل منه أن يفصّلها قنبازاً. وقد شكره الشيخ أمين وطلب منه كالعادة أن يضع الهدية على شباك في الخلوة كان يحول إليه ما يرده من صدقات. لكن في اليوم التالي زاره أحد المشايخ وعرف من حديثه أنه يعاني من ضائقة. وكالعادة أيضاً طلب من الزائر أن يرى ماذا في شباك الخلوة، وشرح له الرجل أن فيها بعض النقود وقطعة من القماش، قال له: خذ ما وجدته فهو لك. وبقي الشيخ بذلك على قنبازه القديم ولم تكن له كما يبدو أي نية في امتلاك آخر جديد.
أمضى الشيخ أبو يوسف أمين حياته كلها في صحبة مشايخ كبار مثل الشيخ أبو حسين محمود فرج والشيخ أبو حسن عارف حلاوي والشيخ أبو محمد جواد ولي الدين والشيخ ابو حسيب الصايغ والشيخ البتديني والشيخ محمود البعيني والشيخ البيطار والشيخ أبو حسين يوسف عبد الخال، وتميز عصره بنهضة روحية كبيرة لدى الموحدين الدروز فكان عدد كبير من كبار المشايخ من أصحاب المدوريات أي العمامات المكولسة وهي عادة عنوان لمنزلة رفيعة لا ينالها الشيخ إلى كثمرة لحياة طويلة من العبادة والزهد والتفقه في الدين.

«لست أهلاً لها»
وبالنظر إلى المكانة التي كانت له بين الموحدين ولما عرف عن علمه الواسع وطهارته ومسلكه الزهدي استقر رأي المشايخ على أن يشرفوا رأس الشيخ أبو يوسف أمين أبو حمزة بالعمامة المدورية أو المكولسة وكان في نظرهم من أهلها وأكثر المشايخ استحقاقاً لها. وقد جاء الشيخ أبو حسين محمود فرج ورهط من المشايخ الكبار بالعمامة إلى خلوة الشيخ أمين وطلبوا منه أن يقبلها، لكن الشيخ الزاهد اعتذر عن قبولها وقال لزواره: لست أهلاً لها، وكان يقصد أن المدورية تحتاج إلى استقرار وإلى حياة مختلفة عن حياة التنقل والترحال التي حافظ عليها حتى آخر حياته، لكن اعتذار الشيخ أمين عن اعتمار العمامة المدورية بدا منسجماً أيضاً مع حياة التقشف والنسك والخلوة التي كان يرغب في المحافظة عليها.
كان الشيخ الزاهد قد أصبح مثالاً يضرب في الزهد والصبر والسلوك الإيماني الكامل وهو لذلك، حظي بإحترام المشايخ الذين كانوا يتباركون بوجوده معهم ويتسابقون للقاء به وحضور المجالس التي يزورها، كما كان المشايخ الشباب، وعندما أصبح الشيخ عاجزاً عن المشي، يتباركون بحمله على ظهورهم أو على أيديهم فكانوا يعقدون الأيدي ويتعاونون على السير به نحو مكان السهرة أو مجلس الذكر. وفي الرحلات البعيدة نسبياً كان البعض يستأجر دابة ويضعها في تصرف الشيخ أو كان يأتي بدابته فيسرجها ويدعو الشيخ لأن يركبها بينما يتابع هو سيره سيراً على الأقدام.

الشيخ-أبو-يوسف-أمبن-في-مرحلة-متقدمة-من-عمره
الشيخ-أبو-يوسف-أمبن-في-مرحلة-متقدمة-من-عمره

زهـــــــــــــــــــــــــــــد العاقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل
قـــــــــــــــــــــوم رضــــــــــــــــــــوا بيسيــــــــــــــــــــر من ملابســــهــــــــــم والقوت لا تخطر الدنيا بهاجسهــــــــــــــــــــــــــــم
صدورهم خاليــــــــــــــــــات من وساوسهــــــــــــــــــــم أسرارهــــــــــــــــــــم ناقيــــــــــــــــــــات ما بهـــا الدغــــــــــــــــــــــل
هجــــــــــروا المنــــــــــــــــــــازل والدنيــــــــــــــــــــا وزينتـــهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ومزقــــــــــــــــــــوا ثوب زهرتهــــــــــــــــــــــــــــــــا وبهجتــهــــــــــــــــــــــــــــا
ولا أرادوا سنـــــــــــــــاهـــــــــــــــــــا بــــــــــــــــــــل ونزهتهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ولا استمــــالــهــــــــــــــــــــم حلــــــــــــــــــــيٌّ ولا حِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــللُ
لبسوا ثياب التقى يــــــا حسن ملبسـهــــــــــم وداوموا الذِكر إجهـــــــــــــــاراً بمجلسِـهــــــــــــــــــــــــــــــم
غابوا عن الكون بل عن ذات أنفسهم إذ قد تجلّى لهم محبوبُهـــــــــــــــــم ذُهـِــلــــــــــــــــــــــــــــــوا
(من شعر المرحوم الشيخ علي فارس)

كراماته
كانت طريقة تزَهُّد الشيخ أبو يوسف أمين غير مسبوقة، لكن مجتمع العقال وأهل الدين لاقوها بترحاب كبير وقد اعترفوا للشيخ أبو يوسف أمين بالسبق وعلو الهمة وأفسحوا له في المجالس وأظهروا له توقيراً كبيراً وتسابقوا على خدمته والسعي إلى صحبته وحضور أي مجلس يكون حاضراً فيه وأي سفر يهم به في سياحته الدائمة التي كانت عنوان احتقاره للدنيا وسبيله لمداومة الذكر والإستفادة في مجالس إخوانه من أهل الرشد والنصيحة في مشارق الأرض ومغاربها.
جاهد الشيخ الزاهد وصبر على ترويض النفس ومجاهدتها حتى منّ الله عليه بالتكريم وخصه بالحفظ والعناية والكرامات فكان يسير في ظلمة الليل وطريقه منور بنور رآه الكثيرون فوجلت قلوبهم للمنظر وتأكدوا أن هذا الدرويش السائح كان من أهل الله. لقد اختبر جمهور قوة هذا الشيخ في حكاية موثوقة وردت عنه أنه كان مرة في طريقه من صوفر إلى بيروت قاصداً مجلس آل عبد الخالق الذين كانوا يحبونه ويحسنون وفادته، وقد وقف على الطريق في انتظار من يتكرم عليه وينقله إلى العاصمة بيروت. وكان أن رآه سائق باص ينقل ركاباً من البقاع إلى بيروت فتوقف أمامه، وبعد أن سأله عن وجهته طلب منه أن يصعد إلى الباص. جلس الشيخ مطمئناً إلى أن جاءه الجابي طالباً منه الأجرة فردّ الشيخ أبو يوسف أمين ببساطة قائلاً للسائل: يا بني ليس عندي مال أعطيكم، فإن تكرمتم بأخذي إلى بيروت معكم أكون شاكراً وإن لم ترغبوا فيمكنكم التوقف حتى أترجل وأتابع طريقي والله ييسرني. تشاور الجابي مع السائق وقرر الأخير رفض نقل الشيخ مجاملة فأوقف الحافلة وطلب من الشيخ مغادرتها. اعتذر الشيخ وترجل واستعد لمتابعة السير على مهل وكان يبحث عن بقعة ظليلة يقف فيها في انتظار أن يلمحه فاعل خير. في هذه الأثناء كانت الحافلة قد تعطلت وتوقفت في مكانها وقد جاهد السائق بكل وسيلة لكي يعيد إدارة المحرك لكن دون جدوى. أحد الركاب من ذوي البصيرة تعجب واتجه إلى السائق وسأله ما السبب في انك طلبت من الشيخ مغادرة الحافلة بعدما توقفت لكي تسمح له بالصعود؟ قال السائق: إنه لا يحمل الأجرة. قال الراكب بالله عليك اطلب منه العودة وأنا أتكفل بالأجرة عنه. وبالفعل نودي على الشيخ أبو يوسف أمين للعودة إلى الحافلة فعاد بطيبة خاطر ولم يكن منزعجاً. صعد، وما أن اتخذ مكانه حتى حاول السائق مجدداً فدار المحرك على الفور وانطلقت الحافلة في طريقها كأن شيئاً لم يكن. فوجئ الجميع بهذا المشهد وكان السائق أول الذين بُهِتوا وقد شعر بحرج وخجل شديدين فأصرّ على أن يقدم تلك الخدمة لوجه الله من كرامة لذلك الشيخ الغامض بعد أن فتح عينيه على حقيقته وما بدا أنه يستودعه من سر.

كان يحب بعقلين بسبب رفاقه المشايخ المقيمين فيها ومنهم الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين. وأين ما وجد الشيخ أبو يوسف أمين كان المشايخ يتوافدون للقاء به وقيام الليل معه. وقد كان واعظاً في السهر، وكان يقرأ من سيرة الشيخ الفاضل وشعره ويروي سير مشايخ الصوفية مثل إبراهيم بن أدهم والجنيد وذي النون المصري وسير الصالحين. كان يحب الاقتداء بالسلف الصالح، من أقواله هذه الطائفة قائمة ومستمرة بسر التوحيد وسر أنفاس السلف الصالح. كان شديد التقدير للسلف الصالح “حتى تبقى النفوس حية بسيرتهم”. كان يأتيه شباب طلباً للنصيحة وكان كريماً في الوعظ وفي الإرشاد علماً أن سيرته في حد ذاتها كانت موعظة وتعليماً. في المقابل فإنه لم يكن مكترثاً بالأمور العامة والدنيوية مهما بلغت جسامتها، وكانوا يأتون إليه ليخبروه عن أمر أو حدث ويسألوه رأيه وكان جوابه دوماً:”الله تعالى أخبر” وهذا سلوك المشايخ الأجلاء عندما يحولون إلى الله تعالى بالقول”لعله خير” معترفين بعجزهم وبضآلة علمهم مؤثرين الصمت على الكلام. قارن ذلك بما نراه اليوم من خوض الناس في كل أمر ومجادلتهم في كل شيء بغير علم أو دليل.
كان المشايخ يسهرون معه ويمضون شطراً طويلاً من الليل في الذكر والعبادة والتأمل. وكان الجميع حتى لو سهروا حتى الثانية صباحاً يحرصون على أن يستيقظوا قبل الفجر من أجل ذكر الله. وكان أحد المشايخ المعتبرين يقول في التشجيع على قيام الليل: “إن من يذكر الله في العشاء هو مثل من يقدم ديكاً أما من يذكر الله قبل الفجر فهو كمن يقدم خروفاً”.
كان نومه قليلاً لكنه كان مع ذلك ينام لكي يفسح للساهرين معه بالنوم ولا يثقل عليهم بالسهر معه، حتى إذا أخلد أهل الدار للنوم يقوم وينصرف إلى الصلاة والذكر مجدداً وقد كان حسب الذين رافقوا حياته من المجاهدين في قيام الليل حتى ما بعد الفجر.

شاهد-الضريح
شاهد-الضريح

على حبيبي سلامي
علــــــــــــــــــــى حبيبــــــــــــــــــــــــــــــــــــي ســـــــــــــــــــــــــــــــــــلامي ونــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــور عيني وكســـبــــــــــــــــــــــــــــــــــي
وروح روحــــــــــــــــــــــــي وقلبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي
من زاد فيـــــــــــــــــــــــــــــــه هيامـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي وسحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت فيه بحبّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي
وقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد تمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلّك لبّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي
من عظم فرط غرامــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي جسمـــــــــــــــــــــــــــــي ضني بالسقـــــــــــــــــــــــــــــــام
أنظــــــــر فحالــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــيَ يُنبــــــــــــــــــــــــــــــــي
فالحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبّ صــــــــــــــــار طعامــــــــــــــــــــــــي والشـــــــــــــــــــــــــــــــــــوق عين مدامــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي
دع يــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا عذولــــــــــــــــي عتبــــــــــــــــي
ولا تزد لملامــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي وانظـــــــــــــــــــــــــر لرســـــــــــــــــــــــــــــم عظامـــــــــــــــــــــــــــي
يكفيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــك معظــــــــــــــــــــــــم سلبــــــــــــــــي
(من شعر المرحوم الشيخ علي فارس)

ضريح-الشيخ-أبو-يوسف-أمين-أقيم-في-الخلوة-التي-كان-يتعبد-فيها-في-أواخر-أيامه
ضريح-الشيخ-أبو-يوسف-أمين-أقيم-في-الخلوة-التي-كان-يتعبد-فيها-في-أواخر-أيامه

مرضه ووفاته
نالت سنوات الجوع وسهر الليل والسياحة في الأرض من صحة الشيخ تدريجياً حتى إذا ما بلغ عامه الواحد والثمانين أصابه مرض بدأ يؤلم جسمه لكنه لم يفصح عنه لأي كان بل صبر عليه. وقد عرف الأجاويد بمرضه عندما كانوا يغسلون جسده الشريف فأحسوا أنه تألم في موضع معين من جسمه وطلب منهم أن يحيدوا عن تلك الناحية. وكان الشيخ لا يظهر عورته لأحد ويغتسل ساتراً لها. وكما كانت حاله دائماً فقد أبى أن يراه طبيب أو يعطى دواء على اعتبار أن الطبيب هو الله تعالى. {وإذا مرضت فهو يشفين} (الشعراء:80) وقد بقي الألم معه واشتد مع الوقت إلى أن منحه المولى الفرج ففارقت روحه السعيدة جسده المتعب يوم 29 نيسان 1969 في الخلوة التي كان يبيت فيها ويتعبد في أواخر أيامه وقد دفن في محراب عبادته وأقيمت له حجرة متواضعة في الخلوة التي تحمل إسمه الآن وهي على مسافة قصيرة من ساحة الخريبة.

ثورة الموحدين الدروز

ثـــــورة الموحّديــــــن الـــــدروز
علـــى الحكـــــــم المصــــــــري

(1837 و 1838)

واجه الحكمَ المصري لبلاد الشام، بين سنتي 1832 و 1840، ثوراتٌ عديدة في فلسطين ولبنان وسورية، كان أهمها ثورة الموحدين الدروز، أو ما سمّي «الثورة الدرزية»، التي بدأت في جبل حوران (جبل العرب)، وامتدت إلى مناطق الدروز في سفحي جبل حرمون، الشرقي والغربي، وقدّم فيها دروز جبل لبنان النصرةَ لإخوانهم. هذه الثورة تتطلب كتاباً، أو بحثاً مطولاً، للإحاطة بأسبابها وبجميع فصولها ومعاركها، ولا سيما أن المصادر التاريخية التي تناولتها، أو تناولت جانباً منها، كثيرة وغنية بالمعلومات، ومنها تقارير القناصل الأجانب، وتقارير القادة المصريين، و«المحفوظات الملكية» المصرية التي جمعها المؤرّخ أسد رستم في أربعة مجلّدات، ووصف الأطباء المرافقين للحملات المصرية على جبل حوران، و«مذكرات تاريخية» لمؤرّخ مجهول نشرها قسطنطين باشا المخلّصي، و«حروب إبراهيم باشا المصري في سوريا والأناضول» لمؤرّخ مجهول، وكتاب «تاريخ الأعيان في جبل لبنان» لطنوس الشدياق، و«كشف اللثام عن محيا الحكومة والحكام في اقليمي مصر والشام « لنوفل نعمة الله نوفل، و«الجواب على اقتراح الأحباب» لميخائيل مشاقة، يُضاف إلى ذلك مصدران من دروز حوران، بالغا الأهمية، هما لشاهدي عيان للثورة في جبل العرب، أولهما قصيدة مطوّلة للشيخ أبي علي قسّام الحنّاوي، وثانيهما مخطوط بعنوان«قصة اللجاه» للشيخ حسين إبراهيم الهجري، كما أن هناك عشرات الكتب والأبحاث التي تناولت «الثورة الدرزية» في حديثها عن تاريخ بلاد الشام. وإزاء هذا العدد الكبير من المصادر والمراجع، والكم الهائل من المعلومات الواردة فيها، لا يسعنا أن نورد في هذه المقالة عن ثورة الدروز إلا أبرز الأسباب والمراحل والمعارك، وبإختصار كلي.

إحتلال محمد علي لبلاد الشام
توصّل محمد علي، الألباني الأصل، إلى تسلّم ولاية مصر، وكان شخصية فذّة وذا طموحات كبيرة، فسعى إلى تحديث مصر على النمط الأوروبي، وأنشأ جيشاً قوياً مجهّزاً بالمدافع، ومدعوماً بالسفن الحربية، ومدرّباً على أيدي ضباط فرنسيين، وأبرزهم سيف المعروف بسليمان باشا الفرنساوي. وطمع في احتلال بلاد الشام، لغناها بالمواد الأولية اللازمة للصناعة التي طوّرها، كالخشب والفحم الحجري والنحاس وسائر المعادن، ولموقعها الإستراتيجي والتجاري المميّز بين الغرب والشرق، ولأنها طريق الحجاج إلى بيت الله الحرام، ومحاذية لتركيا التي كان يرغب في القضاء عليها بعد أن باتت ضعيفة وعرضة للمطامع الأوروبية.
تذرّع محمد علي برفض والي عكا عبد الله باشا إعادة الأموال التي استدانها منه، وبتقديم الأخير الملجأ للفلاحين المصريين الذين هربوا من الخدمة الإجبارية في الجيش المصري، فوجّه في العشرين من شهر تشرين الثاني 1831 جيشاً بقيادة إبنه إبراهيم، لاحتلال عكا التي كانت تُعتبر بوابة بلاد الشام من ناحية مصر، والتي عجز عن إحتلالها بونابرت في سنة 1799، فاحتل إبراهيم باشا قلعتها الحصينة، وتابع زحفه شمالاً فسلّم أهالي دمشق مدينتهم له، فدخلها مع حليفه الأمير بشير الشهابي الثاني الذي سبق لمحمد علي ان تحالف معه وتحالف مع أعيان محليين من بلاد الشام تمهيداً لسيطرته عليها. ثم احتل إبراهيم باشا حمص في 8 تموز 1832 بعد معركة قوية مع الجيش العثماني، واحتل حماه في اليوم التالي، وتقدم إلى حلب فملكها بالأمان في الشهر نفسه. وواصل زحفه شمالاً فتغلّب في ممر بيلان على الحشود العسكرية التي جمعها العثمانيون للدفاع عن الأناضول، وإجتاز جبال طوروس الفاصلة بين سورية وتركيا، وتغلّب في قونيه على جيش كبير حشده العثمانيون بقيادة رؤوف باشا والصدر الأعظم رشيد باشا. ولم يعد هناك من عائق يحول بينه وبين الوصول إلى الآستانة عاصمة الدولة العثمانية، فتقدم إلى كوتاهية، وانتظر تعليمات والده، وما سيؤول إليه تحرّك الدول الأوروبية التي خشيت من توسّعه وقلقت من إنتصاراته، ومن قيام دولة فتية في غرب آسيا وفي مصر مكان الدولة العثمانية الهرمة والمشبّهة آنذاك بالرجل المريض.
إستعان السلطان العثماني بالدول الأوروبية ، وطلب نجدتها لإنقاذ عاصمة بلاده المهدّدة بالسقوط، ولإنقاذ سلطنته، فكانت روسيا السبّاقة إلى تلبية طلبه، لأنها كانت تطمح إلى الإستيلاء على المضائق وعلى الآستانة لتصل إلى البحر الأبيض المتوسط، وهي لا تريد دولة أخرى تنازعها في ذلك. فأرسلت اسطولها إلى الآستانة، وأنزلت 15 ألف جندي إلى البر، الأمر الذي أقلق بريطانيا وفرنسا والنمسا، فضغطت على محمد علي للقبول بمصالحة السلطان العثماني، فعُقد بينهما إتفاق كوتاهية في 14 آيار 1833، وهو ينصّ على قبول السلطان بمحمد علي والياً على مصر وجزيرة كريت بعد ان سبق له وعزله عنهما، وتنازله له عن بلاد الشام، وإعطاء إبنه إبراهيم ولاية أدنه، مقابل أن يدفع محمد علي الأموال التي كان يدفعها الولاة العثمانيون، وان يجلو عن المناطق التي احتلها في الأناضول.

” الأميركي رسل ريزنغ
متى سلّت السيوف من الأغماد كان الضاربون بها أصلب قوم في غربي آسيا، إنهم “الدروز”، حتى ان زهرة الجيش المصري انكمشــــــت وانهزمت في وجــــــــــه تلك الســـــــواعد التي لا تليـــــــــن”  “

إدارة محمد علي في بلاد الشام
أقام محمد علي ابنه إبراهيم حاكماً عاماً على بلاد الشام، فجعل إبراهيم دمشق مركزاً لحكمه وانطاكية مقراً له ليشرف عن كثب على تحرّكات الجيش العثماني، إذ إن إتفاق كوتاهية ما كان إلا هدنة مع الدولة العثمانية، اتخذ منها والده سبيلاً لاسكات الدول الأوروبية عن توسّعه المرحلي، وفرصة لمعرفة ما ستنجلي عنه سياساتها ومواقفها، واتخذت منها الدولة العثمانية فرصة لإعادة بناء قواتها والإستعداد لجولة ثانية مع عزيز مصر محمد علي.
استطاع إبراهيم باشا السيطرة التامة على الأوضاع الأمنية والإدارية والإقتصادية، بفضل تسليمه المناطق والمدن لحلفائه وأعوانه، وبفضل تقرّبه من السكان والإصلاحات الضرائبية، وإضعاف الإقطاع، وإنشاء مجالس المشورة لإدارة المدن، ووضع الأنظمة الحديثة، وتحقيق المساواة بين السكان أمام القوانين، وإلغاء تمييز المسلمين عن النصارى، وتسليم هؤلاء الوظائف الحكومية. فبدا الحكم المصري في أعين السكان أفضل بكثير من الحكم العثماني، إلا ان نظرتهم إلى الحكم المصري ما لبثت أن تبدّلت بعد تبدّل السياسة المصرية إزاءهم، وتراجع إبراهيم باشا عن سياسة التساهل التي اتبعها، واحتكاره للسلع الضرورية، وعدوله عن تخفيض الضرائب ولجوئه إلى زيادتها، وإلى جمع السلاح، والتجنيد الإلزامي والسخرة. وقد عمد إلى ذلك ليلبي حاجات جيشه، وليؤمن المزيد من الموارد له، وليزيد من أعداده تحسّباً للمعارك المحتملة مع الجيش العثماني.
أثارت التدابير الجديدة المتخذة السكان، ضد الحكم المصري في مناطق متعددة من بلاد الشام. وما كانت الثورة تهدأ في مكان حتى تشتعل في مكان آخر، فيما كانت الدولة العثمانية تعمل على إذكاء نار هذه الثورات لإضعاف الحكم المصري، وإظهاره بمظهر العاجز عن تسيير أمور بلاد الشام تمهيداً لعودة سيطرتها عليها. وقد اشترك دروز صفد في الثورة التي قامت في فلسطين، فأدى ذلك إلى نزوح بين خمسمائة وستمائة عائلة منهم إلى جبل حوران (جبل العرب) حسبما ذكر فرديناند بيريه الذي كان مرافقاً لسليمان باشا الفرنساوي.

” تألم الشيخ إبراهيم الهجري لإهانة زعيم الدروز على يد شريف باشا فأطلق شرارة الثورة على إبراهيم باشا مردداً كلمته الشهيرة “ما لإبراهيم إلا إبراهيم” “

نزع سلاح دروز جبل لبنان وتجنيدهم
آنذاك إنقسم سكان المقاطعات اللبنانية إلى فريقين: فريق جلّه من المسيحيين، وعلى رأسه الأمير بشير الشهابي الثاني، رحّب بالحكم المصري، وساعده في إحتلال عكا، وفي السيطرة على بعض المناطق الشامية. وفريق آخر، جلّه من الدروز، وقف منه موقف الحذر والشك، مفضّلاً الدولة العثمانية عليه. ومع هذا قضت الضرورة بتعاون بعض الدروز مع الحكم المصري، ومنهم الأميران الأرسلانيان أمين ومحمد قاسم، والمشايخ حمود النكدي وحسين تلحوق ويوسف عبد الملك، الذين انضموا إلى قوات الأمير خليل، إبن الأمير بشير الشهابي الثاني، وساروا معه إلى طرابلس للمحافظة عليها، فيما كان سائر زعماء الأسر المقاطعجية الدرزية وبعض الأمراء الشهابيين ضد القائد المصري. وقد التحق فريق منهم بالقوات العثمانية المتقهقرة، ورضخ الباقون على مضض. لم ينسَ الزعماء الدروز ما فعله محمد علي عندما وقف مع حليفه الأمير بشير الشهابي الثاني في صراعه مع الشيخ بشير جنبلاط، وعندما أوعز إلى حليفه الآخر، والي عكا عبدالله باشا، بإعدام الشيخ بشير بعد هزيمته أمام الأمير والقبض عليه وسجنه في عكا.
بعد أن تمكن إبراهيم باشا من إخماد الثورات التي قامت ضده، عمد في سنة 1835 إلى تجريد سكان جبل لبنان من السلاح، وتجنيدهم إجبارياً في جيشه بعد أن كان قد أعفاهم من هذين الفرضين، بسبب كونهم تابعين لحليفه الأمير بشير، ولأنهم ساعدوه في بداية احتلاله وسيطرته على بلاد الشام. فعمد أولاً إلى تجريد الدروز من السلاح وتجنيدهم نزولاً عند طلب والده الذي رأى أن لا مفر من تجنيدهم أسوة بما جرى لغيرهم، “ولانه، بحسب رأيه، إذا بقيت اسلحتهم في ايديهم تكون خطراً على الأمن في البلاد” ولكي يسهل على إبراهيم باشا تنفيذ أمر والده وعد النصارى بالإستمرار في إعفائهم من التجنيد، وهدّد الدروز، عندما تردّدوا في ذلك، بتخريب بيوتهم وقطع ارزاقهم إذا لم يمتثلوا لأمره. فأوفد الأمير بشير أبناءه لجمع السلاح من الدروز، وقدم إبراهيم باشا إلى دير القمر ومعه سليمان باشا الفرنساوي وسليم باشا ومحمد باشا والأمير عباس الشهابي، وبضعة آلاف من الجنود، لنزع سلاح الدروز. فبدأ الدروز بتسليم سلاحهم تحت هذا الضغط العسكري، وما ان جرّدوا من السلاح حتى بدأ تجريد النصارى من ذلك في مخالفة من إبراهيم باشا لما كان وعدهم به.
كان تجريد دروز جبل لبنان من السلاح مقدمة لتجنيدهم الإجباري، فطلب إبراهيم باشا 1500 شاب منهم، فاعترضوا على مبدأ التجنيد وعلى ضخامة العدد، ولا سيما انه لم يسبق لهم أن قدّموا أبناءهم للخدمة العسكرية الإلزامية. وإزاء خشيتهم من مغّبة الرفض المطلق أبدوا استعدادهم لتقديم 540 شاباً على الا يختلطوا بمن هم من غير ملتهم، وأن يكونوا في فرق خاصة. وهكذا كان إذ تم تشكيل أربع فرق خاصة لكل منها أربعة بّواقين. ومما يجدر ذكره أن بعض أبناء الأسر الإقطاعية الذين خدموا في الجيش المصري انعم عليهم محمد علي باشا بلقب “بك” ، ومنهم المشايخ نعمان جنبلاط، وخطار العماد وناصيف نكد، الذين اكتسبت أسرهم لقب البكوية إضافة إلى لقب المشيخة.

في هذه الطبيعة الوعرة لمنطقة اللجاه كانت البد الطولي للموحدين الدروز إذ تمكنوا رغم ضعف تسليحهم من سحق الجيش المصري
في هذه الطبيعة الوعرة لمنطقة اللجاه كانت البد الطولي للموحدين الدروز إذ تمكنوا رغم ضعف تسليحهم من سحق الجيش المصري

مسألة نزع سلاح دروز جبل حوران وتجنيدهم
حُلّت مسألة نزع سلاح دروز جبل لبنان وتجنيدهم بالشكل الذي ورد ذكره. أما مسألة نزع سلاح دروز جبل حوران (جبل العرب)، وتجنيدهم، فقد كانت سبباً لثورتهم الشهيرة على الحكم المصري، وشاركهم فيها بعض دروز لبنان، ومنهم عشرات المقاتلين من جبل لبنان.
كان الدروز قد توطنوا في جبل حوران أواخر العهد المعني، بسبب الصراع الحزبي القيسي اليمني، الذي أذكت الدولة العثمانية نيرانه. وكان أول النازحين إليه الأمير علم الدين المعني، وفي احدى الروايات الأمير علم الدين اليمني. لكن هذا الأمير الذي قدم إلى جبل حوران في سنة 1685 مع 150 فارساً وعيالهم، لم يمكث فيه طويلاً، بل عاد إلى لبنان ليترك رئاسة النازحين للشيخ حمدان الحمدان الذي يعود إليه فضل تثبيت أقدام الدروز في الموطن الجديد، وتأسيس المشيخة الحمدانية التي استطاع الدروز في عهدها إعمار مناطق الجبل شبه الخالية من السكان، والصمود في وجه غزوات البدو، وبسط سيطرتهم على مناطق السهل المجاورة، والإشراف على طريق الحج، كما انهم قاموا بقيادتها بالثورة على المصريين.
عمد إبراهيم باشا في أواخر سنة 1837 إلى نزع سلاح دروز جبل حوران وتجنيدهم، لاتمام السياسة التي انتهجها مع سائر السكان، ولبسط سلطته على الجبل بعد ان غدا ملجأ للكثيرين من العصاة عليه، ومن الهاربين من الضرائب الباهظة ومن التجنيد الإلزامي، فطلب من شريف باشا، حكمدار بلاد الشام، تنفيذ أوامره، فاستدعى هذا شيوخ جبل حوران وعلى رأسهم الشيخ يحيى الحمدان إلى اجتماع، وقد لبّى الشيوخ دعوته وحضروا إلى دمشق، فطلب منهم تقديم 170 شاباً للخدمة الإلزامية. لكن الشيخ الحمداني ألحّ عليه بإعفاء قومه من ذلك، لأنهم على تخوم البادية، ومعرّضون دائماً لغزوات البدو، لذا يصبح وجودهم مهدّداً بغياب أبنائهم عنهم. وتعهد بدفع المزيد من الضرائب مقابل ذلك، وهو ضريبة مئتي فدّان. لكن شريف باشا لم يحتمل الحاحه وأساء إليه. ولتوضيح ما جرى بينه وبين الشيخ المذكور، ولتحديد نوع الإساءة التي وجهّها إليه، وردة فعل دروز الجبل على ما جرى، ننقل ما دوّنه الرئيس الروحي الشيخ حسين إبراهيم الهجري الذي كان قريباً من الحدث، والذي سيكون شاهد عيان للمعارك التي دارت بين الدروز والحملات المصرية، والتي وصفها في مخطوطة “قصة اللجاه”.
يذكر الشيخ حسين إبراهيم الهجري ان شيوخ الجبل رجوا الوزير شريف باشا إعفاءهم من التجنيد فزاده ذلك إصراراً عليه، وتهديداً لهم وغضباً عليهم “عندها لجّ بالرجاء من أجل هذا الشأن من أخذته الغيرة على العيال والبلدان الشيخ يحيى الحمدان، فعند ذلك مشى الوزير بنفسه إليه، وقيل إنه صفعه بيده على خديه، وغضب غضباً شديداً عليه حتى دخل بقلب المذكور الجزع والذعر والخوف مما رآه. ثم خرج الجميع من عنده وهم خائفون، وفي أمورهم وتدبيرهم متحيرون، ولما وصلوا إلى البلاد إستدعوا كل ذي لب وعقل وعماد، وعرّفوهم مراد الدولة، ثم إجتمعوا بالشخص القويم الشيخ أبو حسين إبراهيم الهجري وأعلموه بهذا الشأن الجسيم، ثم أنهم لا يزالون في ما بينهم بالمخابرة والتفقّه والمشاورة. فبعضهم أمّموا على الفرار والهرب، وبعضهم أمّموا على الشدائد والقتال والحرب، وبعضهم أمّموا على أداء المراد والطلب خوفاً واحتساباً من عواقب الأمور والعطب”.
والروايات في جبل حوران عن الثورة كثيرة، ومنها ان الشيوخ الذين قابلوا شريف باشا عقدوا عند وصولهم إلى الجبل إجتماعاً في السويداء، وتداولوا في ما جرى وفي ما عليهم أن يفعلوا. وقبل أن يتخذوا القرار النهائي أوفدوا الشيخ حسين أبو عساف والشيخ حسين درويش إلى الرئيس الروحي الشيخ إبراهيم الهجري، ليقفا على رأيه، نظراً إلى مكانته السامية عندهم، ولثقتهم بحكمته وسداد رأيه. فأجاب الشيخان انه متألم جداً لإهانة الشيخ يحيى الحمدان، رافضاً كلياً لمبدأ التجنيد، وانه موافق على الثورة ضد المصريين، ومستعد للاشتراك في القتال. ومما يروى عنه قوله: “ما لإبراهيم الا ابراهيم”. نقل الشيخان المذكوران موقف الشيخ إبراهيم إلى أعيان الجبل فصمّموا على الثورة، وعلى الهجيج إلى اللجاه. والهجيج هو الرحيل مع العيال والمواشي وما يمكن حمله من المؤونة والعلف إلى أحد المكانين التاليين: الصفا في شرقي الجبل، واللجاه إلى الجنوب الغربي منه ، وكلاهما ذي مناعة طبيعية توفر الحماية المنشودة. واللجاه مسماة عند دروز حوران “ الوعرة” لوعورتها. وهي صحراء صخرية مكونة من مقذوفات البراكين التي تجمّدت في اعوجاجات عميقة، وممرات ملتوية وضيقة، ومليئة بالمغاور والكهوف التي تشكّل أفضل ملجأ طبيعي، لصعوبة الوصول إليها. وقد انشدت نساء دروز جبل حوران عن الهجيج، ابان الثورة على إبراهيم باشا ،البيت التالي:
بـــــــــــرهوم ويـــــش لــــــــك عندنـــا حــــــــــــوران والـــــــــوعره لــــــــــــنا
إن إقدام دروز حوران على الثورة واستعدادهم لمقاتلة الجيش المصري الذي عجزت عن الصمود في وجهه جيوش الدولة العثمانية، مثال على جرأتهم واستسهالهم للقتال، وتفضيلهم أمراً مّراً على أمر اكثر مرارة، وهو افضل دليل على مدى كره الناس للخدمة الإلزامية التي فرضها المصريون، بحيث كان جنودهم يضطرون إلى الحيلة لتجنيد الناس، وذلك بمداهمة المتجمعين في الأسواق أو في مناسبات الأعياد، والقبض عليهم، وسوقهم إلى الجندية.

قرية صميد بالقرب من السويداء شهدت موقعة تكبد فيها الجيش المصري خسائر فادحة
قرية صميد بالقرب من السويداء شهدت موقعة تكبد فيها الجيش المصري خسائر فادحة

بداية الثورة وحملة علي آغا البصيلي
يذكر جالياردو، رئيس الأطباء الذين رافقوا حملة إبراهيم باشا على الجبل سنة 1838، ان شريف باشا أرسل إلى السويداء قاعدة الجبل حوالي 120 فارساً يحملون الأصفاد التي سيقيّد بها المجندون. وما كاد هؤلاء يستقرون فيها حتى لاحظوا صعوبة تنفيذ أوامره، فعادوا تحت جنح الظلام إلى دمشق وأخبروه بخطورة تنفيذ الموقف. فأرسل حوالي 400 فارس غير نظامي، بقيادة رئيس الهوّارة علي آغا البصيلي، ليقابل الشيخ يحيى الحمدان، وليتسلّم المائة والسبعين شاباً. نزل القائد في قرية “الثعلة” الواقعة إلى الغرب من السويداء، وبدأ مع الدروز مفاوضات تفتقر إلى الثقة وتتسم بالخداع والتهويل، مستهدفاً منها استدراجهم وإخراجهم من اللجاه ليسهل عليه ضربهم كما جاء في “مذكرات تاريخية” لمؤلف مجهول عايش الحدث، ولكنهم، وحسبما جاء في هذه المذكرات: “كانوا أمكر منه” ولم يقعوا في الفخ الذي نصبه لهم، إذ سبقوه في توجيه الضربة، وهاجموه ليلاً، وأجهزوا على جنوده، ولم ينجُ بنفسه إلا بكل صعوبة. وكان من القتلى عبد القادر آغا أبو حبيب متسلم حوران سهلاً وجبلاً. ولم يسلم من حملة البصيلي سوى ثلاثين نفراً ، فيما فقد الدروز ثلاثة عشر رجلاً من بينهم الشيخ إبراهيم الأطرش، عم الشيخ إسماعيل مؤسس الزعامة الطرشانية، وقد تعقب إبراهيم مع فرسان الدروز الجنود الناجين الهاربين من الثعلة وقتلوا بعضهم.
يسمي دروز جبل حوران المواقع الحربية بالأسماء التالية: كون – شر- يوم – ذبحة ويسمّون ما جرى في الثعلة مع علي آغا البصيلي “ذبحة الثعلة” أو “ذبح البصيلي”. وبعد هذا ستتابع المعارك وستزداد الأسماء المذكورة، وأبرزها يوم بصرى- يوم براق- يوم القسطل- يوم لاهثة – يوم الصورة الكبيرة- يوم جب النعام- يوم صميد- يوم الكسوة. وكما كانت خسائر الدروز قليلة في “ ذبحة الثعلة “ وخسائر المصريين كثيرة، هكذا كانت خسائرهم وخسائر المصريين في معظم المعارك التي وقعت، ذلك أن خسائر المصريين الكبيرة جداً قياساً إلى خسائر الدروز مع انهم الأكثر عدداً وتنظيماً وتسليحاً، تعود إلى الشجاعة التي إتصف بهم الدروز عبر تاريخهم, وتعود إلى جهل المصريين لأراضي جبل حوران، وخصوصاً اللجاه، وتهوّرهم وتسرّعهم للدخول إلى اللجاه، واستهانتهم بعدد الدروز القلائل، وركونهم إلى الإنتصارات الباهرة التي حققوها على الجيوش العثمانية.

حملة محمد باشا
إنتهى إلى الوزير شريف باشا نبأ الكارثة التي حلّت بحملة علي آغا البصيلي، فسارع إلى إعداد حملة تثأر لذلك وتنفذ أمره بالتجنيد، بقيادة محمد باشا مفتش الجيش المصري، عددها ثمانية آلاف جندي، وفي المراجع الدرزية أثنا عشر الف جندي، ومعهم سلاح المدفعية. وعند وصولها إلى بصرى الحرير، الواقعة في سهل حوران على الطريق إلى السويداء، هاجمها الدروز، واستبسلوا كعادتهم في القتال، لكنهم انهزموا حين بدأ قصف المدفعية التي لم يتعودوا على قتالها. واغتنم محمد باشا تضعضعهم وانهزامهم، فأطلق عساكره لعدة أيام تفتش القرى، وتنهبها، وتجمع المواشي، ثم لحق بالثائرين إلى داخل اللجاه، لاعتقاده أنهم ما عادوا قادرين على متابعة القتال، ولجهله طبيعة ارض اللجاه، وكان ذلك خطأ بالغاً منه.
كان الدروز آنذاك متجمّعين في قرى داما والخرسا وصميد وعاهره (عريقة اليوم). وحين وصل الجند إليهم تخلّوا عن قريتي عاهره والخرسا، وإنشغلوا بنقل عيالهم وغلالهم ومواشيهم إلى أماكن اكثر أمناً في اللجاه، فيما كان الجند يتعقبونهم ويقتلون العجزة منهم ويسلبون ما يصادفونه من المواشي. أما قرية صميد، فقد كان الشيخ إبراهيم الهجري موجوداً فيها مع أربعين مقاتلاً، فناوشوا الجند لبعض الوقت، وأخّروا تقدمه. وما ان وصل الثوار في تقهقرهم إلى حيث تجمعت نساؤهم وأطفالهم، حتى قابلتهم النساء بالزغاريد وهتافات التشجيع، فارتدوا على الجند ليدافعوا عن أعراضهم، واستبسلوا في الدفاع عن عيالهم، وأجبروا الجند على التقهقر وقتلوا معظمهم ومن بينهم قائد الحملة محمد باشا ، وأيوب بك (امير اللواء) وأربعة عشر ضابطاً، فيما خسروا أربعة عشر نفراً وكان من أسباب انتصارهم انضمام المتطوعين الدروز في الجيش المصري إليهم.

