السبت, آذار 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

السبت, آذار 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

محاورة مينون

محـــاورة مينــــون

الفضيلـــــــــة هِبـــَة إلهيـــــــــة
فهــــــل يمكـــــــــن تعليمــــــــــها؟

محاورة مينون تكشف عن عمق الفوضى الفكرية
والفســـــاد القيمي للفكر السوفسطائي في أثينــــا

مينون يحاول إنكار المعرفة وإمكان تعلمها
فيرد سقراط بمثل العبد والمربع الهندسي

تدور محاورة مينون حول مفهوم الفضيلة، وإذا ما كانت قابلة للتعليم والتعلُّم، أو ما إذا أمكنَ تحصيلها بالتجربة أو أنّها ماثلة بالطبيعة في الإنسان. ويسعى أفلاطون إلى استجلاء حلٍّ لتلك المعضلات المنطقية التي تفرضها هذه الأسئلة بتسليطه الضوء، من خلال الفرضية والتحليل الهندسي، على نظرية أن «المعرفة تذكُّر» وتأصّل الحقائق والكلّيات في النفس، بما يعكس أبعاد التعاليم الفيثاغورية والأورفية، ويُمهِّد من خلال سياقها الفلسفي لمحاورة فيدون حول خلود النفس. وفيما تخلُص المحاورةُ إلى أنّ الفضيلة هي «هِبَة إلهية»، فإنّ طرحَها لنظرية «المعرفة تذكُّر» يبقى السِمة الأبرز للطرح الحكمي اليوناني منذ فيثاغوراس وحتى أفلاطون.

إن إحدى الفوائد التي تقدمها محاورة مينون هي أنها تلقي من طرف غير مباشر الضوء على الفوضى الفكرية وأزمة القيم التي خلقها انتشار الفكر التشككي السوفسطائي في القرن الخامس قبل الميلاد، والذي سيسهم إلى حد كبيير في انهيار مكانة أثينا وتدمير قيم مجتمعها.
وفي حنين إلى ماضي أثينا المجيد اختصر الكاتبُ الإغريقي التراجيدي يروبيديس (Euripides) في صرخته المريرة الحاضرَ المؤلمَ الذي عاشَه في تلك الفترة المضطربة:
الحيــــــــــاةُ تغيـــــــــَّرت، وقوانينُهـــــــــا أُهمِلَـــــــــت
الإنســــــــــــــــــانُ قــــــــــــــــــد نَســــــــــــــــــِيَ الإلـــــــــــه
كان تأثير السوفسطائيين المفسد وراء تقهقر المعايير الأخلاقية والدينية، والتشكيك بالفضائل الأساسية كالعدالة والأخلاق والمعرفة، واحترام القانون. كان علمُهم فناً ومهارة بلاغية وجدالية فحسب، كما يؤكد أفلاطون، وليس ثقافة حقيقية ولا تنويراً.
وبتأثير السوفسطائيين، أخذ التعليم في ساحات أثينا ينأى عن التشديد على الفضائل الأخلاقية والحكمية وقيم الفروسية السامية كالشرف والشجاعة والمروءة والولاء والشهامة والاعتدال لينصَبّ على مواهب بلاغية تفيد المرء في تحصيل أعراض الدنيا أو في الحصول على موقع سياسي أو وجاهة اجتماعية وفقاً للقِيَم الوضيعة الجديدة التي سوّقوا لها، والتي قادت في نهاية المطاف إلى محاكمة شبه صورية لسقراط الحكيم انتهت بالحكم عليه بالموت.
مع نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، كانت جميع نواحي الثقافة الأثينية، الاقتصادية والسياسية والفكرية والاجتماعية، قد تقهقرت بفعل نشر عقيدة التشكُّكِ السوفسطائي إزاء احتمال الحصول على المعرفة والحقيقة، وهو ما قاد إلى ازدراء الفلسفة الحقّة والحط من قدر الحكمة الأصيلة، وعززت تلك النزعة الميول الفردية الأنانية بذرائع واقعية تكاد تشبه كثيراً البرغماتية التي اتسع نفوذها في عالم اليوم! وقاد هذا التفكك الاجتماعي والتشكيك بالقيم إلى خسارة الحضارة الإغريقية لروحها الأصيلة فعلاً، والتي مكّنت أثينا، من أن تهزم امبراطورية عظيمة كفارس قبل أقل من قرن.
عارض بروتاغوراس (Protagoras)، أحد السوفسطائيين الأوائل، الإدراك العقلي الحقيقي بالإدراك الحسّي المادي، ملقياً ظلال الشك الثقيلة على كل حقيقة مُدرَكة بالعقل، وبالتالي على إمكانية المعرفة. فكل شيء نسبي وفقاً للإنسان الذي يتناوله بإدراك عقلي كان أو حسّي. فالإنسان برأيه هو «مقياس جميع الأشياء»، رافضاً بذلك جميع الحقائق الفلسفية والعلمية العامة، وهو ما تصدّى له أفلاطون وفنّده في أكثر من محاورة، مُبيّناً أنّ النفسَ مفطورةٌ على الحكمةِ والمعرفةِ التي تكتسبها بالتأمّل العقلي الفلسفي لا بالإدراك الحسّي، والمعرفةَ الحقّةَ هي معرفةُ الماهيات الكُلِّية أو المُثُل العليا لا الجزّئيات المتمثّلة في الأعراض المتغيّرة للوجود الظاهر.

“سقراط: حيازة الأشياء ليست فضيلة ما لم تتــــم وفق مبدأ العـــدل والحـقّ والتقوى”

المحـــــــــاورة

مينون يعلن موقفه المتشكك
المشهد: مينون محاطاً بحاشيته ومسحة من صلف السوفسطائيين تتبدّى على مُحيّاه. يبدأ الحوار سائلاً سقراط: «هلّا أخبرتني يا سقراط ما إذا كانت الفضيلة شيئاً ممكن تعليمُه؟ وفي حال لم تكن قابلة للتعليم، هل هي مما يُكْتَسَب بالممارسة؟ أو أنّها لا تُكْتَسَب بالممارسة ولا تُحصَّل بالتعلُّم بل تكون قائمة في الكائنات البشرية بالطبيعة أو بطريقة أخرى؟».
رغم الخيارات المتعددة التي طرحها مينون من أجل إرباك الحوار، فإن النقاش في المحاورة سيتركز على الاحتمال الأول، أي هل الفضيلة يمكن تعليمُها، ذلك السؤال الذي طغى على ما سواه، وتبدّت أبعاده مع تطوُّر المحاورة وقيام أفلاطون بتفنيد المفارقة التشكُّكية التي طرحها مينون وصولاً إلى طرح نظرية المعرفة تذكُّر وإثباتها بالتحليل الهندسي وصولاً إلى الجزم بأن الفضيلة «هِبَة إلهية».
وسنرى كيف سيسعى سقراط خلال الحوار إلى دحض تصوُّرات محاوره منذ البداية وإثبات فشل رؤيته المتأثرة بغورجياس حول الفضيلة. وهو سيقود مينون إلى الوقوع في قبضة الحيرة والإرباك مظهراً إفلاس مقولته.
بدل أن يقدم سقراط جواباً على فرضيات مينون معطياً إياه فرصة المضي في المماحكة، فإنه اتبع أسلوبه الخاص بالإجابة على السؤال بسؤال آخر يستهدف تصويب منهجية الحوار. قال موجهاً كلامه إلى مينون إنّه «لا يعرف ما هي الفضيلة». ردّ مينون بأنّه وفقاً لِمَا سمعه من معلّمه غورجياس فإنّ الفضيلة «تختلف بحسب اختلاف الأشخاص والجنس والعمر»، إلا أنّ سقراط يرفض ذلك قائلاً لا بُدّ أن تكون ثمة فضيلة مشتركة لدى الجميع مهما كانوا، وأيّاً يكن جنسهم أو عمرهم، فحُسن الخُلق والعدالة على سبيل المثال هما فضيلتان موجودتان لدى الصغار كشأن الكبار.

سقراط: يبدو يا مينون أنّني حظيتُ بقسط وافرٍ من الحظ، إذ إنّني عندما بحثتُ عن فضيلةٍ واحدة اكتشفتُ أن لديكَ حشداً من الفضائل. وإذا ما سألتُكَ، تماشياً مع هذه الصورة، عن ماهية النحل وقلت إنّ هناك أنواعاً مختلفة منها، فكيف تُجيبني إذا ما سألتُك: هل تعني، من هذه الناحية، أنّ ثمة أجناساً مختلفة منها يختلف أحدها كلياً عن الآخر، أو أنّها لا تختلف اختلافاً اصلياً، بل في نواحٍ غير أصلية مثل الجمال أو الحجم أو أي شيء آخر من هذا القبيل؟ أخبرني كيف ستُجيب إذا ما سُئلتَ على هذا النحو؟
مينون: أقول في ذلك إنّها لا تختلف، من حيث كونها جماعات نحلٍ، الواحدة عن الأخرى.
سقراط: وإذا ما قلتَ بعد ذلك: أخبرني الآن يا مينون بأيِّ شيء لا تختلف بل تتشابه جميعاً، فما قولك في ذلك؟ أفترضُ أنّ لديك ما تقوله لي؟
مينون: نعم، هو كذلك.
سقراط: الأمر ذاته ينطبق على الفضائل أيضاً. فإذا كانت ثمة أنواعٌ مختلفة منها، فإنّها تتماثل جميعاً في هيئة واحدة، تُعرِّفها كفضيلة.
مينون: أظنّني أفهمك، ولو أنّني لم أستشفّ المقصدَ من سؤالك كما أودّ.
سقراط: هل يبدو لك على هذا النحو يا مينون، في ما يختص بالفضيلة فحسب، بأنّ ثمة فضيلة للرجل، وأخرى للمرأة، ونحو ذلك، أو أنّها الفضيلة ذاتها بالنسبة إلى الصحة والحجم والقوة أيضاً. فهل تظنّ أنّ هناك صحة للرجل وأخرى للمرأة؟ أو أنّها بالهيئة ذاتها في كِلتا الحالتين.
مينون: أظنُّ كذلك بالنسبة إلى الصحة على الأقل، فهي ذاتها لدى الرجل والمرأة على السواء.

أدى أخذ سقراط للحوار في هذا المنحى إلى ارتباك مينون وفكره التشككي، لذا نراه مستاء بعض الشيء ويشبّه سقراط بالسمكة اللاسعة التي تصعق ضحيتها وتشلّها، (أي بأسئلته التي حيّرت عقل مينون وكشفت كم هو بعيد عن الحقيقة). انتقل مينون إلى محاولة تعريف الفضيلة بإعتبارها «القدرة على إحراز الأشياء القيِّمة مثل الذهب والفضة والمقتنيات الأخرى. إلا أنّ سقراط يُجبره على الإقرار بأنّ حيازة مثل هذه المقتنيات لا بُدّ من أن تتم وفق مبدأ العدل أو الفضائل أو التقوى إذا كان العمل لأجلها سيعتبر «فضيلة»، كما أن عدم إحراز تلك الأشياء سيكون هو الفضيلة بعينها إذا كان السبيل إلى إحرازها يحتوي على معارضة العدل أو الحق.
يبدي مينون في الثلث الأول من المحاورة طبعاً جدالياً وخصامياً، فبعد إخفاقه بداية في تعريف الفضيلة اقترح عليه سقراط أن يُعرِّف أولاً، من باب «التمرين» الشكل واللون، إلا أنّه بحُكم تعوِّده على الثقة المفرطة بالإجابة عن كل سؤال، كما عوَّده معلّمه غورجياس، رفض محاولة الإجابة وقال لسقراط «إفعَلْ أنت».
هنا يدعو سقراط مينون مجدداً إلى الانضمام إليه في بحث مشترك عن ماهية الفضيلة، إلا أنّ مينون يعود تهرّباً إلى طرح تساؤلاته الثلاثة الأولى، أي هل الفضيلة ممكن تعليمها، أم هي تُكْتَسَب بالممارسة، أم هي قائمة في الإنسان بالطبيعة؟

غورجياس-كان-أحد-أساطين-السوفسطائة-ومعلم-مينون
غورجياس-كان-أحد-أساطين-السوفسطائة-ومعلم-مينون

التعليم السقراطي
ما لم يفطن إليه مينون هو أنّ سقراط ببثه الحيرة لدى محاوره إنّما يُجديه نفعاً بأعمال التفكير واستجلاء أبعاد التساؤلات، وبالتالي يمنحه الفرصة لكي يصبح أكثر قابلية لاكتساب الفضيلة. وهنا يخضع مينون للتأديب السقراطي، لكن أنّى له أن يستفيد منه كما نشَدَ سقراط؟ فهو مشوب بالمثالب كما ألمح أفلاطون بين سطور بدايات الحوار، ومنها أنّه مفرط الثقة في النفس، وراغب في أن يُخْبَر لا أن يُخْبِر، وجدلي ومتعجرف ومتباهٍ ومتطلّب وغير آبه وغافل، هذا مع العلم أنّ نهاية الحوار تُنبئ بأنّ مينون لان في موقفه بعد بسط حجج سقراط ولو قليلاً، وهذا يعكس قوة التعليم الذي دأب عليه سقراط، بحيث يخرج محاورِه بدرس معرفي، وذلك بعد إثبات المعلم سقراط لإخفاق طروحاته.

مفارقة مينون
يحاول مينون السوفسطائي إرباك سقراط بقوله بأنّه لا يمكن معرفة شيء لا تعرفه بالفعل، أي أنّه يرفض مبدأ المعرفة من أساسه. ويمكن اختصار مفارقة أو مغالطة مينون(Meno Paradox)المنطقية في الظاهر لكن الخاطئة في الجوهر كما يلي:
إذا كنتَ تعرف ما تبحث عنه، فإنّ البحث المعرفي غير ضروري.
إذا كنتَ لا تعرف ما تبحث عنه، فإنّ البحث المعرفي مستحيل.
إذاً، البحث المعرفي هو إمّا غير ضروري أو مستحيل.

مينون: أنّى لكَ يا سقراط أن تتقصّى شيئاً لا تعلمه؟ وأي شيء سيكون موضوع هذا التقصِّي؟ وإذا ما تسنّى لك أن تجد ما تنشده، كيف لك أن تعلم أنّه ذلك الشيء الذي لا تحيط به علماً؟
سقراط: أعلمُ يا مينون ما هو قصدك، لكن أي جدلٍ ذاك الذي تُوقِعني فيه. فأنتَ ترى أنّ المرء لا يمكنه أن يتقصّى ما يعرفه، أو ما لا يعرفه. فإذا كان يعرفه، فما الحاجة إلى تقصّيه وهو يعرفه، وإذا كان يجهله، فأنّى له أن يتقصّى ما لا معرفة له فيه.

المعرفة تذكُّر
يحتوي سقراط هذه المفارقة السوفسطائية، التي بدا أنّ مينون قد تدرّب جيداً على يدي غورجياس في طرح أسئلتها والإيحاء بإجاباتها، وذلك باللجوء إلى نظرية التذكُّر، بأن ذكّر بداية بقصة شاعرية تتحدّث عن كون النفوس خالدة مدرِكة لجميع الحقائق المتأصِّلة فيها، وقد تعلّمت كل شيء قبل حلولها في جسد الإنسان، فبعد أن كانت مطلّعة على الأشياء الحقيقية قبل الولادة ليس عليها سوى أن تسترجعها أو تستذكرها في هذه الحياة. وربّما لا يتطلّب هذا التذكُّر سوى طريقة سقراط في طرح الأسئلة والاستجواب، وهي ليست بنظره تعليماً بل مساعدة على تحريك ملكة التذكر.
هنا تتبدّى تدريجياً الحبكة الحوارية التي انتهجها أفلاطون في إخراج مينون من ضبابية حيرته، بعد فشله في تعريف الفضيلة ثلاثاً. ومن ثم يحثّ سقراط مينون للعودة إلى منطق الحوار سعياً لأن يُثبت له أنّ التعلُّم هو تذكُّر وليس تلقيناً، فيطلب من مينون أن يختار واحداً من عبيده المرافقين له ويأخذ بطرح أسئلة عليه بشأن ما عرف في ما بعد بـ «مربّع سقراط».

” سقراط: النفوس خالدة مدرِكة لجميع الحقائق المتأصِّلة فيها وقد تعلّمـــت كل شيء قبل حلولها في جسد الإنســـان “

الأكروبوليس في أثينا
الأكروبوليس في أثينا

ختبار العبد
أجرى سقراط عندئذ حواراً ربما يُعتبر من بين الأكثر تأثيراً في مسار الفلسفة، سعياً إلى إثبات المعرفة المتأصِّلة في النفس، قَبْليّاً أو بَدْهيّاً
a priori من غير تعلُّم ولا تعليم ولا استدلال تجريبي aposteriori فبعد أن رسم سقراط على الارض مربعاً هندسياً طول ضلعه قدمان، سأل العبد أن يُحدِّد مربعاً تكون مساحته ضعف مساحة ذاك الذي خطه. اندفع العبد ليضاعف طول كل من ضلعي المربع الأول، لكنه استدرك خطأه بسرعة عندما أثبت له سقراط أنّ المربع الناتج عن مضاعفة ضلع المربع الاول لا يساوي ضعف ذلك المربع، بل هو أكبر منه بأربع مرّات.
مينون الذي كان يشهد الاختبار زعم أن سقراط قام «بـتخدير» عقل العبد بهذا الإرباك. لكن سقراط أجابه بالقول إن إرباك العبد لم يُسبِّب له أذى بل أفاده. يعترف العبد بأنّه عاجز عن حلّ المسألة ولو أنّه ظنّ العكس بداية. ويسأل سقراط مينون عن رأيه في ما قد شاهده، وما إذا كان يُستحسن أن يترك العبد المحاولة بسبب حيرته، فتمنّى مينون عليه المتابعة بالطبع.
ومن ثم عمَدَ سقراط إلى رسم 4 خطوط قطرية(Diagonals)داخل كل من المربعات الأربعة، وأصبح المربع المرتسم من أربعة من أصل المثلثات الثمانية الداخلية طول ضلعه أربعة أقدام، أي ضعف طول ضلع المربع الأصلي، وهذا هو ما كان مطلوباً. وأقرّ العبد بأنّ المربّع الحاصل هو فعلاً ضعف حجم المربع الأصلي، وقال إنّه قد استعاد تلقائياً معرفة «اكتسبها في حياة سابقة» من دون أي تعليم. وأبدى سقراط رضاه عن أنّ ثمة «معارف جديدة» برزت حديثاً لدى العبد.
وهكذا أُظهِرَ للعبد السبيل لتذكُّر ما هو ماثل فيه بَدْهيّاً من حقائق هندسية، وهو لم يتعلّم الهندسة قط، أي أنّه يمكن أن يتعلّم بالتذكّر من دون تعليم. ويُنهي سقراط استجوابه هذا بالتأكيد على أنّ الحيرة تنفع الإنسان ليس فقط فكرياً بل أخلاقياً أيضاً، من حيث السعي إلى معرفة ما لا يعلمه وبعزيمة أكبر.
وهنا، بعد أن رأى مينون بأم عينه كيف تذكّر عبدُه معرفة متأصّلة فيه، أخبر سقراط أنّه يظنّه على حق في نظرية «المعرفة تذكُّر»، فأجابه سقراط أنّه ليس واثقاً كامل الثقة من قصته لكنّ ثمة شيئاً وحيداً متأكداً منه هو استعداده للنضال بقدر استطاعته، قولاً وفعلاً، للإثبات بأننا نكون أفضل وأكثر شجاعة وفعالية إذا ما أقدمنا على البحث في ما لا نعلمه. وأثبت سقراط لمينون أنّ العبد قادر على تعلُّم حقيقة هندسية لأنّه يملك معرفة عنها بالفعل في نفسه، وبالتالي يكون التعلُّمُ ممكناً من خلال التذكُّر، وأنّ مفارقة التعلّم (Learning Paradox) خاطئة لقولها باستحالة التعلّم، إذ إنّ اختبار العبد أثبت عكس ذلك. وأظهر الاختبار الهندسي الأفلاطوني أنّ الفضيلة، إلى جانب المعارف الأخرى، يمكن استكشافها حقاً من خلال استجلاء المعرفة المتأصِّلة في النفس، وليس السبيل إلى ذلك سوى «تذكُّرها» بالمنهج المناسب.

سقراط: يُقال إنّ النفسَ البشرية خالدة. وهي في وقتٍ ما ستصل إلى نهايتها وهو ما يدعوه الناسُ موتاً وفي وقتٍ آخر ستُولد من جديد، إلا أنّها لا تتلاشى أبداً، وبالتالي على المرء أن يحيا تقيّاً ما استطاع.
وإذا ما كانت النفسُ خالدة وقد وُلِدَت مرّات عديدة، وشاهدت الأشياءَ هنا وكذلك في «هادس» أي كلَّ شيء، في الواقع فما من شيء لم تتعلّمه. لذا، لا عجبَ أنّها قادرة على تذكُّر الفضيلة وأشياء أخرى عَرَفَتها من قبل. وبما أنّ كلَّ ما في الطبيعة هو من نوعٍ واحد والنفس قد تعلّمت كلَّ شيء، فما من شيء يمنع النفس التي قد تذكّرت شيئاً واحداً وهو ما يدعونه تعلُّماً من إعادة اكتشاف كلّ شيء، شرط أن تتحلّى بالشجاعة وعدم التواني في البحث، إذ إنّ البحثَ والتعلُّمَ هما جزء من عملية التذكُّر.
لذا، وجبَ ألا نقتنع بالكلام السوفسطائي، بما أنّه يجعلنا خاملين ويسرّ سماعه ضعفاء القلوب، في حين أنّ ما سبق من كلامٍ يجعلنا توّاقين للبحث. وإيماناً بصحة ذلك، أودُّ أن أبحث معك في ماهية الفضيلة.
مينون: نعم يا سقراط، لكن ماذا تعني بقولك بأنّ لا سبيل لنا للتعلُّم، وأنّ ما يُسمّى تعلُّماً إنّما هو عملية تذكُّر؟ فهلّا علّمتني حقيقة ذلك؟
سقراط: لقد أخبرتُكَ يا مينون للتو أنّك تُبدي مكراً، فأنتَ تسألني الآن ما إذا كان بوسعي أن أُعلّمك في حين أنّني أقول بأنّ لا سبيل للتعلُّم، بل للتذكُّر فحسب، وبذلك تتصوّر أنّك تُوقِعني في التناقض.
مينون: لا وحَقّ الإله، لم أقل ذلك لهذا السبب، بل بحُكم العادة.

مربع سقراط
مربع سقراط

“هل تتعرض النفس إلى البلى والتآكل بعد حلولها في أجساد عدة؟”

المعتقد الحقيقي والمعرفة
بعد مناقشة عابرة مع السياسي أنيتوس(Anytus)، الذي ظهر فجأة في سياق المحاورة، حول ما إذا كان الآباء الأفاضل يُورٍّثون فضيلتهم إلى أبنائهم، وهو ما طُرِحَ الشك حياله، سأل سقراط مينون إذا كان يعتبر السوفسطائيين معلِّمين للفضيلة، وهو سؤال أوقعه مجدداً في الحيرة. أما سقراط فسيُثبت له بأنّه مخطئ بقوله إنّ المعرفة مطلوبة لأجل الفضائل العملية، مظهراً له الفرق بين «المعتقد الحقيقي»True Belief وبين الرأي الصحيح والمعرفة، ويرى سقراط أنّ المعتقد الحقيقي ذو فائدة لنا كشأن المعرفة لكن لا بُدّ من تثبيته بالتبرير العقلي مُعتبراً أيضاً ذلك تذكُّراً.

سقراط: المعتقدات الحقيقية، أيضاً، طالما لازمتك، هي ممتلكات حَسَنة وتُثمر نتائج حَسَنة تماماً.ً إلا أنّها غير راغبة في الملازمة لوقتٍ طويل، وتنسلُّ من النفس، وليست بذلك ذات شأن، حتى يُرسِّخها المرء بالعقل.
وبالمقارنة يا مينون، ذلك هو التذكّر، كما اتّفقنا للتو. ما أن تترسَّخ (المعتقدات الحقيقية)، أولاً، حتى تصبح معرفةً، ومن ثم راسخة وطيدة. ولهذا السبب تُكرَّمُ المعرفةُ أكثر من المعتقد الحقيقي، لأن المعرفة تختلف عن المعتقد الحقيقي بكونها ترسَّخت بالعقل.
مينون: نعم بحَقّ الإله يا سقراط، إنّها كذلك.

مسرح-تخيلي-لمسرح-ديونيسيوس-في-أثينا-حيث-كانت-تعرض-المسرحيات-وكذلك-الاحتفالات-العامة
مسرح-تخيلي-لمسرح-ديونيسيوس-في-أثينا-حيث-كانت-تعرض-المسرحيات-وكذلك-الاحتفالات-العامة

المعرفة حكمة وهِبَة إلهية
وفي الأسطر الختامية للمحاورة يخلُص سقراط، بعد أنّ بدّد جميع خيارات مينون، إلى أنّ الفضيلة هي «هِبَة إلهية»، وإلى أنّ أولئك الذين تحلّوا بالأمس، أو يتحلّون اليوم بالفضيلة إنّما الفضيلة لديهم هي نتيجة لإلهامٍ مقدّسٍ، أشبه ما يكون بإلهام الشعراء، في حين أنّ المعرفة بها تتطلّب تقصّي ماهيتها بحد ذاتها.

سقراط: إذن، هل هؤلاء الرجال يستحقّون أن يُطلَق عليهم مُلهَمون مِن علٍّ، أولئك الذين يقومون بأشياء عظيمةٍ، فعلاً وقولاً، من دون أي تفكير؟
مينون: بالتأكيد.
سقراط: يمكننا على هذا النحو أن ندعو السياسيين مُلهَمينَ، ومُلقَى في سرِّهم، حينما يتحدّثون بنجاحٍ في العديدِ من المسائل الكبيرة من دون أنْ يُدركوا حقاً ما يتحدّثون عنه.
مينون: حتماً.
سقراط: إذا ما تقصينا وتحدّثنا على نحو صائبٍ في هذا الخصوص، نخلُص إلى أنّ الفضيلة لا تُكتَسب بالطبيعة ولا بالتعليم، بل تكون ماثلةً فيمَنْ يتحلَّى بها هِبَةً، طالما أنه لا يوجد بين رجال السياسة مَنْ يمكنه أن يجعل الآخرين كذلك.
مينون: أظنُكَ يا سقراط قد أجَدتَ في ذلك.
سقراط: إذن، تبيَّن منطقياً يا مينون أنّ الفضيلة إنّما هي «هِبَةٌ إلهيةٌ»، لكن لا يسعنا أن نتيقّن من ذلك إلا عندما نبدأ بتقصّي ماهية الفضيلة نفسها، وقبل أن نستبين كيف يمكن للمرء أن يتحلّى بها.
والآن إنّي مُفَارقٌ إلى مكانٍ آخر. فعليكَ يا مينون أن تُقنِع ضيفَكَ ها هنا أنيتوس بتلك الأشياء التي اهتديتَ إليها، فعساهُ أن يغدو أكثرَ رِفقاً واعتدالاً. فإذا ما أقنعتَهُ بذلك، لتَفِيدَنَّ أيضاً جميعَ الأثينيين.
وتتبدّى أيضاً رسالةٌ أخلاقيةٌ في الحبكةِ النهائيةِ، فثمة إلهامٌ عِلويٌّ أيضاً للفضيلة في الحُكْمِ لا تتأتَّى لأمثالِ أنيتوس، الذي سيظهر في محاورةٍ أخرى كأحد المُدَّعِين على سقراط في محاكمته.

مآثر وعبر

الأهرامات سرّ مغلق
يحيِّر عقـول البشــر

بناء يخاف الدهر منه وكل ما
على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر

ما من زائر أو سائح قصد مصر إلا وكانت بغيته الأولى زيارة الأهرامات قبل سواها، ليقف أمامها مستعظماً ومندهشاً وحتى مستغرباً قائلاً في ذاته: هل هي حقاً من بناء البشر العاديين أم من بناء الجن أو مخلوقات خارقة من خارج الأرض!!
يقول عالم الآثار الفرنسي الشهير “شامبليون”، الذي رافق نابليون في رحلته إلى مصر واكتشف “حجر رشيد”، الذي مهّد لفك رموز الكتابة الهيروغلوفية: “إن الأهرامات لم تكن من صنع كائنات بشرية مثلنا، بل من صنع طوائف حاملي الأسرار التي ما خلا منهم زمان ولا مكان، لقد تمكّنت هذه الطوائف المتفوقة أن تمتلك تكنولوجيات متقدمة اختفت مع الطوفان أو صينت وحفظت في أحرام خفية في مكان ما من العالم، وهذه الحضارة الخفية ما زالت ترشد المؤمنين وتقوي عزيمتهم وتشرق من عليائها بأنوار اليقين”.
ظهرت عظمة الأهرامات عبر التاريخ في ما تجسّده من أحجامها الهائلة، ودقة هندستها، وعجائب ما في جوفها وغموض رموزها، وصمودها وثباتها أمام عواتي الدهر كالزلازل والفيضانات والرياح وأطماع البشر بما في ذلك تخريب الفاتحين وعبث العابثين واللصوص المحترفين ليصح فيها قول الشاعر القديم:
بناءٌ يخاف الدهرُ منه وكل مـا علـى ظاهر الدنيا يخاف من الدهر

داخل هرم خوفو
داخل هرم خوفو

قصة باني الأهرام
أجمع العديد من العلماء والمؤخرين الأقدمين أن هرمس الهرامسة هو باني أهرامات الجيزة، من ضواحي مصر، أي القاهرة حالياً، وقد عرف هرمس في اللغة اليونانية بـ”أرميس”، ومعنى أرميس عطارد. وآخرون قالوا إنه اسم سرياني واشتقاقه عن الهرمسة أي علم النجوم. وعُرف عند العرب بالنبي ادريس وأسموه بذلك لكثرة دراسته. وعند العبرانيين عرف بـ “أخنوخ أو أخناتون” التوحيدي، وقد وُلد بمدينة مناف في مصر القديمة، وعندما بلغ الأربعين من عمره أُنزل عليه ثلاثون صحيفة وورث صحف شئت وتابوت آدم. والصابئة الحاليون، وهم فرقة قديمة في التاريخ، لم تزل تقطن منطقة الأهواز في جنوب العراق يزعمون أنهم من أتباعه ومتمسكون بكتب النبي هرمس ويقدسونه ويعبدونه. كذلك تماثلهم فرق باطنية أخرى تقول عن بناء الأهرامات أنها بُنيت لأجل الحفاظ في داخلها على أسرار الكون ومواثيق البشر، وأن لكل فرد سجلاً في داخلها.
ومما يلفت النظر أن جماعة “الروز كروشن” أو الهالة الوردية، والتي يبلغ عدد أفرادها في العالم نحو 14 مليوناً، منتشرين في أوروبا وأميركا وآسيا، تؤمن بأن الأهرامات هي كعبة المؤمنين والموحدين عبر الأجيال.
كذلك ما أوردته حديثاً إحدى الدراسات الأميركية الصادرة عن جمعية “فيدرالية الأخوة العالمية ” IFB، إذ تقول عن الحضارة المصرية إنها حضارة روحانية تؤمن باليوم الآخر وجوهرها تقديس الحياة الآخرة للإنسان، لهذا كان أعظم رموزها هي الأهرامات وما تحويه من أسرار الكون وقبور الملوك، وكتابها المقدس هو “كتاب الموتى” وفحواه كيفية اجتياز يوم الحساب وبلوغ الآخرة.
وما يماثل هذا القول ما أورده العالم الإنكليزي الشهير “بول برنتون” PAUL BRUNTON، الذي أمضى بمفرده ليلة كاملة داخل حجرة الملك في الهرم الأكبر إذ أتاه الوحي قائلاً: “اعلموا يا أولادي أنه في هذا الأثر القديم تكمن الحقائق والمعارف المفقودة للأجيال السابقة من البشر، إذ تكمن أسرار المواثيق التي عقدها الانسان القديم مع الخالق من خلال الأنبياء والسابقين، واعلموا أيضاً أنه لم يطّـلع على هذه المواثيق سوى المختارين من أبناء البشر”.
والحقيقة أن الأهرامات هي من غرائب العبر، إذ أن لها آلافاً من السنين والحقب لم يعرف ما في داخلها أي مخلوق من البشر، كذلك عجز الملوك والجبابرة عن هدمها واستخراج ما في باطنها، ورجعوا عنها بعد بذل الأموال الطائلة خائبين، ومنهم الخليفة المأمون العباسي، والذي حشد لها أعداداً كبيرة من الفعلة والحجارين، وضاعف لهم النفقات حتى قيل أنه قدّم لذلك نحو ألف أوقية من الذهب الخالص ولم يحصل على طائل، وكفّ عنها خائباً، “حسب بعض المخطوطات القديمة”، وتكمل تلك المخطوطات فتقول: ” أمّا الهرمان في الجانب الغربي من فسطاط مصر وهما من عجائب برهان العالم مبنيّان بالحجم العظيم على الرياح الأربع، وما على وجه الأرض أعظم وأجل بناء، ولا أحسن هندسة ولا أطول بقاء ولا أرفع سناء من هذه الأهرامات، إذ بعضها مبني بحجارة الصوان الأحمر المنقط الشديد الصلابة والقسوة. ومن عجائب بنائها وضع الحجر على الحجر بهندام ليس في الإمكان أصح منه بحيث لا تجد بينهما مدخل أبرة، ولا خلل شعرة، ووجد مكتوب عليها كتابة غريبة ترجمتها هي: “إن بين هذين الهرمين والنسر الواقع في السرطان” فحسبوا من ذلك الوقت إلى الهجرة النبوية فبلغ إثنين وسبعين ألف سنة شمسية (لا نعلم ما هو هذا الحساب).

باسم الله
وقيل أن هرمس الهرامسة لما عزم على بنائها أمر باستخراج الرصاص من بلاد المغرب، وقطع الأحجار الضخمة الهائلة من أماكن بعيدة جداً عنها، وكان عندهم صحائف مكتوب عليها إسم الله العظيم فيضعون الصحيفة على الحجر ويسمّون بإسم الله تعالى ويدفعونه بتلك الدفعة مقدار مائة سهم، ثم يعيدون عليها الصحائف ويدفعونها ثانيةًَ حتى تصل إلى الهرم بغير حملٍ ولا مشقة، فإذا وصل الحجر إلى الهرم يثقبونه ويجعلون في وسطه قطباً من حديد قائماً ثم يركّبون عليه حجراً آخر مثقوباً ويُدخلون القطب فيهما جميعاً ثم يُذاب الرصاص ويُصب في القطب وحول الحجر بهندام وإتقان.
وتناسباً مع هذا القول القديم ما أورده في دراسته المؤرخ الأوروبي في القرن التاسع عشر (Kings Land ) كنجزلاند، إذ ذكر أن قطع أحجار الغرانيت (الصوان)، والتي تزن الواحدة منها (70) طناً، والموجودة في مخدع الملك، قد أعدّت في مقالع تبعد (600) ميل قبل نقلها فوق النيل، ثم تابع يقول: “لا بدّ أن قوة غامضة قد استخدمت في نقل هذه الأحجار لا يعلمها سوى الله”.

شهادة نابليون
والقائد الفرنسي نابليون عندما احتل مصر سنة 1789، وبعد أن وقف مندهشاً أمام عظمة الأهرامات قال إن ما تحويه من حجارة ومواد بناء يكفي لإحاطة فرنسا بجدار تبلغ سماكته 92 سم، وارتفاعه نحو 3 أمتار. وكلام روحي آخر يقول: “إن في الهرم الشرقي أصناف القباب الفلكية والكواكب وتكوينها وما يحدث في أدوارها وقتاً وقتاً، وما تحمل لها من التواريخ والحوادث التي مضت والأحداث التي ينتظر حدوثها في مصر، وما يليها من أقطار العالم إلى آخر الزمان”.
“وكذلك زُبر على حيطانها أصناف العلوم العظيمة كعلم السيما وعلم الكيمياء والهيئة والحساب والأحكام الهندسية والمنطق والطب والفلسفة، ولم يترك علم من العلوم حتى تمّ زبره ورسمه”. ويضيف بعض المؤرخين القدماء إنه لا يوجد على وجه الأرض قاطبة بناء أعظم منها أو يضاهيها، وهي مع طول الأمد والدهور لم ترث ولم تبل، وهي العجيبة الوحيدة الباقية سالمة من عجائب الدنيا السبع القديمة.
إلى هنا انتهى ما ذكرته تلك المخطوطات القديمة، ونحن بدورنا لا يمكننا أن نذكر كل ما كتب عنها من المؤرخين والجغرافيين الحديثين من علماء ومفكرين ورحّالين، وقد أسهبوا في بيان أوصافها ومميزاتها وأهميتها التاريخية، وحتى تقديسها، ومنهم من أصابته لعنة الفراعنة والمعروفة عند الجميع إذ حلّت بهم بعد أن تطاولوا من قطع أو حفر أو إخفاء بعض حجارتها أو معالمها، ثم نقلها إلى بلدانهم أو بيوتهم فكان نصيبهم أن حلّت المصائب والأحزان في ديارهم، ومنهم العاِلم الاسكتلندي “Winston” ونستون، إذ فقد أولاً أولاده ولداً تلوَ الآخر، ثم فقد زوجته، كذلك أصابه الوسواس ولم يعد إلى صوابه إلا بعد أن أعاد إلى الأهرامات ما سرقه من أفيائها، وقصص كثيرة تُروى بين العامة من المصريين وسواهم ما جعل الجميع يهابون لمسها أو أخذ أي شيء منها بعد أن دفع العديد منهم الأثمان غالية.
خاتمة: ليس بالكثير أن يكون عدد الزائرين لتلك الأهرامات، وحسب إحصاء وزارة السياحة المصرية في أيام السلام والأمان، نحو (20) عشرين مليون زائر كل عام، وأن عدد زائريها من الأحياء على وجه الأرض ربما يزيد على نصف مليار زائر من البشر.

الأخوت اللّي بدو يقتل أمو
ويحتمي عند خالتو

لكل عالم هفوة ولكل صارم نبوّة ولكل جوادٍ كبـوة
( عمر بن الخطاب)

بعد أن تدفقت مياه نبع الصفا في أجران أحواض قصر بيت الدين، لتزيده روعة وجمالاً وتبعث الحياة في حدائقه، ازداد الجميع إحتراماً وتقديراً لأخوت شناي (حسن) صاحب فكرة إيصال المياه، وإن تكن تسميته بالمجنون فهو بالحقيقة ذو عقل أميز من عقول العديد من العقلاء، ورأيه كما تبيّن كان أصوب بكثير من آراء حاشية الأمير بشير الشهابي الثاني الذي عمل بنصيحة “الأخوت” وجلب المياه إلى قصره العامر.
وحيث إن صفة الجنون كانت تلازمه، لذا كان يدلي بدلوه، وأينما وجد، من دون خوف أو حذر، بل باعثاً في محدثيه حس الطرافة وقوة الرأي العفوي الذي لا يخالطه أي رياء. فبعد أن وجد الأمير بشير الشهابي في حيرة من أمره، مرتبكاً متردداً كيف ستصل المياه إلى القصر، وكيف سيتمكن من جرها والمسافة بعيدة وتتخللها أودية ومنحدرات.
وبينما هو في هذه الحيرة تقدم منه أخوت شناي وحادثه قائلاً: لماذا هذا الإرتباك يا سيدي المير ورجالك إذا مددتهم على الأرض من الصفا إلى القصر، وأمرتهم أن يحفرَ كل واحد منهم على قدر طوله، فخلال يومين أو أكثر تصل المياه إلى بيت الدين.
وهكذا كان، فبعد أن أخذ الأمير برأي الأخوت، عظم شأن الأخير وازداد احترامه، وأصبح رأيه قبل رأي العديد من المقربين والمستشارين، يُلازم المير في حلّه وترحاله في قصره وشتى أحواله، متندراً وراوياً، متعرفاً ومصادقاً معظم زواره. يعلم بكل شاردة أو واردة ترد إلى القصر أو تخرج منه، وما أكثرها تلك الأيام، وخاصة الدسائس والمكائد، والتي كان صاحب القصر سيدها لإيجاد التفرقة والبغضاء بين الزعماء والوجهاء، الذين يأتون لزيارته، وقصده من خلالها إذلال الجميع وتفرقتهم عن بعضهم بعضاً، وإخلاء أي إعتراض من قبلهم، وهذا ما عرف به تاريخ ذلك المتسلط خبثاً ودهاء.
وأخطر تلك المكائد كانت على ولي نعمته، والعامل الأول لإيصاله إلى مكانته، الشيخ بشير جنيلاط، وكيف أوقع الفتنة بينه وبين أنسبائه من المشايخ النكدية أصحاب إقطاعية المناصف ودير القمر، ثم كيف استدار نحوه وتمكن من خلال والي عكا من قتله خنقاً ورمي جثته مع مرافقه على رمالها، إلى أن سمح لمشايخ آل معدي في بلدة يركا من الجليل الأعلى، بجلبهما ودفنهما في مدافنهم، ولتاريخه لم تزل في تلك الديار.

قصر بيت الدين
قصر بيت الدين

لكن ما سنرويه كيف أراد أن يوقع بين الشيخ علي العماد زعيم منطقة الباروك، وما يعرف بالعرقوب، وبين ربيبه ومستشاره الخواجة جرجس باز، بعد أن توجس الخوف والحذر من جانبه لما له من مكانة عالية وتقدير كبير بين أتباعه. لهذا حقد في ذاته ثم أخذ يتحين الفرص للتخلص من الإثنين معاً.
استدعى يوماً الشيخ علي العماد ثم أسرّ له في أذنه، أن جرجس باز يضمر لكم الحقد والإحتقار، ويعمل خفية على إبعادكم والإقتصاص منكم، وهذا ما ردّده مراراً وتكراراً.
في المقابل أيضاً كان المثل مع جرجس باز إذ أسر له الأمير الداهية بكلام استهدف منه أن يوغر صدره على الشيخ علي العماد، بحيث تكتمل أسباب العداوة بين الرجلين، وعندها فإن التخلص منهما معاً يصبح أسهل.
وفي يوم، كان علي العماد في طريقه عائداً من كفرحيم إلى بلدته كفرنبرخ، وقد توقف أمام دارة جرجس باز في دير القمر، ثم ناداه: يا خواجة جرجس “أنا شايف لازم نعيّر الرطل بيننا وعليك بملاقاتي إلى ميدان بتاتر، كي نقيم نزالاً ثم نعلم بعده لمن ستكون الوجاهة”.
استغرب جرجس باز ونفر لهذا التصرف من قبل الشيخ، ولاسيما أن عهده به أنهما صديقان، إلا أنه ورغم ذلك أجابه: “على رأيك يا شيخ علي ونحن لها”.
شاع الخبر وسرى بين القرى والبلدات كما تسري النار في الهشيم، وغدا الناس منقسمين بين الإثنين وكل يتبع وجيه طائفته.
أخوت شناي بحكم تواجده الدائم في القصر علم أن الأمير بشير، هو مدبر هذه المكيدة وقصده إيقاع الفتنة والخلاف بين النصارى والدروز على مبدأ فرّق تسد.
في اليوم المحدد للمبارزة توجه جرجس باز وبرفقته أنصاره إلى ميدان بتاتر، كذلك فعل الشيخ علي لكنه عرّج في طريقه على نبع الصفا فوجد أخوت شناي ينتظره هناك. وحال وصوله هاجمه شاهراً بيده سيفاً من الخشب قائلاً: “إنزل عن فرسك يا شيخ وإلا قتلتك بسيفي”، أجابه الشيخ: “حل عنا ولك يا أخوت”.
هزّ أخوت شناي برأسه، وقال: “أنا أخوت ولاّ إنت؟؟ أخوت إللي بده يقتل أمو ويروح يحتمي عند خالتو”!
وتابع: “شو بدك فيه لإبن باز تا تقتلو وساعتها بيغضبوا النصارى ويحملوك دمّو؟ بتعرفش العاقبة بعدها شو بتكون؟ غاية الأمير أنو يتخلص منك ومنو”.
أمعن الشيخ التفكير بعد سماعه قول الأخوت، ثم هزّ برأسه موافقاً، وقال لمن حوله: “فعلاً خذوا الحكمة من أفواه المجانين، والظاهر إنو أخوت شناي أعقل وأخبر منا”، ثم تابع طريقه وهو في حالة تأمل وحذر متذكراً مكائد الأمير وخبثه. وعند وصوله إلى ميدان بتاتر ترجل عن فرسه، ثم ربط لجامه برجل الكرسي الذي جلس عليه ووضع سيفه على ركبتيه ينتظر قدوم جرجس باز ورجاله.