” ثورة دروز حوران على الجيش المصري الذي قهر جيوش الدولة العثمانية، مثال على جرأتهم واستسهالهم للقتال، وتفضيلــــهم الموت على النيل من كرامتـــــــهم  “

محمد-علي-باشا-في-أوج-سلطانه
محمد-علي-باشا-في-أوج-سلطانه

حملة أحمد منيكلي باشا
لما بلغ شريف باشا خبر الكارثة الثانية التي حلّت بالجند المصري، جمع ما عنده من العساكر، وما تبقى من فلول حملة محمد باشا، وأمده إبراهيم باشا بجيش يقوده وزير الحربية، احمد منيكلي باشا، وعدده أربعة آلاف جندي، فأصبح المجموع عشرين ألفاً (في المراجع الدرزية أربعة وعشرون ألفاً)، وبعد ان تجمعت هذه الحملة في قرية تبنه الواقعة في سهل حوران على تخوم اللجاه، والمتخذة نقطة عسكرية، توجّهت إلى داخل اللجاه، وسارت يوماً كاملاً فيه دون أن تصادف الثائرين الذين لم يعلموا بتحركاتها إلا في المساء، من قبل العربان الذين كانت بعض قبائلهم تساعدهم، فعقدوا إجتماعاً برئاسة الشيخ يحيى الحمدان وحضور الشيخ إبراهيم الهجري الذي كان يشدّد العزائم، ويقوّي إرادة الصمود، ويحث على مواصلة القتال وعلى الاستبسال، وحضور شبلي آغا العريان زعيم راشيا الذي انضم الى الثوار.
قرّر الدروز في إجتماعهم العاجل كيفية مجابهة الحملة الجديدة، فسار خمسمائة رجل منهم لقتالها، وانقسموا الى ثلاث فرق: فرقة ظاهرة، وفرقتان مختبئتان خلف الصخور. وحين بدأت المعركة في صباح اليوم الثاني انهزموا بسبب تفوق الجند عليهم بالعدد والسلاح، لكنهم في تقهقرهم ظلوا يناوشون الجند ويطلقون النيران عليهم من خلف الصخور التي تشكل لهم استحكمات طبيعية. ولما وصلوا في إنهزامهم إلى عيالهم صاحت النساء بالزغاريد وبعبارات التنخية وبمناشدة “ النشامى”، فأعادوا الكرّة على الجنود حتى أوقفوا تقدمهم ثم اضطرّوهم إلى الإنهزام، فتشتتوا وتعقبوا فلولهم المهزومة التي لا تلوي على شيء والتي تجهل طريقاً تسلكه حتى صار الرجل حسبما جاء في “قصة اللجاه” الوارد ذكرها، يحوز من المصريين مائة رجل، ويسلبهم سلاحهم ومالهم. وقد غنم الدروز الكثير من الأسلحة والذخائر، ولم يفقدوا في هذه المعركة الظافرة سوى 25 قتيلاً فيما كانت خسارة عدوهم اكبر خسارة نزلت به في معاركه معهم وهي مئات القتلى، واضعاف ذلك من الجرحى من بينهم أحمد منيكلي باشا وتُعرف هذه المعركة بيوم القسطل وقد جرت في غربي اللجاه .
كان الرئيس الروحي لدروز جبل العرب، الشيخ أبو علي قسّام الحنّاوي من ابرز المقاتلين، وشاهد عيان لما جرى، فوصف في قصيدته المطوّلة، البالغة 111 بيتاً، معظم المعارك، وسمىّ قادة الحملات المصرية الاربع، وبعض من قتلوا وجرحوا منهم، وافتخر بتاريخ الدروز وامجادهم وصنائعهم في قتال المصريين والعثمانيين، وهذه مقتطفات منها:
ومن بعدها إبراهيـــــــم باشـــــــا ركـب
عليـنا وجــرّد علينــــــا عســكـرا جــــرّار
أول فتـوح الشــر ذبــح البصيلــــــــــي
اجـا خمـس مية حصان بفرد نهـــــــــار
من بعدهـا جهّــــــز وزيــــــرو محمــد
باشــــا كيــــــــــوداً حربـــــجـي قهّــــــــار
دخل للجاه زاحــف بجيش عرمـــــرم
ونحنــــــا قلايــــــــل مــــــــا يـــزود كـثــار
نطحناه ونتناخى وتبكـي حريمنـــــــا
وصـــــــار المـعـــــارك والفـرنجـي ثــــــار
جانـــــا ابو ابراهيم فـازع بعـزمــــــــــه
وسيفو بشـــــوف العـين يلهـــــــب نــــــــار
وصحنا كما تهدر اسـود الضــراغم
عَ القـــــوم في البلطــــــات والـبتـــــــــــــّار
ذبحنـا الوزير وكل ضبّـاط عسكـرو
وثلثين جيــــــــشـو راح قصــف عمـــــــار
ومـن بعـد ذا جانا شريفـاً واحمـد
باشـــــــــــوات يتكنّـــــو لأخــــــــــذ الـثـــــار
فاتـوا علينـا للمنـــــــــاره ورتّـــــبــوا
الآيــــــات في ضـــــرب الكـــلل والـنــــــــار
وبارودهم مثل الرعود القـواصــف
بيـــــوم عظيـــــم الهــــــول والأخطـــــــــار
ما ظن لا هولاً ولا يــــــوم أعـظـــم
يشبـــه لصفّيــــــن وليــــــــوم ذي قـــــــار
ومحاربتنـا وسط غابــة اســـــــودنا
يا بئــــــس شــــــوّار عليــــــهــم شــــــــــــــار
فهـذي قلعتنـــــــا وهـذي لجاتنـــــــــا
وتـربـــــــة عـدانــــا ومـن دخلـــها حــــــار
حملنا عليـهـم كالاسـود القســاور
ووثبــــــة ضــــــراغـم مثلــــها ما صــــــار
أخذنا المدافـع والجباخانـات والذخر
والذبــــــح ما يحصـــــى لـه مقــــــــــــدار
وأحمد باشا راح محمول فـي نعــش
وطيـفــــــور بـــــــــــك ومثلـــــــــــهـم وزّار
وبرج الغضـــــب جانـا ابـراهيـم باشـا
بالأرنـــــــاؤوط والتـــــــرك والبلغــــــــــار
ونصب عراضي الجيش في ديار اللجاه
وضيـق عليـنــــــا الظــــالم القهّـــــــــــــــار
علـى سـاق قام الحرب يوما فيومـا
وخيـــــل الهنـــــادي كـــــــــل يـوم تغــــــار
وستـين كـون نقابلـو ومـا نهابـــــــو
ونكســــــر جيوشـــــو بقــــــــــوة المختـــــار
وسبعيـن الـف فقـد من عساكـــــرو
اصلــــــح وصالحنـــــا وفــــات الثــــــــــــار

حملة إبراهيم باشا
قلقت حكومة محمد علي من هذه الهزائم المتتالية، وخشي إبراهيم باشا من تفاقم أمر ثورة الدروز، واحتمال امتدادها إلى سائر المناطق الدرزية، وخصوصاً بعد ظهور ملامح الثورة في سفحي جبل حرمون، وخشي إستغلال الدولة العثمانية لفرصة انشغاله في إخمادها، واحتمال قيام الدمشقيين بالانتفاضة عليه بعد ان أظهروا الشماتة بإنهزامات جنوده، وبعد أن اتصل الدروز بهم وحرّضوهم على الثورة، فصمم إبراهيم باشا ان يقود بنفسه حملة كبرى تخضع الجبل الثائر ليعمَّ الهدوء جميع مناطق بلاد الشام. وقد جاء في المحفوظات الملكية ان محمد علي رأى وجوب الإسراع في قمع الثورة الدرزية، لئلا يؤدي استمرارها الى استفزاز الآستانة.

” مئات من المقاتلين والفرسان الدروز يهزمون حملة من 24 ألف جندي مصري مجهزين بالمدفعية ويقتلون قائدها وضباطها ويغنمون أسلحتها وذخائرها  “

حملة إبراهيم باشا تصل إلى مشارف أضنة وتهدد الدولة العثمانية
حملة إبراهيم باشا تصل إلى مشارف أضنة وتهدد الدولة العثمانية

” دروز جبل لبنان يهبّون لنصرة ثورة إخوانهم على إبراهيم باشا في وادي التيم بقيادة الشيخين حســـن جنبلاط وناصر الديــن العمـاد  “

وارسل محمد علي إلى إبنه إبراهيم نجدات كبيرة من مصر، واستقدم مصطفى باشا من كاندى مصطحباً ألفي الباني، واستحضر إبراهيم باشا قوات عديدة من بلاد الشام دون ان يخلي الحدود الشمالية من الجند تحسّباً لأي هجوم طارئ من الدولة العثمانية. وبلغ مجموع الحملة التي اعدها أكثر من عشرين الف مقاتل، وكانت تضم نخبة الضباط مثل سليمان باشا الفرنساوي ومصطفى باشا، كما تضم أفضل الجنود المدرّبين على حروب الجبال والأماكن الوعرة كالألبان وسواهم.
إنتقل إبراهيم باشا إلى اللجاه ليختبر بنفسه أرضها ومسالكها وأماكن مياهها. وبعد أن دار حولها وقع اختياره، بالاتفاق مع سليمان باشا، على خطة تقضي بتجنب مقاتلة الدروز داخل اللجاه على قدر الإمكان، وبمنع خروجهم منها، وبإقامة معسكرات حولها من ناحية الغرب، وبمنع إقتراب الدروز من ينابيع المياه.
هاجم الدروز قوات إبراهيم باشا في قرية “الصورة الكبيرة” عند تخوم اللجاه، لكنهم لم يستطيعوا التغلب عليها بالرغم من الخسائر التي انزلوها بها، كما لم يستطيعوا فك الحصار المفروض عليهم، لكنهم تمكنوا في البداية من منع توغل القوات المصرية في اللجاه، ومنعها من السيطرة على نبع ماء يستقون منه حيث دارت معركة كبيرة كانت خسائر المصريين تفوق بكثير خسائرهم، وجاء في وصفها في “مذكرات تاريخية” بالقول: إن العسكر كان يخب في الدم والقتلى إلى الركبة”.
وبقدر ما كانت قوات إبراهيم باشا كبيرة، بقدر ما كانت بطولات الدروز وتضحياتهم في التصدّي لها كبيرة ايضاً، وبرز منهم الأبطال الذين خلّدت الذاكرة الشعبية اسماءهم، مثل اسماعيل الأطرش، وحسين ابوعساف، وحسين درويش، واحمد جربوع، كما اعتمدوا بعض الخطط الحربية التي تدل على مقدرتهم في مواجهة الأخطار والتحديات الطارئة. ومن ذلك طريقة إستعادة مواشيهم المسلوبة من قبيلة اغتنمت وجودهم على الجبهة مع جنود إبراهيم باشا، فغزتهم وسلبت مواشيهم، ذلك انهم حين علموا بذلك عمدوا الى اشعال النار لإيهام الجنود المصريين انهم لا يزالون في مواقعهم وسارعوا الى اللحاق بالقبيلة الغازية وهاجموها وانتصروا عليها، واستعادوا مواشيهم .

ومن خطط الدروز الحربية ايضاً انقسام مشاتهم الى فرقتين خلال انسحابهم الى داخل اللجاه أمام إحدى الحملات المصرية: فرقة تتمركز خلف الصخور وتطلق النار، وفرقة تحشو البنادق وهي تجري، وحين تنتهي الفرقة الاولى من اطلاق النار تسارع لتحل مكان الفرقة الثانية التي تأخذ دورها ، فيما كان الفرسان يؤمنون الحماية للفرقتين ويشاغلون العدو بنيرانهم. وما زالوا على هذه الحال حتى بلغوا المكان الآمن، وارتد الجند عنهم بعد ان انزلوا فيه الكثير من القتلى والجرحى.
كان الدروز يعرفون الجنود المصريين حين يلفظون حرف “الجيم” في الكلمات، فيعاملونهم بأقسى ما يعاملون به سائر المجّندين الذين سيق بعضهم قسراً الى قتالهم. ولكثرة ما لاقى الجنود المصريون من الاهوال في قتال الدروز ظلت كلمة “درزي” لمدة طويلة تثير في نفوس المصريين النفرة والجزع، وكثيراً ما استعملوها في معرض الشتيمة.

توسّع الثورة وانتقالها إلى وادي التيم
عمد الدروز على أثر انتصاراتهم الأولى إلى إثارة الدمشقيين، فارسلوا، بواسطة شيخ قرية الهيجانة الرسائل إلى مفتي دمشق، وشمدين آغا احد أعيان أكراد الشام، والبوظلي في حي الميدان. وقام في الوقت نفسه بعض دروز غوطة دمشق بقطع الطريق بين بيروت ودمشق، واخذوا يؤلّبون سكان القرى للهجوم على ثكنات الجيش، وإطلاق سراح المجنّدين من أبنائهم. لكن متسلّم الشام حافظ بك عمد إلى الشدة، وأعدم كل مشتبه به. وعن هذا جاء في “مذكرات تاريخية” انه اخذ يعدم كل يوم أو يومين ثلاثة أشخاص من الدروز، فلما رأى أهل البلد ذلك رجعوا عن غيهم حالاً.
كان بعض دروز لبنان يناصرون اخوانهم الثائرين في جبل حوران، ومن أبرزهم شبلي العريان الذي حضر بعض معارك اللجاه، والذي عاد من هناك ليضرم الثورة في سفحي جبل حرمون من أجل تخفيف وطأة الحصار المفروض على الثائرين في اللجاه. فهاجم مع دروز سفح حرمون الشرقي قافلة مصرية في سعسع، وقتل افرادها، ثم انتقل إلى راشيا وهاجم سراي الحكومة فيها، وقتل متسلمها، وأثار إعجاب أهل راشيا، فانضم إليه عدد كبير من رجالها، وبذلك بدأت الثورة في وادي التيم، والتحق بها قوم من العرب والشيعة الهاربين من الجندية الإلزامية، كما التحق بها عشرات المقاتلين من دروز جبل لبنان.
حين علم إبراهيم باشا بأمر الثورة في راشيا ركّز على إنهائها بسرعة قبل أن يستفحل أمرها، وتمتد إلى جبل لبنان نظراً إلى تعاطف دروز الجبل مع اخوانهم الثائرين، فأرسل إلى راشيا حملة من ألف جندي مزودين بالمدفعية، وما ان وصل هؤلاء حتى هاجمهم الثوار واضطروهم إلى اللجوء إلى قلعة راشيا، ثم اضطروهم إلى الخروج منها والفرار في سهل البقاع حيث تعقبوهم وقتلوا العديد منهم، كما أنهم هاجموا رجال المدفعية الذين تمركزوا في التلال المشرفة على راشيا، واستولوا على ما عندهم من مدافع وذخائر.

الدولة المصرية في عهد محمد علي باشا 1805-1840
الدولة المصرية في عهد محمد علي باشا 1805-1840

” الدروز الذين يعيبون على إبراهيم باشا ردم عيون المياه وتسميمها، ومحاولة إبادتهم عطشاً، يتذكرون منه مأثرة عدم السماح لأي من جنوده بالإساءة إلى النساء  “

لم يكتفِ إبراهيم باشا بالإعتماد على جنوده في انهاء الثورة في وادي التيم، بل إنه إستنجد بحليفه الأمير بشير الشهابي الثاني الذي بات مطواعاً له ينفذ جميع طلباته، وبات حاكماً على جبل لبنان بالإسم. لقد طلب أن يمدّه الأمير بالرجال فأرسل الأمير ولده خليل على رأس قوة من نصارى جبل لبنان، فقاتل هؤلاء الثائرين الدروز في وادي التيم، وساهموا في إنهاء ثورتهم. ومن الطبيعي أن يتوجه دروز جبل لبنان لنصرة إخوانهم في وادي التيم، وقد فعل ذلك العشرات منهم بقيادة الشيخين حسن جنبلاط وناصر الدين العماد، ولكنه من غير الطبيعي أن يتوجه نصارى جبل لبنان لنصرة حاكم غريب وقتال مواطنيهم وجيرانهم، فهذا خطأ جسيم ارتكبه الأمير بشير مبرهناً به عن عدائه للدروز، ومساهماً في زرع بذور الفتنة التي قامت في اواسط القرن التاسع عشر بين الدروز والنصارى.
إنتقل إبراهيم باشا إلى وادي التيم، وبلغ عيحا الواقعة إلى الشمال من بلدة راشيا، وهناك دارت بينه وبين الثوار معركة لم يستطع فيها حسم الأمر لمصلحته، ثم لجأ إلى الخديعة والدهاء الحربي، فأوعز إلى أحد جواسيسه أن يشيع خبر ورود قافلة مصرية تنقل اسلحة وذخائر من دمشق إلى الجيش المصري في عيحا. فعلم الدروز بذلك وصدّقوه، وانطلت الحيلة عليهم، ووقعوا في الفخ، إذ ان القافلة المذكروة كانت حملة يقودها مصطفى باشا للالتحاق بإبراهيم باشا الذي اعد خطة محكمة لتطويق الثوار بالحملة المذكورة وبقوة يقودها بنفسه، إذ حين هاجم الدروز القافلة في وادي بكّا وقعوا في الفخ الذي نصبه لهم دهاء إبراهيم باشا، فكانت مقتلة كبرى منهم ولم يسلم من عشرات المقاتلين الا عدد قليل، بالرغم من تفانيهم واسبتسالهم في القتال حتى قاتلوا أخيراً بالسلاح الأبيض. وقد سميت هذه المعركة “معركة الاخوة “ لكثرة الأخوة من الدروز المشتركين فيها.
كانت معركة وادي بكّا ضربة قاصمة للثورة في وادي التيم، لكن ثواره لم يستسلموا، بل لجأوا بقيادة شبلي العريان إلى جنعم، وهناك تعقبتهم ثلاث حملات مصرية، أولاها بقيادة إبراهيم باشا وثانيها بقيادة الأمير خليل الشهابي، وثالثها بقيادة مدير ايالة صيدا. وبعد عدة معارك كانت آخرها معركة شبعا ضد قوات إبراهيم باشا حيث نهب جنوده كتب الدروز الدينية من خلوات شبعا، اضطر الثوار إلى عرض استسلامهم على إبراهيم باشا شرط العفو عنهم، فقبل بذلك متوسّلاً منه ومن تساهله اغراء دروز جبل حوران بالتسليم. وما لبث شبلي العريان الذي حيّر الجند واتعبه في تعقبه ان سلم نفسه، وقام بألعاب فروسية في سهل جديدة يبوس أمام إبراهيم باشا الذي أعجب به وعفا عنه.

” شبلي العريان الذي حيّر الجند المصري وأتعبه يسلّم نفسه ويقوم بألعاب فروسية في سهل جديدة يبوس أمام إبراهيم باشا الذي أعجب به وعفا عنه  “

 شبلي العريان الذي حيّر الجند المصري وأتعبه يسلّم نفسه ويقوم بألعاب فروسية في سهل جديدة يبوس أمام إبراهيم باشا الذي أعجب به وعفا عنه
شبلي العريان الذي حيّر الجند المصري وأتعبه يسلّم نفسه ويقوم بألعاب فروسية في سهل جديدة يبوس أمام إبراهيم باشا الذي أعجب به وعفا عنه

نهاية الثورة في جبل حوران
إنحصر القتال بين دروز حوران وبين القائد المصري حول ينابيع المياه، إذ كان لا يمضي يومان أو ثلاثة إلا وتقع معركة على أحدها. وأخيراً نجح القائد المصري في إحكام سيطرته على جميع مراكز المياه، وردم بعضها، وسمّم البعض الآخر بالرغم من احتجاج الطبيب كلوت بك، ومعارضته لهذا العمل اللا إنساني، وكان يرمي الجاز والسموم والجيف والأقذار في المياه حتى لم يعد هناك نبع صالح يشرب منه الدروز وحيواناتهم في صيف 1838، وهي الفترة التي يشتد فيها الجفاف. وإزاء ذلك كله اضطر الدروز إلى التفاوض لإلقاء السلاح، فدارت المفاوضات حول إنهاء القتال، لكنها فشلت في البداية، لأن علي آغا البصيلي، المفاوض عن القائد المصري، اشترط ان يسلّم الدروز جميع الأسلحة، بما فيها أسلحتهم، بينما قبلوا بتقديم الأسلحة التي كسبوها من المصريين، واصروا على الاحتفاظ بسلاحهم. وأخيراً تساهل إبراهيم باشا بالأمر فقبل بتسليم الدروز الاسلحة التي غنموها فقط، فسلموا اليه سبعمائة بندقية، واحتفظوا بسلاحهم كما انهم استحصلوا على إعفاء من التجنيد الإجباري الذي كان سبب ثورتهم. أما تساهل إبراهيم باشا، فيعود إلى رغبته في إنهاء ثورة سببت له المتاعب، وأنزلت بجنوده الخسائر ورغبته في التفرغ لمواجهة الخطر العثماني الذي يهب عليه من الحدود الشمالية.
تجدر الإشارة أخيراً إلى ان الدروز الذي يعيبون على إبراهيم باشا ردم عيون المياه وتسميمها، ومحاولة إبادتهم عطشاً، يتذكرون منه مأثرة عدم السماح لأي من جنوده بالإساءة إلى النساء. كما تجدر الإشارة إلى انهم، بالرغم من اضطرارهم اخيراً إلى الاستسلام حققوا الهدف الذي ثاروا من أجله وهو الاحتفاظ بسلاحهم، وعدم تجنيد شبابهم في الخدمة الإلزامية، وهم بناءً على ذلك يفتخرون ببطولاتهم في هذه الثورة كما في سائر المراحل الجهادية، ويفتخرون بما فعلته نخبة أبطالهم، وبأنهم استطاعوا بأعدادهم القليلة مواجهة الجيوش النظامية المجهزة بالمدفعية، والتغلب عليها، ما جعل السائح الأميركي رسل ريزنغ يقول فيهم: “ متى سلّت السيوف من الأغماد كان الضاربون بها أصلب قوم في غربي آسيا: إنهم “الدروز”، حتى ان زهرة الجيش المصري انكمشت وانهزمت في وجه تلك السواعد التي لا تلوى”.

الشيخ ابو سعيد امين ابو غنام

على طريق الأولياء الصالحين

المغفور له الشيخ أبو سعيد أمين أبو غنام

1914-2013

فقدت طائفة الموحدين الدروز علماً بارزاً من أعلام هيئتها الروحية العليا، وعابداً زاهداً، صالحاً ناصحاً، مصلحاً آمراً بالمعروف، وناهياً عن المنكر، قدوة للسالكين العابدين الذاكرين الشيخ أبو سعيد أمين أبو غنام الذي توفّاه الله في بلدته عرمون عن عمر ناهز الـتسعة والتسعين عاماً.
سلك الشيخ الفقيد طريق التوحيد والطاعة والزهد منذ مطلع شبابه، وجاهد في حياته كلها في العبادات والخلوات وترقية النفس واكتساب الخصال والمحامد التوحيدية، وقد نال الكثير من تلك الجواهر النفيسة على يد شيخه المرشد العلم المرحوم أبو حسين محمود فرج الذي عاش بين العامين 1866 و1953 وكان في حياته منارة للسالكين وشيخاً قدوة أصبحت حياته الزاخرة بالفضائل وخصال التوحيد سيرة تتناقلها الأجيال التالية على سبيل حفز النفس على الإقتداء والتزام الصراط المستقيم.
كان من علامات نجابة الشيخ الفقيد وتفتحه المبكر على طريق الزهد والعبادة الخالصة أنه كان مازال في مطلع شبابه عندما من ّعليه معلمه الشيخ أبو حسين محمود فرج ومجتمع المشايخ الثقات بتكريمه بالعباءة البيضاء المقلمة بالأسود وهي منحة تشير إلى توافق عقلاء الطائفة على استكمال السالك لواجبات الدين وفرائضه وخصاله واستحقاقه بالتالي أن يكون من حلقة العقلاء الراشدين الذين يشكلون في الحقيقة حصنها وملجأها المنيع في الشدائد. واستمر في حياته على طريق الاولياء الصالحين في مسيرة حافلة بالمآثر حتى توافقت الهيئة الروحية العليا للطائفة التي كان في مقدمها المرحوم الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين في العام 2006 على تتويج الشيخ أبو سعيد أمين بالعمامة المكولسة أو «المدوَّريَّة» وهي التي تمنح فقط إلى كبار المشايخ الثقات الذين أمضوا عمراً طويلاً في العبادة وخدمة الموحدين وأظهروا في عملهم الرشد والجرأة والأخذ بالخصال الشريفة للسلف الصالح وخصوصاً في الزهد والتواضع وزجر النفس وحماية الوحدة ومنع الفتن ورص الصفوف في المحن وتقديم الموعظة الحسنة والنصيحة لكل راغب مستجيب والقدوة الصالحة في أسلوب الحياة وفي معارج الزهد والطاعة والعبادة.
ويعتبر الشيخ أبو سعيد آخر حلقة في سلسلة المشايخ المتصلة بالشيخ أبو حسين محمود فرج في منطقة الغرب والذين يمثلون جيلاً مضى الآن من رجالات كبار طبعوا زمانهم وقدموا الأمثولات في التزام الأمر والنهي وتقديم صورة مشرقة عن المسلك التوحيدي وخصاله ومدرسته الزهدية.
وتخليداً لسيرة الشيخ القدوة أبو سعيد أمين ابو غنام أعدّت مجلة «الضحى» هذا الملف الخاص الذي يتضمن تغطية لمسيرته الروحية الحافلة كما تم توثيقها من المجلة وفي شهادات موجزة لبعض المشايخ الأفاضل. أيضاً يتضمن الملف تحقيقاً عن خلوة المونسة في بلدة عرمون ومقالاً يعرض للرجال الصالحين والأبرار الذين أنجبتهم قرية عرمون الزاهرة وجوارها في الأزمنة القديمة والحديثة.

تكريماً لذكرى الشيخ القُدوة أبو سعيد أمين أبو غنام

شيــــخ الحلــــم والطهــــارة

تكــرّس للخلــوة والعبادة وإصلاح النفس منذ شبابــه
فاستحــق العبــاءة المُقلَّمــة وهو في ســــن الـ 22

لازم عَلَـــم عصرِه الشيخ أبو حسين محمــود فــــرج
واكتسب من عمله وفوائده، وربطته رجاحة عقله
بكبار المشايــخ الثقــات في لبنــان وسوريــــــا

كانت له حصافة وحكمة ومهابة جعلت منه مقصداً
للسالكين ومعيناً لهم في أمور دينهم ودنياهــم

ورث عقال الموحدين الدروز منذ نشأة مسلك التوحيد الإرث العظيم لإسلام الفقر والزهد بالدنيا والخلوة والمجاهدة واختاروا طريق الرسول الأعظم وخلفائه الراشدين والصحابة الأبرار من أمثال سلمان وأبو ذر والمقداد والتابعين الكبار من أمثال إبراهيم إبن أدهم والبسطامي والجنيد وذو النون المصري واندمجت سيرة السلف الصالح بثقافة الموحدين الدروز فسعى كبار عقالهم والصفوة من أخيارهم إلى تقليد أولئك السابقين النجباء والأخذ بسيرتهم، فلم يتركوا حالاً من أحوال الزهد والتقشف والتأدب والتواضع والمراقبة إلا وأخذوا بها في مجهاداتهم، فصفت لهم الدنيا واشرقت أنوار الدين في سيماهم وصفا الناس بهم وأنِسوا إلى مجالسهم وصحبتهم واشتهر أمر الكثيرين منهم في الأمصار وكتبت الروايات والملاحم عن تقواهم وصلابة إيمانهم وشجاعتهم وكراماتهم.
هؤلاء الزهاد العارفون لم يخل منهم زمان وقد انتظموا في كل جيل حلقات في سلسلة لا تنتهي فكان كل جيل من العارفين ينقل أمانة التوحيد ومعارفه وخصاله ودستوره إلى الجيل التالي، فبقي مجتمع التوحيد بذلك غنياً ثرياً بهم ، منتفعاً ببركات مسالكهم ونصائحهم وارشادهم، وكان في أوقات الشدائد لائذاً إليهم وإلى حكمتهم وعزيمتهم وأدعيتهم وكم من الظروف الخطرة والملمات الحالكة انقشعت ببركة هؤلاء الصالحين مثلما تنقشع الغيمة السوداء عن أديم الأرض.

طريق الزهد ومجاهدة النفس
ينتمي الشيخ أبو سعيد أمين أبو غنام إلى حقبة المشايخ الذين طبعوا قرناً كاملاً من الزمان من بداية القرن العشرين المنصرم إلى مطلع القرن الحالي، وقد كان من إنعام الله على الموحدين الدروز على مدى الأزمان أن لم يجعل التوحيد كتاباً يقرأ ويحفظ فحسب بل جعله دستوراً معاشاً ومسلكاً يلتزم وتربية ومجاهدة ومراقبة كما جعل للموحدين بينهم مرشدين سالكين عارفين ليهدوهم إلى صراط التوحيد ويسلِّكوهم في قواعده وآدابه جاعلين من أنفسهم قدوة ومثالا في التزام تلك القواعد وتطبيقها، وهذا التطابق بين التعليم والسلوك هو ميزة يعتبرها مشايخ الموحدين العالِمين العامِلين في هذا المشرق قاعدة أساسية لاكتساب الدين، إذ لم ينل أي منهم منزلته بالدرس وسعة العلوم النظرية فقط بل نالوها بالفقر والتذلل لله ومجاهدة النفوس وحياة التقوى والزهد وإشراق المعارف اليقينية. لذلك فإن على من أراد التعرف على حياة التوحيد والاطلاع على أنواره وزينته أن لا يبحث في المعاهد ولا في الدور ولا في الصروح العظيمة بل عليه أن يبحث عنه في أهل التوحيد في الخلوات البسيطة وفي مجالس الذكر والتسبيح بين الساهرين القائمين الليل أهل الصلاح الثقات العازفين عن الدنيا وفتنتها المتعففين المضيئة وجوههم بسكينة التسليم ووداعة الرضا الآنسين إلى الله في كل آن.

ولادته ونشأته
ولد فقيدنا الكبير الشيخ أبو سعيد أمين أبو غنام في مطلع القرن العشرين وبالتحديد في شهر آب من سنة 1914 في زمن شهد نشاطاً كبيراً وحيوية في البيئة الروحية للموحدين الدروز، وشهد على ذلك الإيناع الروحي، العدد الكبير من المشايخ الأعلام أصحاب العمائم المكولسة أو المدوّرية الذين عاشوا في تلك الفترة وازدانت بهيبتهم وعلمهم مجالس الذكر وخلوات العبادة في لبنان وسوريا وفلسطين1. بين هؤلاء المشايخ برز في تلك الفترة الشيخ أبو حسين محمود فرج (1866-1953) في عبيه باعتباره الشيخ العلم القدوة المقدم والمرجعية الأولى للموحدين. كان إسم الشيخ أبو حسين محمود قد ذاع في سوريا وفي لبنان وكانت خلوة الشيخ احمد امين الدين في عبيه وهو احد مشايخ العقل من السلف الصالح وملقب بـ « بو عقلين» قد أصبحت في عهده مقصداً للمشايخ والمستجيبين التائقين لمجالسة الشيخ العلم وتحصيل البركة من قيام الليل والذكر بمشاركته، إذ كانت وفود الزائرين تأتي من المناطق القريبة والبعيدة وبعضهم كان يأتي من فلسطين أو سوريا تجتمع في الخلوة كل يوم جمعة وكان المرحوم الشيخ أمين طريف على صلة وطيدة بالشيخ أبو حسين محمود الذي سيُتَوِّجه لاحقا بالعمامة المكولسة. اما الشيخ أبو سعيد أمين أبو غنام فقد توجه منذ شبابه إلى خلوة عبيه عاقدا العزم على أخذ طريق العبادة والتطهر والاستزادة من المعارف على يد ذلك المرشد الكبير، وقد أحبّ المريد الشاب شيخه وتعلّق به وسعى لخدمته كما أن الشيخ نفسه أحب تلميذه النجيب ولمح فيه علامات النباهة والتكرّس وعلو الهمة في طلب المعرفة والأخذ بخصال التوحيد وآدابه التي كان يراها في شيخه الذي اكتسب صفة السيد بين المشايخ الكبار الذين كانت تزدان بهم المجالس وسهرات العبادة والذكر. وقد اشتهر الشيخ الراحل بتوقيره الشديد للشيخ أبي حسين محمود فرج وملازمته قدر الإمكان ولم يزل يعتبره المثال الأرقى والقدوة الأسمى، وكان كثير الحديث عنه وعن مآثره ومواعظه وخصاله مستشهداً بأفعاله وسيرته، وكان من عادته إذا زاره الشيخ أبو حسين محمود أو ضاف في بلدته أن يرافقه إلى أطراف البلدة لوداعه هناك تقديراً لشخصه الطاهر.

“كم من الظروف الخطرة والملمات الحالكة انقشعت ببركة هؤلاء الصالحين مثلما تنقشع الغيمــة الســـوداء عن أديم الأرض”

الشيخ-أبو-سعيد-أمين-أبو-غنام-في-شبابه
الشيخ-أبو-سعيد-أمين-أبو-غنام-في-شبابه”

شيخا مُكمَّلا في سن الـ 22-23
أصبح الشيخ أبو سعيد من المقربين إلى مرشده الشيخ أبو حسين محمود فرج وقد استلهم من سيرته وتعليمه الجد والتفاني في طريق الدين ومجاهدة النفس وظهرت ثمار كفاحه واستفادته من المشايخ في ما اشتهر به من ورع وتواضع وحلم وأناة ودماثة في الطباع وحصافة وحكمة ووقار ومهابة جعلت منه مقصداً للسالكين ومعيناً لهم في أمور دينهم ودنياهم نصحاً ووعظاً وإصلاحاً. وبسبب اشتهار أمره وفلاحه رأى الشيخ أبو حسين محمود أن يُكمِّله بتكريمه بالعباءة البيضاء المقلّمة وكان مازال في سن الثانية والعشرين أو الثالثة والعشرين، وهذا لا يحصل إلا مع من يكرمه الله بميزات الرشاد والتمييز والتقوى وعلو الهمة منذ فتوته وهذه من علامات المصطفين الأبرار.
فالعباءة البيضاء المقلّمة بالأسود هي العلامة الظاهرة على استكمال المريد لمسلك الاستقامة في الدين ومجاهدة النفس والعمل بآداب التوحيد والتخلق بخصاله، وهو ما يؤهله لأن يكون من تلك الصفوة التي تمثل حصن الدين والجماعة ونبراسها وملجأها في الملمات.
إن العباءة البيضاء المقلمة وكمال الوجه هما تتمة لمسلك روحي شريف يقتضي على الموحدين التمسك به وتوقيره وإزجائه الاحترام الذي يستحق.
في مجلس الشيخ أبو حسين محمود فرج وغيره من المجالس الزاهرة تعرّف الشيخ أبو سعيد على المشايخ الأعلام الآخرين وأقام صلات المودّة وأخوة الدين معهم وأخذ من خبرتهم وعلمهم الواسع كما انجذب إلى مسلكهم وحكمتهم وتعليمهم ومن هؤلاء الشيخ أبو محمود سليمان عبد الخالق والشيخ أبو علي مهنا بدر (خلوات البياضة) والشيخ أبو حسين يوسف أبو ابراهيم والشيخ أبو حسين محمود دربيه في لبنان والشيخ أبو حسين محمد الحناوي والشيخ أبو حسن يحيى الخطيب والشيخ أبو حسين محمد عبد الوهاب في سوريا. وربطت الشيخ أبو سعيد علاقة وطيدة مع المرحوم الشيخ أبو محمد صالح العنداري الذي كان رغم مرضه يحرص على زيارته في عرمون وهو في طريقه الى مستشفى الجامعة الأميركية للعلاج، ومع المرحوم الشيخ ابو سعيد حمود حسن من البنيه جد شيخ العقل الحالي.
يقول أفراد عائلته إنهم لم يشعروا يوماً بأنه غاضب بل أظهر على الدوام حسن الخلق وطول البال وجبر الخاطر وليونة غير موجودة عند الكثير من الناس، وكان على قدر ما يكون الانسان غاضباً عندما يتحدث الى المرحوم يزول غضبه على الفور.
ومن صفاته انه رغم تقدّم سنه كان يصرّ على خدمة نفسه عاملاً بمبدأ رفع الكلفة رافضاً أن يفعل أحد شيئاً لأجله، واذا قام أحد أفراد عائلته بواجب تجاهه كان يظهر له على الفور آيات الشكر والإمتنان. .

” كان في عبادته ملازماً بيته ولم يخرج للناس كثيراً حتى في زيارات دينية فكانت خلوته بيته ومســـجده ومحــراب تزَهُّدِه ومجــاهدته “

مع المرحوم الشيخ أبو محمد جواد
مع المرحوم الشيخ أبو محمد جواد

اهتمامه بالتعليم الديني
كان وعظ الشيخ ابو سعيد مؤثراً رقيقاً ودقيقاً وحازماً في الأوامر والنواهي وكان يشير في كلامه إلى ابتلاءات العصر وينصح مريديه من شباب عائلته وزائريه (حيث كان يقصده الكثير من الشباب من الاردن وحلب وحضر في سوريا) بملازمة الخوف باعتباره «منجاة من الزلل وعصمة لجميع العالمين ولي». وكانت عبارة «رأس الحكمة مخافة الله» ملازمة غرفته. وكان يقول: «لو خاف المرء من الله مثل خوفه من الناس كان ولياً» وكان يتعجب من مداراة الناس لكل قوي في الأرض وتفريطهم في أمر المولى القوي العزيز الحاكم القهار، وكان يشدد في وعظه على اجتناب المال أو الرزق الحرام، وذكر بعض المقربين أن أحد أحفاده طلب مرة رأيه في نيته أخذ قرض من البنك فكان جوابه له سريعاً قاطعاً: «لا تدخل الحرام الى بيتنا».
كان الشيخ الراحل محباً كاتماً للسر ناصحاً برقة ورأفة مسامحاً واسع الصدر صاحب بصيرة وفراسة موجزاً في كلامه مع فصاحة ودقة وكان حسن الاستماع يصغي بإهتمام لوجهة نظر الطالب ومراده ثم يقوم بإرشاده وفق ما يلمحه فيه من استعداد وقبول لكن مع التركيز دوماً على الأوامر والنواهي وأهمية الإستقامة في السلوك كشرط للتقدم في طريق الحقيقة والدين، وكان بارعاً في استخدام الأمثال والقصص وسير الصالحين كوسيلة للتعليم والتوجيه، لكنه كان يعطي كل إنسان على قدر طاقته الاستيعابية، فقلب اللبيب يتغذّى من أدنى إشارة، وكانت حكمته الواسعة وأناته وتعامله الصائب مع كل ظرف إحدى أبرز الصفات التي اشتهر فيها. وبالنظر إلى الإقبال المتزايد على مجلسه وتزايد عدد الطالبين في أسرته وعائلته فقد سعى الشيخ أبو سعيد أمين بمساعدة أصحاب الأيادي البيضاء في مجتمعه إلى تشييد خلوة تعليمية جعل منها باباً لتعليم العلوم التوحيدية على يد مشايخ لهم مكانتهم الدينية.

إعراضه عن السياسة
من الأمور التي عرفت عنه إعراضه عن السياسة والأمور العامة الدنيويّة وانصرافه للعبادة والخلوة، وهذه من خصال المشايخ الموحدين الذين يعتبرون السياسة وأدرانها من خلاف وغضب وشهوة سلطة وفساد نية وقول وفعل من أخطر قواطع الطريق بل هي في نظرهم من الخطورة بحيث يجب على أي سالك حصيف أن يفرّ منها كما يفرّ من النار. لكن بقدر إعراض المشايخ الموحدين عنها فإنهم يجتمعون كالبنيان المرصوص عندما تتعرض الطائفة المعروفية لأي تهديد، إذ تراهم عندها يهبون هبة رجل واحد من أجل حفظها ورد غائلة العدوان عنها.
ومن المواقف التي تروى عنه أنه بعد مصادمات أيار 2008 المؤسفة قصده وفد من علماء الطائفة الشيعية الكريمة للصلح والتوافق بين الدروز والشيعة فاستقبلهم ببشاشة وترحاب إلا أنه لاذ بالصمت لبعض الوقت بعد ان كلَّف بعض الإخوان للقيام بواجب الترحيب ثم اردف جملة إلى الضيوف إذ قال: «إنا خلقنا لكم عقلاً ومعرفة وتمييزاً لتدفعوا به الضرر وتستجلبوا به النعم» .
تواضعه الجم
من محامد الشيخ الفقيد التي ورثها بصورة خاصة عن مرشده الشيخ أبو حسين محمود فرج التواضع الجم وكره الشهرة وحب الخلوة فكان في عبادته ملازماً بيته على الدوام ولم يخرج للناس كثيراً حتى في زيارات دينية فكانت خلوته بيته ومسجده وموضع عبادته ومجاهدته، ومنها مثلاً عندما أصرّ المرحومان الشيخ أبو حسين إبراهيم أبو حمدان (مٍيمس) والشيخ أبو علي مهنا حسان (حاصبيّا) شيخا البيّاضة الشريفة في تلك الأيام على الشيخ بالقدوم إلى البياضة للتعبد هناك، فذهب ومكث أسبوعاً واحداً فقط، نزولاً عند خاطرهم ثم عاد بعدها الى داره وسلكه الثابت.
كان الشيخ الراحل لفرط تواضعه عندما كانوا يطلبون رأيه في أمر ما يفضل دوماً الشورى والاستئناس برأي المشايخ في الأمور ولاسيما المهمة منها، وكان موقفه هذا نتيجة ليس فقط لتواضعه بل لخشيته من كل خاطر عجب مهما كان صغيراً حتى عندما كان يرى في فكره رأياً في مسألة تهم الموحدين فإنه لم يكن يبديه أو يبدأ بطرحه أو اقتراح الأخذ به، بل كان يطلب من المشايخ رأيهم فيه حتى إذا اتجه الجمع بعد التشاور إلى ما يعتقد أنه الرأي الصواب وافقهم عليه، وإلا فإنه كان عند الحاجة يعرض رأيه بصيغة النصيحة تاركاً للجميع أمر الأخذ به أو عدم الأخذ به، لكنه كان بسبب رجاحة عقله وثقة المشايخ والناس بحكمته يحصل دوماً على موافقة الجميع، وقد بقي الشيخ أبو سعيد أمين على هذا النهج من التواضع وتمسكه بتقليد المشورة بعد تتويجه بالعمامة المكولسة وارتقائه بالتالي إلى صفوف أعيان مشايخ الهيئة الروحية لطائفة الموحدين الدروز.

صبره على المكاره
تميّز الشيخ المرحوم بالصبر على المكارِه وهو ما يشهد عليه عدد كبير من المشايخ ومن معاصريه والمقربين منه، فكان يصطبر على ألم المرض حتى لا يكاد يظهره أو يلفت نظر أهل بيته المقربين إليه. ومما يُروى عنه أنه أصيب بمرض بعد أيام من تتويجه بالعمامة المكولسة وبلغ أمر مرضه الشيخ العلم الزاهد أبو حسين محمد الحِنّاوي في سهوة البلاطة في سوريا. اتصل الشيخ الحِنّاوي للاطمئنان على صحته وفي الوقت نفسه المباركة له بالعمامة المكولسة وقد جرى بين الاثنين حديث دلّ على عمق المودة بينهما كما دلّ على تقدير الشيخ الحِنّاوي لصبر الشيخ أبو سعيد على المرض وقد توجه إليه بكلام نوه فيه بصبره على الشدائد ومما قاله على سبيل الوعظ: «فالصبر على الشدائد يفيد المؤمن الفوائد وحصول الدرجات ونيل الثواب» .

تتويجه بالعمامة المكولسة
في الرابع من تشرين الثاني 2006 حضر الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين رئيس الهيئة الروحية آنذاك إلى منزل الشيخ أبو سعيد أمين في صوفر لغرض تتويجه بالعمامة المكولسة تقديراً له على حياة مديدة أنفقها في العبادة والصلاح والإصلاح وكان قد قصد خلوة الشيخ أمين الصايغ (أطال الله بعمره) للغرض نفسه وقد رافق المرحوم الشيخ أبو محمد جواد عدد من المشايخ الثقات من عاليه وبيصور وبطمة والمنطقة، لحضور المناسبة والمباركة للشيخ أبو سعيد الذي كان بلغ 91 عاماً. يومها قال الشيخ أبو محمد جواد مخاطباً الحضور: «اللّفة (العمامة المكولسة) ما بتكبّرو وهويّ بيكبّرها وبِفلْ مبعود إذا ما بيقبلها». وكان قصد الشيخ الجليل يومها الإلحاح على الشيخ الزاهد بقبول العمامة المكولسة وقد بلغ في ذلك «وضع الحد» عليه وهو ما يشير إلى أن الشيخ بسبب تواضعه المعروف وكرهه للشهرة كان ربما يميل لأن يعتذر عن قبول العمامة المكولسة، وهو ما يفسر لهجة الشيخ أبو محمد جواد في الإلحاح عليه إلى حدّ إلزامه (وهو أعلى مرجع روحي في الطائفة) بقبولها. يومها أفاض الشيخ أبو محمد جواد في الشهادة للشيخ ابو سعيد بما هو أهل له وقابله التواضع والاعتراف والتذلل من الشيخ المحتفى به.

سماحة-شيخ-العقل-يؤمّ-صلاة-الجنازة-في-مأتم-المرحوم-الشيخ-أبو-سعيد-أمين-أبو-غنام
سماحة-شيخ-العقل-يؤمّ-صلاة-الجنازة-في-مأتم-المرحوم-الشيخ-أبو-سعيد-أمين-أبو-غنام

وفاته رحمه الله
توفي الشيخ أبو سعيد في 18 كانون الأول 2013 عن عمر ناهز الـ 99 عاماً وقد نعته طائفة الموحدين الدروز بهيئتها الروحية ومشيخة العقل وقيادات الطائفة ونوابها وفاعلياتها وعموم أبنائها، وكان له مأتم مهيب شاركت فيه القيادات الروحية والسياسية والامنية وجمع غفير من رجال الدين وشخصيات وفاعليات وهيئات حزبية واجتماعية ومدنية.
وقبيل الصلاة على جثمانه الطاهر ألقى شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن كلمة جاء فيها: “بالرضى والتسليم لمشيئته تعالى، نودع اليوم شيخاً فاضلاً كريماً، عيناً من اعيان زماننا، وعلماً من الأعلام الشاهدة على الرسوخ في السبيل القويم والنهج السليم، ونفحأً عطراً طيباً من نفحات أهل التوحيد والسلف الصالح الذين بذلوا في الله مهجتهم، فعمّت في البرايا بركتهم، وعلت بالحق كلمتهم.” وتوجّه بالرحمة للشيخ الجليل، ثم امّ الشيخ حسن الصلاة على الجثمان حيث ووري إلى جانب خلوة العائلة الدينية.
رحمك الله وأثابك عن الموحدين المسلمين يا شيخ الطهارة والتقوى والاستقامة، والضراعة إلى الله تعالى أن يجعل مثالك المضيء قدوة ومثالاً ونبراس هداية لجميع المؤمنين عبر الأجيال.

[su_accordion]
[su_spoiler title=”ش. سامي أبي المنى” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

نجمٌ من الغرب

رثاء العلم المبين والثقة الأمين الشيخ أبو سعيد أمين أبو غنّام رحمه الله

مقام-الشيخ-أبو-سعيد-أمين-أبو-غنام
مقام-الشيخ-أبو-سعيد-أمين-أبو-غنام

نَجمٌ من “الغرب” في الأرجاء قد سَطَعـا فَشَـعَّ في الشرق وهجٌ منه وٱلتمعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
باهَـــــــــــــــــــــــتْ به “عَرَمـونُ” الغربِ أجبُلَهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا طَوداً عَلا من “أبي غنـــــــــــــــــــامَ” وٱرتفعــــــــــــــــــــــــــــــــــا
“أبـو سعيــدٍ” “أميـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــنٌ” طـــــاهرٌ عَلـَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمٌ في دار سَعْدٍ نمـا كالنُّــــــــــــــــــــــــــورِ وٱتّسَــــــــعــــــــــــــــــــــــــــــــــا
فزادَهــــــــــــــا عِــــــــــــــزّةً مـــن عِـــــــــــــــــــــــــــــــــزِّه، وغَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدَا مِثـالَ خيــــــــــــــــــــــــــرٍ، لأهـــــــــــــــــــــــــــلِ الخيـــــــــــــــــــــــــــر،ِ مُتَّبَــــــعـــا
أيـــــــــــــــــــــــــــا كبيـــــــــــــــراً، سقــــــــــــــاكَ اللهُ حكمـــــتَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه فمـا ٱرتويــــــــــــــــــــتَ، ولَمّـا تَعــــــــــــــــــــــــــرفِ الشــــــــّبَعـــــــــــــا
ومـا طمِعــــــــــــــــتَ بغيـرِ الحــــــــــــــــــــــــــــــقِّ، تطلُبُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه شوقاً وإن كنتَ لا تستحسِنُ الطّمَعـــــــــــــــــــــا
ويـا مُحِبّــــــــــــــــــــــــــــــــــاً، تجلّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى فـــي محبّتـــــــــــِــــــــــــــــــــــــــــه معنىُ الحيـاة، فكان المُخلصَ الوَرِعـــــــــــــــــــــــــــــــــــا
زرعتَ جُهداً فطابَ الزَّرعُ، يحصُــــــــــــــــــــــــــــدُه بفرحة القلبِ مَن في عُمرِه زَرَعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
وكــــــــــــــان أوفـاه جَنيــــــــــــــــــــــــــــــــــاً، بــــــــــــــــــــــــــل وأطيبَـــــــــــــــــــه، غــــــــــــــذاءُ روحٍ، من التوحيــــــــــــــــــــــــد قد جُمِعا
نشـــــــــــــأتَ يا عاشــــــــــــــــــــــــــقَ التوحيدِ من صِغَــــرٍ كبِــــــــــــــــــــــــــذرةٍ، لُبُّهــــــــــــــــــــــــــا في الأرضِ قد وُضِعا
فـــــــــــــي أرضِ أرقـــــــــــــى أميـــــــــــــرٍ سيِّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدٍ دَرَجَ الـــشيخُ الأمينُ، وفي ذاك العَرينِ سَعَــــــــــــى
من علمِــــــــــــــــــــــــــه غُــــــــــــــــــــــــــذِّيَـتْ أركانُــــــــــــــه شــــرَفــــــــــــــاً، من سرِّه العذبِ ســــــــــــــــــــــــــــــــرَّ الحقِّ قد رَضِعا
حتى بَدَا النُّضجُ في تلك الثِّمارِ، وقـــــــــــــد ذاقَ المُريدُ لذيـــــــــــــــــــــــــــذَ الطَّعـــــــــــــــــــــــــــــمِ وانتفعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
ما أطيبَ العَيشَ في التوحيدِ، دوحتُــــه تُحيــــــــــــــي القلوبَ وتَشفـــــــــــــي الداءَ والوَجَعــا
يا سيِّدي الشيـــــــــــــخَ ما أغنـــــــــــــاكَ، مُكتَفيـــــــــــــِـاً بمــــــــــــــــــــــــا ﭐغتنيتَ بـــــــــــــه عن زُخـــــــــــــرُفٍ لمَعَـــــــــــــــــــــــــــــا
يا سيّـــــــــــــدي الشيـــــــــــــخَ ما أصفاكَ، مُرتقيـــــــــــــاً إلى السـلامِ،بعــــــــــــــــــــــــــين القلــــــــــــــــــــــــــبِ مُطّلِعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
بالحــــــــــــــــــــــــــبِّ تَقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرَعُ بـــــــــــــابَ اللِه، مُبتهــــــــــــــــــــــــــِـــلاً وهكـــــــــــــذا يدخــــــــــــــلُ الأبــــــــــــــوابَ مَـــــــــــــن قَرَعَـــــــــــــــــا
دخلتَهـــــــــــــا مِن خصــــــــــــــــــــــــــالٍ فيــــــــــــــــــــــــــــــــك ناضجـةٍ ومن طِبـــــــــــــــــــــــــــاعٍ،بهـــــــــــــــــــــــــــا إيمانُكـــــــــــــــــــــــــــم طُبِعـــــــــــــــــــــــــــــــــا
بشاشــــــــــــــةُ الوجـــــــــــــــــــــــــــه تُنبـــــــــــــي عن محبّتكــــــــم ولطفُكـم كــــــــــــــــــــــــــلَّ همِّ النّــــــــــــــاسِ قد وَسِعَــــــــــــــــــــــــــا
أنوارُكـــــــــــــم في ظــــــــــــــلامِ الليــــــــــــــل مُرشِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدةٌ والصــــــــــــــوتُ همـــــــــــــسٌ ولكـــــــــــــنْ يبلُـــــــــغُ السّمَعَا
ولستُ ألمسُ غيرَ الطُّهــــــــــــــــــــــــــرِ من يدِكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم ولا أشـــــــــــمُّ ســــــــــــــــــــــــــوى ِالأُنس الذي وُدِعَـــــــــــــــا
في نهجِكــــــــــــــــــــــــــم منهــــــــــــــــــــــــــجُ العُبّـــــــــــــادِ، سيرتـــــــــــــُه تَروي المُحِـــــــــــــبَّ بِمـــــــــــــا مِن طُهرِكـــــــــــــم نَبَعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
وفـــــــــــــي رِضاكُـــــــــــــم وفي التّسليـــــــــــــمِ مدرســـــــــــةٌ تَعلَّــــــــــــــــــــــــــمَ النّـاسُ منهــــــــــــــــــــــــــا الصّبـرَ والوَرَعــــــــــــــــــــــــــا
طُوبـــــــــــــى لكـــــــــــــمْ ســــــــــــــادتي، نلتُم شهادتَكم ونالها في خُطاكــــــــــــــــــــــــم مَن سعى وَدعـــــــــــــــــــــــــــا
ألـــــــــــــفُ التَّحيّــــــــــــــــــــــــــاتِ يا روحَ الأميــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــنِ وألـفُ ألـفِ رحمةِ ربٍّ زادَكم ورَعـــــــــــــــــى
من الكـــــــــــــتاب العزيـــــــــــــــــــــــــــز ﭐلروحُ قد نَهــــــــــــــــــــلت من سُنّة المُصطفى الشيخُ الجليلُ وعــــــى
من الأيمّــــــــــــــــــــــــــةِ من ســــــــــــــــــــــــــرّ الثِّقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــات رَوى المديـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدَ وأحيــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ذاتَـــــــــــــــــــــــــــــــــــه ولَعَـــــــــــــــــــــــــــا
من الجدودِ ﭐستمدَّ العــــــــــــــــــــــــــــــــــزمَ من جَبَـــــــــــــــــــــــــــلٍ قــــــــــــــــــــــــــد صارعَ الظُلمَ حتى ذلّ وانصرعـــــــــا
من إرثِ أسَلافــــــــــــــــــــــــــه الأبرارِ، من قِيَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمٍ فيها تحدّى بنـو معــــــــــــــــــــــــــــــــــروفَ مَن طَمِعــــــــــــــــــــــــــا
ومن سنا شيخِنا الشيخِ الجوادِ سنـــــــــــــتْ عمامةُ الطهرِ تاجاً سادَ إذ خضعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
تلـك المكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــارمُ معـيـــــــــــــــــــــــــــــــــارٌ ومُنطَلـــــــَــــــــــــــقٌ مَن لم يعِش في حمى أسرارِها ﭐنقطعـا
حَيّيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتُ في”عرمونَ” اليـــــــــــــــــــــــــــــــــــومَ مدمعَهـا من كـلِّ بيتٍ به خطبُ الأسى وَقعـــــــــــــــــــــــــــــــــــا
كأنــــــــــــــــــــــــــــــــما ذكرياتُ العمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرِ حاضـــــــــــــــــــــــــــــــــــــرةٌ والصخرُ يبكي هنا والغصنُ قد دَمَعــــــــــــــــــــا
ووجـــــــــــــهُ “عاليهَ” دمـعُ “الجُـــــــــــــــــــــــردِ” يُغرِقُـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه لأنّ نجـمَ الرضــــــــــــــــــــــــــــــى من صوبِــــــــــــــــــــــــــه طَلَعــــــــــــــا
والشوفُ والمتنُ والتيمـــــــــــــــــــــانِ في أسَــــــــــــــــــــــــــفٍ ومَن وراءَ الجبـالِ السُّمـــــــــــــــــــــــــــرِ قد فُجِعـــــــــــــــــــــــــــا
واحســـــــرتـاهُ علينـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا، إن هــــــــــــــــــوى عَلَـــــــــــــمٌ أو غابَ عَينٌ، تحمّلنا الهمــــــــــــــــــــــــــومَ معــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
نبكــــــــــــــــــــــــــــــــي عليــــــــــــــــــــــــــكَ، وفي أعماقِنــــــــــــــــــــــــا ألــــمٌ وأنت تمضــــــــــــــــــــــــــــي إلى مثــــــــــــــــــــــــــواكَ مقتنعـــــــــــــــــــــــــــــــــــا
عليـــــــــــــكَ رحمــــــــــــــــــــــــــةُ ربِّ الكـــــــونِ هاطلـــــــــــــــــــــــــــــــــةٌ فاهنأْ بفوزٍ، بختـــــــــــــمِ الحـــــــــــــقّ قد طُبِعــــــــــــــــــــــــــــــــــا

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”ش. ماجد أبو سعد” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

نــــــال شــــــــرف العبوديــــــــة
لعــــزّ الحضــــــــرة الإلهيــــــــة

مما ذكره الشيخ ماجد ابو سعد في وداع المرحوم الشيخ ابو سعيد امين ابو غنام.

بسم الله الرحمن الرحيم
الرضى بقضاء الله: قَالَ تَعَالىَ في سورة الفجر «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي»صدق الله العظيم، انه نداء الحق تَعَالىَ للنفس المؤمنة. الموقنة المصدقة بلقائه، يبشرها مولاها بالانتقال من خبر اليقين بتصديق الوعود في الدنيا، الى عين اليقين في اليوم الموعود في الآخرة، لتسعد سعادةً دائمة بلقائه، بعد ان اشتاقت في دار الخدمة للقائه، وهذا هو حال نفس شيخنا الجليل الطاهرة الشيخ ابو سعيد امين ابو غنام اشتاقت للقاء مولاها في الدار الآخرة.

نشأته: نشأ المرحوم الشيخ منذ صغره على الخير والورع، متابعاً مجالس الذكر، فبرزت نفسه الى ميدان السباق، مشمّرة في الجدّ عن ساق، وسهرت عينه في طاعة الله مجاهدة، وبكت من خشية الله محاسبة، وغضّت عن محارم الله مراقبة، فنالت نفسه المنازل العالية، وحُرِّمت عليها نار العذاب الباقية، لذتُها الانس بمشاهدة الجلال، كما وعد العلي المتعالي.

مسلكه: قال تعالى:إنما يؤمن بآياتنا الذين اذا ذكّروا بها خرّوا سُجدَّاً وسبّحوا بحمد ربّهم وهم لا يستكبرون (السجدة 15)، وفي هذه الآية الكريمة خصال، تجمَّعت في شيخنا الجليل المفضال، من ركوع الخشوع، وسجود الخضوع، والتذلل والتضرّع لمولاه، فكان انسه القيام في جوف الليل، والدعاء والإستغفار، في ظلمة الإسحار، وخوف محرق، وشوقٍ مقلق، وعطف ولطف ونصح للاخوان، وهل جزاء الإحسان الا الإحسان «ولمن خاف مقام ربّه جنتان».

خوفه: رأس الحكمة مخافة الله، عبارة كانت ترافق شيخنا السّعيد مستحضراً قوله تَعَالىَ في كتابه المجيد: لمن خاف مقامي وخاف وعيدِ.(ابراهيم 14). كانت لاخوانه ومريديه مدرسةً في بذر الخوف في القلوب وتربية المهابة في النفوس، وبالتالي فلا ينال حقيقة الكرامة في دار السرُور، إلاَّ مَنْ خاف وأبى وهم الكرامة في دار الغرور.
تواضُعُهُ: ملأ قلب شيخنا الفاضل التواضع خضوعاً للعزَّة الإلهية، فنال شرف العبودية لعزّ الحضرة الإلهية، وكرامة التقوى، وعزَّ الآخرة، فصار منارةً في تواضعه ووقوفه بنفسه عند قدرها، وعدم الإغترار بجاه الدنيا المنقرض.

تتويجه: عندما تكرم المرجع الروحي شيخ الزهد والورع والعفاف المرحوم الشيخ ابو محمد جواد ولي الدين بالعمامة المكولسة، ارتسمت في عيني شيخنا الخاشعتين دمعتا اعتذار، وفي لسانه العفيف الإعتراف والإستغفار، وفي قلبه الخاضع الدُعاء والإفتقار وهو يعلم ان العمامة كمالٌ ظاهر، وهو ظلُّ ورمزٌ لكمالٍ باطن، لِمَنْ اصلح سريرته، ونقَّى طويَّته. كما كان شيخنا التَّقي قد تصفَّى من كل كدر، فهيَّأ نفسه التقية لمشاهدة الجلال، وينتظره مع من سبقه من الأبرار، في دار الكرامة الكبرى، ما لا اذن سمعت ولا عين رأت ولا خطر على قلب بشر.

حِلْمُهُ: كان شيخنا الكبير القدير ملك حليمٍ في قهره لغضبه، وأسره لهواه. كما جاء في الحديث الشريف: «من كظم غيظه وهو قادرٌ على انفاذه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضىً». وقال الصادق الأمين:« إن هؤلاء في أمتي قليل الا من عصمه الله». وشيخنا الجليل من ذاك القليل من الصفوة. قد انكشفت له معاني الأسماء الرفيعة، والصفات الجليلة انكشافاً جليّاً يجري مجرى اليقين، فانبعث شوقه الى ذاك الأفق الأعلى، الى الجمال المقدَّس والجلال المعظَّم.

خاتمة: ان شيخنا السّعيد كم نغبطه على عمرٍ مديدٍ قارب المئة عام قضاها طاعة وجهاداً، ويقظةً واستعداداً، وورعاً وسَدادًا، قدمها قرباناً على مائدة الكرم السماوية العليا، وهو يرى ذلك قليلاً في تحصيل السعادة الأبدية القصوى، ونيل رضى المولى. فأقبل بوجهه عليه، ووفد بحسن ظنه اليه، ونفسه المباعة أنَفس القرابين التي قدمها بين يديه، خالصة من عيوب الرياء، مطيبة بأعمال الصفاء، مطهَّرة بنوايا النقاء، متوجّهة نحو قبلة الرجاء، مذكَّاةً بتسمية الولاء، مصدقة بوعد العفو والغفران، ونيل جميل الإحسان، في مقعد صدقٍ عند المليك الديان، الذي قال في محكم القرآن:كلا ان كتاب الأبرار لفي علييّن وما أدراك ما عِليُّون كتاب مرقوم يشهده المقرَّبون.(الآية 18-19-20-21 المطففين)

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”ش. منذر عبد الخالق” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

الشيخ أبو سعيد أمين أبو غنام رحمه الله

كلمات في سيرة روحية حافلة

ودعنا في الشهر الفائت علماً من أعلام طائفة الموحدين، وعيناً من أعيانها الأماثل، شيخنا الفاضل الشيخ أبا سعيد أمين أبو غنام، وقد أمضى حياته على الطريق المستقيم والنهج القويم آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر طائعاً لباريه محباً لإخوانه، مواظباً على تلاوة الكتاب العزيز وافياً بشروطه عاملاً بأحكامه السمحاء قائماً بالفرائض التوحيدية، محافظاً على المسالك الدينية العصماء، مقتنعاً بمبادئ الأسلاف الشريفة وتقاليدهم العريقة مقتفياً لآثارهم الغراء.
ولد الشيخ أبو سعيد أمين أبو غنام في بلدة عرمون – الغرب، سنة 1914م في بيت وُسم بسمة الدين وعائلة عرفت بكثرة الملتزمين في المسلك التوحيدي، فنشأ منذ نعومة أظافره نشأة صالحة وتعلّق بأهداب الدين فتى يافعاً يعمل دائباً بهمة ونشاط مساعداً أهله على تحمل أعباء العيش وشظف الحياة، وعندما بلغ مبلغ الشباب أخذ يهتم بدراسة الكتاب العزيز ويصرف معظم أوقاته بين أوراقه وصفحاته متفكراً في مضمونه وآياته، متعمقاً في معانيه وإشاراته، مواظباً على التلاوة والترتيل في ليله ونهاره وصبحه ومسائه مداوماً على مجالسة الشيوخ الكبار من عائلته متعلماً منهم مقتبساً من فضائلهم سائراً على مسلكهم مستفيداً من وعظهم وإرشادهم مهتماً بكل ما يسدون له من النصح، حتى غدا على جانب كبير من العلم ينظره الجميع بنظرة الإحترام ويتوقعون له مستقبلاً زاهراً. وعندما شعر أنه بحاجة الى التوسع والإستزادة في العلم، اتجهت أنظاره الى خلوة الشيخ أحمد أمين الدين المزدهرة في بلدة عبيه، والمتألقة بوجود سيدنا الشيخ أبي حسين محمود فرج، فصحبه مدة من الزمن مرافقاً له في حَلِّه وترحاله متأدباً بآدابه ناهلاً من فيض علمه، متأثرا بمسلكه وخشوعه ومراقبته، والتزامه الوضوح والدقة في كلامه، متقيداً بالقيود الصارمة في لحظه ولفظه وسائر حركاته وسكناته، فأصبح من تلاميذه النجب المياومين الذين اتسعت لهم في التوحيد أفسح الميادين.
سمت همة الشيخ أبو سعيد وارتفع قدره وأصبح من المشايخ المميزين في بلدته ومنطقته يعينه على ذلك عزم متوقد وفكر متجدد، وقوة جسدية تعينه على قضاء حوائجه في دينه ودنياه، فجاهد وعمل بكل قواه على صقل نفسه بالعلوم التوحيدية، فاستنار عقله الصافي بأنوار الهدى واليقين، واشتغل على تهذيب جوارحه وتقييدها بقيود الورع، مستسهلاً التعب والنصب والمشقات ، مقبلاً على الأوامر والفرائض، مدبراً عن المحارم والنواهي، مخلصاً في سره وجهره معتصماً بالصبر واليقين، فعلت منزلته وأصبح منزله محجة للقاصدين وملتقى الزوار الوافدين، فيلتقيهم بوجهه البشوش مرحباً بهم بأرق العبارات والألفاظ، باذلاً لهم أقصى ما يستطيع من الكرم والجود ومحياه طافح بالبشر والفرح والغبطة، فكثرت أصدقاؤه وخلانه وتضاعف محبوه وإخوانه، وازداد برّه وإحسانه للقريب والبعيد واشتهرت أياديه البيضاء التي عمّت جميع المناطق، فشاع خبره في جميع البلدان وانتشر ذكره في مجالس الأعيان مما أهله أن يكون من أصحاب العمائم المدوّرة، تتويجاً لعمره المديد الحافل بالجهاد والتضحية والعطاء، وهذه أبيات مؤرخة عساها تساهم في ايفائه بعض حقه:
بدر أضاء في سماء الغرب فاق عُلىً ســـامي المقام سَنِــيُّ الطهـر والنبــــــــل
بدا جليــــــــــاً ترقـــــــــى في معارجــــه يشـــــــعُّ نوراً ويجلــــــــو ظلمةَ الجهــــــــل
متوَّجــــــــا برفيع من مكـــــارمــــــــــــه يهديــه علم الهدى في الجزء والكـــــــل
مــــزودا بقــــويم من مســــــــالكــــــــه مواكـــبــــا للنهـــى مع راجح العقــــــــــــل
مقلَّــــــــــــــــــدا بوفيــــــــر من عزائمه راقي البصيـــرة زاكي الفرع والأصــــل
مجاهــدا في مياديــــــن الأُلى بطلا مراقبــــا خاشعــــا فــي أقوم السبـــــــــل
مرابطــــــا في حدود الدين مُؤتلقــا وحازما حاسمـــا فـــي الموقف الفصـــل
وآمــــرا ناهيـــــا مستكملا أدبـــــــــا مســدَّدَ الخَطـــوِ فـــــي الترحـال والحَــلِّ
أحب إخوانـــــه الأبرار محتضنـــــا ومحسنا منصفا فــــــي القطع والوصــل
مضى فقيـدا نجيدا مخلصا علما مُخَلِّفـــا غُصصا فــــي مُهجـــة الأهـــــــــل
ثـــوى كريمـــا جليـــلا سيدا ثقـــــــة ً يرجـــو ثواب ولـــــــــي الأمـــــر والفعـــــــــل
في جنّــــة الخلد لاقى وجه خالقـــه مسلمــــا راضيـــا فـــــي واحـــة العـــــــــدل
أحيـــى تراث أبي غنــــامِ أرَّخَـــــــــــــهُ أبــــو سعيـــدٍ أميـــنٌ مَعقــــِل الفضـــــــــــــل
سنة 1435 هجرية

[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”عزت عبد الخالق” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

المرحوم الشيخ أبو سعيد أمين قبل تتويجه بالعمامة المدوَّرِيّة
المرحوم الشيخ أبو سعيد أمين قبل تتويجه بالعمامة المدوَّرِيّة

من أبرز الصفات التي اتصف بها المرحوم الشيخ أبو سعيد أمين أبو غنام الأخلاق العالية ورجاحة العقل والأناة حتى أصبح يُضرب به المثل ويقال لمن يقوم بهذه الأعمال من أبناء المجتمع الديني “كأنه الشيخ بو سعيد أمين”. وهكذا استقرت نفسه الطاهرة على هذه القاعدة من الأخلاق الحميدة، ولم يُذكر مرة أن فارقت الابتسامة ثغره، أو نظرة الحنان والرأفة والمحبة وجهه. أما الغضب وعلاماته والتعابير التي تصدر عنه وما ينتجه من أساليب قاسية في التعاطي، كلها لم تعرف أي سبيل الى نفسيّة الشيخ المرحوم أو طريقة تعاطيه في حياته أو علاقاته الاجتماعية، بل كان كلامه دائماً عذباً ومعبراً عن القيم التي آمن بها قلباً وعاشها مسلكاً.

أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر
لم تكن الأخلاق العالية، وان كانت السمة البارزة في شخصية الشيخ، منفصلة عن سواها من الفضائل، بل كانت جزءاً لا يتجزأ من القيم المتكاملة المتجسدة في نفسه المليئة بالايمان، منصبغة بصبغته الروحانية، والتي كان عمادها الدائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر منجبلاً في طينته الطائعة لخالقها، القائمة بالفروض والواجبات، اذ كانت الفضائل التي تلّف نفسه الروحانية ثمرة هذه الطاعة والإنقياد التلقائي لما أُمر به ونُهي عنه حتى لازمت حياته أينما حلّ وأينما ارتحل وأصبح صورة حيّة عن فضائل التوحيد وقيمه… أو على هذا الأساس المتين في التزامه الخاص، كان اشعاعاً في محيطه وبين عارفيه وفي مجتمعه، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ولا يترك الأمور تسير بدون ضوابط ومعايير، عاشها في ايمانه وتصرفاته لحظة بلحظة، وبثها في نورانيته الصادقة بأسلوبه اللطيف وتعابيره السلسة وقلبه المحّب وابتسامته المعهودة، فتلقاها المجتمع بطيبة خاصة وسلك بها مسلك الصراط المستقيم، إذ لا خلفيات لهذه الأوامر سوى الامتثال للمرسوم الشريف والأخذ بالتعاليم الشرعية ليدرك الغاية الانسانية وصولاً الى الغرض الشريف الذي تتحقق به كرامة الانسان، بعيداً من المعاصي والموبقات وما يلوّث النفس البشرية بالمخالفة لوصايا الله التي تؤدي بالبشرية الى الإنسفال سواء على صعيد الفرد أو المجتمعات وتجّر التناحر والنزاعات.

إصلاحه بين الناس
كان الكثير من الناس يقصد الشيخ لاستشارته في ما يواجهونه من صعوبات ومشاكل تعترض حياتهم وتسبّب التباعد ونقص التواصل السليم وأحياناً التنافر والخلافات، فيرشدهم بما هو علاج شاف لهذه الأمراض النفسيّة والاجتماعية، لأن رأيه صاف ومجرد ومن وحي الايمان والاعتقاد الذي لا يأتيه الباطل ولا يعتريه الخلل، وكان الناس يتقبلون رأيه ووصاياه التي كانت في الغالب وقاية من الخلافات ولقاحاً فكرياً ونفسياً يعزّز الجانب العقلي والديني في الانسان ويعطي الدفع الايجابي، مما يحول دون وقوع الأخطاء ومعالجة تداعياتها السلبية على الفرد والمجتمع.
أما اذا واجه بعض المشكلات الصعبة، والتي كانت كثيراً ما تحصل بين الناس بسبب التعقيدات وتشابك المصالح الدنيوية والاجتماعية، فكان شيخنا الجليل بما يحمل من ايمان عميق ورأي سديد ولطافة معهودة وفكر ثاقب، لا يألو جهداً من سعيّه المبارك لتقريب وجهات النظر وتوسيع المساحات المشتركة واحقاق الحق والاصلاح العام، وحلّ اسباب النزاعات وتغليب عنصر الحق والخير واطفاء نار الغضب والحقد والحسد بماء الحقائق، وسدّ أبواب الخلاف من سائر وجوهها وأسبابها.
لمع نجمه وسطع وكان القدوة الحسنة والمقصد الأمين وموضع التكريم والإلتفاف حوله والأخذ برأيه في الشدّة والرخاء. وكان في القرن الذي عاش فيه علماً من أعلام التوحيد وقبساً وهاجاً تستضيء به الأفكار والقلوب ومعقلاً حصيناً لقوى الخير وموئلا آمناً ترتاح اليه النفوس، ومن ثمرة أفعاله العقل والحلم والسكون ومكارم الأخلاق، كل ذلك سلماً ومرقاة الى حدّ الانسانية الفاضلة التي أرادها الله لعباده.
هذه كانت شذرات من سيرة شيخ اتصف بالتقى وكان مرجعاً دينياً بارزاً تفتقده طائفة الموحدين الدروز.

 

 

content[/su_spoiler]

[su_spoiler title=”ش. سلمان محمد بو غنام” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””]

قيض الله سبحانه لهذا المذهب الإسلامي التوحيدي عدد كبير من الثقات الاصفياء، أصحاب العقول المدركة والأرواح الطاهرة والبصائر المنيرة ، سادات شيوخ علماء اولياء مخلصين
عمّرت بهمتهم المساجد وأقيمت المجالس وشُيّدت الخلوات وازدحمت مجالسهم بالطلاب المريدين وكان على رأس هذه الكوكبة سيد عظيم حكيم مرشد إمام كبير نقيب بل نقيب النقباء وسيد الأسياد هو المرحوم السيد الأمير جمال الدين عبدالله التنوخي قدّس الله روحه الذي ولد في العام 820 هجرية في عبيه وهو سليل الاسرة التنوخية العريقة الى العديد من الامراء التنوخيين، كما عاش في عصره الشيخ زهر الدين من آل ابي ريدان من بلدة البساتين كما تعرف اليوم.
والجدير ذكره على سبيل التعداد وليس الحصر الشيخ شمس الدين الصايغ الاصل من شمليخ ( بلدة شارون) وانتقل الى عبيه وكان يسكن في منطقة بواردين التابعة لبلدة البنيه وكذلك الشيخ زين الدين عبد الغفار تقي الدين وهو من بلدة بعقلين لكنه سكن في بلدة كفرمتى وتوفي فيها عام 965 هجرية ومدفنه فيها الى يومنا هذا.

المرحوم-الشيخ-أبو-حسين-محمود-فرج-كان-بمثابة-المرشد-الروحي-للشيخ-أبو-سعيد-أمين
المرحوم-الشيخ-أبو-حسين-محمود-فرج-كان-بمثابة-المرشد-الروحي-للشيخ-أبو-سعيد-أمين

كما نذكر الشيخ عساف أمين الدين وله مقام في بلدة عبيه والشيخ احمد امين الدين صاحب الوصية المشهورة بوقف املاكه على نية الخير.
واستناداً لكتاب مناقب الأعيان للمرحوم الشيخ ابو صالح فرحان العريضي نذكر في بيصور الشيخ ابو عز الدين ابراهيم بو حرب(العريضي) والشيخ ابو يوسف ضاهر ملاعب والشيخ ابو علي اسماعيل حسيكي ملاعب، ومن بلدة عيناب كان الشيخ احمد العنابي.
وفي بلدة كفرمتى نذكر الشيخ ابوعلي مسعود الغريب (الجدّ).
ولا بدّ لنا من ان نذكر صاحب الفضل العميم والقدر الكبير العلم الجليل سيدنا المرحوم الشيخ أبو حسين محمود فرج الأمين السادق الورع التقي وقد خصه الله سبحانه وميّزه عن مشايخ عصره بميزات كثيرة نذكر منها ميزة كلامه وصيانة لسانه مع الصدق التام، وتجنب الحرام والشبهات، فكانت هذه الخصال كما قال عنه ولده المرحوم الشيخ أبو محمد حسين فرج «من الدلائل الواضحة على سمو فضله وعلو مقامه وكبر منزلته».
ومن ميزته أيضاً أنه كان رحمه الله مع قلة كلامه دائم الحرص في مراقبة باريه، شديد الخوف، خاشعاً خاضعاً لعزته وكرامته وغدا بفضل تأييد الله تعالى سيداً ساد على جميع البلدان فغدت خلوته (خلوة عين الشاوي) في عبيه مقصد المشايخ الأعيان وملتقى الطلاب والمريدين يقتبسون من خصاله الحميدة وينهلون من علمه وإرشاده ما يستطيعون، ومن المشايخ الذين لازموا رفقة سيدنا الشيخ ابو حسين فرج نذكر منهم فقيدنا المرحوم الشيخ الجليل أبو سعيد أمين أبو غنام والمرحوم الشيخ القدير أبو علي محمد الحلبي، والمرحوم الشيخ الجليل الشيخ ابو سعيد حمود حسن، والذي ضريحه في منزل سماحة شيخ العقل، والمرحوم الشيخ الجليل ابو داود كامل حسن ، والمرحوم الشيخ الجليل ابو هاني ملحم خداج وله ضريح في منزله ، والمرحوم الشيخ الجليل ابو حسين محمود ملاعب.
وعرمون الزاهرة الزاخرة برجالها عرفت مجموعة كبيرة من المشايخ الثقات المؤمنين الموحدين منذ القدم، المثابرين المجتهدين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر المجاهدين في معرفة الله عز وجل، الراضين المسلمين العابدين القائمين على تلاوة كتابه الكريم، شيوخ كرام بنوا الخلوات وشيدوا المجالس فكان منهم كوكبة كبيرة ساحت في إحياء الدين الشريف، نذكر منهم:

منظر-عام-لقرية-عرمون--2
منظر-عام-لقرية-عرمون–2

 

المرحوم الشيخ جمال الدين بن محمد بن جمال الدين بن يوسف الصايغ المتوفي سنة 1012 هـ – 1603 م وله حجرة في مجلس آل المهتار – عرمون
المرحوم الشيخ الشاب عبدالله ابن الشيخ حسن المعروف بالعرموني والمتوفي سنة 1135 هـ – 1722 م والمدفون في خلوات دير قوبل وله حجرة بناها الأمير بشير بن يوسف بن سليم في 12 صفر 1136 .
المرحوم الشيخ أبو حسن سليمان إبراهيم الجوهري والمتوفي سنة 1166 هـ – 1752 م وله حجرة في مجلس آل الجوهري.
الشيخ المرحوم أبو حسن جمال الدين المهتار صاحب خلوات المونسة عرمون والمتوفي سنة 1294 هـ 1877 م وله حجرة ضمت ولده الشيخ أبو يوسف المهتار باني مجلس آل المهتار.
أما مزار المرحوم الشيخ أبو حسن سليمان الحلبي المتوفي سنة 1325 هـ. فهو يضمّ جثمان نجليه المرحوم الشيخ أبو سليمان محمود والمرحوم الشيخ ابو محمد صالح وحفيديه المرحوم الشيخ ابو امين سليمان والمرحوم الشيخ الجليل أبو علي محمد الحلبي والكائن في ساحة آل الحلبي في عرمون.
وأما مزار المرحوم الشيخ الجليل أبو محمود سعيد أبو غنام المتوفي سنة 1347 هـ فهو يضم ضمّ رفاة والده المرحوم الشيخ أبو سليمان محمد سعد الدين وولده المرحوم الشيخ ابو سليمان محمود أبو غنام وهذا المزار له كرامات ويزار ويقبل النذر.
أما الشيوخ الأبرار من ثلة المؤمنين العابدين المسدقين فنذكر منهم المرحوم الشيخ القدير أبو حسين علي قبلان والمرحوم الشيخ أبو سليمان محمود سلوم أبو غنام ونجليه الشيخ أبو أمين رشيد والشيخ أبو حسن سليمان وحفيده اليوم الشيخ التقي الورع الشيخ أبو عفيف رفيق أبو غنام، كما نذكر المرحوم الشيخ ابو عادل نسيب ابو غنام.
نذكر أنه كان لشيخنا المرحوم أبو سعيد أمين أبو غنام عم كريم هو المرحوم الشيخ أبو محمود سعيد أبو غنام، صاحب المزار المذكور سابقاً، صادق مجاهد حفظ الكتاب ومكث مدة طويلة في خلوة جده المرحوم الشيخ جمال الدين المهتار في المونسة حتى ذاع إسمه في البلاد واصبح منزله مقصد المشايخ الأعيان ومن صفاته رحمه الله انه كان قليل الكلام خاشعاً لله محبّاً للإخوان كريماً حقاً لُقّب ببنك المشايخ وعمله هذا لوجه الله الكريم فقط.
وشيخنا المرحوم أبو سعيد أمين كان يقول: عمي سعيد كان يفعل كذا وكذا وكان يتصرّف كذا وكذا وهذا مما يدلّ على إعجابه وتقديره للمرحوم عمّه سعيد والمرحوم أبو سليمان سعيد هو باني مجلس آل أبو غنام.
وللمرحوم الكريم ولدان هما المرحومان الشيخ ابو سليمان محمود والشيخ أبو محمد توفيق وولده المرحوم الشيخ أبو سلمان محمد أبو غنام (والد الكاتب).
من جهة ذكر عائلة آل دقدوق منهم أفاضل كالمرحوم الشيخ ابو يوسف امين دقدوق. ومن جهة ذكر آل يحيى منهم افاضل كالمرحوم الشيخ ابوكمال شفيق حميد يحيى.

content[/su_spoiler]

[/su_accordion]

 

الشيخ محمد أبو شقرا

الشيخ محمد أبو شقرا

مؤسس الدور الجديد لمشيخة العقل
في مرحلـــة ما بعد الاستقلال

وضع فور انتخابه برنامج عمل لترتيب شؤون البيت
وإطلاق نهضة روحية وخلق المؤسسات الحيوية للطائفة

ارتبط اسمه بثلاثة إنجازات كبيرة بقيت من بعده
دار الطائفة في فردان والمؤسسة الصحية في عين وزين وقرية المعروفية بين الشويفات وعين عنوب

دعا رجال الدين للتزوّد بالعلوم الزمنية كما الدينية وترك السياسة
ومنع عليهم ارتداء الزي أثناء القيام بأعمال لا تنسجم معه

لم يكن الشيخ محمد أبو شقرا، الذي تولّى منصب شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز لمدى 42 عاماً، خرّيجاً للأزهر، ولا خرّيج جامعة روحية أو زمنية، لكنه عوّض عن كل ذلك بالثقافة الواسعة، والمطالعة المستمرة، والتعلّم من دروس الحياة وتجاربها، تساعده في ذلك ذاكرة قوية، وعقل متوقّد، وسرعة بديهة، وقوة شخصية وشجاعة ملفتة. فكان إذا ما حدّث يُصغى إليه، وإذا ما حاور يأخذ ويعطي ويتفّهم الآخرين ويتسع صدره لجميع الآراء، وإذا ما وقف خطيباً يلفت الانتباه بلهجته، وكلماته البليغة، وأسلوبه الجامع بين السلاسة وعمق المعاني، وإذا ما طرح أفكاراً وقدّم مقترحات اعتبرت جديرة بالمناقشة أو مؤهلة للاتفاق حولها، لأنها نتيجة دراسة وخبرة. وقد جاء الشيخ محمد إلى مقامه هذا في ظروف تأسيسية دقيقة كان يمر بها لبنان وسيعيش ليشهد أيضاً أزماته وحربه الأهلية، لكنه فوق كل تلك الظروف سيترك بصمات لا تمحى على تاريخ بني معروف، إذ نتجت عن حصافته وإقدامه وطاقته الهائلة على العمل جملة من الإنجازات التي أعلت من شأن الموحدين الدروز وعززت كيانهم وأطلقت مؤسساتهم ونظمت شؤونهم وصانت حقوقهم، كما حفظت كرامتهم من الافتراءات والدسائس.
فمن هو الشيخ محمد أبو شقرا، وما هي أبعاد الدور الكبير الذي لعبه في تاريخ المشيخة والموحدين ولبنان؟

الرئاسة الروحية عند الموحِّدين (الدروز) إمتداد تاريخي لفكرة الإمامة، ولها ألقاب عدة، هي الشيخ، والشيخ الأكبر أو الشيخ الكبير، وشيخ المشايخ، وشيخ العصر، وشيخ البلدان، ومنذ القرن الثامن عشر الميلادي بدأت ترد في المدوّنات بلقب “شيخ العقل” والأصح شيخ العقّال، على اعتبار أنها مشيخة للعقّال الذين هم الأجاويد. والعقّال، جمع عاقل، هم الذين عقلوا الأمور الدينية، أي فهموها. والأجاويد، جمع جويّد تصغير جيد، هم أجواد في الناس وأخيار.
من الرؤساء الروحيين شيوخ برزوا بالتقوى والتعبّد والتصوّف، وشيوخ برزوا بالمواقف، خصوصاً مع الحكام وولاة الأمور، وآخرون برزوا بالأدب والعلوم، والتفسير الديني. وأبرزهم جميعاً الأمير جمال الدين عبدالله التنوخي الملقب بالسيّد (1417 – 1479)، الذي ترك تفسيرات دينية، وحدّد كيفية سياسة الأخيار (الأجاويد أو العقّال)، ودرّس مجموعة من الشيوخ غدا بعضهم رؤساء روحيين، وأحدث نهضة روحية، وتميّز، بالاضافة إلى ذلك، بأدبه وشعره ومعارفه الطبية والمعجمية، وبتقواه وتديّنه وصبره الذي أصبح مضرب مثل، وذلك عندما قضى ولده الوحيد الأمير عبد القادر من رفسة فرس في يوم عرسه. كل هذا جعله أشهر العلماء، والرؤساء الروحيّين، والأولياء عند الموحِّدين، وتحوّل ضريحه في بلدته عبيه إلى مقام، يُزار للتبرّك، وتقدّم له النذورات والتبرّعات.

تبدّل الأدوار
توالى بعد الأمير السيد مشايخ عقل عديدون، إذ لم تخلُ هذه الطائفة العريقة يوماً من عَلَم مستنير وعاقل يوجه أمورها ويعضد أفرادها في الملمات فيكون لهم ناصحاً ومرجعاً. لكن دور شيخ العقل تبدل مع تبدل ظروف الحياة والظروف السياسية، وعلى سبيل المثال فقد اجتمعت في الأمير السيد الزعامتان السياسية والدينية، وكان بذلك إستثناء لم يتكرر، إذ أن الدنيوي انفصل مع الوقت عن الديني وأدت قوة الزعامة السياسية إلى عودة شيخ العقل إلى دوره الروحي والعقيدي، ولهذا السبب ربما لا يعرف الجمهور الكثير عن سير مشايخ العقل السابقين.
إلا أنه ومع حصول لبنان على استقلاله وقيام البلد على أسس طائفية اكتسب موقع مشيخة العقل من جديد بعداً سياسياً لكنه بعدٌ رسمت له حدود واضحة تسهل تنظيم التوافق بين شيخ العقل وبين الزعامة السياسية في زمانه.
بهذا المعنى، فإن الشيخ محمد أبو شقرا كان مثالاً على الدور المستجد لمشيخة العقل في إطار الكيان السياسي الناشئ، إلا أنه كان مثالاً ناجحاً جداً بحيث أمكنه تكريس مكانة الموقع والدور الجديد بهمته العالية وجرأته والهيبة التي تمتع بها في علاقاته بالمراجع الروحية الأخرى أو بالمراجع السياسية. ونظراً للمدة الطويلة التي استغرقتها ولايته كشيخ عقل للطائفة (نحو 42 عاماً) فقد أتيح للشيخ محمد أن يعزز خبراته ومعرفته بالوضع اللبناني الذي عمل فيه، وأن يلعب دور المؤسس للكثير من المؤسسات والتشريعات والمرافق التي ارتبطت كلها بإسمه وبإسم الزعيم الراحل كمال جنبلاط، إذ عمل الرجلان دوماً بتنسيق تام وتفاهم كامل.