الأمير بشير الثاني
الأمير بشير الثاني

أطل جرجس باز على الميدان فوجد الشيخ علي بوضع عادي أقله أنه بعيد عن المبارزة.
أومأ الشيخ إلى غريمه كي يترجل لوحده، ثمّ أسرّ في أذنه ما سمعه من أخوت شناي. وبعد تحقق الإثنين من نوايا الأمير وغدره، اتفقا على أن يجريا المبارزة باستحقاقها وبأن يسدد الشيخ علي ضربة لجرجس باز فيصرخ عندها مستغيثاً بالقول: العفو عند المقدرة يا شيخ علي!
وهكذا تمّت المبارزة كما رُسم لها، ثم عاد الفريقان كل إلى بلدته من دون أن يعلم أحد من الحاضرين بحقية ما اتفقا عليه.
في اليوم التالي، ذهب جرجس باز لزيارة الأمير، وكان من عادته أن يدخل عليه من دون إستئذان.. حملق الأمير في وجه زائره كأنه غير مصدق ما يشاهده، لاعتقاده أن جرجس أصبح في عداد الأموات وينتظر نعيه.
رحّب به بعد أن تمالك نفسه متجاهلاً ومتناسياً ما كان حضّر له لضيفه.
بعد مغادرة جرجس باز مجلس الأمير أرسل هذا وراء الشيخ علي يستخبره عمّا حدث. فأخبره الشيخ بما حدث قائلاً: “وأنت بتعرف يا مير ياللي بيستجيرنا منجيره”.
لكن رغم أن جرجس باز اكتفى شر الأمير وكظم على جرحه وابتعد عنه، إلا أن الأمير بقي حاقداً عليه متوجساً من وجاهته ومكانته، وقد تمكن أخيراً من أن يوقع به فقتله مع شقيقه عبدالأحد.

كفرقوق جارة جبل الشيخ

كفرقوق جارة جبل الشيخ
إزدهرت ولم يهجرها أبناؤها

الشيخ يوسف الكفرقوقي درس على علماء دمشق
وأصبح أبرز أعلام عصره في تقواه ومعارفه الدينية

أحراج كفرقوق تنحسر بفعل المناشير
والبلدية فرضت حراسة دائمة لحمايتها

المياه وفيرة بسبب تعدّد الينابيع والعيون
لكنها مهدورة لغياب مشاريع التخزين

ماذا يعني اسم كفرقوق؟
معظم أسماء القرى اللبنانية مشتقة من الآرامية، وقد إحتفظت القرى بهذه الأسماء في العهود التالية رغم أن معاني الكثير منها لم تعد معروفة بسبب اختفاء الآرامية من التداول منذ أكثر من أربعة عشر قرناً.
إذا عدنا إلى اللغة الآرامية، فإن إسم البلدة يترجم بما معناه “قرية الخزف” أو “قرية الآجر” وهذا يعني أن البلدة عرفت في القدم بإنتاج الخزف وآنية الآجر (الفخار)، وهناك قرية قريبة من كفرقوق تعرف بإسم “راشيا الفخار”، وهذه إشارة إضافية إلى أن مهنة تصنيع الآجر كانت منتشرة في المنطقة في العصور القديمة، إضافة إلى هذا التفسير الأكثر قبولاً، اقترح آخرون أن الإسم منسوب إلى الملك “قوق” الذي حكم في عهود قديمة، وبما أن إسم “كفر” في الآرامية يعني القرية أو البلدة فقد أصبح اسم القرية “كفر قوق”. وأطلق على البلدة في تاريخ لاحق إسم “كفرقوق الدبس” لكثرة ما كانت تنتج من دبس العنب.

الموقع
تقع بلدة كفرقوق، وهي إحدى قرى قضاء راشيا، على ارتفاع 1200م عن سطح البحر، وتبعد عن مركز القضاء 5 كلم، وعن العاصمة بيروت 93 كلم، ويمكن الوصول اليها عبر طريق بيروت- شتورا- المصنع – ظهر الأحمر كفرقوق أو عن طريق صيدا- مرجعيون-حاصبيا- ظهر الاحمر.
تقدر مساحة البلدة بنحو 5800 هكتار، وهي مجاورة للحدود السورية على السفوح الغربية لجبل الشيخ أو جبل حرمون، كما أنها تجاور 8 بلدات لبنانية، هي عيحا- ظهرالاحمر- ينطا- بكا- دير العشاير- راشيا – كفر دينس وعين عرب. ويعتقد أن تسمية البلدة مشتقة من الصيغة الآرامية الكنعانية المركبة كفر- قوق.

نمو سكاني ملفت
تمتاز بلدة كفرقوق عن غيرها من البلدات بنمو سكاني يفوق المعدلات المعروفة في منطقة راشيا، وتعود هذه الظاهرة الى تمسك أبناء البلدة ببلدتهم والاقامة فيها، فظاهرة الهجرة بسيطة وعدد المهاجرين قليل، وكذلك الأمر بالنسبة الى النزوح، فهو قليل جداً مقارنةً بما يحصل في القرى والبلدات الأخرى، وهذا ما تثبته ظاهرة التمدّد العمراني للبلدة التي اتصلت بالقرى المجاورة لها، وكذلك نمو عدد الوحدات السكنية من 350 وحدة في سنة 2000 إلى 700 وحدة حالياً، أي أن العدد تضاعف خلال السنوات العشر الأخيرة، وأصبح يشار إلى كفرقوق كمثال بارز على النمو السكاني، علماً أن عدد سكان البلدة أصبح اليوم يزيد على 3500 نسمة.

الموارد الاقتصادية للبلدة
تعتبر الوظيفة المصدر الأول في اقتصاد ابناء البلدة، بالاضافة الى الاعمال الحرة والزراعة، فنلاحظ أن معظم ابناء البلدة ينخرطون في المجال الوظيفي، ومن لم يتسنَ له الحصول على وظيفة رسمية نراه يتجه للعمل في المؤسسات السياحية وخدمات المطاعم، حيث بات هذا القطاع يضم شريحة كبيرة من ابناء البلدة، نظراً لمردوده السريع، اضافة الى بعض الأعمال الأخرى كصناعة خبز الصاج أو ما يعرف بالخبز المرقوق ويتم تسويقه في البلدة والقرى المجاورة.
يتقن أبناء البلدة العديد من الحرف التي تسهم في تحريك العجلة الإقتصادية في البلدة كصناعة الألومنيوم أو الحديد، بينما أتقن بعض السكان تربية النحل فأصبحت تشكل مورداً اقتصادياً يُعتمد عليه، وذلك بسبب نوعية العسل الذي تصنعه جماعات النحل من رحيق الأزهار المنتشرة في ربوع جبل الشيخ. ويعمل النحالة في البلدة على تطوير هذا القطاع مستفيدين من المساحات الواسعة المحيطة بالبلدة، والتي تصل الى الأراضي السورية المحاذية، وكذلك من نقاوة المكان وغياب أي من الملوثات التي تعيق عمل النحل في المناطق الأخرى، وأبرزها المبيدات التي ترش بها الأراضي الزراعية أو الأثمار.

موقع كفرقوق في قضاء راشيا
موقع كفرقوق في قضاء راشيا

سهل عيحا
تشكّل وعورة الجبال وغياب الأراضي المنبسطة علامة فارقة في قرى راشيا، لكن كفرقوق تشذ عن هذه القاعدة إذ أنها تتصل بسهلين: السهل الشرقي الذي يُستغل جزء بسيط منه في بعض الزراعات البعلية والاشجار المثمرة والكرمة، والسهل الغربي الذي يتميز بمساحة شاسعة ويُعرف بإسم “سهل عيحا”. وتعود ملكية 33 في المئة من أراضي السهل لأبناء بلدة كفرقوق، أما المساحات المستغلة فيتم استثمارها في زراعة الحبوب والخضار، ولا سيما زراعة البطاطا، وتنتشر على أطراف السهل زراعة اللوزيات والكرمة والعديد من الأشجار المثمرة، وفي طليعتها اشجار التفاح التي أخذت تنتشر في الآونة الأخيرة بشكل ملفت. لكن رغم خصوبة السهل، فإن هناك نسبة من الأراضي لا يتم استغلالها بصورة فعالة، مما يفوت على المنطقة فرصاً اقتصادية وفرص عمل مهمة.

ثروة حرجية مندثرة
بعدما كانت تغطي ما يقارب الـ70 في المئة من مساحة البلدة، لم تعد الأحراج تمثل سوى مساحة بسيطة، وهذا التدهور في مساحة الغطاء النباتي يعود بالدرجة الأولى إلى القطع العشوائي الجائر للأحراج بهدف توفير حطب التدفئة، لكنّ هناك سبباً آخر لا يقل خطورة يتمثل بالحرائق التي تلتهم سنوياً مساحات ليست بالقليلة وعدم توافر الوسائل اللازمة لمكافحة الحرائق.

ومياه مهدورة
تنفرد كفرقوق بكثرة العيون والينابيع، لكن الصعوبة تكمن في غياب القدرة على الاحتفاظ بمياهها عبر تخزينها تمهيداً لاستخدامها في فترات الجفاف أو الشح، وذلك لأغراض ري المزروعات الصيفية أو الأشجار المثمرة. وأبرز هذه العيون والينابيع: عين الشحل، عين الصهريج، عين نيني، عين الزعني، عين الصفصافي، إضافة إلى عدد من الينابيع الموسمية التي تساهم في تلبية حاجات البلدة.

بلدة الورع
تتميز بلدة كفرقوق ومنذ القدم بميل أهلها الطبيعي إلى السلوك الديني القويم، وتحصيل المعارف، إذ تحوي البلدة ربما أعلى نسبة من الشبان والفتيات الذين يقبلون على السلوك والتزام أصول الدين في سن مبكرة، كما أن هناك في البلدة أكثر من خلوة ومجلس ذكر يجتمع فيه المؤمنون.
ولعلّ هذه الجذوة تعود الى سنوات وعقود مضت الى أيام العلامة الشيخ “جمال الدين يوسف بن سعيد الكفرقوقي، “الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي ( النصف الأخير من القرن العاشر للهجرة)، وكان رحمه الله عالماً علامة وواعظاً وشاعراً. تفقه في دمشق على أبرز علمائها، وكان من أبرز أعلام عصره في العلم والمعرفة والفقه الديني، قبل أن يلمع نجم الشيخ الفاضل. كان يتلو القرآن الكريم والعديد من كتب المواعظ عن ظهر قلب، واعتبر من أكابر الموحدين في عصره. توفي الشيخ في طريق عودته من دمشق، عند أقربائه في قرية ينطا الواقعة في( قضاء راشيا)، وقد دفن فيها حيث يقوم مقامه اليوم، إلا أن أهل كفرقوق أنشأوا تكريماً لذكراه مقاماً وخلوة بإسمه في القرية.
من مؤلفاته كتاب معشرات الحروف الذي سمّاه “درر النحور في التوبة إلى الملك الغفور”، يتضمن مقطوعات شعرية ومقدمات نثرية بليغة كلها في كيفية السلوك والتقرب إلى الله عزّ وجل. وله قصائد عدة جمعها المرحوم الشيخ نسيب مكارم منها مخمسة طويلة سلك بها سبيل الابتهال والاستغفار والتوسّل إلى الله تعالى.
ومن الأعلام الذين عاشوا في قرية كفرقوق، الشيخ “سليمان الداوس” الملقب بـ”أبو عبيد”، وفضيلة الشيخ أبو حسين محمد الحناوي أحد أبرز مشايخ طائفة الموحدين الدروز. وتجدر الإشارة الى أن معظم عائلات بلدة كفرقوق تنقسم الى قسمين، قسم يقيم في البلدة وقسم آخر ذهب الى جبل العرب أو ما يُعرف بجبل الدروز. وأكثر البلدات السورية المحاذية تقع في جبل العرب على مسافة لا تتعدى الساعة والنصف سيراً على الأقدام، ورغم أن الأسر الكفرقوقية تفرقت في الماضي بسبب موجات الهجرة إلى جبل العرب إلا أنها ما زالت على علاقات وثيقة جداً في ما بينها، وتتعامل مع بعضها كما لو أنها ما زالت عائلات واحدة.

كهوف ربما تعود إلى عصود سحيقة أو ربما لبعض النساك
كهوف ربما تعود إلى عصود سحيقة أو ربما لبعض النساك
اثار قديمة
اثار قديمة

الشيخ سليمان الداوس الملقب بـ “أبو عبيد”
عاش الشيخ التقي أبو عبيد في كنف عائلة نهل منها حنان الأم الورعة وعطف وتربية الأب الذي زوده بأسس الآداب وقوة الارادة وصلابة الايمان.
بعد وفاة والديه، عاش الشيخ في غرفة صغيرة عاكفاً على عبادة الله عزّ وجل من دون أن يعرف به أحد من الأشخاص الذين يسكنون بجواره، كان يكسب عيشه بكد يمينه من زراعة الأرض ومعاملتها، حتى أنه كان يتقن فن العمارة وأقدم على بناء مناهل المياه المحاذية للبلدة، وهذه ما زالت قائمة إلى يومنا هذا. واستمر على هذه الحالة حتى وافته المنية. وبعد وفاته، اكتشف اهل البلدة السر الدفين للرجل، وهذه الجوهرة النادرة من خلال المخطوطات التي وجدت محفوظة في الوسادة التي كان يغفو عليها، وبعد الاطلاع على تلك الكتابات الروحانية علم ابناء البلدة أن الشيخ أبو عبيد من المشايخ ذوي المكانة الرفيعة، نظراً لتلك التركة المعرفية الروحانية الملفتة والمميزة، وقد عمد ابناء البلدة الى جمع تلك الكتابات وحفظها ليصار في ما بعد الى حفظها في مجلد اطلق عليه إسم “المشوقات”، نظراً للمحتوى المميز الذي تنعم به، وهذه المشوقات موجودة في معظم الخلوات والمزارات، كما قام أبناء البلدة بتكريم الشيخ التقي عبر بناء ضريح نقلت إليه رفاته، وقد أقيمت بجانبه خلوة يأمها المشايخ بهدف الاستزادة الروحية وذكر الله تعالى.

مقام الشيخ يوسف الكفرقوقي
مقام الشيخ يوسف الكفرقوقي

عائلات بلدة كفرقوق

أبو درهمين – عبد الخالق- صوان- جمول- الحلبي – نعيم – الشعار – سرايا – عربي- خضر – الحسنية- حرب –النبواني – شموط – مسعود – السقعان – جديداني – خميس – البلاني – حمد – ريدان – العنداري – برو – عازار – الحداد – عون – شاهين – نجم – شوي – العريان .

المواقع الأثرية في البلدة
تجلس بلدة كفرقوق على آثار غنية لحضارات كثيرة بائدة، يدل على ذلك العديد من المواقع الأثرية في محيط البلدة، والتي تعود الى حقبات مختلفة منها رومانية ومنها كنعانية. لكن إهمال الدولة لتلك الآثار شجع على العبث بها، مما أتى على قسم كبير منها أو غيّر معالمها وطمس دلالاتها التاريخية. من الآثار الباقية داخل الحي الغربي من البلدة بقايا معبد روماني صغير قريب من الطريق، فيما تتواجد أطلال وبقايا معبد آخر وعدد من الأحواض الحجرية على مقربة من كنيسة البلدة. أما في خراجها فهناك بقايا الأعمدة التي يعود تاريخ معظمها إلى الحقبة الرومانية.
من الآثار المهمة تلك الواقعة شمال البلدة، وتعود الى ما يقارب من 800 سنة، وهي تدل على أن بلدة كفرقوق تجاور انقاض قرية قديمة بائدة تعرف بـ “الكنيسة”. وتدل الآثار الموجودة على أن البلدة المندثرة كانت مرجعاً لقرى وبلدات أخرى زالت بدورها ولم تعد موجودة، ولعل كفرقوق هي امتداد لتلك الحضارة الزائلة. ومن الآثار بقايا قصر ملكي ومحكمة ومكان هو عبارة عن مشنقة كانت تنفذ الأحكام فيها، بالإضافة الى العديد من النواويس وآبار المياه. ومازال شقيف المشنقة وقنطرة دار آل عربي ماثلين حتى اليوم مع البلاط الحجري المرصوف إضافة الى معصرة العنب القريبة منهما.
مدرسة تقاوم الدهر
على الرغم من تراجع التعليم الرسمي بشكل عام واقفال معظم المدارس الرسمية في منطقة راشيا، ما زالت مدرسة كفرقوق الرسمية توفّر فرص التعليم لنحو 400 طالب، وتجنب الأهالي، لاسيما ذوي الدخل المحدود منهم، مشقة الانتقال الى خارج البلدة أو إرسال اولادهم الى المدارس القريبة لمتابعة تحصيلهم العلمي. وتوفر المدرسة فرص عمل لأبناء البلدة من حملة الاجازات التعليمية فتجنبهم الغربة أو الانتقال الى أماكن أخرى بحثاً عن عمل، علماً أن عدداً كبيراً من الطلاب ينتقلون خارج البلدة لمتابعة تحصيلهم العلمي في مختلف الجامعات والمعاهد المنتشرة في البقاع أو في العاصمة بيروت.
وتضم كفرقوق أندية وجمعيات ثقافية منها نادي كفرقوق الذي تأسس في سنة 1973، ويلعب دوراً في النهضة التي تشهدها البلدة، إذ أشرف النادي على حملة أثمرت تشييد القاعة العامة بدعم من الزعيم وليد جنبلاط، كما تمّ في الفترة الأخيرة افتتاح المستوصف الاجتماعي بهمة معالي وزير الشؤون الاجتماعية الاستاذ وائل أبو فاعور، وقد بدأ المستوصف تقديم الخدمات الصحية المختلفة للأهالي، كما تمّ افتتاح عيادة طب الأسنان التي تقدم خدمات جيدة بأسعار تناسب الحالة الاجتماعية لأبناء البلدة.

قضايا العمل البلدي في كفرقوق
في حوار مع رئيس بلديتها

رئيس-البلدية-الاستاذ-رئيف-ابو-درهمين
رئيس-البلدية-الاستاذ-رئيف-ابو-درهمين

أبرز الإنجازات: الكهرباء والمستوصف وإعادة التشجير
وأبرز المشاريع تعميم مياه الشفة والطرق الزراعية

التقت “الضحى” رئيس بلدية كفرقوق السيد رئيف ابو درهمين، وسألته عن واقع العمل البلدي في القرية والتحديات التي تواجهها البلدية بسبب التوسع العمراني والنمو السكاني، فكان هذا الحوار:
كيف يتم التعامل مع ظاهرة النمو في البلدة؟
منذ سنوات أخذ العمل البلدي طابعاً مختلفاً، لأن عدد السكان في ازدياد والتمدد العمراني يزيد مساحة القرية سنة بعد سنة ويضاعف بالتالي الحاجة الى توفير الخدمات للأحياء والشوارع الجديدة، وقد واصبح ذلك بصراحة أكبر من الإمكانات المتوافرة للمجلس البلدي وموارده المالية. لذلك بدأنا نركز على التواصل مع وزارات الدولة المعنية لتأمين الخدمات اللازمة، وكذلك وثقنا العلاقات بعدد من الجهات المانحة من أجل تعويض نقص الموارد، وفي الوقت نفسه القيام بمسؤوليتنا في تلبية الحاجات المتنامية للبلدة ومواطنيها.
ما أبرز مبادرات المجلس البلدي؟
قامت البلدية في الفترة الأخيرة بشراء عدد من المولدات الكهربائية لتأمين الكهرباء في ظل انقطاع التيار الكهربائي عن البلدة لفتراتٍ طويلة خلال اليوم، إذ أن ساعات التغذية الفعلية لا تتجاوز الثماني ساعات يومياً، الأمر الذي يعطل الكثير من الأعمال ويكبد المواطنين تكاليف باهظة على شكل اشتراكات أو تكلفة الوقود اللازم للمولدات الخاصة. وقد ساعد تركيب المولدات على تأمين التغذية خلال فترات انقطاع التيار، وتمكنّا من تأمين الطاقة الكهربائية بتكلفة أقل. وتقوم البلدية في هذه الاثناء بتحديث الشبكة وتركيب عدادات لكافة أبناء البلدة، وبلغت تكلفة هذا المشروع 100 مليون ليرة لبنانية، وتم تنفيذه بمساعدة من اتحاد بلديات “جبل الشيخ”.
على صعيد آخر، تسعى البلدية بالتعاون مع لجنة مياه البلدة، الى تأمين مياه الشفة لكافة المواطنين وايصال شبكة المياه الى كافة الاحياء لاسيما الحديثة منها.
كما قامت البلدية بتأمين سيارة إسعاف للبلدة بمساعدة من وزارة الشؤون الاجتماعية، وهي تسعى بمساعدة من وزارة الزراعة والمشروع الاخضر إلى شق وتعبيد طريق زراعي بطول حوالي 2500م ويسمى “طريق سهل الفوقاني في الشحل”، كما تقوم البلدية في هذه الاثناء بإقامة حديقة عامة، تقدمة وزارة الشؤون الاجتماعية، وينتهي العمل في المرحلة الاولى منها خلال عشرة أيام.
تعمل البلدية ايضاً على ترميم عيون قديمة عدة، ومنها عين الشحل والصهريج وعين القلّي وعين الكنيسة التي تم مؤخراً مساعدة أصحاب المواشي على حفرها وتأمين المياه اللازمة لمواشيهم .
لا بدّ هنا من التنويه بما قام به المجلس البلدي السابق قبل اِستلامنا رئاسة البلدية من توسيع لمدخل البلدة وإقامة جدران الدعم للعديد من الطرقات وتقديم المساعدات العينية للمزارعين، والمساهمة في زيادة الغطاء الأخضر للقرية من خلال عمليات التشجير.
هل تتلقون مساعدات لترميم منابع المياه الأثرية أو العيون القديمة؟
لا توجد أي مساعدة من أي جهة رسمية أو غير ذلك، لكن نطلب من وزارة الطاقة والمياه مساعدتنا في الاهتمام بهذه العيون والمحافظة على تاريخها لكي تبقى ولو أن ينابيعها غير غزيرة.
ما هي مشاريع المجلس البلدي المستقبلية؟
تمّ تقديم طلب الى قيادة الجيش لشق بعض الطرق الزراعية، وأتت الموافقة على شق طرقات بطول حوالي 10 كلم من الطرقات الزراعية، وهنا لا بدّ من توجيه الشكر الى قيادة الجيش، وهناك مشروع تحريج حوالي 10 دونمات تقدمة من UNDP، ويتم ذلك بالتعاون مع اتحاد بلديات “جبل الشيخ”.
إن الهدف الأول للبلدية هو المحافظة على ما تبقّى من أحراج البلدة مع العمل في الوقت نفسه على استعادة المساحات الواسعة من الأحراج التي كانت تنعم بها منذ القدم، لكنها زالت بسبب التعديات والقطع الجائر. وتقوم البلدية بحماية الأحراج من خلال الحراسة التي يقوم بها ناطور البلدة، وذلك لمنع قطع الاشجار ومراقبة الحرائق التي قد تندلع خلال فصل الصيف ومواسم الجفاف.
وتعد البلدية لتأمين شبكة مياه للأحياء الجديدة التي لم تصلها مياه الشفة، علماً أن كمية المياه المتوافرة، وهي حوالي 3 آلاف متر تعتبر كافية بعد التوسع العمراني الكبير الذي نشهده.
ما هي المعوقات التي تواجه المجلس البلدي؟
أبرز العوائق امام عمل البلدية هي الشح في الموارد المالية وغياب دعم الدولة وصعوبة جباية الرسوم البلدية أو المسقفات من المواطنين، إضافة إلى عدم دفع مستحقات البلديات لدى الدولة في أوقات منتظمة، مما يراكم الأعباء على البلدية، كما أن هناك ظروفاً طارئة أو مستجدة تفرض على البلدية أعباء اضافية لم تكن في الحسبان. كما أن هناك عوائق تواجه المزارعين لا سيما الصعوبة في تصريف الانتاج مما يزيد من مساحة الأراضي المهملة وتزداد الأراضي البور ويتراجع عدد العاملين بالزراعة سنة بعد سنة.

شجـرة القَطْلَب‏‎

شجـرة القَطْلَب ‏‎المنسية
ثمارها الطيبة متروكة للسمن والعصفور

زهرها ربيعي وثمارها الغزيرة خريفية
لكن موسمها لا يتجاوز الثلاثة أسابيع

أبحاث علمية جادة أكدت خصائصها العلاجية
لا سيما في حالات الإسهال وارتفاع ضغط الدم

في البراري الجبلية ربما بين السنديان والملول وأشجار الأرز الصنوبري، تنتصب شجرة سرعان ما تلفت النظر بشكلها واللون الأحمر للحاء جذعها وأغصانها، هذه الشجرة الدائمة الخضرة تنمو لتصبح شجرة كبيرة غالباً ذات شكل مستدير وأغصان كثيفة وأوراق تجمع بين الأخضر الفاتح والأصفر والأحمر. إنها فعلاً منحوتة رائعة من منحوتات الطبيعة وآية بينة على عظمة الخلق وتنوعه اللانهائي.
مثل الأشجار البرية تنبت شجرة القطلب من دون مساعدة من الإنسان، إذ أن زارعها المباشر هو الطير الذي يأكل من ثمارها الحمراء القانية الشهية، ثم ينشر بذورها التي تبقى في برازه في الطبيعة عبر أسفاره. وبالطبع، قليل من هذه البذور قد يلقى التربة المناسبة له، فإن حدث ذلك فإننا سنرى في غضون سنوات قليلة شجرة قطلب صغيرة ترتفع بين الصخور أو في التربة المعشوشبة في أحراج السنديان والملول.

قليلاً ما نهتم بها
لا يعرف الكثيرون منّا عن هذه الشجرة الفريدة التي تزين جبالنا أو عن خصائصها الغذائية والعلاجية، أو فاكهتها الشهية التي شبهها اليونان بالفريز، وسميت أحياناً بالفريز اليوناني. وفي الحقيقة يوجد شبه كبير بين ثمرة القطلب وبين الفريز البري ذي الحبات الصغيرة، الذي يتكاثر بطريقة تكاثر الفريز المعروف، وهذا الاخير نقبل عليه لطعمه الشهي، وإن كان الكثيرون بدأوا يجتنبونه لكثرة ما يستخدم في إنباته وتكبير ثماره من كيميائيات وهرمونات خطرة.

ثمار من الطبيعة
في شجرة القطلب لا مشكلة من هذا النوع، فثمارها طبيعية عضوية تعطينا من سخاء الطبيعة ما يلذ ويفيد صحتنا. لذلك في المرة التالية التي تجولون فيها في برية الجبل، وكنتم في شهر تشرين الأول أو الثاني ابحثوا عنها وتمتعوا بثمارها التي تنضج في أواخر فصل الخريف، لكنها غالباً ما تبقى مهملة فتقبل عليها كل أنواع الطيور ولا سيما السمن والشحرور اللذين يبدآن بالوفود إلينا قبل موسم قطاف الزيتون.
‎الإسم العلمي لشجرة القطلب التي تنبت في بلادنا، لمن يريد المزيد من المعلومات عنها عبر الإنترنت، هو ‎‏‎Arbutus andrachne‎، ولها أسماء مختلفة، فهي بالإنكليزية GreekStrawberry Tree‎، أي شجرة الفريز اليوناني‎‎ والشجرة من ‎العائلة الخلنجية ‏‎Ericaceae‎، وهي في الأصل من منطقة البحر الأبيض المتوسط واليونان وتركيا وسوريا ولبنان،‏ كما تنمو في المغرب وتونس واسبانيا والبرتغال ومالطة وقبرص والقسم الجنوبي من ايطاليا.‏
وتوجد الشجرة بكثرة في شمال سوريا، وخصوصاً في مناطق جبل النبي يونس وكسب ومنطقة جبلة، وبسبب انتشارها فقد سميت بعض القرى التي تكثر فيها الشجرة بإسمها (قرية القطيلبية)، وهي إحدى أكبر قرى المنطقة، كما توجد الشجرة في طرطوس وحماه ومصياف وادلب. وفي لبنان توجد في بعذران، الخلوة المعروفة بإسم “خلوة القطالب”، ربما لوجودها في الماضي وسط حرش من القطلب.
وهناك نوع مختلف من القطلب ينبت في غرب أوروبا وأميركا الشمالية، ويعطي ذلك النوع ثماراً مشابهة إلا أنها تتميز بقشرتها الخشنة نسبياً والمغطاة برؤوس أو انتفاخات صغيرة مدببة. أضف إلى ذلك أن الصنف الآخر معروف بكثرة أزهاره مما يجعل من شجرة القطلب في تلك البلدان شجرة زينة بامتياز للحدائق المنزلية، ولا سيما أنها دائمة الاخضرار.

الجذوع الحمراء الجميلة لشجرة قطلب معمرة
الجذوع الحمراء الجميلة لشجرة قطلب معمرة
ثمار-قطلب-في-مرحلة-النضج
ثمار-قطلب-في-مرحلة-النضج

قطعوها لخشبها الصلب
شجرة القطلب قوية، سريعة النمو مقاومة لتقلبات الطبيعة وأنوائها، لذلك نجدها ترتفع حتى ستة أمتار وربما أكثر، لكنها تحتاج إلى سنوات طويلة لتبلغ هذا الطول، وهذا بالطبع إذا لم تمتد إليها يد قاطعي الأشجار البرية قبل ذلك. إنها أيضاً شجرة دائمة الخضرة إذ لا تتساقط أوراقها في الخريف والشتاء. خشبها صلب جداً، ومن أقوى أنواع الأخشاب، لذلك استخدمها السابقون لصنع القطع الخشبية المنزلية، وقد كانت قوة الشجرة أحد أسباب الطلب عليها، فقطع الكثير منها في الماضي فلم تعد تُشاهد بكثرة في البراري، وعندما نشاهد بعضها فهي في الغالب شجيرات فتية مضى على نشوئها ربما خمس أو عشر سنوات، وهذه يمكن أن تنمو وتعلو مثل سابقاتها إذا تمتعت بحماية (كما في المحميات الطبيعية)، أو إذا عُرفت قيمتها فاحتفظ بها وتجنّب الحطابون قطعها مع ما يقطعون.
ويمكن زراعة شجرة القطلب عبر استنبات البذور أو بالفسائل ابتداءً من الخريف وحتى بداية الربيع، وهي تحب الأرض الصخرية والتربة الخصبة ولا تهتم بالري، إذ يمكنها النمو بشكل بعلي.
تزهر شجرة القطلب في الربيع وتبدأ أزهارها على شكل عناقيد زهرية اللون، إلا أنها تتحول إلى لون أبيض مع اخضرار. وتعقد هذه الأزهار حبيبات تكون في البداية خضراء أقرب إلى الزرقة، إلا أنها تبدل ألوانها في مراحل النضج من الأخضر إلى الأخضر الفاتح ثم إلى الأصفر الفاتح، فالأصفر الغامق فالأحمر، لتأخذ لون الأحمر القرمزي عند النضج، وعندها تصبح جاهزة للأكل.
ثمار شجرة القطلب كرزية الشكل لكنها أصغر من الكرز وأقرب في حجمها ولون الناضج منها إلى الزعرور البري. ومع أنها تكون قاسية قبل النضج وغير سائغة المذاق، إلا أنها عندما تنضج تصبح طرية وحلوة المذاق وذات طعم خاص لذيذ، أما البذور فصغيرة جداً ولا تشعر بها أثناء الأكل. وفي بعض مناطق إسبانيا واليونان والمغرب تباع الثمار الطازجة في الاسواق أو تصنع منها مربيات لذيذة تباع أو تضاف إلى الحلويات مثل الكاتو.
وتنضج ثمار القطلب المعروفة في أواخر فصل الخريف وبداية الشتاء، لكن موسمها قصير ولا يتجاوز الثلاثة أسابيع، على خلاف باقي الفواكه الأخرى التي يستمر موسمها لمدة أطول مثل العنب والتين والتفاح. وبسبب هشاشتها عند النضج فإن ثمرة القطلب لا يمكن الاحتفاظ بها بعد الجني أكثر من أسبوع، لاسيما إذا تم قطفها في مرحلة نضج متقدمة.
ورق شجر القطلب قاسٍ نسبياً ومتوسط الحجم، وهو أشبه بورق شجرة الكاوتشوك المعروفة في سواحل بلادنا لكن أقل ثخانة وحجماً، أما لونه فهو أخضر زاهٍ كما أنه مثل الأزهار والثمار يبدل لونه حسب المواسم، وهو سبب آخر يجعل من الشجرة مرغوبة جداً لأغراض زينة الحدائق.
من خصائص شجرة القطلب التي تعطيها جمالها وشهرتها بين علماء النبات جذعها الأملس والمتلون أيضاً حسب مراحل نمو الشجرة، فهو قد يبدأ أخضر مع ميل خفيف إلى الحمرة ليصبح برتقالياً أو بلون القرميد عند نضج الشجرة وفي المُعمِّر منها.. ومن خصائص القطلب الفريدة أنه ومع نمو الجذوع تقوم الشجرة، في أول الصيف، بطرح القشرة الخارجية من اللحاء في ظاهرة تشبه ظاهرة تبديل الحية أو الأفعى لجلدها، أذ نرى القشرة الرقيقة من اللحاء تتفسخ وتلتف على نفسها أو تتشكل على شكل غطاء صدفي متشقق قبل أن تنفصل عن الجذع وتسقط تاركة الجذع ليعود إلى لونه الأحمر القرميدي ومظهره الأملس.

أزهار القطلب
أزهار القطلب

فوائدها الصحية
مثل جميع النباتات البرية، فإن لشجرة القطلب عند دراسة خصائص ثمارها وأوراقها فوائد مهمة أكدتها البحوث العلمية الحديثة. وقد اهتم بدراسة الشجرة بصورة خاصة علماء برتغاليون واسبان ومغاربة، بسبب انتشار الشجرة في بلادهم مما حدا بهم للتدقيق في خصائصها الكيميائية وأثرها المحتمل كعلاج. ففي دراسة أجرتها جامعة نوفا دو ليسبوا في البرتغال، أظهرت الأبحاث الأولية أن ثمار وأوراق الشجرة تحتوي على فلافونيدات مضادة للأكسدة تساعد في كبح النمو السرطاني، وأنها في هذا المجال أقوى فعالية من الشاي الأخضر وبعض أنواع التوت البري. وأظهرت دراسة قام بها باحث إسباني أن الثمار والأوراق تحتوي على البكتين والتانين، وأنها بالتالي مفيدة في وقف الإسهال عبر صنع شراب ساخن من تلك الأوراق والثمار، علماً أن الدراسة الإسبانية أظهرت أن الأوراق تحتوي على خصائص مضادة للأكسدة بدرجة أقوى من الثمار. وقام الباحث المغربي حسان نخل بإجراء بحوث علمية على شجرة القطلب نشرت في دوريات متخصصة، وقد أثبتت الدراسة أن مستخلص أوراق القطلب يساعد في خفض ضغط الدم.

حكايات منطق الطير

حكايات منطق الطير

إياك والسعي لعشق المحبوب
إن لم تكن قادراً على بذل الروح

لماذا اشتكى النبي سليمان من خاتمه
واشترى إبراهيم بن أدهم الفقر بملك العالمين

إن ترغب في رؤية جمال الحبيب
فاعلم أن القلب هو مرآة طلعته

إن تقدم عبد لسلوك الطريق بلا حرمة
فسيبعده السلطان فوراً عن بساطه

ما أكثر ما بحثتَ عن عيوب الآخرين
فلتبحث ذات مرة عن عيوبك

تقدم مجلة “الضحى” في هذا العدد مجموعة من الحكايات الرمزية التي أوردها الشاعر الصوفي فريد الدين العطار في كتابه الشهير “منطق الطير”، وهذه الحكايات تعتبر مساراً موازياً للحوارات التي تدور بين الهدهد المرشد وبين مجموعة الطيور الباحثة عن سر الخلق والتدرج في مسالك التصوف ومقاماته حتى مقام الشهود.
يستخدم فريد الدين العطار أسلوب الحكاية لأجل أن يشرح، وإن بصورة رمزية، رائعة أداب الطريق إلى الله والصفات المطلوبة من السالك، ولا سيما هجر الدنيا وما فيها، بل والزهد بالآخرة أيضاً، وقد جعل من المعشوق الإلهي غايته الوحيدة. ويستخدم العطار أسلوب الحكايات كمحطات تقطع الحوارات المثيرة بين الهدهد الذي يرمز إلى المرشد أو دليل الطريق وبين جماعة الطير (المريدون أو السالكون في طريق الحق)، وبينما تتخذ حوارات الهدهد طابعاً رمزياً فيه الكثير من الايحاء العميق لأسرار الوجود وأسرار الطريق والتحقق الروحي في الله، فإن الحكايات تهتم بالبناء الروحي وآداب الطريق إلى الحق وشروطها وتستهدف تقديم المثال والحافز للسالكين للاقتداء وتجميع الهمة ونبذ الدنيا وقواطع الطريق الكثيرة. ولا يتردد العطار في التشديد على صعوبة الطريق ووعورتها محذراً المريدين من سلوكها من دون زاد، ضارباً الأمثال بأنواع من الرجال يمثلون مختلف الخصال التي يسعى لاستعراضها والتشديد عليها، وهو يستعرض في الكثير من الحكايات الخصال السيئة التي يسقط معها أي أمل ببلوغ الغاية من السفر، مثل الحرص وطلب الدنيا والنفاق وعدم الوفاء والمعصية، لكنه يورد في المقابل الحكايات عن الزهد والتضحية بالروح واستصغار الدنيا، لكن أكثر ما يهتم به العطار هو الحديث عن العشق الإلهي وترك الكل في سبيل المعشوق مقدماً الأمثلة بعد الأمثلة عن العاشقين الذين يبذلون المهج والارواح من أجل أن يحظوا ولو بلفتة من المعشوق الأعظم.
وفي ما يلي بعض الحكايات والأمثال التي أوردها العطار في كتابه “منطق الطير”.

كيف كان خاتم سليمان عائقاً له
ليس لأي جوهرة في الدنيا السحر والندرة التي كانت لجوهرة خاتم سليمان، إذ أن فصها ذو شهرة وصيت ذائعين، مع إنه من حجر لا يتعدى في الوزن نصف دانق. وما أن أتم سليمان صنع هذا الجوهر فصاً لخاتمه حتى أصبح وجه الأرض كله تحت إمرته. وحينما رأى سليمان ملكه هكذا، وقد أصبحت جميع الآفاق طوع بنانه وامتد قصره أربعين فرسخاً، كما خضعت الريح لسلطانه، قال إذا كانت هذه المملكة وتلك المكانة وليدة ذلك الحجر القيِّم فأنا لا أريد أن يحظى إنسان قط في كلا العالمين بمثل هذا الملك، حيث رأيت يا إلهي بعين الاعتبار آفة هذا الملك واضحة للأبصار. إن الحياة قصيرة إذا قيست بالحياة الآخرة، فلا تعطِ – يا إلهي- بعد ذلك لأي إنسان فصاً آخر، فلا صلة لي بالمال والعسكر وإنما أختار حياكة الزنابيل.
مع إن سليمان أصبح بهذا الجوهر ملكاً إلا أن هذا الجوهر كان في طريقه عائقاً، وإن كان الجوهر يفعل هذا مع سليمان فكيف يكون عوناً لك أيها الضال؟ ولما كان الجوهر حجراً فلا تبحث عنه ولا تعش إلا من أجل الأحبة ولتخلص قلبك من “الجوهر” يا طالب الجوهر، وكن جوهرياً دائماً في الطلب.

السلطنة لله وحده
كان هناك رجل طاهر الرأي يسلك طريق الصواب، ذات يوم رأى محموداً (السلطان الشهير محمود الغزنوي) في نومه فقال: يا سلطان الزمان المعظم، كيف حالك في دار القرار؟ قال: صه ولا تسفك دم روحي، ولا تنطق بحرف، وأي مكان للسلطان هنا؟ فاستيقظ! لقد كان السلطان خيالاً ووهماً، إذ كيف تكون السلطة لحفنة من السقط؟ الحق وحده هو السلطان مالك الدنيا، وهو الجدير بهذه السلطنة، وما إن رأيت عجزي وحيرتي، حتى شعرت بالعار من سلطنتي. وإن ترغب في مناداتي فإن اسمي هو «العاجر». لأنه هو السلطان الأوحد، فلا تدعني سلطاناً. السلطنة لله، وأنا المنتفع من ورائه حتى ولو كنت شحاذاً، وليت طريقي اعترضته مئات المشاكل وليس به هذا الجاه. وليتني كنت أجمع السنابل ولم أكن ملكاً، فليضمر ريش تلك النعامات وجناحها حيث أظلتني بظلها.

المحبة والعقل
ما إن افترق يوسف عن ابيه حتى ابيضت عينا يعقوب لفراقه، وتلاطمت أمواج الدماء في عينيه، وظل اسم يوسف يتردد على لسانه، فجاءه جبريل قائلاً: إن يرد إسم يوسف على لسانك مرة أخرى فسنمحو اسمك من قائمة الرسل والأنبياء. وما إن جاءه الأمر من الحق في ذلك الزمان حتى كف عن ترديد إسم يوسف على اللسان، ولكن على الرغم من امتناعه عن ترديد الإسم لما به من خشية، إلا أن الاسم ظل في الروح مقيماً.
وذات ليلة رأى يوسف في منامه، فرغب في أن يدعوه إليه، ولكن سرعان ما تذكر أمر الحق، فلزم الصمت في لهفة واضطراب، لكن على الرغم منه انطلقت زفرة تنم عن جزعه. وما إن نهض من رقاده الهنيء حتى جاءه جبريل قائلاً: إن الله يقول – ما معناه- مع أنك لم تورد إسم يوسف على اللسان فإنك أطلقت زفرة في ذاك الوقت، وأنت تعرف ما تنطوي عليه الزفرة، لذا فقد نقضت في الحقيقة توبتك، فأي جدوى؟
هكذا تقضي المحبة على العقل بهذا التصرف. فانظر ماذا يفعل العشق بنا.

سلطان الوجود وثمن العشق الإلهي
كان هناك ملك وسيم غاية في الجمال، وحسنه لا مثيل له في الدنيا ولا مثال، وما الصبح الصادق إلا إشراقة وجهه، وما الروح القدسية إلا نفحة من طيب مسكه، ومُلكُ العالم مصحف أسراره، وغاية الحسن آية طلعته، ولا أعلم هل تمكن شخص قط أن يجد نصيباً من جماله، وبسببه غص العالم بالاضطراب، وحبه فاق كل حد لدى الخلق.
كل من رأى جماله عياناً أسلم الروح ومات متأوهاً، فالموت في سبيل عشق ذلك الوجه الآسر أفضل من مائة عمر مديد. لقد مات خلق عديدون على الدوام من هذا الطلب، إذ لا يمكن الصبر معه ولا الصبر من دونه. ويا للعجب! لو قدر وتوفرت لشخص القدرة لحظة لظهر وجه السلطان له عياناً، ولكن فقط إذا تخلى الشخص الراغب في رؤيته عن وجوده، لذلك ما استطاع أحد محادثته ومرافقته.
في ذلك الوقت أمر السلطان بإحضار مرآة كبيرة تمكن الناس من النظر إليه من خلالها. فشيدوا للسلطان قصراً جميلاً ووضعوا المرآة الضخمة في مواجهته، ثم صعد هو على سطح ذلك القصر ونظر في التو إلى المرآة، حتى أدرك كل شخص منه علامة.
إن ترغب في رؤية جمال الحبيب فاعلم أن القلب هو مرآة طلعته. ليكن قلبك على كفك ثم انظر جماله، ولتكن روحك مرآة له، ثم انظر جلاله، إنه مليكك في قصر الجلال، والقصر مضيء بشمس ذلك الجمال، وللمليك طريق صوب كل قلب، ولكن لا طريق للقلب الضال صوبه.