” وضع نظاماً لانتخاب شيخ العقل وأنشأ الهيئة الروحية العليا من شيوخ عقل لبنان وسوريا ووحّد الطقوس الدينية وأسس المجلـس الأعلى الروحي للموحدين في لبنان  “

انتخابه
بعد أربعمائة وسبعين سنة من وفاة الأمير السيد، جرى في مقامه في بلدة عبيه، وبتاريخ يوم الجمعة الواقع في 29 نيسان 1949، انتخاب الشيخ محمد أبو شقرا شيخ عقل خلفاً لشيخ العقل الجنبلاطي الشيخ حسين طليع. المكان مكان فضيل هو أول مقام عند الموحِّدين بعد مقامات الأنبياء. واليوم يوم فضيل، هو يوم الجمعة الذي يجتمع فيه العقَّال أسبوعياً لأداء الفروض الدينية. والذين اختاروا الشيخ محمد كانوا حوالي ألف رجل دين، بينهم الشيوخ الكبار والاتقياء، ولم يسبق أن اجتمع مثل هذا العدد في انتخاب شيخ العقل، إضافة إلى خمسمائة رجل من الزمنيين وفعّالياتهم، وعلى رأسهم الأمير عادل أرسلان والمعلم الشهيد كمال جنبلاط. وكان في علم الغيب يومذاك ما سيكون من الشيخ محمد، فإذا به ذو شأن ودور كبيرين، ومسيرة حافلة بالمآثر في تاريخ مشيخة العقل، وتاريخ الطائفة، وشخصية إستثنائية، وأحد الرموز الدينية، وأحد الأعلام اللبنانيين.

برنامج عمل
حين تسلّم الشيخ محمد مشيخة العقل ما كان عند الموحِّدين من تنظيمات لشؤونهم سوى قانون الأحوال الشخصية، الذي صدر في 24 شباط 1948. فشيخ العقل لا يوجد قانون ينظِّم انتخابه، ويحدّد صلاحياته، وإنما يجري انتخابه وفق أعراف “تفاهمية” مما قد يسبّب نشوء الأزمات. وهي لا مقرَّ لها (إذ كان مقرّها بيت الشيخ) ولا سجلات، وليس هناك مجلس ملّي يشرف على الأوقاف التي كثيراً ما عانت من الفوضى والإهمال والتسيّب، ولا مستشفى يهتم بمرضى الموحِّدين، ولا مأوى لعجزتهم وشيوخهم، ولا مقر عام يجتمعون فيه في المناسبات.
درس الشيخ محمد أوضاع الموحِّدين، وعرف متطلّباتهم، والنواحي التي يجب إصلاحها وتطويرها، فوضع في الأسابيع الأولى من عهده بالمشيخة برنامج عمل لترتيب شؤون البيت الداخلية، وتنظيم رجال الدين، وإحداث نهضة دينية، وإيجاد بعض المؤسسات الضرورية والحيوية، والقيام بكل ما يعزّز شأن الطائفة. كان يعلم أن صلاحياته المرسومة بالاعراف والتقاليد محدودة، لكن أي دور عام، دينياً كان أم اجتماعياً أم سياسياً، مرهون بمقدرة صاحبه وكفاءاته ومؤهلاته. وعند الشيخ محمد كان الدور كبيراً لكبر طاقاته، وعظيم مؤهلاته، وقد تألق بجليل الأعمال وخالد المآثر والانجازات، وفي ما يلي بعض ذلك بإيجاز.

النهج
لم يكن الشيخ محمد يطمح إلى تولّي أي منصب، وقد رفض تولّي المناصب في سوريا التي أقام فيها بين العامين 1923 و 1949، وفضّل تعاطي العمل الخاص، وهو لم يطلب منصب مشيخة العقل في لبنان، وإنما طُلب إليه، وتسلّمه بتأييد أكثرية من بينها أكثرية رجال الدين التي تضم كبار الشيوخ وأتقياءَهم. وحدّد نهجه منذ البداية بأنه لن يكون لفئة دون أخرى، بل سيكون للجميع، وقال في أول خطاب له في لبنان وأول إطلالة على الموحِّدين، يوم إستقباله في دار المختارة بتاريخ 5 حزيران 1949 عند قدومه من سوريا، ما يلي:
“ما المركز السامي الذي قُدّر لي أن أنتسب إليه سوى مسؤولية تُلقى، لا منصب يُرقى، ووسيلة للخدمة والإصلاح، لا واسطة للزهو أو النفع الذاتي. انني لا أعتبر نفسي ممثلاً لحزب دون آخر، أو لفئة معينة، أو لعائلة، أو منطقة، بل اعتبر نفسي مسؤولاً لدى كل فرد من أبناء هذه الطائفة الكريمة، عمّا فيه خير المجموع، وعبداً مأموراً من الحق سبحانه للتوجيه نحو الخير حيثما وُجد، والحؤول دون الشر والإضرار بالغير أينما كان المصدر، والسعي إلى الإصلاح، والدعوة إلى الألفة، وتوحيد الكلمة في جميع الظروف”.

اتفاقه مع المعلم كمال جنبلاط
كان الشيخ محمد يعرف طبيعة منصبه، وهو كان لذلك متوافقاً مع الزعامة الدرزية لكنه كان ضد مظاهر الانقسام على أساس الغرضية، وهو عمل بذلك على لمّ شمل الموحدين الدروز حول قضاياهم، وكان في نهجه الإصلاحي متفقاً مع المعلم الشهيد كمال جنبلاط الذي قال له كل ما تقرّره من إصلاحات على الصعيد الدرزي نقرّه، لأنها جزء من الإصلاح الذي نعمل لأجله على الصعيد العام.

تنظيم شؤون الموحِّدين
بدأ الشيخ محمد، بالتعاون مع نظيره الشيخ محمد عبد الصمد، في تنظيم شؤون الموحِّدين، فتم إنشاء الهيئة الروحية العليا من شيوخ عقل لبنان وسوريا لتكون مرجعية لشؤون الموحِّدين في هذين البلدين، وجرى توحيد الطقوس الدينية لهم بتوحيد نصوص الصداق والوصية والصلاة على الميت. ثم أسّس المجلس الروحي الأعلى للموحِّدين في لبنان في سنة 1952، وهو شبيه إلى حدٍّ ما بمجلس ملّي، من صلاحياته، بموجب نظامه الداخلي، تنظيم الشؤون الدينية والإشراف على الأوقاف. ووضع نظام انتخاب شيخ العقل في سنة 1953، لتلافي أزمات مثل تلك التي حصلت في سنة 1946 عند انتخاب خلف للشيخ حسين حماده، وفي سنة 1949 عند انتخاب خلف للشيخ حسين طليع، وكما سيجري عند انتخاب خلف للشيخ محمد عبد الصمد في سنة 1954. وإن كان هذان النظامان لم يوفِّرا الحل المنشود بسبب معارضتهما من قبل البعض، فإن روحهما وأهدافهما وبعض موادهما دخلت في قانون إنشاء المجلس المذهبي، وقانون انتخاب شيخ العقل، الصادرين عن المجلس النيابي في 13 تموز 1962، وكان للشيخ محمد فضل كبير في صدورهما، مع الإشارة إلى أنهما لم يتضمّنا توحيد مشيخة العقل. وكان له دور بارز في تنظيم القضاء المذهبي واستكمال ملاكاته.
عمد الشيخ محمد إلى تنظيم شؤون مجالس الذكر، وشؤون أئمتها (السوّاس) ففضّل وجود مجلس واحد في كل قرية. وحدّد واجبات الإمام، وواجبات رجال الدين. وباشر بإحصاء رجال الدين، وتدوين أسمائهم في سجلات ليشاركوا في انتخاب شيخ العقل، بحسب النظام الذي وضعه، وطلب منهم التزوّد بالعلوم الزمنية كما الدينية، والإبتعاد عن السياسة. كما منع التزي بزي الدين أثناء القيام بأعمال لا تنسجم مع هذا الزي، وأفسح المجال أمام الموظفين والمهاجرين وأصحاب المهن ليصبحوا من رجال الدين من دون أن يتقيدوا بالزي الديني إلا عند أداء الفروض الدينية.

مع المعلم كمال جنبلاط
مع المعلم كمال جنبلاط

الرعاية الشاملة
وجد الشيخ محمد أن الصلة بين مشيخة العقل ورجال الدين ضعيفة جرّاء ضعف التواصل، وقلة اللقاءات والإجتماعات، فكثّف من الاجتماعات والزيارات والسهرات، بحيث أصبحت أحياناً أسبوعية، تشمل بعض الزمنيين أيضاً. وبلغ ما قام به في هذا المجال مئات اللقاءات في المجالس والخلوات والمقامات والبيوت، حتى إنه زار بعض القرى حوالي عشر مرات بين جولة تفقدية، وسهرة دينية حاشدة، وزيارة لتلبية إحدى الدعوات، وإجراء مصالحة. وما كانت الزيارات والسهرات تقتصر على التعارف، والتعرّف على أحوال الموحِّدين ومواضيعهم، ولا على المذاكرة وفروض العبادة فقط، وإنما كان يتخلّلها وعظ وإرشاد ونصح، وإلقاء كلمة معدّة من الشيخ محمد، ضمن سياق كلمات هي سلسلة محاضرات تثقيفية أو من خلال النداءات والبيانات عبر مجلة “الضحى”، أو عبر غيرها من وسائل الإعلام.
شملت رعاية الشيخ محمد الجمعيات والنوادي والمؤسسات، كما شملت رعاية المقيمين والمغتربين أيضاً، إذ أوجد منذ سنة 1950 مركز وكيل مشيخة العقل في كل مدينة أو منطقة من بلدان العالم يتواجد فيها الدروز، وأذن له كتابة الصداق والصلاة على الميت حسب الطقوس المحدّدة. وكان على اتصال دائم بالوكلاء والجمعيات والمسؤولين عن البيوت الدرزية، كما رعى المؤتمرات التي أقامها المغتربون في بلدان الاغتراب، أو في لبنان، وأرسل الموفدين ليمثّلوه فيها، وكانت له في بعضها كلمات تُتلى نيابة عنه، أو بالصوت والصورة.
ساعد الشيخ محمد المنكوبين في الحوادث الطبيعية كما في زلزال سنة 1956، وساعد ايضاً المنكوبين في الحوادث الأمنية نذكر المساعدات التي قدمها لأبناء جبل العرب إبّان عدوان الشيشكلي على الجبل سنة 1954، وللمنكوبين إبّان الأحداث اللبنانية بين العامين 1975 و 1990، وكذلك المنكوبين في الإعتداءات الاسرائيلية على سوريا والأردن، وكانت هذه المساعدات تتأمن من خلال تشكيل اللجان وجمع التبرّعات.

من أقواله
“ليس للسنّي ولا للوهابي ولا للدرزي ولا للجعفري أية منّة أو أفضلية في إسلامه، وليس من حق أي مسلم أن يُكفِّر غيره. فالجميع مسلمون ما دام القرآن كتابهم وما داموا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وحسابهم جميعاً على الله”

الدفاع عن الحقوق
نصّت المادة 95 من الدستور اللبناني، الموضوعة بصورة موقتَّة، على تمثيل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وتشكيل الوزارة. لكن التوزيع لم يجرِ بعدالة بين الطوائف اللبنانية، فأخذت بعض الطوائف، ومنها طائفة الموحدين الدروز، أقل مما تستحق من النواب والوزراء والموظفين على اختلاف فئاتهم. لذلك ركّز الشيخ محمد على ضرورة تطبيق القواعد الميثاقية في تخصيص الوظائف والمناصب بصورة عادلة بما يحفظ حقوق الأقليات عموماً، وحقوق الموحدين الدروز الذين طالب بأداء حصتهم كاملة. وأدلى الشيخ محمد بالتصريحات وأرسل الرسائل والبرقيات إلى مختلف المسؤولين وقدّم إلى رؤساء الجمهورية ورؤساء مجلس النواب ورؤساء مجلس الوزراء المذكّرات المعزّزة بالأرقام، التي تظهر عدد الوظائف الإجمالي في الإدارات العامة، والمؤسسات التابعة للدولة والتابعة للقطاع الخاص، وعدد الوظائف المعطاة للموحدين الدروز، وما يعتيره من إجحاف. وقد اعتمد وزراء الدروز ونوابهم أحياناً، لا سيما الأمير مجيد أرسلان والمعلم كمال جنبلاط، الإحصاءات التي جمعها الشيخ محمد، وتبّنوا المطالب والمذكرات التي وضعها، وكثيراً ما قابلوا معه المسؤولين للمطالبة بهذا الشأن. وفي هذا السياق لم يكن الشيخ محمد ليسكت عن أي تدبير في الإستقبالات، أو في ترتيب الكلمات، يستشفُّ منه تقصير إزاء مشيخة العقل لأنه كان يعتبره تقصيراً في حق العشيرة وليس المنصب فقط. وهذا ما ألزم القيّمين على الأمور مراعاة الأصول. ما كان الشيخ محمد يسلّم بأن يتقدّمه أحد من رؤساء الطوائف اللبنانية، وهذا كان أحد أهم أسباب عدم ذهابه في الوفود إلى مؤتمرات خارج لبنان تقتضي إجراء ترتيبات بروتوكولية إزاء رؤساء هذه الوفود، وإيفاد من يمثّله.

رد الافتراءات
كان صوت الشيخ محمد قوياً في الرد على الإفتراءات والإساءات الصادرة عن عمد، أو عن جهل للحقائق سواء في مشهد من مسرحية، أو في كلام منشور في الصحف والمجلات والكتب، وكان غالباً ما يلزم المسيئين بتقديم الإعتذار عن إساءاتهم، أو يستصدر من الجهات المختصة القرارات بمنع الكتب المسيئة الصادرة في لبنان وخارجه.
ومما قام به الشيخ محمد في مجال التصدّي للإساءات إلى الدروز إرساله العرائض والرسائل إلى المسؤولين السوريين إحتجاجاً على التوقيف التعسّفي لبعض رجال مجدل شمس وللشيخ فرحان الشعلان، في سنة 1951، على أثر وشاية مغرضة، وإرساله الرسائل إلى زعماء جبل العرب ورؤسائه الروحيين طالباً تقديم المساعدة للموقوفين الذين يتعرّضون للضغط في السجون، وتكليفه أربعة محامين لبنانيين للدفاع عنهم.

صورة-جامعة-للمؤسسة-والأبنية-التابعة-لها-في-عين-وزين-2-copy
صورة-جامعة-للمؤسسة-والأبنية-التابعة-لها-في-عين-وزين-2

 

 

دار الطائفة في فردان أحد أهم إنجازات الشيخ محمد أبو شقرا
دار الطائفة في فردان أحد أهم إنجازات الشيخ محمد أبو شقرا

 

 

 

 

 

 

توحيد مشيخة العقل وازدياد شأنها
كان من أسباب تمنّع الشيخ محمد أولاً عن الترشّح لمنصب مشيخة العقل، إيمانه بضرورة توحيدها، ثم أنه أمل بذلك بعد تسلّمه المنصب، وكان يرى أن وجود شيخ عقل واحد، مؤيد من جمهور الدروز، مدعوم من زعمائهم الزمنيين، أكرم للطائفة، وفيه تعزيز لشأنها، وانسجام مع المفهوم التوحيدي.
وقد سنحت فرصة لتوحيد مشيخة العقل بالشيخ محمد بعد وفاة نظيريه، الشيخ رشيد حماده في 4 نيسان 1970، والشيخ علي عبد اللطيف في 4 حزيران 1970، وتم ذلك لأسباب عدة، منها صعوبة تطبيق قانون انتخاب شيخ العقل الصادر سنة 1962 وغير المرضي عنه، واتفاق الزعيمين الكبيرين، الأمير مجيد أرسلان والمعلم الشهيد كمال جنبلاط، على توحيد المشيخة. وبتوحيد مشيخة العقل بشخصه ظهر الموحِّدون موحَّدين على الصعيد الروحي طوال الفترة المتبقية من حياته، كما ظهروا موحَّدين على الصعيدين السياسي والنضالي، بقيادة الزعيم وليد بك جنبلاط بعد وفاة الأمير مجيد أرسلان في سنة 1983، وذلك في إحدى أصعب المراحل التاريخية التي مرّوا بها، ومرّ بها لبنان.

يتقبل تعازي الرئيس شارل حلو بالشيخ رشيد حماده في 17 نيسان سنة 1970 مع المعلم كمال جنبلاط والأمير مجيد أرسلان
يتقبل تعازي الرئيس شارل حلو بالشيخ رشيد حماده في 17 نيسان سنة 1970 مع المعلم كمال جنبلاط والأمير مجيد أرسلان

رجل البناء
اقترنت بإسم الشيخ محمد أبو شقرا ثلاثة إنجازات مهمة هي بناء دار الطائفة الدرزية، وقرية المعروفية، وإطلاق المؤسسة الصحية للطائفة الدرزية في عين وزين.
كان الموحدون الدروز يحتارون أين يقيمون مناسباتهم العامة، وأين يستقبلون ضيوفهم، فهذا مكان بعيد، وهذا في الساحل، وذاك في الجبل، ناهيك عن الانقسام، والصراع على النفوذ، والتنافس لكسب الوجاهة، وهذه أمور كانت تحول دون الاتفاق على مكان معين. لذا استقبلوا لجنة الاستفتاء الدولية (لجنة كنغ – كرين) في تموز 1919 في العراء في عيناب، واستقبلوا المفوّض السامي هنري دى جوﭬنيل في أواخر سنة 1925 في منزل قاضي المذهب ملحم حمدان، في بيروت، بعد استعراض الأمكنة والتشاور. وكان المفوّض السامي يريد مفاوضة زعمائهم حول عوامل الثورة السورية الكبرى، وحول كيفية إنهائها.
ظل مشروع إقامة دار عامة فكرة تُطرح من حين إلى آخر، وحلماً يراود الكثيرين، إلى أن جاء الشيخ محمد وجعل الحلم حقيقة، والفكرة مجسّدة في بناء ضخم في قلب العاصمة اللبنانية بيروت بفضل تبرّعات الدروز المقيمين والمغتربين، هو دار الطائفة التي وضع حجر أساسها في 16 كانون الثاني 1953 في احتفال حاشد، في حضور رئيس الجمهورية كميل شمعون، ودُشّنت في 4 نيسان 1965 في احتفال ضخم، تلاه بعد أيام استقبال رئيس الجمهورية شارل حلو الذي جاء يهنئ الدروز بعيد الأضحى المبارك، وبدارهم التي غدت مفخرة لهم، ومكان اجتماعاتهم المهمة واستقبالاتهم للضيوف.
وعند وضع حجر الأساس سأل الشيخ محمد من المولى تعالى أن تكون دار الموحدين الدروز جامعة للقلوب والشمل، معتبراً هذا الصرح “حاجة ماسة لحفظ كيانهم، ومصدراً لتمكينهم وعزتهم ورفعة شأنهم وكرامتهم، ودليلاً على تطوّرهم ومماشاتهم لركب الحضارة في القرن العشرين”.

حادثة الباروك

ثار الشيخ محمد عندما بلغه توقيف مجموعة من رجال الدين، بينهم شيوخ اتقياء، على حاجز لقوى الأمن، بعد مهرجان الباروك الذي أقامه المعلم كمال جنبلاط في آذار 1951 حين سقط بعض القتلى جرّاء تدخل السلطة واعتدائها على مناصريه بقصد إرهابهم.
هاجم الشيخ محمد السلطة بعنف ووصف مسؤوليها بالطغاة المارقين، المثيرين للفتن، والباعثين للفساد، والمهدّمين لكيان هذا الوطن. وهدّد بالدعوة إلى حمل السلاح لإخماد الباطل، وحفظ الكرامة، فما كان من رئيس الجمهورية الشيخ بشارة الخوري إلا أن أعطى التعليمات بعدم تفتيش رجال الدين الدروز، وعدم توقيفهم، وأرسل محافظ جبل لبنان فؤاد صوايا للإعتذار من المشايخ الذين كانوا مجتمعين في حضور الشيخ محمد في منزل المرحوم الشيخ أبي حسين محمود فرج في عبيه.

في اجتماع النبي أيوب عليه السلام عام 1974
في اجتماع النبي أيوب عليه السلام عام 1974

وفي 4 أيلول 1957 تناهت إلى سمع الشيخ محمد الذي كان مقيماً في محلّة المصيطبة في بيروت، أصوات رصاص منبعثة من محلّة وطى المصيطبة، تنبئ عن اشتباك بين نازحي جبل العرب المقيمين في أكواخ التنك، وبين شرطة بيروت، وذلك بسبب محاولة الشرطة إخلاءَهم بالقوة تمهيداً لتسليم الأرض التي يقيمون عليها إلى أصحابها.
سارع الشيخ محمد ونزل إلى محلة الوطى، وتوسّط الفريقين وسط إطلاق الرصاص من الشرطة، وفضّ الاشتباك الذي أسفر عن قتيلين درزيين وعدد من الجرحى، واتصل بالمسؤولين، واتفق وإياهم على حل يقضي بالتعويض العادل على النازحين، ثم عمد إلى شراء أرض بين الشويفات وعين عنوب سجّلها بإسمه وقسّمها إلى عقارات وهبها لهم لإقامة بيوتهم عليها، وبهذا نشأت قرية جديدة إسمها “المعروفية” نسبة إلى بني معروف.
المؤسسة الصحية
كان الشيخ محمد يتألم لسماع أخبار عذابات أبناء طائفته في الانتقال إلى بيروت وغيرها للطبابة، ويحزُّ في نفسه موت عجزتهم وشيوخهم في المستشفيات والمآوي. فدعم “جمعية مشروع الليرة” التي رعاها الزعيم كمال جنبلاط بهدف العمل لإقامة مستشفى عام. وقد اختلفت آراء الأطباء يومها حول مكان إقامة المستشفى المنشود بين خلدة وبيروت. لكن جاءت الأحداث اللبنانية سنة 1975 لتفرض بناء المستشفى في قلب الجبل بعد أن تردّى الوضع الأمني وقطعت الطرقات واقيمت خطوط التماس ولم يعد سهلاً الوصول إلى مستشفيات بيروت وضواحيها، وصيدا. فأخذ الشيخ محمد موضوع إنشاء المؤسسة الصحية على عاتقه، واعتمد في البداية على مبلغ قدّمه اليه المحسن الياس شربين في سنة 1976 لينفقه في سبيل الخير، ففضّل جعله نواة لإقامة المستشفى على تفريقه مساعدات اجتماعية لها فائدة وقتية. وعوّل على أصحاب الغيرة من خيار الموحّدين الذين كانوا دعموا بناء دار الطائفة فكانت البداية، وكان وهب الأرض من المحسنين، وتدفّقت التبرّعات من أبناء الطائفة، المقيمين والمغتربين، وأتت مساعدات من الخارج وأكبرها مساعدة من المملكة العربية السعودية.
وُضع حجر الأساس للمؤسسة الصحية في 7 تموز 1978، وافتتحت في 4 حزيران 1989، وبدأت بالعمل والتطوّر وبالتوسّع في البناء. وفي الاحتفال ببدء العمل فيها وصفها الزعيم وليد بك جنبلاط بأنها “مؤسسة جميع الوطنيين والعروبيين والمخلصين” ووجّه الكلام إلى الشيخ محمد قائلاً: بوركت أياديك يا سماحة الشيخ”، التي كانت على مدى أربعين عاماً وستبقى، لإعلاء شأن بني معروف في لبنان ووحدة بني معروف، وعزّة بني معروف، وليس بغريب عليك أنت الذي جاهدت فكنت المجاهد الأكبر في سبيل وحدة الشأن، شأن بني معروف، ووحدة الموقف العربي الوطني الشامل في لبنان.

مستقبلا البطريرك خريش في دار الطائفة
مستقبلا البطريرك خريش في دار الطائفة

التشديد على إسلام الموحِّدين
كان للشيخ محمد فضل كبير في نقض المقولة التي تميّز بين الموحِّدين وسائر المسلمين، وهي القول التالي: مسلمون ودروز، فيما الموحِّدون الدروز من المسلمين لا فئة مستقلة عنهم، فهو يقول عن إسلام الموحِّدين ما يلي: “نحن مسلمون موحِّدون”، ويستشهد بكلام الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الذي قال: “الدروز الموحِّدون مسلمون موحِّدون، والذين يشككون هم مفسدون”. والدروز بحسب رأي الشيخ محمد، الذي أوردته مجلة “الضحى”، في عدد تشرين الأول 1971 ص 18-19، ” تقبلوا الإسلام ديناً، واتخذوا الفاطمية مذهباً”. وهو لا يرى أفضليةً لمسلم على مسلم، ولا ضرورة لتمييز مسلم عن آخر، ومن الخطأ تكفير مسلم لآخر.
وفي رأيه الذي اوردته مجلّة “الضحى”، في عدد نيسان 1981 ص 14، هو أنه وقد حضر الشيخ محمد المؤتمرات والقمم الإسلامية وذكرى عيد المولد النبوي الشريف، لا بصفته واحداً من الفعاليات الروحية التي تحضر هذه المناسبات من قبيل المشاركة البروتوكولية، وإنما بصفته أحد رؤساء الطوائف الإسلامية الثلاث، الذين يحيونها لبحث شؤون المسلمين، والذين ارتفعت أيديهم في إحداها متشابكة مع بعضها بعضاً لتؤكد وحدة المسلمين. يومها ظهر المفتي حسن خالد رافعاً بيده اليمنى يد الشيخ محمد مهدي شمس الدين، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ورافعاً بيده اليسرى يد الشيخ محمد، وقد كُتب تحت صورتهم العبارة التالية: “الإسلام دين توحيد”، وفي هذا خير ما يؤكد إسلام الموحِّدين بالشكل كما بالجوهر.

حضور عام
منذ الخمسينيات من القرن العشرين بدأت تتغيّر علاقات رؤساء الطوائف إزاء بعضهم بعضاً، فزار مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد علايا الشيخ محمد، وهنأه بعيد الأضحى المبارك، فكان أول مفتٍ يهنّئ شيخ العقل بهذا العيد، وحضر الشيخ محمد أول مؤتمر اسلامي انعقد في 5 كانون الثاني 1952. وخرج البطريرك الماروني خريش عن التقاليد، وزار رؤساء الطوائف الإسلامية الذين هنّأوه بتسلّم منصب البطريركية خلفاً للبطريرك بولس المعوشي.
وشهدت المرحلة، وربما بسبب التوترات بين الطوائف والأزمة السياسية، محاولات حثيثة من الشيخ محمد ومن رؤساء الطوائف اللبنانية لتخفيف الإحتقان والتأكيد على الثوابت الوطنية ونبذ التعصب، فتعزز بذلك تقليد عقد القمم الروحية الإسلامية أو الإسلامية المسيحية، وكان حضور الشيخ محمد في تلك القمم لافتاً دوماً ومواقفه القوية والوطنية محط أنظار المشاركين والإعلام.

قتال الصهاينة فرض عين
كانت القضية الفلسطينية محور كلمات الشيخ محمد في معظم القمم والمؤتمرات والمناسبات الإسلامية، وهو بهذا يجسّد نهج قومه التاريخي في الدفاع عن العروبة والإسلام وأرض الإسلام. فكان يدعو إلى قتال الصهاينة، وإلى الجهاد من أجل تحرير فلسطين، واستعادة الحقوق الشرعية للفلسطينيين، وقد قال في الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف في أيار 1970 ما يلي: “إن مجاهدة الصهاينة ومقاتلتهم باتت فرض عين”، وفي كلمته له في زيارة النبي أيوب عام 1969 دعا إلى الجهاد قائلاً: “ليكن هناك جهاد مقدّس، ولتكن زكاة وعطاء، وبالنسبة إلى الدروز فإني كفيل التنفيذ”.

رحيله
رحل الشيخ محمد في الرابع والعشرين من شهر تشرين الأول 1991 تاركاً ما يبقيه حيّاً في ذاكرة الموحِّدين، وما يشهد به وينطق عن أعماله ومآثره، ويجعل الناس يترحّمون عليه. وقد قيل الكثير عن الشيخ محمد في حياته، وبعد مماته، ورثاه الكثيرون ومنهم رؤساء الجمهورية ومجلس النواب ومجلس الوزراء والوزراء والنواب، والقادة، ومنهم رؤساء الطوائف الرئيسية في لبنان، والمفكرون. وكان هناك إجماع على أنه جسّد قيم طائفته ومبادئها، وأنه رجل السلام في زمن الحرب، ورجل الجهاد والمواقف التاريخية، ورجل بناء المؤسسات، والرمز في الوطنية والعروبة، والداعية إلى الوحدة الوطنية والاسلامية.

أبو وسيم يوسف أبو كروم

الشيخ أبو وسيم يوسف أبو كروم
فرّ من عمل الحقل إلى أهوال الحرب العالمية الثانية
فكرّمه الفرنسيون وعاد إلى بلاده بأوسمة وذكريات

{رفضنا أوامر القيادة بمساعدة الطاهي في تحضير الطعام
لأننا جئنا فدائيين للحرب وليس لـ «تقشير البطاطا»

بقيت 15 سنة محروماً من الأعراس بسبب ثياب النساء
وجيل اليوم ضائع لغياب التربية الصحيحة في البيت

سجَّل يومياته وقصائد كثيرة في مفكرة علاها الاصفرار
وكَتب على غلافها: «إذا أردت أن تُذكر فأكتب ما يُذكر»}

يجلب كرسياً ويقربه الى الأريكة حيث تجلس.. ينظر اليك بعينين فيهما الكثير من المحبة والحنان، كالجد الذي فرح بمجيء أحد أحفاده ليخبرهم عن تاريخه، كيف لا وهو رجل يختزن في ذاكرته الكثير ليروى.
إنه الشيخ أبو وسيم يوسف أبو كروم، أكبر معمّر في بلدة مزرعة الشوف، الرجل الذي تعلّم تحت السنديانة مقابل صحن من الزيتون أو حطبة كان يعطيها للأستاذ، أحب العلم الذي حرمه منه أهله في سن مبكّرة وعلّم نفسه بنفسه، ووصل ليدوّن اسمه بين المحاربين القدامى في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية.
قبل أن يبدأ الحديث يدخل الى غرفة مجاورة ويخرج منها وبين يديه صندوق، يضعه على الأريكة ويبدأ بإخراج الأوراق والصور منه، ويفندها بترتيب على مقربة منك قبل أن يجلس ويستهل كلامه بأنه يكمل الـ 94 في 10 شباط بشكل رسمي بحسب تسجيل والده، فهو حسب بطاقة الهوية من مواليد 1920.
يروي لمحة عن خلفيته: «بكل فخر أنا ابن قرية ومن بيت فلاحين، وكنت أذهب مع والدي الى الحقل مذ كنت في الرابعة من عمري. سنة 1942، خلال الحرب العالمية الثانية، كانت الحرب بين الفرنسيين والانكليز على بعد 100 متر بينهم، الإنكليز في جبلنا والفرنسيون في جبل الكحلونية، انتهت الحرب على هذه الحال، وقبل نهايتها بسنة ذهبت الى العسكرية».
يتوقف قليلاً، ينهض من كرسيه ويتوجه مجدداً الى الغرفة المجاورة ويعود ومعه نظارته ومفكرة علا أوراقها الاصفرار، ويزين غلافها الخارجي عنوان بخط نسخي }فإذا أردت أن تُذكر فاكتب ما يُذكَر{. يعدّل جلسته، يضع نظارته ويبدأ بقراءة بعض السطور، يتوقف ينظر اليك ليخبرك أن هذه الأبيات الشعرية كانت لأحد أقاربه، وهي من بين القصائد والنصوص الأدبية التي كتبها عندما كان في فرنسا، وقد سجّلها في مفكرته ليحفظها.. تقرأ اللهفة في عينيه عندما يحدثك عن الكتابة والشعر، وتتحول الى حسرة مع حديثه عن أن أهله أجبروه على ترك المدرسة في عمر الـ 10 سنوات، وبين الحزن والفخر يبتسم قائلاً: «كنت كل ما أرى ورقة على الأرض ألتقطها وأقرأها».
جذبتني تجربة الجندية
يبدأ الكلام عن تجربة الحرب الثانية وسلك الجندية، وهو الذي حزن لوقف تعليمه، كما سئم بعدها من عمل الأرض وجذبته الجندية بكل ما ترمز إليه من قيم – في تلك الأيام- واخصها الشجاعة والإقدام. وبيئة الجبل التي لا يفارقها السلاح ولا الحديث عنه ولا قصص الرجولة في المعارك. كانت الحرب العالمية في سنواتها الأخيرة لكن المواجهات كانت محتدمة في أكثر من مكان. وكان الجنرال ديغول قد شكل قوات فرنسا الحرة وبدأ في تدعيم صفوفها بمتطوعين من المستعمرات أو البلدان الخاضعة للنفوذ الفرنسي ومنها لبنان آنذاك. لم يكن التطوع في الجيش الفرنسي نزهة، فالحرب شرسة والآلاف كانوا يسقطون على الجبهات. لا يعرف أبو وسيم مع ذلك كيف اندفع بجرأة غريبة لخوض غمار تلك المخاطرة. ما يعرفه أنه كان على يقين بأن عليه أن يخفي نيته عن أهله في بلدة المزرعة الشوفية، ولا سيما أن الإشاعات كانت أن القوات التي تتم تعبئتها سترسل فوراً إلى الجبهات. في تلك الفترة، كان الانكليز فتحوا طريقاً نحو حاصبيا والبقاع وأخذ الناس يقصدون البقاع للعمل، وكانت تلك فرصة جاهزة تمكّنه من التطوع في العسكرية تحت ستار العمل في البقاع. وبالفعل اتفق على ذلك مع اثنين من أصدقائه، اللذين جذبتهما أيضاً مغامرة الجندية. وهكذا حصل، وللتمويه وضع الشيخ ثياب العمل بين أغراضه.

بنو معروف «ما بيتفتشوا»

يروي الشيخ أبو وسيم أن الفرنسيين كانوا يظهرون احتراماً خاصاً للمجندين الدروز لأنهم رغم الصدام الذي حصل في جبل الدروز في سوريا وجدوا في هذا الشعب الجبلي من الخصال والشيم الرفيعة ما جعل بعض قادتهم يكتبون بإعجاب شديد عن هؤلاء الخصوم الأشداء.
من الأمور الغربية التي اختبرها بسبب تلك النظرة المعاملة الخاصة التي كان مع عدد من المجندين الدروز يلقونها من الجيش الفرنسي، لقد كان نظام الثكنة الفرنسية يفرض على حراس البوابات تفتيش كل جندي يغادر الثكنة خوفاً من تهريب الأغراض أو الذخيرة أو السلاح أو غيره، وكانت الفرقة الأجنبية في الجيش مؤلفة من جنسيات مختلفة من أفريقيا ومن بلاد المغرب العربي وغيرها من المستعمرات. لكن بسبب السمعة الرفيعة التي كانت للموحدين الدروز بين الفرنسيين فقد كان هناك تعميم من قيادة القوات الفرنسية بعدم تفتيش الدروز لدى خروجهم من الثكنات، وكان استثناء الجنود الدروز وحدهم من التفتيش يعكس ثقة الفرنسيين بأن من المستحيل أن يرتكب الدروز سرقة أو إساءة أمانة، كما كان يعبّر عن قلق الفرنسيين من شعور الإهانة الذي قد يسببه إجراء التفتيش للجنود الدروز، وهم الذين كانوا يرفضون معاملتهم كالآخرين ممن ضمتهم الفرقة الأجنبية من بلدان كثيرة.

مزرعة الشوق مرتع صبا الشيخ أبو وسيم
مزرعة الشوق مرتع صبا الشيخ أبو وسيم

“في الجيش الفرنسي كرّموني لمجرد خدمة سنتين وفي لبنان انتظرت عشر سنوات لترقيتي إلى رقيب!”

آخر مرة رأيت فيها جدي
يبدو التأثر على وجهه، وهو يستذكر كيف ودّع جدّه الذي وافته المنية في تمام اليوم الثلاثين لالتحاقه بالعسكرية: «كنت على وشك مغادرة البيت مع أغراضي عندما قالت لي والدتي: ألا تريد أن تودّع جدّك ووالدك؟ قلت بالطبع، وبدأت بتوديع جدي الذي سألني: ما وراءك؟ قلت له سوف أذهب للعمل في البقاع. سألني «خلّصت الحصيدة في البيدر»، قلت له: «خلصنا الحصيدة ولم نترك حتى القش» (قلتها لكي أطمئنه). تبسّم جدي وانفرجت أساريره ودعا لي بالتوفيق بالقول: «الله يوفقك كيف ما أدرت وجهك».
وصل عدد العسكريين الملتحقين في صيدا الى الألف، وكان هناك البعض في بيروت، وطلب اليهم التحضّر للانتقال الى فرنسا. الا أن البطريرك عريضة اعترض يومها على ذلك رافضاً نقل العسكريين للمحاربة في فرنسا قائلاً: «الجندي اللبناني يحارب على أرضه». عندها سأل ديغول (الذي كان يشرف شخصياً على عمليات التجنيد في الشرق) حشد المتطوعين: من يحب أن يذهب فدائياً؟ تزعزع كثيرون لهذا الطلب، وقد اكتشفوا أن الحرب ليست مشوار «شم هوا». وبدأ كثيرون يجرون وساطات كي لا يذهبوا الى فرنسا، وتقلّص عدد الحشد الى 104 أشخاص على رأسهم جول البستاني، كان جيشاً مشتركاً من اللبنانيين والسوريين، وعندما حان وقت نقلهم، أقيم لهم اجتماع في ثكنة صيدا واجتمع الشعب الصيداوي حولهم. أبلغهم المقدّم أنهم ذاهبون للحرب في فرنسا وسيلتحقون بالفرقة الأولى التي فنيت 4 مرات وسيؤلفونها للمرة الخامسة وقد يموتون، وعندها استولى الخوف على المجندين وبكى بعضهم فعلاً وبكى بعض الناس – ربما من أهاليهم- لبكائهم. استفز بكاء العسكر رجولة الشيخ الذي كان مؤمناً تماماً بما يردده الموحدون الدروز في المعارك، وهو «ابن عشرة لا يموت ابن تسعة»، فكان على العكس ينتظر بفارغ الصبر ساعة الرحيل.

مزرعة الشوق مرتع صبا الشيخ أبو وسيم
مزرعة الشوق مرتع صبا الشيخ أبو وسيم

“الفرنسيون أوفياء لمن قاتل في صفوفهم ومازلت أتلقى الهدايا منهم والمعايدات والزيارات من موظفي السفارة للإطمئنان على صحتي”

من طولون إلى فريول – مارسيليا
كانت المحطة الأولى في بلدة على شاطىء تونس كان يرسو فيها الاسطول الفرنسي، ومكثوا هناك 4 – 5 أيام قبل أن يكملوا رحلتهم الى تولون Toulon (إحدى المدن الكبرى في فرنسا)، وهناك نشب خلاف طريف عندما طلب من المجندين مساعدة الطاهي الذي كان عليه إعداد الطعام لعدد كبير من الجنود. لكنّ المجندين رفضوا على اعتبار «أنهم جاؤوا الى فرنسا ليخوضوا حرباً وليس لتقشير البطاطا». طبعاً كان في الأمر عصيان للأوامر فرأت القيادة نفي هؤلاء المتمردين وتفريقهم الى ثلاث مجموعات. وأرسلت فرقة الشيخ الى مارسيليا، وكان على رأسها جول البستاني، ثم نقلوا الى جزيرة فريول (Frioul) المقابلة لمرسيليا، وهي عبارة عن قمة في البحر تبعد 7 كلم عن شاطىء مرسيليا ومساحتها نحو 7 كلم من اليابسة، وكان الفرنسيون يضعون فيها مدافع لحماية الاسطول الفرنسي (البواخر في مرسيليا). ظن العسكريون أنه تم نفيهم الى هناك، ولكن الحقيقة هي أن الفرنسيين كانوا يأسرون فرقة ألمانية في تلك الجزيرة، وقد أخذوهم الى هناك لحراستها.
يستذكر الشيخ مشاق الحرب، وكيف تنزع من الناس مشاعر الرحمة أحياناً، فيروي حادثة ذات دلالة حصلت معه في تلك الجزيرة: «في أحد الأيام وفي ما كنت أتمشى التقيت بصديق لبناني، كانت المعركة قد توقفت منذ أسبوع، لكنه قال كمن يريد أن يُسرَّ لي شيئاً مهماً: تعالَ نتقاسم الغلّة! لم تكن «الغلّة» في الحقيقة سوى أموال مبللة مصدرها رواتب عسكريين قتلوا في المعركة، وبطبيعة تواجدهم في الحرب كانوا يضعون رواتبهم في جيوبهم. وكان ذلك الشاب يسحب الجثث من المياه ويأخذ الرواتب. أثار ذلك العمل المشين حفيظة الشيخ الذي قال له: عندما أتينا الى فرنسا أتينا الى الفرقة الأولى لنقاتل كفدائيين، وأنا لست مستعداً أن أحول جيبي الى صندوق، فاذا متّ فليأخذوا راتبي أما أنا فلن أضع يدي على رواتب الموتى».
كان يرسل لأهله كل ما يتقاضاه من عمله في الجندية ومع المال، وكان يرسل «المكاتيب» أكثر من مرة في الشهر يطمئن أهله ويضمّن كل مكتوب قصيدة، وكانوا ينتظرون تلك الرسائل بفارغ الصبر، ولأنه كان شغوفاً بالكتابة فقد دوّن قسماً من تلك الرسائل في مفكرته.
يتصفّح المفكرة، يتوقف عند إحدى القصائد: «هذه القصيدة لخالي حسين». ويبدأ بالقراءة، وفيما تسمع صوته واضحاً جلياً ترى تلك الرجفة في يديه المتجعدتين، لكن الرجل ثابت واثق في قراءته فيأخذك الإعجاب بصموده ومغالبته الشجاعة للسنين.
من ضمن المواقع التي خدم فيها، بلدة صغيرة على شاطىء بحر المانش على حدود انكلترا. كانت هناك فرقة ألمانية كبيرة حاصرتها قوات الحلفاء في إحدى جزر بحر المانش، ولكنهم أبوا أن يستسلموا، وكانت لبحر المانش أقنية كثيرة متفرعة تحيط بالجزيرة، فلم يكن ممكناً الوصول إليهم، الا من خلال الزوارق، وبطبيعة الحال، لأنهم في جزيرة محاصرة لم تكن تصلهم الإمدادات الغذائية، وعندما كانوا يشعرون بالجوع كانوا يتسللون إلى تلك البلدة فيهاجمون الحرس الفرنسي ويسطون على المؤن، بالاضافة الى المواشي. ولكنهم لم ينجحوا في المواقع التي كانت فيها فرقة الشيخ. وفي إحدى المرات، قرر جول البستاني مهاجمتهم لتسجيل مأثرة لفرقته، وطلب بإلحاح من رئيسه إذناً للقيام بالعملية، الا أن رئيسه رفض في البداية وما لبث أن وافق. ويروي الشيخ أبو وسيم: «من كثرة فرحي بالمهمة شعرت كأنني أسير على المياه»، الا أن المهمة لم تكتمل اذ أن الدليل الذي كان سيرشدهم إلى مواقع الألمان كان يملك قارباً وعندما ذهب لإحضاره وجده محطماً، «فعدنا أدراجنا».
يستذكر هنا أن التجربة في فرنسا «لم تكن بحجم التوقعات» التي ذهب بها، وهي أن تكون تجربة حرب وقتال وأعمال بطولية. لقد التحق بفرقة فنيت أربع مرات وأعيد تشكيلها عندما انضم إليها على هذا الأمل، لكن كلما كانت فرقته تذهب إلى موقع استعدادًا للحرب كان يجد أن الحرب انتهت فيه، وقد بقوا على هذه الحال قرابة السنة.