أبو يزيد في الصحراء
خرج ابو يزيد (البسطامي) ذات ليلة خارج المدينة، وكان كل شيء خالياً من ضوضاء البشر كما كان ضوء القمر ينير العالم حتى أوشك أن يحيل الليل نهاراً من شدة ضيائه. وبدت السماء مزدانة بالنجوم وكان كل نجم منها في شأن مختلف. لقد جال الشيخ في الصحراء فما وجد شخصاً يتجول بالفيافي والبوادي. فسيطر عليه الاضطراب بشدة فقال: يا رب لقد سيطر الاضطراب على قلبي بقوة، إن أعتابك ذات مكانة رفيعة، فكيف تبدو من المشتاقين خالية؟
جاءه هاتف يقول: أيها الحائر في الطريق، إن الله لا يهب لكل شخص الطريق. فقد اقتضت العزة الربانية أن تبعد عن بابنا كل مسكين، فما أن أضاء حريم عزنا حتى أبعد الغافلين عن بابنا، وقد ظل الخلق منتظرين سنوات وسنوات حتى يسمح لواحد من ألف أن يحظى بالرفقة.

الذهب-قاطع-طريق
الذهب-قاطع-طريق

الطريق والمرشد
قتل أحد الملوك مجرماً عقاباً له، وفي نفس الليلة رآه صوفي في المنام، يتجول باسماً في جنة عدن. كان يتجول مسروراً أحياناً ومتبختراً أحياناً أخرى. فقال الصوفي: لقد كنت للدماء سفاكاً وكنت بيننا ذليلاً أفّاقاً فمن أين أحرزت هذه المنزلة؟ إن ما فعلته لا يمكن أن يصل بك إلى هذه المرتبة!
قال: عندما سال على الأديم دمي، مرّ في تلك الآونة حبيب العجمي (أحد كبار الصوفية)، وفي الخفاء رمقني الشيخ بنظرة من طرف عينيه فأصبت هذا الشرف ومائة مثله بعزة تلك النظرة منه. وكل من أصابته نظرة حظ وقفت روحه في لحظة واحدة على مائة سرّ. وإن لم يشملك أحد بنظرة فكيف ينكشف لك خبر يقين عن وجودك؟ وإن كنت تكثر الجلوس وحيداً فلن تستطيع قطع الطريق بلا مرشد. فالطريق يلزمه مرشد فلا تسلكه بمفردك. ولا تسلك هذا البحر عن طريق التخبط والعمى، بل لا بدّ لك من شيخ في المسير حتى يكون ملاذاً لك من كل أمر عسير، وإن كنت لا تعرف الطريق من البشر فكيف يمكنك قطع الطريق بلا دليل؟ وليست لك عين بصيرة، كما أن الطريق ليست قصيرة والشيخ في طريقك هو هادي مسيرك، وكل من يكون في ظل صاحب الحظ لا يمكن أن يصيبه مكروه في الطريق، وكل من يسير على الدوام في ركاب الحظ يصبح الشوك في يده باقة ورد.

السلطان والحطاب
خرج السلطان محمود إلى الصيد وفجأة انتحى جانباً عن الجند، وكان هناك حطاب مسن يسوق حماره، فسقط الحطب منه ووقف حزيناً يحك رأسه، فرآه محمود في هذه الحال وقد سقط حطبه، ووقف ذليلاً كالحمار. فتوجه إليه محمود وقال: أتريد المساعدة أيها الكسير البال؟ قال: أريدها أيها الفارس فإن تساعدني فأي شيء في ذلك؟ أفيد أنا ولن تصاب بضرّ أنت. إنني أرى التوفيق في وجهك المشرق وليس اللطف قريباً عن كل ذي وجه مشرق.
ترجل السلطان من كرمه ومد يداً كالورد نحو الحطب، ووضع صاحب الجلالة الكومة فوق الحمار. وعاد بعد ذلك إلى جنده مرة أخرى. وقال للجند: إن حطاباً مسناً موجود هنا ومعه حمار محمل بالأحمال، فاقطعوا الطريق عليه حتى يقع وجهه على وجهنا. فقطع الجند الطريق على الشيخ حتى لم يعد أمامه من طريق سوى طريق السلطان. فقال الشيخ لنفسه: كيف أقطع الطريق حمار هزيل وأمامي جيش عظيم؟ ومع أنه كان يخشى رؤية السلطان إلا أنه اضطر أن يسير صوبه.
أخيرا قاد حماره النحيل حتى قرب من السلطان، وما أن رآه حتى اعتراه الخجل، إذ رأى تحت الخيمة وجهاً يعرفه، فوقف في ذلة وضراعة وقال: إلهي، لمن أشرح حالي وقد جعلت من السلطان محمود حمّالي؟
فقال السلطان: أيها الشيخ المهموم، ما قصتك؟ أسردها أمامي.
قال: أنت تعلمها، فدع هذه المواربة، ولا تبدو كأنك أعجمي وكفّ عن المداعبة. إنني شيخ فقير أعمل حطاباً، أقضي نهاري وليلي في الصحارى أجمع الأشواك والحطب، فأبيع الحطب وأشتري الخبز القفار: ألا تستطيع أن تكفل لي الرزق؟
قال السلطان: أيها الشيخ الكسير، ما ثمن حطبك لأنقدك إياه ذهباً؟
فقال: ايها السلطان لا تشتري مني بثمن بخس، فلن أبيعه رخيصاً، فاعطِني غرارة مليئة بالذهب.
فنهره الجند: اصمت أيها الأحمق! إن هذا (الحمل) يساوي حبتي شعير (من الذهب) فبعه بأتفه ثمن.
فقال الشيخ: إنه يساوي حبتي شعير، ولكن الثمن يختلف لعظم المشتري. فحينما وضع السلطان يده على حطبي أحال أشواكي إلى مائة روضة، فمن يرد شراء هذه الأشواك فليشترِ اقل شوكة منها بدينار. لقد شاكني اليوم بالعديد من إبره حتى جاء الملك بعظَمَتِه ووضع يده على شوكي، ومع أن هذه الأشواك بخسة الثمن، ولكن بفضل يده فهي تساوي مائة روح.

لا تعيب مرتكب الذنوب
قال الحق تعالي: لقد استغاث قارون متلهفاً، حيث قال:”إن لك يا موسى سبعين حملا”، فأجابه موسى: ” لن تعطى حملاً واحداً إلا إذا خاطبتني لحظة بذِلّة”.
كل من يعيب مرتكبي الذنوب والمعصية
يجعل نفسه في مقدمة خيل الجبابرة
فاستأصِلت شأفة الشك من روحه، وخلعت على صدره خلعة الدين، أما أنت يا موسى فقد أهلكته بالعديد من الآلام، وجعلته ذليلاً، ووضعت رأسه في التراب فلو كنت خالقه لاستمرأت تعذيبه.
إن من يرحم عديمي الرحمة يجعل أهل الرحمة أولياء نعمته، فبحار فضله لا تنضب، وهو من يصفح عن المسيء إذا أبدى الندم والتوبة، وكل من يملك هذا العفو والصفح كيف يتغيّر من ارتكاب معصية؟ وكل من يعيب مرتكبي الذنوب والمعصية يجعل نفسه في مقدمة خيل الجبابرة.

أبو يزيد في الصحراء
أبو يزيد في الصحراء

العاشق الذي خسر رأسه
كان في مصر حاكم شهير فأغرم بهذا الحاكم رجل فقير، وما أن وصل خبر عشقه إلى الحاكم حتى استدعى العاشق الهائم، وقال له: إذا كنت قد أصبحت عاشقاً للسلطان فعليك الاختيار بين أمرين: إما أن تغادر هذه البلدة وهذا الإقليم، وإما أن تتخلى عن رأسك فداء لعشقي. هذا هو أمري الواضح وقد أبلغتك إياه بإيجاز: إما قطع الرأس وإما الرحيل!
لم يكن ذاك الرجل خليقاً بالأعمال، لذا اختار الرحيل عن الديار، وما أن همَّ ذلك الفقير بالذهاب متخلياً عن عشقه حتى قال السلطان: اقطعوا رأسه عن جسده.
فقال الحاجب: إنه لم يرتكب أي جريرة، فلمَ يأمر السلطان بقطع رأسه؟
فقال السلطان: «إنه ليس بعاشق، إذا لم يكن صادقاً معي في طريق العشق، فإذا كان يتصرف كالرجال، لاختار قطع الرأس في هذا المجال.
كل من كانت رأسه أعز لديه من الحبيب، فإن مزاولة العشق بالنسبة له أكبر ذنب. وإذا كان اختار قطع الرأس لأصبح أميراً في تلك المملكة ولصار ملك العالم تابعه، ولبادرت أنت إلى خدمته، ولكن لما كان مدعياً في عشقه فقد كان قطع الرأس علاجه، وكل من يتشدق بعشقي فهو مدعٍ وغاية في النفاق، وقد أمرت بذلك حتى يقلل كل مدّعٍ في عشقنا من التفاخر كذباً بذلك العشق».

” للمليك طريق صوب كل قلب
ولكن لا طريق للقلب الضال صوبه  “

مالك بن دينار
قال ذلك العزيز لمالك بن دينار: إنني لا أدرك حالي فهل أنت كذلك؟ إنني أطعم الخبز على خوان الحق ثم أنفذ جميع أوامر الشيطان.
قال مالك بن دينار: أيها البرّ الكريم، لقد صاد الشيطان الكثيرين مثلك، كما انتزعك الشيطان من الطريق، فعدِمْت الحول ولم يبقَ لك من الإسلام إلا القول. وقد أصبحت أسير الدنيا الدنيّة، وعلا الغبار مفرقك وكأنك جيفة، ربما أردت نصيحتك بالقول: تخلَّ عن الدنيا، إلا أنني في هذا الزمان أقول لك، إحرص عليها، لقد أسلمتها كل حظ كان لك، فكيف تستطيع التخلي عنها بسهولة من يدك؟
يا من غرق في بحر الطمع مما به من غفلة، إنك لا تعلم من أجل أي شيء تستمر في الوجود. لقد لبس العالمان رداء المأتم، وهما يذرفان الدمع، وأنت ما زلت تتردى في معصيتك. لقد سلب حب الدنيا ذوق إيمانك، كما سلب الطمع في هذا الشيء وذاك روحك.
ما الدنيا إلا وكر للحرص والطمع، وقد صدق الحق تعالى إذ أسماها «الفانية»؟ وكل من يصيبه الضياع في ذرة من هذه الفانية متى يستطيع أن يكون خليقاً بالرجولة؟
ما عمل الدنيا إلا بطالة، وما البطالة إلا أسر الجميع، وما الدنيا إلا نار موقدة، تحرق العديد من الخلق في كل لحظة، وعندما يزداد لهيب هذه النار فمهما كان الرجل شجاعاً فإنه يولي منها الإدبار. وكل من عبد النار كالفراشة فجدير بذلك المغرور الثمل أن يحترق فيها، وهذه النار تحيط بك من كل جهة، وستحرق بها في أي لحظة، فتبصر حتى تعرف أين مكانك وحتى لا تحرق هذه النار روحك.

 

“لا تسلك هذا البحر بالتخبط والعمى
بل لا بدّ لك من شيخ في المسير”

دعاء المغرور
قال أحد السادة وقت الصلاة: إلهي، امنحني التوفيق والرحمة. فسمع والِهٌ هذا القول منه وقال: إنك تأمل في الرحمة على عجل منه، إن الدنيا لا تتسع لك من فرط دلالك، لقد شيّدت قصراً يناطح الفلك، وزينّت جدرانه الأربعة بالذهب واتخذت عشرة غلمان وعشر جوارٍ، فكيف تكون الرحمة بين هذه الحجب الكثيفة؟ لكن انتبه، فعلى الرغم من كل هذه الأعمال فلك حق في طلب الرحمة، لكن ليتملكك الخجل، وإذا كان نصيبك مثلي رغيفاً واحداً فلك حق في طلب الرحمة، وإن لم تحوّل وجهك عن الملك والمال فلن تبقى لك زفرة واحدة بأي حال. فأشح بوجهك هذه الساعة عن الكل، حتى تفرغ كالرجال من الكل!

توبة الإحتضار
قال رجل متدين: إن جماعة من السفلة قد حولوا وجه أحدهم أثناء احتضاره إلى القبلة. قبل ذلك كان يجب أن يحول ذلك الجاهل وجهه إلى القبلة على الدوام. فما جدوى أن تزرع الغصن في الخريف؟ وكذلك ما جدوى أن يُحوَّل الوجه الآن إلى القبلة؟ لأن من يُحوَّل وجهه في تلك الساعة فحسب يمت جنباً فلا تبحث له عن سبيل للطهر.

بلاء الذهب
ملك أحد المريدين الجدد قليلاً من الذهب، وكان يخفي عن شيخه هذا الذهب، لكن الشيخ كان يعرف ذلك، ولم يقل شيئاً طالما ظل الذهب في الخفاء. ثم ذهب المريد وشيخ الطريق معاً في سفر. فبدا واديهما أمامهما جد مظلم، ثم وضح في ذلك الوادي طريقان. فتملك الخوف من يملك الذهب حيث جعله المعدن الثمين يبدو كذليل مضطرب، فسأل الشيخ: لم وضع أمامنا طريقان؟ وأي طريق نسلك في هذا المكان؟
فقال الشيخ: تخلّ عن كل معلوم لديك، لأنه خطأ؟ وأي طريق تسلكه بعد ذلك فهو مقبول جائز. فإذا قُدِر لإنسان أن يعادي الفضة فسرعان ما سيفِرّ الشيطان خوفاً منه، ولكي تتبين ما لخردلة من الذهب الحرام يوم الحساب يلزمك أن تكون دقيقاً دقة من يقِدّ الشعرة. لقد عدت ثانية إلى الدين كحمار أعرج، ووضعت يدك تحت الأحجار بلا جدوى، وإن تقبل على السرقة فأنت شيطان، وإن تقبل على الدين فأنت سلطان. وكل من قطع الذهب الطريق عليه ضاع في الطريق.

مكاره الطريق كنــز
كان يوجد ملك حسن الطوية، وقد أنعم ذات يوم على غلام بفاكهة. فكان الغلام يأكل فاكهته بنهم ويقول: لم آكل ما هو أفضل منها وألذ طعماً. ولفرط ما وصف الغلام ما كان يأكله بأحسن الأوصاف فقد تولّدت لدى الملك رغبة في تناولها. قال الملك: أيها الغلام أعطِني نصفها. فما أطيب ما تأكله من طعام.
أعطى الغلام الفاكهة للملك، وعندما تذوقها ذلك الملك وجدها مرة المذاق، فقطب الجبين وقال: إن ما فعلته لا يُتصَوَّر حدوثه مطلقاً. كيف يصبح هذا الشيء المرّ حلواً فيؤكل؟
قال الغلام: «يا ملك الملوك، لقد أتحفتني بآلاف التحف من يدك. فإذا كانت الفاكهة جاءتني من يدك مرّة فلا أستطيع ردّها إليك. إن كنت تنعم عليّ بالكنوز في كل لحظة فكيف يصيبني شيء واحد مرّ منك بأي غصّة؟ وإن كنت أعيش في كنفك فكيف أشعر بالمرارة من يدك؟
إن أصابَتْك مكاره كثيرة في طريقه فاعلم يقيناً بأن ذلك كنز وكفى! وأَمرُهُ نافذ من البداية إلى النهاية، فماذا أنت صانع إذا نَفَذ أمره؟ ومنذ أن عزم المحنكون على المسير فإنهم لم يطعموا لقمة دون غصّة أو ألم. وكلما جلسوا ليطعموا خبزاً أو ملحاً فما كسروا خبز قفار بلا حزن أو ألم.

حرمة السلطان
أنعم أحد الملوك بخلعة على أحد غلمانه، فخرج الغلام بالخلعة إلى الطريق، واستقر غبار الطريق على وجهه، فأسرع بإزالته بكم خلعته.
فقال أحد الوشاة للملك: أيها السلطان، لقد نظف الغلام غبار الطريق بخلعتك.
استنكر الملك منه تلك القحة، وفي الحال علّق ذلك المضطرب على المقصلة.
ألا تعلم أن من لا حرمة له في بساط السلطان لا قيمة له.

إبراهيم بن أدهم
كان هناك رجل غائب عن نفسه، وكان دائم الشكوى من فقره. فقال له ابراهيم بن أدهم: أي بني، لعلك اشتريت فقرك بثمن بخس! فقال الرجل: إن هذا لقول هزل، فهل يشتري إنسان الفقر؟ لتلزم حد الخجل.
قال إبراهيم بن أدهم: إنني أقبلت على الفقر ذات مرة بالروح، ثم اشتريته بعد ذلك بملك العالم، والآن أشتري منه لحظة واحدة بمائة من العوالم. وبهذا الثمن أقيِّم أي لحظة منه الآن. فما أن وجدت متعة الدنيا رخيصة حتى ودّعت السلطنة كليّة، فلا جرم أنني أدركت قدر الفقر، أما أنت فلا. ولذا ألهج في شكرِه أما أنت فلا.
جازف أهل الهمة بالروح والجسد، وقضوا سنوات عديدة في حرقة ونكد، وأصبح طائر همتهم للحضرة قرينا. وطرحوا عنهم الدنيا والدين، وإن لم تكن خليقاً بهذه الهمّة، فابتعد أيها الكسول، فلست ولياً للنعمة.

“كل من يعيب مرتكبي الذنوب والمعصية
يجعل نفسه في مقدمة خيل الجبابرة”

لماذا يبكي ملك الهنود
كان للهنود ملك مسن وقع أسيراً في يد جند محمود (السلطان محمود الغزنوي)، وما أن حمله الجند إلى السلطان حتى سارع ذلك الملك بقبول الإسلام، ثم حصل كل أسباب المعرفة، كما تحرر من جميع العالمين. بعد ذلك جلس وحيداً في الخيمة، وتخلّى عن قلبه، واستقر في محراب المحبة، حيث كان يقضي ليله ونهاره في بكاء وعويل، وكان نهاره أسوأ من ليله، وليله أسوأ من نهاره. وما أن زاد عويله ونحيبه حتى أُخبر محمود بأمره، فاستدعاه السلطان للمثول أمامه ثم خاطبه بالقول:
يمكنني أن أمنحك مائة مملكة اكثر مما كان لك، وأنت ما زلت ملكاً، فلا تنعِ حالك بسبب هذا الأمر، ولا تنخرط في البكاء أكثر مما أنت فيه!
قال ملك الهند: أيها السلطان العظيم، إني لا أبكي من أجل الملك والجاه، ولكنني أبكي خشية أن يسألني الله عز وجلّ يوم القيامة سؤالاً فيقول: أيها الجاهل سيئ العهد عديم الوفاء ، لماذا زرعت مع من مثلي بذور الجفاء؟ إذا لم يأتِك محمود بعالم غاصٌ بالفرسان والجنود ما تذكرتني، فكيف كان هذا؟ إن هذا بعيد عن الوفاء. لذا أوجبت تحرك الجيش من أجلك ومن أجل الآخرين، ومن دون هذا الجيش ما جاءتك منى تذكرة، فهل أدعوك صديقاً أم عدواً، وإلى متى يكون الوفاء مني ومنك الجفاء؟ فهذا الصنيع منك لا يجمل في الوفاء.
إن يأتي هذا الخطاب من الحق تعالى فكيف أجيب على ما بدر مني من عدم الوفاء؟ وكيف أواجه هذا الخجل وذلك الاضطراب؟ ولهذا يبكي الشيخ أيها الشاب، فاسمع كل حرف يقال عن الإنصاف والوفاء، واسمع جيداً لما يلقى في محيط الدرس، وإذا كنت وفياً فاعزم على سلوك الطريق، وإلا فارضَ بالقعود، وكفَّ يدك عن هذا الطريق، وكل من يخرج عن حيِّز الوفاء لا يليق بباب المروءة.

الغازي والكافر
طلب أحد الغزاة مهلة من كافر ذي همة، طلب مهلة ليؤدي صلاة، وما أن وافق الكافر حتى أدى الغازي الصلاة، ثم عادت الحرب بين الرجلين إلى مجراها. وكانت للكافر صلاته كذلك، فطلب مهلة هو الآخر، وانسحب من المجابهة، واختار الكافر ركناً أطهر، ثم وضع رأسه على التراب أمام الصنم. وما أن رآه الغازي واضعاً رأسه على الأرض، حتى قال: لقد واتتني الفرصة في ذلك الوقت، فأراد أن يضربه بسيفه، فجاءه هاتف من السماء صائحاً:
يا من تتسم بسوء العهد، عليك بالتمسك بالوفاء والعهد، إنه لم يضربك بالسيف وقد أعطاك المهلة أولاً، فإن تضربه بالسيف فكم تكون جاهلاً! فيا من لم تقرأ «وأوفوا بالعهود» لقد أصبحت خائناً للعهد، إذا كان الكافر قد أحسن صنعاً قبل هذا، فلا تكن عديم المروءة أكثر من هذا. لقد فعل الخير وأنت تفعل السوء، فافعل مع الخلق ما تريده لنفسك. كان لك الوفاء والأمن من الكافر، فأين وفاؤك إذا كنت مؤمناً؟ فيا أيها المسلم لقد جئت بعيداً عن التسليم، حيث كنت أقل وفاء من الكافر.
تحرك الغازي من مكانه بعد سماع هذا الحديث، وقد تملكه الخجل وأصبح يتصبب عرقاً من الرأس إلى القدمين. وما أن رآه الكافر منتحباً هكذا حتى وقف حائراً والسيف في يده، وقال لماذا تبكي؟ فلتقل حقيقة ما حدث؟
قال الغازي: لقد عوتبت في هذه اللحظة بسببك، ووصفت بعدم الوفاء من أجلك، لذا فأنا حائر هكذا بسبب قهرك.
ما إن سمع الكافر هذا القول الصريح، حتى أطلق صيحة عالية واسترسل في البكاء وقال: أهكذا يعاتب الله الجبار محبوبه من أجل عدوٍّه البغيض؟ فإن يعاتب هكذا في الوفاء فماذا أصنع يوم الحساب، وقد عدمت الوفاء؟ لتعرض عليّ الإسلام حتى أسارع بالدخول فيه، وأحرق الشرك، وأتبع شريعة اليقين، واأسفاه أن كُبِّل قلبي، وأصبحت عديم المعرفة بربي إلى هذا الحد.

كيف يموت من قلبه متعلق بالله
كان أحد العاشقين يبكي ساعة موته، فسئل: لِم هذا البكاء؟
قال: إنني ابكي بكاء سحابة الربيع، إذ يجب الإحساس بالألم في هذه اللحظة كما يجوز لي النواح الآن، إذ كيف يموت قلبي وهو متعلق به؟
قال أحد جلسائه: إذا كان قلبك متعلقاً به، فإن تمت، كان الموت فضلاً وخيراً.
فقال العاشق: كيف يموت كل من تعلق قلبه بالله؟ وكيف يكون الموت من نصيبه؟ وإذا كان قلبي في وصال دائم معه فإن موتي يكون غاية في المحال.
إذا سررت بهذا السر لحظة، فليس لهذا الكنز مثيل في هذه الحياة. كل من تَملَّكه السرور من وجوده، انمحى من الوجود وتحرر منه، لذا فليتملكك السرور من حبيبك على الدوام، حتى لا تتساوى مع الطين في داخلك.

غشاوة العشق
كان هناك رجل شجاع القلب شديد البأس عشق امرأة طوال خمس سنوات، وكانت على عين تلك المرأة الفاتنة الشبيهة بالصنم غشاوة بيضاء، ومع أن الرجل كان يكثر النظر إليها، إلا أنه لم يرَ تلك الغشاوة على عينها، إذ كيف يتأتى للعاشق، إذا كان ولهاً في عشقه، أن يدرك عيب معشوقه؟
وبعد فترة، أصاب الرجل في عشقه الفتور، ووجد الدواء، وضعف عشق تلك المرأة في قلبه، وهان أمرها على نفسه، عندها بان للرجل عيب عين المعشوقة، قال لها: متى أصابتك هذه الغشاوة؟
قالت له: في تلك الساعة التي قل فيها عشقك، أصاب العيب عيني في التو والحال، وما أن أصاب النقصان عشقك، حتى بدا العيب في عيني، ولقد فعلت ذلك لَمَّا سيطر على قلبك الاضطراب، فلتنظر إلى عيب واحد لك يا أعمى القلب!
ما أكثر ما بحثتَ عن عيوب الآخرين، فلتبحث ذات مرة عن عيوبك أولا، وما دام عيبك عليك ثقيلاً، فليس لك أن تهتم بعيوب الآخرين.

خطاب إلى داود النبي
وجه خالق الآفاق من فوق الحجاب إلى داود النبي هذا الخطاب، قال: كل شيء في هذه الدنيا، سواء كان حسناً أم قبيحاً أو كان ظاهراً أو باطناً، له عِوض إلا أنا. فلن تجد لي عِوضاً ولا قريناً. ولما كنتُ بلا عِوض فلا تكن من دوني، ويكفيني روحك، فكن روحاً ولا تكن جسداً، وأنت أيها الأسير لا غنى لك عني مطلقاً، فلا تكن غافلاً عن من هو واجب الوجود، ولا تطالب بالبقاء لروحك ولو للحظة من دوني، وكل ما يعرض أمامك غيري، لا تطلبه.
يا من أقبلت طالباً الدنيا، ستظل مشغولاً بآلام هذا العمل ليلاً ونهاراً، أنه مقصودك في كلا العالمين، كما أنه معبودك من قبل الإمتحان. واجبك أن تبيع الدنيا الفانية، لا أن تبيعه مقابل أي شيء في هذه الفانية، وصنمٌ كلُّ ما تفضله عليه، وكافر أنت إن تفضل الروح عليه.

ولياً للنعمة.
لماذا يبكي ملك الهنود
كان للهنود ملك مسن وقع أسيراً في يد جند محمود (السلطان محمود الغزنوي)، وما أن حمله الجند إلى السلطان حتى سارع ذلك الملك بقبول الإسلام، ثم حصل كل أسباب المعرفة، كما تحرر من جميع العالمين. بعد ذلك جلس وحيداً في الخيمة، وتخلّى عن قلبه، واستقر في محراب المحبة، حيث كان يقضي ليله ونهاره في بكاء وعويل، وكان نهاره أسوأ من ليله، وليله أسوأ من نهاره. وما أن زاد عويله ونحيبه حتى أُخبر محمود بأمره، فاستدعاه السلطان للمثول أمامه ثم خاطبه بالقول:
يمكنني أن أمنحك مائة مملكة اكثر مما كان لك، وأنت ما زلت ملكاً، فلا تنعِ حالك بسبب هذا الأمر، ولا تنخرط في البكاء أكثر مما أنت فيه!
قال ملك الهند: أيها السلطان العظيم، إني لا أبكي من أجل الملك والجاه، ولكنني أبكي خشية أن يسألني الله عز وجلّ يوم القيامة سؤالاً فيقول: أيها الجاهل سيئ العهد عديم الوفاء ، لماذا زرعت مع من مثلي بذور الجفاء؟ إذا لم يأتِك محمود بعالم غاصٌ بالفرسان والجنود ما تذكرتني، فكيف كان هذا؟ إن هذا بعيد عن الوفاء. لذا أوجبت تحرك الجيش من أجلك ومن أجل الآخرين، ومن دون هذا الجيش ما جاءتك منى تذكرة، فهل أدعوك صديقاً أم عدواً، وإلى متى يكون الوفاء مني ومنك الجفاء؟ فهذا الصنيع منك لا يجمل في الوفاء.
إن يأتي هذا الخطاب من الحق تعالى فكيف أجيب على ما بدر مني من عدم الوفاء؟ وكيف أواجه هذا الخجل وذلك الاضطراب؟ ولهذا يبكي الشيخ أيها الشاب، فاسمع كل حرف يقال عن الإنصاف والوفاء، واسمع جيداً لما يلقى في محيط الدرس، وإذا كنت وفياً فاعزم على سلوك الطريق، وإلا فارضَ بالقعود، وكفَّ يدك عن هذا الطريق، وكل من يخرج عن حيِّز الوفاء لا يليق بباب المروءة.

الغازي والكافر
طلب أحد الغزاة مهلة من كافر ذي همة، طلب مهلة ليؤدي صلاة، وما أن وافق الكافر حتى أدى الغازي الصلاة، ثم عادت الحرب بين الرجلين إلى مجراها. وكانت للكافر صلاته كذلك، فطلب مهلة هو الآخر، وانسحب من المجابهة، واختار الكافر ركناً أطهر، ثم وضع رأسه على التراب أمام الصنم. وما أن رآه الغازي واضعاً رأسه على الأرض، حتى قال: لقد واتتني الفرصة في ذلك الوقت، فأراد أن يضربه بسيفه، فجاءه هاتف من السماء صائحاً:
يا من تتسم بسوء العهد، عليك بالتمسك بالوفاء والعهد، إنه لم يضربك بالسيف وقد أعطاك المهلة أولاً، فإن تضربه بالسيف فكم تكون جاهلاً! فيا من لم تقرأ «وأوفوا بالعهود» لقد أصبحت خائناً للعهد، إذا كان الكافر قد أحسن صنعاً قبل هذا، فلا تكن عديم المروءة أكثر من هذا. لقد فعل الخير وأنت تفعل السوء، فافعل مع الخلق ما تريده لنفسك. كان لك الوفاء والأمن من الكافر، فأين وفاؤك إذا كنت مؤمناً؟ فيا أيها المسلم لقد جئت بعيداً عن التسليم، حيث كنت أقل وفاء من الكافر.
تحرك الغازي من مكانه بعد سماع هذا الحديث، وقد تملكه الخجل وأصبح يتصبب عرقاً من الرأس إلى القدمين. وما أن رآه الكافر منتحباً هكذا حتى وقف حائراً والسيف في يده، وقال لماذا تبكي؟ فلتقل حقيقة ما حدث؟
قال الغازي: لقد عوتبت في هذه اللحظة بسببك، ووصفت بعدم الوفاء من أجلك، لذا فأنا حائر هكذا بسبب قهرك.
ما إن سمع الكافر هذا القول الصريح، حتى أطلق صيحة عالية واسترسل في البكاء وقال: أهكذا يعاتب الله الجبار محبوبه من أجل عدوٍّه البغيض؟ فإن يعاتب هكذا في الوفاء فماذا أصنع يوم الحساب، وقد عدمت الوفاء؟ لتعرض عليّ الإسلام حتى أسارع بالدخول فيه، وأحرق الشرك، وأتبع شريعة اليقين، واأسفاه أن كُبِّل قلبي، وأصبحت عديم المعرفة بربي إلى هذا الحد.

كيف يموت من قلبه متعلق بالله
كان أحد العاشقين يبكي ساعة موته، فسئل: لِم هذا البكاء؟
قال: إنني ابكي بكاء سحابة الربيع، إذ يجب الإحساس بالألم في هذه اللحظة كما يجوز لي النواح الآن، إذ كيف يموت قلبي وهو متعلق به؟
قال أحد جلسائه: إذا كان قلبك متعلقاً به، فإن تمت، كان الموت فضلاً وخيراً.
فقال العاشق: كيف يموت كل من تعلق قلبه بالله؟ وكيف يكون الموت من نصيبه؟ وإذا كان قلبي في وصال دائم معه فإن موتي يكون غاية في المحال.
إذا سررت بهذا السر لحظة، فليس لهذا الكنز مثيل في هذه الحياة. كل من تَملَّكه السرور من وجوده، انمحى من الوجود وتحرر منه، لذا فليتملكك السرور من حبيبك على الدوام، حتى لا تتساوى مع الطين في داخلك.

غشاوة العشق
كان هناك رجل شجاع القلب شديد البأس عشق امرأة طوال خمس سنوات، وكانت على عين تلك المرأة الفاتنة الشبيهة بالصنم غشاوة بيضاء، ومع أن الرجل كان يكثر النظر إليها، إلا أنه لم يرَ تلك الغشاوة على عينها، إذ كيف يتأتى للعاشق، إذا كان ولهاً في عشقه، أن يدرك عيب معشوقه؟
وبعد فترة، أصاب الرجل في عشقه الفتور، ووجد الدواء، وضعف عشق تلك المرأة في قلبه، وهان أمرها على نفسه، عندها بان للرجل عيب عين المعشوقة، قال لها: متى أصابتك هذه الغشاوة؟
قالت له: في تلك الساعة التي قل فيها عشقك، أصاب العيب عيني في التو والحال، وما أن أصاب النقصان عشقك، حتى بدا العيب في عيني، ولقد فعلت ذلك لَمَّا سيطر على قلبك الاضطراب، فلتنظر إلى عيب واحد لك يا أعمى القلب!
ما أكثر ما بحثتَ عن عيوب الآخرين، فلتبحث ذات مرة عن عيوبك أولا، وما دام عيبك عليك ثقيلاً، فليس لك أن تهتم بعيوب الآخرين.

خطاب إلى داود النبي
وجه خالق الآفاق من فوق الحجاب إلى داود النبي هذا الخطاب، قال: كل شيء في هذه الدنيا، سواء كان حسناً أم قبيحاً أو كان ظاهراً أو باطناً، له عِوض إلا أنا. فلن تجد لي عِوضاً ولا قريناً. ولما كنتُ بلا عِوض فلا تكن من دوني، ويكفيني روحك، فكن روحاً ولا تكن جسداً، وأنت أيها الأسير لا غنى لك عني مطلقاً، فلا تكن غافلاً عن من هو واجب الوجود، ولا تطالب بالبقاء لروحك ولو للحظة من دوني، وكل ما يعرض أمامك غيري، لا تطلبه.
يا من أقبلت طالباً الدنيا، ستظل مشغولاً بآلام هذا العمل ليلاً ونهاراً، أنه مقصودك في كلا العالمين، كما أنه معبودك من قبل الإمتحان. واجبك أن تبيع الدنيا الفانية، لا أن تبيعه مقابل أي شيء في هذه الفانية، وصنمٌ كلُّ ما تفضله عليه، وكافر أنت إن تفضل الروح عليه.

“إن كنت تنعم عليّ بالكنوز في كل لحظة
فكيف يصيبني شيء مرّ منك بأي غصّة؟”

ما في قلبي إلا الله
ما في قلبي إلا الله

” لا تقل “أنا” يا من وقعت بسبب الأنانية
في مئات البلايا، حتى لا تصبح مبتلياً بإبليس “

 

عاقبة الغرور
خرج الشيخ أبو بكر النيسابوري مع أصحابه من الخانقاه إلى الطريق، وكان الشيخ يمتطي حماراً، ومن خلفه الأصحاب، وفجأة أصدر الحمار صوتاً مزعجاً، فأصيب الشيخ من ذلك بحالة هياج شديد، وصاح بأعلى صوت، ومزّق الاردية. أما المريدون الذين رأوه على هذه الحال، فلم يتقبلوا منه هذا العمل، ثم وجَّه أحدهم إليه هذا السؤال: أيها الشيخ، لِم فعلت ذلك؟
قال: كثيراً ما تحرزت وتمنعت، ثم سلكت الطريق بمفردي بعيداً عن الأصحاب؟ وقبل أن أكون مريداً، وبعد ذلك، كنت أقول في نفسي : حقاً إنني لست أقل من بايزيد. إنني اليوم أخرج إلى الطريق متبوعاً بالمريدين، وقد بدوت في أبهى زينة، أما في الغد فسأكون بلا قريب، متمتعاً بالسعادة والعز، إذ سأمضي في صحراء الحشر مرفوع الرأس. وفي هذه اللحظة وما أن خطر لي هذا التفكير حتى اتفق أن أصدر الحمار هذا الصوت ويعني ما حدث أن كل من يتشدق بهذه الطريقة، سيجيبه الحمار هكذا على الهواء. وقد اضطرمت النار في روحي حيث كان الوقت وقت حالي، واستغرقت في الحال.
طالما كنت في عُجُبِك وغرورك، فستظل جِدّ بعيد عن الحقيقة، فتخلَّص من عجبك واحرق غرورك، وإذا كان حضورك وليد نفسك، فاحرق حضورك، يا من تتلون بلون مغاير في كل لحظة، إن في داخل كل شعرة منك فرعوناً آخر، وطالما بقيت منك ذرة واحدة، فألوان النفاق العديدة فيك باقية، وإذا كان لك أن تجد الأمن من الأنانية، فلك أن تعادي كلا العالمين، وإن تفنَ نفسك ذات يوم، فستصبح ذا بريق وضياء مهما أظلمت الليالي، فلا تقل «أنا» يا من وقعت بسبب الأنانية في مئات البلايا، حتى لا تصبح بإبليس مبتلياً.

ابقراط في لحظة الموت
عندما كان أبقراط في النزع الأخير، كان معه تلميذه، فقال: أستاذي الكبير، كيف نكفنك ونطهر جسدك؟ وفي أي مكان من الأرض نضمك؟
قال: إن كنت ترغب في العثور عليّ مرة أخرى، فادفني في أي مكان ترغب. ولكني عشت عمراً مديداً، ولم أجد نفسي، فكيف تجدني أنت بعد موتي؟ فإذا رحلت، فهذا وقت الفناء، حيث لن تعرف شعرة واحدة من شعر رأسي أي خبر عني!

كن عبداً ذا حرمة
قال الخرقاني ساعة خروج الروح إلى الشفة في نزعها الأخير: يا للعجب، ليتهم شقوا روحي وفتحوا قلبي المشبوب، ثم أطلعوا العالم على قلبي، وشرحوا سبب اضطرابي، حتى يعلموا أن عبادة الصنم لا تليق مع معرفة السر، فلا تكن معوجّ السير.
هكذا تكون العبودية، وغيرها جنون، فالعبودية تعني التخلي عن الكلّ، يا عديم المروءة، فإن كنت نازعاً إلى الألوهية لا إلى العبودية، فكيف تكون لله خاضعاً؟ فتخلَّ عن نفسك وكن عبداً، بل كن عبداً متخلياً عن الكلّ، وعش هكذا. فإذا أصبحت عبداً، فكن ذا حرمة، بل وكن ذا همة في طريق الحرمة، فإن يتقدم أي عبد لسلوك الطريق بلا حرمة، فسرعان ما يبعده السلطان عن بساطه، ولقد أصبح الحرم حراماً على من لا حرمة له، فإن تتصف بالحرمة فهذه هي النعمة التامة.

أميرة في مسيرة الجهاد

“الست مي”
علامة فارقة سياسيّاً وإجتماعيّاً وعائليّاً

انتقدت بشدة “مذهبة” الأحزاب والصراعات السياسية
وأسفت لإنزلاق العرب بإتجاه الإستهانة بكرامة الإنسان

وقفت إلى جانب نجلها وليد في أصعب المراحل السياسيّة والأزمات
ولم تبخل بالنصح وإبداء الرأي بمواقفه السياسيّة سلباً أو إيجاباً

إلتقت مع المعلم كمال جنبلاط في مسيرته الفكريّة
المرتكزة على الحريّة والديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة

إبتعدت عن الأضواء لتقترب أكثر من الناس وهمومهم
واهتمت كثيراً بالوضع الاقتصادي للمرأة وبتطورها

صعبة هي الكتابة عن سيدة دار المختارة التي تركت أثراً كبيراً في ثناياها، كما في ثنايا الحياة الوطنيّة اللبنانيّة. وصعبة هي الكتابة عن أميرةٍ ناضلت طوال عقودٍ في سبيل الحداثة وتحرر المرأة وخروجها من القيود المصطنعة والموروثات القديمة التي عطلت مسيرة تقدمها وإشتراكها بدور مكتمل العناصر في المجتمع.
مي أرسلان جنبلاط كانت علامة فارقة سياسيّاً وإجتماعيّاً وعائليّاً. كانت بعيدة عن الضوضاء والأضواء، إلا أنها كانت في صميم الأحداث السياسيّة لا سيّما أثناء الحقبات السوداء في الحرب الأهليّة القاسية، تقدّم النصح والمشورة لنجلها الأستاذ وليد جنبلاط في المنعطفات المفصليّة ومحطات التحوّل السياسي الكبير.
أن تكون سيدة كريمة أمير البيان شكيب أرسلان وقرينة المعلم كمال جنبلاط ووالدة الأستاذ وليد جنبلاط، فهي ثلاثيّة إستثنائيّة. وبقدر ما أتاحت هذه الثلاثيّة للراحلة أن تكون في قلب الحدث، كما أتاحت لها أن تكون مشاركة ولو عن بعد في صنعه في الكثير من الأحيان، بقدر ما فرضت عليها مصاعب وتحديات وصعوبات.
إمتلكت رؤية سياسيّة واضحة وثاقبة. رفضت الاعتراف بإسرائيل، وقالت حرفيّاً: “يستحيل أن أعترف بإسرائيل مطلقاً”. تمسكها بالقضيّة الفلسطينيّة كان واضحاً، وموقفها من عروبة لبنان لا تراجع عنه. ومع إدراكها إستحالة سلخ لبنان عن محيطه العربي، إلا أنها لم تخفِ قلقها يوماً من تراجع الحريات، لا بل إنعدامها، في الكثير من البلدان العربيّة، مع ما يعنيه ذلك من إنعكاساتٍ سلبيّة على لبنان الذي دفع دائماً، من وجهة نظرها، أثمان الصراعات الدوليّة والاقليميّة التي كانت من مصلحتها إستدامة الصراع فيه.
وملفتٌ جداً ذاك الموقف الشهير الذي إتخذته السيّدة مي أرسلان جنبلاط في مقابلة مع فرنسواز كولين في سنة 1988 عندما قالت: “العالم العربي في حالة تراجع تدريجي”، مشيرةً إلى ظاهرة تراجع التيارات الليبراليّة لصالح التيارات الظلاميّة، ومعتبرة أن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى أن يغيّر العالم العربي ويعيده إلى القرون الوسطى ما لم يتم تدارك ذلك. وفعلاً، لم يتم تدارك ذلك، وهذا ما نشهده اليوم من صراع مذهبي وطائفي متنقل بين الدول العربيّة ترافقه ثقافة التفجيرات الانتحاريّة التي لا تصبّ إلا في خدمة إسرائيل.
هي إبنة الأمير شكيب أرسلان، أحد أبرز المفكرين المتنورين الذين تتلمذوا على يدّ الامام محمد عبده، وعاصروا جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي وكبار المفكرين والكتّاب العرب والمسلمين الذين رسموا بأقلامهم معالم النهضة العربيّة، بالاضافة إلى معاصرته لأعلام السياسة في تلك الحقبة من أمثال الحاج أمين الحسيني ورياض الصلح والحبيب بو رقيبة وسواهم. كان صديقاً للملك فيصل الأول وعضواً في وفد السلام بين المملكة العربيّة السعوديّة واليمن، واجه الاستعمار بكل أشكاله ورفض قيام وطن قومي صهيوني في فلسطين، كما كان عضو شرف في المجمع العلمي العربي في دمشق ونائباً عن حوران في مجلس المبعوثين العثماني، لقب بأنه “كاتب الشرق الأكبر”.
هذه هي الخلفيّة الفكريّة والعائليّة التي ترعرعت فيها مي أرسلان جنبلاط ما جعلها تتمسك بعروبة لبنان من حيث الارتباط الحتمي للعوامل التاريخيّة والجغرافيّة والسياسيّة والقوميّة، وأدركت أهميّة ذاك الترابط العضوي الذي جعل لبنان يتفاعل مع محيطه الاقليمي والعربي ويتأثر بموجاته السياسيّة المتلاطمة.

مع المعلم كمال جنبلاط
مع المعلم كمال جنبلاط

وكانت رؤيتها أيضاً ثاقبة في المقابلة الفرنسيّة إيّاها، عندما قالت إن الحروب تستخدم الدين كسلاح فعّال وقوي لتنمية وتغذية الصراعات المذهبيّة، وهو ما لم يكن قائماً في السابق. وكأنها بذلك تشير إلى تبدّل شكل الصراع في المنطقة العربيّة مبدية إمتعاضها الشديد مما وصفته بمذهبة الأحزاب والقوى السياسيّة للصراع، ما يجعله يأخذ أبعاداً دمويّة وقاسية.
هذا الموقف الرؤيوي أعلنته مي أرسلان جنبلاط سنة 1988، وقبيل رحيلها، قالت لنجلها الوحيد، وليد جنبلاط، إن “هذا العالم العربي والاسلامي بات مليئاً بالمجرمين والقتلة!”، ما عكس إشمئزازها من دمويّة المشهد في كل البلدان العربيّة التي شهدت تحولات غير مسبوقة ولّدتها الديكتاتوريّات التي لطالما إنتقدتها الراحلة بفعل قمع الحريّات وتفريغ المجتمعات السياسيّة من النخب الليبراليّة والديمقراطيّة بصورة منهجيّة.

مي-أثناء-سكنها-مع-والدها-الأمير-شكيب-في-جنيف
مي-أثناء-سكنها-مع-والدها-الأمير-شكيب-في-جنيف

تمسُك السيدة جنبلاط بالحريّة كان غير قابل للمساومة أو التجزئة. وحرية المرأة بالنسبة إليها أيضاً كانت ركناً من أركان ثقافتها السياسيّة والفكريّة. رأت أن الحريّة هي بمثابة فعل إيمان داخلي، تتطلب قناعةً داخليّةً حاسمةً، وأن على المرأة أن تمتلك أولاً حريّة التفكير. وشغلت مسألة الحريّة الاقتصاديّة للمرأة جانباً واسعاً من إهتمامها، إذ إعتبرت أن العوائق الاقتصاديّة للأسر يجب ألا تقف في طريق حريّة الأفراد ومن ضمنها المرأة التي دعتها لتكسير القيود التي قد يفرضها الخضوع لصاحب القرار الاقتصادي.
هذا النمط الفكري التحرري الذي تميّزت به مي أرسلان جنبلاط هو ما يفسّر شغفها السابق في أن تكون صحافيّة، مبررة رغبتها العارمة في خوض غمار هذا الخيار بأن فيه الكثير من الحريّة مرتبطة بشيء من الخطر على حد سواء. وهذا يعكس شخصيّتها الفذة والقويّة وإرادتها بأن تشجع الآخرين على ممارسة الحريّة، حتى لو جانبت شيئاً من الخطورة. وفي معرض تمسكها العميق بالحريّة، عبّرت عن خوفها من الواقع العربي الأليم واصفة إياه

بأنه بمثابة الخروج من سجن للدخول في آخر، ومنه إلى سجن ثالث

الأمير شكيب أرسلان
الأمير شكيب أرسلان

وبذلك، إلتقت مع المعلم كمال جنبلاط، الذي رفض دخول “السجن العربي الكبير” ودفع حياته ثمناً لتمسكه بمبادئه ورفضاً للإستسلام لتلك التيارات الظلاميّة التي تحدثت عنها “الست مي”. صحيحٌ أن السنوات المشتركة التي جمعت المعلم والست لم تكن مديدة، ولكنهما إلتقيا في مسيرتهما الفكريّة المرتكزة على الحريّة والديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة. كانت تبتعد عن الأضواء لتقترب أكثر من الناس وهمومهم، تشاركهم فيها، وتساعدهم على تخطيها، وتبذل الجهد في كل الاتجاهات لتخفيف الألم عنهم، على طريقتها الخاصة، بهدوء وثبات، بعيداً عن الضوضاء والصخب. بإستقبالها اللبق، ودماثة الخلق، والابتسامة الساحرة، إستقبلت زوار دار المختارة حيث أشعلت ثورات وأطفئت ثورات، وحيث صنع رؤساء وأسقط رؤساء، وحيث تشكلت حكومات وأسقطت حكومات.
بعيد إستشهاد المعلم كمال جنبلاط في السادس عشر من آذار 1977، تلقت “الست مي” إتصالاً من نجلها وليد، طلب منها العودة إلى المختارة التي كانت غادرتها منذ سنواتٍ، وهكذا كان. فكان وقوفها إلى جانبه في أصعب المراحل السياسيّة والعسكريّة له الأثر الكبير في نفسه. لم تبخل عليه بالنصح والمشورة، وحرصت على إبداء رأيها الصريح والواضح بمواقفه السياسيّة سلباً أو إيجاباً.
بقي نجلها الوحيد إلى جانبها طوال فترة مرضها، ذهاباً وإياباً من كليمنصو إلى مستشفى الجامعة الأميركيّة في بيروت، تجمعهما علاقة متميزة، كرساها من خلال سنواتٍ طويلة من المحبة والاحترام. يفهم وليد جنبلاط معنى الأمومة التي جسدتها “الست مي”، وفهمت هي أيضاً معنى البنوّة التي مثلها نجلها وليد.
رحم الله “الست مي”.

الأميرة-مي-أرسلان-جنبلاطa
الأميرة-مي-أرسلان-جنبلاط

ابنة الأمير شكيب أرسلان، وزوجة كمال جنبلاط، ووالدة وليد جنبلاط. ثلاثة أسماء – قامات، اجتمعت لتؤلف كنية سيدة اشتهرت بـ “الست مي”.
لم تشأ هذه الأميرة بالحسن، والثقافة، والذكاء، واللباقة، والأناقة، وبالحضور الخفيف الظل، أن تأخذ مكانها المتقدم في إعلام المجتمع اللبناني، والعربي، والأوروبي.
كأنها كانت ملأى بالمجد الذي جمعته من أطرافه، وهي مُعرضة عنه.
ظلت قانعة بذاتها، وبما تختاره، هي، لملء حياتها، التي ما كانت تتسع لمزاجها الراقي، وذوقها الرفيع، وحسها المرهف النقي.
تلك الأريستوقراطية، المنحنية على كبرياء التواضع، والاحترام، أمام كل ما يدعو إلى الافتخار بالعلم، والإبداع، والتميز، ملكت من الشجاعة ما كان يؤهلها لمواجهة الأخطر من الصعاب وتحمل العواقب.
دخلت الست مي دار المختارة في سنة 1948، متأبطة ذراع كمال جنبلاط، وهو في مطلع صعوده
إلى عتبة الإطلالة على عالم الشهرة بأبعادها الثلاثة: الزعامة، والخُلق، والقضية.
وإلى دار المختارة حملت العروس الست مي إلى عريسها كمال جنبلاط، هدية من تراث والدها، عنوانها: العروبة المنبثقة من الإسلام المُشرق من عصر النهضة على عصر الصراع بين قوى التقدم وجحافل التخلف.
وفي دار المختارة، حيث حار الأهل، والمقربون، في مناداة العروس بلقب الأميرة، أو الست، حسمت هي الأمر ببلاغة، فقالت: لا أميرة بوجود الست نظيرة…
عاشت الست الأميرة النبيلة عمرها ببساطة الغنى، وطمأنينة الرضى.
ويوم رحلت في العاشر من شهر آب 2013 أضافت شمعة إلى زاوية الفراغ المليء بنور شهادات من سبقها، لتستمر دار المختارة عامرة بالحياة والشجاعة وبالشهادة، مع الصبر والرجاء بقيامة الحق.

عزت صافي

الأهرامات سر مغلق

بناء يخاف الدهر منه وكل ما
على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر

ما من زائر أو سائح قصد مصر إلا وكانت بغيته الأولى زيارة الأهرامات قبل سواها، ليقف أمامها مستعظماً ومندهشاً وحتى مستغرباً قائلاً في ذاته: هل هي حقاً من بناء البشر العاديين أم من بناء الجن أو مخلوقات خارقة من خارج الأرض!!
يقول عالم الآثار الفرنسي الشهير “شامبليون”، الذي رافق نابليون في رحلته إلى مصر واكتشف “حجر رشيد”، الذي مهد لفك رموز الكتابة الهيروغلوفية: “إن الأهرامات لم تكن من صنع كائنات بشرية مثلنا، بل من صنع طوائف حاملي الأسرار التي ما خلا منهم زمان ولا مكان، لقد تمكنت هذه الطوائف المتفوقة أن تمتلك تكنولوجيات متقدمة اختفت مع الطوفان أو صينت وحفظت في أحرام خفية في مكان ما من العالم، وهذه الحضارة الخفية ما زالت ترشد المؤمنين وتقوي عزيمتهم وتشرق من عليائها بأنوار اليقين”.
ظهرت عظمة الأهرامات عبر التاريخ في ما تجسده من أحجامها الهائلة، ودقة هندستها، وعجائب ما في جوفها وغموض رموزها، وصمودها وثباتها أمام عواتي الدهر كالزلازل والفيضانات والرياح وأطماع البشر بما في ذلك تخريب الفاتحين وعبث العابثين واللصوص المحترفين ليصح فيها قول الشاعر القديم:
بناءٌ يخاف الدهرُ منه وكل مـا علـى ظاهر الدنيا يخاف من الدهر

قصة باني الأهرام
أجمع العديد من العلماء والمؤخرين الأقدمين أن هرمس الهرامسة هو باني أهرامات الجيزة، من ضواحي مصر، أي القاهرة حالياً، وقد عرف هرمس في اللغة اليونانية بـ”أرميس”، ومعنى أرميس عطارد. وآخرون قالوا إنه اسم سرياني واشتقاقه عن الهرمسة أي علم النجوم. وعُرف عند العرب بالنبي ادريس وأسموه بذلك لكثرة دراسته. وعند العبرانيين عرف بـ “أخنوخ أو أخناتون” التوحيدي، وقد وُلد بمدينة مناف في مصر القديمة، وعندما بلغ الأربعين من عمره أُنزل عليه ثلاثون صحيفة وورث صحف شئت وتابوت آدم. والصابئة الحاليون، وهم فرقة قديمة في التاريخ، لم تزل تقطن منطقة الأهواز في جنوب العراق يزعمون أنهم من أتباعه ومتمسكون بكتب النبي هرمس ويقدسونه ويعبدونه. كذلك تماثلهم فرق باطنية أخرى تقول عن بناء الأهرامات أنها بُنيت لأجل الحفاظ في داخلها على أسرار الكون ومواثيق البشر، وأن لكل فرد سجلاً في داخلها.
ومما يلفت النظر أن جماعة “الروز كروشن” أو الهالة الوردية، والتي يبلغ عدد أفرادها في العالم نحو 14 مليوناً، منتشرين في أوروبا وأميركا وآسيا، تؤمن بأن الأهرامات هي كعبة المؤمنين والموحدين عبر الأجيال.
كذلك ما أوردته حديثاً إحدى الدراسات الأميركية الصادرة عن جمعية “فيدرالية الأخوة العالمية ” IFB، إذ تقول عن الحضارة المصرية إنها حضارة روحانية تؤمن باليوم الآخر وجوهرها تقديس الحياة الآخرة للإنسان، لهذا كان أعظم رموزها هي الأهرامات وما تحويه من أسرار الكون وقبور الملوك، وكتابها المقدس هو “كتاب الموتى” وفحواه كيفية اجتياز يوم الحساب وبلوغ الآخرة.
وما يماثل هذا القول ما أورده العالم الإنكليزي الشهير “بول برنتون” PAUL BRUNTON، الذي أمضى بمفرده ليلة كاملة داخل حجرة الملك في الهرم الأكبر إذ أتاه الوحي قائلاً: “اعلموا يا أولادي أنه في هذا الأثر القديم تكمن الحقائق والمعارف المفقودة للأجيال السابقة من البشر، إذ تكمن أسرار المواثيق التي عقدها الانسان القديم مع الخالق من خلال الأنبياء والسابقين، واعلموا أيضاً أنه لم يطّـلع على هذه المواثيق سوى المختارين من أبناء البشر”.
والحقيقة أن الأهرامات هي من غرائب العبر إذ أن لها آلافاً من السنين والحقب لم يعرف ما في داخلها أي مخلوق من البشر، كذلك عجز الملوك والجبابرة عن هدمها واستخراج ما في باطنها، ورجعوا عنها بعد بذل الأموال الطائلة خائبين، ومنهم الخليفة المأمون العباسي، والذي حشد لها أعداداً كبيرة من الفعلة والحجارين، وضاعف لهم النفقات حتى قيل أنه قدّم لذلك نحو ألف أوقية من الذهب الخالص ولم يحصل على طائل، وكفّ عنها خائباً، “حسب بعض المخطوطات القديمة”، وتكمل تلك المخطوطات فتقول: ” أمّا الهرمان في الجانب الغربي من فسطاط مصر وهما من عجائب برهان العالم مبنيّان بالحجم العظيم على الرياح الأربع، وما على وجه الأرض أعظم وأجل بناء، ولا أحسن هندسة ولا أطول بقاء ولا أرفع سناء من هذه الأهرامات، إذ بعضها مبني بحجارة الصوان الأحمر المنقط الشديد الصلابة والقسوة. ومن عجائب بنائها وضع الحجر على الحجر بهندام ليس في الإمكان أصح منه بحيث لا تجد بينهما مدخل أبرة، ولا خلل شعرة، ووجد مكتوب عليها كتابة غريبة ترجمتها هي: “إن بين هذين الهرمين والنسر الواقع في السرطان” فحسبوا من ذلك الوقت إلى الهجرة النبوية فبلغ إثنين وسبعين ألف سنة شمسية (لا نعلم ما هو هذا الحساب).

باسم الله
وقيل أن هرمس الهرامسة لما عزم على بنائها أمر باستخراج الرصاص من بلاد المغرب، وقطع الأحجار الضخمة الهائلة من أماكن بعيدة جداً عنها، وكان عندهم صحائف مكتوب عليها اسم الله العظيم فيضعون الصحيفة على الحجر ويسمّون باسم الله تعالى ويدفعونه بتلك الدفعة مقدار مائة سهم، ثم يعيدون عليها الصحائف والدفع حتى تصل إلى الهرم بغير حملٍ ولا مشقة، فإذا وصل الحجر إلى الهرم يثقبونه ويجعلون في وسطه قطباً من حديد قائماً ثم يركّبون عليه حجراً آخر مثقوباً ويُدخلون القطب فيهما جميعاً ثم يُذاب الرصاص ويُصب في القطب وحول الحجر بهندام وإتقان.
وتناسباً مع هذا القول القديم ما أورده في دراسته المؤرخ الأوروبي في القرن التاسع عشر (Kings Land ) كنجزلاند، إذ ذكر أن قطع أحجار الجرانيت (الصوان)، والتي تزن الواحدة منها سبعين (70) طناً، والموجودة في مخدع الملك، قد أعدّت في مقالع تبعد ستمائة (600) ميل قبل نقلها فوق النيل، ثم تابع يقول: “لا بد أن قوة غامضة قد استخدمت في نقل هذه الأحجار لا يعلمها سوى الله”.

شهادة نابليون
والقائد الفرنسي نابليون عندما احتل مصر سنة 1789، وبعد أن وقف مندهشاً أمام عظمة الأهرامات قال إن ما تحويه من حجارة ومواد بناء يكفي لإحاطة فرنسا بجدار تبلغ سماكته 92 سم، وارتفاعه نحو 3 أمتار. وكلام روحي آخر يقول: “إن في الهرم الشرقي أصناف القباب الفلكية والكواكب وتكوينها وما يحدث في أدوارها وقتاً وقتاً، وما تحمل لها من التواريخ والحوادث التي مضت والأحداث التي ينتظر حدوثها في مصر، وما يليها من أقطار العالم إلى آخر الزمان”.
“وكذلك زُبر على حيطانها أصناف العلوم العظيمة كعلم السيما وعلم الكيمياء والهيئة والحساب والأحكام الهندسية والمنطق والطب والفلسفة، ولم يترك علم من العلوم حتى تمّ زبره ورسمه”. ويضيف بعض المؤرخين القدماء القول إنه لا يوجد على وجه الأرض قاطبة بناء أعظم منها أو يضاهيها، وهي مع طول الأمد والدهور لم ترث ولم تبل، وهي العجيبة الوحيدة الباقية سالمة من عجائب الدنيا السبع القديمة.
إلى هنا انتهى ما ذكرته تلك المخطوطات القديمة، ونحن بدورنا لا يمكننا أن نذكر كل ما كتب عنها من المؤرخين والجغرافيين الحديثين من علماء ومفكرين ورحّالين، وقد أسهبوا في بيان أوصافها ومميزاتها وأهميتها التاريخية، وحتى تقديسها، ومنهم من أصابته لعنة الفراعنة والمعروفة عند الجميع إذ حلّت بهم بعد أن تطاولوا من قطع أو حفر أو إخفاء بعض حجارتها أو معالمها، ثم نقلها إلى بلدانهم أو بيوتهم فكان نصيبهم أن حلّت المصائب والأحزان في ديارهم، ومنهم العالم الاسكتلندي “Winston” ونستون، إذ فقد أولاً أولاده ولداً تلو الآخر، ثم فقد زوجته. كذلك أصابه الوسواس ولم يعد إلى صوابه إلا بعد أن أعاد إلى الأهرامات ما سرقه من أفيائها، وقصص كثيرة تُروى بين العامة من المصريين وسواهم ما جعل الجميع يهابون لمسها أو أخذ أي شيء منها بعد أن دفع العديد منهم الأثمان غالية.
خاتمة: ليس بالكثير أن يكون عدد الزائرين لتلك الأهرامات، وحسب إحصاء وزارة السياحة المصرية في أيام السلام والأمان، نحو (20) عشرين مليون زائر كل عام، وأن عدد زائريها من الأحياء على وجه الأرض ربما يزيد عن نصف مليار زائر من البشر.

الأخوت اللّي بدو يقتل أمو
ويحتمي عند خالتو

لكل عالم هفوة ولكل صارم نبوّة ولكل جوادٍ كبـوة
( عمر بن الخطاب)

بعد أن تدفقت مياه نبع الصفا في أجران أحواض قصر بيت الدين، لتزيده روعة وجمالاً وتبعث الحياة في حدائقه، ازداد الجميع إحتراماً وتقديراً لأخوت شناي (حسن) صاحب فكرة إيصال المياه، وإن تكن تسميته بالمجنون فهو بالحقيقة ذو عقل أميز من عقول العديد من العقلاء، ورأيه كما تبين كان أصوب بكثير من آراء حاشية الأمير بشير الشهابي الثاني الذي عمل بنصيحة “الأخوت” وجلب المياه إلى قصره العامر.
وحيث إن صفة الجنون كانت تلازمه، لذا كان يدلي بدلوه، وأينما وجد، من دون خوف أو حذر، بل باعثاً في محدثيه حس الطرافة وقوة الرأي العفوي الذي لا يخالطه أي رياء. فبعد أن وجد الأمير بشير الشهابي في حيرة من أمره، مرتبكاً متردداً كيف ستصل المياه إلى القصر، وكيف سيتمكن من جرها والمسافة بعيدة وتتخللها أودية ومنحدرات.
وبينما هو في هذه الحيرة تقدم منه أخوت شناي وحادثه قائلاً: لماذا هذا الإرتباك يا سيدي المير ورجالك إذا مددتهم على الأرض من الصفا إلى القصر، وأمرتهم أن يحفرَ كل واحد منهم على قدر طوله، فخلال يومين أو أكثر تصل المياه إلى بيت الدين.
وهكذا كان، فبعد أن أخذ الأمير برأي الأخوت، عظم شأن الأخير وازداد احترامه، وأصبح رأيه قبل رأي العديد من المقربين والمستشارين، يُلازم المير في حلّه وترحاله في قصره وشتى أحواله، متندراً وراوياً، متعرفاً ومصادقاً معظم زواره. يعلم بكل شاردة أو واردة ترد إلى القصر أو تخرج منه، وما أكثرها تلك الأيام، وخاصة الدسائس والمكائد، والتي كان صاحب القصر سيدها لإيجاد التفرقة والبغضاء بين الزعماء والوجهاء، الذين يأتون لزيارته، وقصده من خلالها إذلال الجميع وتفرقتهم عن بعضهم البعض، وإخلاء أي إعتراض من قبلهم، وهذا ما عرف به تاريخ ذلك المتسلط خبثاً ودهاء.
وأخطر تلك المكائد كانت على ولي نعمته، والعامل الأول لإيصاله إلى مكانته، الشيخ بشير جنيلاط، وكيف أوقع الفتنة بينه وبين أنسبائه من المشايخ النكدية أصحاب إقطاعية المناصف ودير القمر، ثم كيف استدار نحوه وتمكن من خلال والي عكا من قتله خنقاً ورمي جثته مع مرافقه على رمالها، إلى أن سمح لمشايخ آل معدي في بلدة يركا من الجليل الأعلى، بجلبهما ودفنهما في مدافنهم، ولتاريخه لم تزل في تلك الديار.
لكن ما سنرويه كيف أراد أن يوقع بين الشيخ علي العماد زعيم منطقة الباروك، وما يعرف بالعرقوب، وبين ربيبه ومستشاره الخواجه جرجس باز، بعد أن توجس الخوف والحذر من جانبه لما له من مكانة عالية وتقدير كبير بين أتباعه. لهذا حقد في ذاته ثم أخذ يتحين الفرص للتخلص من الإثنين معاً.
استدعى يوماً الشيخ علي العماد ثم أسرّ له في أذنه، أن جرجس باز يضمر لكم الحقد والإحتقار، ويعمل خفية على إبعادكم والإقتصاص منكم، وهذا ما ردده مراراً وتكراراً.
في المقابل أيضاً كان المثل مع جرجس باز إذ أسر له الأمير الداهية بكلام استهدف منه أن يوغر صدره على الشيخ علي العماد، بحيث تكتمل أسباب العداوة بين الرجلين، وعندها فإن التخلص منهما معاً يصبح أسهل.
وفي يوم، كان علي العماد في طريقه عائداً من كفرحيم إلى بلدته كفرنبرخ، وقد توقف أمام دارة  جرجس باز في دير القمر، ثم ناداه: يا خواجه جرجس “أنا شايف لازم نعيّر الرطل بيننا وعليك بملاقاتي إلى ميدان بتاتر، كي نقيم نزالاً ثم نعلم بعده لمن ستكون الوجاهة”
استغرب جرجس باز ونفر لهذا التصرف من قبل الشيخ، ولاسيما أن عهده به أنهما صديقان. إلا أنه ورغم ذلك أجابه: “على رأيك يا شيخ علي ونحن لها”.
شاع الخبر وسرى بين القرى والبلدات كما تسري النار في الهشيم، وغدا الناس منقسمين بين الإثنين وكل يتبع وجيه طائفته.
أخوت شناي بحكم تواجده الدائم في القصر علم أن الأمير بشير، هو مدبر هذه المكيدة وقصده إيقاع الفتنة والخلاف بين النصارى والدروز على مبدأ فرّق تسد.
في اليوم المحدد للمبارزة توجه جرجس باز وبرفقته أنصاره إلى ميدان بتاتر، كذلك فعل الشيخ علي لكنه عرّج في طريقه على نبع الصفا فوجد أخوت شناي ينتظره هناك. وحال وصوله هاجمه شاهراً بيده سيفاً من الخشب قائلاً: “إنزل عن فرسك يا شيخ وإلا قتلتك بسيفي”، أجابه الشيخ: “حل عنا ولك يا أخوت”
هز أخوت شناي برأسه، وقال: “أنا أخوت ولاّ إنت؟؟ أخوت إللي بده يقتل أمو ويروح يحتمي عند خالتو”!
وتابع: “شو بدك فيه لإبن باز تا تقتلو وساعتها بيغضبوا النصارى ويحملوك دمّو؟ بتعرفش العاقبة بعدها شو بتكون؟ غاية الأمير أنو يتخلص منك ومنو”.
أمعن الشيخ التفكير بعد سماعه قول الأخوت، ثم هزّ برأسه موافقاً، وقال لمن حوله: فعلاً خذوا الحكمة من أفواه المجانين، والظاهر إنو أخوت شناي أعقل وأخبر منا”، ثم تابع طريقه وهو في حالة تأمل وحذر متذكراً مكائد الأمير وخبثه. وعند وصوله إلى ميدان بتاتر ترجل عن فرسه، ثم ربط لجامه برجل الكرسي الذي جلس عليه ووضع سيفه على ركبتيه ينتظر قدوم جرجس باز ورجاله.
أطل جرجس باز على الميدان فوجد الشيخ علي بوضع عادي أقله أنه بعيد عن المبارزة.
أومأ الشيخ إلى غريمه كي يترجل لوحده، ثمّ أسرّ في أذنه ما سمعه من أخوت شناي. وبعد تحقق الإثنين من نوايا الأمير وغدره، اتفقا على أن يجريا المبارزة باستحقاقها وبأن يسدد الشيخ علي ضربة لجرجس باز فيصرخ عندها مستغيثاً بالقول: العفو عند المقدرة يا شيخ علي!
وهكذا تمّت المبارزة كما رُسم لها، ثم عاد الفريقان كل إلى بلدته من دون أن يعلم أحد من الحاضرين بحقية ما اتفقا عليه.
في اليوم التالي، ذهب جرجس باز لزيارة الأمير، وكان من عادته أن يدخل عليه من دون إستئذان.. حملق الأمير في وجه زائره كأنه غير مصدق ما يشاهده، لاعتقاده أن جرجس أصبح في عداد الأموات وينتظر نعيه.
رحب به بعد أن تمالك نفسه متجاهلاً ومتناسياً ما كان حضّر له لضيفه.
بعد مغادرة جرجس باز مجلس الأمير أرسل هذا وراء الشيخ علي يستخبره عمّا حدث. فأخبره الشيخ بما حدث قائلاً: “وأنت بتعرف يا مير ياللي بيستجيرنا منجيره”
لكن رغم أن جرجس باز اكتفى شر الأمير وكظم على جرحه وابتعد عنه، إلا أن الأمير بقي حاقداً عليه متوجساً من وجاهته ومكانته، وقد تمكن أخيراً من أن يوقع به فقتله مع شقيقه عبدالأحد.

فريد الدين العطار

سلطان العاشقين العارفين
فريـد الديـن العطار النيسابوري

«لقد طاف العطار بمدن العشق السبع، وما زلنا نحن في منعطف جادة من جادات إحداها».
جلال الدين الرومي

كلمة «أنا» تجلب البلايا فلا تقلها
حتى لا تبتــــلي بشــــرور إبليس

من يعشق عالم الغيب فهذا هو الخلي من كل عيب

الخلق بلا وفاء وغاية في الجهل، لذا فقد تحملت الآلام وحدي
وإذا أقمت مائدة من خبز جاف فإنني أبلله بدموع عينيّ

يا من وقعت أسيراً للتعصب وظللت أبداً أسير البغض والحب
إن كنت تفخر بالعقل واللب فكيف وقعت أسير التعصب؟

يتربع على عرش الإرث الشعري الصوفي ثلاثة من عمالقة العرفان المسلمين هم على التوالي الحكيم سنائي وفريد الدين العطار وجلال الدين الرومي. وقد ظهر الثلاثة إلى الوجود في حقبة متقاربة وخلف كل منهم للحضارة الإسلامية والإرث الروحي الإنساني عموماً إرثاً هائلاً ومتنوعاً ما زال يغذي بثرائه وموسيقاه وفعله في النفوس أجيالاً متعاقبة من الباحثين والسالكين والمهتمين في جميع أنحاء الأرض. ومن مظاهر إعجاز القدرة أن يتميز كل من هؤلاء بلون وبأسلوب وأن يأخذ كل منهم منحى معيناً في التعبير عن اختباره العرفاني، وهذا التنوع لا يعكس فقط اختلاف في الميزات الشخصية والذوقية وفي الزاد اللغوي والثقافي لكل من الشعراء الثلاثة، بل هو في الحقيقة برهان ساطع على إعجاز العرفاني الصوفي وتنوع رسالته ومصادر إمداده في الغيب وقد جاء في الآية الكريمة:
} قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا{ (الكهف: 109) ولا بد من القول إن كل ما جاد به شعراء الصوفية الكبار يكاد يكون قطرات لا غير من بحور المعنى التي لم يتوقف ورودها على السالكين في طريق الحق، وذلك رأفة من الله تعالى ومِنّة وإكراماً.
في هذه الحديقة المباركة يجلس فريد الدين العطار في مكانة رفيعة إلى جانب الشاعرين سنائي والرومي إلا أنه حظي بتعظيم خاص من جلال الدين الرومي نفسه الذي عاش بعده، ويقال إنه التقى العطار عندما كان طفلاً برفقة والده بهاء ولد في زيارة لنيسابور. وقد قال الرومي الذي يعدّ أعظم شعراء الصوفية في جميع العصور عن العطار: «لقد طاف العطار بمدن العشق السبع، وما زلنا نحن في منعطف جادة من جادات إحداها» وكما عظم الرومي العطار فإن العديد من أعلام الصوفية أسبغوا على شخصيته هالة وضاءة من المهابة والاحترام. وقد اشتهر العطار واحتل مكانته الفريدة فعلاً بسبب تبوّئه عرش شعر العشق الإلهي خصوصاً القصصي منه وأسلوبه العجيب في المناجاة واستدرار الرحمة والعون من الحضرة، وهو أسلوب يهيج المشاعر وأمواج الشوق والحزن معاً في صدور السالكين. وقد ألّف العطار عدداً من الدواوين والمنظومات الشعرية أبرزها وأشهرها هو ولا شك كتاب «منطق الطير» الذي سنعرض له ولأهميته في هذا القسم الأول من البحث على أن نخصص الحلقة الثانية لعرض موجز لبعض أهم حكايات منطق الطير ومعانيها الروحية العميقة.

من هو فريد الدين العطار
إنه فريد الدين أبو حامد محمد بن أبي بكر بن أبي يعقوب اسحق العطار المعروف أيضاً بنسبته إلى مدينة نيسابور من بلاد فارس، وفيها دفن وأقيم له ضريح، هو من مقامات الصوفية الأكثر اجتذاباً للزائرين.
عرف بالعطار لأنه مارس مهنة الطب والصيدلة التي ورثها عن والده وقيل إن الأخير اشتهر حتى ملك في بعض الأيام أكثر حوانيت العطارة في نيسابور وحقق من ذلك ثروة كبيرة. ويبدو أن العطار برع أيضاً في المهنة، وذكر هو أنه كان يستقبل كل يوم نحو خمسمائة مريض يجس نبضهم ويصف لهم العلاج وغالباً ما كان يصنعه هو من خلائط وعناصر في دكانه المزدهرة.
من المؤكد أن العطار سلك في طريق الصوفية وكان لا يزال يمارس مهنة العطارة فهو يخبر مثلاً أنه ألف «مصيبة نامه» و«إلهي نامه» في دكانته، حيث يقول في تقديم كتابه الضخم «تذكرة الأولياء»: «مصيبة نامه وهي حسرة العالم وإلهي نامه وهي الإسرار المشهودة، بدأتهما في الصيدلة وسرعان ما فرغت من كليهما». ويضيف في مقدمة تذكرة الأولياء ما ترجمته:«وباعث آخر – لتأليف الكتاب- هو أنني بلا سبب كنت أشعر منذ الطفولة بمحبة زائدة تجاه هذه الطائفة تموج في قلبي، كما كانت أقوالهم تسعدني في كل آونة».
وهذا يعني أن العطار كان مولعاً بطريق التصوف منذ صغره لا سيما وأن والده كان سالكاً في طريق القوم، كما أن الحقائق الصوفية العميقة التي يعبّر عنها في الكتابين المذكورين تؤكد أنه كان قد بلغ مرحلة متقدمة من الاختبار الصوفي قبل أن يهجر دكانه. لكن العطار سيقرر لاحقاً التخلي عن مهنة العطارة والتفرغ للخلوة والعبادة، ولا توجد رواية واضحة عن زمن وظروف تركه للمهنة ودخوله مرحلة الاعتكاف وترك الدنيا بكل وجوهها، إلا أن عبد الرحمن الجامي يورد في كتابه «نفحات الإنس» رواية جاء فيها: «ذات يوم كان العطار في دكان عطارته فجاءه هناك فقير، وقال له مرات عدة: أعطني شيئاً لله. فلم يأبه له. فقال الفقير: أيها السيد كيف تموت؟ فقال العطار: كما ستموت أنت. فقال الفقير: أيمكنك أن تموت مثلي؟ فقال العطار: نعم. فوضع الفقير قدحه تحت رأسه وقال: الله! وأسلم الروح. فتغيّر حال العطار وتخلص من متجره توا وجاء إلى هذا الطريق». وقد تكون هذه الرواية صحيحة وقد لا تعدو كونها بعض ما ينتجه خيال العامة حول حياة الأولياء من الفصول المثيرة. ولا بدّ من القول إن القصة تتحدث عن رد العطار للسائل الفقير وهذا مناقض لشيم العطار نفسه وللصوفية عموما،ً كما أن واقع أن العطار أنجز تأليف اثنين من أهم كتبه في عطارته، كما يقول يلقي بشكوك قوية على الحكاية التي تجعل من تحول العطار إلى طريق الزهد بالدنيا تحولاً مفاجئاً نجم عن حادث غير متوقع اعترض حياته العادية. وتذكِّر القصة بما حدث للحكيم سنائي مع «المجنون» الذي أنبه لمجالسته السلطان وسعيه في الدنيا، كما أنها تذكر بقصة إبراهيم بن أدهم وتحوله المفاجئ إلى الزهد، كما أن جلال الدين الرومي أيضاً تبدّلت حياته جذرياً بمجرد اعتراض سيره من درويش أمي غامض هو شمس تبريز.
تتفق المصادر المختلفة على أن والد العطار اسمه إبراهيم وكنيته أبو بكر وكان يعمل عطاراً هو الآخر، وكان من مريدي الشيخ الصوفي قطب الدين حيدر في قرية كدكن، وهي إحدى قرى نيسابور. وقد عمر والد العطار إلى ما بعد الثمانين من عمره، كما أن امه كانت على قيد الحياة يوم وفاة أبيه ويعتقد أنها توفيت أثناء تأليف العطار لكتاب «اسرار نامه»، وأنها كانت من أهل المعنى وقد بكاها العطار، وكتب يقول:«لم يكن لي إنس إلا بأمي، وقد ذهبت. كم أشدت أزري هذه الضعيفة التي كانت خليفة من مملكة الدين، لقد كانت ضعيفة كالعنكبوت، ولكنها كانت لي حصناً ودرعاً». وكانت كما يقول «رابعة الثانية بل أتقى من رابعة، بقيت تسعة وعشرين عاماً تلبس حقير الثياب وخشِنَها، وكانت تقوم الليل دعاء وبكاء».

«شكرا لله أنني لم ألجأ إلى قصر ولم أكن ذليلاً لحقير ولم أُطعم من خوان أي ظالم أبداً، ولم أختم كتاباً بذكر أحدهم مطلقاً»

لقاء العطار والرومي
تحدّث المؤرخون عن لقاء العطار بجلال الدين الرومي الذي كان يومها ولداً صغيراً وقد اصطحبه والده «بهاء ولد» إلى نيسابور حيث زار الشيخ فريد الدين العطار، ويقال إن العطار أخذ الطفل جلال الدين بين ذراعيه وبشر والده بأن له مستقبلاً عظيماً ثم باركه وأعطاه نسخة من منظومته «أسرار نامه»
وليس هذا بغريب، فمن عادة الصوفية أثناء الترحال الإسراع بلقاء كل شيخ عارف مشهور تسنح لهم فرصة اللقاء به. وقد كان العطار يوم زيارة بهاء ولد إلى نيسابور قد أصبح ذائع الصيت ولا بد أن بهاء ولد كان في شوق لرؤيته فانتهز تلك الفرصة.
اختلف المؤرخون في تحديد سنة ولادة فريد الدين العطار لكن الرأي الأغلب هو أنه ولد بين سنتي 545 و553 هجرية. لكنّ المؤرخين اتفقوا على أن العطار عمَّر أيضاً حتى سن الكهولة وذهب بعضهم إلى أنه عاش حتى بلغ 114 عاماً. لكن الرأي المرجح بناء لبعض تلميحات العطار نفسه في شعره أنه بلغ الثمانين من العمر.
توفي العطار بإجماع أغلب المؤرخين في سنة 627هـ. وفاة طبيعية ودفن في نيسابور حيث يقع ضريحه .
مؤلفاته
هناك تباين كبير في تحديد عدد المؤلفات التي كتبها فريد الدين العطار، وذلك بسبب الكم الكبير من المؤلفات التي نسبت إليه أو دُست عليه لأغراض معينة، لكن يوجد في الوقت نفسه اتفاق على أن الكتب الصحيحة النسب إلى فريد الدين العطار، تسعة وهي:
1.تذكرة الأولياء – 2.أسرار نامه – 3.إلهي نامه – 4.يند نامه – 5.خسرو نامه – 6.الديوان – 7.مختار نامه – 8.مصيبة نامه – 9.مصيبت نامه – 10.منطق الطير.
وجميع هذه الكتب شعرية، عدا كتاب تذكرة الأولياء الذي تناول فيه بالشرح والدراسة أحوال عدد كبير من أعلام التصوف، ويقع في جزءين كبيرين، وقد أشرف على طبعه وتصحيحه العلامة محمد بن عبد الوهاب القزويني، كما أن هذه الكتب نشرت وترجم بعضها إلى لغات عدة. لكن لم يترجم منها إلى العربية إلا كتاب يند نامه (أي كتاب النصيحة) وتبع ذلك ترجمة كتاب منطق الطير وأخيراً تذكرة الأولياء.

شيخ العطار
التقى العطار بالشيخ مجد الدين البغدادي، وقال البعض إنه كان من أنصار الشيخ نجم الدين كبرى لكن الرأي الأرجح أنه تأثر بالشيخ أبي سعيد ابن ابي الخير المتوفي سنة 440 هـ. والدليل على ذلك أنه أكثر من مديحه فقد ذكره في تسع حكايات في «مصيبة نامه» وفي خمس حكايات في «إلهي نامه» وفي ثلاث حكايات في منطق الطير وفي حكاية واحدة في «أسرار نامه»، وكل هذه الحكايات تعظم أبا سعيد غاية التعظيم.
كما أن العطار أشار صراحة إلى أن ما بلغه مستمد من روحانية الشيخ أبي سعيد فضل الله ابن أبي الخير.
«إنني أدرك أن كل حظ أجده في هذا الزمان من أنفاس أبي سعيد».
«كما أنني أحظى في كل لحظة بنصيب وافر من سبل مدده».
لكن العطار تأثر أيضاً بالإمام أبو حامد الغزالي بدليل أن الغزالي كان أول من أعلن الحرب على الفلسفة وقد تابعه العطار في ذلك، كما أن العطار متأثر في بعض قصصه بالغزالي وخصوصاً قصة منطق الطير التي أخذ أصولها عن «رسالة الطير» للغزالي، كما أن العطار أخذ قصة الشيخ صنعان عن الفصل العاشر من تحفة الملوك للغزالي. أخيراً فإن الغزالي قام بالتدريس في نيسابور فترة من الزمن ولا بدّ أنه ترك آثاراً كبيرة فيها، وأن بعض تأثير الغزالي وصل إلى العطار وإن كان من المرجح أن الرجلين لم يلتقيا.
كان العطار ذا ثقافة واسعة تغطي مختلف جوانب الفقه وعلوم الحديث والتاريخ والطب والفلك وكان حافظاً للقرآن شغوفاً بقراءة سير السابقين من الأئمة والأولياء الصالحين وكتابه «تذكرة الأولياء» خير دليل على ذلك. إذ يقال إنه قرأ من كتب السير والتراجم ما وصل مجموعه إلى أربعمائة كتاب في سياق جمع مادة «التذكرة».

ابتعاده عن أهل السلطان
كان العطار يعيش بيسر ودعة من جراء عمله في مهنة الطب والصيدلة، وكان يستقبل حسب قوله نحو خمسمائة مريض يومياً ويصف لهم الدواء أو يصنعه بنفسه. وقد ساعدته مهنته على أن يحتفظ لنفسه بحرية تامة، وأن يجانب أهل السلطان منصرفاً بكليته إلى مهنته أولاً ثم إلى العبادة والتأليف. ولم يؤثر عنه انه أهدى كتاباً من كتبه إلى ملك أو أمير، كما فعل سنائي الشاعر الصوفي الذي ختم سير العباد إلى المعاد بمدح أبي المفاخر سيف الدين محمد بن منصور قاضي سرخس.
وهو يقول في منطق الطير ما ترجمته:
لكن حال العطار تبدّلت بعد أن هجر الصيدلية ودخل في مرحلة من الاعتكاف والبعد عن الناس وعاش على أبسط الطعام، كما يقول هو في منطق الطير:
«الخلق كلهم بلا وفاء وغاية في الجهل، لذا فقد تحملت الآلام وحدي وإذا أقمت مائدة من خبز جاف فإنني أبلله بدموع عينيّ».
وفي شعر آخر شبّه العطار نفسه في عزلته وابتعاده عن الخلق بمالك الحزين.
«يقولون: ما له آثر العزلة، لا! إنني أصادق الله في هذه العزلة»
«ولا صديق لي بين الخلق، وإن كنت أفعل ذلك فلأنني في الطبع مثل مالك الحزين».

ناهض الفلسفة لقيامها على التأويل العقلي الظني لشؤون لا يمكن إدراكها إلا بالمجاهدة والكشوفات القلبية، مؤكداً أن العقل الإنساني قاصر، وهو عرضة لمختلف أنواع التأثر والتوهم والأهـواء

ن-حدائق-نيسابور
ن-حدائق-نيسابور

مناهضته للفلسفة
يتفق الصوفيون على اختلاف مشاربهم على مناهضة الفلسفة بإعتبارها تقوم على التأويل الظني لشؤون لا يمكن إدراكها إلا بالمجاهدة والاختبار الحدسي. فالحقائق العلوية أو «العلوم اللدنية» لا تأتي في نظر أهل التصوف من طريق إعمال العقل، لأن العقل الإنساني قاصر – وهو عرضة لمختلف أنواع التأثر والتوهم والأهواء- بل عن طريق الكشوفات التي ترد على القلب غالباً بفعل إمداد المرشد وفي سياق تربيته للسالك أو المريد. وبهذا المعنى فإنه لا تعلُّم في نظرهم من دون معلم، أو كما يقولون «من ليس له مرشد فمرشده الشيطان»، وهم يعنون بذلك أن من لا يأخذ المعرفة عن طريق مُسلِّك عارف بالأسرار فإنه سيقع عاجلاً أم آجلاً في الحيرة ويقيم علمه على الظن وأهواء النفس فيصبح بذلك فريسة سهلة للشيطان.
يبقى القول إن العطار ناهض الفلسفة بقوة كما ناهضها الإمام أبو حامد الغزالي في مؤلفه الشهير «المنقذ من الضلال»، وكذلك في كتاب «تهافت الفلاسفة»، إلا أنه ناهضها بشِعرِه القلبي واختباره الروحي المباشر وإعلائه لشأن العشق والفناء كطريق للكشف العرفاني. وجاء نقد العطار للفلسفة صدى لإزدهار ما سمي في عصره علم الكلام، وما أثاره عبر نظريات الفارابي وابن سينا من جدالات ومحاكمات عقلية لا تنتهي حول الوجود والعالم، وكل تلك النظريات المتضاربة كانت كلها في نظره نتاج الخيال ولا تفعل سوى قطع السالك عن مسيره عبر إلهائه بجدل يقوم كله على الظن وليس الاختبار اليقيني.
«وكيف تعرف عالم الروحانيين من بين فلسفة اليونانيين»
«ولن تكون رجلاً في حكمة الدين إن لم تفارق تلك الحكمة»
«وكل من يحمل هذا الاسم (فيلسوف) في طريق العشق فلن يكون خبيراً في مجال الدين بالعشق»
«يكفي رجل الدين حكمة السيرة (المحمدية) فانثر التراب على مفرق اليونانيين من طريق الدين»
«وإن يقطع علم الجدل الطريق فهو كثيراً ما يقطعه على العارفين».