جزر--الفريول،-قبالة-مارسيليا-التي-خدم-فيها-أبو-وسيم-وقد-أصبحت-اليوم-معلما-سياحيا،-وتبدو-القلعة-العسكرية
جزر–الفريول،-قبالة-مارسيليا-التي-خدم-فيها-أبو-وسيم-وقد-أصبحت-اليوم-معلما-سياحيا،-وتبدو-القلعة-العسكرية

صندوق الذكريات

يحتوي صندوق الشيخ أبو وسيم على جملة من التذكارات من رحلته الى فرنسا مثل الأوسمة وميدالية ذهبية وصورة لديغول. وعندما تسأله عن سبب احتفاظه بصورة ديغول، يجيبك بعفوية: “إنه رئيسي، وصورته رمز”. وعن الأوسمة، يقول إنه حاصل على 7 أوسمة. بالاضافة الى هذه القطع، يحتوي الصندوق جملة من الأوراق المرتبة في ملفات، أحد هذه الملفات كتب عليه “وصيته”، وهناك ايضاً نسخ من مقال له يتحسّر فيه على فقد تقاليد المحبة والعيش المشترك في لبنان خصوصاً بين الدروز والموارنة تحت عنوان: “حلم هل يتحقق”، نشر في جريدة البيرق نهار الأربعاء في 1 شباط 1999، وبعث به إلى البطريرك مارنصرالله بطرس صفير.

صندوق-الأمجاد-الخالية---ميداليات-فرنسة-ولبنانية-وتنويهات-وصورة-الجنرال-ديغول
صندوق-الأمجاد-الخالية—ميداليات-فرنسة-ولبنانية-وتنويهات-وصورة-الجنرال-ديغول

وفي تلك الفترة أشرفت الحرب على نهايتها، وأخذوا ينقلون العسكر من مكان الى الآخر، وفي كل مكان كان الناس يستقبلونهم بالتهليل والترحاب فرحاً بانتهاء الحرب، وكانوا يقيمون لهم سهرة كل ليلة.
ويقول الشيخ أبو وسيم إنه في الوقت الذي كان الجيش الفرنسي يعامل المجندين الأجانب بكثير من التعالي، فإنه لم يلتقِ بألطف وألبق من الشعب الفرنسي في تعامله معهم. ويعيد هذه المحبة الى الشعور بنوع من الامتنان على الفرج الذي جلبه لهم الجيش بإنهاء الحرب التي تسببت بالجوع الشديد للناس لدرجة أنهم كانوا يأكلون قشر الليمون، اذ كان الألمان يأخذون المؤن وبقيت المواد الغذائية مقطوعة لأكثر من شهر، ولم يكن هناك سوى المعكرونة والبطاطا، «حتى نحن الجيش أصابنا الجوع».
بعد انتهاء الحرب سنة 1945، طالبت الحكومة اللبنانية بعودة أبنائها من فرنسا، فعرض الفرنسيون على العسكريين الجنسية الفرنسية شريطة أن يبقوا هناك، ولكنهم رفضوا، وعاد الشيخ الى لبنان في 10 آب 1945، ونال عدداً من الأوسمة لخدمته في الجيش الفرنسي الا أنه لا يعرف ما هي أسماء أو طبيعة تلك الأوسمة، وكل ما يعرفه أنه حصل عليها لأنه ترك بلده وذهب الى فرنسا ليحارب مع الفرنسيين. ويلفت الى أنه لا يزال يتلقى هدايا ومعايدات من الدولة الفرنسية على رأس السنة، وبين الحين والآخر يزوره أشخاص من السفارة الفرنسية في بيروت للإطمئنان على صحته.
عندما عاد المحاربون الى لبنان عُرض عليهم إما الانضمام الى الجيش اللبناني أو ترك الخدمة، فطلب الشيخ البقاء في الجيش وهكذا حصل. الا أنه يبدو أن التجربة العسكرية في الوطن لم تكن كالتي كانت في فرنسا بسبب «مناخات التمييز» التي كانت نهجاً عاماً في تلك الفترة، فكان بعض الجنود تلقى عليهم مهمات مرهقة ولا يحصلون على ترقيات إلا متأخرين كثيراً عن رفاقهم. وقد بقي الشيخ أبو وسيم مثلاً 10 سنوات حتى ترقّى من عريف الى رتبة رقيب أول.
الا أن هذه الحال لم تدم وتمّ نقله الى فوج المدفعية وأوكلت اليه مهام في لجنة التغذية للمناطق. وأدى سلوكه الحسن الى تقليده 5 أوسمة من الجيش اللبناني، منها وسام فلسطين ناله سنة 1948 عندما كان ضمن فرقة من الجيش اللبناني ذهبت الى حدود فلسطين في الوقت الذي دخلت فيه فرقة بقيادة الأمير مجيد ارسلان الى المالكية لمحاربة اسرائيل، اضافة الى وسام الاستحقاق اللبناني فضلاً عن وسام ناله على حسن سلوكه. ونظراً لشجاعته حصل في 14 حزيران سنة 1958 على تنويه من وزير الدفاع الوطني في ذلك الوقت سامي الصلح.
بعد انتهاء خدمته في الجيش اللبناني في 1 تموز 1967 بنحو سنة أو سنتين عمل الشيخ أبو وسيم لثلاث سنوات كمدقق للكتب في أحد المكاتب، ومن بعدها تفرّغ للدين والعبادة.

الحياة الحرة
في أية ساعة تستيقظ؟
أستيقظ بين الرابعة والخامسة فجراً، أقصد الحديقة الملحقة بالمنزل كي أحرّك جسدي. لا أريد أن يحصل بي ما حصل مع والدي الذي لم يكن يتحرك فأصابه العجز، وأنا أتحرك كي أحافظ على صحتي فلا أعجز. يسرد حادثة حصلت مع شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الأسبق المرحوم الشيخ محمد أبو شقرا. كان الشيخ ينكش الأرض وصادف أن رآه أحد الشباب فهب لمعاونته فوراً قائلاً: ماذا تفعل أنا سأتولى ذلك عنك! الا أن الشيخ محمد رحمه الله رفض المساعدة قائلاً له: أنا أفعل ذلك كي أحافظ على صحتي.
ما الفرق بين اليوم والماضي؟
فقدت المروءة. تركنا فضيلة الصدق ونزعنا الحشمة التي هي أهم صفات الموحدين. بقيت 15 سنة محروماً من حضور الأعراس لأن الكثير من النساء يتركن ملابسهن في المنزل ويأتين الى المناسبات «كاسيات عاريات».
ما رأيك بجيل هذه الأيام؟
الله يساعدنا على جيلكم، والله يساعد أبناء هذا الجيل لأنهم لم يحصلوا على التربية بشكل صحيح لذلك ضاعوا. أين التربية الدينية، وهي الأساس في بناء جيل صالح؟. الناس مشغولون بالتلفزيون واللهو. لم يعد أحد يفكر بزيارة جاره القريب. التلفزيون سرق الإلفة من الناس.

صورته وهو يتلقى الوسام الفرنسي على الصفحة الأولى من النهار
صورته وهو يتلقى الوسام الفرنسي على الصفحة الأولى من النهار

على الصفحة الأولى من “النهار”

هذه الصورة نشرت للشيخ أبو وسيم في الصفحة الأولى من صحيفة “النهار” اللبنانية في عددها الصادر في 12 تشرين الثاني 2003، ويبدو فيها يتقلّد وساماً من ضابط فرنسي، يشير الشيخ إلى أن هذه الصورة أخذت في السفارة الفرنسية في لبنان، حيث دعي لينال التكريم ويتقلد وسامين فرنسيين تقديراً لذهابه الى فرنسا ومحاربته مع الجيش الفرنسي. ويلفت الى أن زي الدين الذي يرتديه لفت نظر المصوّر، وأخذت هذه الصورة صدى في أوساطه، اذا أنها تزامنت مع عيد الأضحى حيث كان المسيحيون من أبناء البلدة يعايدون الدروز، وأخذ صديقان مسيحيان العدد وزاراه في منزله لاعطائه اياه، فضلاً عن تلقيه الصورة المنشورة في اطار من رجل مجهول من عاليه.

 

 

بقعاتا

مدافن -ومتحف-الشهداء في بقعاتا

أبناء الجبل يخلِّدون أبطالهم

المعلم الأهم في المدفن والذي يضم النسر
المعلم الأهم في المدفن والذي يضم النسر

«ساحة الشهداء» اسم مطبوع في أذهان أبناء الشوف يرددونه يومياً ليس بسبب إلمامهم بحقيقة التسمية ولكن غالباً كعنوان يشيرون فيه إلى منازلهم أو تجارتهم أو إلى غير ذلك من الأمور اليومية. قليلون هم ربما الذين فكروا باجتياز العتبة التي تفصل بين الساحة وبين تلك الواحة التراثية العظيمة الشأن التي سميت عند إنشائها بـ «مدافن شهداء 1958» لكنها في الحقيقة أقيمت لتكون معلماً معمارياً وثقافياً يعبّر عن تكريم الموحدين الدروز وأبناء الجبل لشهدائهم وتقديرهم لكل من أولئك الرجال الذين بذلوا النفس رخيصة من أجل أن يبقى الجبل آمناً ومصوناً.
عندما أقيمت مدافن الشهداء سنة 1958 تحوّلت هذه فوراًَ إلى معلم مهم يزوره القاصي والداني، فقد شاع بين معاصري تلك الفترة التصميم الرفيع الذي بنيت على أساسه والجهد الكبير الذي بذله فنانون ونحاتون كبار من أجل تحويل أفكار المعلم كمال جنبلاط إلى إنجاز عمراني وتراثي على الأرض.
كان المعلم كمال جنبلاط متعلقا أشد التعلق برفاقه المجاهدين وكان من أصعب الأمور عليه أن يسمع بنبأ استشهاد أي منهم في ساحة الجهاد. وقد كانت فكرة إنشاء المدافن وتزيينها بالمنحوتات والنصب الرمزية هي الطريقة التي أراد بها أن يظهر حجم التكريم الذي يدخره الموحدون الدروز لأبطالهم، وهو قام شخصيا لذلك بوضع التصور العام للمدافن وساعده فيها بصورة خاصة الفنان المرحوم عارف الريس الذي شارك شخصياً أيضاً مع الفنان الراحل وهيب البتديني في أعمال النحت وتوجيه النحاتين والبنّائين الذين عملوا بلا كلل لأكثر من سنة ونصف السنة من أجل إنهاء العمل.
أقيمت المدافن يومها في موقع وسط على الطريق العام بين السمقانية والجديدة، ولما كانت حركة العمران يومها لم تبدأ بعد في بقعاتا فقد كانت المدافن يومها معلماً بارزاً يلفت نظر المواطنين ويستقطب اهتمامهم، كما أنه ونظراً إلى أن أحداث الثورة كانت قريبة للأذهان فقد كانت المدافن توارى من قبل العديد من أهالي الشهداء ومن أعداد من المواطنين الذين اجتذبتهم شهرة المدافن فأحبوا الاطلاع عن كثب على تصميمها ومعالمها الكثيرة.
بالطبع اختلف الوضع اليوم، فكثر العمران وطغت اهتمامات المال والتجارة وابتعد ذلك الزمن الشريف في الزمن ونال مدافن الشهداء بذلك ما نالها من آفة النسيان بل ومن ضعف الصيانة والإهمال، ومع ذلك فإن آثار السنين ليس فقط لم تنل من هذا المعلم الذي لا يزال واقفاً وصامداً كما لم تضعف من معانيه، بل زادته جاذبية وجلالاً. وعلى سبيل المقال فقد قام أحد المغتربين بزيارة مدافن الشهداء اثنتي عشرة مرة حتى الآن وفي كل مرة، يقول، كان يكتشف معاني وإيحاءات خفية جديدة.
عندما تطأ قدمك تراب المدافن وتدخل ميدانها الفسيح تجد نفسك على الفور في عالم آخر من السكينة والصمت غير المبالي بكل ما يحيط به من ضجيج الأعمال والمصالح وازدحام وضجيج السيارات. وبالفعل يتحول المشهد إلى رمزية غريبة. هنا مثلاً داخل سور المدافن وعشبه واشجاره الباسقة رموز للتضحية بالنفوس والزهد بمتع الحياة من أجل قيم البطولة والكرامة والحق، وهناك خارج السور كل ما يبدو على طرف نقيض من تلك القيم.

منحوتة تخلد دور مجاهدي جبل العرب في ثورة 1958
منحوتة تخلد دور مجاهدي جبل العرب في ثورة 1958
الكتاب ويرمز إلى المعرفة
الكتاب ويرمز إلى المعرفة
مثوى أحد شهداء 1958 والشاهد الحجري
مثوى أحد شهداء 1958 والشاهد الحجري

حقيقة الأمر أن تعبير «مدافن الشهداء» أعطي بهدف تكريم المناضلين الذين سقطوا في ثورة 1958 وهذا التعبير ينطبق على الشواهد التي جرى نظمها وفق خطوط مستقيمة متوازية وكتب عليها إسم كل شهيد وتاريخ ومكان استشهاده. لكن في ما عدا ذلك، فإن المعلم أراد أن يقدّم في الوقت نفسه وعبر تصميم المدافن وتزيينها عرضاً مجسّماً للحقيقة وترجمة بالرمز والعمل الفني لبعض أهم مقولات التوحيد العرفاني وخصوصاً وحدة الحياة والموت. وقد أراد ربما في الوقت الذي كان يتم دفن الشهداء التذكير بأن الموت ليس نهاية بقدر ما هو بداية جديدة وولادة، وبهذه القيم المستبشرة تعامل المعلم وأراد لرفاقه أن يتعاملوا مع الشهادة والموت بإعتبارهما تحققاً وليس فناءً، وهو أضفى بذلك على تلك الفترة العصيبة دلالات يحتاج التعمق في معانيها إلى الكثير من التفكّر وربما يحتاج إلى دليل يشرح للزائر مغزى الرسالة الفلسفية التي تركها كمال جنبلاط وكان يومها في سن الأربعبن للأجيال التي ستليه.
لهذه الأسباب، فإن الزائر لـ «مدافن الشهداء» ينتظره مفاجأة هي أنه ما أن ينقل ناظريه عن صفوف الشواهد الحجرية حتى يجد نفسه في ما يشبه متحف لقيم ومفاهيم ورموز مستقاة بترتيب من أدوار الحكمة القديمة. فهناك النسر المهيب الذي يفرد جناحيه الضخمين، وهناك مثلث هرمس الحكيم والحيّة والصولجان، وهناك المسلّة المرتبطة بالتوحيد المصري القديم كما سترى على اليسار زهرة اللوتس تقابلها بيضة كبيرة نحتت من الحجر ويفصل صفوف المدافن في الوسط بركة مياه ومنحوتات في داخلها وعلى أولها ورموز وأعداد قد تفهم بعضها وتعجز عن فهم بعضها الآخر. ينتقل ناظرك بعد ذلك إلى هرمين مستدقّين ولوحة على مدخله وخلف اللوحة المزيد من الشواهد الحجرية لمزيد من الشهداء. تعود وترى الصورة بالتدريج من المدخل: هرمان على المدخل يشكلان لوحة، ثم بركة مياه تفصل مدافن الشهداء التي تتقدمها لوحة حجرية نقش عليها علم لبنان وصورة لصفوف الثوار على يمين النسر تجد برجاً يوحي بأنه النهاية أو طريق الصعود.
من الأمور اللافتة لا يكون هناك أي نص تمّ فيه شرح المعاني الفلسفية لمعالم مدافن الشهداء ومنحوتاته. إذاً إن المعلم نفسه لم يكتب بنفسه عن الرمزية الفلسفية لمدافن الشهداء كما أن الذين شاركوا في صنع المدافن ونحتها أصبحوا جميعاً تقريباً في دار الحق. وعدا ذلك، فإنه لم نعثر على نص يشرح المعاني الفلسفية لمدافن الشهداء ومعالمها.
لحسن الحظ التقت «الضحى» بفعل الصدفة مع أحد الرجال الذين نحتوا هذه الرموز وهو تبرع مشكورا برواية ما يتذكره من أحداثها وذكرياتها.
إنه الشيخ أبو زياد يوسف محاسن، ابن الخامسة والسبعين عاماً الذي أعادته أسئلتنا عن مدافن الشهداء نحو 54 عاماً إلى الوراء وأثارت فيه الذكرى مشاعر عميقة جعلته يستذكر تلك التجربة الغنية، تجربة العمل مباشرة مع المعلّم كمال جنبلاط.
يقول: «هذه المدافن وما تحتويه قرر كمال بك انشاءها بعد أن بدأت معارك ثورة الـ 58 وصممها بنفسه. كانت هناك معارك تجري بينما العمل على المدافن قائماً، كانوا يجلبون الشهداء ونحن نعمل، يدفنونهم ونحن ننحت لوحة لكل شهيد بإسمه وتاريخ ومكان استشهاده». يضيف الشيخ أبو زياد: «أنا كنت من الثوار وكنت ضمن فصيلة الجديدة، بدأت الثورة في الربيع وكان المعلّم ممنوناً جداً منّا نحن الثوار، اذ أننا كنا نلتزم قيم الشهامة والأمانة والصدق فلم تفقد قشة من أي موقع دخلناه».
شارك الشيخ أبو زياد في الثورة على مدى ثمانية أشهر ومن ثم انضم الى فريق العمل في الساحة: «كل هذه الرموز التي ترونها في الساحة نحتناها بأيدينا بإستخدام الشوكة والمطرقة بشكل يومي على مدى ستة أشهر، كنا أكثر من سبعة أو ثمانية معلمين وعمال وكان كمال بك يشرف على العمل». وعندما تسأله كنتم تتحدثون اليه؟ يرد وهو يهز رأسه بالإيجاب: «معلوووم»، ويسهب في الحديث عن التواضع الذي كان يعاملهم به المعلّم، راوياً أحد المواقف التي حصلت أثناء العمل: «في أحد المرات جاء كمال بك وجلس على حجر الى جانبنا فيما نحن نعمل وكانت شذرات الحجر تتطاير عليه، فنهض الناطور وقتها وجلب له بطانية ليجلس عليها قائلاً له هذه أطرى، ولكن المعلّم أخذ الأمر بالمزاح ولم يقبل أن يجلس على البطانية». وعن الأبعاد التي أرادها كمال بك من هذه الرموز يقول: «وقتها قال لنا إن النسر الطائر من البركة هو رمز للخلود، والحيّة على ظهره رمز للفطنة، أما العصا الموجودة أيضاً على ظهر النسر فهي رمز لصولجان العدل. ويلفت الى أنه تمّ نحت البرج في آخر الساحة بعد سنة من العمل بالمنحوتات الأخرى، مشيراً الى أنه لا يعرف الى ماذا يرمز. وعندما تسأله عن الرموز الباقية يرد بأسف: «قال لنا وقتها ولكن نسينا».

تصاوير ورموز فلسفية وضعها المعلم كمال جنبلاط وأبدعها النحاتون
تصاوير ورموز فلسفية وضعها المعلم كمال جنبلاط وأبدعها النحاتون
مدافع حجرية تحمي سكون المكان
مدافع حجرية تحمي سكون المكان
مجاهدو 1958
مجاهدو 1958

نحات شارك في المعلم المعماري يستذكر المعلـّم والثورة

المجاهد حمد البربور

قصة ثأر وشجاعة وأقدار عجيبة
بين البطل ظاهر عامر وآل الفحيلي

كيف حولت تقاليد البادية وأخلاق الرجال
عداوة الدم بين عائلتين إلى صداقة مديدة

كان ظاهر بن حمّود عامر واحداً من ستة أخوة اشتهروا بفروسيتهم، وهم فارس وأسعد وظاهر وفندي وخزاعي وخمري. تميز ظاهر من بين أخوته بلون بشرته الأشقر الضارب إلى الحُمْرَة، وبكثافة شعر حاجبيه المتدلّيين على عينيه حتى كادا أن يحجبا الرؤية عنهما إن هو لم يرفعهما، أو يثبّتهما بعصابة. وهو سليل أسرة كافحت للحفاظ على انتمائها للتوحيد ضد الظلم والتمييز الطائفي، إذ هاجر أجداده من شمالي سوريا بتأثير تلك المظالم لينزلوا في جهات الغوطة وإقليم البلاّن. يذكر هذا الكاتب يحيى حسين عمّار في كتابه “الأصول والأنساب”، الصادر عن دار الضحى سنة 2002، فيقول إنّ تلك الأسرة سكنت أوّل الأمر في بلدة قَطَنا، ثمّ ارتحلوا منها إلى قرية مجاورة تدعى “حينا”، وهناك استقرّوا في أبنية كانت في القديم ديراً للرهبان هجره أصحابه، لقد كانت هجرة الديار والنزوح منها ظاهرة تكاد تكون عامة في ذلك العهد بسبب عدم الاستقرار وغياب سلطة الدولة خارج المدن الكبرى في بلاد الشام.

ضريبة الشرف
في مطلع القرن التاسع عشر تعرّض بعض الأهالي من الجيران لنساء من آل عامر، سكان دير حينا الموحّدين، كان رجالهم في العمل خارج القرية، ولما رجع هؤلاء مساء وتبينوا ما جرى، هاجموا الجماعة المعتدية وانتقموا منهم بمقتلة كانت حصيلتها نحو ستين قتيلاً، عندئذ فطن العثمانيون لما حدث، فأرسلوا حملة عسكرية على آل عامر وأبناء عمومتهم من آل نوفل هدمت عليهم البيوت التي يقطنونها، وقتلت منهم من قتلت واستاقت من أسَرَتهم من الرجال، وشتت شمل الباقين الذين فرّوا باتجاه جبل حوران ــ كما كان يدعى آنذاك ــ ليستقرّوا في قرية أم الزيتون، ومن ثم مدّوا نفوذهم إلى شهبا.
لقد رتّبت سيطرة آل عامر على شهبا، والعديد من قرى وادي اللوى المنحدر من السفوح الشمالية الغربية لجبل العرب باتّجاه سهلة براق جنوب شرق دمشق، مسؤوليات الدفاع عن الوجود الحضري للإنسان في البلدة والديار المجاورة التي تآكّلها الخراب والبداوة قروناً مديدة، فعملوا على حماية الزراعة في موطن ناشئ كانت تسيطر فيه تقاليد الصحراء والغزو، بحيث كان الوالي العثماني المقيم في مدينة دمشق، يجد نفسه مجبَراً على تجييش عساكر الولاية ومنازلة أولئك البدو في القفار التي هم أكثر خبرة بدروبها ومسالكها المخيفة، أو كان يدفع لهم المال مقابل تسوية موسميّة توفّر إراقة الدماء.
نتج ذلك عن تراجع القوة العثمانية بسبب فساد ولاة وجيش السلطنة، وعجز القيادة عن مواكبة العلوم العسكرية والإدارية الحديثة. نتيجة لذلك توجّب على رعايا السلطنة أن تقوم كل فئة منهم خارج المدن الرئيسية التي تنحصر فيها سيطرة الدولة، بالاعتماد على نفسها في توفير الأمن الذاتي الذي طالما كان يضطرب تبعاً لموازين القوى التي لم تكن لتستقرّ على حال، إذ كان الولاة العثمانيون ينقلون تأييدهم ودعمهم إلى هذه الفئة أو تلك، من فئات السكّان وطوائفهم وفقاً لحسابات سياسية، أو بحسب كميّة الرشاوى أو وفقاً لأهواء مذهبية ضيّقة.
ولم يكن العوامرة وحدهم في معترك أحياء شهبا وقرى القسم الشمالي من الجبل، فقد كان بنو معروف في سائر قرى الجبل التي أحْيَوْا مواتها، وعمّروها بعد خرابها، يتآزرون في هذا المجال دفاعاً عن وجودهم على هذه الأرض الجديدة التي وصلوها مُطارَدين من مواطنهم الأولى.
كان الاستبداد السائد في مواطنهم التي هُجّروا منها، يضاف إليه الحلف الشهابي الفرنسي الطائفي المركّب ضدّهم في جبل لبنان، والاضطهاد الديني في ديار حلب والشام، وشمال فلسطين، وصراعاتهم القبلية الموروثة بين”قيسي” و”يمني”، كل تلك العوامل كانت من أسباب تشتتهم ولجوئهم إلى جبل حوران، الذي حمّلوه اسمهم ( جبل الدروز)، في ما بعد، وكان ذلك كلّه يتمّ على حساب تضحيات جسيمة، وسيل من دماء الضحايا.

كان فرسان آل الفحيلي يصرّون على أن تُقدّم الذبائح طعاماً لهم وهم على ظهور خيولهم، وصحاف الطعام محمولة على رؤوس الرجال أو النســـاء من فلاحي السـهل المقهورين

نزاع مع سادة الريف الدمشقي، آل الفحيلي
كانت لقبيلة الفحيلية، في مطلع القرن التاسع عشر وما سبقه، صولة وجولة في جنوب مدينة دمشق، وخصوصاً في منطقة اللجاة وأطرافها، إذ كانت هذه القبيلة البدوية الباسلة تمد نفوذها أحياناً إلى سهل حوران بكامله، بحيث كان فرسانها يفرضون خُوّة سنوية على كافة قرى السهل الحوراني، أما الجبل الذي كان آنذاك بمعظمه خراباً، ومراعي لمواشي البدو في فصل الربيع وأوائل الصيف، فقد بدأ ينفض عنه مظاهر الخراب والبداوة.
حدث ذلك عندما أخذ الموحّدون الدروز المهجّرون من لبنان وديار حلب وشمال فلسطين ببعث العمران في أرجائه التي ران عليها الخراب ونعيق البوم منذ مئات السنين… وقد بلغ من سطوة فرسان الفحيلية وجبروتهم في ذلك الزمن أنّهم عندما كانوا يجوسون في قرى السهل الحوراني كانوا يفرضون على الأهالي من الحوارنة أن تُقدّم الذبائح طعاماً لهم، فلا يأكلون إلاّ وهم راكبون على ظهور خيولهم، والموائد وصحاف الطعام محمولة على رؤوس الرجال أو النساء من فلاحي السهل المقهورين بالدولة وبسيطرة البدو معاً.
حتى والي دمشق العثماني كان يضطرّ لمصانعة أولئك البدو، فيسلّم في كل سنة خُلعة لشيوخ البدو من الفحيلي والسرديّة، وكان هذا التصرّف من الباشا العثماني بمثابة تفويض من السلطة لهؤلاء البدو يجيز لهم أخذ الإتاوة من قرى حوران والجولان، ومن قرى كثيرة في جبل عجلون، على أن تكون حصة الوالي من تلك الضريبة عشرين كيساً من القروش الذهبية (الكيس يحوي خمسمائة قرش) يدفعها له آل الفحيلي، كما يدفع السردية أيضاً اثني عشر كيساً مثلها.
في تلك الفترة التي تميّزت بضعف هيبة الدولة، وتنازع الفئات الاجتماعية، وسيادة شريعة الغاب، نزل آل عامر في مدينة شهبا، كان ذلك نحو العقد الأول من القرن التاسع عشر، بعد أن انتقلوا إليها من بلدة أم الزيتون، ومن ثم أزاحوا آل القلعاني الذين ضعف دورهم بعد موقعة مذبح الدروز،على تخوم وعرة الصفاة شرقي قرية الحقف التي تبعد نحو عشرين كيلومتراً شمال شرق شهبا، تلك الموقعة التي شكّلت كارثة على آل القلعاني، إذ خسروا ستة أشقاء من خيرة فرسان بني معروف أثناء ملاحقتهم لجماعات البدو الذين لم ينفكوا عن الإغارة على الأراضي الزراعية. وبنتيجة تلك الخسارة الفادحة فقد آل القلعاني موقع الوجاهة في شهبا لصالح آل عامر، فانتقلوا في ما بعد إلى نمرة، ومن ثم إلى شقّا.

سلطان-باشا-الأطرش-ورفاقه--في-منفاهم-في-الكرك---المملكة-الأردنية--سنة-1935
سلطان-باشا-الأطرش-ورفاقه–في-منفاهم-في-الكرك—المملكة-الأردنية–سنة-1935

قال ظاهر لرجاله:” سأهجم على الفحيلي لوحدي، فإن قتلته سينهزم رجاله، ونسلم، وإن هو قتلنــي فليتــدبّر كل واحد منـــكم أمر نفسه”

آل عامر في موقع المواجهة
لم تكن زعامة آل عامر في شهبا بالمهمّة السهلة في ذلك العصر من فوضى البداوة وتواطؤ الولاة الذين كانوا لا يكفون عن تحريض البدو والجوار على الموحّدين، وطبقاً لهذه السياسة وإثر اعتداء قام به رعاة من قبيلة الفحيلي على مزروعات أهالي شهبا ذات ربيع من ذلك الزمن البعيد، فاشتبكوا مع نواطير المزروعات الذين لم يتمكنوا منهم لأنهم أعدّوا عدّتهم للأذى، فاضطرّوا لطلب النجدة من فرسان بلدتهم الذين سارعوا إليهم ولاحقوا المعتدين بهدف إبعادهم عن معمور بني معروف باتجاه مواقعهم التي قدموا منها وراء خربة المسمية الواقعة شمالي اللجاة ــ كانت المسمية آنذاك خراباً لم تعمّر بعد ــ ، وفي ذلك الموقع البعيد من حمى الجبل فوجئ فرسان شهبا ببركات الفحيلي، شيخ قبيلة الرعاة المعتدين، يرافقه نحو ثلاثين فارساً من قبيلته بعد أن كان راجعاً من زيارته للوالي العثماني في الشام.
كان الرعاة بدورهم قد استنجدوا بفرسان قبيلتهم التي كانت مضاربها قريبة منهم، وقد اشتد الاشتباك بين الفريقين، وما أن رأى بركات رجاله يتراجعون في مواجهة فرسان شهبا الذين كان يقودهم ظاهر حتى اعتملت في رأسه حَميّة القبيلة، فانبرى مع من معه واندفعوا إلى جانب مقاتلي الفحيلي، هنا وقع فرسان شهبا القلائل في مأزق، فإمّا الهزيمة والنجاة، وإمّا الإبادة.
كانت تقاليد البداوة تقضي بهزيمة المقاتلين إن قتل قائدهم، قال ظاهر لرجاله:” سأهجم على الفحيلي لوحدي، فإن قتلته سينهزم رجاله، ونسلم، وإن هو قتلني فليتدبّر كل واحد منكم أمر نفسه”.
لم يمهل ظاهر نفسه، ثبّت حاجبيه بعصابة على جبهته، وانتخى كعادة فرسان ذلك الزمن واندفع نحو زعيم القوم يشتبك معه كيفما كان الأمر، بارودة لبارودة، وسيفاً لسيف، وما هي إلّا جولات مريرة حتى وقع الفحيلي قتيلاً، وانهزم من كانوا معه يلوذون بوعور اللجاة.

ثأر لم تَطْوِه الأيّام
كان يوم المسمية نصراً للزراعة والتحضّر لا في شهبا وحدها، بل في سائر قرى المقرن الشمالي من الجبل، فقد أدرك البدو أن للزراعة ربّاً يحميها، ولكن قبيلة الفحيلي قبيلة عربية لا تنام على ضيم لحقها بمقتل شيخها.
يوم قتل بركات كانت إحدى نسائه حاملاً تنتظر وليداً قارب قدومه إلى هذا العالم الدامي، وعندما ولدته كان مولوداً ذكراً أسمته( ظاهر)، على اسم قاتل والده، كان هذا تدبيراً ذكيّاً من الأم الوالدة لكيلا يُنسى الثأر من القاتل، ظاهر عامر.
مرّت أعوام تتلوها أعوام، بضعة عشر عاماً، وإذا بظاهر الفحيلي شابّاً يافعاً، وقد ورث حمى أجداده المتمثل بسيطرة قبيلته على الريف الجنوبي لدمشق، وامتداداً إلى قرى حوران.
أمّا الطريق ما بين الجبل ودمشق، فقد كانت طريقاً مخيفة في تلك الأيام، كشأنها في أيّام الاضطرابات دائماً، وإلى يومنا هذا.
ويشاء مدبّر القدر أن يكون ظاهر عامر عائداً من دمشق إلى شهبا بصحبة فارسين اثنين من بني عمّه، وعلى ذلك الطريق في سهلة براق وفي ليلة شتائية باردة داهمتهم عاصفة وضباب أضاعوا معهما الطريق فتاهوا، وعندما انفرج الجو قليلاً أدركوا أنهم في موضع بعيد عن ديارهم، ولم يلبثوا أن استأنسوا بنار تلوح عن بعد، فتوجّهوا نحوها علّهم يجدون قربها مأوى دافئاً من برد وبلل ألمّا بهم.

عجائب الأقدار
ما أن وصلوا، ترجّلوا عن خيولهم ونزلوا ضيوفاً في البيت الذي استدعتهم إليه ناره، كان بيت الشيخ الذي رحّب بهم، وكان في المضيف شبّان ساهرون من الأسرة بينهم ظاهر الذي تنبّه إلى أنّ أوصاف أحد الضيوف تطابق أوصاف قاتل أبيه، فعجّل في تلك الليلة يستدعي عمّه الكهل للتثبّت من صحّة معرفته بقاتل والده الذي يعرفه بحكم علاقات الجوار القديمة.
وصل العمّ سريعاً، وعندما سلّم على الضيوف أدرك أن طريدته وصلت إلى بيته!؟، التفت نحو الشبّان، أولاد أخيه المقتول، وقال لهم ( كبّروا النار يا عيال)، وما أن شبّت النار حتى ظهرت ملامح ظاهر عامر التي يعرفها جيّداً، شعر الحاجبين الكثّ فوق العينين، والبشرة الشقراء المائلة للحمرة، ومهابة الرجل.
بادره العم:” هو انت ظاهر وَلاّ انت شبيه لَهْ ؟!”.
أجابه ظاهر بلا تردّد:” أنا ظاهر بذاته”.
ــ هو انت واهم أو انت وارد؟ ( الواهم هو الواصل إلى مكان عن طريق الغلط، أي لم يقصده، والوارد هو القادم عن سبق تصميم وإصرار).
قال ظاهر عن بداهة منه واستدراك:”بل أنا وارد”.
هنا، قال العم لأولاد أخيه:” قدّموا للضيوف تمراً، ولا تقبلوا إلاّ أن يأكلوا، وبعدها أطفئوا النار، وفي الغد نرى ما سنفعل”.( لأنّه من تقاليد العرب أن من يطعم الضيف الخبز والملح لا يحق له أن ينال الثأر الذي له عنده).
في تلك اللحظات الحرجة أدرك ظاهر أن القدر ساقه إلى بيت غريمه، فقال لصاحبيه: “ليس بيدنا أن نفعل شيئاً، ولابدّ أنهم قد ربّطوا أفراسنا، وشددوا الحراسة علينا لكيلا نفلت منهم، ناموا وتوكّلوا على الله، والصباح رباح”.

قال شيخ الفحيلي: “إن حلف ظاهر عامر وأنكر أنه قتل بركات أخي سنقتله لأنه كذاب، وإن هو اعترف فلتزغرد نساء القبيلة لأننا نكون قد أخذنا ثأرنا بالعفو عند المقـــدرة”

يوم الفصل
صبيحة اليوم التالي جمع العمّ رجال القبيلة، وقال لهم:”هذا اليوم لنا. إذا حلف ظاهر عامر وأنكر أنه قتل بركات أخي سنقتله لأنه كذاب، أنا رأيته بعينيّ هاتين يوم قتل بركات، وإن هو اعترف ــ والتفت نحو جمع من نساء القبيلة ــ وقال لهنّ: لازم تزغردن يا بنات، بهذا نكون قد أخذنا ثأرنا بالعفو عند المقدرة”.
ما هي إلاّ لحظات كانت كدهر مديد على ظاهر عامر ورفيقيه الحبيسين في المضيف، وقد أسلموا أمرهم لله تعالى، حتى قدم رجال من القبيلة وطلبوا إليهم المثول أمام الحشد في ساحة من عراء اللجاة، وفي صباح تقنّعت شمسه ببراقع من غيوم دكناء ورياح غربية باردة يدفعها البحر المتوسّط شتاءً عبر فتحة الجولان إلى وعور اللجاة، تقدّم العمّ من ظاهر وهو يحمل بيده عوداً من شجر اللوز البرّي الذي كان يكثر انتشاره في تلك الدّيار، وخطّ به على الأرض دائرة، وقال له:”توسّط الخِطّة يا ظاهر، وهاك عود اللوز واحلف بما تعرف عن يوم ذبحة بركات”.
تناول ظاهر العود من غريمه، ثم توسّط الخطّة وصاح بأعلى صوته:”وحياة من خلق عود اللوز، وخلق الدنيا بالجوز( أي خلقها أزواجاً)، وحياة من خلق هذا العود، وما لنا غير الله من رب معبود، بارودتي أصابت بركات الفحيلي، والله هو المحيي وهو المميت”.

خاتمتها صلح وصداقة
لم يكد ظاهر يكمل قسمه، حتّى علت زغاريد نساء القبيلة اعتزازاً بأن قاتل شيخهم بطل شجاع من أشراف الناس، وليس إنساناً نكرة، وهذه الدنيا شأنها هكذا، يوم لك ويوم عليك…
بعد ذلك صنعوا وليمة لظاهر ورفيقيه، وعقدوا راية بيضاء دلالة على المصالحة والتسامح وتجاوز العداوة القديمة، وأن لا ثأر لآل الفحيلي عند آل عامر بعد اليوم، ولم يلبث أن انطلق ظاهر وصاحباه من مضارب الفحيلي إلى شهبا، وقد حمّله آل الفحيلي بنبلهم وتسامحهم دَيْناً عظيماً، فجمع أقاربه وأعيان شهبا، وأنبأهم بالذي حدث له ولصاحبيه مع آل الفحيلي، قدّر آل عامر وأهالي شهبا ما فعله آل الفحيلي تقديراً عالياً، وقرّروا أن يقوموا بزيارة رد جميل لهم، وهكذا كان، إذ جمع ظاهر عامر وفداً من آل عامر وسائر أعيان شهبا، ومن ثمّ انطلقوا يحملون هدايا ثمينة تليق بتسامح القوم الكرام، آل الفحيلي، وإلى يومنا هذا لم تزل المودّة قائمة بين آل الفحيلي من جهة، وآل عامر وسائر بني معروف تقديراً لتلك التقاليد النبيلة.

كان حمد قادراً على كسب الناس للثورة بسبب ثقة الناس به لصدقه وإخلاصه وكرمه وشجاعته وتفانيـــــه وعدم اكتراثه بالتضحيات واستخفافه بالموت

aصورة-نادرة-للشيخ-عودة-أبو-تايه-وبعض-وجهاء-الحويطات
aصورة-نادرة-للشيخ-عودة-أبو-تايه-وبعض-وجهاء-الحويطات
شبلي-الأطرش
شبلي-الأطرش
الجنرال موريس سراي
الجنرال موريس سراي

استشهاد حمد البربور في موقعة تل الخروف آلم سلطان وأثّر على مسار الثورة في المراحل والمعارك التالية

سعيد زين الدين

سعيد زين الدين فارس العدالة

سيرة قاض أصبح في عهود الاستبداد
رمزا لتحدي فساد الحكام انتصارا للحق

شجاعته في صون استقلال القضاء وعدل الأحكام
جعلت إحدى الصحف تشبهه بعدل عمر بن الخطاب

وبـّخ جمال باشا لمحاولته التدخل في عمل القضاء
فزاره القائد التركي بعد سنوات في دارته في عين قني

ذاع صيته كقاض شجاع وكمصلح في بلاد المشرق
وكانت الصحف تهلل لتعيينه رئيساً للقضاء في بلدها

عاقبه الفرنسيون لذهابه للتعزية بالمناضل رشيد طليع
لكنهم عادوا ورقّوه إلى أعلى منصب قضائي في لبنان

 

في حقبة تاريخية عصيبة تميّزت بثقافة الاستبداد وفساد المتنفذين وتحكم بعضهم بالأرزاق والأعناق تحوّل القاضي سعيد زين الدين إلى رمز لكلمة الحق وشجاعة الموقف وكان لنزاهته كقاض ورفضه لتدخل أهل السياسة وتمسكه بحكم القانون أصداء واسعة في المنطقة جعلت منه رمزاً للعدل يلتف حوله الناس وتهلل له المدن عند تعيينه كرئيس للقضاء فيها. لكن تمسك زين الدين الشديد بمسلكية القاضي الحر جلب عليه الكثير من المتاعب وكلفه في أحد الأوقات االنفي الى أقاصي الأناضول. فمن هو سعيد زين الدين وما الذي جعل من حياته قصة زاخرة بالأحداث والفصول المثيرة؟ في هذا الملف تعرض الدكتورة عايدة الجوهري لسيرة الرجل وللأسباب التي تجعل منه أحد أبرز الأعلام الذين أنجبتهم طائفة الموحدين الدروز في الأزمنة المعاصرة. والمقال مستقى من كتاب للدكتورة الجوهري يصدر قريباً بعنوان:“ القاضي والنقاب“.