مناهضته للتعصب
كان العطار معادياً للتعصب والمتعصبين، وهو كتب في مقدمة منطق الطير فصلاً مسهياً حاول فيه تسفيه منطق المتعصبين وتعييرهم بالجهل بصورة عامة وبجهل حقيقة النبوة وحقيقة الخلفاء الراشدين والصحابة الكرام. يقول العطار في مطلع منطق الطير ما ترجمته:
«يا من وقعت في أسر التعصب وظللت أبداً أسير البغض والحب، إن كنت تفخر بالعقل واللب فكيف وقعت أسير التعصب؟ فيا أيها الجاهل لا توجد الرغبة في الخلافة إذ كيف تتأتى الرغبة لدى أبي بكر وعمر؟
يشير بعض المؤرخين إلى أن العطار كان سنياً شافعياً لكن شعر العطار يوحي بأنه كان مثل أهل الصوفية منفتحاً على المذاهب فهو مدح الخلفاء الراشدين وخص الإمام علي (ع) بالكثير من المديح، كما أنه ذكر أبا حنيفة وترجم له ومدحه في كتاب تذكرة الأولياء وذكر الإمام الشافعي، وخص أحمد ابن حنبل بحكاية في منطق الطير.
ونعود إلى نقطة أساسية هي أن العطار مثل جميع الصوفية الكبار هو من أهل المعنى والتحقيق وهو لا يرى من منظار مقام التوحيد سوى التوحيد، فلا توجد في ذلك المقام مذاهب ولا اجتهادات ولا فوارق لكن العطار يلتزم أدب الصوفية في احترام مختلف العقائد والنظر إلى التنوع بعين الوحدة. لهذا السبب، فإن معظم أقطاب الصوفية عظموا القرآن الكريم والرسول (ص) والصحابة كما عظموا الأنبياء الذين عظمهم الإسلام لكنهم لم يدخلوا إطلاقاً في جدل المذاهب، ولم يذهب أي منهم إلى القول بهذا المذهب أو ذاك، وقد كان هذا التباين، أو قل التنوع، شائعاً بين الفقهاء وهو أمر اعتبره الإسلام أمراً إيجابياً بدليل الحكمة الشائعة «اختلاف الأئمة رحمة للأمة».

مكانة العطار
يحتل فريد الدين العطار مقاماً رفيعاً بين شعراء الصوفية، وهو أحد الذين ألهبوا مشاعر العابدين وألهموا العديد من شعراء الصوفية في ما بعد، وها هو جلال الدين الرومي الذي يعتبر العطار أحد مصادر إلهامه يقول:
«العطار روح وسنائي عيناه، ونحن خلَفنا سنائي والعطار»، وقد نهج شعراء المولوية، وهم أتباع جلال الدين الرومي على نهج مؤسس الطريقة في إحاطة اسم العطار بهالة من الحرمة والقدسية، فالشاعر المولوي محمد أفندي وهو من شعراء القرن الثالث عشر الميلادي يقول في إحدى غزلياته:
«إن مصباح طبعي يشتعل عن قاسم الأنوار، ويتنسم أنفه عطر الفناء من العطار».
ويقول الشاعر كاتبي النيسابوري:
«إنني كالعطار من روضة نيسابور، ولكنني شوك في صحراء نيسابور وهو وردها».
وكتب الحاج ميرزا عبد الكريم بخط يده بيتين على نسخة من ديوان العطار هذه ترجمتها:
«إن العطار كاشف أسرار الوجود وإنه كسنائي من فيض الإله
فاقرأه دائماً كما تقرأ القرآن فإنه يحيل أهل الشكوك أهل شهود».

مدح العطار لشعره
الملفت أن العطار نفسه كان معجباً بشعره ليس من منظور التفاخر بل لأنه اعتبره نتاج إلهام رباني وإمداد أولياء المعنى الذين تعهدوا مسيرته الروحية والشعرية. وهذا بعض ما جاء في خاتمة منطق الطير على لسان الشاعر:
«لقد خُتم عليك منطق الطير ومقامات الطيور كما ختم على الشمس بالنور»
«وهذه المقامات طريق كل حائر، كما أنها ملاذ لك مضطرب»
«وكل من لم يتنسم قولاً من هذا الاسلوب، فما أدرك قيد شعرة من طريق العشاق»
«وإذا تيسر لك أن تقرأه كثيراً، فبلا شك سيزداد حسناً في كل مرة لديك»
« ولقد نثرت الدر من بحر الحقيقة، كما ختم عليّ الكلام وهذا هو الدليل»
«وإن تلاشت هذه الأفلاك التسعة من الوجود، فلن تضيع نقطة واحدة من هذه التذكرة»,
وقال أيضاً:
«وأهل الصورة غرقى بحار كلامي وأهل المعنى رجال أسراري»
«إن نظمي يتسم بخاصية عجيبة فهو يولد معنى جديداً في كل آونة»
«وحتى يوم القيامة لن يكتب شخص قط كلاماً مثلي أنا الولهان»

منطق الطير
يعتبر كتاب منطق الطير أهم مؤلفات العطار الشعرية، كما أنه من أعظم ما نظم في الأدب الفارسي عامة وفي الأدب الصوفي بشكل خاص. وقد توسّل الشاعر في نظم منطق الطير قصة النبي سليمان بن داود في القرآن الكريم وحديثه مع الطير، والقرآن الكريم تكثر فيه الآيات التي تفيد بأن للطير لغته الخاصة. من ذلك ما جاء في سورة النمل
} حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ{ (النمل:18)
كما أنطق الله سبحانه وتعالى الهدهد الذي قال موجهاً كلامه إلى الملك سليمان:
}فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ { (النمل:22).
وجاء في القرآن الكريم قول النبي سليمان لقومه إن الله علمه لغة الطير }وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ{ (النمل:16)
كما أن القرآن الكريم يورد أمثلة عديدة على أن الطيور وكافة المخلوقات تسبح الله تعالى }وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ{ (الإسراء:44) كذلك قوله تعالى في سورة النور: }أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ{ (النور: 41)
كل هذه الأمثلة وفرت للعطار المنطلق الإيماني لكتاب منطق الطير، لكن الشاعر وجد في استخدام عالم الطير أيضاً ميزات شعرية مهمة لجهة استخدام الرمزية وإسناد الصفات المختلفة للطيور بما يجعل سهلاً عقد رابط بين سلوكها في الرحلة وأقوالها وأعذار كل منها وبين ما يتعرض له السالكون في الطريق، لكن بأسلوب شاعري خيالي يضفي على الرواية سحراً خاصاً بل وأثراً روحياً في النفوس، كما أن استخدام الطير مكّن العطار من الحديث عن الطيران، وهو صورة جميلة للارتقاء، كما مكّنه من استخدام صورة الهبوط والتعثّر في الأودية التي تعترض السالك في رحلته إلى المعرفة.

بنية الكتاب
تبدأ قصة منطق الطير باجتماع للطيور استهدفوا منه البحث عن طريق موصل إلى الله تعالى ومعرفة سبل السير عليه بحيث لا يضيع المسافر في الطريق ويتعرض إلى المهالك. وكان أول ما فعلته الطير هو اختيار الهدهد مرشداً لها يتولى السير بها نحو الله تعالى، والذي يرمز له العطار بطائر السيمرغ، وهو طائر متخيل لا وجود له في الطبيعة، وقد بدأ الهدهد بتعريف الطيور بمصاعب الطريق وما ينتظرها فيه، وقد أثر إدراك الطيور بقدر المشاق والمخاطر التي تكتنف الرحلة في عزيمتها، وبدأ كثير منها بالتلكؤ وإيجاد الأعذار للهدهد الذي كان يرد على كل من تلك الأعذار ويحث كل منها على متابعة السير. ويعرض العطار في الكتاب للأودية السبعة التي لا بدّ للسالك من اجتيازها، وهذه الأودية هي وادي الطلب ووادي العشق ووادي المعرفة ووادي الاستغناء ووادي التوحيد ووادي الحيرة وأخيراً وادي الفقر، وهو آخر الأودية الموصل إلى الفناء.

الصوفي والتكليف

يعتبر العطار التمسّك بأهداب الدين شرطاً أساسياً للطريق، وهو في هذا لا يختلف عن أعلام الصوفية الذين أعلنوا دوماً تمسكهم بالشريعة. لكن العطار شأنه شأن صوفيين كبار مثل نجم الدين كبرى والبسطامي والرومي وغيرهم يعتبر استغراق القلب وإقبال الروح على الله في حالة الفناء أعلى من التكليف. وهو يورد المثال التالي وينسبه إلى لقمان الحكيم.
طلب لقمان السرخسي من الله أن يمنحه السعادة فقال له هاتف:”يا من يعد من خواص الحرم، إن كل من يطلب الخلاص من العبودية عليه أن يفنى عقله وتكليفه معاً. فقال: “إلهي، إني أطلبك أنت على الدوام، وليس لي بالعقل والتكليف أي اهتمام”.
وأخيراً خرج عن حدود العقل والتكليف، وظل يرقص مما تملكه من جنون، ويقول: إني لا أعرف الآن من أنا، فإن لم أكن عبداً فمن أنا؟ لقد انمحت العبودية، وانعدمت الحرية، وما تبقى من ذرّة هم أو بارقة سعادة في القلب، وهل عدمت الصفة؟ وهل أنا عارف؟ أم أنني لا اتسم بأي معرفة؟ ولا أعلم أأنا أنت أم أنت أنا؟ فقد فنيت فيك وتلاشت الأنية.

آراء العطار في منطق الطير

أولاً: المرشد والمريد
بدأ العطار منظمته بمشهد اختيار الطيور للهدهد مرشداً لها تأتمر بأمره وتتبع هديه وإرشاده، وعرض العطار في هذا الفصل لأهمية المرشد في طريق المعرفة وأهمية التسليم له بالكلية حتى يصبح المريد بين يدي الشيخ مثل «الميت بين يدي الغاسل»، لأنه من دون هذا التسليم لا يمكن للمريد متابعة السير. يصف العطار هذا المبدأ الأساسي في مسلك الصوفية فيقول:
«وقال الجميع: يجب أن يكون لنا رائد في طريق البحث، يكون له علينا العقد والحل
ويكون مرشدنا في الطريق، لأنه لا يمكن قطع الطريق اعتماداً على الغرور
وسننفذ أوامر حاكمنا بأرواحنا، ولن نقطع الطريق إلا بحكمه وأمره
وبعد الاقتراع لصالح اختيار الهدهد مرشداً في هذه الرحلة الشاقة يتحدث العطار عن أهمية التسليم التام للمرشد من قبل المريد بالكلام التالي:
«وتعهد الجميع أن يكون هو (الهدهد) رئيسهم، وأن يكون مرشدهم في الطريق وهاديهم. والحكم حكمه والأمر أمره ولن يبخل أحد عليه بالروح أو بالجسد» .
وفي هذه الأبيات يوضح العطار بعض مبادئ الصوفية حول علاقة الشيخ بالمريد وهي:
لا بد أن تكون للسالك الرغبة الجامحة في السير إلى جناب الحق، وهذا واضح في مقدار عزم الطير على المسير.
لا يمكن قطع الطريق بلا مرشد أو دليل يعرف أسرار الطريق وطرق الوصول إلى الهدف، لأنه أولاً هو واصل وباتت لديه خبرة طبيب القلوب وتخليص المريد من أدران النفس، وتربيته بحيث يصبح أهلاً لتسلّم الأسرار، وهذا يعني أن المريد يبدأ طالباً لكنه جاهل بسبل الوصول ومخاطر السير، فإذا سار بمفرده فإنه سيتبع هواه والأوهام المسلطة على عقله فيضل.
والعطار يشير إلى تلك المبادئ في سلوك أهل المعنى بالقول:
«ولا بدّ للطريق من شيخ ولا تسر بمفردك ولا تسلك هذا البحر مسلك التخبط والعمى.
وإذا كنت لا تميّز بين الطريق والهوة السحيقة فكيف يمكنك قطع الطريق بلا دليل.
«وليست لك عين بصيرة، كما أن الطريق ليست قصيرة والشيخ في طريقك هو هادي الطريق».
والولاية في رأي العطار منحة إلهية لا تتم بالمجاهدة والرياضة بل يهبها الله سبحانه وتعالى لمن أراد. وهو يشير إلى أن الشيخ المرشد يصل إلى الولاية بنظرة تصيبه من صاحب الحضرة فترفعه هذه النظرة إلى مقام المرشد،.شرح العطار ذلك في جواب الهدهد لطائر سأله كيف حظي بهذه المكانة العالية دون سائر الطير. قال العطار على لسان الهدهد:
«أيها الطائر لقد كان سليمان يديم النظر صوبي في كل آونة.
ولم أحصل على ذلك بالفضة أو الذهب، وإنما تتأتى هذه المكانة من نظرة واحدة».
ومن صفات الشيخ حسب العطار، أن يكون قد وصل إلى إدراك الحقيقة كما يكون قد خبر الطريق وطاف بكل وديانه، فقد قال على لسان الهدهد:
«وجئت وقد أمدتني الحضرة بالمعرفة، وصرت صاحب أسرار بالفطرة
ولقد قضيت السنين في البحر والبر، وكم أصابني الاضطراب من قطع الطريق».

ثانياً: الله والعالم
يقول العطار في منطق الطير:
«وعندما هبطت الروح إلى الجسد صار الجزء كلاً، والروح: تتصف بالطهارة، أما الجسد فصفته الذلة والمهانة. وسرعان ما اجتمعت الروح الطاهرة بالجسد المهين، وما أن اتحد السمو بالخسة حتى كان آدم أعجوبة الأسرار».
أي أن الإنسان، كما يرى العطار وغيره من المتصوفة، مكون من جسد نزاع للشهوات والعودة إلى أصله الخسيس وروح نزاعة إلى الطهر والعودة إلى أصلها العلوي أو القدسي. يقول على لسان الله تعالى موجهاً كلامه إلى النبي داود عليه السلام:
«ولما لم يكن هناك عوض لي فلا تكن بدوني، وأنا يكفيني الروح فكن روحاً ولا تكن جسداً».
أما عن طبيعة الصلة بين الله والعالم فهي حسب تصوير العطار مثل الصلة بين القطرة والبحر وما البحر إلا الله وما القطرة إلا العالم.
«وحضرة الحق بحر خضم عظيم، وقطرة صغيرة منه تساوي جنات النعيم ومن يملك البحر يملك القطرة، وكل ما عدا البحر هوس وجنون».
ويستخدم العطار تصويراً رائعاً ثانياً لمحاولة تقريب صلة الله بالعالم إلى الإذهان مستخدماً مثل العلاقة بين الشمس والظل. فالعالم ما هو إلا ظل الله سبحانه وتعالى. وحين سأل طائر الهدهد أن يوضح العلاقة بين «السيمرغ»، أي الله تعالى، وبين الطير أي الإنسان، قال الهدهد:
«عندما رفع «السيمرغ» النقاب فإن وجهه بدا كالشمس المشرقة، وسقطت منه مئات الألوف من الظلال على التراب، وقد نثر ظله على العالم فأصبحت تلك الطيور، وصورة طير العالم جميعها ما هي إلا ظل للسيمرغ».
ويقول العطار على لسان الهدهد:
«إن كل ثوب يكسو المروج ما هو إلا ظل للسيمرغ، ونحن نعرف السيمرغ في هذا الظل، لأن السيمرغ لا ينفصل عن الظل، ولا ينبغي للإنسان أن يبقى أسير الظل يتخبط فيه، وإنما يجب عليه أن ينظر في ظل السيمرغ وسيرى الشمس وسط الظل، وإذا فتح باب المعرفة فسترى كيف تتلاشى الظلال في الشمس وتشاهد كذلك أن كل شيء هو الشمس».
وفي مقدمة منطق الطير يناجي العطار ربه فيقول:
«ولما كنا متلازمين دائماً، فأنت كالشمس ونحن كالظل».
ويقول :
«وما أكثر من خبروا سطح ذلك البحر، ولكن لم يدرك أحد قط ما في قاعه. فالكنز في القاع وما الدنيا إلا طلسم، وفي نهاية الطلسم سيتحطم قيد الجسد، وستجد الكنز عندما يفنى الطلسم أولاً، وستظهر الروح عندما يفنى الجسد، وبعد ذلك فما روحك إلا طلسم آخر، فروحك للغيب جسد آخر وما الغيب إلا الله».
ويستخدم العطار صورة المولّى والعبد ليصف علاقة الإنسان بالله يقول:
«أنا بالنسبة لك عبد بذول للروح ولي وسم كالحبشان منك، وإن لم أكن لك عبداً فكيف أكون سعيداً؟ وقد احترق قلبي حتى أصبحت عبداً لك، فلا تبع عبدك الموسومن ولتضع حلقة العبودية في أذني عبدك».
بناءً على هذه الصور الثلاث، فإن العالم عدم لا وجود له ولا وجود إلا لله الأعظم وهو صاحب الوجود وحده. وما دام الوجود لله وحده وما عداه عدم فلا يمكن أن يصدر عن العدم فعل فالفاعل هو الله وحده }فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ{(هود: 107)
«فقال صاحب الحضرة: أيها العجزة، يا من تلوثتم بدماء القلب كالوردة
فإن تكونوا أو لا تكونوا في الدنيا فهو السلطان المطلق الأبدي»
كما أن الملك محمد الغزنوي يرد على ذلك الذي حادثه في دار القرار وسأله عن حاله فيها مخاطباً إياه بلقب السلطان. يقول:
«إن سلطاني خيال وغرور، إذ كيف تكون السلطنة لحفنة من السقط؟ الله وحده هو السلطان مالك الدنيا، وهو الحقيق بهذه السلطنة، وما أن رأيت عجزي وحيرتي حتى شعرت بالعار من سلطنتي».
وما دام الله هو السلطان وحده والخلق ظل له فهو في غنى عن الخلق وطاعتهم لن تنفعه بشيء كما أن معصيتهم لن تضره بشيء فكل شيء قد يخطر على بال بشر أو لا يخطر متوافر لديه، وخزائنه لا يمكن أن تنقص من المنة والعطاء.

الهدهد-الذي-ذكره-القرآن-الكريم-في-سورة-سبأ-جعله-العطار-مرشدا-للطير-إلى-الله-في-كتاب-منطق-الطير
الهدهد-الذي-ذكره-القرآن-الكريم-في-سورة-سبأ-جعله-العطار-مرشدا-للطير-إلى-الله-في-كتاب-منطق-الطير

وما أكثـــــر من خبروا سطح ذلك البـــحر ولكــــن لم يدرك أحــد قط ما في قاعـــــه

جانب-من-بازار-نيسابور
جانب-من-بازار-نيسابور

فناء السالك في الله أشبه بفناء القطرة في البحر والظل في الشمس والفـــراشة فــي شعــلة النور

 

عالم الوحدانية والفناء في الله
يبدع العطار في أوصافه الشاعرية للوحدانية وهو يختلف هنا في وصفه عن مفهوم وحدة الوجود التي قال بها الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي، :
«وعلى أي شيء يستقر الفضاء؟ لم يستقر على شيء مطلقاً، فلا شيء إلا العدم، وما كل هذه الأشياء إلا عدم مطلق، فأمعن التفكير، في صنع الله، إذ كيف يحفظ هذه الأشياء مستندة إلى العدم؟ وإذا كانت كلها في عالم الوحدانية عدماً، فهذه كلها عدم ولا ريب. فالجميع هو الله، وما هذا العالم أو ذاك إلا الله وحده، ولا وجود إلا له، وإن كان هناك موجود فهو الموجود وحده».
فالوحدانية بالنسبة للعطار لا تعني وحدة الوجود بل وحدة الموجود بمعنى أنه وحده الموجود وكل ما عداه في عالم الصورة عدم متخيل ونتاج الوهم.
«فتخلَّ عن نفسك، فهذا أصل الكمال، وكفى، وافن نفسك، فهذا عين الوصال، وكفى، فلتفن نفسك فيه حيث في الفناء الخلود، وكل ما عدا ذلك ضرب من الفضول، ولتمضِ في طريق الوحدانية متجنباً الثنائية، وليكن لك قلب واحد وقبلة واحدة وطريق واحد».

دعوته لكتم الحقيقة عن غير أهلها
والعطار رغم جرأته في البوح بسرّ الوحدانية يدرك بحكمته ويعي دقة الكلام في الموضوع، والذي يجب أن لا يتجاوز الخاصة والراسخين في التجربة وعالم البرهان، وهو يوصي بكتمان الحقائق الملكوتية عن العامة والاحتفاظ بالسر، يقول:
«فإذا عرفت فتبين الحقيقة وكن حذراً، وإذا عرفت فلا تكن مفشياً للسر وكل من صار هكذا فإنه يكون مستغرقاً، فحاشا لله أن تقول «أنا الحق»، وإذا لن تصر مثلما قلت فأنت لست الله، ولكنك مستغرق في الحق دائماً، وكيف يكون المستغرق حلولياً؟ وكيف يكون هذا الكلام من شأن الفضولي؟»
«لا تقل ذلك ما لم تأتِك إشارة بذلك، ولا تتحدث عن شيء ما لم يأتِك به بيان، أما هو فلا تليق به الإشارة ولا البيان، وليس لإنسان قط علم به، ولا عرفان التجربة والمقربون من جنبا الحق، فهو ينصح السالك المطلع بالكتمان ويضيف وعبرة الحلاج لا شك ماثلة في ذهنه».

صور الفناء في شعر العطار
فناء السالك في الله كفناء القطرة في البحر، وقد وضع العطار هذه الصورة في نهاية الحديث عن وادي الفقر والفناء، وهو يقول:
«إذا هاج وماج البحر الكلي فهل تبقى نقوش على صفحة البحر؟ إن كلا العالمين نقش ذلك البحر. وكل من أصابه الفناء في بحر الكل فهو دائما فانٍ بالٍ، والقلب في هذا البحر الغاص بالفناء لا يجد شيئاً إلا الفناء.. وإذا فني نجس في بحر الكل صار إلى القاع ذليلاً بصفاته، ولكن إذا مضى فيه رجل طاهر فسيفنى فناء حقيقياً، ولن يبقى له أثر، فتصبح حركته هي حركة البحر».
في صورة أخرى يشبه العطار فناء السالك بالله بفناء الظل في الشمس، وهو يقول في نهاية القصة بعد أن وصلت الطير إلى السيمرغ، وتمّ اللقاء بينها وبينه وتمّ لها الفناء. يقول:
«لقد انمحوا فيه في النهاية على الدوام، كا يفنى الظل في الشمس والسلام».
ويشرح العطار هذه الصورة في كتاب مختار نامه فيقول:
«إن النبي يقول للسالك: إذا أردت أن تخرج عن نفسك، وأن تفنى، فلا بدّ وأن تصبح لا شيء في ذات الله، كن ظلاً يضيع في الشمس، كن لاشيء والله عالم بكل شيء».
يقول العطار:
«إن لم يصبك النقصان في الفناء فلن ترى السلامة مطلقاً في البقاء. وفي الطريق تُلقى إليك الذِلة في البداية ثم ترتقي فجأة بالعِزة، فصِر إلى العدم حتى تدرك الحياة في أثر ذلك، فما دمت موجوداً فكيف تصل الحياة إليك، وإن لم تُمحَ في الذلة والفناء فكيف يصلك من العزّ إثبات البقاء».

ما-هذه-الدنيا-إلا-وهم
ما-هذه-الدنيا-إلا-وهم

التحقق الصوفي
التحقق أي تلقي الكشوفات الربانية والعلم اللدني غير ممكن في نظر العطار من دون الفناء في العشق والمحبة. يقول في هذا المعنى:
«فما أن جئت من العدم إلى الوجود، حتى جئت أسير وجودك، فيا ليتك تكون الآن كما كنت أولاً، حيث كنت عن الوجود معطلاً، فطهر نفسك كلية من الدنية، ثم أسلم هذه النفس إلى الريح بعد ذلك ووارها التراب.
ويضيف في مكان آخر:
«وأنت يا عطّار متى تتخلص من هذا الكلام المجازي؟ وتعود إلى سر أسرار التوحيد؟ فعندما يصل السالك إلى ذلك المكان، يتلاشى الرجل والمكان من الطريق، يتلاشى لأنه هو وحده الظاهر والبادي، ويلزم الصمت، لأنه وحده المتكلم والناطق، ويفنى الجزء ويبقى الكلّ، ثم يفنى الكلّ والجزء معاً»
أفاض العطار كثيراً في منطق الطير في الحديث عن العشق، وهو القوة الخفية التي تدفع السالك للمضي قدماً في الطريق شوقاً للقاء بالمحبوب الأزلي. وقد اعتبر العطار وغيره من الصوفية العشق أعلى مكانة من الإيمان والكفر فهو يفوقهما معاً.
«كل من كانت له قدم في طريق العشق راسخة فقد تخطى الكفر والإسلام معاً».
اعتبر العطار العشق أسمى مكانة من العقل البشري فقال:
الفارق بين العقل والعشق هو أن الأول مخالط للطبيعة والثاني من الذات الإلهية.
وقد نصح أحد شيوخ الصوفية مريده بالقول:
«عليك بإفناء نفسك في العشق تماماً حتى تصبح في الضعف كالشعرة».
والعشق نوعان: عشق دائم هو عشق المعرفة، وعشق زائل هو عشق الصورة الذي يزول بزوال الصورة. يقول العطار:
«ومن يعشق عالم الغيب فهذا هو العشق الحق، إذ أنه خلي من كل عيب»
كما أن الهدهد يرد على البلبل وهو يتباهى بعشق الوردة فيقول له: يا من تعلقت بالصورة لا تتباه أكثر من ذلك بعشق الجميل فعشق شيء مآله الزوال يصيب العاقلين بالملل والضجر».
ويرى العطار أن عشق الذهب يصيب الإنسان بالبلايا، وهو دليل الكفر، وفي الآخرة تمسخ صورة عابد الذهب».
والعاشق يفضّل المعشوق على كل ما عداه من نعيم وملك وأموال، كما جاء في قصة ذلك الوقّاد الذي كان محمود الغزنوي ينزل عليه ضيفاً. وفي زيارة قال السلطان محمود للوقّاد: اطلب ما تبغي وأنا أحققه لك في التو والحال، ولو طلبت أن تكون ملكاً لما توانيت في تحقيق ما تريد. ولكن الوقّاد يقول: إنني أطلبك أنت ولا حاجة لي إلى هذا أو ذاك.
«أنا لا أطلب مُلكاً ولا سلطنة، ولكن كل ما أطلبه منك هو أنت»
والعاشق الحق هو الذي يتخلى عن روحه طواعية من أجل محبوبه ويتضح ذلك من قصة الفقير الذي وقع في حب ملك مصر، ثم خيره الملك بين القتل وترك البلاد جزاء جرأته على حبه فاختار المسكين الرحيل، فما كان من الحاكم إلا أن أمر بقتله لأنه غير جاد في عشقه، ولأنه لو كان جاداً لما خاف الموت ولعرض تقديم روحه للمحبوب بلا تردد.
لقد أعلى العطار مكانة العشق وأحاطه بهالة من السمو والرفعة حتى جعل في مقدور العاشق الإتيان بالخوارق.
«أنه شبيه بالمجنون من شدة العشق، كما أنه يسير على سطح الماء من قوة العشق».
ومن كان في الضعف أكثر عجزاً من النملة، فإن العشق سيمدّه في كل لحظة بقوة هائلة».
العشق هو القوة الحقيقية التي تحث الإنسان على الطلب والعمل والمجاهدة، والتي تهيب بالإنسان إلى العظائم، وترفعه عن الدنايا.

وصف الطريق والأودية السبعة
أولاً: وادي الطلب
وادٍ مليء بالتعب ولا بد فيه من الجد والمجاهدة لسنوات طويلة كما يجب التخلي فيه عن المال والملك وعن الكل، كما يجب التطهر من كل العلائق، وعلى السالك ألا يأبه في هذا الوادي بمخاوف الطريق، كما يجب أن لا يكف عن الطلب، فإذا توانى لحظة عن الطلب فهو مرتد وعليه أن يقدم روحه نثاراً في هذا الوادي، كما يجب أن يتحلى بالصبر حتى لا ييأس في أول مراحل الطريق.
ثانياً: وادي العشق
كل من سار فيه فهو في نار وحرقة، لا يعرف الكفر من الإيمان كما يتساوى أمامه الخير والشر، والعقل غير جدير بهذا الوادي فهو عاجز عن إدراك اسرار العشق. والعشق يوجب على السالك أن يقوم بأي عمل مهما صعب من أجل المعشوق، والسالك في ذلك الوادي يجب أن يتخلى عن كل ما يملك، فالعشق والإفلاس قرينان والعاشق يقدم روحه طواعية تلبية لأمر المعشوق ولكن يكره أن تكون هناك واسطة بينه وبين معشوقه.
ثالثاً: وادي المعرفة
في هذا الوادي يختلف سالك الروح عن سالك الجسد وتتفاوت المعرفة بين السالكين كل حسب مقدرته، بعضهم يدرك المحراب وبعضهم يدرك الصنم، وكلما واصل السالك المسير كلما زادت معرفته بالأسرار، ولا بدّ للسالك ألا يقنع بما يحصله من معرفة بل عليه أن يقول دائماً «هل من مزيد؟» حتى يصل إلى ذي العرش المجيد. وهذا الوادي طريقه طويل لا تبدو له بداية ولا نهاية، وعلى السالك أن يبعد النوم عن عينيه وأن يكون في سهاد وأرق دائمين.
رابعاً: وادي الاستغناء
وفيه يجب على السالك أن يتخلى عن كل شيء في الدنيا، فكل ما فيها تافه لا قيمة له، فما هذه البحار الشاسعة إلا بركة صغيرة وما الأفلاك والأنجم إلا كورقة شجرة كما يجب على السالك أن لا يطمع في شيء مطلقاٌ فما العالمان إلا كذرة رمل لا قيمة لها.
خامساً: وادي التوحيد
وهو منزل التجريد والتفريد، وفيه يرى السالك الكثرة قلة حتى يصل الكل إلى أن يكون واحداً، ولا أهمية للأزل ولا للأبد في هذا الوادي، ومن لم يفنِ من السالكين في الوحدة والاتحاد فهو غير جدير بالمريدية. وعندما يصل السالك إلى مقام التوحيد فإنه لا يشعر بالمكان ولا بنفسه، فيضمحل وجوده الفردي ويتلاشى في هذا الوادي، كما تتلاشى الثنائية أو الإثنينية ولا بقاء إلا للوحدانية.
} وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ{ (الرحمن:27)

اجتماع-الطير-في-رسم-فارسي
اجتماع-الطير-في-رسم-فارسي

وهو منزل التجريد والتفريد، وفيه يرى السالك الكثرة قلة حتى يصل الكل إلى أن يكون واحداً، ولا أهمية للأزل ولا للأبد في هذا الوادي، ومن لم يفنِ من السالكين في الوحدة والاتحاد فهو غير جدير بالمريدية. وعندما يصل السالك إلى مقام التوحيد فإنه لا يشعر بالمكان ولا بنفسه، فيضمحل وجوده الفردي ويتلاشى في هذا الوادي، كما تتلاشى الثنائية أو الإثنينية ولا بقاء إلا للوحدانية.
} وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ{ (الرحمن:27)
سادساً: وادي الحيرة
وفيه يصاب السالك بالألم والحسرة وينخرط في عمل متواصل ويكون عرضة للأحزان دائماً، وتنهال عليه المصائب في كل لحظة فتكثر آهاته وكل ما حصلت روحه عليه من التوحيد يضيع منه في هذا الوادي دفعة واحدة، ولا يعرف السالك أهو موجود أم غير موجود، أهو ظاهر أم خفي، فالسالك في هذا الوادي لا يعرف كنهه ويكون قلبه مفعماً بالعشق ولكن لا يعرف من المعشوق ويكون حائراً بين الكفر والإسلام وقد ساق العطار قصة الشيخ نصر آباد دليلاً على ذلك، إذ حج أربعين مرة ثم ترك ذلك كله وطاف حول معبد للنار من شدة اضطرابه وحيرته من دون أن يشعر بما يفعل.
سابعاً: وادي الفقر والفناء
أهم ما يميّز هذا الوادي هو النسيان، ولا سبيل أمام القلب في هذا البحر الخضم إلا الفناء، ونهاية المطاف في هذا الوادي تختلف من سالك إلى آخر كل حسب طهره وعزيمته، فمرتكبو الخطايا يسيرون إلى القاع أذلاء ولكن من تتطهر نفوسهم يفنون فناء حقيقياً وتصبح حركة كل واحد منهم هي حركة البحر. وهكذا يتم الاتحاد وما الاتحاد إلا فناء السالك عن ذاته وفناؤه في الله، وإذا ما مضى السالك عن الجميع فهذا هو الفناء، وإذا ما فني عن الفناء فهذا هو البقاء بعد الفناء.
ثامناً: العطار وذم النفس
العطار يذم النفس دائماً ويشبهها في بعض الأحايين بالكلب الذي لا يطيع أمراً مطلقاً. فالنفس بمثابة العدو الأول له، وبمثابة اللص الذي يسرق منه أسرار الطريق، فهو يقول:
«إن نفسي لي عدوّ، فكيف أقطع الطريق إذا كان رفيقي لصاً، فالنفس كالكلب لم تطع لي أمراً مطلقاً، ولا أعلم كيف أحرر الروح من ربقتها».
ولا سبيل بالتالي لبلوغ الكمال حسب العطار إلا بإفناء النفس:

مشهد-من-طبيعة-نيسابور
مشهد-من-طبيعة-نيسابور

السهاد ضريبة العشق

يقول العطار إن على العاشق أن لا يغمض له جفن، لأن آلام العشق يجب أن تؤرقه دائماً إن كان صادقاً في عشقه. وهو يورد هذه الحكاية:
“مر معشوق بعاشقه فوجده نائماً فكتب له وريقة فيها بعض الكلمات منها: لتخجل إن كنت عاشقاً، فأي شأن للنوم بعين العاشق، وإذا نام العاشق فلا يكون ذلك إلا في الكفن. وإذا كنت بالعشق جاهلاً فلتهنأ بالنوم لأنك لست للعشق أهلاً”.
وجزاء من لا يحسن العشق الإلهي أن يطرده الله سبحانه وتعالى من عشقه، فالله يطرد من عشقه من ينشغل بأي أمر من الأمور عن عبادته، والدليل على ذلك قصة العابد الذي عبد الله أربعمئة سنة ثم انشغل بتغريد طائر فوق شجرة في بستان يتوسط داره.

«وإن تفن نفسك ذات يوم فستصبح في إشراقة حتى ولو كانت الليالي كلها حالكة».
«وما دامت لك نفس وشيطان، ففي داخلك فرعون وهامان»
«الخلق يخشونك وأنا أخشى نفسي، فما رأيت منك إلا كل خير، وما رأيت من نفسي إلا كل شرّ»
وهو يشبه النفس أيضاً بالثعبان والعقرب فيقول:
«فطهر نفسك من الصفات الدنية، ولتصر بعد ذلك إلى العدم وأنى لك أن تعلم ما بجسدك من أدران وأوساخ فالثعبان والعقرب خفيّان تحت حجبك، وقد ناما وأخفيا نفسيهما».
« ولا تقل «أنا» فكلمة «أنا» تجلب العديد من البلايا حتى لا تبتلي بشرور إبليس».
وصف العطار للنفس لا يختلف عن وصف جميع الزهاد والصوفية كما أنه مستمد من نظرة القرآن الكريم الذي يحذر من مكر النفس ويثني على من يحكمها ويخالف أهواءَها. } أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ{(الجاثية:23)
وأيضاً : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) سورة النازعات.
}فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ{ (البقرة: 54)
}إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ{ (التوبة:111)
العطار وذم الدنيا
العطار، كعامة الصوفية، يذم الدنيا وينفر منها، وهو يشبهها في مواضع كثيرة بموقد مشتعل، إذ لا يستقر فيها إنسان في هدوء وسكينة، وهو يقول على لسان الهدهد:
«يا من أنت أقل همة من المخنث، إنك كلب فوق موقد نار، فماذا تصنع؟ وما الدنيا الدون إلا هذا الموقد، وما قصرك إلا حفنة من تراب هذا الموقد».
ويشبهها كذلك ببيت العنكبوت وما الساكن فيها إلا كذبابة تتردى في هذا البيت حتى يصيبها الفناء والبلاء بعد أن يمتص العنكبوت دمها:
«إن الدنيا ومن يرتزق فيها أشبه بذبابة داخل بيت العنكبوت»
وهو يعتبرها في موضع آخر ناراً محرقة:
«وما نارك إلا الدنيا فابتعد عنها، وافعل كما فعل الأبطال، وكن حذراً من هذه النار».
خاتمة : من مناجاة العطار
يا من لا وجود لسواك في طلعتك، أنت العالم أجمع ولا وجود لأحد غيرك، الروح خفية في الجسد، أما أنت ففي الروح اختفيت.
إذا كنت أيها القلب طالباً فكن للطريق سالكاً، وتزود بالحذر ولتمعن النظر أمامك وخلفك. وارقب من وصلوا إلى الأعتاب العلية من السالكين، فجميعهم سلكوا الطريق متعاقبين. وفي كل ذرّة في الطريق عقبة وخلف وكل ذرة طريق جديد إليه؛ فكيف يمكنك معرفة أي طريق ستسلك؟ وأي طريق إلى تلك الأعتاب يوصلك؟
ما أحاط به شرح، كما تنزه عن أي صفة، ولا نصيب للخلق منه أكثر من الخيال، ومعرفة أي خبر عنه ليس أكثر من محال، وما قيل، حسناً كان أم سيئاً، فقد صدر من نبع الخيال، وليس لشخص قط في الصحو والسكر أن يدرك منه نصيباً، وأنى تستطيع روح آدمية أن تصل إلى إدراكه، إنه أسمى منزلة من الروح آلاف المرات لذا فهو يسمو عن كل ما أنطق به.

إن نفسي لي عدوّ، فكيف أقطع الطريق إذا كان رفيقي لصاً

ممر-العجائب-في-جبال-نيسابور
ممر-العجائب-في-جبال-نيسابور

يا خالقي لقد وقعت في الحيرة والاضطراب، أما أنت فظللت في سترك خلف النقاب، فلترفع النقاب ولا تحرق روحي، ولا تعذبني أكثر مما أنا فيه، فقد غرقت فجأة في أمواج بحرك، فمن هذا البحر المتلاطم أنقذني، وإن لم تأخذ بيدي فالويل لي. كما لوث العبث روحي، ولم تعد لي طاقة لتحمل أي عبث، فإما أن تخلصني من هذا الفساد، وإلا فلتنه حياتي ولتوارني في التراب.
يا إلهي لقد تخضب قلبي بالدم، وأصبحت في حيرة كالفلك، فوجه أقوالي إليك ليل نهار، ولا تتخلَّ لحظة واحدة عن تحقيق طلبي وأنا في جوارك دائماً. فأنت كالشمس وأنا كالطفل. فيا واهب المحتاجين ماذا يكون الأمر لو أنك حفظت حق الجوار؟ فبقلب مفعم بالأسى وبروح غاصّة بالألم تنهمر دموعي كالمطر اشتياقاً إليك. فلتكن مرشدي إذا ما ضللت الطريق، ولتعنِّي إذا ما جئت في غير موعدي. فكل من حاز البقاء في حضرتك أصبح سعيداً، بعد أن فني فيك، وأصبح بنفسه غير مكترث، فلست مستيئساً وقد قرّ قراري بجوار من يعين واحداً من كل مائة ألف.

 

السلطان محمد الفاتح

السلطان محمد الفاتح

مؤسس الإمبراطورية العثمانية

لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ
الرسول محمد (ص)

جمع بين الورع والثقافة والإدارة والعبقرية العسكرية
فأزال الدولة البيزنطية وأرعب روما والممالك الأوروبية

كان شيخه الكوراني يخاطبه بإسمه ولا ينحني له، ولا يقبّل يده
وكان يقول له «مطعمك حرام وملبسك حرام فعليك بالاحتياط»

أعطى لنصارى القسطنطينية حرية العبادة واختيار رؤسائهم
والحكم في قضاياهم وأبقى لهم نصف الكنائس في المدينة

أعدّ لفتح القسطنطينية بكل عناية فاهتم بالمدافع وإحكام الحصار
والأسطول البحري لكن سلاحه الأول كان مرافقة العلماء للجيش

أغلق المدافعون عن القسطنطينية الممر البحري بالسلاسل
فنقل الفاتح سفنه بجرها على اليابسة فصعق البيزنطيون

كلّف رجال دين نصارى رسمياً مهمة التجوال في أنحاء الدولة،
ومراقبة إدارة الدولة ومدى إحقاق العدل بين الناس في المحاكم

عند ذكر الفاتحين العظام الذين بدّلوا وجه التاريخ يبرز ذكر السلطان العثماني محمد الثاني (الفاتح) كواحد من القلّة النادرة من صنف هؤلاء الفاتحين، وهو الذي لم يكن سنه يتجاوز الرابعة والعشرين عندما تمكّن من سحق الإمبراطورية البيزنطية وإزالتها من الوجود، وقد درس محمد الفاتح على أيدي أولياء صوفية كبار مثل المولى شمس الدين الكوراني والمولى زيرك والقطب الصوفي الشهير آق شمس الدين. فمن هو السلطان محمد الفاتح وما هو الأثر الذي تركه على مسار الدولة العثمانية والعالم الإسلامي والإنسانية؟

«محمد الفاتح» أو «محمد الثاني» هو السلطان العثماني السابع في سلسلة آل عثمان، وهو محمد بن مراد بك بن محمد بك بن بايزيد بن مراد بن أورخان بن عثمان، يُلقب بالفاتح وأبي الخيرات، حكم ما يقرب من ثلاثين عاماً نجح خلالها، من خلال فتح القسطنطينية، في افتتاح تاريخ جديد للدولة العثمانية وعزّز مكانة الإسلام وهيبته في العالم.
نشأ في كنف أبيه السلطان مراد الثاني الذي أهلّه ليكون جديراً بالسلطنة، إذ علّمه علوم الدولة وعلوم الشريعة والعلوم الحديثة فحفظ القرآن وقرأ الحديث وتعلّم الفقه، كما درس الرياضيّات وعلم الفلك، إضافةً إلى إتقان فنون الحرب والقتال، كما تدرّب على إدارة شؤون الدولة، إذ تولّى السلطة على منطقة أماسيا في السلطنة، وكان ما زال في الحادية عشرة من عمره. وفي هذا ما يذكّر بتجربة الاسكندر الأكبر الذي ولّاه أبوه حكم مقدونيا كوكيل له وهو كان لا يزال في سن الخامسة عشرة. ورث عن أبيه الجلد والشجاعة والصبر والمعرفة بأمور القتال وتشرّب منه روح الإسلام لاسيما عبر الشيوخ الأقطاب الذين انتدبهم والده لتربيته، وكان إلى عبقريته العسكرية عالي الثقافة ومحباً للعلم والعلماء، وكان يتحدث عدداً من اللغات إلى جانب اللغة التركية، وهي: الفرنسية، اللاتينية، اليونانية، الصربية، الفارسية، العربية، والعبرية.
كان محمد الفاتح مهتماً بدراسة التاريخ، مغرماً بقراءة سير العظماء. تميّز بثقته الكبيرة بنفسه وبقدرته على تحمّل المشاق، ندر أن أدى صلاته خارج المسجد وسلك كل طريق تُقرِّبُه إلى الله جلّ وعلا، كان طموحاً محباً للتفوّق. وإلى جانب هذا كلّه، كان متواضعاً محباً للعلماء ورجال الأدب بالإضافة إلى الفنون وخاصةً الرسم، وكان يتذوّق الأدب ويحفظ الشعر وينشده، ولعلّ أكثر ما ميّزه هو حياته البسيطة فقد كان عدواً للترف وللعادات المعقّدة، مائدته بسيطة نادراً ما تخلو من العلماء والأدباء.

إخبار الرسول (ص) عنه
من أهم الكرامات التي حظي بها محمد الفاتح، السلطان المؤمن، هو أن رسول الله (ص) مدحه ضمناً في حديث صحيح ورد في مسند ابن حنبل تنبأ فيه بفتح القسطنطينية وقد جاء فيه:
} حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَسَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ حَدّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَعَافِرِيُّ، قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بِشْرٍ الْخَثْعَمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ{
أسبغ الحديث النبوي الذي تنبأ بفتح القسطنطينية وامتدح الأمير الذي سيفتحها وجيشه هالة من الجلال والاحترام على شخص الفاتح عندما تمّ الفتح وتحقق ما جاء في إخبار الرسول (ص) على يده، إذ تمكّن السلطان الشاب بنصر من الله من تحقيق أعظم إنجاز في تاريخ الإسلام منذ الفتوحات الأولى، فأسقط بذلك تلك المدينة العظيمة والمحصّنة التي صمدت أكثر من ثمانية قرون لأكثر من 11 محاولة لفتحها على يد الخلفاء المسلمين المتعاقبين، وهي كانت تحوّلت إلى شوكة في خاصرة الدولة العثمانية الصاعدة ومصدر متاعب لها. وقد أدى فتح القسطنطينية إلى القضاء نهائياً على الدولة البيزنطية بعد أن استمرّت أحد عشر قرناً ونيف، وبلغ من أهمية الحدث في نظر العديد من المؤرخين أنهم اعتبروه خاتمة العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة، ويعتبر فتح القسطنطينية عند الأتراك فاتحة ما أسموه بـ «عصر الملوك» إذ تحوّلت الدولة العثمانية في عهد الفاتح ومع زوال بيزنطة من سلطنة إلى إمبراطورية قبل أن تبلغ ذروتها من القوة والمجد والرقي في عهد سليمان القانوني ابن حفيد محمد الفاتح في القرن السادس عشر الميلادي.
وقد تابع السلطان محمد بعد ذلك فتوحاته في آسيا، فوحّد ممالك الأناضول، وتوغّل في أوروبا حتى بلغراد ويبدو أنه كان في طريقه إلى روما مقر البابوية لولا أن الموت عاجله وهو منشغل بإعداد حملة عسكرية ضخمة أبقى تفاصيلها كلها سراً حتى عن أقرب المقربين إليه.

كتب لوالده الزاهد طالباً منه العودة لتحمــّـل مسؤولياته قائلاً: إن كنت أنت السلطان فتعالَ وقف على قيادة جيشك ودولتك وإن كنت أنا السلطان فإني آمرك بقيادة الجيش

مولده ونشأته
وُلد محمد الثاني، للسلطان مراد الثاني في مدينة أدرنة، عاصمة الدولة العثمانية فجر يوم الأحد بتاريخ 26 رجب سنة 833 هـ الموافق 20 أبريل من سنة 1429 م ، وعندما بلغ سن الحادية عشرة، أرسله والده السلطان، كما كانت عليه عادة الحكّام العثمانيين، إلى أماسيا ليكون حاكماً عليها وليبدأ في اكتساب الخبرات اللازمة لحكم دولة بقوة واتساع الإمبراطورية العثمانية. وقد مارس محمد الأعمال السلطانية في حياة أبيه، وكان منذ تلك الفترة يعايش ويتابع صراع المسلمين مع الدولة البيزنطية وقد استوعب مع الوقت أن بقاء بيزنطة والقسطنطينية أصبح عقبة لا بدّ من إزالتها إذا أريد للدولة العثمانية القوية أن تحقق طموحاتها وتبسط سيادتها على العالم القديم حتى تخوم الصين والهند. وكان السلطان مطلعاً اطلاعاً وافياً على المحاولات العثمانية السابقة لفتح القسطنطينية، بل ويعلم بما سبقها من محاولات متكررة في العصور الإسلامية المختلفة.

الشيخ فوق الأمير
وخلال الفترة التي قضاها حاكماً على أماسيا، أرسل السلطان مراد الثاني إليه عدداً من المعلمين بهدف الإشراف على تعليمه وتربيته وفق المبادئ الإسلامية لكنه وهو الأمير الصغير المعتد بقوته لم يمتثل لأمرهم، ولم يقرأ شيئاً، حتى أنه لم يختم القرآن الكريم، الأمر الذي كان يُعد ذا أهمية كبرى في تكوين ملوك بني عثمان، عندها طلب السلطان مراد أن يأتوا له برجل ذي مهابة وحدة، فذكر له المولى أحمد بن إسماعيل الكوراني، فجعله معلماً لولده وأعطاه قضيباً يضربه به إذا خالف أمره، فذهب إليه، ودخل عليه والقضيب بيده، فقال: «أرسلني والدك للتعليم والضرب إذا خالفت أمري»، فضحك السلطان اليافع من ذلك الكلام، فضربه المولى الكوراني في ذلك المجلس ضرباً شديداً، حتى خاف منه السلطان محمد، وخضع لهيبته وقد ساهم ذلك في تحقيقه تقدماً كبيراً وسريعاً في حفظ القرآن الكريم والتضلّع بالعلوم الشرعية في مدة يسيرة.

تربية إسلامية وتقوى
هذه التربية الإسلامية على يد ذلك الولي الصالح كان لها الأثر الأكبر في تكوين شخصية محمد الفاتح، إذ جعلت منه مسلماً مؤمناً ملتزماً بحدود الشريعة، مقيداً بالأوامر والنواهي، معظماً لها ومدافعاً عن إجراءات تطبيقها، فتأثر بالعلماء الربانيين، وبشكل خاص معلمه مولاه «الكوراني» وانتهج منهجهم. ثم برز دور الشيخ العارف الصوفي «آق شمس الدين» في تكوين شخصية محمد الفاتح وقد بث فيه منذ صغره أمرين هما: مضاعفة حركة الجهاد العثمانية، وإخباره دوماً منذ صغره بأنه هو الأمير المقصود بالحديث النبوي، وقد جعل ذلك محمد الثاني مؤمناً حقاً بأنه أصطفي من الله تعالى لإنجاز ذلك الفتح، وأنه هو المقصود على الأرجح بحديث الرسول (ص) حول فتح القسطنطينية.

اعتلاؤه العرش للمرة الأولى
في 13 يوليو سنة 1444 أبرم السلطان مراد الثاني معاهدة سلام مع إمارة قرمان بالأناضول، وعقب ذلك توفي أكبر أولاد السلطان واسمه علاء الدين، فحزن عليه والده حزناً شديداً وسئم الحياة، فتنازل عن الملك لابنه محمد البالغ من العمر أربع عشرة سنة، وسافر إلى ولاية أيدين للإقامة بعيداً عن هموم الدنيا وغمها، لكنه لم يمكث في خلوته بضعة أشهر حتى أتاه خبر غدر المجر وإغارتهم على بلاد البلغار غير مراعين شروط الهدنة اعتماداً على تغرير الكاردينال «سيزاريني»، مندوب البابا، وإفهامه لملك المجر أن عدم رعاية الذمة والعهود مع المسلمين لا تُعد حنثًاً ولا نقضاً.
وكان السلطان محمد الثاني قد كتب إلى والده يطلب منه العودة للقيام بمسؤولية حكم وإدارة السلطنة تحسباً لوقوع معركة مع المجر، إلا أن مراد رفض هذا الطلب. فردّ محمد الثاني الفاتح: «إن كنت أنت السلطان فتعالَ وقف على قيادة جيشك ودولتك وإن كنت أنا السلطان فإني آمرك بقيادة الجيش». وبناءً على هذه الرسالة، عاد السلطان مراد الثاني وقاد الجيش العثماني في معركة فارنا، التي كان فيها النصر الحاسم للمسلمين بتاريخ 10 تشرين الثاني/نوفمبر سنة 1444.
يُقال بأن عودة السلطان مراد الثاني إلى الحكم كان سببها أيضاً الضغط الذي مارسه عليه الصدر الأعظم «خليل جندرلي باشا»، الذي لم يكن مولعاً بحكم محمد الثاني، بما أن الأخير كان متأثراً بمعلمه المولى «الكوراني» ويتخذ منه قدوة، وكان الكوراني على خلاف مع الباشا.

ولايته الأولى في مانيسا
انتقل السلطان محمد الثاني إلى مانيسا الواقعة بغرب الأناضول بعد ثورة الإنكشارية عليه، وبعد أن جمعهم والده وانتقل لخوض حروبه في أوروبا. ولا توجد معلومات وافية عمّا قام به السلطان محمد في الفترة التي قضاها في مدينة مانيسا. وكان السلطان مراد الثاني قد عاد إلى عزلته مرة أخرى بعد أن انتصر على المجر واستخلص مدينة فارنا منهم، لكنه لم يلبث فيها هذه المرة أيضاً، لأن عساكر الإنكشارية ازدروا ملكهم الفتى محمد الثاني وعصوه ونهبوا مدينة أدرنة عاصمة الدولة، فرجع إليهم السلطان مراد الثاني في أوائل سنة 1445 وأخمد فتنتهم. وخوفاً من رجوعهم إلى إقلاق راحة الدولة، أراد أن يشغلهم بالحرب، فأغار على بلاد اليونان والصرب طيلة سنواته الباقية، وفتح عدداً من المدن والإمارات وضمها إلى الدولة العثمانية.
قام محمد الفاتح خلال المدة التي قضاها في مانيسا، بضرب النقود السلجوقية بإسمه، وفي أغسطس أو سبتمبر من سنة 1449، توفيت والدته، وبعد ذلك بسنة، أي في 1450، أبرم والده صلحاً مع «اسكندر بك الألباني وكان الأخير قد تظاهر بالإسلام وأظهر الإخلاص للسلطان حتى قرّبه إليه، ثم انقلب عليه أثناء انشغاله بمحاربة الصرب والمجر، وبعد عدد من المعارك رأى السلطان الذي كان منشغلاً بالفتوحات مصالحة الأمير المتمرد ريثما يفرغ من حملاته تلك فيعود إلى معالجة ما كان هذا يحدثه من فوضى واضطراب».

الجيش العثماني يتدفق على المدينة المحاصرة بعد انهيار دفاعاتها
الجيش العثماني يتدفق على المدينة المحاصرة بعد انهيار دفاعاتها

اعتلاؤه العرش للمرة الثانية
عاد السلطان مراد الثاني إلى أدرنة، عاصمة ممالكه ليُجهز جيوشاً جديدة كافية لقمع الثائر على الدولة، «اسكندر بك»، لكنه توفي في يوم 7 شباط/ فبراير سنة 1451، وما أن وصلت أنباء وفاة السلطان إلى ابنه محمد الثاني، حتى ركب فوراً وعاد إلى أدرنة حيث توّج سلطاناً للمرة الثانية في 19 شباط/ فبراير من السنة نفسها، وأقام جنازة لوالده الراحل وأمر بنقل الجثمان إلى مدينة بورصة لدفنه بها.
عندما تولّى محمد الثاني الملك خلفاً لوالده لم يكن قد بقي خارج سلطانه في آسيا الصغرى إلا جزء من بلاد القرمان ومدينة «سينوب» ومملكة طرابزون الروميّة. وصارت مملكة الروم الشرقية قاصرة على مدينة القسطنطينية وضواحيها. وكان إقليم «موره» مجزءاً بين البنادقة وإمارات صغيرة عدة يحكمها بعض أعيان الروم أو الإفرنج الذين تخلفوا عن إخوانهم بعد انتهاء الحروب الصليبية. أضف إلى ذلك بلاد البشناق المستقلة، والصرب التابعة للدولة العثمانية تبعية سيادية؛ أما ما بقي من شبه جزيرة البلقان كان داخلاً تحت سلطة الدولة كذلك.

السلطان-محمد-الفاتح-يشرف-على-نقل-سفن-الأسطول-العثماني-عبر-اليابسة-متجاوزا-إغلاق-المدافعين-لمدخل-البوسفور
السلطان-محمد-الفاتح-يشرف-على-نقل-سفن-الأسطول-العثماني-عبر-اليابسة-متجاوزا-إغلاق-المدافعين-لمدخل-البوسفور

الإعداد لفتح القسطنطينية
أخذ السلطان محمد الثاني، بعد وفاة والده، يستعد لفتح ما بقي من بلاد البلقان ومدينة القسطنطينية حتى تكون جميع أملاكه متصلة لا يتخللها عدو مهاجم أو صديق منافق، فبذل بداية الأمر جهوداً عظيمة في تقوية الجيش العثماني بالقوى البشرية حتى وصل تعداده إلى قرابة ربع مليون جندي، وهذا عدد كبير مقارنة بجيوش الدول في تلك الفترة، كما عني عناية خاصة بتدريب الجيش على فنون القتال المختلفة وبمختلف أنواع الأسلحة التي تؤهله للغزو الحاسم المنتظر، كما أعتنى الفاتح بإعداد قواته إعداداً معنوياً قوياً وغرس روح الجهاد فيهم، وكان يذكرهم دوماً بثناء الرسول (ص) على الجيش الذي يفتح القسطنطينية وعسى أن يكونوا هم الجيش المقصود بذلك، مما أعطاهم قوة معنوية وشجاعة منقطعة النظير، كما كان لإنتشار العلماء بين الجنود ومرافقتهم لهم في المعارك أثر كبير في تقوية عزائمهم.
أراد السلطان، قبل أن يبدأ الحملة الفاصلة لفتح القسطنطينية أن يُحصّن مضيق البوسفور بما يقطع الطريق المائي لإمداد المدينة من مملكة طرابزون، وذلك بأن يُقيم قلعة على شاطئ المضيق في أضيق نقطة من الجانب الأوروبي منه مقابل القلعة التي أسست في عهد السلطان بايزيد في البر الآسيوي. ولمّا بلغ إمبراطور الروم هذا الخبر أرسل إلى السلطان سفيراً يعرض عليه دفع الجزية التي يُقررها، فرفض الفاتح طلبه وأصرّ على البناء لما يعلمه من أهمية عسكرية لهذا الموقع، حتى اكتملت قلعة عالية ومحصنة، وصل ارتفاعها إلى 82 متراً، وأطلق عليها إسم «قلعة روملي حصار» ، وأصبحت القلعتان متقابلتين، ولا يفصل بينهما سوى 660 متراً، تتحكمان في عبور السفن من شرقي البوسفور إلى غربه وتستطيع نيران مدافعهما منع أية سفينة من الوصول إلى القسطنطينية من المناطق التي تقع شرقها مثل مملكة طرابزون وغيرها من الأماكن التي تستطيع دعم المدينة عند الحاجة. كما فرض السلطان رسوماً على كل سفينة تمرّ في مجال المدافع العثمانية المنصوبة في القلعة، وكان أن رفضت إحدى سفن البندقية التوقّف رغم إرسال العثمانيين لها عدداً من الإشارات، فتمّ إغراقها بطلقة مدفعية واحدة فقط.
اعتنى السلطان عناية خاصة بجمع الأسلحة اللازمة لفتح القسطنطينية، ومن أهمها المدافع، التي أخذت اهتماماً خاصاً منه، حيث أحضر مهندساً مجرياً يدعى أوربان كان بارعاً في صناعة المدافع، فأحسن استقباله ووفّر له جميع الإمكانيات المالية والمادية والبشرية. تمكّن هذا المهندس من تصميم وتصنيع العديد من المدافع الضخمة كان على رأسها «المدفع السلطاني» المشهور، والذي ذكر أن وزنه كان يصل إلى مئات الأطنان وأنه يحتاج إلى مئات الثيران القوية لتحريكه، وقد أشرف السلطان بنفسه على صناعة هذه المدافع وتجريبها.
ويُضاف إلى هذا الاستعداد ما بذله الفاتح من عناية خاصة بالأسطول العثماني، حيث عمل على تقويته وتزويده بالسفن المختلفة ليكون مؤهلاً للقيام بدوره في الهجوم على القسطنطينية، تلك المدينة البحرية التي لا يكمل حصارها من دون وجود قوة بحرية تقوم بهذه المهمة، وقد ذُكر أن السفن التي أعدّت لهذا الأمر بلغت مائة وثمانين سفينة في أقل تقدير، وقد ذكرت مصادر أخرى أنها قاربت الثلاثمائة سفينة.

معاهدات لكسب الوقت
عمل الفاتح قبل هجومه على القسطنطينية على عقد معاهدات مع أعدائه المختلفين ليتفرغ لعدو واحد، فعقد معاهدة مع إمارة غالاطا المجاورة للقسطنطينية من الشرق ويفصل بينهما مضيق القرن الذهبي، كما عقد معاهدات مع جنوة والبندقية، وهما من الإمارات الأوروبية المجاورة، ولكن هذه المعاهدات لم تصمد حينما بدأ الهجوم الفعلي على القسطنطينية، حيث وصلت قوات من تلك المدن وغيرها للمشاركة في الدفاع عن المدينة.
في الوقت الذي كان السلطان يعد العدة للفتح، حاول الإمبراطور البيزنطي جاهداً ثنيه عن هدفه، بتقديم الأموال والهدايا المختلفة إليه، وبمحاولة رشوة بعض مستشاريه ليؤثروا على قراره، ولكن السلطان كان عازماً على تنفيذ مخططه ولم تثنِه هذه الأمور عن هدفه، ولما رأى الإمبراطور البيزنطي شدة عزيمة السلطان على تنفيذ هدفه عمد إلى طلب المساعدات من مختلف الدول والمدن الأوروبية وعلى رأسها البابا وهو الرئيس الروحي للكنيسة الكاثوليكية في العالم، وهذا على الرغم من العداء التاريخي الشديد بين روما وبين الكنيسة البيزنطية، وقد اضطر الإمبراطور لمجاملة البابا والتقرّب إليه بأن أظهر له استعداده للعمل على توحيد الكنيستين الشرقية والغربية، وكان موقف الإمبراطور البيزنطي يائساً بالفعل لكي يقدم مثل تلك التنازلات التي لم يكن شعبه أو كنيسته موافقة عليها. ويبدو أن البابا وجد في التهديد الوشيك للقسطنطينية فرصة تاريخية لمدّ نفوذ الفاتيكان شرقاً، وهو قام لذلك بإرسال مندوب منه إلى المدينة فخطب في كنيسة آيا صوفيا ودعا للبابا وأعلن توحيد الكنيستين، إلا أن تدخل روما على تلك الصورة أغضب جمهور الأرثوذكس في المدينة، وجعلهم يقومون بحركة مضادة لهذا العمل الإمبراطوري الكاثوليكي المشترك، حتى قال أحد زعماء الكنيسة الأرثوذكسية: «إنني أفضل أن أشاهد في ديار البيزنط عمائم الترك على أن أشاهد القبعة اللاتينية» .

أقنعه شيخه بأنه هو المقصود بحديث الرسول (ص) عن فتح القسطنطينية فبث هذا الإيمان في جنوده وضباطه وسار على رأسهم وأثبت صدق النبوءة

الإمبراطور قسطنطين ينظر من فوق حصون القسطنطينية إلى الحشود الهائلة لجيش السلطان محمد الفاتح
الإمبراطور قسطنطين ينظر من فوق حصون القسطنطينية إلى الحشود الهائلة لجيش السلطان محمد الفاتح
صدمة أوروبا بسقوط القسطنطينية
سبّب سقوط القسطنطينية في أيدي المسلمين صدمة عنيفة للعالم الأوروبي المسيحي والذي اعتاد على اعتبار هذه المدينة مقدسة لا تعادلها في القدسية إلا مدينة  القدس التي كانت قد أصبحت منذ العهد الراشدي مدينة إسلامية. وقد اعتبر سقوط المدينة بعد صمودها ثمانية قرون بمثابة أمر يعصى على التصديق ليس فقط لأنه أزال من الوجود معقل المسيحية في الشرق، بل لأنه يفتح الطريق أمام تقدم المسلمين في أوروبا نفسها. لذلك فقد فجّر الفتح الإسلامي للمدينة عاصفة من الخوف والمرارة انعكست بمناخ لا مثيل له من الكراهية للإسلام وبموجات تحريض وتعبئة بدت وكأنّها تستهدف إحياء مناخ العصبية والجهاد المقدس الذي رافق الحملات الصليبية. وقد بذل الأمراء ورجال الإكلير والشعراء والأدباء كل ما في وسعهم لتأجيج براكين الغضب في نفوس الأوروبيين ضد المسلمين، وعقد الأمراء والملوك اجتماعات طويلة ومستمرة وتنادوا إلى نبذ الخلافات والحزازات والتوحد ضد العثمانيين. وكان البابا نيقولا الخامس أشد الناس تأثراً بنبأ سقوط القسطنطينية، وقد عمل جهده وصرف وقته في توحيد الدول الإيطالية وتشجيعها على قتال المسلمين، وترأس مؤتمراً عُقد في روما، أعلنت فيه الدول المشاركة عزمها على التعاون في ما بينها وتوجيه جميع جهودها وقوتها ضد العدو المشترك. وأوشك هذا الحلف أن يتحقق إلا أن الموت عاجل البابا في 25 مارس سنة 1455 أي بعد سنتين تقريباً من سقوط القسطنطينية.

السلطان يخطب في الجيش
في تلك الأثناء كان السلطان محمد الفاتح قد بدأ في تسريع استعداداته للحرب الفاصلة فقام أولاً بتمهيد الطريق بين أدرنة والقسطنطينية لكي تكون صالحة لجر المدافع العملاقة عبرها إلى القسطنطينية. كما قام السلطان بتحريك المدافع من أدرنة إلى قرب القسطنطينية، وخلال مدة شهرين تمّ تركيزها كلها كما تمت حمايتها بقسم الجيش، ثم وصلت بعد ذلك الجيوش العثمانية التي كان يقودها الفاتح بنفسه إلى مشارف القسطنطينية في يوم الخميس 6 أبريل 1453.
صبيحة اليوم التالي جمع السلطان جيوشه المتعددة الألوية والبيارق وكانوا قرابة مائتين وخمسين ألف جندي أي ربع مليون، فخطب فيهم خطبة قوية حثهم فيها على الجهاد وطلب النصر أو الشهادة، وذكّرهم فيها بالتضحية وصدق القتال عند اللقاء، وقرأ عليهم الآيات القرآنية التي تحث على ذلك، كما ذكر لهم الأحاديث النبوية التي تبشر بفتح القسطنطينية وفضل الجيش الفاتح لها وأميره، وما في فتحها من عز للإسلام والمسلمين، وقد ردّ الجيش على الخطبة بصيحات تهليل وتكبير مدوية وعلّت في أرجاء المعسكر أناشيد حماسية عبّرت عن تحرق الجيش لبدء الهجوم.
مع اكتمال حشد الجيوش كان السلطان قد أحكم الحصار على المدينة بجنوده من ناحية البرّ، وبأسطوله من ناحية البحر، وأقام حول المدينة أربع عشرة بطارية مدفعية وضع بها المدافع الجسيمة التي صنعها أوربان، والتي قيل بأنها كانت تقذف كرات هائلة من الحجارة إلى مسافة ميل، ومن الأمور العجيبة التي حصلت أثناء الحصار أن قوات السلطان وقادته اكتشفوا في أثناء الحصار قبر الصحابي أبي أيوب الأنصاري الذي استشهد حين حاصر القسطنطينية في سنة 52 هـ أثناء خلافة معاوية بن أبي سفيان الأموي. وقد اعتبر السلطان هذا الاكتشاف فأل خير وهو سيعود ليقيم فوق المكان جامعاً مهيباً يعتبر من أكبر جوامع اسطنبول.
وفي هذا الوقت كان البيزنطيون قد قاموا بسدّ مداخل ميناء القسطنطينية بسلاسل حديدية غليظة حالت بين السفن العثمانية والوصول إلى القرن الذهبي، بل دمرت كل سفينة حاولت الدنو والاقتراب، إلا أن الأسطول العثماني نجح على الرغم من ذلك في الاستيلاء على جزر الأمراء في بحر مرمرة، فاستنجد الإمبراطور قسطنطين، آخر ملوك الروم، بأوروبا، فلبّى طلبه أهالي جنوة وأرسلوا له إمدادات مكونة من خمس سفن، وكان يقودها القائد الجنوي جوستنياني يُرافقه سبعمائة مقاتل متطوع من دول أوروبية متعددة، فأتى هذا القائد بمراكبه وأراد الدخول إلى ميناء القسطنطينية، فاعترضته السفن العثمانية ونشبت بينهما معركة هائلة في يوم 21 أبريل، 1453 انتهت بإفلات جوستنياني وتمكّنه من دخوله الميناء بعد أن رفع المحاصَرون السلاسل الحديدية ثم أعادوها بعد مرور السفن الأوروبية كما كانت.
حاولت القوات البحرية العثمانية تخطي السلاسل الضخمة التي تتحكم في مدخل القرن الذهبي والوصول بالسفن الإسلامية إليه، إلا أنها لم تنجح في ذلك، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع الروح المعنوية للمدافعين عن المدينة. عندها أخذ السلطان يُفكر في طريقة لدخول مراكبه إلى الميناء لإتمام الحصار برّاً وبحراً، فخطرت في باله فكرة غريبة هي أن يتم جر المراكب العثمانية في حركة التفافية عبر طريق بري، بحيث يتم تجاوز السلاسل الموضوعة لمنعها من دخول المضيق وإنزالها في مكان متقدم من المضيق خلف القوات البحرية المدافعة. وقد وتمّ هذا الأمر المستغرب بأن مهدت الأرض وسويت في ساعات قليلة وجيء بألواح من الخشب دهنت بالزيت والشحم، ثم وضعت على الطريق الممهد بطريقة من السهل انزلاق السفن عليها وجرها، وبهذه الكيفية أمكن نقل نحو سبعين سفينة وإنزالها في القرن الذهبي على حين غفلة من البيزنطيين.
استيقظ أهل المدينة صباح يوم 22 نيسان/ أبريل وفوجئوا بالسفن العثمانية وهي تسيطر على ذلك المعبر المائي، ولم يعد هناك حاجز مائي بين المدافعين عن القسطنطينية وبين الجنود العثمانيين. وقد عبّر أحد المؤرخين البيزنطيين عن عجبهم من هذا العمل فقال: «ما رأينا ولا سمعنا من قبل بمثل هذا الشيء الخارق، محمد الفاتح يحوّل الأرض إلى بحار وتعبر سفنه فوق قمم الجبال بدلاً من الأمواج، لقد فاق محمد الثاني بهذا العمل الإسكندر الأكبر».
أيقن المحاصرون عندها أن لا مناص من نصر العثمانيين عليهم، لكنهم صمموا مع ذلك على الدفاع عن مدينتهم ربما بسبب آمال ضعيفة أن تصلهم إمدادات كبيرة من أوروبا إن هم تمكنوا من تأخير الهجوم العثماني، إلا أن السلطان محمد الفاتح الذي أصبح واثقاً من النصر سعى الى اجتناب إراقة الدماء فبعث إلى الإمبراطور قسطنطين برسالة دعاه فيها إلى تسليم المدينة سلماً، وعرض عليه تأمين خروجه وعائلته وأعوانه وكل من يرغب من سكان المدينة إلى حيث يشاؤون بأمان، وأن تحقن دماء الناس في المدينة ولا يتعرضوا لأي أذى. وأعطى السلطان الفاتح الخيار لأهل المدينة بالبقاء فيها أو الرحيل عنها. ولما وصلت الرسالة إلى الإمبراطور جمع المستشارين وعرض عليهم الأمر، فمال بعضهم إلى التسليم وأصرّ آخرون على استمرار الدفاع عن المدينة حتى الموت، فمال الامبراطور إلى رأي القائلين بالقتال، وهو قام برد رسول الفاتح مع رسالة قال فيها إنه يشكر الله إذ جنح السلطان إلى السلم، وأنه يرضى أن يدفع له الجزية، أما القسطنطينية فإنه أقسم أن يدافع عنها حتى آخر نفس في حياته، فإما أن يحفظ عرشه أو يُدفن تحت أسوارها. ولما وصل جواب الإمبراطور البيزنطي إلى الفاتح قال: «حسناً عن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش أو يكون لي فيها قبر».

كان لشدة اهتمامه بالتعليم يحضر امتحانات الطلبة ويزور المدارس ويحضر الصفوف كما أنه جعل التعليم في كافة مدارس الدولة مجانياً

قصر-توبكابي---الوردة-الحمراء---في-اسطنبول
قصر-توبكابي—الوردة-الحمراء—في-اسطنبول

الهجوم الحاسم
عند الساعة الواحدة صباحاً من يوم الثلاثاء 29 مايو، 1453 بدأ الهجوم العام على المدينة، فهجم مائة وخمسون ألف جندي وتسلقوا الأسوار حتى دخلوا المدينة من كل فج وأعملوا السيف في مَنْ عارضهم واحتلوا المدينة شيئاً فشيئاً إلى أن سقطت بأيديهم، بعد 53 يوماً من الحصار، أما الإمبراطور قسطنطين فقاتل حتى مات في الدفاع عن وطنه كما وعد، ولم يهرب أو يتخاذل. ثم دخل السلطان المدينة عند الظهر فوجد الجنود مشتغلة بالسلب والنهب، فأصدر أمره بمنع كل اعتداء، فساد الأمن حالاً. ثم توجه إلى كنيسة آيا صوفيا وقد اجتمع فيها خلق كبير من الناس ومعهم القساوسة والرهبان الذين كانوا يتلون عليهم صلواتهم وأدعيتهم، وعندما اقترب من أبوابها خاف المسيحيون داخلها خوفاً عظيماً، وقام أحد الرهبان بفتح الأبواب له فطلب من الراهب تهدئة الناس وطمأنتهم والعودة إلى بيوتهم بأمان، فأطمأن الناس وكان بعض الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة فلما رأوا تسامح الفاتح وعفوه خرجوا وأعلنوا إسلامهم، وقد أمر الفاتح بعد ذلك بأن يؤذن في الكنيسة بالصلاة إعلاناً بجعلها مسجداً. وقد أعطى السلطان للنصارى حرية إقامة الشعائر الدينية واختيار رؤسائهم الدينيين الذين لهم حق الحكم في النظر بالقضايا المدنية، كما أعطى هذا الحق لرجال الكنيسة في الأقاليم الأخرى ولكنه في الوقت نفسه فرض الجزية على الجميع. ثم قام بجمع رجال الدين المسيحيين لينتخبوا بطريركاً لهم، فاختاروا جورجيوس كورتيسيوس سكولاريوس وأعطاهم نصف الكنائس الموجودة في المدينة، أما النصف الآخر فجعله جوامع للمسلمين. وبتمام فتح المدينة، نقل السلطان محمد مركز العاصمة إليها، وسُميت «إسلامبول»، أي «تخت الإسلام» أو «مدينة الإسلام» .

سياسة الفاتح المتسامحة
بعد تمام النصر والفتح، إتخذ السلطان لقب «الفاتح» و«قيصر الروم»، وذلك بإعتبار أن القسطنطينية كانت عاصمة الإمبراطورية الرومانية، بعد أن نُقل مركز الحكم إليها سنة 330 بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، وكونه هو سلطان المدينة فكان من حقه أن يحمل هذا اللقب. وكانت للسلطان رابطة دم بالأسرة الملكية البيزنطية، بما أن كثيراً من أسلافه، كالسلطان أورخان الأول، تزوجوا بأميرات بيزنطيات.
يذكر أن السلطان أمر بعد سقوط القسطنطينية بحبس الصدر الأعظم «خليل جندرلي باشا»، الذي اتهم أثناء حصار المدينة بالتعامل مع العدو أو تلقيه رشوة منه لفضح تحركات الجيش العثماني، فحُبس لمدة أربعين يوماً وسُملت عيناه، ثم حُكم عليه بالإعدام فأعدم.
السلطان يوسّع رقعة الدولة
بعد إتمامه لترتيباته وبناء ما هُدم من أسوار القسطنطينية وتحصينها، أمر السلطان ببناء مسجد بالقرب من قبر أبي أيوب الأنصاري، جرت العادة في ما بعد أن يتقلّد كل سلطان جديد سيف عثمان الغازي الأول في هذا المسجد، ثم سافر بجنوده لفتح بلاد جديدة، فقصد بلاد موره، لكن لم ينتظر أميراها «دمتريوس» و«توماس»، أخوا قسطنطين، قدومه، بل أرسلا إليه يُخبرانه بقبولهما دفع جزية سنوية قدرها إثنا عشر ألف دوكا. فقبل السلطان ذلك، وغيّر وجهته قاصداً بلاد الصرب، فأتى هونياد الشجاع المجري، الملقب «بالفارس الأبيض»، وردّ عن الصرب مقدمة الجيوش العثمانية، إلا أن الصرب لم يرغبوا في مساعدة المجر لهم لاختلاف مذهبهم، حيث كان المجر كاثوليكيين تابعين لبابا روما، والصرب أرثوذكسيين لا يذعنون لسلطة البابا بل كانوا يفضلون حكم المسلمين عليهم لما رأوه من عدم تعرضهم للدين مطلقاً. ولذلك أبرم أمير الصرب الصلح مع السلطان محمد الثاني على أن يدفع له سنوياً ثمانين ألف دوكا، وذلك في سنة 1454.
وفي السنة التالية أعاد السلطان الكرّة على الصرب من جديد، بجيش مؤلف من خمسين ألف مقاتل وثلاثمائة مدفع، ومرّ بجيوشه من جنوب تلك البلاد إلى شمالها من دون أن يلقى أقل معارضة حتى وصل مدينة بلغراد الواقعة على نهر الدانوب وحاصرها من جهة البر والنهر. وكان هونياد المجري دخل المدينة قبل إتمام الحصار عليها ودافع عنها بشراسة فقرر السلطان رفع عنها الحصار سنة 1455. لكن ورغم عدم تمكّن العثمانيين من فتح عاصمة الصرب إلا أنهم أصابوا هونياد بجراح بليغة توفي بسببها بعد رفع الحصار عن المدينة بنحو عشرين يوماً. ولما علم السلطان بموته أرسل الصدر الأعظم «محمود باشا» لإتمام فتح بلاد الصرب فأتمّ فتحها من سنة 1458 إلى سنة 1460.
وفي هذه الأثناء تمّ فتح بلاد موره. ففي سنة 1458 فتح السلطان مدينة «كورنته» وما جاورها من بلاد اليونان حتى جرّد «طوماس باليولوج»، أخا قسطنطين، من جميع بلاده ولم يترك إقليم موره لأخيه دمتريوس إلا بشرط دفع الجزية. وبمجرّد ما رجع السلطان بجيوشه ثار طوماس وحارب الأتراك وأخاه معاً، فاستنجد دمتريوس بالسلطان فرجع بجيش عرمرم ولم يعد حتى تمّ فتح إقليم موره سنة 1460 فهرب طوماس إلى إيطاليا، ونُفي دمتريوس في إحدى جزر الأرخبيل. وفي ذلك الوقت فُتحت جزر تاسوس والبروس وغيرهما من جزر بحر الروم.

التوسّع في آسيا الصغرى
بعد عودة السلطان من بلاد اليونان أبرم صلحاً مع إسكندر بك وترك له إقليمي ألبانيا وإيبيروس، ثم حوّل أنظاره إلى آسيا الصغرى ليفتح ما بقي منها، فسار بجيشه من دون أن يُعلم أحداً بوجهته في أوائل سنة1461، فهاجم أولاً ميناء بلدة أماستريس، وكانت مركز تجارة أهالي جنوة النازلين بهذه الأصقاع. ولكون سكانها تجّاراً يُحافظون على أموالهم ولا يهمهم دين أو جنسية متبوعهم ما دام غير متعرّض لأموالهم أو لأرواحهم، فتحوا أبواب المدينة ودخلها العثمانيون بغير حرب. ثم أرسل إلى «اسفنديار»، أمير مدينة سينوب، يطلب منه تسليم بلاده والخضوع له. ولأجل تعزيز هذا الطلب أرسل أحد قوّاده ومعه عدد عظيم من المراكب لحصار الميناء، فسلمها إليه الأمير وأقطعه السلطان أراضي واسعة بأقليم «بيثينيا» مكافأة له على خضوعه، ثم قصد بنفسه مدينة طرابزون ودخلها من دون مقاومة شديدة وقبض على الملك وأولاده وزوجته وأرسلهم إلى القسطنطينية.

وفي سنة 1464، أراد ملك المجر استعادة البوسنة من العثمانيين، فهُزم بعد أن قُتل معظم جيشه، وكانت عاقبة تدخله أن جُعلت البوسنة ولاية كباقي ولايات الدولة، وسُلبت ما كان مُنح لها من الامتيازات، ودخل في جيش الإنكشارية ثلاثون ألفاً من شبانها وأسلم أغلب أشراف أهاليها.
في سنة 1463 أشعل البنادقة حركة عصيان على الدولة العثمانية، لكنهم لما علموا بقدوم السلطان مع جيش يبلغ عدده ثمانين ألف مقاتل، تركوا البرزخ راجعين على أعقابهم، فدخل العثمانيون بلاد موره من دون معارضة كبيرة واسترجعوا كل ما أخذوه وأرجعوا السكينة إلى البلاد. وفي السنة التالية أعاد البنادقة الكرّة على بلاد موره من دون فائدة.

البابا يدعوه إلى الدين المسيحي
بعد ذلك حاول البابا «بيوس الثاني» بكل ما أوتي من مهارة وقدرة سياسية النجاح في أحد بأمرين. وهو اختار أولاً سبيل الإغراءات فأرسل خطاباً إلى السلطان محمد الفاتح يطلب منه أن يعتنق المسيحية، كما اعتنقها قبله قسطنطين الأول الروماني وكلوفيس ووعده بأنه سيكفر عنه خطاياه إن هو اعتنق المسيحية مخلصاً، ووعده بمنحه بركته واحتضانه ومنحه صكاً بدخول الجنة. ولما فشل البابا في خطته هذه لجأ إلى الخطة الثانية، خطة التهديد والوعيد واستعمال القوة، فحاول بعث المشروع الصليبي في نفوس النصارى، شعوباً وملوكاً، قادة وجنوداً، واستعدت بعض الدول لتحقيق فكرة البابا الهادفة للقضاء على العثمانيين، ولكن لما حان وقت النفير اعتذرت دول أوروبا بسبب متاعبها الداخلية المختلفة، عاجل الموت البابا بعد ذلك بفترة قصيرة.

لقد حول محمد الفاتح اليابسة إلى بحار وجعل سفنه تبحر فوق قمم الجبال بدلاً من الأمواج، لقد فاق بهذا العمل الإسكندر الأكبر
(قائد بيزنطي)

فتح القسطنطينية عام 1453
فتح القسطنطينية عام 1453

الفاتح يلحق الهزيمة بالمغول
بعد أن ساد الأمن في أنحاء أوروبا، حوّل السلطان أنظاره إلى بلاد القرمان بآسيا الصغرى ووجد سبيلاً سهلاً للتدخل، وهو أن أميرها المدعو إبراهيم أوصى بعد موته بالحكم إلى أحد أولاده واسمه الأمير إسحق، ولكونه كان لديه إخوة لأب أكبر منه سناً، يرغب كل منهم بالحكم بطبيعة الأمر، تدخل السلطان محمد الثاني وحارب إسحق وهزمه وولى محله أكبر إخوته، وعاد إلى أوروبا لمحاربة اسكندر بك، الذي كان ما زال على قيد الحياة آنذاك، فانتهز الأمير إسحق غياب السلطان وعاود الكرّة على قونية، عاصمة القرمان، لاسترداد ما أوصى به إليه أبوه من البلاد، فرجع إليه السلطان وقهره. وليستريح باله من هذه الجهة أيضاً، ضمّ إمارة قرمان إلى بلاده وغضب على وزيره محمود باشا الذي عارضه في هذا الأمر.
وبعد ذلك بقليل زحف أوزون حسن ، سلطان دولة الخروف الأبيض، وهو أحد خلفاء تيمورلنك، الذي كان سلطانه ممتداً على كافة البلاد والأقاليم الواقعة بين نهري جيحون والفرات، وفتح مدينة «توقات» عنوة ونهب أهلها. فأخذ السلطان في تجهيز جيش جرّار وأرسل لأولاده داود باشا بكلر بك الأناضول، و مصطفى باشا حاكم القرمان، يأمرهما بالمسير لمحاربة العدوّ، فسارا بجيوشهما إليه وقابلا جيش «أوزون حسن» على حدود إقليم الحميد، وهزماه شر هزيمة في معركة بالقرب من مدينة إرزينجان. وبعدها، في أواخر صيف سنة 1473، سار إليه السلطان نفسه ومعه مائة ألف جندي وأجهز على ما بقي معه من الجنود بالقرب من مدينة كَنجه، ولم يعد «أوزون حسن» لمحاربة الدولة العثمانية بعد ذلك، إذ أن هذه المعركة كانت قد قضت على سلطة دولته، ولم يعد للعثمانيين من عدو لجهة الشرق، حتى بروز الشاه إسماعيل الصفوي والدولة الصفوية في وقت لاحق، وفي هذه الأثناء كانت الحرب متقطعة بين العثمانيين والبنادقة الذين استعانوا ببابا روما وأمير نابولي، وكان النصر فيها دائماً للعثمانيين، ولم يتمكن البنادقة من استرجاع شيء مما أخذ منهم.

مواجهة دولة البندقية
وفي سنة 1477 أغار السلطان على بلاد البنادقة ووصل إلى إقليم «فريولي» بعد أن مرّ بإقليميّ «كرواتيا» و «دالماسيا » ، فخاف البنادقة على مدينتهم الأصلية وأبرموا الصلح معه تاركين له مدينة كرويا. بعد ذلك، وبسبب الضغط المستمر للمدفعية العثمانية قرر البنادقة عقد صلح جديد مع السلطان تنازلوا بموجبه عن ميناء إشقودره الاستراتيجي مقابل بعض الامتيازات التجارية، وتمّ الصلح بين الفريقين على ذلك ووقعت بينهما معاهدة في يوم 28 كانون الثاني/يناير سنة 1479 وكانت هذه أول خطوة خطتها الدولة العثمانية لفرض نفسها كطرف في جنوب القارة الأوروبية، إذ كانت جمهورية البندقية حينذاك أهم دول أوروبا لا سيما في التجارة البحرية، وما كان يُعادلها في ذلك إلا جمهورية جنوة.

تنظيمات السلطان الفاتح للدولة
في موازاة اهتمامه بالفتوحات وتوسيع رقعة الإمبراطورية العثمانية أظهر السلطان محمد الفاتح كفاءة كبيرة في تنظيم الدولة عبر الاهتمام بالاقتصاد والجيش والإدارة والمالية والصحة العامة والأمن والقضاء وغيرها من شؤون الدولة لكن السلطان أولى في الوقت نفسه اهتماماً خاصاً بتعزيز الدين الإسلامي فبنى الجوامع والمعاهد الدينية ورصد لها الأوقاف واهتم بالعلماء وقربهم، ونبع اهتمام السلطان بالجانب الديني من تحول الإمبراطورية العثمانية رسمياً إلى دولة الخلافة والسلطان إلى خليفة المسلمين أو «أمير المؤمنين»، كما نبع من اقتناعه الشديد بأن التزام الدين الحنيف من كل فئات المجتمع ولا سيما الحكام يوفّر للدولة التوفيق والنصر من الله جلّ جلاله.
إصلاحات رائدة لنظام التعليم
كان أول ما فعله السلطان محمد الفاتح هو الاهتمام بنظام ومؤسسات التعليم بحيث يوفر أساس قوة الدولة وحيويتها، وهو بدأ بإعادة هيكلة هذا القطاع وترتيب المدارس درجات ومراحل مع وضع المناهج لها، وجرى تحديد العلوم والمواد التي تُدرّس في كل مرحلة، ووَضَعَ لها نظاماً واضحاً.
فرض السلطان إجراء الامتحانات الدقيقة لتقرير انتقال الطالب إلى المرحلة التالية، وكان ربما يحضر امتحانات الطلبة ويزور المدارس ولا يأنف من سماع الدروس التي يلقيها الأساتذة، ولا يبخل بالعطاء للنابغين من الأساتذة والطلبة، كما أنه جعل التعليم في كافة مدارس الدولة بالمجان، وكانت المواد التي تدرس في تلك المدارس: التفسير والحديث والفقه والأدب والبلاغة وعلوم اللغة والهندسة، وأنشأ إلى جانب مسجده الذي بناه بالقسطنطينية ثماني مدارس على كل جانب من جوانب المسجد يتوسطها صحن فسيح، وفيها يقضي الطالب المرحلة الأخيرة من دراسته، وألحقت بهذه المدارس مساكن للطلبة ينامون فيها ويأكلون طعامهم ووضعت لهم منحة مالية شهرية، وأنشأ إلى جانبها مكتبة خاصة وكان يُشترط في الرجل الذي يتولّى أمانة هذه المكتبة أن يكون من أهل العلم والتقوى، متبحراً في أسماء الكتب والمؤلفين، وكانت مناهج المدارس تتضمن نظام التخصص، فكان للعلوم النقلية والنظرية قسم خاص وللعلوم التطبيقية قسم خاص أيضاً.
من أبرز مآثره أيضاً تقريبه للعلماء ورفع قدرهم وتشجيعهم على العمل والإنتاج، بدل التواكل، وبذله لهم الأموال والعطايا والمنح والهدايا وتكريمهم غاية الإكرام.
وقد كان من مكانة شيخه المربّي أحمد الكوراني أنه كان يخاطب السلطان بإسمه ولا ينحني له، ولا يقبّل يده بل يصافحه مصافحة، وكان لا يأتي إلى السلطان إلا إذا أرسل إليه، وكان يقول له: «مطعمك حرام وملبسك حرام فعليك بالاحتياط». وكذلك بالنسبة للشيخ «آق شمس الدين» الذي درّس السلطان محمد الفاتح العلوم الأساسية في ذلك الزمن، وهي القرآن الكريم والسنة النبوية والفقه والعلوم الإسلامية واللغات العربية، والفارسية والتركية، وكذلك في مجال العلوم العلمية من الرياضيات والفلك والتاريخ والحرب، وكان الشيخ آق ضمن العلماء الذين أشرفوا على السلطان محمد عندما تولّى إمارة «أماسيا» ليتدرّب على إدارة الولاية، وأصول الحكم. واستطاع الشيخ آق شمس الدين أن يقنع الأمير الصغير بأنه المقصود بالحديث النبوي: «لتفتحنَّ القسطنطينية ولنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش».
وكان الشيخ آق شمس الدين أول من ألقى خطبة الجمعة في مسجد آيا صوفيا. وكان السلطان محمد الفاتح يحب شيخه شمس الدين حباً عظيماً، وكانت له مكانة كبيرة في نفسه وقد بيّن السلطان لمن حوله – بعد الفتح-: «إنكم ترونني فرحاً، فرحي ليس فقط لفتح هذه القلعة إن فرحي يتمثل في وجود شيخ عزيز الجانب، في عهدي، هو مؤدبي الشيخ آق شمس الدين». وعبّر السلطان عن مهابته لشيخه في حديث له مع وزيره «محمود باشا»، حيث قال: «إن احترامي للشيخ آق شمس الدين، احترام غير اختياري. إنني أشعر وأنا إلى جانبه بالانفعال والرهبة».