ولد سعيد زين الدين سنة 1877 في جبل لبنان أيام حكم ثالث المتصرفين، رستم باشا (1883-1873)، وبعد سنة من وصول السلطان عبد الحميد الثاني إلى سدّة السلطة سنة 1876 وبعد 21 عاماً من إعلان المحطة الثانية من التنظيمات العثمانية الإصلاحية المعروفة بخط همايون (1856)، الذي تلا الخط الأول خط كلخانه (1839). وقد أطلقت تلك الإصلاحات موجة من السياسات التحديثيه العثمانيه في مجال الإدارة والتعليم. لكن قيض لسعيد أيضاً أن يشهد في مستهل حياته المهنية كقاضٍ انقلاب جمعية “الاتحاد والترّقي” المتعصبة سنة 1908 وخلعها للسلطان عبد الحميد، وتعيين محمد رشاد بديلاً عنه مع تجريد الأخير من معظم صلاحيات السلطان. وأطلق انقلاب الطورانيين حملة التتريك واضطهاد العرب وثقافتهم، كما قام العهد الجديد بإلغاء نظام المتصرفية سنة 1915 بعد سنة من إندلاع الحرب العالمية الأولى (1914) التي انتهت بهزيمة العثمانيين وجلاء الأتراك عن لبنان سنة 1918، ودخول لبنان في حقبة الإنتداب الفرنسي تنفيذاً لإتفاقية سايكس- بيكو السرية (1916) بين بريطانيا وفرنسا.
وبذلك شهد سعيد زين الدين المخاضات السياسية الكبرى التي إنتقلت فيها المنطقة العربية ومن ضمنها لبنان، من حالٍ الى حال، كما شهد التطور التحديثي الذي نجم عن التنظيمات الإدارية وكذلك عن النهضة غير المسبوقة في مجالي التعليم والعمران، والتي ساهمت الإرساليات الأجنبية والمدارس الخاصة الطائفية والعلمانية التي كانت تدرس العلوم الحديثة في انطلاقها. وقد بلغت هذه الإصلاحات أوجها في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن التاسع عشر وصولاً الى العقود الأولى من القرن العشرين.
في ظل هذه التحولات ولد سعيد وأتمّ علومه وولج الحياة المهنية كقاضٍ، متنقلاً بين ولاية عثمانية واخرى، روتينياً أو تأديبياً، خائضاً مواجهات متواصلة استهدفت محاربة الفساد وإصلاح القضاء وصون حصانة القاضي واستقلال قراراته واحكامه عن أي ضغوطات أو تدخلات. وقد أثارت مواقف سعيد في كل مرة ضجة إعلامية وسياسية وتابعتها صحف تلك الفترة في لبنان ومصر وفلسطين بصورة خاصة بكل اهتمام وحماس حتى بات سعيد زين الدين في أكثر من مواجهة بطلاً حقيقياً للعدل ومثالاً للقاضي النزيه الذي يواجه بشجاعة عسف النافذين والمسؤولين الفاسدين.
لا بدّ من القول إن مسار سعيد زين الدين ونضاله القضائي تأثرا بعوامل عدة منها مكانة الأسرة وشخصية الرجل التي تميّزت بالذكاء والجرأة بل العناد في الدفاع عن قناعاته واستقلاله كقاضٍ. وهناك ايضاً البيئة الاجتماعية والثقافية المتحرّرة في بيروت وفي فلسطين ومصر وهذه قدمت لسعيد الكثير من الدعم والتشجيع في مواجهته مع الحكام.

كتيّب نادر
يعود الفضل في انتقال الكثير من التفاصيل المثيرة لحياة هذا الرجل الفذّ إلى وجود كتيب صغير مجهول المؤلف من 86 صفحة من الحجم الصغير، طبع بحروف كبيرة ويحمل عنوان “حياة رجل” محفوظ لدى حفنة صغيرة من الباحثين وبعض اقارب سعيد وجيرانه، في عين قني إذ لولاه لضاع الكثير من سيرة هذا الرجل، كما ضاعت وتضيع سير كثير من الرجال المتفردين بسبب نقص التدوين في زمانهم أو عدم اهتمامهم هم أنفسهم بذلك.
وقد وقّع الكتاب بإسم “لبناني” واستهله الكاتب المجهول بإهداء جاء فيه “الى القاضي الحر العارف قدر ضميره ، الى الحاكم العادل الذي اوصد في وجه الناس ابواب الشفاعات، الى نصير المظلوم، وحصة البريء وملجأ البائس الى سعيد بك زين الدين رئيس الإستئناف الأول، أقدّم هذا المؤلف الصغير مطوياً على تاريخ حياته”

من هو سعيد زين الدين؟
هو بن زين الدين بن حسن بن ابراهيم بن يوسف بن زين الخطيب، قدمت أسرة زين الدين من جرمانا في سوريا الى عين قني الشوف، بشخص ابراهيم بن يوسف بن زين الدين ثم نسب ابناؤه واحفاده اليه.
ولد سعيد سنة 1877 في عين قني ولكنه ما لبث ان غادرها في عمر مبكر الى بيروت، الى مدرسة الحكمة، لإتمام دروسه الإبتدائية والإعدادية. على الأرجح في اواسط ثمانينات القرن التاسع عشر، لينتقل بعدها الى المكتب الإعدادي العثماني، ثم الى “مكتب الحقوق الأعلى” في الآستانة.
كان لمدرسة الحكمة، بنوع خاص، فضل في نشر اللغة العربية منسجمة في ذلك مع النداء الذي ترددت اصداؤه منذ منتصف القرن التاسع عشر، في إطار حلقة المعلم بطرس البستاني، والجمعية العلمية السورية، فتخرّج من مدرسة الحكمة اساتذة كبار وشخصيات بارزة احتلت مراكز حساسة ادارية وقضائية وفيها درس شكيب ارسلان (1946-1860) وأمين تقي الدين (1937-1884) وكان هذا الاخير شاعراً ومحامياً و عادل ارسلان (1887 – 1954) وكان سياسياً ومناضلاً معروفاً، عدا عن شغله مناصب ادارية ايام المتصرفية، واحمد تقي الدين (1937-1884) وأمين تقي الدين (1935-1888) وكان في عشرينات القرن رئيساً لمحكمة الشوف في بعقلين.
كانت مدرسة الحكمة مدرسة سعيد الأولى وأتمّ فيها الصفوف ما قبل النهائية، الإبتدائية والإعدادية اي المعادلة لصفوف البريفيه، وفي مدرسة الحكمة تلقى سعيد العلوم الحديثة واتقن اللغتين العربية والفرنسية وبعض الإنكليزية، وتعلم فن الخطابة، إلا أن العائلة قررت أن ينتقل الى الآستانة ليتابع علومه في المكتب الإعدادي العثماني.

المنزل كما يبدو  اليوم
المنزل كما يبدو اليوم

الانتقال إلى الآستانة
انتقل سعيد الى المكتب الإعدادي العثماني وهو أحد المكاتب الإعدادية العثمانية التي تمّ إنشاؤها في اواخر ثمانينات القرن التاسع عشر واستمرت حتى نهاية حكم السلطان عبد الحميد، وقد تمّ تنظيمها وفق مناهج التعليم الحديثة وكانت تؤهل لدخول مدارس التعليم العالي التخصصي،
وبعد انهاء دراسته في المكتب الإعدادي العثماني ذهب سعيد الى الآستانة لإكمال تعليمه ودراسة الحقوق نظراً لأنه لم يكن يتوفر في بيروت معهد لتدريس الحقوق والفقه، كونهما كانا متلازمين، سوى معهد الحكمة للحقوق الذي تأسس سنة 1877 لكن سعيداً اختار المعاهد الرسمية العليا للتخصص في هذه المادة، ولم تكن هذه متوفرة في بيروت. وبالتالي كان يتوجب على من يريد متابعة تحصيله العلمي العالي خارج مدارس الإرساليات والمدارس المحلية الخاصة ان يقصد إسطنبول.
ويبدو أن سعيداً، بتشجيع من عائلته، كان يخطط لشغل منصب في المؤسسات الرسمية العثمانية، وقد كان لمتخرجي الآستانة بريق خاص فكان معظم الذين شغلوا مناصب ادارية في دوائر السلطة العثمانية من خريجي معاهد الآستانة. وكان سعيد موضع إعجاب نظاره والقائمين بأمره لذكائه ونبوغه، وما لبث أن حاز شهادة الدكتورية (الدكتوراه) في الحقوق مع علامة “على الأعلى” مما فتح امامه ابواب الوظائف القضائية الرفيعة.
وكانت المؤسسات القضائية أحد مرتكزات التنظيمات التي كانت تهدف لاحتواء مختلف مكونات الامبراطورية وانشاء ادارة وقضاء يستوعبان “التنوع الملي” على قاعدة المساواة الحقوقية بين الملل في الإدارة والقضاء والجيش والتعليم، وعلى قاعدة التوفيق بين مصالح الملة و”الأمة” في اطار الهوية العثمانية الواحدة وكان الجهاز القضائي عماد تطبيق تلك القوانين. كما ارادت “التنظيمات” تخويل كل عثماني الانخراط في مؤسسات الدولة، في اطار الهوية العثمانية الجامعة مع الإبقاء على الامتيازات التي أعطيت تحت ضغط الدول الأوروبية للملل غير الاسلامية.

جانب من الباحة الداخلية
جانب من الباحة الداخلية

أبواب العمل في المتصرفية
في ذلك الوقت ولد استقلال جبل لبنان الذاتي مجموعة من المناصب الحقوقية والقضائية بفضل المحاكم الذاتية التي تمّ انشاؤها طبقاً لبروتوكولي 1861 و1864 الناظمين لإدارة الجبل. وقد كانت الوظائف العمومية في تلك الفترة على حد قول بشارة الخوري “وقفاً على العائلات الكبيرة في البلاد والوظيفة آنذاك كانت كل شيء, فهي مطمح الانظار ومصدر النفوذ والوجاهة، يتناحر في سبيل الوصول اليها البيت الواحد والاصدقاء، ويتهالكون للفوز بها “. وقد كان بعض رجال الاقطاع الدروز يضطرون لبيع ممتلكاتهم ليشتروا بثمنها من المتصرف واعوانه المراكز الادارية للمحافظة على مستواهم المعيشي السابق.
لكن مسار هذه الظاهرة التي وسمت عهد المتصرفية بشكل سافر وترافقت مع تراجع دور الإقطاع الاقتصادي والسياسي، لا ينطبق على سعيد الذي تميّز في مساره الدراسي، وشغل في مستهل حياته المهنية مناصب في بيروت وفي الولايات العثمانية والعربية، دونما حاجة الى وساطة سياسية محلية إذ كان والده زين الدين بن حسن الخطيب وكيلاً لنسيب جنبلاط، ابن سعيد جنبلاط، وقد اعانه مركزه ووضعه المالي على تعليم اولاده محمد وسلمان وسعيد وارسالهم للدراسة في بيروت ثم الآستانة. وقد تولّى محمد القضاء في محاكم عدة منها عضوية محكمة الجزاء الاستئنافية التي نقل منها الى رئاسة محكمة الشوف سنة 1907 وكان شاعراً ، يتقن النظم باللغتين العربية والتركية، ونظم عدة قصائد في مدح السلطان عبد الحميد اصدرها في كتاب حمل عنوان “كتاب العقود البهية في المآثر الحميدية لناظمها العبد الأمين محمد زين الدين” المتوطن في مدينة بيروت – الجزء الأول- طبع في مطبعة جريدة بيروت 1312هـ، 1894م”،
اما سلمان المولود سنة 1865 في عين قني، فقد عين مديراً للشوف ولكنه ما لبث ان استقال لانه غير ميالٍ الى الوظائف الحكومية وهو ترك مؤلفاً واحداً هو كتاب “زبدة القوانين”، أوضح الكاتب على غلافه بأنه مختصر لمجلة الأحكام العدلية واصول المحاكمات الحقوقية والجزائية وقانون الجزاء الهمايوني وقانون التجارة، وقد أضاف اليها اصول تقسيم الإرث وتوفي سنة 1935.
ولم تكن علاقة سعيد بأخويه محمد وسلمان عادية، واتسمت بالتضامن والتآزر والتكافل، وكانت حياتهم اليومية مشتركة، وكان المنزل الكبير الذي كانوا يقيمون فيه في “عين قني” مشتركاً أيضاً وكذلك الممتلكات الموروثة. وقد لجأ الأخوة الثلاثة الى عقد مكتوب يحدّد كيفية ادارة الممتلكات، وتوزيع المسؤوليات، كما كيفية إدارة الحياة اليومية المشتركة في المنزل الكبير، وحدّدوا فيه آليات ديمقراطية لإتخاذ القرارات وفض النزاعات التي قد تنشب بينهم، وذلك بلغة قانونية تفصيلية صارمة.

سيرة قضائية حافلة
كانت سيرة سعيد القضائية مميزة، إذ باشرها بأهلية عالية ولكن ايضاً بشجاعة مستنداً الى ثقافة قانونية حديثة هي ثقافة التنظيمات والدساتير والى الرغبة بالإصلاح والتحديث والحرية والى شخصيته المجبولة على رفض المساومة على الحق.
وقد عين سعيد عقب تخرّجه من الآستانة في دائرة الجزاء الأولى ثم في القسم التجاري من محكمة الإستئناف في عاصمة الولاية بيروت، غير أن وزارة العدلية ما لبثت، أن عينته مدعياً عاماً في متصرفية قوزان، من أعمال ولاية أضنة في 9 آذار سنة 1897، وكانت وظيفته هذه أول وظيفة عهدت إليه، ومنذ ذلك الحين بدأت حياته في خدمة الدولة.
أما المناصب التي عهد بها اليه، فهي بعد النيابة العمومية في قوزان، مثلها في كليسة، تلك المدينة التي اشتهرت في حرب البلقان، غير انه ما لبث أن دعي في وقت لاحق الى رئاسة محكمة الجزاء في متصرفية كوملنجة، من أعمال ولاية ادرنة، في 21 نيسان 1903.

ذيوع صيته في حلب
تمّ تعيين سعيد بعد ذلك سنة 1907 مدعياً عاماً في محكمة استئناف ولاية حلب، وكانت شهرته قد سبقته إليها، فما إن وصلها حتى استبشر أهلها بفاتحة عصرٍ جديد للعدالة والحق، وتغنّى السكان على مختلف أحزابهم وطوائفهم بذكر مآثره السابقة ولهجت جرائد حلب بالحديث عن نزاهة الرجل وعدله ورحّب أحد شعراء حلب المسيحيين به قائلاً:
شــــــــكــــــــــــــراً لآلاء الإلـــــــــــــــــــــــه فقــــــــــــــد حبــــــا
هـــــــذي الولايــــــــــة حامــــــــــــي القانـــــــــــــــــــــــــون
نـــــــدب قـــــــد اتخــــــذ العدالـــــــــــــــــة شـــــــــــــــــــــيمةً
واتــــــــــــى لدفــــــــــــــع مضــــــــــــــــرة المســـــكــــــــــــين
وجــــرى علــــــى نهــــــــــــج قويــــــــــــم منصـــــــــــــــــــف
وفقـــــــــــــا لشـــــــــــرع عــــــــــــادل مســنــــــــــــــــــــــــون
فغــــــــــــدت بــــــــــــه هــــــــــــذي الولايــــــــــــــــة جنـــــــــةً
واستبشــــــــــــرت بقدومـــــــــــــــــــه الميمـــــــــــــــــــــــون
وبــــــــــــه ازدرهــــــــــــت حلــــــــــــب وأرخ شعبـــــهــــــــــــا
قد اسعــــــــــــدت بسعيــــــــــــــد زيــــــــــــن الديــــــــــــن
(حلب 1907)

بعد أشهر قليلة من تولّي سعيد هذا المنصب، بدأ أهل حلب يلمسون التأثير الفوري لقدومه وكانوا يتابعون بإهتمام التدابير الإصلاحية التي اتخذها، لجهة اختيار الموظفين الأكفاء، وتنظيم دوائر العدلية، وإنجاز الدعاوى المتراكمة، فكتبت جريدة “صدى الشهباء” في 18 شباط/فبراير 1910: “فالناس كلهم ألسنة شكر وثناء، على هذا الرجل الفاضل، الساهر على تأمين الحقوق مهما كانت، الذي لم ترزق شهباؤنا مثله منذ زمن طويل، فإن مهضوم الحقوق يراجعه، ولا حاجب على بابه، فإن كان تركياً يقضي له حاجته بلسانه التركي، وإن كان عربياً فبلغته، مع كل بشاشة وجه، وحسن خلق”.
وكتبت جريدة “التقدم” في 22 آذار/مارس 1910: “إن وجود هذا الرجل عندنا، يعدّ نعمة كبرى تقتضي منا الشكر، فقد أجمع العموم على أنه لم يتسلّم زمام هذه الوظيفة رجل أكثر منه اقتداراً واختباراً ونزاهة واستقامة واثاره ظاهرة لكل ذي عينين لا ينكرها الا المكابر، فإن دوائر العدلية، قد انتظمت انتظاماً لم يكن أحد ليحلم به، وقد تطهرت من كل مفسد مستبد، وصارت دعاوى العباد تجري في محورها القانوني دون مطل ولا تسويف ولا ظلم، وهو رعاه الله، يباشر أعماله بنفسه بهمة لا تعرف الكلل والملل وعزيمة امضى من السيف، ويشرف على المحاكم، ويراقب المأمورين مراقبة صارمة، ومع ذلك، فأن الرجل على جانب عظيم من اللطف والدعة ومكارم الاخلاق، يقابل الضعفاء والمظلومين ببشاشة وطلاقة وجه، يساعدهم على احقاق حقوقهم، فهو شديد على الظالمين، رحيم للمساكين”.
وذاعت مآثر سعيد في البلاد السورية، وباتت موضع افتخار اهالي بيروت، فأخذت بعض الصحف البيروتية تشيد بنجاحات واحد من مواطنيها.
وفي 23 آب/أغسطس 1910، نقلت جريدة “النصير” البيروتية، مقالاً عن إحدى الجرائد التركية خص إنجازات العدلية في حلب وكيف أنها نشطت من تضعضعها الماضي ومشت في سبيل الإصلاح وقد قال:
” وكله بهمة حضرة سعيد زين الدين بك أفندي مدعي عمومي محكمة الإستئناف، فأنه أعزه الله ما برح منذ شرف هذه الحاضرة يأتي من الأعمال الخطيرة والمآثر الجمة الوفيرة ما يعجز عن يأتي بمثلها أعظم النبلاء وأكمل الفضلاء، وقد واصل الجد والغيرة، وسهر الليل والنهار وشارك العملة في الأعمال، فكان من حسن نيته وجزيل همته وغيرته أنه وصل لغاية ما يرومه من الإنتظام والكمال، فجعل العدلية في مقام يليق بها من الشرف والمجد في هذا الدور السعيد وكل ما ذكر من الإصلاحات كان بفضل هذا الشهم الهمام وأثراً من عناية هذا الدستوري المقدام”.

سعيد المعلم والمصلح الإجتماعي
الى جانب واجباته الإعتيادية كمدعٍ عام في الإستئناف، أخذ سعيد على عاتقه أمر تأهيل رجال الشرطة، حسبهم واجهة القانون، وعنصراً مكملاً للقضاء فقام بتأسيس مكتب ليلي للشرطة يتخرج منه أفراد هذا السلك ليكونوا أعوانه عند الحاجة وموضع ثقته في الطوارئ ولم يضن بوقته يصرفه لهذه الغاية. “فكان يتعهد المكتب بعنايته الخاصة في ساعات فراغه، يخرج من مكتب عمله بعد معاناة التعب، فيذهب ليلاً لإلقاء دروس الحقوق فيه”.
وعلى صعيد آخر رأى سعيد في إحدى دوائر السجن مكاناً كان في ما مضى جامعاً، ولكنه أهمل بعد ذلك، فأمر بإعادته معبداً وترميمه وأن تجري عليه العائدات المخصصة له، وذلك لأنه عندما درس أحوال المسجونين الروحية، أدركته الرأفة بهم، لعلمه أن المجتمع، إنما أراد من سجنهم، إصلاح حالهم، فأمر بإعادة المسجد الى السجن.
يدل هذا الإحتفاء بما أنجزه سعيد زين الدين على تميّزه عمن سبقه من جهة، وعلى توق النخب والأهالي الى إصلاح لدوائر الدولة طال انتظاره، كما يدل نجاحه في استيعاب واجباته كقاضٍ استيعاباً كاملاً وتمتعه بملكات شخصية ذاتية تؤهله للقيام بهذه الواجبات بجد وحماس بلا افتعال أو مباهاة.

مدينة حلب في مطلع القرن العشرين
مدينة حلب في مطلع القرن العشرين

فساد الدوائر العدلية العثمانية
لم تأت محاربة سعيد للفساد من فراغ، بل فرضتها أحوال مؤسسات القضاء العثماني نفسها، التي اتسمت بالإزدواجية القانونية والبيروقراطية وسوء الإدارة وعدم نزاهة الموظفين وقذارة السجون.
ورغم جهود التحديث التي طاولت الشؤون الحقوقية والقضائية عملاً بمضامين التنظيمات وبنظام الولايات، إلا ان هذه الجهود لم تؤد إلى ما كان يرجى منها في النظام القضائي والعدلي، فقد بقي هذا النظام غير ملائم من حيث قاعدته القانونية المتناقضة، وتشويشه وبطئه الإجرائي، وفي استخدامه لموظفين غير أكفاء من حيث القدرة على التوجيه وكذلك، غالباً جداً، من حيث الأخلاق، أما التنفيذ فكان عرضة للنزوات وغير مؤكد. وكانت السجون قذرة جداً ومحكومة بسوء إدارة بالغ، وكانت أحوال المحاكم عرضة لانتقاد المصلحين بمن فيهم والي سوريا ومهندس دستور 1876 “مدحت باشا” الذي كتب سنة 1879 الى الباب العالي ينعي فيها أحوال الولاية بما فيها المحاكم قائلاً: “الولاية محتاجة الى إصلاح أحوالها المالية ومحاكمها ومنع الرشوة التي تورث الخجل، وتجعل الوطني منخفض الرأس أمام الأجانب.

قال لجمال باشا موبخا: “انتهك حرمة القانون إن أردت فالأمر هيِّن عليك، أما أنا فلا يهون عليّ الإغضاء عن ذلك”

سعيد يواجه “جمال باشا” في أطنة
اواخر سنة 1910 نقل سعيد وفقاً للروتين الإداري، من حلب الى “أطنة”، في أطنة خاض بشجاعة أدبية نادرة سلسلة مواجهات دفاعاً عن استقلاله وحريته كقاضٍ، وذلك بتصديه أولاً لوالٍ حاول التدخل في الشأن القضائي وتابع تلك المواجهات في المناصب التي شغلها لاحقاً في القدس ثم في بيروت، وكان عليه منذ تعيينه في أطنة مواجهة الولاة ومقاومة تدخل المتنفذين والمتزعمين، وقد عرّضه ذلك لانتقام هؤلاء بنقله من مكان عمل الى آخر، حتى انتهى الأمر بنفيه الى سيواس في الأناضول سنة 1914.
حصر مؤلف كتاب “حياة رجل” تجربة سعيد في أطنة بالمواجهة التي جرت بينه و”أحمد جمال باشا”، الذي ذاع صيته في الحرب العالمية الأولى في بلاد سوريا بسبب فظاظته. وكان جمال في ذلك الحين حاكماً إدارياً لولاية أطنة وسعيد مدعياً عاماً في الاستئناف في الولاية، وكان جمال لا يتورع عن تجاوز القانون والتدخل السافر في شؤون القضاء، وكان سعيد يتصدى لتجاوزاته بكل ما أوتي من قوة وجرأة”، وذات يوم قال سعيد لأحمد جمال باشا مرشداً وموبخاً ومذكراً بجوهر العمل القضائي:
“إن الولاة لا يستطيعون أن يزيلوا حرفاً واحداً، ولم يكن القضاء الحر ليتأثر من تدخل الحكام وتعرضهم، فالقضاء مستقل، وهو لا يعمل بغير نصوصه، وكلانا مكلف بصيانة الحق والعدل، فلا تتعرض لي في واجبي”.
وفي مواجهة قضائية أخرى لقّن سعيد أحمد جمال باشا درساً جديداً في ضرورة فصل السلطات واستقلال القضاء واحترام القانون قائلاً:
” انتهك حرمة القانون إن أردت فالأمر هين عليك، أما أنا فلا يهون علي الإغضاء عن ذلك”
وأخيراً نجح سعيد في ردع جمال باشا عن التدخل في شؤون القضاء وممارسة ضغوط عليه، ربما لأن هذا الأخير، وهو الداهية المجرب، أيقن أن أمامه رجلاً “لا تلين قناته، وجندياً يدافع عن القانون والعدل على ما استنتج مؤلف كتاب “حياة رجل”.
وللمفارقة، ستثبث الأيام أن سعيداً انتزع احترام أحمد جمال باشا، فخلال الحرب العالمية وعندما عُيّن جمال باشا حاكماً على سوريا ولبنان، قام بزيارة سعيد في منزله في عين قني، ونزل عند رغبة سعيد بإطلاق سراح أخيه المنفي الى القدس، ولكننا سنرى لاحقاً ان سعيداً لم يغفر له ما ارتكب من مظالم أثناء الحرب العالمية الأولى.

   فضح مؤامرة الوالي لتجريم لبناني بريء بعمل إرهابي فسحبت نظارة العدلية القضية منه ونقلتها الى اسطنبول
فضح مؤامرة الوالي لتجريم لبناني بريء بعمل إرهابي فسحبت نظارة العدلية القضية منه ونقلتها الى اسطنبول

رابعاً: سعيد في القدس
ظل سعيد يتقلب في المناصب القضائية في الولايات العربية، الى ان عُين في 11 تموز 327(31)،1909، مدعياً عاماً في محكمة الاستئناف في القدس.
وكعادته، انبرى سعيد يعارض توسط المتزعمين، وتدخل المتنفذين في شؤون القضاء، لتنفيذ اغراضهم، وقد عارضهم دون مهابة احد، ودون خشية خصومتهم.
ولم ينج سعيد هذه المرة من التأديب السافر، إذ قررت نظارة العدلية اقالته، من دون سبب معروف أو معلن. ولكننا سنشهد بعد الآن صراعاً بين الحكام العثمانيين من جهة ونخب وأهالي الولايات التي يعمل فيها سعيد، الذين سينحازون إلى القاضي الشريف مدافعين عنه وعن أنفسهم والمؤسسات التي تدير حياتهم العامة، من جهة اخرى.
وما إن ذاع خبر إقالة سعيد حتى هاج الرأي العام، وقام أعيان المدينة ورؤساؤها وأشرافها ولم يقعدوا لهذا الخبر، وأرسلوا برقية الى الآستانة موقّعة من بضعة وثمانين وجيهاً من وجهاء مدينة القدس، منهم مفتي الشافعية، ورئيس البلدية وأعضاؤها وأعضاء مجلس الإدارة والمبعوثون السابقون، وأشراف المدينة واعيان الملحقات والرؤساء الروحيون، هذا نصّها:
“كنا ننتظر من نظارة العدلية لطفاً يبذل بحق سعيد بك زين الدين، مدعي عمومي الاستئناف عندنا بالنظر لباهر خدماته في بلادنا وما اتصف به من العفة والنزاهة والإقتدار والدراية والحمية والعدالة والغيرة وتسهيل مصالح العباد والتفاني في حب وطنه زيادة تنشيط له واستزادة نفع به وتشويقاً لغيره حيث ان سعادة الأمة والبلاد والإصلاح المنشود لا يحصل إلا بأعمال أمثاله من المأمورين الصادقين وقد كنا استرحمنا مع عموم القدسيين من نظارة العدلية ترفيعه عندنا ذاكرين صفاته العالية وما للعموم من فرط الاعتماد عليه وملء الثقة والآمال به فأتانا الأمر مع الأسف لعزله، كأن عدله ونزاهته وثقتنا واسترحامنا كانوا علينا وعليه ذنباً استحق هذا الجزاء، ولهذا اننا نحتج بكل قوانا على هذه المعاملة التي لم تنطبق على مصلحة أو عدل ونعلن بإسم العموم الآسفين أعظم الأسف على انفكاكه، أسفنا العظيم، شاكرين مساعيه وخدماته عندنا حافظين جميله في قلوبنا سائلين الله أن لا يضيع حسناته وأن يكثر من امثاله من أبناء الوطن آملين دوام السعي بتكاتفنا جميعاً للاستحصال على الإصلاحات المطلوبة التي تكون بحول الله مانعة أيضاً لتكرر مثل هذه الحادثة الجارحة والله ولي التوفيق”.

نائباً عاماً في بيروت
أقيل سعيد من منصب في القدس ليعين في مثله في بيروت، ويضمر هذا التعيين الذي جاء في سياق التخلص من سعيد وإزاحته من الواجهة، إعترافاً ضمنياً بكفاءته، فبيروت كانت آنذاك عاصمة ولايتها، وكانت هذه الولاية مترامية الأطرافتشمل 5 سناجق: سنجق بيروت، سنجق عكا، سنجق نابلس، سنجق طرابلس وسنجق اللاذقية، و21 قضاء و49 ناحية و2564 قرية، وكان سنجق بيروت اكثر الألوية تقدماً وإزهاراً رغم صغر مساحته.
وكانت بيروت مركز السلطة السياسية والمدنية في الولاية والسنجق، فالوالي المقيم فيها كان يدير في الوقت نفسه شؤون السنجق والقضاء ويشرف ايضاً على إدارة بقية السناجق، الموكلة الى خمسة متصرفين يهتم كل واحد منهم بمنطقته، كما على الأقضية الموكلة الى ستة عشر قائمقاماً.
كانت المدينة أيضاً مركزاً للمحاكم البدائية التي تحكم على أساس القوانين الحديثة في الدولة العثمانية ومقرّاً للمحاكم التجارية التي تحكم في القضايا المحلية والمختلطة، وفي الآن ذاته مركز المحاكم الشرعية الإسلامية الذي يشرف عليه القاضي ونائبه.
وكانت ولاية بيروت، كغيرها من الولايات، تعاني من فساد الإدارة عموماً وفساد الدوائر العدلية خصوصاً، وكانت على غرار الولايات، التي سبق وعيّن فيها سعيد، تنتظر مجيء موظفين أكفاء، يعيدون الأمور الى نصابها، وجديرين بعلو شأن المدينة، على ما لاحظ، مؤلف “حياة رجل”، الذي عاصر تلك المرحلة، ومن جهة اخرى كانت لمنصب النيابة العامة في الإستئناف سلطة معتبرة أيام الحكم التركي، إذ كان مقامه، اول مقام بعد مقام الوالي في الولاية و”النائب العام الإستئنافي، ضابط بيده جميع الشؤون الإدارية في العدلية، وبيده تقرير الأمن والنظام”.

نظارة العدلية في الآستانة قررت نقله من القدس بسبب انزعاجها من استقلاليته فرد ثمانون من وجهائها على رأسهم المفتي ببرقية استنكار إلى الباب العالي

سعيد وقضية إلياس رفّول
وفي عهد سعيد، جرت خلال شهري حزيران وتموز 1914 حادثة ما سمي بـ “قضية الياس رفول” شغلت السلطة العثمانية وأجهزتها والرأي العام البيروتي واللبناني والعربي، وخلاصتها، أن يداً أثيمة اطلقت ذات يوم النار على احد أفراد الجندرمة بالقرب من “مدرسة الحكمة” في بيروت، فقتلته، وحيث ان القاتل وسبب القتل كانا مجهولين، توهمت الحكومة ان الجناية سياسية، مدبرة، وتستهدف هيبة السلطة، فاهتم والي بيروت للأمر، وطلب الى مدير البوليس وكبار رجال الأمن إظهار الفاعل حالاً، وإلقاء القبض عليه وتسليمه للعدلية، معلناً انه سيُعدم في القريب العاجل عبرة وإرهاباً.
أما مدير البوليس وأركان الضابطة، فلما لم يستطيعوا إظهار الفاعل الحقيقي، فقد عمدوا الى رجل آمن وبسيط، ملازم عمله في منزل في ذلك الجوار، أسمه “الياس رفول”، فألقوا القبض عليه، وأخضعوه لتحقيق مرتب مزور، في حين كان الياس رفول بريئاً، ولا علم له بتلك الجريمة، ولأجل تمويه ما زوروه، استعملوا الشدة والضرب والتهديد، ضد الاشخاص الذين تصبّ شهادتهم لصالح المتهم، وحبسوهم في مكانٍ لا تطاله الأنظار، إخفاءً لعملهم غير المشروع، ولم يكترثوا لأكثر من إفادة آلت الى اركان دائرتي البوليس والجندرمة بأن القاتل هو شخص يدعى “ديب الشامي ورفيقه يوسف الشويري”، فلم يكترثوا للأمر ولا أجروا تحقيقاً بهذا الشأن، ثم رفعوا ملف التحقيق الى والي الولاية، وهذا الأخير أحاله بدوره الى العدلية طالباً إليها، بكل اهتمام، إنجاز المعاملات اللازمة للحكم، وتنفيذه بحق البريء، وكانت نتيجة التحقيق، إلقاء الظن على الياس رفول الذي اتهم وسيق الى المحكمة.
لكن أمر هذه المؤامرة لم يطل، فقد اتفق أن الوالي في ذلك الحين، طُلِب الى الآستانة، واثناء وداعه كبار الموظفين، التفت الى سعيد، ورئيس محكمة الجنايات وأعضائها، وطلب اليهم الإسراع بإصدار الحكم على ابن رفول، وأن يعلموه وهو في الآستانة، عن رقم التحرير الذي ترسل به أوراق الدعوى الى محكمة التمييز، ليلاحقها هناك، على أمل أن ينفذ حكم الإعدام بالرجل يوم عودته، فنظر سعيد الى الوالي قائلاً: “إن القضاء المستقل في أعماله، سيجري واجبه كاملاً، ضمن دائرة استقلاله وبحسب ما يوحي اليه الوجدانِ” وفي توصية الوالي وجواب سعيد كمنت عناصر المشكلة التي سنشهد تطوراتها.
لاحقاً، وبعد تدقيق سعيد في أوراق القضية وزيارته شخصياً لمكان وقوع الجريمة واستطلاعه الحقائق عن كثب، واستجوابه المزيد من الشهود، استجلى الأمور، ولمس الحقيقة بيده، وتأكد من تزوير التحقيق وتحامل أركان الضابطة على “الياس رفول” الذين أرادوا التضحية به إرضاء للوالي، وظهر لسعيد أن الفاعل الحقيقي للجناية، كان قد ارتكبها وفرّ.
وفي معرض مطالعته بيّن سعيد حجم إساءة هؤلاء الى مفهوم العدل، حين يفتشون عن كبش محرقة، كبديل عن المجرم الحقيقي، قائلاً: “هل يلزم أن نعاقب أياً كان أم يلزم أن نعاقب الجاني؟ إن من يعتقد لزوم الوجه الأول والإكتفاء به فهو مغشوش كثيراً، فالعدل أساس الملك، ولا يجوز اللعب به”.
ولم يفت سعيداً في مطالعته إنتقاد رجال البوليس للجوئهم لضرب الشهود المظنون بهم، مستنداً الى القانون الذي ينهي عن الضرب، مستنكراً جواز عقاب أي مظنون به قبل التحقق من ارتكابه الجريمة المستحقة المجازاة.
نشرت صحف بيروت، مهللة ومؤيدة، تقرير القاضي سعيد زين الدين، وكانت، على اختلاف اتجاهاتها، تراقب أفعاله يوماً بيوم، وقامت إحداهن بنشر مطالعته بحذافيرها معلقة على كيفية القائه لهذه المطالعة قائلة:
” ثم تدفق حضرة القانوني سعيد بك زين الدين كالسيل، وأخذ يسرد مطالعته الجليلة النفيسة، التي هي والحق يقال جديرة بأن تنقش على القلوب لتبقى خالدة الى ما شاء الله.
وانبرت صحف بيروت وفلسطين تشيد بأداء سعيد القضائي وترى فيه خطوة بناءة على طريق اصلاح القضاء واحترام القانون واحقاق العدل ومصالحة الشعب مع الحكومة ودعت إحداها الى تكريم سعيد وهيئة المحكمة بالإكتتاب لشراء مجموعة من الأقلام الذهبية تقدم لهم إقراراً بنزاهتهم وتشجيعاً للموظفين الصادقين .
وكتبت صحيفة أخرى معربة عن دهشتها البالغة إذ “لم يشهد البيروتيون ولا السوريون ولا الشرقيون، محكمة تجلّت فيها النزاهة وتمثلّت برجالها الكرام العدالة كمحكمة الإستئناف في بيروت التي مدعيها العام سعادة القانوني الضليع سعيد بك زين الدين”. ورأت جريدة “الحارس” في سعيد “القدوة التي تذكّر بماضٍ مجيد هو عهد الخلفاء الراشدين”.
أما جريدة “البرق” فكتبت مبتهجة: “الحق الحق يقال إن ما أتاه حضرة المدعي العمومي سعيد بك زين الدين لجدير بأن يكون نعم المثال لرجال العدلية في أنحاء السلطنة، كان الحق ميتاً فأحياه”.

سعيد-زين-الدين-في-منزله-في-عين-قني-بعد-تقاعده
سعيد-زين-الدين-في-منزله-في-عين-قني-بعد-تقاعده

أصداء مرحّبة في فلسطين
وردّدت جرائد فلسطين صدى الحدث، نظراً للبصمات التي تركها سعيد في القدس أثناء توليه منصب الإدعاء العام، ورأت في مجريات الحادثة انتصاراً للقانون والعدالة والإنسانية والحكومة وهزيمة للفساد. فكتبت إحداها تقول: “ألا فلتعلم الحكومة أن رجلاً عاقلاً نزيهاً كسعيد بك زين الدين مدعي عمومي استئناف ولاية بيروت يقدر العدالة قدرها، فيتقيد بالقانون، يخدم الإنسانية والحكومة اكثر من ألوف من الموظفين المستبدين الذين يسيئون استعمال الوظائف فيكرههم الناس وينفرون بسببهم من الحكومة، وفي الختام نقول للحكومة المركزية، زيدي من تعيين أمثال سعيد بك، لتجتمع القلوب على محبتك وترتاح النفوس لعدالة محاكمك”.
ولكن العرس الإعلامي الذي فاض ابتهاجاً وتفاؤلاً ، ما لبث ان انحسر وانطفأ، لتحلّ محله موجة الأسف والمرارة، إذ أن السلطة العثمانية المتهالكة، لم تكن مستعدّة لاستيعاب وتحمّل هذه الإنتكاسة الأمنية والقضائية، فلجأت من أجل طمس هذه الإنتكاسة، الى نقل القضية الى محاكم الآستانة، وإخراجها بالتالي من يدي المدعي العمومي سعيد زين الدين. وزاد الطين بلّة، نقل سعيد، بطل القضية، من منصب الإدعاء العام في الإستئناف في بيروت، الى رئاسة محكمة الإستئناف في سيواس في الأناضول، الأمر الذي اعتبر بمثابة نفي عاجل مموه بحجاب الوظيفة وإبعاد مشفوع بالتشفي الضمني. وذاع خبر إقصاء سعيد في اليوم التالي لعودة الوالي من الآستانة وفور ورود تلغرف من نظارة العدلية في الآستانة.
استنفرت الصحافة مجدداً، وانتفضت صحف بيروت ومصر وفلسطين وإهتاج أهاليها وأعيانها وهبوا لنصرة سعيد مستنكرين غاضبين. وامتزج إعجابهم بأدائه، بالتضامن معه، والزود عنه، ومهاجمة السلطة صاحبة القرار، وقد أرسل وجهاء بيروت وأدباؤها وتجارها، على اختلاف مذاهبهم، برقية الى نظارة العدلية ونظارة الداخلية والى الصدارة العظمى، ورئاسة مجلسي الأعيان والنواب، والى مبعوثي بيروت، طالبين فيها بقاء الرئيس والمدعي العام في وظيفتيهما مبرزين رمزية اداء سعيد وجدوى ابقائه في منصبه هذا نصها:
” إن تبادل الثقة بين الأمة وموظفي الحكومة هو العامل الأهم في تقوية الحكومة وترقية الأمة وهذه الثقة بلغت أخيراً في بيروت درجة عالية بما أتاه فيها مدعي عمومي الإستئناف الفاضل من تأييد العدالة ودفع المظالم بين العثمانيين على اختلاف مذاهبهم، ودرجاتهم طبقاً لنيات صاحب الجلالة الأعظم جئنا بعريضتنا نجهر بفضله تنشيطاً لسواه من المأمورين ملتمسين إبقاءه في بيروت تعزيزاً لثقة الشعب بحكومته وإحياءً للعدل فالعدل أساس الملك”.
ردود فعل عربية على نقله التعسفي
ذاع خبر نقل سعيد في الأقطار العربية، في مصر ودمشق وفلسطين وبغداد والموصل، فتواترت البرقيات على اولياء الأمور في الآستانة يطلبون إبقاء سعيد في منصبه صوناً للعدل، وأبرز البرقيات هي تلك التي بعث بها المفكر شبلي الشميل مباشرة الى ناظر الداخلية طلعت باشا، أحد رموز “جمعية الإتحاد والترقي”، هجا فيها ظلم السلطة العثمانية وذكرها بفشلها المزمن في حقل العدل، في ما يلي نصها:
“الى طلعت بك ناظر داخلية الحكومة التركية،
عدل القضاء في زمان دولتكم مرة واحدة ، فانتقمتم للظلم من العدل ونفيتم القاضي العادل الى سيواس، فيا ويلكم ويا ويل انفسنا منكم”.
غير ان سيل البرقيات والمقالات لم يثن الحكومة العثمانية عن قرارها، فأصرت على أمرها بنقل سعيد وإبعاده. وكلما إزداد إصرار الدولة على التخلص من سعيد ازداد غضب النخب والأهالي، وهذه المدة كانت الصحف المصرية في طليعة المستنكرين، فانكبت صحف “الاهرام” و”المقطم” و”البصير” التي يحررها ويديرها لبنانيون منفيون على معالجة المشكلة. وإذا اكتفت “الاهرام” بالإشارة الى إنشغال الرأي العام العارم، في بيروت بنقل الموظف النزيه سعيد زين الدين الى الآستانة، بادرت جريدة “المقطم”، الى تحليل الخبر والتعقيب عليه، على لسان الكاتب الشهير شبلي الشميل، الذي أولى قضية سعيد اهتماماً خاصاً.
هال شبلي الشميل نقل سعيد الذي بيّض وجه العدالة” واعتبر الخطوة ضربة قاضية على الآمال المعقودة على إصلاح المحاكم، مستطرداً بسخرية سوداء:
“فكأنهم خشوا أن تكون هذه المحاكمة على هذه الصورة سابقة حسنة لمحاكمنا الملحلحة – كما يقول اخو صدرنا الأعظم، فضرب المدعي العام هذه الضربة القاضية على آمالنا من محاكمنا وكانت ان تنتعش، فيا ويلنا منا!!”

نفي مقنع عقاباً على جرأته
كل هذه الإدانات والمناشدات، فضلاً عن حملات الصحف لم تثن لا نظارة العدلية ولا الوالي عن قرارهما، وسافر سعيد مرغماً الى الآستانة، وفي هذه المرحلة ايضاً لم يترك الصحافيون والأهالي سعيداً وشأنه، فرافقته جريدة “فلسطين” حتى ركوبه الباخرة واصفة مراسيم الوداع الشعبي.
قام الأهالي بوداعه وقدموا له القلم الذهبي الموعود اعترافاً “بشجاعته الأدبية”، ومجاهرته برفع لواء العدل وانتصاره للشعب على بعض المأمورين “الذين متى استلموا السلطة اعتقدوا انهم ليسوا من طبقة البشر” على ما كتبت جريدة فلسطين في مقالٍ تحت عنوان “بطل الدعوى التاريخية” مفاخرة بتواجد بعض محرريها على متن الباخرة التي نقلت سعيداً الى الآستانة ناقلة تفاصيل وداع أهالي بيروت له، مفيدة بأن أهالي بيروت “قاموا بأحسن وداع لهذا الشهم.
أما صحف بيروت فواكبت من جهتها هذا الحدث بمزيد من التحليلات والمقارنات فجدّدت جريدة “الحارس”، اعجابها بأداء سعيد وشبّهت إنجازه القضائي بانجازات عهد الخلفاء الراشدين، مقارنة “بين ما جرى في فرنسا، البلد العريق في الديمقراطية، في وقت مماثل، في ما سمي “قضية مدام كايو” و”قضية الياس رفول”، فخلصت الجريدة الى ان “محكمة بيروت” كانت أكثر عدلاً من “محكمة باريس”، ففي الأولى تمت “تبرئة رجل بريء” وفي الثانية تمت “تبرئة امرأة مجرمة” رغم اعترافها بالقتل، ويطول زمن سجن بريء، في حين يطلق سراح مجرمة، فاضحاً فساد السلطتين، العثمانية والفرنسية، فالسلطة الفرنسية اقدمت على هذه الخطوة حفاظاً على التوازن بين الاحزاب وتسكيناً للاضطراب و”السلطة العثمانية اقدمت على نزع رجل كسعيد زين الدين لأنه قال إنه بريء”.