مدفع سلطاني عثماني مماثل للمدفع الذي استخدم عند حصار القسطنطينية. تمّ صب هذا المدفع عام1464، وهو الآن موجود في متحف الترسانة الملكية البريطانية

دعم حركة الترجمة والتأليف ونشر المعرفة بتعميم المكتبات العامة وأنشأ في قصره خزانة خاصة احتوت على غرائب الكتب والعلوم، وكان فيها اثنا عشر ألف مجلد عندما احترقت

اهتمامه بالثقافة والشعر
كان السلطان الفاتح شاعراً موهوباً، وكان له اهتمام شديد بالأدب عامة والشعر خاصة، وكان يصاحب الشعراء ويصطفيهم، واستوزر الكثير منهم، وكان في بلاطه ثلاثون شاعراً يتناول كل منهم راتباً شهرياً قدره ألف درهم، وكان مع هذا ينكر على الشعراء التبذل والمجون والدعارة ويعاقب من يخرج عن الآداب بالسجن أو يطرده من بلاده. وكان الفاتح يكتب أشعاره بإسم «عوني»، ويُعدّ أوّل شاعر سلطاني اتخذ لنفسه إسماً مستعاراً. وللفاتح ديوان باللغة التركية معظمه في الغزل.
أتقن السلطان اللغة اليونانية وست لغات أخرى وكان عمره لا يتجاوز الـ 21 عاماً، أي في السنة التي فتح فيها القسطنطينية، وقد أمر بنقل العديد من الآثار المكتوبة باليونانية واللاتينية والعربية والفارسية إلى اللغة التركية، ونقل إلى التركية كتاب التصريف في الطب للزهراوي، وعندما وجد كتاب بطليموس في الجغرافيا وخريطة له طلب من العالم الرومي «جورج أميروتزوس» وابنه أن يقوما بترجمته إلى العربية وإعادة رسم الخريطة باللغتين العربية واليونانية، وكافأهما على هذا العمل بعطايا واسعة، وقام العلامة القوشجي بتأليف كتاب بالفارسية ونقله للعربية وأهداه للفاتح.
كما كان مهتماً باللغة العربية فقد طلب من المدرّسين بالمدارس الثماني أن يجمعوا بين الكتب الستة في تدريسهم وبين علم اللغة كالصحاح.. ودعم الفاتح حركة الترجمة والتأليف لنشر المعارف بين رعاياه بالإكثار من نشر المكتبات العامة وأنشأ له في قصره خزانة خاصة احتوت على غرائب الكتب والعلوم، وكان فيها اثنا عشر ألف مجلد عندما احترقت.
اهتمامه بصحة رعايا الدولة
كان السلطان محمد الفاتح مغرماً ببناء المعاهد والقصور والمستشفيات والخانات والحمامات والأسواق الكبيرة والحدائق العامة، وأدخل المياه إلى المدينة بواسطة قناطر خاصة. شجع الوزراء وكبار رجال الدولة والأغنياء والأعيان على تشييد المباني وإنشاء الدكاكين والحمامات وجميع أشكال العمران التي تعطي المدن بهاء ورونقاً، واهتم بالعاصمة إسلامبول اهتماماً خاصاً، وكان حريصاً على أن يجعلها «أجمل عواصم العالم» و«حاضرة العلوم والفنون».
الكثير من العمران انتشر في عهد الفاتح ، واهتم بدور الشفاء، ووضع لها نظاماً مثالياً في غاية الروعة والدقة والجمال، فقد كان يعهد بكل دار من هذه الدور إلى طبيب – ثم زيد إلى اثنين – من حذاق الأطباء من أي جنس كان، يعاونهما كحّال وجراح وصيدلي وجماعة من الخدم والبوابين، وكان يُشترط في جميع المشتغلين بالمستشفى أن يكونوا من ذوي القناعة والشفقة والإنسانية، ووجب على الأطباء أن يعودوا المرضى مرتين في اليوم، وأن لا تصرف الأدوية للمرضى إلا بعد التدقيق من إعدادها، وكان يشترط في طباخ المستشفى أن يكون عارفاً بطهي الأطعمة والأصناف التي توافق المرضى منها، وكان العلاج والأدوية في هذه المستشفيات بالمجان ويغشاها جميع الناس من دون تمييز بين أجناسهم وأديانهم.
ولعلّ أبرز آثار السلطان العمرانية هو قصر الباب العالي الذي أمر بالبدء ببنائه قرابة عقد الستينات من القرن الخامس عشر، إضافة إلى مسجده الذي حمل اسمه، وآيا صوفيا بطبيعة الحال التي أمر بتحويلها من كنيسة إلى مسجد.

الاهتمام بالتجارة والصناعة
اهتم السلطان محمد الفاتح بالتجارة والصناعة وعمل على إنعاشهما بجميع الوسائل والعوامل والأسباب وكان العثمانيون على دراية واسعة بالأسواق العالمية، وبالطرق البحرية والبرية وطوروا الطرق القديمة، وأنشأوا الجسور الجديدة مما سهّل حركة التجارة في جميع أجزاء الدولة، واضطرت الدول الأجنبية لمسايسة الدولة العثمانية ليمارس رعاياها حرفة التجارة في الموانئ المهمة العديدة في ظل الراية العثمانية. كان من أثر السياسة العامة للدولة في مجال التجارة والصناعة أن عمّ الرخاء وساد اليسر والرفاهية في جميع أرجاء الدولة، وأصبحت للدولة عملتها الذهبية المتميزة، ولم تهمل الدولة إنشاء دور الصناعة ومصانع الذخيرة والأسلحة، وأقامت القلاع والحصون في المواقع ذات الأهمية العسكرية في البلاد.

سنّ القوانين وتنظيم إدارة الدولة
عمل السلطان محمد الفاتح على تطوير دولته؛ ولذلك فقد سنّ القوانين حتى يستطيع أن ينظم شؤون الإدارة المحلية في دولته، وكانت تلك القوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية. وضع السلطان الفاتح أنظمة جديدة سار عليها من جاء بعده، فأطلق على الحكومة العثمانية اسم «الباب العالي» وجعل لها أربعة أركان، هم الصدر الأعظم وقاضي العسكر والدفتردار والنيشانجي. وشكل السلطان محمد لجنة من خيار العلماء لتشرف على وضع «قانون نامه» المستمد من الشريعة المذكورة وجعله أساساً لحكم دولته، وكان هذا القانون مكوناً من ثلاثة أبواب، يتعلق بمناصب الموظفين وببعض التقاليد وما يجب أن يتخذ من التشريفات والاحتفالات السلطانية، وهو يقرر كذلك العقوبات والغرامات، ونص صراحة على جعل الدولة حكومة إسلامية قائمة على تفوق العنصر الإسلامي أياً كان أصله وجنسه، وقد استمرت المبادئ الأساسية لهذا القانون سارية المفعول في الدولة العثمانية حتى سنة 1839.
إهتم محمد الفاتح بوضع القوانين التي تنظم علاقة السكان من غير المسلمين بالدولة ومع جيرانهم من المسلمين، ومع الدولة التي تحكمهم وترعاهم، وأشاع العدل بين رعيته، وجدّ في ملاحقة اللصوص وقطّاع الطرق، وأجرى عليهم أحكام الإسلام، فاستتب الأمن وسادت الطمأنينة في ربوع الدولة العثمانية. وعندما كانت الدولة تعلن الجهاد وتدعو أمراء الولايات وأمراء الألوية، كان عليهم أن يلبوا الدعوة ويشتركوا في الحرب بفرسان يجهزونهم تجهيزاً تاماً، وذلك حسب نسب مبينة، فكانوا يجهزون فارساً كامل السلاح قادراً على القتال عن كل خمسة آلاف آقجة من إيراد اقطاعه، فإذا كان إيراد إقطاعه خمسمائة ألف آقجة مثلاً كان عليه أن يشترك بمائة فارس، وكان جنود الإيالات مؤلفة من مشاة وفرسان، وكان المشاة تحت قيادة وإدارة باشوات الإيالات وبكوات الألوية. قام محمد الفاتح بحركة تطهير واسعة لكل الموظفين القدماء غير الأكفاء وجعل مكانهم الأكفاء، واتخذ الكفاءة وحدها أساساً في اختيار رجاله ومعاونيه وولاته.

رسم للسلطان محمد الفاتح وهو يشم زهرة
رسم للسلطان محمد الفاتح وهو يشم زهرة

فرمان سلطاني بحماية المسيحيين

في سنة 1462، وبعد إخضاع السلطان الفاتح لبلاد البوسنة قام بإصدار فرمان يتعلق بحماية الفرنسيسكان من سكان تلك البلاد من أي اضطهاد أو ظلم، بسبب معتقداتهم الدينية، وما زال ذلك الفرمان يعتبر نموذجاً على سياسة التسامح التي طبقها العثمانيون على الأقليات المسيحية في جميع البلدان التي فتحوها. وفي ما يلي نص الفرمان.

“ بسم الله الرحمن الرحيم
أنا السلطان محمد خان الفاتح،
أعلن للعالم أجمع أن،
أهل البوسنة الفرنسيسكان قد مُنحوا بموجب هذا السلطاني حماية جلالتي. ونحن نأمر بأن: لا يتعرض أحد لهؤلاء الناس ولا لكنائسهم وصلبهم ! وبأنهم سيعيشون بسلام في دولتي. وبأن أولئك الذين هجروا ديارهم منهم، سيحظون بالأمان والحرية. وسيُسمح لهم بالعودة إلى أديرتهم الواقعة ضمن حدود دولتنا العليّة.
لا أحد من دولتنا سواء كان نبيلاً، وزيراً، رجل دين، أو من خدمنا سيتعرض لهم في شرفهم وفي أنفسهم !
لا أحد سوف يهدد، أو يتعرض لهؤلاء الناس في أنفسهم، ممتلكاتهم، وكنائسهم !
وسيحظى كل ما أحضروه معهم من متاع من بلادهم بنفس الحماية.
وبإعلان هذا الفرمان، أقسم بالله العظيم الذي خلق الأرض في ستة أيام ورفع السماء بلا عمد، وبسيدنا محمد عبده ورسوله، وجميع الأنبياء والصالحين أجمعين، بأنه لن نسمح بأن يُخالف أي من أفراد رعيتنا أمر هذا الفرمان !”

اسطنبول اليوم
اسطنبول اليوم

جعل العلاج والأدوية في مستشفيات الدولة بالمجان للجميع دون تمييز وكان يفرض على الأطباء عيادة مرضاهم مرتين في اليوم

تعزيز عديد وأسلحة بالجيش
تميّز عصر السلطان محمد الفاتح إلى جانب قوة الجيش البشرية وتفوقه العددي، بإنشاءات عسكرية عديدة متنوعة، فأقام دور الصناعة العسكرية لسدّ احتياجات الجيش من الملابس والسروج والدروع ومصانع الذخيرة والأسلحة، وأقام القلاع والحصون في المواقع ذات الأهمية العسكرية، وكانت هناك تشكيلات متنوعة في تمام الدقة وحسن التنظيم من فرسان ومشاة ومدفعية وفرق مساعدة، تمد القوات المحاربة بما تحتاجه من وقود وغذاء وعلف للحيوان وإعداد صناديق الذخيرة حتى ميدان القتال.
كان هناك صنف من الجنود يسمى، «لغمجية» وظيفته الحفر للألغام وحفر الأنفاق تحت الأرض أثناء محاصرة القلعة المراد الاستيلاء عليها، وكذلك السقاؤون كان عليهم تزويد الجنود بالماء. تطورت الجامعة العسكرية في زمن الفاتح وأصبحت تخرج الدفعات المتتالية من المهندسين والأطباء والبيطريين وعلماء الطبيعيات والمساحات، وكانت تمد الجيش بالفنيين المتخصصين. استحق معه أن يعده المؤرخون مؤسس الأسطول البحري العثماني، ولقد استفاد من الدول التي وصلت إلى مستوى رفيع في صناعة الأساطيل مثل الجمهوريات الإيطالية وبخاصة البندقية وجنوة، أقوى الدول البحرية في ذلك الوقت.

تنظيم القضاء
إن إقامة العدل بين الناس كان من واجبات السلاطين العثمانيين، وكان السلطان محمد شأنه في ذلك شأن من سلف من آبائه – شديد الحرص على إجراء العدالة في أجزاء دولته، ولكي يتأكد من هذا الأمر كان يرسل بين الحين والحين إلى بعض رجال الدين من النصارى بالتجوال والتطواف في أنحاء الدولة، ويمنحهم مرسوماً مكتوباً يبين مهمتهم وسلطتهم المطلقة في التنقيب والتحري والاستقصاء لكي يطلعوا كيف تُساس أمور الدولة وكيف يجري ميزان العدل بين الناس في المحاكم، وقد أُعطي هؤلاء المبعوثون الحرية الكاملة في النقد وتسجيل ما يرون ثم يرفعون ذلك كله إلى السلطان.
كانت تقارير هؤلاء المبعوثين المسيحيين تشيد دائماً بحسن سير المحاكم وإجراء العدل بالحق والدقة بين الناس من دون محاباة أو تمييز، وكان السلطان الفاتح عند خروجه إلى الغزوات يتوقف في بعض الأقاليم وينصب خيامه ليجلس بنفسه للمظالم ويرفع إليه من شاء من الناس شكواه ومظلمته. اعتنى الفاتح بوجه خاص برجال القضاء الذين يتولون الحكم والفصل في أمور الناس، فلا يكفي في هؤلاء أن يكونوا من المتضلعين في الفقه والشريعة والاتصاف بالنزاهة والاستقامة وحسب، بل لا بدّ إلى جانب ذلك أن يكونوا موضع محبة وتقدير بين الناس، وأن تتكفل الدولة بحوائجهم المادية حتى تسد طرق الإغراء والرشوة، فوسع لهم الفاتح في عيشهم كل التوسعة، وأحاط منصبهم بحالة مهيبة من الحرمة والقداسة والحماية. أما القاضي المرتشي فلم يكن له عند الفاتح من جزاء غير القتل.
كان السلطان الفاتح – رغم اشتغاله بالجهاد والغزوات – إلا أنه كان يتتبع كل ما يجري في أرجاء دولته بيقظة واهتمام، وأعانه على ذلك ما حباه الله من ذكاء قوي وبصيرة نفاذة وذاكرة حافظة وجسم قوي، وكان كثيراً ما ينزل بالليل إلى الطرقات والدروب ليتعرف على أحوال الناس بنفسه ويستمع إلى شكاواهم بنفسه، كما ساعده على معرفة أحوال الناس جهاز أمن الدولة الذي كان يجمع المعلومات والأخبار التي لها علاقة بالسلطنة وترفع إلى السلطان الذي كان يحرص على دوام المباشرة لأحوال الرعية، وتفقد أمورها والتماس الإحاطة بجوانب الخلل في أفرادها وجماعاتها.

وفاته
قاد السلطان حملة لم يحدد وجهتها، لأنه كان شديد الحرص على عدم كشف مخططاته العسكرية حتى لأقرب وأعز قواده. وقد قال في هذا الصدد عندما سُئل مرة: «لو عرفته شعرة من لحيتي لقلعتها»، لكنّ المؤرخين يخمنون بأنها كانت إلى إيطاليا. لكن السلطان مرض وتوفى قبل تمكنه من السير فيها يوم 3 مايو سنة 1481 عن ثلاث وخمسين سنة بعد أن حكم لمدة 31 عاماً قضاها في حروب متواصلة للفتح وتقوية الدولة وتعميرها، وأتم في خلالها مقاصد أجداده، ففتح القسطنطينية وجميع ممالك وأقاليم آسيا الصغرى والصرب والبشناق وألبانيا، وحقق كثيراً من المنجزات الإدارية الداخلية التي سارت بدولته على درب الازدهار ومهدت الطريق أمام السلاطين اللاحقين ليركزوا على توسيع الدولة وفتح أقاليم جديدة. ومن مآثره أيضاً وضعه أول مبادئ القانون المدني وقانون العقوبات، فأبدل العقوبات البدنية، أي العين بالعين والسنّ بالسنّ، وجعل عوضها الغرامات النقدية بكيفية واضحة أتمّها السلطان سليمان القانوني لاحقاً.
دُفن السلطان في المدفن المخصص الذي أنشأه في أحد الجوامع التي أسسها في الآستانة، وترك للأجيال سمعة مهيبة في العالمين الإسلامي والمسيحي على حد سواء.

 

سيف-السلطان-محمد-الفاتح-في-قصر-الباب-العالي
سيف-السلطان-محمد-الفاتح-في-قصر-الباب-العالي

وصيّته لابنه:

هذه هي الوصية التي سجّلها السلطان محمد الفاتح لابنه بايزيد وهو على فراش الموت:

«ها أنذا أموت، ولكنني غير آسف لأنني تارك خلفاً مثلك. كن عادلاً صالحاً رحيماً، وابسط على الرعية حمايتك من دون تمييز، واعمل على نشر الدين الإسلامي، فإن هذا هو واجب الملوك على الأرض، قدم الاهتمام بأمر الدين على كل شيء، ولا تفتر في المواظبة عليه، ولا تستخدم الأشخاص الذين لا يهتمون بأمر الدين، ولا يجتنبون الكبائر وينغمسون في الفحش، وجانب البدع المفسدة، وباعد الذين يحرضونك عليها. وسّع رقعة البلاد بالجهاد واحرس أموال بيت المال من أن تبدّد، وإياك أن تمد يدك إلى مال أحد من رعيتك إلا بحق الإسلام، واضمن للمعوزين قوتَهم، وابذل إكرامك للمستحقين .
وبما أن العلماء هم بمثابة القوة المبثوثة في جسم الدولة، فعظم جانبهم وشجعهم، وإذا سمعت بأحد منهم في بلد آخر فاستقدمه إليك وأكرمه بالمال.
حذار حذار لا يغرَّنَّك المال ولا الجند، وإياك أن تبعد أهل الشريعة عن بابك، وإياك أن تميل إلى أي عمل يخالف أحكام الشريعة، فإن الدين غايتنا، والهداية منهجنا وبذلك انتصرنا.
خذ مني هذه العبرة: حضرت هذه البلاد كنملة صغيرة، فأعطاني الله تعالى هذه النعم الجليلة، فالزم مسلكي، وأحذِ حذوي، واعمل على تعزيز هذا الدين وتوقير أهله ولا تصرف أموال الدولة في ترف أو لهو، وأكثر من قدر اللزوم فإن ذلك من أعظم أسباب الهلاك».

أفلاطون

الحلقة الثانية

محـــاورة مينــــون

الفضيلـــــــــة هِبـــَة إلهيـــــــــة
فهــــــل يمكـــــــــن تعليمــــــــــها؟

محاورة مينون تكشف عن عمق الفوضى الفكرية
والفســـــاد القيمي للفكر السوفسطائي في أثينــــا

مينون يحاول إنكار المعرفة وإمكان تعلمها
فيرد سقراط بمثل العبد والمربع الهندسي

تدور محاورة مينون حول مفهوم الفضيلة، وإذا ما كانت قابلة للتعليم والتعلُّم، أو ما إذا أمكنَ تحصيلها بالتجربة أو أنّها ماثلة بالطبيعة في الإنسان. ويسعى أفلاطون إلى استجلاء حلٍّ لتلك المعضلات المنطقية التي تفرضها هذه الأسئلة بتسليطه الضوء، من خلال الفرضية والتحليل الهندسي، على نظرية أن «المعرفة تذكُّر» وتأصّل الحقائق والكلّيات في النفس، بما يعكس أبعاد التعاليم الفيثاغورية والأورفية، ويُمهِّد من خلال سياقها الفلسفي لمحاورة فيدون حول خلود النفس. وفيما تخلُص المحاورةُ إلى أنّ الفضيلة هي «هِبَة إلهية»، فإنّ طرحَها لنظرية «المعرفة تذكُّر» يبقى السِمة الأبرز للطرح الحكمي اليوناني منذ فيثاغوراس وحتى أفلاطون.

إن إحدى الفوائد التي تقدمها محاورة مينون هي أنها تلقي من طرف غير مباشر الضوء على الفوضى الفكرية وأزمة القيم التي خلقها انتشار الفكر التشككي السوفسطائي في القرن الخامس قبل الميلاد، والذي سيسهم إلى حد كبيير في انهيار مكانة أثينا وتدمير قيم مجتمعها.
وفي حنين إلى ماضي أثينا المجيد اختصر الكاتبُ الإغريقي التراجيدي يروبيديس (Euripides) في صرخته المريرة الحاضرَ المؤلمَ الذي عاشَه في تلك الفترة المضطربة:
الحيــــــــــاةُ تغيـــــــــَّرت، وقوانينُهـــــــــا أُهمِلَـــــــــت
الإنســــــــــــــــــانُ قــــــــــــــــــد نَســــــــــــــــــِيَ الإلـــــــــــه
كان تأثير السوفسطائيين المفسد وراء تقهقر المعايير الأخلاقية والدينية، والتشكيك بالفضائل الأساسية كالعدالة والأخلاق والمعرفة، واحترام القانون. كان علمُهم فناً ومهارة بلاغية وجدالية فحسب، كما يؤكد أفلاطون، وليس ثقافة حقيقية ولا تنويراً.
وبتأثير السوفسطائيين، أخذ التعليم في ساحات أثينا ينأى عن التشديد على الفضائل الأخلاقية والحكمية وقيم الفروسية السامية كالشرف والشجاعة والمروءة والولاء والشهامة والاعتدال لينصَبّ على مواهب بلاغية تفيد المرء في تحصيل أعراض الدنيا أو في الحصول على موقع سياسي أو وجاهة اجتماعية وفقاً للقِيَم الوضيعة الجديدة التي سوّقوا لها، والتي قادت في نهاية المطاف إلى محاكمة شبه صورية لسقراط الحكيم انتهت بالحكم عليه بالموت.
مع نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، كانت جميع نواحي الثقافة الأثينية، الاقتصادية والسياسية والفكرية والاجتماعية، قد تقهقرت بفعل نشر عقيدة التشكُّكِ السوفسطائي إزاء احتمال الحصول على المعرفة والحقيقة، وهو ما قاد إلى ازدراء الفلسفة الحقّة والحط من قدر الحكمة الأصيلة، وعززت تلك النزعة الميول الفردية الأنانية بذرائع واقعية تكاد تشبه كثيراً البرغماتية التي اتسع نفوذها في عالم اليوم! وقاد هذا التفكك الاجتماعي والتشكيك بالقيم إلى خسارة الحضارة الإغريقية لروحها الأصيلة فعلاً، والتي مكنت أثينا، من أن تهزم امبراطورية عظيمة كفارس قبل أقل من قرن.
عارض بروتاغوراس (Protagoras)، أحد السوفسطائيين الأوائل، الإدراك العقلي الحقيقي بالإدراك الحسّي المادي، ملقياً ظلال الشك الثقيلة على كل حقيقة مُدرَكة بالعقل، وبالتالي على إمكانية المعرفة. فكل شيء نسبي وفقاً للإنسان الذي يتناوله بإدراك عقلي كان أو حسّي. فالإنسان برأيه هو «مقياس جميع الأشياء»، رافضاً بذلك جميع الحقائق الفلسفية والعلمية العامة، وهو ما تصدّى له أفلاطون وفنّده في أكثر من محاورة، مُبيّناً أنّ النفسَ مفطورةٌ على الحكمةِ والمعرفةِ التي تكتسبها بالتأمّل العقلي الفلسفي لا بالإدراك الحسّي، والمعرفةَ الحقّةَ هي معرفةُ الماهيات الكُلِّية أو المُثُل العليا لا الجزّئيات المتمثّلة في الأعراض المتغيّرة للوجود الظاهر.

المحـــــــــاورة

مينون يعلن موقفه المتشكك
المشهد: مينون محاطاً بحاشيته ومسحة من صلف السوفسطائيين تتبدّى على مُحيّاه. يبدأ الحوار سائلاً سقراط: «هلّا أخبرتني يا سقراط ما إذا كانت الفضيلة شيئاً ممكن تعليمُه؟ وفي حال لم تكن قابلة للتعليم، هل هي مما يُكْتَسَب بالممارسة؟ أو أنّها لا تُكْتَسَب بالممارسة ولا تُحصَّل بالتعلُّم بل تكون قائمة في الكائنات البشرية بالطبيعة أو بطريقة أخرى؟».
رغم الخيارات المتعددة التي طرحها مينون من أجل إرباك الحوار، فإن النقاش في المحاورة سيتركز على الاحتمال الأول، أي هل الفضيلة يمكن تعليمُها، ذلك السؤال الذي طغى على ما سواه، وتبدّت أبعاده مع تطوُّر المحاورة وقيام أفلاطون بتفنيد المفارقة التشكُّكية التي طرحها مينون وصولاً إلى طرح نظرية المعرفة تذكُّر وإثباتها بالتحليل الهندسي وصولاً إلى الجزم بأن الفضيلة «هِبَة إلهية».
وسنرى كيف سيسعى سقراط خلال الحوار إلى دحض تصوُّرات محاوره منذ البداية وإثبات فشل رؤيته المتأثرة بغورجياس حول الفضيلة. وهو سيقود مينون إلى الوقوع في قبضة الحيرة والإرباك مظهراً إفلاس مقولته.
بدل أن يقدم سقراط جواباً على فرضيات مينون معطياً إياه فرصة المضي في المماحكة، فإنه اتبع أسلوبه الخاص بالإجابة على السؤال بسؤال آخر يستهدف تصويب منهجية الحوار. قال موجهاً كلامه إلى مينون إنّه «لا يعرف ما هي الفضيلة». ردّ مينون بأنّه وفقاً لِمَا سمعه من معلّمه غورجياس فإنّ الفضيلة «تختلف بحسب اختلاف الأشخاص والجنس والعمر»، إلا أنّ سقراط يرفض ذلك قائلاً لا بُدّ أن تكون ثمة فضيلة مشتركة لدى الجميع مهما كانوا، وأيّاً يكن جنسهم أو عمرهم، فحُسن الخُلق والعدالة على سبيل المثال هما فضيلتان موجودتان لدى الصغار كشأن الكبار.

سقراط: يبدو يا مينون أنّني حظيتُ بقسط وافرٍ من الحظ، إذ إنّني عندما بحثتُ عن فضيلةٍ واحدة اكتشفتُ أن لديكَ حشداً من الفضائل. وإذا ما سألتُكَ، تماشياً مع هذه الصورة، عن ماهية النحل وقلت إنّ هناك أنواعاً مختلفة منها، فكيف تُجيبني إذا ما سألتُك: هل تعني، من هذه الناحية، أنّ ثمة أجناساً مختلفة منها يختلف أحدها كلياً عن الآخر، أو أنّها لا تختلف اختلافاً اصلياً، بل في نواحٍ غير أصلية مثل الجمال أو الحجم أو أي شيء آخر من هذا القبيل؟ أخبرني كيف ستُجيب إذا ما سُئلتَ على هذا النحو؟
مينون: أقول في ذلك إنّها لا تختلف، من حيث كونها جماعات نحلٍ، الواحدة عن الأخرى.
سقراط: وإذا ما قلتَ بعد ذلك: أخبرني الآن يا مينون بأيِّ شيء لا تختلف بل تتشابه جميعاً، فما قولك في ذلك؟ أفترضُ أنّ لديك ما تقوله لي؟
مينون: نعم، هو كذلك.
سقراط: الأمر ذاته ينطبق على الفضائل أيضاً. فإذا كانت ثمة أنواعٌ مختلفة منها، فإنّها تتماثل جميعاً في هيئة واحدة، تُعرِّفها كفضيلة.
مينون: أظنّني أفهمك، ولو أنّني لم أستشفّ المقصدَ من سؤالك كما أودّ.
سقراط: هل يبدو لك على هذا النحو يا مينون، في ما يختص بالفضيلة فحسب، بأنّ ثمة فضيلة للرجل، وأخرى للمرأة، ونحو ذلك، أو أنّها الفضيلة ذاتها بالنسبة إلى الصحة والحجم والقوة أيضاً. فهل تظنّ أنّ هناك صحة للرجل وأخرى للمرأة؟ أو أنّها بالهيئة ذاتها في كِلتا الحالتين.
مينون: أظنُّ كذلك بالنسبة إلى الصحة على الأقل، فهي ذاتها لدى الرجل والمرأة على السواء.

أدى أخذ سقراط للحوار في هذا المنحى إلى ارتباك مينون وفكره التشككي، لذا نراه مستاء بعض الشيء ويشبّه سقراط بالسمكة اللاسعة التي تصعق ضحيتها وتشلّها، (أي بأسئلته التي حيّرت عقل مينون وكشفت كم هو بعيد عن الحقيقة). انتقل مينون إلى محاولة تعريف الفضيلة باعتبارها «القدرة على إحراز الأشياء القيِّمة مثل الذهب والفضة والمقتنيات الأخرى. إلا أنّ سقراط يُجبره على الإقرار بأنّ حيازة مثل هذه المقتنيات لا بُدّ من أن تتم وفق مبدأ العدل أو الفضائل أو التقوى إذا كان العمل لأجلها سيعتبر «فضيلة». كما أن عدم إحراز تلك الأشياء سيكون هو الفضيلة بعينها إذا كان السبيل إلى إحرازها يحتوي على معارضة العدل أو الحق.
يبدي مينون في الثلث الأول من المحاورة طبعاً جدالياً وخصامياً، فبعد إخفاقه بداية في تعريف الفضيلة اقترح عليه سقراط أن يُعرِّف أولاً، من باب «التمرين» الشكل واللون، إلا أنّه بحُكم تعوِّده على الثقة المفرطة بالإجابة عن كل سؤال، كما عوَّده معلّمه غورجياس، رفض محاولة الإجابة وقال لسقراط «إفعَلْ أنت».
هنا يدعو سقراط مينون مجدداً إلى الانضمام إليه في بحث مشترك عن ماهية الفضيلة، إلا أنّ مينون يعود تهرّباً إلى طرح تساؤلاته الثلاثة الأولى، أي هل الفضيلة ممكن تعليمها، أم هي تُكْتَسَب بالممارسة، أم هي قائمة في الإنسان بالطبيعة؟

التعليم السقراطي
ما لم يفطن إليه مينون هو أنّ سقراط ببثه الحيرة لدى محاوره إنّما يُجديه نفعاً بإعمال التفكير واستجلاء أبعاد التساؤلات، وبالتالي يمنحه الفرصة لكي يصبح أكثر قابلية لاكتساب الفضيلة. وهنا يخضع مينون للتأديب السقراطي، لكن أنّى له أن يستفيد منه كما نشَدَ سقراط؟ فهو مشوب بالمثالب كما ألمح أفلاطون بين سطور بدايات الحوار، ومنها أنّه مفرط الثقة في النفس، وراغب في أن يُخْبَر لا أن يُخْبِر، وجدلي ومتعجرف ومتباهٍ ومتطلّب وغير آبه وغافل، هذا مع العلم أنّ نهاية الحوار تُنبئ بأنّ مينون لان في موقفه بعد بسط حجج سقراط ولو قليلاً، وهذا يعكس قوة التعليم الذي دأب عليه سقراط، بحيث يخرج محاورِه بدرس معرفي، وذلك بعد إثبات المعلم سقراط لإخفاق طروحاته.

مفارقة مينون
يحاول مينون السوفسطائي إرباك سقراط بقوله بأنّه لا يمكن معرفة شيء لا تعرفه بالفعل، أي أنّه يرفض مبدأ المعرفة من أساسه. ويمكن اختصار مفارقة أو مغالطة مينون(Meno Paradox)المنطقية في الظاهر لكن الخاطئة في الجوهر كما يلي:
إذا كنتَ تعرف ما تبحث عنه، فإنّ البحث المعرفي غير ضروري.
إذا كنتَ لا تعرف ما تبحث عنه، فإنّ البحث المعرفي مستحيل.
إذاً، البحث المعرفي هو إمّا غير ضروري أو مستحيل.

مينون: أنّى لكَ يا سقراط أن تتقصّى شيئاً لا تعلمه؟ وأي شيء سيكون موضوع هذا التقصِّي؟ وإذا ما تسنّى لك أن تجد ما تنشده، كيف لك أن تعلم أنّه ذلك الشيء الذي لا تحيط به علماً؟
سقراط: أعلمُ يا مينون ما هو قصدك، لكن أي جدلٍ ذاك الذي تُوقِعني فيه. فأنتَ ترى أنّ المرء لا يمكنه أن يتقصّى ما يعرفه، أو ما لا يعرفه. فإذا كان يعرفه، فما الحاجة إلى تقصّيه وهو يعرفه، وإذا كان يجهله، فأنّى له أن يتقصّى ما لا معرفة له فيه.

المعرفة تذكُّر
يحتوي سقراط هذه المفارقة السوفسطائية، التي بدا أنّ مينون قد تدرّب جيداً على يدي غورجياس في طرح أسئلتها والإيحاء بإجاباتها، وذلك باللجوء إلى نظرية التذكُّر، بأن ذكّر بداية بقصة شاعرية تتحدّث عن كون النفوس خالدة مدرِكة لجميع الحقائق المتأصِّلة فيها، وقد تعلّمت كل شيء قبل حلولها في جسد الإنسان، فبعد أن كانت مطلّعة على الأشياء الحقيقية قبل الولادة ليس عليها سوى أن تسترجعها أو تستذكرها في هذه الحياة. وربّما لا يتطلّب هذا التذكُّر سوى طريقة سقراط في طرح الأسئلة والاستجواب، وهي ليست بنظره تعليماً بل مساعدة على تحريك ملكة التذكر.
هنا تتبدّى تدريجياً الحبكة الحوارية التي انتهجها أفلاطون في إخراج مينون من ضبابية حيرته، بعد فشله في تعريف الفضيلة ثلاثاً. ومن ثم يحثّ سقراط مينون للعودة إلى منطق الحوار سعياً لأن يُثبت له أنّ التعلُّم هو تذكُّر وليس تلقيناً، فيطلب من مينون أن يختار واحداً من عبيده المرافقين له ويأخذ بطرح أسئلة عليه بشأن ما عرف في ما بعد بـ «مربّع سقراط».

الأكروبوليس-وآثار-أغورا-اليوم
الأكروبوليس-وآثار-أغورا-اليوم

سقراط: النفوس خالدة مدرِكة لجميع الحقائق المتأصِّلة فيها وقد تعلّمـــت كل شيء قبل حلولها في جسد الإنســـان

اختبار العبد
أجرى سقراط عندئذ حواراً ربما يُعتبر من بين الأكثر تأثيراً في مسار الفلسفة، سعياً إلى إثبات المعرفة المتأصِّلة في النفس، قَبْليّاً أو بَدْهيّاً a priori من غير تعلُّم ولا تعليم ولا استدلال تجريبي aposteriori فبعد أن رسم سقراط على الارض مربعاً هندسياً طول ضلعه قدمان، سأل العبد أن يُحدِّد مربعاً تكون مساحته ضعف مساحة ذاك الذي خطه. اندفع العبد ليضاعف طول كل من ضلعي المربع الأول، لكنه استدرك خطأه بسرعة عندما أثبت له سقراط أنّ المربع الناتج عن مضاعفة ضلع المربع الاول لا يساوي ضعف ذلك المربع، بل هو أكبر منه بأربع مرّات.
مينون الذي كان يشهد الاختبار زعم أن سقراط قام بـ»تخدير» عقل العبد بهذا الإرباك. لكن سقراط أجابه بالقول إن إرباك العبد لم يُسبِّب له أذى بل أفاده. يعترف العبد بأنّه عاجز عن حل المسألة ولو أنّه ظنّ العكس بداية. ويسأل سقراط مينون عن رأيه في ما قد شاهده، وما إذا كان يُستحسن أن يترك العبد المحاولة بسبب حيرته، فتمنّى مينون عليه المتابعة بالطبع.
ومن ثم عمَدَ سقراط إلى رسم 4 خطوط قطرية(Diagonals)داخل كل من المربعات الأربعة، وأصبح المربع المرتسم من أربعة من أصل المثلثات الثمانية الداخلية طول ضلعه أربعة أقدام، أي ضعف طول ضلع المربع الأصلي، وهذا هو ما كان مطلوباً. وأقرّ العبد بأنّ المربّع الحاصل هو فعلاً ضعف حجم المربع الأصلي، وقال إنّه قد استعاد تلقائياً معرفة «اكتسبها في حياة سابقة» من دون أي تعليم. وأبدى سقراط رضاه عن أنّ ثمة «معارف جديدة» برزت حديثاً لدى العبد.
وهكذا أُظهِرَ للعبد السبيل لتذكُّر ما هو ماثل فيه بَدْهيّاً من حقائق هندسية، وهو لم يتعلّم الهندسة قط، أي أنّه يمكن أن يتعلّم بالتذكّر من دون تعليم. ويُنهي سقراط استجوابه هذا بالتأكيد على أنّ الحيرة تنفع الإنسان ليس فقط فكرياً بل أخلاقياً أيضاً، من حيث السعي إلى معرفة ما لا يعلمه وبعزيمة أكبر.
وهنا، بعد أن رأى مينون بأم عينه كيف تذكّر عبدُه معرفة متأصّلة فيه، أخبر سقراط أنّه يظنّه على حق في نظرية «المعرفة تذكُّر»، فأجابه سقراط أنّه ليس واثقاً كامل الثقة من قصته لكنّ ثمة شيئاً وحيداً متأكداً منه هو استعداده للنضال بقدر استطاعته، قولاً وفعلاً، للإثبات بأننا نكون أفضل وأكثر شجاعة وفعالية إذا ما أقدمنا على البحث في ما لا نعلمه. وأثبت سقراط لمينون أنّ العبد قادر على تعلُّم حقيقة هندسية لأنّه يملك معرفة عنها بالفعل في نفسه، وبالتالي يكون التعلُّمُ ممكناً من خلال التذكُّر، وأنّ مفارقة التعلّم (Learning Paradox) خاطئة لقولها باستحالة التعلّم، إذ إنّ اختبار العبد أثبت عكس ذلك. وأظهر الاختبار الهندسي الأفلاطوني أنّ الفضيلة، إلى جانب المعارف الأخرى، يمكن استكشافها حقاً من خلال استجلاء المعرفة المتأصِّلة في النفس، وليس السبيل إلى ذلك سوى «تذكُّرها» بالمنهج المناسب.

سقراط: يُقال إنّ النفسَ البشرية خالدة. وهي في وقتٍ ما ستصل إلى نهايتها وهو ما يدعوه الناسُ موتاً وفي وقتٍ آخر ستُولد من جديد، إلا أنّها لا تتلاشى أبداً، وبالتالي على المرء أن يحيا تقيّاً ما استطاع.
وإذا ما كانت النفسُ خالدة وقد وُلِدَت مرّات عديدة، وشاهدت الأشياءَ هنا وكذلك في «هادس» أي كلَّ شيء، في الواقع فما من شيء لم تتعلّمه. لذا، لا عجبَ أنّها قادرة على تذكُّر الفضيلة وأشياء أخرى عَرَفَتها من قبل. وبما أنّ كلَّ ما في الطبيعة هو من نوعٍ واحد والنفس قد تعلّمت كلَّ شيء، فما من شيء يمنع النفس التي قد تذكّرت شيئاً واحداً وهو ما يدعونه تعلُّماً من إعادة اكتشاف كلّ شيء، شرط أن تتحلّى بالشجاعة وعدم التواني في البحث. إذ إنّ البحثَ والتعلُّمَ هما جزء من عملية التذكُّر.
لذا، وجبَ ألا نقتنع بالكلام السوفسطائي، بما أنّه يجعلنا خاملين ويسرّ سماعه ضعفاء القلوب، في حين أنّ ما سبق من كلامٍ يجعلنا توّاقين للبحث. وإيماناً بصحة ذلك، أودُّ أن أبحث معك في ماهية الفضيلة.
مينون: نعم يا سقراط، لكن ماذا تعني بقولك بأنّ لا سبيل لنا للتعلُّم، وأنّ ما يُسمّى تعلُّماً إنّما هو عملية تذكُّر؟ فهلّا علّمتني حقيقة ذلك؟
سقراط: لقد أخبرتُكَ يا مينون للتو أنّك تُبدي مكراً، فأنتَ تسألني الآن ما إذا كان بوسعي أن أُعلّمك في حين أنّني أقول بأنّ لا سبيل للتعلُّم، بل للتذكُّر فحسب، وبذلك تتصوّر أنّك تُوقِعني في التناقض.
مينون: لا وحَقّ الإله، لم أقل ذلك لهذا السبب، بل بحُكم العادة.

هل تتعرض النفس إلى البلى والتآكل بعد حلولها في أجساد عدة؟

المعتقد الحقيقي والمعرفة
بعد مناقشة عابرة مع السياسي أنيتوس(Anytus)، الذي ظهر فجأة في سياق المحاورة، حول ما إذا كان الآباء الأفاضل يُورٍّثون فضيلتهم إلى أبنائهم، وهو ما طُرِحَ الشك حياله، سأل سقراط مينون إذا كان يعتبر السوفسطائيين معلِّمين للفضيلة، وهو سؤال أوقعه مجدداً في الحيرة. أما سقراط فسيُثبت له بأنّه مخطئ بقوله إنّ المعرفة مطلوبة لأجل الفضائل العملية، مظهراً له الفرق بين»المعتقد الحقيقي»True Belief وبين الرأي الصحيح والمعرفة، ويرى سقراط أنّ المعتقد الحقيقي ذو فائدة لنا كشأن المعرفة لكن لا بُدّ من تثبيته بالتبرير العقلي مُعتبراً أيضاً ذلك تذكُّراً.