سعيد قاضياً في عهد الانتداب الفرنسي
بغية إطلاق عجلة الحكم وتثبيت سلطتها، قامت سلطة الإنتداب في مطلع كانون الاول 1918، أي بعد شهرين من وصول طلائع الجيش الفرنسي الى مرفأ بيروت، بتعيين سعيد مدعياً عاماً للإستئناف في محكمة بيروت، أي في ذات المنصب الذي كان يشغله سنة 1914، قبل نقله الى محكمة سيواس في الاناضول، وتمّ ذلك ضمن خطة عامة شملت بيروت وجبل لبنان والعرقوب، وفي هذه الخطة ثبتت السلطة الفرنسية العديد من الموظفين في وظائفهم وأسندت الى البعض الآخر وظائف جديدة، إما بدافع الحاجة الموضوعية الى مساعدتهم إما للرغبة في كسب ولائهم واسترضائهم وحتى مكافأتهم، فبالإضافة الى تعيين سعيد في منصب الإدعاء العام، ثبت أعضاء مجلس إدارة جبل لبنان الذي من بينهم محمود جنبلاط وفؤاد عبد الملك، وكانا رافضين للانتداب الفرنسي ومؤيدين للحكومة العربية في دمشق وللوحدة السورية، كما اسند الفرنسيون قائمقامية الشوف الى توفيق ارسلان والد مجيد ارسلان، وفي شهر آذار من السنة نفسها عينت سامي عبد الملك مديراً للجرد الشمالي وسامي العماد مديراً للعرقوب الجنوبي بدلاً من فرحان ابو علوان وابقت فؤاد جنبلاط مديراً للشوفين.
ومما يدل على اعتماد السلطة الانتدابية سياسة الاسترضاء والجذب او المكافأة هو تعيينها في وقت لاحق، سنة 1920 رشيد جنبلاط الذي كان قائداً في الجيش العربي ثم مرافقاً للملك فيصل، مستشاراً للمندوب الإداري في “المنطقة الغربية” وتعيينها في وقت سابق توفيق أرسلان الذي كان في عداد وفد مجلس إدارة جبل لبنان برئاسة المطران عبدالله الخوري الى مؤتمر الصلح في آذار 1920 للمطالبة بإستقلال لبنان التام بحماية فرنسية.
ولدى استعراضنا لائحة أسماء الموظفين المعينين أو المثبتين يتضح لنا ان السلطة المنتدبة منحت العائلات الدرزية النافذة والمقاطعجية، بإستثناء آل نكد، ما كان لها من وظائف ونفوذ في العهد العثماني، محققة التوازن السياسي الذي كان بينها، مستعملة سياسة التوظيف كوسيلة جذب ناجحة لاحتواء الزعماء وعبرهم الجمهور الدرزي، فيما توسّل هؤلاء الوظيفة للمحافظة على نفوذهم السياسي والإداري وتعزيزه، والاستفادة من مكاسب الوظيفة المادية، متوجهين دوماً الى مركز القرار المتمثل بالسلطة الفرنسية.
ولكن دوافع السلطة الانتدابية في توزيع المناصب على الدروز لا تنطبق كلها على سعيد، بل ينطبق عليه مبدأ “الحاجة الى مساعدة”، فهو يقع خارج دائرة الاستمالة والاسترضاء، فهو لم يكن منخرطاً في العمل السياسي المباشر، ولو كنا نفترض بحق انه كان ممتعضاً من سياسات “جمعية الاتحاد والترقي” في الولايات العربية التي تولّى فيها مسؤوليات قضائية، وإنه راكم ذكريات سلبية عن تردّي الحكم العثماني في سنواته الأخيرة، قبل الحرب العالمية الأولى وخلالها، إلا أن نضاله ظل مهنياً، كما أن عائلته كانت تملك نفوذاً إجتماعياً، بحكم موقع الأب كملاك معتبر، لا نفوذاً سياسياً يستهاب، كما أن أخوته شغلوا مناصب ادارية في المتصرفية نظراً لحيازتهم علوماً تؤهلهم لتلك المناصب، مما يجيز القول إن سعيداً اختير لكفاءته العلمية والمهنية المكرسة، التي لم تكن تخفى على القناصل والمراجع المعنية وليس ما يشير إلى أن سعيداً كان على صلة معها، وهو بالإضافة الى ذلك فرنكوفوني اللغة، بصفته خريج مدرسة الحكمة، وجاء تعيينه في زمن ندر فيه ذوو التخصص العالي، فآنذاك “لم يكن ممكناً تأمين اكثر من نصف عدد الموظفين المطلوب وكان الإداريون المجربون نادرين، والاختصاصيون أندر.”

ساعة الحساب
بعد عودته الى لبنان اثر اندلاع الحرب العالمية الاولى سنة 1914، شهد سعيد، كسائر سكان المنطقة أهوال الحرب العالمية الاولى، التي زرعت الموت والجوع والخراب، فحفرت تجاوزات القادة الاتراك وارتكاباتهم عميقاً في وجدانه وعقله، وما أن عين مدعياً عاماً حتى هرع الى المطالبة بإحالة احمد جمال باشا قائد الجيش التركي في سوريا وفلسطين، وعزمي بك والي بيروت وعلي منيف بك متصرف جبل لبنان وجميع شركائهم بالجرائم، الى القضاء وإلقاء القبض عليهم ومحاكمتهم.
قبل الشروع في مبادرته استشار سعيد السلطة الفرنسية في هذا الشأن وبعد بحث متواصل ومداولات طويلة، فوّض إليه الحاكم العام في 2 كانون الاول 1918 الصلاحيات الواسعة لاجراء ما يوجبه القانون فبدأ التحقيق الدقيق عن الجرائم المسندة الى هؤلاء، ورأى استكمالاً لهذا التحقيق، ان يصدر بحقهم مذكرات احضار، وكان اشيع ان المسؤولين الثلاثة يقيمون حيناً في ألمانيا، وآخرى في سويسرا او روسيا اي في البلدان الحليفة لتركيا.
في مذكرة الاحضار المذكورة المؤرخة في 2 كانون الاول 1918 تقرر القاء الظن على جمال باشا بقتل مجموع كبير من الاشخاص بصورة التعمد باستعمال الضغط والشدة على اعضاء المجالس العرفية واستعمال التعذيب في اثناء التحقيقات لإجبار الموقوفين على الاقرار
كما القي الظن على جمال باشا وعزمي بك المظنون فيه هو الآخر لارتكابهما جنايات منها إعدام اشخاص كثيرين تعمداً بدون إجراء تحقيقات ما وبدون وجود حكم يقضي به وذلك بتأثير الإكراه وسرقة أموال الأفراد باستعمال الشدة والتزوير وكسر الأبواب واشتراك جمال باشا وعزمي بك المتقدم ذكرهما وعلي منيف بك جنايات منها تهجير الآلاف من الناس مع عائلاتهم كباراً وصغاراً وجماهير بدون مسوغ قانوني، الجرم الذي جرّ وراءه خراب بيوت المبعدين تماماً، وموت كثيرين منهم، وعدا عن التهجير المذكور التسبب باستئصال شأفة الشعب اللبناني بالجوع والفاقة المرتبين بصورة منتظمة ووقوع قتل مجموع عظيم منه عدده مئة وخمسون الف شخص وكذلك جناية الاختلاس والاحتكار والسرقة للحنطة وسائر المواد الغذائية قصد تصديرها بصورة احتيالية للمناطق الجائعة في اوقات مناسبة يتمكن معها من تأمين ابهظ الارباح لمنافعهم الشخصية والتي حصل من جرائها موت قسم كبير من الأهالي.
ويجب القول إن مصير هذه المذكرة لا يزال مجهولاً، وجل ما ذكر في “حياة رجل” الذي انهي تحريره قبل سنة 1929 ان المتهمين الثلاثة “قد طالتهم يد القضاء الأعلى، الذي لا مرد لحكمه سبحانه عز وجلّ”.

سعيد يصدر مذكرة إحضار بحق جمال باشا وعزمي وعلي منيف بك بتهم القتل بلا سند قانوني أو تحقيق كاف وسرقة المحاصيل وتعذيب المتهمين وتهجير الألوف مع عائلاتهم

سعيد مثقف رجال الشرطة
ظل سعيد مدعياً استئنافياً لأكثر من سنة، ولكن سلطة الانتداب ما لبثت ان رقته واوكلت اليه منصب رئاسة المدعين العموميين على الاراضي اللبنانية، ولكن الترفيع لم يصبه بالغرور والاعجاب بالذات، فراح، كما كان يفعل في حلب، يلقي الدروس على مفوضي الشرطة ومعاونيهم، زهاء شهرين، وخلال المدة المذكورة وضع مؤلفاً، كان الاول من نوعه في لبنان سماه، “نظامات الضابطة” ضمنه كل ما يتعلق بسلك الشرطة من قوانين وواجبات واستحق المؤلف ثناء المستشار القضائي الأعلى في المفوضية العليا السيد “بياش” فبعث الى سعيد برسالة جاء فيها: “لا اشك في ان كتابكم يؤدي لهذه البلاد انفع الخدم واجلها، فأرجو ان تقبلوا أحرّ التهاني بعملكم الشاق الذي دلَّ في الوقت نفسه على علمكم الواسع في الشؤون القضائية واقتداركم السامي في الادارة واتمنى من صميم قلبي ان تهتم الحكومة بطبعه خدمة للبلاد.وتقديراً لإخلاص سعيد وتفانيه بأداء وظائفه، أهدته سلطة الانتداب وسام جوقة الشرف بموجب براءة من رئيس الجمهورية مؤرخة في كانون الثاني، سنة 1921.

تكليفه بتطهير الجمارك من الفساد
وفي سنة 1921 ولما انفضح أمر بعض رؤساء الجمرك وتورطهم في أعمال فساد، اهتمت المفوضية العليا بالامر، واخذت توفد الموظفين لكشف الستار عن ارتكابات المسؤولين عن قطاع الجمرك وتجاوزاتهم، ولكن جهود هؤلاء الموظفين باءت بالفشل، فتقرر انتداب سعيد لهذه المهمة، ومنحته المفوضية أوسع الصلاحيات واسعة للقيام بمهمته ووضعت كافة الأجهزة وسلطة القضاء تحت تصرفه.
وقد برهنت الصلاحيات الواسعة التي أعطيت لسعيد عن ثقة المفوضية العليا به، وعن تيقنها من مدى جدارته وجديته وشجاعته بالاضافة الى الاهتمام الخاص والمميز الذي توليه لدوائر الجمارك. وكان سعيد عند حسن ظن السلطة الانتدابية، فكشفت تحقيقاته عن الجرائم المالية التي ارتكبت وعن حجم الاختلاسات الحاصلة. فرفع الى السلطة الانتدابية تقريراً مفصلاً عن مراحل التحقيق واسماء المجرمين وشركائهم، مرفقاً بتوصيات مؤداها منع تكرار ما جرى .
هذه الانجازات دفعت السلطة الانتدابية الى ترقية سعيد من منصب المدعي العام للمحكمة العليا في بيروت، الى منصب رئيس الاستئناف الاول.

سعيد زين الدين وابنته نظيرة
سعيد زين الدين وابنته نظيرة

تدبير تأديبي فرنسي مفاجئ
استمر سعيد في نهجه الأصيل، المتميز بالنزاهة وروح المسؤولية، ولكنه، خلافاً للمحطات السابقة لم يصطدم بحواجز السلطة بل على العكس حظي بدعمها وتقديرها، ودارت معركته مع الموظفين الفاسدين في قطاع الجمارك، وفي هذا المجال عاضدته السلطة واطلقت يديه وكافأته بالترقية، فانتقل من منصب المدعي العام العمومي الى رئاسة محكمة الاستئناف، إلا ان خبراً مفاجئاً ورد في جريدة لسان الحال عدد 25/10/1926 جاء يربك هذه السيرة ويضع سعيداً في مواجهة السلطة الانتدابية إذ جاء فيه:
” كفت يد سعيد زين الدين الرئيس الاول لدى محكمة الاستئناف وملحم بك حمدان المحامي العام لدى محكمة التمييز واحيلا الى المجلس التأديبي، وذلك من اجل الاعمال المنسوبة اليهما في التقرير المذكور”.
للوهلة الأولى يُظن ان إحالة سعيد إلى المجلس التأديبي ذات صلة بمحاكمات المقاتلين الدروز ضد الانتداب في سوريا ولبنان ، إلا ان هذه الصلة ليست بديهية لأن محاكمة هؤلاء كانت تتم في المجلس الحربي الذي انشئ لهذه الغاية، لا في محكمة الاستئناف المختصة بالقضايا المدنية الا ان جريدة الحارس الصادرة في 26/10/1926 اي بعد يوم واحد، أجلت هذا الغموض. فالسلطة الفرنسية اصدرت هذا القرار اثر قيام سعيد وملحم بواجب التعزية برشيد طليع، الذي توفي في 13/9/1926 في السويداء واقيم له مجلس عزاء في بلدته “جديدة الشوف”، حيث اعتبرت السلطة الفرنسية مشاركة شخصيات رسمية في الدولة في تأبين شخص معارض يعتبر عملاً مؤيداً للثوار وداعماً لتحركاتهم وتشجيعاً للآخرين على مناهضة السلطة(15)، غير آبهة بالتقاليد الريفية التي تقضي بتقديم واجب التعزية بالمتوفين أياً كانت هويتهم السياسية، عدا عن كون رشيد طليع مجايلاً لسعيد وقريته مجاورة لقريته، ثم انه لم يصدر عن سعيد اي موقف مناهض للانتداب او منافح عنه، اذ كان قدم واجباته المهنية على نضاله السياسي، قد يكون عربي الهوى ، غير انه لم يبدر منه اي موقف او تصريح معارض للانتداب، وهذا لا يعني انه متنكر لهويته العربية- اللبنانية، بيد اننا نرى في تعاونه المهني مع السلطة الفرنسية امراً اعتيادياً وسلوكاً براغماتياً واقعياً، اذ كان لا يزال في عمر الـ 41 عندما استدعته سلطة الانتداب لشغل منصب المدعي العام، وبصفته قاضياً لم يكن بمقدوره فعل غير ذلك، أي تغيير وجهته المهنية ورفض عرض السلطة الانتدابية المهني، والتكيّف مع الأمر الواقع، ولو أن سعيداً كان يسر الى المقربين منه ان الشعب اللبناني ليس بعد قادراً على ادارة شؤونه العامة بنفسه ويحتاج الى مساعدة، على ما أخبرنا سليم صفا أحد معارفه. ولكن اتضح ان هذا الاشكال كان عابراً لأن السلطة الانتدابية ما لبثت ان رقّت سعيداً الى منصب النائب العام لمحكمتي الاستئناف والتمييز.

 

المجلس المذهبي

انتخابات المجلس المذهبي الجديد لطائفة المحدين الدروز

مشاركــة واسعــة في التصويـت و40 في المئة فازوا للمرة الأولى

في التاسع من أيلول الماضي وبناء على أحكام قانون تنظيم أحوال طائفة الموحدين الدروز الصادر سنة 2006 جرت في مختلف مناطق لبنان انتخابات الولاية الثانية للمجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز وأشرفت على الانتخابات لجنة مكلّفة بضمان حسن سير العملية الانتخابية، وجرى الاقتراع في جو لافت من الروح الديمقراطية والمنافسة الإيجابية مع العلم أن عدداً كبيراً من المرشحين فازوا بالتزكية نتيجة التوافق العام على مؤهلاتهم وخبرتهم في الحقل العام.
في ما يلي عرض مفّصل لنتائج انتخابات المجلس في هيئته العامة وكذلك لنتائج انتخاب مجلس الإدارة الذي يرأسه حكماً سماحة شيخ العقل الشيخ نعيم حسن وكذلك انتخابات لجان العمل لرؤسائها ومقرريها وأعضائها.
وكان رئيس اللجنة القاضي سجيع الأعور أعلن النتائج في مؤتمر صحفي عقد في دار طائفة الموحدين الدروز في بيروت موضحاً في الوقت نفسه أن “المشاركة في الانتخابات بلغت قرابة السبعين في المئة في المناطق، على عكس ما ذكرته بعض وسائل الإعلام، إذ أن عدد الناخبين في المناطق كان 1232، انتخب منهم 870 ناخباً، وهذا يدلّ على أن نسبة الاقتراع فاقت الـ 70 في المئة. وبالتالي فقد جاءت النتائج لتعكس سلامة العملية الانتخابية وطابعها التمثيلي ولم يحصل فيها أي إشكال”.
كما جرت انتخابات تكميلية لبيروت وباقي المناطق بعد مراجعة قانونية أمام محكمة الاستئناف.

المجلــــس المذهبــــي الجديــــد

الهيئة الدينية
عاليه: فاز المشايخ بالتزكية (4 مشايخ)، هم: سامي أبي المنى، هادي العريضي، نزيه صعب، وجدي الجردي.
الشوف: فاز المشايخ (4): حاتم بو درغم (أكبر الأعضاء سناً)، سلمان عودة، شوقي كمال الدين، ومحمد ابو شقرا.
حاصبيا: فاز المشايخ (2): علي أبو ترابي وفايز حديفة.
راشيا: فاز المشايخ (2) بالتزكية، وهما: أسعد سرحال ويوسف أبو براهيم.
بيروت: فاز الشيخ حسن علاء الدين بالتزكية.
المتن – بعبدا: فاز الشيخان روزبا ابو فخر الدين وهاني غزال.
بقية المناطق: فاز الشيخ سلطان القنطار بالتزكية.

ممثلو المناطق
بيروت وبقية المناطق: علي العود وابتسام حاطوم.
راشيا: أكرم عربي، محمود خضر، ابراهيم نصر، الدكتور فارس زيتوني، ومعين حمدان.
الشوف: بهيج أبو حمزة، باسل أبو زكي، منير بركات، وجدي عبد الصمد، حمادة حمادة، عماد الغصيني، غادة جنبلاط ووهيب فياض.
حاصبيا: غازي الخطيب، غازي قيس، العميد المتقاعد اسماعيل حمدان، العقيد المتقاعد محمد الدمشقي وعامر صياغة.
المتن- بعبدا: كميل سري الدين، القاضي عباس الحلبي، فاروق الأعور ،الدكتور مروان قائدبيه، وحسان صالحة.
عاليه: طلال جابر، سهيل مطر، فاروق الجردي، عصمت صعب، رامي الريس، أنور يحيى، ربيع غريزي، وتوفيق البنا.

رئيــــس وأعضــــاء مجلــــس الإدارة للمجلــــس
المذهبــي المنتخــب

رئيس المجلس (بحكم موقعه) سماحة شيخ طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن
أمين السر: الاستاذ نزار البراضعي
أمين الصندوق: الاستاذ فاروق الجردي
رئيس اللجنة الإدارية: الاستاذ رامي الريس
رئيس اللجنة المالية: الدكتور عماد الغصيني
رئيس اللجنة الثقافية: الشيخ سامي ابي المنى
رئيس لجنة الأوقاف: الاستاذ عباس الحلبي
رئيس اللجنة الاجتماعية: الاستاذة غادة جنبلاط
رئيس اللجنة القانونية: الاستاذ نشأت هلال
رئيس اللجنة الدينية: الشيخ هادي العريضي
رئيس لجنة شؤون الاغتراب: الاستاذ كميل سري الدين

لجـــــان عمــــل المجلــــس المذهبــــي الجديــــد

اللجنة الإدارية

الرئيس الاستاذ رامي الريس
مقرر اللجنة الاستاذ عامر صياغة
أعضاء الاستاذ خالد الأعور
الاستاذة دنيا أبو خزام
الدكتور سهيل مطر

اللجنة المالية

الرئيس الدكتور عماد الغصيني
مقرر اللجنة الاستاذ ناجي صعب
أعضاء الاستاذ حسان صالحة
الاستاذ محمود خضر
الاستاذ نزار غنام

اللجنة الثقافية

الرئيس الشيخ سامي أبي المنى
مقرر اللجنة الدكتور نهاد أمان الدين
أعضاء الدكتورة سارة أبو شقرا
الشيخ فايز حذيفة
الاستاذ وجدي عبد الصمد

لجنة الأوقاف

الرئيس الاستاذ عباس الحلبي
مقرر اللجنة الاستاذ حمادة حمادة
أعضاء الشيخ أمين سرحال
الاستاذ بشير أبي عكر
الشيخ حسن علاء الدين
الشيخ روزبا أبو فخر الدين
الدكتور زهير نصر
العميد مصطفى الدمشقي
الشيخ نزيه صعب
اللجنة الاجتماعية

الرئيس الاستاذة غادة جنبلاط
مقرر اللجنة الاستاذ أكرم عربي
أعضاء الاستاذ اسماعيل خداج
الدكتور ربيع غريزي
الاستاذة سهير أبو زكي
الاستاذ غازي الخطيب
الشيخ محمد أبو شقرا
الشيخ هاني غزال
الدكتور وجيه مفرج

اللجنة القانونية

الرئيس الاستاذ نشأت هلال
مقرر اللجنة الاستاذة ندى تلحوق
أعضاء الاستاذ حمادة حمادة

اللجنة الدينية

الرئيس الشيخ هادي العريضي
مقرر اللجنة الشيخ سلطان القنطار
أعضاء الشيخ حاتم أبو ضرغم
الشيخ سلمان عودة
الشيخ يوسف أبو براهيم

لجنة شؤون الاغتراب

الرئيس الاستاذ كميل سري الدين
مقرر اللجنة الاستاذ سامر أبو مجاهد
أعضاء الاستاذة دانا شديد
الدكتور رمزي أمين الجردي
الدكتور فارس زيتون

عباس أبو صالح

بعـــد الـــوداع الأخيـــر

د. عباس أبو صالح

سيــــرة
مناضــــل

هذه المرة لم يسافر إلى أميركا ليتخصص فيها، توقفت منذ زمن رسائله التي كان يعبر فيها عن شوقه إليها وإلى الأولاد، ويشرح تفاصيل حياته اليومية في الغربة معللاً النفس بأمل اللقاء القريب. السفرة هذه المرة كانت رحلة إلى الخلود، إلى حيث كان هو يؤمن بأنه المستقر الأرفع للوجود وقد كان في لحظاته الأخيرة يشد عزيمة الأسرة الحزينة المتحلقة حوله بإشارات حاول من خلالها القول إنه يصعد أو أن روحه بدأت رحلة الخلاص بعيداً عن الجسد المتعب والمنهوك. مات مبتسماً وعلى وجهه مسحة سلام وتسليم لمجرى الزمان ولنقلة الانعتاق من ثقل التراب.
أما شريكة حياته فهي اليوم وحيدة مع الذكريات ومع حصاد الرسائل والمكاتبات التي لا تزال تحتفظ بها وترعاها رغم مرور زمن عليها، وهي ولا شك رسائل ثمينة عاطفياً كما أنها سجل موجز لأخبار هذا المكافح الصلب والمتواضع ولما أنتجه خلال سنوات طويلة من النضال العصامي.
بعد وفاته، وجدت “أم نضال” نفسها تذهب إلى صندوقه الخشبي الذي لم تعرف يوماً ماذا يحتوي. سألته مرة إذا كان في إمكانها الإطلاع على ما فيه قال وقتها: “شو بدك فيه، هيدا في كتب وأوراق ربما تهمني وحدي”.. كأن الصندوق الذي بقي من رائحة الأحباب أصبح فرصة بالنسبة اليها لتعرف جديداً لم يقوله لها شريك العمر خلال شراكة الحياة التي تخطّت الثلاثين عاماً.

آخر كلماته
من خلال حبّي للأرض تعمَّق إيماني بوجود خالق لهذا الكون وتـرسّخ انتمائي إلى التــوحيد وإلى أهلي الموحـِّدين الدروز

تجلس السيدة مي أبو صالح والحزن يخيّم على معالم وجهها، تتصفّح معنا الأوراق التي جمعتها من صندوق زوجها الراحل. بعض تلك الأوراق المكتوبة بخط يده تدوين لوقائع جلسات له ولرفاقه في المدرسة حيث كان يصغي لمداخلات زملائه ويكتب نقداً لكل منهم، معلّقة:
“أول مرة أجد مستندات كتب فيها انتقاداً لشيء”. وتبدأ بسرد قصة الرجل الذي لم يثنِه الفقر والمصاعب عن خوض غمار التحدي لتحقيق طموحه وأخذ مكانه المرموق في مسيرة الحياة.
لم تكن بلدة بتلون الشوفية تعلم سنة 1942 أنها أنجبت ابناً مبدعاً سيتخطى بنجاحاته حدود الوطن، فالزمن وقتها كان زمن زراعة وكان العلم نادراً، ومن أراد أن يتعلم كان عليه أن يكون على استعداد لتحمل المشقّات.
كان الصبي الناشئ عباس أبو صالح كغيره من أبناء جيله يعمل يومها مع أهله في الزراعة ورعاية بعض الماشية التي تشكّل جزءاً من الاقتصاد المنزلي، لكن قلب الصبي عباس كان ومنذ يفاعه متعلقاً بالعلم. ولشدة حبه للعلم فقد كان يأخذ كتابه معه إلى الحقل. يعمل ويدرس في الوقت نفسه. لم يكن يطلب شيئاً من أهله، وكان لخلوات الزنبقية التي تقع بين بتلون وكفرنبرخ ويملك أهله أرضاً فيها مكانة مميزة في قلبه، حيث كان يتبارك فيها وهو الذي أوصى قبل وفاته بقليل بتخصيص ربع مردود بيع كتبه لتلك الخلوات.
بين مدرسة السنديانة ومدرسة الشويفات الدولية (شارلي سعد) تنقل الراحل بين عدد من المدارس، بسبب ضعف الإمكانات المادية، لكنّه تميز في جميع الأمكنة التي ارتادها للتعليم باجتهاد ملف وبتفوقه على أقرانه وبقوة ذاكرته لدرجة أنه كان يحفظ محتويات الكتاب من أول مرة يقرأه. كان شغفه بالعلم يزداد في وقت كان كل شيء حوله يحاول ردعه عن هذا الطريق الصعب. وعلى سبيل المثال فقد كان والده البسيط المؤمن بحياة القرية وقدر الزراعة وكذلك جاره يسخران منه ويحاولان أن يمتحناه بالطلب إليه أن يعيد ما قرأه عن غيب ظناً منهما أنه سيعجز ولكنه كان يكسب الرهان ويتركهما مع ملاحظاتهما الساخرة في حيرة وحرج.
عدم تشجيع الأهل لاحقه الى الجامعة، وفي الوقت الذي حرمه النقص في منهج الرياضيات في الصف الثانوي الثاني من التخصص في الهندسة التي كان يحبها، حرمه والده من التخصص في الحقوق التي يحبها أيضاً انطلاقاً من مقولة: “ليس هناك عمل للمحامي”. وبقيت الجامعة الأميركية نغصته حيث كان مجبراً على تركها لأنه لم يستطع استكمال دفع القسط. وهكذا حط به الرحال في كلية التاريخ في الجامعة اللبنانية، وهناك فتح له تفوقه أبواب أميركا حيث حصل على منحة دكتوراه. عاد إليه حلم الهندسة وحاول فعلاً العودة إليها، لكن الأستاذ المشرف نصحه بألا يغيّر اختصاصه قائلاً: “كل بلد بحاجة الى مؤرخ”.

كلماته الأخيرة

لم يتمكن الفقيد الذي أقعده المرض من حضور حفل التكريم الذي نظمه المجلس المذهبي، لكنه أرسل كلمة مسجلة احتوت كلماته الأخيرة التي جاء فيها:
“لم أفكّر يوماً بمثل هذا التكريم، فأنا ابن فلاح غرس في قلبه، منذ الصغر، حب التواضع وعدم الظهور والمباهاة، وقد عملت مع والدي أحياناً، قبل وأثناء دراستي الطويلة، فعشقت الأرض وتعلقت بها وتعلمت من خلالها مبدأ أساسياً، وهو السعي للكسب الحلال. ومن خلال حبي للأرض تعمّق إيماني بوجود خالق لهذا الكون، وترسّخ انتمائي الى التوحيد والى أهلي الموحدين الدروز.
ومن خلال العمل بالأرض وحبي لها، تعرفت بالعمق على هويتي وهوية هذه الأرض، وثبت لي أننا لم نكن مجرّد شريحة صغيرة مقاتلة في هذا الشرق، وقد دافعنا عن بلادنا وبذلنا من أجلها التضحيات الجسام، للمحافظة على هويتنا وكرامتنا ووجودنا”.
“إن علينا واجب النهوض وتقديم التضحيات والمبادرات، لإنشاء مؤسسات مواكبة للعصر، كي لا ينسى أبناؤنا تراثهم الزاخر وكي لا نصبح، مع الوقت، صفحة منسية في التاريخ، وذلك لا يتحقق إلا بالعلم، الذي هو السلاح الوحيد للمحافظة على المجد وجوهر التوحيد وكرامة الإنسان”.

د. كميل سرحال:
لم يسيء إلى أحد ولو قيد أنملة والكل يذكره بالمحبة والإنسانية والتواضع، ورغم الهجرة والعيش في الخارج بقي محافظاً على القيم والعادات والتقاليد

لم تكن المنحة كافية لتغطية مصاريفه، وكانت امكانياته المادية صعبة لدرجة أنه تأخر في تقديم أطروحة الدكتوراه لعدم توفّر المال اللازم لطباعتها، ولكنّه لم يطلب يوماً من أحد وحاول تأمين حاجته من تعبه من دون أن يشعر أحداً حتى أهله. وفي هذا الصدد يقول صديقه كميل سرحال بغصة: “رحمة الله عليه كان عنده عزة نفس عالية جداً”. ويشرح أنهما كانا يعيشان معاً في بيروت في الفترة التي كان عباس أبو صالح يتحضّر فيها للسفر الى أميركا، ورغم ضيق أوضاعه المادية لم يقبل أن يقترض المال منه. ويشيد سرحال بأخلاق الراحل العالية وتهذيبه وأدبه، ويقول: “منذ نشأته ونفسه ميّالة الى الخير. سكنّا معاً فترة 7 أو 8 سنوات، كنت آتي من عملي منتصف الليل أجده يدرس وأذهب الى العمل في السادسة صباحاً يكون يدرس أيضاً، كان ينام بين ساعتين وأربع ساعات يومياً فقط، ورغم شغفه بالعلم كان عنده روح الفكاهة ويحب الشعر والزجل. منذ أن أخذ شهادة “السيرتيفيكا” كان يصرف على نفسه من تعبه ولم يكلّف أهله بشيء، ولا أذكر أنه أساء الى أحد ولو قيد أنملة وكان الكل يذكره بالمحبة والإنسانية، وطوال حياته رافقته ميزة التواضع ورغم تغربه وعيشه في الخارج بقي محافظاً على القيم والعادات والتقاليد”. عاد الدكتور أبو صالح الى لبنان سنة 1971 حاملاً شهادة الدكتوراه بتفوق، والتحق بالجامعة اللبنانية وبعد معاناة حقق حلمه بالانضمام الى الجامعة الأميركية في بيروت، ولكن هذه المرة كأستاذ محاضر ودرّس فيها على مدى 15 عاماً.
تنتقل السيدة أبو صالح الى الجزء الأعز على قلبها، الى تلك الحياة التي شاركته فيها ابتداء من سنة 1979 تاريخ زفافهما. فإبنة العز صبرت كثيراً وإن لاقت صعوبة في التأقلم مع ظروف الرجل المكافح الذي رغم ضائقته المادية كان يعلّم أخاه في الجامعة الأميركية على حسابه، والمفارقة أن الكل كان يظن أن الأخ يتعلّم بمنحة فيما الحقيقة أن الراحل كان يقدّم عملاً مجانياً لمؤسسة المجلس الدرزي للبحوث والإنماء مقابل تغطية تكاليف دراسة أخيه.
حنوه واهتمامه امتدا من عائلته الكبرى الى عائلته الصغرى التي غمرها بالحب والعطاء من دون أن يطلب شيئاً. وبغصة الحنين الى الماضي تقول زوجته: “كان من النوع العاطفي والحنون جداً، وكان يساعدني كثيراً وعندما أكون حاملاً يهتم بالأولاد. ولم أشعر يوماً أنه يحتاجني، حتى ثيابه كان يرتبها وحده”. وتلفت الى أنه ورغم أوضاعه المادية الصعبة كان كريماً جداً ولبّى رغبتها واستأجر

المجلس المذهبي يكرّم الفقيد

أكرم شهيب: صحح تاريخاً شوّهه الحقد منذ القرن التاسع عشر ولا يزال
د. عصام خليفة: مرجع استثنائي في التسجيل الموضوعي لتاريخنا المعاصر

وكأنه كان يشعر أنه سيكون الوداع الأخير، أراد أن يشكر من أحبوه وقدروه بأن يكون بينهم، ولكن المرض كان أقوى منه ومنعه، فكرّمت اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز الحاضر الغائب الدكتور عباس أبو صالح تقديراً لعطاءاته الفكرية وكتاباته التاريخية القيّمة قبل أيام قليلة من رحيله.
تخللت التكريم كلمات أشادت بمسيرة الدكتور أبو صالح، بدأت بكلمة ممثل صاحب الرعاية الاستاذ وليد جنبلاط، النائب أكرم شهيب الذي اعتبر أن الدكتور أبو صالح مكرّم بما أعطى وأبدع وبما وثّق وأرّخ.. مكرّم من رفعة خلق، وعلو همة، وسمو هدف، وكبير جهاد، مشيراً الى أنه ساهم في إحياء تراث بني قومه، وكتابة تاريخهم المجيد بصدق وموضوعية، بعدما شوّهته الأقلام الحاقدة منذ القرن التاسع عشر ولا تزال.
أما أستاذ الفكر الإسلامي في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور سامي مكارم فقال في كلمته: “إن الدكتور عباس أبو صالح حرص على أن يدرس التاريخ بموضوعية من جهة وبعمق من جهة أخرى، من هنا تجنبه الأسلوب الخطابي في كتبه. ومن هنا حرصه على أن يرد كل حدث تاريخي الى أسبابه، ودرس نتائجه بتجرّد، واتخاذه العبر من هذه الأحداث”.
واستشهد بما كتبه الدكتور أبو صالح في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه “تاريخ الموحدين الدروز السياسي في المشرق العربي”، والتي جاء فيها: “أخذ الولاء الطائفي ينمو على حساب الانتماء القومي والوطني، وبرزت مشاعر منها ما هو انكماشي وانطوائي ومنها ما تجاوز القومية الى ولاءات أخرى يمليها الشعور الطائفي السياسي. ونخشى أن تكون هذه المشاعر قد أخذت تؤثر بدورها في الموحدين الدروز، كما أثرت في بعض الطوائف اللبنانية، وهذا من شأنه أن يسيء الى ولاء الدروز الوطني والقومي.”
من جهته، الرئيس الأسبق لرابطة الأساتذة في الجامعة اللبنانية، الدكتور عصام خليفة عرض لسيرة الدكتور أبو صالح في كلمة قال فيها: “الدكتور عباس أبو صالح ركن أساسي ومرجع استثنائي في كتابة تاريخنا الحديث والمعاصر، وهو من الأكاديميين الذين تركوا الأثر الكبير في تربية طلاب التاريخ في جامعتنا الوطنية وفي جامعات خاصة أخرى، نتذكره ونتذكر أمثاله ممن رسخوا قيم العلم والأخلاق والوطنية في هذه المؤسسة”. وقدّم الدكتور خليفة أمثلة على الدقة العلمية وسعة المراجع وعمق التحقيق التاريخي الذي أجراه الدكتور أبو صالح في كل من كتب التاريخ التي ألفها، منوّهاً بأمانته العلمية ودقته البالغة في تقصي أحداث التاريخ.
وكان لمشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز كلمة أيضاً ألقاها المستشار الشيخ غسان الحلبي الذي بدأ بالقول: «د. عباس أبو صالح: اتزان التأريخ»، مشيراً الى أن من قرأوا كتاب «تاريخ الموحدين الدروز السياسي في المشرق العربي»، أدركوا أنه بات للدروز من يملك رؤية متزنة لتاريخهم، يغلب فيها النهج العلمي، والمقاربة العقلانية المشبعة بحس المسؤولية، على انفعال الوجدان، وجنوح العاطفة. واعتبر أن صفات المؤرخ الموضوعي المتزن لم تتجسد فقط في كتاباته ودراساته ومنهجيته الصارمة في اشرافه على الرسالات والأبحاث الجامعية، بل وأيضاً في شخصه ومسلكيته وطبعه كرجل علم يحترم المعرفة، ويجّل أصول طرائق اكتسابها والتعبير عنها. وظلّ، خلال سنوات طويلة من العمل الصامت الدؤوب، مخلصاً لتلك المبادىء مثل ناسك يقدّم قربانه في هيكل العلم.
تحدث رئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى أيضاً في خصال المكرّم، قائلاً: «إن المكرّم غلب عليه التواضع الصادق والرغبة في العمل الصامت والابتعاد عن الأضواء، ولم يحب المباهاة أو الاحتفال بنجاح أو تألق، كسواه ممن هم أقل انتاجاً وغنى، وتلك سجيّة فيه رافقته منذ الفتوة»، مضيفاً: «الا أننا لا نغالي اذا اعترفنا أننا تأثرنا بك وبما كتبت وأوحيت، ورحنا معك ومن ورائك نردد كلّما عصف الزمان واحتاج القوم الى جرعة عنفوان. لن أنسى حديثك عن تضحيات الأجداد بدمائهم، وعن عرقهم المصبوب عند كل تل وجل وجبل وسهل، وعند كل منعطف في المكان والزمان، وكأنك كنت تزرع فينا العزم، تنادينا بصوتك الخافت المدوي لكي نعود الى الأرض، نزرعها ونبنيها ونحميها ونعيش وحدتنا عليها، بدل أن نتغنى بمجد ضائع أو ننجرّ الى خصام أو صدام».

جامعة ظفار تودّع د. عباس أبو صالح

شهيد المعرفة لم ينحنِ للظلم
ولم تردعه الصعاب أو تكسره الآلام

أقامت جامعة ظفار في سلطنة عمان حفلاً تأبينياً عن راحة نفس الراحل الدكتور عباس أبو صالح، دعا إليه عميد كلية الآداب والعلوم التطبيقية ورئيس الجامعة بالوكالة، كما لبى الدعوة زملاؤه من الأساتذة والإداريين وموظفي الجامعة والطلبة.
تحدث في الحفل نائب رئيس الجامعة الدكتور أحمد صميلي ممثلاً الرئيس بالوكالة، الذي اعتبر الدكتور أبو صالح “شهيد المعرفة” لأنه سقط في المعمعة في الصف وهو يجاهد، ولم يترك التعليم بملء إرادته بل أجبره المرض على ذلك. وتساءل: “كم هو لغز كبير أن يشاء القدر أن نخسر فقيدنا الغالي وزميلنا العزيز ونحن على أهبة الامتحانات الأخيرة، كأنه يكمل السنة الدراسية معنا ويودعنا في آن إلى الأبد”.
ثم تحدث عميد كلية الآداب والعلوم التطبيقية الدكتور نمر فريحة، فأشاد بمناقبية الراحل وعلومه الغزيرة وصفاته الحميدة وحسن ادائه وتصرفه في القسم والجامعة. وأتى على ذكر الصعاب التي واجهها المرحوم في الأشهر الأخيرة من وجوده في الجامعة إذ بدأ الوهن يبدو عليه ونال من نشاطه، ولكنه بطبعه المشرق وروحه المرحة استطاع أن يخفي آلامه عن أقرب أصدقائه وأخلص زملائه. وقال إن شعوره بالتضحية كان لا يعرف الحدود. ودان الدكتور فريحة جشع شركات التأمين التي تركته بلا غطاء لأن عقد شركة التأمين في الجامعة يستثني المرض الذي ألمّ بالدكتور عباس، فصرف كل ما ادخره خلال سنوات التعليم على الاستشفاء وترك هذه البسيطة مستديناً ليغطي نفقات الطبابة. ووصف الدكتور فريحة زيارته الأخيرة إلى المرحوم الدكتور عباس في المستشفى في بيروت، وكيف كان يتحمل آلامه بصبر وبروح الدعابة، وكيف كان يفكر بالجميع ويسأل عن أحوال كل زملائه في الكلية فرداً فرداً متمنياً لهم النجاح والتوفيق.
أما الدكتور مفيد العبدالله، الأستاذ في قسم اللغة الانكليزية الذي قضى مع الدكتور عباس الكثير من الوقت في جامعة ظفار، فوصف كيف كان الدكتور عباس يحبّ الحرية من كل قلبه، ويؤمن بالديموقراطية فلا يرضى بإذلال أحد ولا يقبل أحداً أن يذله. كان صريحاً في آرائه، جريئاً في أفكاره، لا يلين أمام الصعاب، لا ينحني للظلم ولا تكسره الآلام”. وأشاد الدكتور عبدالله بسعة علوم الدكتور عباس ومعارفه في التاريخ وحبه للشعر والزجل والنكتة.
اختتم الحفل بكلمة للدكتور إبراهيم النجار الذي يعتبره الجميع أخاً للراحل لأنهما قلّما افترقا، فتحدث عن رفقتهما الطويلة، إذ كانا زميلين وجارين في الجامعة الأميركية في بيروت منذ سنة 1988، ورفيقين على مدى ستة أعوام في ظفار.
كانا يحللان الأحداث بعمق وكان المرحوم غالباً ما يلجأ إلى التاريخ ليضفي لمسة وواقعية على الأحداث، “وعندما لا توجد أية أحداث طارئة في العالم كان يعمد إلى الزجل والنكات لكي نتسلى ونمضي الوقت”. والآن بعد فراقه، تغيرت الأمور، فالدكتور نجار بلا شريك يذهب معه إلى العمل ويعود منه ولا جار يتحدث إليه.