سقراط: المعتقدات الحقيقية، أيضاً، طالما لازمتك، هي ممتلكات حَسَنة وتُثمر نتائج حَسَنة تماماً.ً إلا أنّها غير راغبة في الملازمة لوقتٍ طويل، وتنسلُّ من النفس، وليست بذلك ذات شأن، حتى يُرسِّخها المرء بالعقل.
وبالمقارنة يا مينون، ذلك هو التذكّر، كما اتّفقنا للتو. ما أن تترسَّخ (المعتقدات الحقيقية)، أولاً، حتى تصبح معرفةً، ومن ثم راسخة وطيدة. ولهذا السبب تُكرَّمُ المعرفةُ أكثر من المعتقد الحقيقي، لأن المعرفة تختلف عن المعتقد الحقيقي بكونها ترسَّخت بالعقل.
مينون: نعم بحَقّ الإله يا سقراط، إنّها كذلك.

المعرفة حكمة وهِبَة إلهية
وفي الأسطر الختامية للمحاورة يخلُص سقراط، بعد أنّ بدّد جميع خيارات مينون، إلى أنّ الفضيلة هي «هِبَة إلهية»، وإلى أنّ أولئك الذين تحلّوا بالأمس، أو يتحلّون اليوم بالفضيلة إنّما الفضيلة لديهم هي نتيجة لإلهامٍ مقدّسٍ، أشبه ما يكون بإلهام الشعراء، في حين أنّ المعرفة بها تتطلّب تقصّي ماهيتها بحد ذاتها.

سقراط: إذن، هل هؤلاء الرجال يستحقّون أن يُطلَق عليهم مُلهَمون مِن علٍّ، أولئك الذين يقومون بأشياء عظيمةٍ، فعلاً وقولاً، من دون أي تفكير؟
مينون: بالتأكيد.
سقراط: يمكننا على هذا النحو أن ندعو السياسيين مُلهَمينَ، ومُلقَى في سرِّهم، حينما يتحدّثون بنجاحٍ في العديدِ من المسائل الكبيرة من دون أنْ يُدركوا حقاً ما يتحدّثون عنه.
مينون: حتماً.
سقراط: إذا ما تقصينا وتحدّثنا على نحو صائبٍ في هذا الخصوص، نخلُص إلى أنّ الفضيلة لا تُكتَسب بالطبيعة ولا بالتعليم، بل تكون ماثلةً فيمَنْ يتحلَّى بها هِبَةً، طالما أنه لا يوجد بين رجال السياسة مَنْ يمكنه أن يجعل الآخرين كذلك.
مينون: أظنُكَ يا سقراط قد أجَدتَ في ذلك.
سقراط: إذن، تبيَّن منطقياً يا مينون أنّ الفضيلة إنّما هي «هِبَةٌ إلهيةٌ»، لكن لا يسعنا أن نتيقّن من ذلك إلا عندما نبدأ بتقصّي ماهية الفضيلة نفسها، وقبل أن نستبين كيف يمكن للمرء أن يتحلّى بها.
والآن إنّي مُفَارقٌ إلى مكانٍ آخر. فعليكَ يا مينون أن تُقنِع ضيفَكَ ها هنا أنيتوس بتلك الأشياء التي اهتديتَ إليها، فعساهُ أن يغدو أكثرَ رِفقاً واعتدالاً. فإذا ما أقنعتَهُ بذلك، لتَفِيدَنَّ أيضاً جميعَ الأثينيين.

ذاكرة الوطن

حول كتاب «التاريخ المعاصر للموحدين الدروز» للدكتور عباس أبو صالح
ذاكرة الوطن في كل مكوناته

«لبنان أكثر من دولة، إنه بلد أعظم تنوع ثقافي، وكان يمكن أن يكون أكثر غنى، وبما لا يقاس، لو أنه عرف نفسه»
(كمال جنبلاط: في كتاب «من أجل لبنان»)

د. أنطوان مسرّة
عضو المجلس الدستوري

ما معنى الإنتماء اذا كان التلميذ في الكورة وبعقلين وكسروان ومرجعيون وبيروت لا يرى أين هو موقعه في تاريخ كـــل لبنان؟

لا يجب أن نخاف من تنمية التواريخ العائلية والمحلية والمناطقية والمذهبية
لأنها تساهم في إدراك الإنجازات المشتركة وفي مصالحة ذاكرات اللبنانيين

تتجاهل غالباً المقاربة التقليدية والسائدة للبناء القومي، من خلال مركز يمتد بالقوة الى كل الاطراف، إشكالية التواريخ المحلية وتواريخ المكونات الدينية والثقافية، أملاً من هذه المقاربة السائدة بتحقيق الاندماج الوطني. أما البناء القومي بالمواثيق على نمط الديموقراطيات الأوروبية الصغرى (سويسرا، بلجيكا، النمسا، البلاد المنخفضة) ولبنان وايرلندا الشمالية وأفريقيا الجنوبية وجزر فيدجي… فهو يتطلب شمول التاريخ كل مكونات المجتمع المحلية والمناطقية والدينية في سبيل تنمية الإدراك النفسي، وبالعمق لإشكالية تكوّن الوحدة المشتركة والجامعة.
تتحوّل في هذا السياق الوحدة من مجرد شعار الى واقع حياتي معيشي، فلا نختزل تالياً تاريخ لبنان بجزء من جبل لبنان، بل نجعله يشمل تاريخ جغرافيا لبنان الكاملة، كما هي محدّدة في الدستور اللبناني وكامل مكوناته الانسانية. ما معنى إنتماء اذا كان التلميذ في الفرزل والكورة وبعقلين وكسروان ومرجعيون وبيروت… لا يرى أين هو في تاريخ كل لبنان؟
في لبنان ذاكرات طوائف ليست بالضرورة نزاعية، بل قد تكون متكاملة ونابعة من علم النفس التاريخي المتراكم بسبب موقع كل طائفة جغرافياً وخبراتها التاريخية. أدرك ذلك من خلال خبرتي البيروتية وانتمائي الى مذهب الروم الملكيين الكاثوليك وجذوري الارثوذكسية، وربما أيضاً الاسلامية في بعض فروع العائلة. التواصل الاسلامي المسيحي هو الخبز اليومي “لبيارتة” الروم الملكيين الكاثوليك والارثوذكس… الذين عاشوا غالباً في المدن وتعاطوا التجارة وتفاعلوا مع محيطهم اللبناني عامة والعربي. قد يكون الوضع مختلفاً – وليس دونياً – بالنسبة الى طوائف أخرى. فهل نأخذ في الاعتبار كل تواريخنا ونتصالح معها في تناغم مشترك وخلاّق؟
إن تجاهل الذاكرات التاريخية المتنوعة وحساسيات الذهنيات في عمق اللاوعي لدى نقل التاريخ لا يخدم علم التاريخ ولا يخدم الوحدة الوطنية. الخبراء في إثارة الفتنة، داخلياً واقليمياً، يستغلون الذاكرات الفئوية المكبوتة التي لم يتم إخراجها من اللاوعي لمعالجتها وتنقيتها. قد تتكامل عندئذ لبنانية البعض الاطلاقية وعروبة البعض الآخر الاطلاقية في عروبة لبنانية حضارية وليس عروبة السجون.
يتكلم عباس ابو صالح عن “حروب” في لبنان في “ظروف اقليمية ودولية”، وعن “معاناة اللبنانيين الكثير من ويلاتها ومآسيها”. يصدر كتابه، وبفضل جهود رفيقة عمره وامانتها ووفائها، في ظروف تحولات في المنطقة، اذ يوفّر جواباً على تكهنات تستهدف النسيج العربي التعددي فيبرز لنا تالياً “دور الدروز في لبنان وسوريا وفلسطين ومواقفهم البطولية الى جانب مقاومتهم لمخطط التقسيم الذي ما زالت تسعى اسرائيل لتطبيقه من خلال الحروب الاهلية”.
يطرح الكتاب “آفاقاً جديدة للبحث”، مُركّزاً على “نضال الدروز المستمر في سبيل وحدة الاراضي في لبنان وسوريا”، ودورهم في تحقيق الاستقلال والدفاع عن الحرية الفردية واحترام حقوق المواطن، والعمل على الاصلاح السياسي والاجتماعي، وتمسكهم بـ”كيان لبنان المستقل دون دمجه كلياً أو جزئياً “، ومشاركة الدروز، بخاصة في معارك المالكية التي أسفرت عن نصر عسكري على الدولة الصهيونية “رغم امكانات الجيش المتواضعة”، واهمية تمسك دروز فلسطين بأرضهم.
يعتمد الكاتب على مصادر موثقة وغالباً اولية. أما غايته فيذكرها كالتالي: “بناء لبنان جديد، لبنان عربي ديموقراطي علماني موحد (…) والتقدير للأعلام والرموز الذين خدموا التاريخ“.
تبرز من خلال الوثائق والأحداث الممتدة أن “علاقة الدروز بالطائفة اليهودية لم تكن دائماً ودية وسلمية”. ولم يكن الدروز “أقل وعياً للخطر الاستيطاني الصهيوني”، وساهم تالياً “دروز سوريا ولبنان في دعم ثورة القسّام التي لا تقل شأناً عن مساهمة سائر القوى الوطنية في المشرق العربي”.

الأمير مجيد أرسلان لعب دوراً مهماً في حرب فلسطين ثم استقلال لبنان والزعيم كمال جنبلاط كان رائداً للإصلاح السياســي وفكرة العدالة الاجتماعية

مجاهدون دروز في المختارة اثناء انتفاضة 1958
مجاهدون دروز في المختارة اثناء انتفاضة 1958

تعبّر الوثائق الصهيونية بوضوح عن “الجهود التي بذلها قادة الصهاينة في فلسطين لوقف ومنع المجاهدين الدروز من الالتحاق بالثورة الفلسطينية 1936 – 1937”. وتجاه مساعي التجزئة وتقسيم الكيانات العربية، اتخذ الدروز “الموقف الوطني الصارم”. ويذهب الكاتب الى أبعد من ذلك فيقول: “تقضي الامانة أن من اختار البقاء في فلسطين قد فعل خيراً للوطن، لأن من مصلحة اسرائيل هدم الكيان اللبناني”. هل تتباين بين المذاهب هذه العلاقة العدائية مع الصهيونية؟ تظهر الوثائق الصهيونية “عدم ثقة الصهاينة بأية طائفة عربية في فلسطين بما فيهم الدروز”.
ويورد المؤرخ تقريراً جاء فيه: “إننا لا نستطيع تجاهل ولو للحظة واحدة تجربتنا ومعرفتنا للدروز والمسيحيين، إنهم بهذا لا يختلفون عن المسلمين بل ربما كانوا أسوأ منهم”. شارك الدروز في ثورة فلسطين (1939-1935) وقاوموا مخطط التهجير من منطقة الجليل وقاوموا شراء ما امكن من الاراضي في القرى والبلدات الدرزية في جوار حيفا والجليل. وطالب سلطان الاطرش أن يكون في عداد جيش الانقاذ عدد اكبر من المتطوعين الدروز. وفي آذار 1948 دخلت مجموعة شكيب وهاب الى منطقة الجليل في فلسطين ونزلت في بلدة شفاعمرو.
ما هو واقع الدروز في سوريا؟ شغلت زعامات درزية لبنانية، كالامير عادل ارسلان وعارف النكدي وغيرهما، مراكز مهمة في حكومة العهد الاستقلالي الاول في سوريا. يقول عباس ابو صالح: “إن موقع الدروز في سوريا ورغم اسهامهم الكبير في العمل الوطني بقي ثانوياً، والى الحد الذي خابت معه آمال الوحدويين ولاسيما وهم الذين سبق أن ناضلوا من اجل وحدة الوطن السوري خلال عهد الانتداب”. تاريخ الدروز في سوريا حافل بالتضامن الانساني. خلال 1943-1939 قام الامير مجيد ارسلان بزيارة لجبل الدروز في حوران في هذه الفترة الحرجة بهدف ارسال مزيد من القمح. وبادر بدوره كمال جنبلاط الى “توزيع محصول املاكه من القمح على المحتاجين خلال الحرب مساهمة منه بتخفيف هذه الازمة التموينية”.
لا يخفي المؤرخ صمت البعض خلال مرحلة 1942-1939: “البعض الآخر ظل صامتاً وكأنّ لا موقف له”. ويقول في مجال آخر: “إن حياد جبل الدروز كما حياد سائر الوطنيين في سوريا ولبنان لم يكن على ما يبدو مضموناً في نظر الحلفاء من دون رشوة سياسية أو ثمن ما يجب تقديمه للقوى الوطنية”. ويذكر ايضاً: “أن تعاون هؤلاء الافراد الدروز مع الصهاينة وانشاء وحدة عسكرية خاصة بهم في ما بعد لم يلقَ أي يوم قبولاً اجماعياً من دروز فلسطين”. أما عن عزوف قسم آخر من شباب القرى الدرزية في الجليل الاعلى عن الانضمام الى جيش الانقاذ يومذاك فيعزو ذلك الى فقدان هؤلاء للشعور القومي العربي”.
ما يستوقف في الكتاب الكلام عن شخصيات درزية مرموقة بخاصة كمال جنبلاط الذي “أخذ يمثل دوره الرائد في الاصلاح السياسي خلال عهد بشارة الخوري (…) متجاوزاً أي دور طائفي لخدمة مصلحة الدروز دون غيرهم (…) كان الشاغل الاساسي لكمال جنبلاط، في مرحلة الاستقلال وخلال عهد بشارة الخوري بالذات، الاصلاح السياسي وبالتالي الاهتمام بشؤون طبقة العمال والفقراء في المجتمع اللبناني بأسره، والتي لا تنحصر بالطبع بالموحدين الدروز أو بطائفة معينة في لبنان”. وللأمير مجيد ارسلان دور رائد في معركة المالكية.
ومن الشخصيات الدرزية البارزة التي يذكرها المؤلف فريد زين الدين ومحمد علي حماده وفؤاد ورشيد ارسلان وسلطان الاطرش… الدروز في فلسطين وسوريا ولبنان استقلاليون ومدافعون عن السيادة والاستقلال. يقول عباس ابو صالح: “كانت غالبية درزية في جبل لبنان تميل ايضاً الى معارضة مشروع سوريا الكبرى، وكذلك مشروع الهلال الخصيب”.
ما هو موقع الدروز في التوازن اللبناني؟ يذكر المؤلف أن مسألة تأليف حكومة احمد الداعوق في نيسان 1941، والتي لم يتمثل الدروز فيها كعادتهم، أثارت نقمة الرأي العام في مختلف المناطق الدرزية، وقدم وفد درزي برئاسة الامير مجيد ارسلان وحكمت جنبلاط – ممثل الست نظيرة جنبلاط على الصعيد السياسي – احتجاجاً بشأن حرمان الدروز في لبنان من هذا التمثيل للمندوب الفرنسي الجنرال دانتز. واذ عمد المندوب الفرنسي لتبرير الحرمان بتعيين أحد وجهاء الدروز، شفيق الحلبي، محافظاً على مدينة بيروت فإن زعماء الطائفة لم يقبلوا بهذا التبرير. وسبق أن اثار الامير مجيد ارسلان موضوع مشاركة الدروز في مجلس النواب في نيسان 1937.

غلاف-الكتاب
غلاف-الكتاب

ويذكر نشاط السفير سبيرز بعد اجتماعه بالبطريرك الماروني، ومن ثم بمفتي الجمهورية اللبنانية، وصولاً الى التسوية المقبولة، وهي المعروفة بصيغة ستة نواب مسيحيين لكل خمسة نواب من المسلمين أي ما يُعرف بالقاعدة الإحدى عشرية.
عن مشاركة الطوائف في الحكم ومشاركة الدروز بشكل خاص، يذكر الكاتب عدم معارضة النائب جميل تلحوق عند مناقشة الدستور تضمينه المادة 95 التي تنص على تمثيل الطوائف اللبنانية بصورة عادلة في الوظائف العامة، وذلك – كما يذكر عباس ابو صالح – “من باب الواقعية السياسية ايضاً”، وبسبب “خشية النائب جميل تلحوق من هيمنة الطوائف اللبنانية الكبيرة على الاقل عدداً كالطائفة الدرزية”.
ماذا يقول الكاتب عن ولادة الاستقلال اللبناني والميثاق الوطني؟ إنه يصف الميثاق اللبناني كالتالي: “الميثاق الوطني هو عبارة عن اتفاق عملي للعيش المشترك بين مختلف الطوائف اللبنانية في وطن واحد”.
رفض الدروز دائماً التدخل الاجنبي: “إن تعطيل بناء الدولة الحديثة والمجتمع اللبناني الموحد في ولائه للوطن، لم يكن بعد قيام الميثاق الوطني فحسب، بل بسبب اسرائيل وضربها للصيغة الوطنية اللبنانية الناقضة لأسسِها مما جعل البلد يسقط في مستنقعات الحرب الاهلية ومضاعفات الاحداث الاقليمية التي كانت تنفخها الدول الكبرى واسرائيل”.

رفض الدروز دائماً التدخل الأجنبي وقاوموا مشاريع الدويلات كما قاوموا تذويب لبنان في مشروع الهلال الخصيب وسوريا الكبرى

كتاب عباس ابو صالح هو مساهمة ضرورية ومفيدة كي يعرف اللبنانيون الدروز واللبنانيون عامة أنفسهم حسب تعبير كمال جنبلاط في كتابه: “من اجل لبنان”، اذ يقول كمال جنبلاط: “لبنان اكثر من دولة، إنه بلد أعظم تنوع ثقافي، وكان يمكن أن يكون اكثر غنى، وبما لا يقاس، لو أنه عرف نفسه. كان بوسعه حقاً أن يعطي العالم أمثولة، وأن يكون وطن التوفيق بين الثقافات، ورمزاً ضرورياً اكثر من مفيد، لأنه إنساني حقاً ، ولكُنّا أعطينا معنى جديداً للمساكنة الإنسانية، وقدمنا للمجتمع الحديث مثلاً عن جماعة مختلفة، ليست مجرد حشد من الأفراد على الطريقة الغربية، بل تجمع من الثقافات، أو قل “عصبة أمم” صغيرة”.
إن التواريخ المحلية وتواريخ الطوائف والمذاهب في لبنان، اذا ما قوربت بأمانة، تُظهر بوضوح أن تاريخ كل طائفة في لبنان – الا في الشؤون الفقهية واللاهوتية – هو اولاً تاريخ مساهمة مُميزة في البناء الوطني العام، وهو ثانياً تاريخ تواصل وتفاعل. لا نخشى تالياً من تنمية التواريخ العائلية والمحلية والمناطقية والمذهبية… في لبنان لأنها تساهم في ادراك الانجازات المشتركة وفي مصالحة ذاكرات فئوية مكبوتة في اللاوعي، في حين أن ذاكراتنا في لبنان، البلد الصغير ذي الدور الكبير، هي غالباً وواقعياً متناغمة ومتواصلة ومتفاعلة.

المــــلك والقاضـــــي

القضاة ثلاثة: قاضٍ في الجنة وإثنان في النار، وتفسير ذلك:
الأول عرف الحق وقضى بموجبه فدخل الجنة.
أما الثاني فعرف الحق وقضى ضده.
أما الثالث فقضى من دون معرفة الحق فكان الأخيران في النار. (حديث شريف)

قصص القضاة كثيرة ومثيرة أحياناً وقلما خلا الأدب الشعبي في أي بلد من حكايات وعبر عن أعمال القضاة لأن العدل مسألة تتعلق بها قلوب الناس ويهتمون بأخبارها كما يهتمون ويتابعون أخبار الجور والإفتئات على الحقوق والكرامات. تحضرني هنا مأثرة لأحد الملوك في غابر الزمان، إذ كان ما إن يعيّن قاضياً حتى يطالب الشعب بعزله، غير أن قاضياً جديداً انتدبه للنظر في قضايا وشؤون الناس في إحدى المدن بقي الشعب يطالب ببقائه عاماً بعد عام. تعجب الملك من هذه الظاهرة وثار فضوله فقرر أن يذهب بنفسه ويستطلع سبب تعلق الناس بذاك القاضي، تدروش بزي رجل بسيط وركب فرسه قاصداً تلك المدينة.
في الطريق شاهد رجلاً منبطحاً إلى جانب حائط يستغيث بذي المروءة، ليحمله كونه مريضاً. أشفق الملك عليه ثم نزل عن فرسه وأركبه مكانه. وبعد وصولهما إلى المدينة المقصودة، طلب الملك الفرس فأبى المدّعي أن يعيدها قائلاً إنها ملكه، آنذاك ما كان أمامهما سوى الإحتكام إلى القاضي، والذي كان يحاول الملك أن يعرف سبب محبة واحترام الناس لقضائه وأحكامه.
كان القاضي المذكور يقضي بدعويين غير دعوى الملك على الرجل، الأولى بين لحّام وزيّات على صرة دراهم، والثانية بين كاتب ومكاري على إمرأة يدّعي كل منهما أنها زوجته، وهي لا تنبس ببنت شفة. ولما وصل الملك المتدروش والرجل المتخاصمان على الفرس، كان الوقت قد صار مساء، فقال القاضي للمتداعين: اتركوا عندي الصرة والمرأة والفرس وتعالوا غداً فأسلم كل ذي حق حقه.
في الوقت المحدّد، رجع المتداعون إلى المحكمة، فقال القاضي للشرطي: سلّم صرة المال إلى اللحام، واصرف الزيّات بعد أن تجلده أربعين جلدة، ثم سلّم المرأة للكاتب واجلد المكاري أربعين جلدة، ففعل الشرطي، ولما أتى دور المتداعيين على الفرس نهض القاضي، وأنزل المتدروش (أي الملك) إلى الإسطبل، حيث الفرس المربوطة بين عدد من رؤوس الخيل، ثم طلب إليه أن يدله عليها ففعل على الفور، ثم أتى بالرجل وطلب إليه أن يعرفها فعرفها أيضاً.
قال القاضي للشرطي: سلّم الفرس للمتدروش واجلد الرجل أربعين جلدة.
دهش الملك المتنكر لأحكام القاضي القاطعة، فقصده ليلاً إلى منزله وكشف له أنه الملك وأنه يريد أن يعرف على أي أسس بنى أحكامه.
أجاب القاضي: أما الدراهم التي اختلف عليها اللحام والزيّات، فإنني وضعتها في الماء المغلي فطافت الأزهام والأدهان العالقة بها، فعرفتها أنها دراهم اللحام.
أما المرأة التي اختلف عليها المكاري والكاتب، فقد أمرتها أن تضع علفاً للفرس، فلم تستطع أن تميّز نسبة كمية الشعير في العلف إلى نسبة التبن، فعرفت أنها زوجة الكاتب وليس المكاري.
قال الملك: يبقى أن تخبرني كيف علمت أن الفرس هي فرسي، مع أن المدّعي عرفها كما عرفتها أنا!
أجاب القاضي: لكن ظهر لي فرق كبير بين معرفتك ومعرفته، فهي عرفتك بهمهمتها ونظرتها إليك وعطفها نحوك.

فأين قضاة اليوم من قضاة الأمس.
وأين زعماء اليوم من زعماء الأمس.
وهل أن اليوم أفضل من الأمس؟!

 

 

حكاية «أم الصبي» في آداب الشعوب

العدل في التراث الصيني والهندي
وصولاً إلى قضاء النبي سليمان (ع)

قال بعض الحكماء:
لا شيء أحسن من عقل زانه حلـمٌ
ومن عمل زانه علـــمٌ
ومن حلم زانه صدقٌ

البلد مليء بأخبار ونوادر السياسيين وصفقاتهم والأعمال المشينة لبعضهم (ولا نريد التعميم). ومن هؤلاء من يرفعون شعارات العفة والطهارة وحتى الشفافية، حتى إذا تجرّأ أحدهم وسألهم عن سبب التناقض بين أقوالهم وأفعالهم اعتلوا سروج خيولهم وسطوح أبراجهم وملأوا الدنيا بصياحهم مرددين بكل ثقة وفخر: نحن من سلالة “أم الصبي” وهم يعنون بذلك أن لا أحد يمكن أن يضاهيهم في الغيرة على مصلحة البلاد والعباد. وكي لا يبقى استخدام الكلام في غير محله ومن أجل تحرير هذا المثل من الاستخدام الباطل أحببت أن أسرد ثلاث حكايات مما أوردته الكتب المقدسة وآداب الشعوب توضح أصل هذا التعبير وسبب تحوله إلى تعبير شهير في أكثر الثقافات العالمة.
لنبدأ بقصة مثيرة في الأدب الشعبي الصيني وردت في كتاب “الشمعة والغرفة المظلمة” لأحد الكتّاب الصينيين، وقد دارت فصول تلك الرواية في بيت أحد الأمراء في الصين، إذ لعبت دور البطولة فيها زوجة من جهة وعشيقة من جهة ثانية. وتقول الرواية إن الأمير تزوج إبنة عمه فلم يرزق منها بولد رغم مرور ست سنوات على الزواج، فراح يُفكر بوليّ للعهد. وارتأى أن يتخذ له عشيقة لتقوم بالمهمة، ثم فاتح إبنة عمه بالأمر فوافقت بعد ممانعة، كون التعاليم الدينية لا تسمح بتعدد الزوجات عند الصينيين.
استجابت السماء لدعاء الزوجة الطاهرة فحملت في الوقت نفسه الذي حملت فيه المرأة التي اتخذها الأمير عشيقة طمعاً في أن يرزق منها بوليّ للعهد، بل شاءت الأقدار أن تضعا معاً في ليلة واحدة، فولدت الزوجة صبياً وولدت العشيقة بنتاً.
أصيبت العشيقة بصدمة كبيرة وهي ترى غريمتها قد رزقت بوليّ للعهد بينما لم تجلب هي للأمير سوى بنت والبنت في المجتمع الصيني القديم لا يمكن أن تعتلي عرشاً. وسوس الشيطان للعشيقة فعمدت إلى أخذ الصبي خلسة وفي غفلة عن والدته ووضعت البنت مكانه على أمل أن يقوم الأمير بتطليق زوجته وإحلال العشيقة مكانها، كونها هي التي ولدت له ولي العهد. لكن عندما انتبهت الزوجة لجناية العشيقة رفعت الصوت عالياً وأوصلت الأمر إلى قاضي القضاة، فعيّن موعداً للمحاكمة واستمع إلى مرافعات العشيقة والزوجة، وكانت الحجج متقاربة في المرافعتين. عندها قرر إحضار الطفل إلى بيته وأوصى زوجته كي تعتني به.
في الموعد المحدد للإستماع إلى الحكم وضع ثياب الطفل فوق جسد لعبة بحجم الطفل كانت صنعتها زوجته من القماش والقطن، ثم قال للزوجة والعشيقة إنكما لا تستحقان هذا الطفل، وعليه قررت أن أضعه في هذه الجرة، وأن ألقيه في النهر، ثم عمد مسرعاً إلى وضع اللعبة في الجرة ورمى بها في النهر المجاور للمحكمة.
الأم الحقيقية ما كان منها إلا أن ألقت بنفسها في النهر وراء الجرة، أملاً منها بإنقاذ الطفل، رغم أنها لا تحسن السباحة، بينما العشيقة بقيت في محلها.
عرف القاضي آنذاك من هي الأم الحقيقية، ثم أرسل السباحين لإنقاذها، ومن بعدها أصدر أمراً بتسليم الطفل إليها.
وفي الأدب الشعبي الهندي في ( كتاب تاريخ النفق) رواية تأسر الأنفاس تقول: كانت إحدى السيدات اللواتي حُرمن نعمة الأمومة تمر قرب أحد الأنهار فشاهدت شابة خارقة الجمال تستحم في غدير، تاركة ثيابها وطفلها على مقربة منها، فغافلتها واستولت على الطفل وولت هاربة ثم زعمت أنه ابنها.
الأم الحقيقية لحقت بها وهي عارية، محاولة إسترجاع فلذة كبدها فلم تفلح.. لكن القدر كان بالمرصاد إذ وصل إلى مكان النزاع أحد وجهاء القرية المجاورة، وبعد مشاهدة المرأتين تتخاصمان ألقى فوراً بعباءته فوق جسد المرأة العارية، ثم أمرهما بتسليم الطفل إليه والذهاب معه إلى رجل حكيم كان مشهوراً في الناحية.
ما إن وصل الرجل والإمرأتان إلى مقر الحكيم، حتى عقد جلسة محاكمة استمع خلالها إلى الرجل الشاهد أولاً فقال هذا: كنت قاصداً على ظهر فرسي صديقاً في البلدة الواقعة خلف النهر، فشاهدت سيدتين تتنازعان أمومة الطفل الذي أحضرته إلى هنا.. وقد راعني أن تكون إحدى المتنازعتين عارية، من ثيابها فغضضت طرفي ثم ألقيت عليها عباءتي، ولما عرفت سبب النزاع عرضت عليهما أن تحتكما إلى عدلكم أيها الحكيم وأحضرتهما مع الطفل إلى مجلسكم الموقّر.
بعد الشهادة هذه استمع الحكيم إلى المرأة التي كانت متدثرة بالعباءة فقال: قبل شهرين رزقت بهذا الطفل من زوجي المدعو فلان، لكن القدر سرق زوجي مني قبل أن يبصر ولدنا النور بثلاثة أشهر، وبعد فك الحداد قصدت النهر مع طفلي لأستحمّ، فوضعته فوق ثيابي على مقربة من حافة الغدير ولم يكن ببالي أن تتجرّأ إحدى النساء من الإنس أو الجن على التفكير بخطفه مني والإدعاء أنها أمه.
غير أن المرأة الثانية قالت: لقد جنى عليّ الدهر فحرمني العيش في أحضان عائلة كريمة، إذ إنني أبصرت النور عند أم غير مستقيمة وعندما كبرت وقعت في غرام رجل فتزوجته وحملت منه، لكنه لم يكن وفياً فتركني وكنت بعد في الشهر السابع من حملي. وأثناء قيامي اليوم بنزهة مع طفلي على شاطىء النهر تصدّت لي هذه المرأة فخفت منها، لكنها لحقت بي وحاولت أن تنزع فلذة كبدي عن صدري، فتعاركنا إلى أن وصل هذا الرجل في غمرة شجارنا. وطلب منا الاحتكام إلى حضرتك.
تعجب الحكيم بحجة كل من المتداعيتين لكنه لم يصل إلى تكوين القناعة التامة بتحديد الأم الحقيقية، فقرر إخضاعهما لإختبار يقضي بأن تشد كل إمرأة بالطفل شداً قوياً صوبها ومهما تكن النتيجة وبعدها يكون الطفل لمن تشده نحوها. المرأة الباغية قبلت على الفور. لكن لابسة العباءة رفضت قائلة: أفضل أن تأخذه هذه المرأة على أن أسمعه يصرخ من الألم. آنذاك علم الحكيم أن الأخيرة هي الأم الحقيقية للصبي وفهم لماذا ركضت عارية من ثيابها خلف سارقة الطفل لاستعادته فحكم بتسليمها إياه.
أما من هي أم الصبي الحقيقية عند النبي سليمان عليه السلام، فالعديد من المثقفين يعرفونها إذ يتناقلها الأحفاد عن الآباء والأجداد وعبر الزمان. غير أنني أردت أن أوردها كما هي في سفر الملوك من التوراة وليس عن غيرها.
تقول الرواية أن إمرأتين من أهل البغاء كانتا تسكنان كوخاً واحداً، وشاء القدر أن تحمل هاتان البغيتان في وقت متقارب، وبعد تسعة أشهر وضعت كل منهما طفلاً ذكراً بفارق ثلاثة أيام، لكن مشيئة الله قضت أن تكون إحداهما ثقيلة النوم فقلبت أثناء نومها على طفلها وتسببت في إخماد أنفاسه.
استيقظت صباحاً واكتشفت هول ما حدث لطفلها، فعمدت إلى نقل طفلها الميت من فراشها، واستبدلته بطفل صديقتها التي كانت تتحضر خارج الكوخ لإرضاع طفلها. وكان من جراء ذلك أن اشتعل الخلاف بينهما، ولم تستطع أي منهما الإحتفاظ بالصبي الحي. بعد أن هدأت العاصفة لبعض الوقت قالت إحداهما للثانية ما رأيك لو ذهبنا إلى الملك سليمان بصفته وعرضنا عليه خلافنا، فوافقتا وتعاهدتا على أن ترضيا بحكمه العادل.
حضرت المرأتان مجلس النبي سليمان عليه السلام، وعرضت كل منهما القضية عليه فقالت الأولى، إن هذا الطفل هو إبني، أنظر إليه أنه يبز القمر جمالاً مثل أبيه، وعندما سألها عن سبب عدم مجيء والد الطفل قالت إنها بغية.. عندها نظر إلى رفيقتها كي تجيب عن إدعائها فقالت: أنا مثل رفيقتي وهذا الطفل هو طفلي وفلذة كبدي ولا أعرف من هو أبوه.. لكنني أعرف بأن صديقتي ثقيلة النوم كثيراً وقد طلبت منها عندما وضعت طفلها أن لا تدعه ينام في حضنها خوفاً عليه فلم تقبل النصيحة. ومن هنا كانت الوقيعة. وحيث قتلت طفلها بعد أن انقلبت عليه ولكنها استغلت وجودي خارج الكوخ فاستبدلت طفلها الميت بطفلي الحي.
بعد التدقيق بالأمر وتقليبه من جميع الوجوه، وفي ظل عدم وجود شاهد حي على ما جرى، قال النبي سليمان (ع): إما أن أحلّف كل منكما اليمين على صحة ما تدّعي وإما اللجوء إلى الحكم الإلهي.
وبما أنني أخشى أن تحلف كل منكما اليمين الكاذب، كما أخشى أن تنتصر الأم الزائفة على الأم الحقيقية لهذا استلهمت من رب العالمين أن يمدني من لدنه بالقدرة على كشف الحقيقة وإعطاء الحكم العادل.
وبما أنكما لا تستحقان أمومة هذا الطفل قررت أن أقطعه بالسيف نصفين متساويين فأعطي لكل منكما نصفاً محدداً.
ما إن سمعت الأم الحقيقية هذا الحكم حتى صرخت بأعلى صوتها: أرجو صاحب العدالة أن يترك هذا الصبي على قيد الحياة حتى لو أخذته هذه القاتلة. أما الأم الزائفة فلم تعترض على الحكم رغم صعوبته، كما قالت .
على الإثر أدرك النبي سليمان وهو الملك العالم العادل من هي الأم الحقيقية وأصدر أمراً بتسليمها الطفل.

يلي ما عندو كبير يشتري كبير
الشاب الذي أدهش تيمورلنك

حقاً للعمر الطويل والعقل النيّـر المستنير والآخذ معرفة الدال والدليل أن يصبح مدرسة ومرجعاً في الإرشاد والتوجيه لخير السبيل.
الحياة بأكملها مدرسة من المهد إلى اللحد فكيف بالذي يعيش العمر المديد بين الكتب والمعارف والمعاشرة والمؤازرة والتنقل بين شتى المشارب والتجمعات، فمن المدرسة طفلاً حتى الجامعة شاباً إلى الحياة العملية رجلاً، والحياة الإجتماعية كهلاً وشيخاً ليتزود ويزداد علماً ومعرفة بالكثير الكثير من العبر والمآثر والقيم، ومن خلال التجارب والتجاوب مع العديد من العادات والتقاليد والأمثال والمثل ليختبر من ذاك أو يختمر مع ذاك، وفي النهاية يستخلص وليختزن مع ما يكتنز ويغني الفكر والذات.
من هنا الحري بنا أن نأخذ برأي وتدبير من هم أكبر منّا سناً وأكثر تفاعلاً وتجاربَ، إذ أن آراءهم وأحكامهم هي ثمرة تجربة ومعاناة يقدمونها لنا خبزاً ناضجاً من مخابزهم إلى موائدنا نقتات بها بأقل المتاعب والمصاعب، وهذا مغزى القول المأثور الشهير “يلي ما عندو كبير يشتري كبير”.
أما ما أحوجني إلى كتابة هذه المأثرة ما سمعته من شاب كان يتعاون معنا في طرش منزلنا وطلاء أبوابه ونوافذه وهو من بلدة تل الأبيض قرب الرقة في الجمهورية العربية السورية.
قال: ياعم، سمعت أنّكم حافظو ومدونو التراث وتاريخه، فهل تسمع مني هذه العبرة عن لسان جدتي، والتي جاوزت التسعين من العمر وكانت لم تزل تردد على مسامعنا ربما كي نتمثل بها ونقتدي بمدلولها.
قال: إن تيمورلنك ذاك القائد المغولي البطاش، حينما غزا بلادنا وصل أحد قادته المتجبرين إلى مدينة احتلتها جيوشهم فطلب من سكانها أن يخرجوا إليه جميع معمريها من الكهول حتى العجزة، وحيال مثولهم بين يديه أمر بقطع رؤوسهم. أحد الشباب كان يحب والده كثيراً ويعتمد عليه كثيراً، رأياً ومشورةً، وهو تمكن من إخفائه عن نظر الواشين والمخبرين طمعاً في حفظ حياته والعودة إلى رأيه وتدبيره في كل صغيرة وكبيرة.
في تلك الأثناء كان القائد المغولي أمر السكان الباقين بالذهاب إلى حقولهم وكان يعتزم تسخيرهم بعمل مضنٍّ تحت أشعة الشمس وحرّها اللافح، ولكن عمل لا طائلة منه وهو طلب منهم أن يتخيلوا أنفسهم يحصدون الريح.
الشاب أخبر والده بما طلب القائد المتعسف وكيف سيمضون أوقاتهم في لهيب الشمس وما الفائدة من حصاد الريح. أجابه والده إفعل يا بني ما يطلب منك لكن عندما تشاهد القائد قادماً نحوك أفرك يديك وتظاهر أنك تأكل ما بينهما. وهكذا، عندما شاهد الشاب القائد المغولي قادماً صوبه فعل كما نصحه والده. اندهش القائد وسأل الشاب: ماذا تمضغ أيها الشاب؟ أجاب: مولاي ما أمرتنا به، فالذي نحصده نأكله. دهش القائد لتصرف الشاب وبداهته فهزّ برأسه وقال: لا شك من رجل كبير يرشدك.
أحنى الشاب برأسه وقال: مولاي، هل بقي من كبير في مدينتنا كي تسأله وقد أمرت بقتلهم جميعاً، ومنهم أبي وأمي.
لم يقتنع القائد المستبد بإجابته، وأراد أن يمتحنه من جديد فقال له:غداً تأتيني منتعلاً وحافياً.
أخبر الشاب والده بما أمر القائد من جديد فأجابه: هذا سهل يا بني، إخلع نعل حذائك السفلي واجعل الباقي منه فوق رجليك بعد أن تربطهما مع سروالك.
في اليوم التالي نظر القائد نحوه وقال: كيف أنت حافٍ والحذاء فوق رجليك؟ رفع الشاب إحدى رجليه عن الأرض فإذا هي من الأسفل حافية وتلامس الأرض.
هزّ القائد برأسه متعجباً ثم أعاد القول من جديد: لا شك أن والدك حيٌّ أو أحد أقاربك يرشدك برأيه. ثم نظر إليه بمكرٍ وقال: غداً تأتيني راكباً وماشياً.
أعلم الشاب والده بذلك فأجابه: لا تقلق يا بني وهذا أمر سهل، وما عليك إلاّ أن تركب مهراً صغيراً وترخي قدميك بحيث تلامسا الأرض.
عندما وصل الشاب على جحشه الصغير شقل القائد حاجبيه تعجباً ثم استلقى على ظهره ضاحكاً وقال: مهما تخفي ومهما تتظاهر أنك بريء فهذا لا يحملني على تصديقك، وأنك عبقري زمانك، وأن هذا الذكاء لا يصدر عن شاب بعمرك، ومع هذا سأطلب إليك من جديد أن تأتي في اليوم التالي بصديق وعدو من بيتك.
عرض الأمر على والده المحنك فأجابه: الأمر سهل، غداً صباحاً يا بني اصطحب كلبك وزوجتك معاً وعند وصولك بين يديه تضرب الكلب بخيزرانة تحملها بيدك فينبح الكلب ويعوي، وبعد أن يبتعد عنك تناديه من جديد فيعود مسرعاً إليك وهو يهز بذيله، ثم يمرغ برأسه في جانبيك وكأنّ شيئاً لم يكن.
بعدها تضرب زوجتك بذاك القضيب وعندها تسمع الجواب النجيب والغريب، وما يدلك على عدوانيتها وغضبها القريب.
وهكذا حصل أمام القائد فبعد أن ضرب الكلب وعوى، إلا أنه أسرع بالعودة إليه بعد مناداته وهو يشمشمه من جديد. لكنه ما إن ضرب زوجته بالقضيب ذاته حتى انتفضت غاضبة وخاطبت القائد بالقول: مولاي زوجي كذّاب ومحتال وخائن، ووالده لم يزل حياً وقد أخفاه في أحد الأقبية ويعود إليه في جميع ما طلبته منه.
ضحك القائد كثيراً متعجباً أيما إعجاب لهذا الذكاء الخارق للأب الكهل وللشاب الذي يعرف كيف يطلب المشورة من الكبار أصحاب التجارب. فقال: لقد عفوت عنك وعن والدك والواجب كان علينا عكس ما فعلنا أن نحترم الكبار ونجل المقام قبل الصغار كي نأخذ بآرائهم وبركاتهم وتجاربهم فلهم حق المشورة وإليهم نلجأ عندما يعوزنا التدبير.

ثقافة و آداب

"الست مي"

“الست مي” علامة فارقة سياسيّاً وإجتماعيّاً وعائليّاً انتقدت بشدة “مذهبة” الأحزاب والصراعات السياسية وأسفت لإنزلاق العرب بإتجاه الإستهانة بكرامة الإنسان وقفت إلى …

ماثر و حكم

بناء يخاف الدهر منه وكل ما على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر ما من زائر أو سائح قصد مصر إلا وكانت بغيته …

السلطان-محمد-الفاتح

السلطان محمد الفاتح مؤسس الإمبراطورية العثمانية لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ الرسول محمد (ص) جمع بين الورع والثقافة …

أفلاطون-الحكيم-مؤلف-الحوارات

الحلقة الثانية محـــاورة مينــــون الفضيلـــــــــة هِبـــَة إلهيـــــــــة فهــــــل يمكـــــــــن تعليمــــــــــها؟ محاورة مينون تكشف عن عمق الفوضى الفكرية والفســـــاد القيمي للفكر السوفسطائي في …

حول كتاب «التاريخ المعاصر للموحدين الدروز» للدكتور عباس أبو صالح ذاكرة الوطن في كل مكوناته «لبنان أكثر من دولة، إنه بلد أعظم …

القضاة ثلاثة: قاضٍ في الجنة وإثنان في النار، وتفسير ذلك: الأول عرف الحق وقضى بموجبه فدخل الجنة. أما الثاني فعرف الحق وقضى …

12

القهوة

القهـــوة المُـــرّة في تراث الجزيرة وبلاد الشام محــــور الحيــــاة اليوميــــة للجماعــة وجلســة لهــا وظائفهــا وفنونهــا وآدابهــا جلسة القهوة هي ملتقى الضيوف وساحة …

هنا-جلس-الإسكندر-للدرس-مع-أرسطو

رسالة الاسكندر الأكبر أراد من حربه على الفرس أن تكون «الحرب التي تنهي كل الحروب» تضمّنت الحلقة الأولى من هذا البحث عرضاً …

سلطان العارفين أبو يزيد البسطامي العـــــارف لا يكــــدره شــــيء ويصفــــو بــــه كــــل شــــيء من عــــرف الله بهــــت، ولــــم يتفــــرغ للكــــــــلام حسب المؤمن …

ماثر و حكم

معلوم أن أحداث الثورة السورية الكبرى سنة 1925 امتدت بتأثيراتها إلى لبنان وخصوصاً جنوبه، وذلك نتيجة لجملة أسباب منها قرب الجنوب من …

ماثر و حكم

[su_accordion] [su_spoiler title=” من مروءات التآزر الدرزي المسيحي وصية عاجلة من الأمير شكيب أرسلان” open=”no” style=”default” icon=”plus” anchor=”” class=””] معلوم أن أحداث …

ماثر و حكم

حكايات الأمثال في جبل العرب تنشر مجلة الضحى بدءاً مع هذا العدد مقتطفات من كتاب الأديب السوري فوزات رزق الذي تناول فيه …