أطلق على ابنه البكر اسم “نضال” تيمناً بحياة الكفاح التي عاشها وبنجاحه كإنسان

منزلاً في الشويفات قريباً من منزل أهلها بعد أن لفتته إلى صغر منزله في منطقة بلس في الحمراء، وبقيا في المنزل المستأجر الى أن أصبح عاجزاً عن الدفع واضطر الى تركه والعودة الى بلس. وتتابع: “عانينا كثيراً أول زواجنا، كان المنزل عبارة عن غرفة ومطبخ، وبقينا على هذه الحال حتى بعد أن أصبح لدينا 3 أطفال، مما كان يدفعه للبقاء في الجامعة حتى منتصف الليل ليعمل”. ورغم ذلك كان يدعو زملاءه في الجامعة الى الغداء قائلاً أنهم عازبون وليس هناك من يطهو لهم.
لم يقتصر حبه للعلم على نفسه بل شجّع زوجته على متابعة دراستها ونيل شهادة دبلوم تعليم. وتعود السيدة مي بالذكريات الى أول فترة زواجهما: “كان حساساً ومرهفاً ويحب الفن، أخذني إلى ايطاليا ولأنه غير قادر على شراء اللوحات الخالصة، كان يشتري صوراً ويقول لي أنا أشتري لها إطاراً”. ولأنها تحبه قررت أن تكون هي رسّامته، وبعد أن عادا اشترى لها أدوات الرسم وتعلّمت عند الفنان حموي ورسمت 45 لوحة. أما عن أولاده فتقول: “أطلق على ابنه البكر اسم “نضال” لأنه عانى حتى وصل. ولم يميّز بين الصبي والبنت، كان يعطيهم كل ما يريدون ويضحي من نفسه لأجلهم، وكنت ألومه على عاطفته، لأنهم يعتمدون علينا كثيراً فلو قساهم لكانوا أنجح، فالظلم رحمة أحياناً”. أما أحفاده فلم يتمكن من أن يراهم بسبب موعده المفاجئ مع القدر.
عزة نفس الراحل برزت في عدد من محطات حياته، ومنها عندما ترك العمل في الجامعة الأميركية في بيروت بعد مضايقات تعرض لها، تركها من دون أن يخبر أحداً بما حدث معه. بعدها درّس سنة في جامعة AUST، ومن بعدها انتقل للتعليم في جامعة ظفار في سلطنة عمان، وكان يتنقل بين لبنان وسلطنة عمان.
كان خريف 2010 صعباً على الراحل حيث بدأ يعاني من السعّال ولم يستطع أحد أن يشخّص حالته في البداية، البعض ظنّ أنه يعاني من مرض السلّ الى أن تبين أن مرض السرطان نال منه. كان ايمانه أقوى من معاناته مع المرض، وكان يرد على زوجته عندما تسأل من أين أتى هذا المرض: “لا تقولي ذلك، فهذا اعتراض على مشيئة الله”. قاوم المرض بقوة وإرادة، وحاول ألا ينام في الفراش وقد أثارت عزيمته استغراب الطبيب الذي كان يسأل أسرته: كيف يمكنه وهو في مرضه المتقدم أن يقف ويسير منفرداً على قدميه؟ كان يقول لزوجته لو كان هناك أمل واحد في المئة سأتمسك به، ولكن الأمل كان مفقوداً وخطفه المرض من بين عائلته التي بقي حاضراً معها حتى آخر رمق من حياته… ويروي ابنه البكر نضال كيف كان في آخر لحظات حياته يضغط على أصبعه وكأنه يحاول أن يقول له شيئاً، ولكن الكلمة الأخيرة لم تكن له بل للمشيئة الربانية التي أخذت رجلاً قلّ مثيله في الاستقامة والتواضع وقوة العزيمة… رجل ترك إرثاً غنياً ليس لعائلته فقط بل لمجتمع الموحدين الذين تعلق بهم وأحبهم وأرخ أحداثهم ومآثرهم ولمهنة التأريخ الأمين التي أتقنها ومارسها بأمانة وأخيراً للعرب جميعاً ولبلده لبنان.

بطاقة تعريف

• الدكتور عباس سعيد أبو صالح من مواليد 1943 في بلدة بتلون الشوفية.
• تلقى علومه الابتدائية في بلدته بتلون ثم في بعقلين ونال الشهادة الثانوية من مدرسة الشويفات الدولية.
• حاز على الإجازة التعليمية في التاريخ من الجامعة اللبنانية بدرجة امتياز، وكان أول من أرسل من الجامعة بمنحة الى الولايات المتحدة الأميركية، فتسلّم شهادة تقدير من أستاذه الكبير المؤرخ فؤاد افرام البستاني.
• نال شهادة الكفاءة من كلية التربية في الجامعة اللبنانية وأرسل بعدها بمنحة إلى جامعة تكساس حيث حصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ بامتياز.
• درَّس في الجامعة اللبنانية وأشرف على رسائل الماجستير فيها، كما عيّن رئيساً لقسم العلوم الاجتماعية والاجتماعيات في المركز التربوي للبحوث والإنماء، ومدرساً لمادة الفكر والثقافة في الجامعة الأميركية في بيروت لمدة ثلاث عشرة سنة وفي جامعات خاصة أخرى، كما عين عضواً في لجنة الامتحانات لمباراة الدخول الى سلك وزارة الخارجية.
• شارك في لجنة تأليف الكتاب المدرسي لمادة التاريخ في المركز الوطني للمعلومات.
• عيّن من قبل الجامعة الأميركية في بيروت استاذاً في جامعة ظفار (صلاله) في سلطنة عمان، وبقي فيها حتى سنة 2011، وكان عميداً لمادة تاريخ الفكر والثقافة والعلوم الاجتماعية.
• له ثلاثة كتب ومجموعة من المقالات والدراسات والمساهمات الفكرية، من أبرزها: تاريخ الموحدين الدروز السياسي في المشرق العربي (1980)– التاريخ السياسي للإمارة الشهابية في جبل لبنان (1984) – الأزمة اللبنانية عام 1958 في ضوء وثائق يكشف عنها لأول مرة (2000).
• لديه أبحاث عديدة، نشرت في مجلات علمية منها: الدروز في موسوعة لوميير عن دائرة المعارف الفرنسية – أبي هلال، الشيخ الفاضل، حياته الاجتماعية – الحياة الفكرية في لبنان خلال القرن الثامن عشر – 1981
• عمل على تأليف كتاب عن تاريخ لبنان خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بقي القسم الأخير منه غير منجز تماماً، كما عمل مع مؤسسة التراث الدرزي على تأليف كتاب عن التاريخ الحديث للموحدين الدروز، لم ينشر بعد.

المؤسسة الصحية للطائفة الدرزية

المؤسسة الصحية في عيــن وزيـــن

استثمــارات ضخمــة والتحــدي الأول
استعــادة الثقــة وكســب رهــان الجــودة

د. زهير العماد:
النواقــص قائمــة لكننــا حققنــا قفــزات كبيــرة
نرحّــب بالنصــح البنّــاء والتجريــح يضــرّ الجميــع

في سنة 1978 وُضِع حجر الأساس للمؤسسة الصحية للطائفة الدرزية في أرض مطلة وموقع جميل على تلال عين وزين. كان الحدث بالنسبة للكثيرين منعطفاً حاسماً في تاريخ منطقة الشوف والعناية الصحية في الجبل عموماً. وقد كان غياب مستشفى مجهزاً تقنياً وطبياً وبشرياً في المنطقة قد تحول إلى شذوذ بديهي عن بقية المناطق والجماعات اللبنانية التي يحظى كل منها بمستشفى أو مستشفيات عدة ترعى خصوصاً فقراء المناطق إلى جانب المرضى المقتدرين أو المتمتعين بغطاء صحي خاص أو حكومي.
لم يكن مفاجئاً لذلك أن يستقبل قيام المؤسسة الصحية بترحيب شامل وبآمال عريضة، وأن يكون الخبر قد أدخل الطمأنينة إلى قلوب سكان الجبل بصورة عامة. لكن قيام المؤسسة فعلياً وشروعها في تقديم الخدمات الصحية في مطلع الثمانينات سرعان ما كشف عن أن المنطقة لم تكن مجهّزة كما يجب للتعامل مع التعقيد التقني والخدماتي والإداري لمؤسسة صحية متقدمة وحديثة، واتضح للجميع بسرعة أن المستشفى ليس المعدات ولا الغرف ولا العناصر المادية، بل هو نظام متكامل لتوصيل أفضل الخدمات الطبية والصحية يلعب فيه الفريق الطبي والإداري والتمريضي والإدارة اليومية لمختلف الأقسام أدواراً متكاملة ومتلازمة في سياقه. وقد تبين أيضاً أن هذه الخبرات والمهارات لا يمكن تجميعها فجأة بل يجب أن تكون جزءاً من ثقافة إنجاز وخدمة طويلة وأن تكون عناصرها قائمة وجاهزة للعمل بانتظام منذ اليوم الأول لقيام صرح بحجم المؤسسة الصحية.
بالطبع أدى عدم التنبه أو عدم إمكانية تلبية كل هذه الشروط بصورة مسبقة إلى حال أشبه بالتعلم في الميدان، أو التعلم بالتجربة وبالخطأ، وهذا طريق خطر في مهنة الطب كما سيوافق الجميع، وقد نجم عنه سلسلة من الارتباكات والأخطاء التي جاءت مناقضة للتوقعات المرتفعة التي كانت لدى الناس، والذين كانوا يقارنون المؤسسة ومنذ اليوم الأول بمثيلاتها من المؤسسات العريقة والمتقدمة، والناس يمكن أن تعذر أو تمهل في أي شيء إلا في موضوع الصحة والأمن الصحي، ولهذا فقد كان الرأي العام قاسياً في تقييمه لبواكير التجربة وارتسمت من جراء تلك الأحكام الأولية صورة سلبية كانت تتغذى يومياً بمختلف الأخبار الصحيحة أو المضخّمة أو حتى غير الصحيحة عمّا يحصل في المؤسسة الصحية.
كانت تلك فترة صعبة بل دقيقة ولا شك، وقد كان على المؤسسة والعاملين فيها التعلم بسرعة ومعالجة النواقص والثغرات التي تظهر في الممارسة، وهو ما كان يتم بالفعل يوماً بعد يوم وقد مرّت المؤسسة منذ تلك الفترة بمراحل متتالية من التطور والتقدم ومعالجة النواقص أوصلتها إلى ما هي عليه الآن كمؤسسة متكاملة ومتقدمة للرعاية الصحية ورعاية المسنين. لكن المؤسسة ورغم النجاحات التي أحرزتها والتحسّن المطرد في الخدمات الطبية التي تقدمها تشعر أكثر فأكثر أن الجمهور لم ينصفها بسبب قوة الصورة السلبية التي ما زال يتداول بها الكثيرون.
في هذا التحقيق الذي أعدّته “الضحى” عن تجربة المؤسسة وآفاقها محاولة موضوعية لإجراء تقييم منصف وصريح للتجربة بعيداً عن الشائعات والقيل والقال الذي بات الكثير منه يؤذي المؤسسة وجهودها وينعكس بالتالي على قدرتها على أداء الأدوار العديدة المتوقعة منها. تناول التحقيق التعرّف عن قرب على واقع التجربة الحالي ومراحل التطور التي مرّت بها المؤسسة ومشاريع المستقبل، كما تضمن مواجهة مسؤولين، وعلى رأسهم مدير عام المستشفى الدكتور زهير العماد، والشيخ علي عبد اللطيف أمين الصندوق في مجلس أمناء المستشفى، بالأسئلة الصريحة وبالهموم التي يتداولها الناس حول مؤسستهم الصحية وما يتوقعونه منها.

مستشفى عين وزين
يُعتبر مستشفى عين وزين حالياً مركز الإحالة للنسبة الأكبر من الحالات المرضية في كل مناطق الجبل، فمن يحتاج الى عناية قلبية أو علاج كيميائي أو غسيل كلى أو عناية فائقة حتى لحديثي الولادة يقصد “عين وزين”. ويقسّم المستشفى الى 12 دائرة ويتناوب عليه نحو مئتي طبيب من كافة الاختصاصات، وفيه احتكاك سنوي مع ما لا يقل عن 50 ألف مريض، بينهم 10 آلاف يدخلون المستشفى و20 ألفاً في العيادات الخارجية، وهناك ما بين 2500 و3000 جلسة علاج كيميائي، و800 جلسة غسيل كلى، ومعدل 100 جراحة قلب مفتوح، بالاضافة الى ما بين 200 و300 قسطرة قلب، علماً أن 40 % من المرضى عمرهم أكثر من 70 سنة، وهذا عامل مؤثر على مدة الإقامة في المستشفى، فمعدل إقامة المسن غير معدل إقامة الشباب وحديثي الولادة.
يعمل في مستشفى عين وزين 450 موظفاً منهم 100 أجانب، ويتألف الجهاز الاداري من 6 مدراء، وهناك 40 دائرة وقسماً، ولكل دائرة رئيس طبي وهي تعمل وفق نظام عمل واضح، وفي كل أسبوع يعقد كل قسم اجتماعاً لدراسة الحالات قيد المعالجة. وإضافة إلى الأقسام، هناك لجان عدة منها ما يُعنى بموضوع الأوبئة مع فريق عمل مختص، وهناك لجان للجودة، وأخرى لدراسة الحالات الطبية المعقدة، فضلاً عن لجنة تقييم الممارسة الطبية والتدقيق بحالات الوفاة خصوصاً تلك التي تتطلب تفسيراً.
على الرغم من هذه الإنجازات، فإن النقطة الملحة التي أردنا البدء بها هي السؤال عن مستوى الخدمة الطبية، وما يقال بين الناس عن تدنيها في المؤسسة بالمقارنة مع المستشفيات الأخرى المعروفة في لبنان.
يجيب الدكتور العماد على ذلك بالقول:” أنا كل يوم أسأل نفسي هذا السؤال، لماذا الناس غير ممنونين، لماذا الحديث يتركز دوماً على السلبيات والكلام الذي يثبط العزائم؟ الناس توقعاتها عالية جداً وتعتقد أن كل مريض يدخل المستشفى يجب أن يخرج صحيحاً معافى في اليوم التالي، وهذه صورة غير واقعية بالطبع لأن بعض المرضى يدخلون العلاج وهم في حالة متقدمة من المرض، وبعضهم الآخر قد يكون يعاني من اشتراكات وتعقيدات قد لا تكون ظاهرة في البداية، وعلى العموم نحن مثل المستشفيات الباقية لدينا أطباء أكفاء وذوو خبرة، كما أنه أصبح لدينا أحدث التجهيزات والتقنيات وهذه نضعها في تصرف المواطنين ممن يطلبون العناية الصحية في مؤسستنا، وهذا مدعاة فخر واعتزاز لنا، بل أقول إن من حظنا أن تكون لدينا مؤسسة على هذه الدرجة من المهنية والتجهيز ولكن عملنا في المؤسسة يجب أن يقابله تفهم أفضل من الجمهور ووعي مجتمعي أكبر.

“عين وزين” مستشفى فئة أولى
الضحى: ما هو تصنيف المستشفى اليوم بين المستشفيات اللبنانية، وهل حصلتم على شهادات الجودة نتيجة للجهود المبذولة لتحسين الأداء ومستوى الخدمات؟
د. العماد: في سنة 2000 بدأت وزارة الصحة تطبيق نظام اعتماد المستشفيات Accreditation كشرط للتعاقد مع المؤسسات الصحية ضمن مشروع تأهيل القطاع. ومنذ ذلك الوقت ومستشفى عين وزين مصنف بين مستشفيات الفئة الأولى في لبنان (فئة “أ”)، ويتم التقييم وفق معايير معتمدة من قبل الوزارة يتعلّق قسم منها بإدارة المستشفى لكن يؤخذ في الاعتبار أيضاً عناصر أساسية مثل آليات العمل ونوعية الخدمات الطبية والتمريضية والفندقية ومستوى المعدات والبناء ومعايير السلامة العامة ومعايير الأداء الطبي وملاءمة أعداد الموظفين ومدى تلاؤم أعداد الممرضين مع عدد الأسرّة والتطوير الداخلي وآليات الضبط الداخلي (مالياً وطبياً)، ويتم التأكد من وجود لجان تدرس حالات الأخطاء الطبية وحالات الإلتهابات والأوبئة الناتجة عن العمل الطبي الداخلي، بالإضافة إلى معايير سلامة المواد الطبية وتطابقها مع المعايير المعتمدة.
وأود الإشارة هنا إلى أن المستشفى ومنذ سنة 2005 حتى الآن يحصل على شهادة الـ ISO، والتي كانت تعرف بـ ISO 9001/2001 وأصبحت الآن ISO 9001/2008.
فضلاً عن ذلك، يخضع المستشفى لعمليات تقييم دورية ذاتية واختيارية عدة بما في ذلك تدقيق شامل تقوم به شركة ألمانية كل سنة لضبط العمل الداخلي، وهذا التدقيق كما قلت ليس إلزامياً ولكن يعتمده المستشفى بهدف التحسين المستمر للأداء.

لماذا تتجنّب الفئة الميسورة
طرق باب المؤسسة الصحية؟

تبلغ الميزانية السنوية للمؤسسة الصحية للطائفة الدرزية نحو 20 مليار ليرة (13.3 مليون دولار) وهي تدفع شهرياً نحو 450 مليون ليرة على الرواتب والمصاريف الإدارية ونحو 100 مليون ليرة للضمان الاجتماعي. لكن الملفت هو أن نحو 97 % من مداخيل المستشفى تأتي من فئة الدرجة الثالثة (ضمان اجتماعي ووزارة الصحة) بالمقارنة مع 40 % في مستشفيات بيروت، فيما لا يزيد الدخل الناجم عن مرضى الفئتين الثانية والأولى على 3 % في المؤسسة الصحية في عين وزين مقارنة مع 60 % في مستشفيات بيروت، ويعتبر غياب أي دخل حقيقي للمؤسسة من مرضى الفئتين الثانية والأولى سبباً في ضعف مصادر دخل المؤسسة، كما أنه مؤشر واضح على تردد المرضى ذوي الإمكانات المالية عن طرق باب المؤسسة، وذلك بسبب تشوش صورتها في ذهن الكثيرين واستمرار تأثير الصورة السلبية الموروثة عن الماضي على موقف قطاع كبير من زبائن القطاع الصحي من المؤسسة.

الأطباء بين طلب المال وقسم أبقراط

الضحى: لكن هل تحول جهود المؤسسة الصحية وإدارتها دون حصول أخطاء من قبل الأطباء أو دون سيطرة الروح المادية على بعضهم؟ واقع الأمر أن التبدلات الاجتماعية والقيمية تخلق اليوم سباقاً على كسب المال تراجعت بسببه القيم الإنسانية وقيم الضمير المهني واحترام حقوق الآخرين ليس في مهنة الطب وحدها بل في مختلف المهن، وبالطبع فإن الضحية الأولى لهذا التراجع هو المريض وأسرته.
د. العماد: المبدأ والتفكير الإنساني لم يتراجعا، لكن تراجعت امكانية الطبيب أن يعطي من ذاته، فالأطباء هم جزء من المجتمع ويعانون فيه، وهم يعملون في حياة الناس وصحتهم، وفي الوقت نفسه عندهم تحديات معيشية في ظل هذه الظروف، وفي كثير من الأحيان لا يقبضون بدلات أتعابهم قبل ستة أشهر. لكن هل يعني ذلك أن لا يقوم الطبيب بواجبه الإنساني؟ بالتأكيد لا. على الطبيب أن يواظب على الخدمة بصبر لأنه مسؤول عن صحة الناس وهذه هي المهنة التي اختارها ولا بدّ من الالتزام بمبادئها في جميع الظروف.
الضحى: ما هو موقف المستشفى من حالات الطوارئ التي قد ترد عليه؟
د. العماد: لا يتم رفض أي مريض في المؤسسة لسبب مالي، كما أن هناك مساعدات اجتماعية تقدّم للمرضى المحتاجين، وهي تعطى كمساعدات على فواتير وزارة الصحة والضمان الاجتماعي بعد درس طلب المريض من قبل مُساعدة اجتماعية مختصة، ويكون الحسم حسب التصنيف وتزيد نسبته في حال الدخول المتكرر. أما المريض الفقير فيتم تطبيبه 100 % على حساب وزارة الصحة.

مركز رعاية المسنين؟
يعتبر مركز رعاية المسنين في مستشفى عين وزين إضافة مهمة جداً لهذا الصرح الطبي، وجاء قيامه أصلاً مؤشراً على تبدل المفاهيم والعلاقات الاجتماعية داخل الأسر اللبنانية وحتى داخل الجبل، وهو تبدل نشأ أيضاً عن انفراط عقد الأسرة الموسعة وهيمنة الأسرة المنفردة المؤلفة من الزوجين والأولاد. وقد أحدث هذا التبدل فجوة مهمة في رعاية المسنين الذين قد يجدون أنفسهم وقد تركوا لمصيرهم في المنزل الأبوي أو في ظروف هجرة الأولاد وزواج البنات وفراغ المنزل من أشخاص يمكنهم أن يأخذوا على عاتقهم رعاية المسن. وبالطبع يزداد الأمر تعقيداً عندما يصاب المسن بأمراض الشيخوخة مثل الخرف أو أمراض باركنسون أو غيرها من الأمراض المُقعِدة، وهي حالات تجعل من العناية بالمسن أمراً صعباً إلا على شخص متفرغ تماماً ولديه في الوقت نفسه الخبرة والتدريب اللازمان للتعامل مع تلك الحالات.

مضاعفات الصورة السلبية
3 % فقط من مرضى الفئتين الأولى والثانية يختارون المؤسسة الصحية في مقابل 60 % لمستشفيات لبنان

مضاعفات غياب الحس الاجتماعي
60% من أهالــي نزلاء مــركز رعايـــة المسنين لا يدفعون المساهمة الشهرية المترتبة عليهم

الضحى سألت الدكتور العماد: ما هو سبب اللغط القوي حول خدمات مركز رعاية المسنين وشكوى الكثيرين من رفض قبول أهلهم؟
د. العماد: الجدل القائم حول مركز رعاية المسنين والطلب الكبير على غرفه المحدودة هما أحد الأسباب التي ساهمت في حالات التذمر أو النقد الموجه للمؤسسة من قبل البعض. لكن الناس لا تدرك ربما أن طاقة المركز على الاستيعاب تتجاوز اليوم الطلب المتزايد على خدماته، وأن موارد المركز المتاحة ليست بلا حدود. ولا بدّ من الإشارة إلى أن المؤسسة الصحية تغطي عجزاً مالياً في المركز لا يقل عن 20 إلى 30 ألف دولار شهرياً، وذلك بهدف إبقائه قائماً، وأن مركز رعاية المسنين يحتاج في طاقته الحالية إلى 350 ألف دولار كنفقات سنوية في وقت لا يزيد الدخل المحقق على 120 مليون ليرة، أي 80 ألف دولار.
لكن إحدى المفارقات الملفتة في مركز رعاية المسنين هي أن هناك 40 شخصاً من أصل 60 مقيمين حالياً في المركز لا يدفعون بدل إقامتهم ولا تتخذ أي تدابير بحقهم، مما يؤكد سيادة منطق الغلبة وفرض الأمر الواقع، وهو منطق يحرم المركز من الموارد ويجعله غير قادر على تلبية المزيد من الطلبات لإدخال مسنين قد يكونون في حاجة أمس وأكثر إلحاحاً للعناية. فمن المسؤول عن استمرار هذا الوضع؟

خدمات التمريض
الضحى: ما هو وضع خدمة التمريض في المؤسسة ومستوى الكفاءة والتدريب لدى الممرضات؟
د. العماد: هناك نقص في الكفاءة نعمل على سده، لأن العنصر البشري هو أهم رأس مال. وفي المؤسسة المعدل الوسطي لعمر الممرضات هو 27 سنة، أي أن الجسم التمريضي شاب في الغالب، وهو في حاجة إلى التدريب، ولهذا وبسبب الحاجة للتعويض عن نقص الممرضين ذوي الخبرات الطويلة فإن المؤسسة تركّز بصورة كبيرة على التدريب، وهي من أكثر المؤسسات التي تجري دورات تدريبية لموظفيها، فهناك أكثر من 6 أيام تدريب لكل ممرض أو ممرضة في السنة، فيما المعدل في فرنسا 3 أيام.

الضحى: هل تعتقدون أن فريق التمريض في المؤسسة كافٍ في ضوء عدد الغرف والمرضى الذين يستقبلهم المستشفى يومياً؟
د. العماد: من الناحية النظرية، المستشفى ملتزم بتوفير ما يكفي من الممرضين وفقاً لمعايير موضوعية تتعلق بعدد الأسرة والحالات الطبية، لكن المشكلة ليست في العدد بل في عدم كفاية الخبرات الموجودة وعدد سنين الخبرة المتوافرة لأفراد الجهاز التمريضي. ومن المعروف عالمياً أن معدل بقاء الممرضين والممرضات في المهنة أقل منه في الوظائف الأخرى لأن هذه المهنة بطبيعتها تتطلب جهداً وتخلق ضغوطاً كثيرة على العاملين، وهذا على الرغم من الحوافز المادية والاجتماعية والسكنية الموفَّرة للجهاز التمريضي. لكن النتيجة البديهية لهذا الوضع هو أن جهاز التمريض يحتاج إلى تدريب مستمر وإلى تجديد وإعادة تأهيل دائمين، لأن معدل الاستمرارية في عمل الممرضين قصير. أضف إلى ذلك أن مهنة التمريض أصابها ما أصاب المهن الباقية وهي أن النظرة إليها على أنها مهنة للعيش مع تراجع الحوافز الكافية للعطاء والتعامل مع التمريض كخدمة وترقية للنفس. ولهذا السبب ربما فإننا ندرس خفض دوام العمل وبدأنا تنظيم 3 نوبات عمل لتخفيف الضغط عن الممرضات، كما أننا نهتم الآن بموضوع التواصل ونعترف بوجود مشكلة في هذا المجال نسعى لحلّها عبر تخفيف التحكّم المباشر من قبل المسؤولين. أما في ما يخص التواصل مع الناس فنحن بدأنا أيضاً تنظيم دورات تدريبية على مهارات التواصل والتعامل مع المريض لكافة الموظفين.

الخدمات والبرامج التعليمية

تتولى المؤسسة الصحية في عين وزين دوراً تعليمياً مهماً يتمثل في توفير الاختصاصات والشهادات التالية:
1. برنامج شهادة الاختصاص في طب الشيخوخة، وهي تتطلب سنة تخصص بعد إنجاز ثلاث سنوات من التخصص في الأمراض الداخلية بعد إجازة الطب العام.
2. برنامج شهادة الاختصاص في الأمراض الداخلية.
3. تدريب للتخصص في الأمراض الداخلية وطب الشيخوخة.
4. تعليم مادة طب الشيخوخة مع تدريب عملي خلال الدراسة لنيل شهادة الطب العام.

علي عبد اللطيف: استراتيجية للتسويق
تعمل المؤسسة وفق استراتيجية يحدّدها مجلس أمنائها المؤلف من رئيس وأحد عشر عضواً، وتوضع على المدى البعيد حسب الحاجات، وبنظرة تطويرية للوصول بالمؤسسة الى مرحلة متقدمة من الخدمات الطبية.
يقول عضو مجلس الأمناء الشيخ علي عبد اللطيف إن المؤسسة نموذج خاص من التجارب القليلة الناجحة ويقصدها مرضى من الجنوب (صيدا وضواحيها)، البقاع، بيروت وضواحيها، والجبل الساحلي كله، ولكن نسبة القطاع التأميني الخاص فيها قليلة جداً.
ويشير إلى أن المؤسسة وضعت مشروعاً متكاملاً لتحديث المستشفى القديم كون عمره تخطى الـ 25 سنة، وسيتم في مرحلة تالية استكمال تطوير الأقسام وتوسيع أبنية المستشفى بالإضافة إلى استكمال الجزء المكمّل لمستشفى المسنين ومركز رعاية المسنين، علماً أن تكلفة المشروع تصل الى نحو 12 مليون دولار، وأن العمل بتنفيذه سيبدأ من هذه السنة.
ويعتبر أن هناك نقصاً في تسويق المستشفى، فهو غير معروف كما يجب، معترفاً أن ذلك كان خطأ القيمين عليه، اذ يجب أن يكون هناك تسويق مبني على التوعية وخلق المعرفة عند الناس، لذا أنشأ المستشفى أقساماً للإعلام والعلاقات العامة بهدف التواصل مع الجمهور وتحسين أساليب التسويق المستند إلى المعلومات.

المؤسسة الصحية والأخطاء الطبية

أحد الأعباء التي تثقل على صورة المؤسسة الصحية الشائعات والقيل والقال الذي يتناول حوادث الإهمال أو الأخطاء الطبية التي تنجم عنها حالات وفاة أو تفاقم لحالة المريض. وعلى الرغم من أن الكثير من الأنباء المتداولة غير دقيق وغالباً ما يتم تضخيمه، فقد رأت “الضحى” التوجه إلى الدكتور العماد بطلب توضيح هذه المسألة وسألته: أليس صحيحاً أن نسبة الأخطاء الطبية في مستشفى عين وزين عالية؟\
د. العماد: الأخطاء الطبية تحصل في كل المستشفيات، وهي باتت جزءاً من تركيبة قطاع الإستشفاء حتى في دول متقدمة مثل الولايات المتحدة الأميركية، لكنّ الرقابة واختيار الطاقم الطبي الكفوء لا بدّ من أن يحدا من وقوع تلك الأخطاء. الأخطاء الطبية التي هي على أنواع جسيمة والتي يكتنفها الإهمال الفادح أو الخطأ المهني هي قليلة في المستشفى، وهناك الأخطاء الناتجة عن قلة الاهتمام أو الاحتراز، وفي حال حصول أي خطأ طبي تعمّم الإدارة الحالة على كل الأطباء بهدف التصويب.

الضحى: ما الذي يحصل للطبيب المتهم بالتقصير أو ارتكاب خطأ طبي فادح؟
ردة الفعل على الأخطاء الطبية تبدلت وهي تقرر اليوم وفقاً لمعايير موضوعة من قبل وزارة الصحة والجهات الضامنة. وبناء على المقاربة الحديثة المتبعة، فإن الجواب على الخطأ الطبي لم يعد يتمثل في طرد الطبيب أو فصله، بل في اتخاذ الإجراءات العملية والإجرائية التي تحول دون حصول الخطأ ثانية. أما في ما يخص رفع دعوى على الطبيب فهذا حق للأهل ويعود لهم، لكن المهم هو أن غايتنا في المستشفى هي إزالة الظروف التي قد تتسبب بحصول أخطاء طبية والتقليل من تلك الأخطاء والتعلّم الفوري منها.

الضحى: حصلت حالات تفشي لإلتهابات في بعض أقسام المستشفى، فما هو ردكم؟
د. العماد: معدل الإلتهابات في المؤسسة هو من أدنى المعدلات في مستشفيات لبنان. وذلك بسبب إدخال أفضل أساليب الوقاية والتعقيم في مختلف الأقسام والأجنحة والإصرار على النظافة الشخصية والتحوُّط الطبي من قبل جميع العاملين. وقد حصل في إحدى المراحل أن قويت الإلتهابات في المستشفى فتمّ تعليق العمل في القسم وتغيير مكان غرف العزل وحصرها في مكان واحد، لأن المعدات معقمة ونقل الميكروبات يحصل عادة بواسطة الجسم البشري الطبي، إذا لم تكن لديه تقنيات وإجراءات التعقيم والوقاية الكافية.

الضحى: هناك أمثلة عن تفاقم حالات مرضية أو حصول اشتراكات ومضاعفات؟
د. العماد: لا يوجد مستشفى لا تحصل فيه هذه الأمور ضمن حدود قليلة لأن أجسام المرضى تختلف، وهناك حساسيات متزايدة تجاه لائحة طويلة من العقاقير أو العلاجات أو حتى الإجراءات الطبية. ولهذا، فإن من المكابرة القول إن المضاعفات أو الاشتراكات هي صفر بل من غير الواقعي أن نأمل في خفضها إلى الصفر، فهذا مستحيل ولكن نطمح أن تبقى في الحدود الدنيا عبر الدراسة المستفيضة لحالة المريض والمتابعة عن قرب والاحتياط دوماً لحصول مثل تلك الحالات.

الضحى: كيف تتابعون الأداء الطبي للمستشفى؟
د. العماد: نحن نطلب من جميع المرضى الذين يدخلون المستشفى ملء استمارة تقييم للخدمة الطبية، وهناك فريق مختص من 4 أشخاص يحلّل هذه الاستمارات ويقيّمها لتشكّل مؤشراً بالنسبة للإدارة، هذا بالإضافة إلى تسجيل الملاحظات الشفوية ودرسها. وأنا شخصياً على استعداد لتلقي أي شكوى سواء مباشرة أو عبر صناديق الشكاوى الموزّعة في أرجاء المستشفى.
أما كيف تتم إدارة هذه الأمور؟ فمن خلال إدارة الجودة في المؤسسة، وهناك اللجنة المركزية للجودة وهي مؤلفة من مدراء المؤسسة بالإضافة الى رئيسين اثنين لدوائر طبية. وفي دائرة الجودة 4 اختصاصيين مجازين إجازات عليا يديرون الجودة في العمل على الأرض، وهناك فريق مؤلّف من 10 إلى 12 مدققاً داخلياً يشرفون على أعمال الدوائر في كل قسم ممثل للجودة.

الشفافية المالية

قفــــزة غيـــر مسبوقـــة
فـــي الشفافيـــة الماليـــة

قواعد وأهداف التدقيق المحاسبي والمالي
في حسابات المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز

منذ انتخاب المجلس المذهبي سنة 2006، طرأت تطورات جوهرية على أنظمة المحاسبة والتدقيق المالي في حسابات المجلس المذهبي للطائفة، بحيث باتت هذه المؤسسة المشرفة على أوضاع الموحدين الدروز تدار بشفافية تامة من الناحية المالية، وذلك بعد أن تمّ رفع كافة احتمالات الاستنساب أو التقصير في عملية الإدارة اليومية للعائدات والنفقات.
إن الضبط اليومـي للوضع المحاسبي في المجلس المذهبي للطائفة يتم بواسطة تدقيـق متكامل داخلي وخارجي، كما أن معالجة معاملات القبض والصرف والتعاملات مع المصارف باتت منوطة بجهاز مالي ومحاسبي كفوء ومتمتع بمهنية عالية. وعلى سبيل المثال، فإن جميع العاملين في قسم المحاسبة هم إمّا من حملة الإجازات الجامعية، أو من الحائزين على مؤهلات متقدمة في أصول مسك المحاسبات وإدارة الشؤون المالية، كما أن هؤلاء الموظفين يخضعون بين الحين والآخر لدورات تدريب أو ورش عمل، هدفها وضعهم في صورة المستجدات القانونية وما قد يطرأ من تعديلات أو جديد على أنظمة المحاسبة وأساليب الإدارة المحاسبية ضمن المجلس.
وفي هذا السياق، قامت إدارة التدقيق الداخلي وكذلك المدقق الخارجي في الآونة الاخيرة بتنظيم دورات تدريبية حول القوانين الضرائبية وشؤون الرواتب وتطبيق نظم المادتين 41 و 42، وكيفية تنظيم كشوفات الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي وغيرها (وقد تمّ تنظيم تلك الدورات من قبل المدقق الداخلي)، وذلك إضافة إلى دورة حول بعض المعايير المحاسبية الدولية قدمتها شركة التدقيق الخارجي، وشملت الدورات الثلاث حضور ما بين مسؤول وموظف حوالي 15 الى 20 شخصاً، مجلساً ولجاناً. وكان الهدف من تلك الجهود توفير أعلى مواصفات المهنية والدقة في الوظائف المحاسبية والتدقيق المالي، وبالتالي تأمين أعلى مستويات الشفافية في الأعمال المالية للمجلس ولجانه كافة.
إن المنطلق الأول لعمل التدقيق المالي هو الحرص المضاعف بإعتبار أن الأموال المعنية ليست أموالاً خاصة، بل تدخل في نطاق المال العام والحقوق الأساسية للموحدين الدروز، فضلاً عن أن قسماً كبيراً من تلك الأموال يأتي من عائدات الأوقاف، وهي أموال يحرم التفريط بها أو إنفاقها في غير الأوجه التي خصصت لها أو لا سمح الله الافتئات عليها بصورة أو بأخرى ويتوجب بالتالي مراعاة أقصى الحرص في إنفاقها.

من أجل تحقيق تلك الأهداف، فإن النفقات المالية في المجلس ولجانه (خصوصاً لجنتي الأوقاف واللجنة الإجتماعية) تتم بموجب أوامر صرف موثقة ومراجعة مراراً من مراقب عقد النفقة والمحاسب مروراً بأمانة الصندوق.
بعد إنجاز المعاملات وقبضها أو دفعها لمستحقيها، تتحول هذه المعاملات الى المدقق الداخلي شهرياً، علماً أن عمل التدقيق الخارجي يتم سنوياً وهو عادة ما ينتهي بالمصادقة على الميزانية السنوية للمجلس وتأكيد مطابقتها لحقيقة الوضع المالي.
تجدر الإشارة إلى أن ميزانية مشيخة العقل تخضع أيضاً للتدقيق الداخلي، ويتولى مدقق مختص مراقبة الواردات والنفقات والأمور المالية التي تتعلق بحركة الحسابات في مقام المشيخة.
وسوف نتوقف في هذا السياق، ومن أجل تعميم الفائدة، عند مهمة كـل من التدقيق الداخلي والخارجي في حسابات المجلس ولجانه.

أولاً: التدقيق الداخلي
نشأ التدقيق الداخلي للمجلس ولجانه منذ بداية عمل المجلس الجديد (أي في بداية انتظام العمل في سنة 2007)، وكان يشرف على ذلك الخبير الأستاذ زهير الدنف، ثم ومع بداية سنة 2010 أصبح هذا العمل منوطاً بالخبير الأستاذ رجاء وهبه صعب.
يقوم خبير المحاسبة المدقق الداخلي بكافة الأعمال المنوطة به، والتي تشمل على سبيل المثال لا الحصر الأمور التالية:
1. مراقبة تطبيق النظم والقوانين النافذة الداخلية، منها التي تتعلق بتنفيذ العمل والخارجية كالضرائب والضمان إلخ.
2. مراقبة كافة الأعمال المحاسبية شهرياً وتصويب الأخطاء المحاسبية الطفيفة فورياً مع قسم المحاسبة، وكذلك مراقبة مطابقة حسابات البنوك، المحصورة بحساب موحد تجمع فيه الأموال ثم يحول منه الى حسابي لجنتي الأوقاف واللجنة الاجتماعية ما يتوجب من أموال، خصوصاً الى اللجنة الإجتماعية التي تلعب دوراً مهماً في تقديم المعونات لذوي الحاجة (طبابة، تعليم، مساعدات شهداء وجرحى إلخ.)، وذلك حسب الإمكانات المتوافرة.
3. متابعة العمل مع مديرية الأوقاف للحصول على إفادات عقارية حديثة التاريخ للإثبات النهائي لملكية العقارات الوقفية من أراضٍ فراغ أو تلك المبنية، والتي نأمل تنظيمها ضمن محفظة كاملة اعتباراً من السنة الحالية 2011، لغاية الانتهاء من ذلك، والتأكيد على حقوق الطائفة، علماً أنه تمّ شراء عقارات جديدة في بيروت والمناطق ما بين السنتين 2009 و2010.
4. يتابع المدقق الداخلي أيضاً عمل الإدارة والموظفين، خصوصاً الفصلي منه كي يصدر تقريره الى الجهة المعنية في أقرب وقت بعد انتهاء كل فصل.
5. يدوّن أولاً بأول ملاحظاته حول الأخطاء ذات الأهمية المتوجب تصحيحها وتصويبها، ثم يصدر ذلك بتقرير فصلي مع المستندات المتوجبة ويحوله إلى سماحة رئيس المجلس للإطلاع والإجابة على الملاحظات من قبل المجلس عن أعماله وأعمال اللجان، كما يحوله الى المدير العام للمجلس لإبداء رأيه بالملاحظات، إضافة الى لجنة الأوقاف التي تجيب على ما يتعلق بأعمالها حول الأملاك الوقفية واستثمارها.

ثانياً: التدقيق الخارجي
تقوم بمهمة التدقيق الخارجي السنوي شركة متخصصة ذات خبرة طويلة، هي شركة هوروَث ابو شقرا، حيث يحضر الى المجلس موظفون لديهم الخبرات الكافية للتدقيق في أعمال المجلس واللجان، وذلك بالتعاون مع المدقق الداخلي الذي يرسل إليهم تقاريره الدورية خلال السنة المالية.

ويتولى المدقق الخارجي على سبيل المثال لا الحصر المهمات التالية:
1. بعـد الإنتهاء من العمل المحاسبي خلال السنة وفصلياً وصدور تقرير المدقق الداخلي على تلك الأعمال، يقوم المدقق الخارجي بتدقيق الأعمال لغاية 30/9 أو لغاية الشهر الذي يكون قد اكتمل العمل المحاسبي عنه، وهو يقوم بعمله وفق المعايير الدولية والقوانين المحلية ويراقب صحة التنفيذ لجهة الضبط الداخلي المالي والقانوني ويطلب تصحيح الأوضاع للشفافية والدقة، ثم يصدر كتاباً أولياً بملاحظاته للإدارة التي تقوم بالرد الملائم عليه بالتنسيق مع المدقق الداخلي.
2. بعد الإنتهاء من التدقيق الأولي تكون السنة المالية قد انتهت أو شارفت على نهايتها، عندها يقوم موظفو المدقق الخارجي بإتمام عملهم ليتمكنوا من إصدار تقريرهم السنوي حول كامل أعمال السنة المالية.

3. بعد إصدار تقريره الذي يتم إرساله الى الإدارة للمناقشة حول ملاحظاتهم النهائية وإجراء التعديلات المناسبة في حال وجودها والموافقة على التقرير وتفاصيله مع إبراز النقاط المهمة والإيضاحات اللازمة توخياً للدقة والشفافية، يعود المدقق الخارجي ويصدر تقريره النهائي موّقعاً منه باسم الشركة بما توصل إليه من خلال تدقيقه لكامل أعمال السنة المالية.
الجدير ذكره هو أن المدقق الداخلي وشركة التدقيق الخارجي هما جهتان مستقلتان وتعملان من خلال القوانين ومعايير التدقيق الدولية الملزمة، وهما يراقبان العمل ولا يتدخلان أو ينفذان أية أعمال محاسبية.

ثالثاً: التنظيم الداخلي لدفع النفقات
يقوم المجلس منذ نشأته وبدء عمله في سنة 2007 بإصدار غالبية المدفوعات بشيكات منظّمة ولا يدفع أموالاً نقدية سوى للنثريات أو الضروريات الطارئة، علماً أن ما يسدد نقداً له مستنداته أسوةً بالشيكات. وقد تمّ وبالتعاون والتنسيق مع المدقق الداخلي تجهيز شيكات خاصة بحسابات المجلس وافق عليها المصرف المختص ومصرف لبنان، وبدأ العمل بها خلال العام الحالي،، وهي تشمل إضافة الى الشيك سند صرف مرقماً برقم الشيك ذاته ونسخة إضافية كاملة تحفظ بمستندات المحاسبة لكل شيك وسند الصرف المتصل به.
ومن المتوقع أن يقلل هذا التنظيم المتقدم من احتمال حدوث أخطاء، بل يحول دون وقوع أخطاء من الأساس.

بعض المؤشرات المالية
في الميزانيات المدققة للمجلس المذهبي

من أعلام بني معروف